رواية القطة المدللة(الفصل الأول إلى الحادي عشر) بقلم الكاتبة إكرام يوسف

الفصل الحادى عشر

مشى على ضوء القمر المكتمل فى السماء رفع رأسه لينظر إلى شباك غرفتها المضئ وعلى وجهه ملامح الحقد والكُره , عدل من وضع السكين بملابسه جيداً وهو يهم للدخول إلى داخل الفيلا
لم يتجه نحو بوابة الفيلا , بل توجه إلى نقطة معينة بالسور كأنما درس طريقه من قبل وتسلقه بهدوء , إتجه سريعاً ليختبئ أسفل شباكها , وبعينين كعينان الصقر مسح كل ما حوله ليتأكد من عدم وجود أى أحد
وعندما إطمئن بدأ يتسلق ليدخل الغرفة من شباكها المفتوح
كانت تهم بتبديل ملابسها , عندما وجدته يقفز من الشباك ليقف أمامها , كانت لا تصدق حالها , أهو التاريخ يعيد نفسه ليجعلها تقف أمامه مرة أخرى لحالهم بغرفة مغلقة
قطع أفكارها بصوته الأجش :
– عريس الغفلة فين ؟
ظلت محدقة به دون أن تنبث بشفة , أشار بيده لباب الحمام المغلق وهو يستطرد :
– اية بياخد حمام الهنا ؟
إزدادت نظرته حدة وكأن الشيطان قفز بوجهه , وقال بكل حقد العالم :
– بس انا مش هخليه يلمس شعرة واحدة منك , لانى جايبله معايا هدية
قال كلماته الأخيرة وهو يخرج ذلك السكين اللامع من ملابسه
أخيراً نطق الصنم المتحجر وخرج من جموده , صرخت بإسمه بهلع :
– احمد , لا حرام عليك

كان حسام قد بدل ملابسه وهم بالدخول إلى فراشه عندما سمع صرختها , لم يشعر بقدميه وهو يأكل تلك المسافة الفاصلة بينهم
لترى حلمها يتجسد أمامها ولكن تلك المرة المكان فقط هو المختلف
ولكنها تقف وهى ترى حسام بمدخل باب الغرفة يقف فى مواجة أحمد الذى شهر سلاحه موجهه إلى وجه حسام
لم تشعر بنفسها إلى وهى تجرى على حسام لتحتضنه حتى لا ترى حلمها يتجسد
زعر حسام عندما وجدها على تلك الحالة حاول إبعادها ولكنها كانت متشبثة به كأنه أخر نفس لها فى الحياة , لكنه نزعها من حضنه ونحاها جانباً وهو ينظر لأحمد الذى إستشاط غضباً لما فعلته بوسى
قال حسام بتحدى :
– انا قودامك , لو عايز تقتلنى
صرخت بوسى بهلع قائلة :
– لا يا احمد ارجوك , ارجوك تسيبه
نظر لها بأسى وهى يراها تترجاه لغيره , إقتنص حسام تلك الفرصة ليهجم عليه بدأا يتضاربا حاول حسام أن يوقع من يده تلك السكين ولكن دون جدوى
كانت تشعر أنها تختنق , مقيدة لا تستطيع فعل شئ , كاد قلبها يتوقف من فرط توتره وهى تراهم هكذا
فر أحمد هارباً بعد أن سقط منه ذلك السكين الذى كان يلمع هذه المرة باللون الأحمر
إتجهت إلى حسام بلهفة , كان يبدو متماسكاً وهو يضغط بإحدى يديه على جانبه الأيمن , إحتضنها بيده الأخرى وهو يقول بصوت مكتوم :
– متخافيش , انا كويس
نظرت له بخوف ووجها مغطى بالدموع وهى تقول :
– متسبنيش يا حسام
ضمها إليه مرة أخرى وهو يكتم ألمه

******************

صوت صراخها لازال بأذنه لا يرى أمامه سوى صورتها وهى فى حضن غريمه , كان لا يشعر بشئ مما حوله الظلام السكون صوت خطوات قدمه الراكضة , تلعنه , تلعن شيطانه , لا بل تلعنها هى , ساحرته التى أفقدته عقله , وإرتمت فى حضن أخر
لم يكن يتجه إلى وجهة معينه , فجأة وجد نفسه أمام النيل نظر فيه بعمق فرأى صورتها تهتز داخل مياهه , رآها تبتسم بدلال , بادلها الإبتسام ووقف على سور الكوبرى وهو ينظر لصورتها بحب
وترك نفسه ليغوص فى أحضانها , يهوى إليها , رآها عروسه التى طالما حلم بها , رأها أمامه الحب , العشق , الجنون , بوسى

***************

خلى المكان من أى صوت سوى صوت ذلك الجهاز الذى يضئ بومضات تحمل صوتاً منتظماً , تلك هى الأنفاس التى تنعش قلبه الذى لازال ينبض بعد كل ذلك المجهود الذى بذله الأطباء لإبقاءه على قيد الحياة
جسد جامد شبه ميت شبه حى , أنفاس تدخل وتخرج دون حراك
كانت تقف تراقبه من خلف ذلك البلور ودموعها تغرق وجهها
رتبت المربية على كتفها بحنان وإحتضنتها , لترمى بوسى رأسها على صدرها وهى تنتحب , فتهدئها قائلة :
– متخافيش يا حبيبتى ان شاء الله هيخف ويبقى زى الفل
فترد من بين دموعها :
– يارب يادادة يارب
– هو مش الدكتور طمنك عليه ؟
– ايوة بس شكله صعب اوى كدة
– متقلقيش هيفوق قريب يا حبيبتى

**************

– ازيك يا تامر
– الحمد لله ياعم , خير اية اللى حدفك علينا ؟
– ابدا جاى اشوفك , يعنى قلت اواسيك فى محنتك , مش احنا صحاب برده ؟
نظر له بلا مبالاه قائلاً :
– محنة اية ياسئيل ؟
– ياعم انت اية لحقت تنساها , اللى كان يشوفك معاها يقول واقع , دة انت طلعت مصيبة
ليرد وملامح الدهشة على وجهه :
– انت تقصد اية بالظبط ؟
– ياعم بوسى حبيبة القلب سمعت انها اتجوزت امبارح
لتظهر المفاجأة على وجهه وهو يقول :
– اتجوزت ؟ ازاى ؟
– انت متعرفش ؟
ليقوم من مكانه ويظهر عليه الغضب , فيصيح به صاحبه قائلاً :
– طيب قولى رايح فين ؟
كان سؤاله بلا مجيب , فقد إختفى كلمح البصر , ركب سيارته وهو فى غاية الضيق , طلب رقمها للمرة التى لا يعرف عددها منذ أن علم برجوعها إلى البيت بعد إختفائها المفاجئ يوم حفلة شيرى , جاءه الرد مرة أخرى بأن الهاتف مغلق
زفر بضيق وهو يضغط على أزرار هاتفه مرة أخرى , ليأتيه ذلك الصوت الأنثوى بعد رنين إستمر لفترة :
– ايوة يا تامر عايز اية ؟ مش خلاص قولت لبوسى ؟
ليرد وكأنه لم يسمعها :
– هى بوسى اتجوزت ؟
لتصفعها المفاجأة , فهى لا تعلم هل تحزن وتحقد عليها , أم تسعد لبعدها عن محيط ياسر بزواجها
ردت بذهول :
– اتجوزت ؟
– كلمتيها بعد مارجعت ؟
– لا
– انا سمعت انها اتجوزت امبارح , وموبيلها مقفول , وهتجنن مش قادر عايز اعرف اية اللى حصل ؟
لم يسمع الرد , ولم تسمع هى ما قاله لها , فقد كانت السماعة على أذن ياسر الذى إنتزعها من يد شيرى من برهة , أغلق الهاتف وإستدار لها وهو فى قمة غضبه قائلاً :
– هى مين دى اللى اتجوزت ؟
لم تكن قد فاقت من صدمتها الأولى حينما فاجأها بوجوده حتى تستطيع أن تجيبه
ضغط على ذراعها بيده بقوة وهو يقول بلهجة مخيفة :
– مين دى اللى اتجوزت ؟
قالت بصوت مرتعش وبحروف مهزوزة :
– بوسى
إزدادت يده فى قسوتها على ذراعها وهو يصيح :
– انت متأكدة ؟
أماءت برأسها نافية وهى تتألم من قبضته , أرسلها بقوة لترتطم بالحائط لينزل مهرول إلى سيارته ويقودها وهو لا يرى أمامه

*****************

– قومى يا بوسى يابنتى نروح عشان ترتاحى شوية انتى عنيكى ورمت من كتر العياط
لتومئ برأسها نافية ولازالت دموعها تنهمر وهى واقفة أمام ذلك البلور الذى يفصل بينها وبين زوجها
لتقول المربية بيأس :
– طيب تعالى اعدى يا حبيبتى عشان خاطرى
فتستجيب أخيراً لتوسلات مربيتها وتجلس بجانبها خارج غرفة حسام ولم تجف دموعها بعد

****************

كانت الصدمة شديدة وأكبر ما فيها المفاجأة , تلك الصفعة التى جعلت الجبل العتيد يهتز
كان وقعها عليهم واحد فهما أحباها رغم قسوة قلبهم , رغم عدم معرفتهم لما يعتمل فى قلبيهما
فكل منهما أرادها لغرض فى نفسه ولم يعلما بأمر قلبيهما إلا بعد أن فات الأوان
لقد أصبحت ملكاً لآخر , ومن هو ذلك الأخر لكى يفوز بها ؟
وكأن الله أراد أن يحميها من أحمد لكى يظهرا هذان الذئبان يحومان بعالمها من جديد
فكأن النار كانت تأكلهما منذ أن علما بأمر زواجها فأحدهما كان يمتلكها وأضاعها من يده , والأخر كاد أن يمتلكها لولا مشيئة الرحمن التى أنقذتها من يده

************

الطبيب :
– مينفعش غير واحد بس اللى يدخل دلوقتى
فتنظر والدة حسام إلى بوسى وهى تقول :
– ادخلى انتى يا حبيبتى , بس أمانة عليكى تبطلى عياط يابنتى
أماءت برأسها بإيجاب , ودخلت غرفته بعد أن إرتدت كمامة وغطاء للرأس , كان قلبها يخفق بشدة , كانت تتمنى لو يصحو قليلاً لتطمئن عليه
لم تكن تشعر بنزول دموعها بعد أن جاهدت بمنعها إعمالاً بوصية والدته لها , كانت تتأمله بحب , نعم هو الحب الذى إستغربته من نفسها , كانت تظن أنها تحب تامر لكن شعورها نحو حسام مختلف
هل هذا هو الحب إذن ؟
وضعت يدها على يده تتحسسها بأناملها , تبعث له رسالة شوق , تحثه على البقاء بجانبها
لا تتركنى يا من شعرت بالحب معه
شعرت بأنامله تنبض بحركة خفيفة تحت يدها , حدقت بعينها فيه وفى يده رأته يحرك يده مرة أخرى
قالت بشوق :
– حسام , حسام انت سامعنى ؟
حرك يده فأمسكت بها وهى تقول :
– حسام انت فقت ؟
حاول تحريك رأسه بضعف إلى أن أصبح ناحية صوتها , وبصعوبة شديدة جاهد لفتح عينيه ليقع بصره عليها وهى تبتسم من بين دموعها وهى تقول بسعادة :
– الحمد لله
حاول أن يتحدث ولكن يبدو أن الأمر كان مؤلم , فإكتفى ب :
– متعيطيش
أماءت برأسها فى إيجاب وهى على نفس حالتها
دلفت الممرضة وهى تقول :
– كفاية كدة يا مدام عشان راحة المريض
قالت لها :
– دة فاق
قالت الممرضة وهى تشير لها ناحية الباب :
– الحمد لله , طيب اتفضلى حضرتك وانا هنادى الدكتور يشوفه
خرجت ولازالت عيناها معلقة بعينيه التى كانت تنظر لها بحب

جاء الطبيب وفحصه وطمئنهم على حالته , وسعد الجميع بالخبر

***************

بعد عدة أيام قضاهم فى المشفى عاد سالماً إلى المنزل
كان يتوسد فراشه وحوله بوسى ووالدته والمربية
ضحك وهو يقول :
– انا كان لازم اعيا من زمان , عشان اجرب عيشة الملوك
لتقول والدته مسرعة :
– اخس عليك يا حسام , بعد الشر عنك يا حبيبى , ربنا يحميك
قال وهو يحتضن بكفه كف بوسى التى كانت تجلس بجانبه على الفراش :
– اصل بصراحة اللى بشوفه منكم اليومين دول , مكنتش احلم بيه
قال كلمته الأخيرة وهو يضغط بيده على يدها , فنظرت له رأته مبتسماً , فإبتسمت بخجل , وأشاحت بوجهها عنه موجهه حديثها إلى المربية قائلة :
– جهزى يا دادة لحسام الغدا
فترد وهى تهم بالرحيل :
– حالاً يكون الغدا جاهز
فتلحقها ووالدته وهى تقول :
– استنى هاجى اقولك بيحب شوربة الخضار ازاى
ويخرجا من الغرفة , فيهمس حسام بأذن بوسى قائلاً :
– وحشتينى
أجفلت لكلمته وحاولت أن تخلص يدها من يده فمنعها وهو يقول :
– انا مش مصدق انك كنتى عايزة تحمينى وقتها
لازت بالصمت وهى تشعر بمزيج من المشاعر المختلطة تجتاحها فجأة
إستطرد قائلاً :
– شفت فى عينك وقتها نظرة خلتنى اتمنى لو كنت واجهت الموقف دة من زمان عشان أشوفها فى عنيكى
نظرت له بأسى وهى تقول :
– بلاش تفكر فى اللى حصل , عاوزة انسى
مسح على شعرها وهو ينظر لها بحب قائلاً :
– متقلقيش طول ما انا جمبك
إبتلعت غصتها وهى تومئ له بإيجاب وهى تحاول أن تخفى عنه مخاوفها

************

كانت فى غرفتها فى المساء بعد أن ناموا جميعاً , كانت ترتجف من الخوف وعيناها مسلطة على الشباك , تنتظر دخوله منه كالمرة السابقة
قامت ونظرت منه كان كل شئ كما هو الحديقة خالية من أى شئ غريب , كما أن الحارس الذى كلف حسام منصور بإحضاره يجلس مستيقظاً لحراسة الفيلا من أى متطفل
أخذت نفساً عميقاً تهدأ نفسها , أغمضت عينيها فى هدوء لتستجمع قواها
قالت فى نفسها : لا داعى للقلق بوسى , أنت فى أمان الأن
إستدارت لتقع عينها على قطعة الأرض التى سقط حسام عليها إثر إصابته , شعرت بالهلع
تحركت بسرعة خارج غرفتها , فقد تحملت أكثر من طاقتها
مشت بين الغرف فى حيرة , كانوا جميعاً نائمون المربية , والدة حسام التى إنتقلت للعيش معهم إثر إصرار بوسى على ذلك فهى تشتاق لجو العائلة الدافئ كما تعلم مدى تعلقها بحسام , وهو أيضاً متعلق بها بشدة
وصلت لغرفة حسام مدت يدها لتفتح الباب , ثم تراجعت مرة أخرى , أغمضت عينها فى ألم لتتذكر شكله وهو مجروح عندما سقط عندها بالغرفة
قلقت من أن يكون حدث له شئ فقد أصبحت أعصابها لا تحتمل , فتحت الباب ودخلت وأغلقته خلفها , مشيت بخفة حتى لا توقظه حتى وصلت إلى فراشه , رأته ينام متدثراً داخل فراشه , تنهدت فى راحة لرؤيتها له سالماً
كانت تستغرب حالها , لما تشعر بذلك الشعور نحوه ؟
متى حدث ؟ وكيف حدث ؟ متى تسلل إلى قلبها خلسة فى غفلة منها ؟ أم بإرادتها ؟
كل ما كانت تدركه أنها سعيدة بوجوده فى عالمها
إبتسمت لرؤيته ينعم بنومة فى فراشه , كادت تستدير لترحل , لكن شيئاً تعلق بيدها ليوقفها , إنها يده التى تعلقت بكفها
نظرت إليه بإرتباك حوله هو إلى مشاعر مختلطة حينما قرب كفها من فمه وطبع عليه قبلة فى صمت
قالت بحروف متلعثمة وبقلب يخفق بشدة :
– انا كنت جاية اطمن عليك
ليجذبها حتى تجلس جواره وهو يقول :
– منمتيش ليه لحد دلوقتى ؟
كانت ترتعش من داخلها من فرط توترها , حاولت أن تفتح فمها لتخرج الحديث بصعوبة , شعر بها فقال برفق :
– انتى لسة خايفة ؟
أماءت برأسها فى إيجاب وهى تخفى دمعة تحاول أن تهرب منها ولكنها سقطت منها دون أن تشعر , مد يده ليمسحها وهو يقول :
– متخافيش طول ما انا معاكى
– أنا أسفة انى صحيتك بس كل ما ادخل الاوضة افتكر اللى حصل , بشوفه قودامى أكنه بيحصل دلوقتى
جذبها إليه ليأخذها بحضنه وهو يقول :
– متخافيش أحنا بخير ومفيش حاجة تانية هتحصل
إستطرد وهو يلتمس خصلات شعرها وهو يبتسم :
– وكمان السرير هنا كبير وانا معنديش مانع أبداً ان أوضتى تنور النهاردة
رفعت رأسها تنظر له على إستحياء
فقال برجاء :
– عشان خاطرى تنوريها بقى
إبتسمت بحياء , وإستسلمت لطلبه ولنداء عقلها طلباً للأمان ونداء قلبها طلباً لقربه
أما هو فنام وعلى وجهه إبتسامة رضا لأنها كانت أخر ما رأته عينه قبل أن يغمضها للنوم

 

رواية القطة المدللة.

بقلم / إكرام يوسف.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *