رواية القطة المدللة(الفصل الأول إلى الحادي عشر) بقلم الكاتبة إكرام يوسف
الفصل العاشر
إنتقلت ببصرها من القلادة إلى وجهه وهى غير مدركة لما يقول , قالت بلوعة :
– انت بتقول اية ؟ انت ازاى تقول كدة ؟
صاح وهو يقبض بكفه على القلادة ويمدها تجاه وجهها :
– انا اللى عايز اعرف اية اللى حصل ؟ وليه كدبتى عليا ؟
إرتجفت من نبرته الحادة التى تحمل الكثير من الألم والوعيد , وقالت برجاء :
– خلينا ندخل جوة وانا هقولك الحقيقة , بس ارجوك كفاية كدة
نظر لها بضيق , ثم حول نظره لأحمد قائلاً بصرامة :
– تلم هدومك وتمشى من هنا , مش عايز اشوف وشك تانى
أماء أحمد برأسه فى إيجاب , ثم ألقى نظرة على بوسى التى كانت تنظر له فى أسى , وكأنه يودعها
أشار لها حسام لتدخل إلى الداخل , فتقدمته إلى الداخل , جلس فى الكرسى المقابل لها بعد أن وضع قلادتها على الطاولة أمامها , تعلقت ببصرها بها , نظر لها برهة ثم قال :
– اتفضلى , انا سامعك
مسحت تلك العبرة التى سالت منها إثر إفتقدها لحضن والدتها التى لم تعهده مسبقاً , فهى الآن فى أمس الحاجة لأن تبكى على صدرها وتفرغ ما بها من ألم فى حضنها
ثم قصت عليه ما حدث منذ أن خرجت من الفيلا بصحبة أحمد إلى أن عادت أيضاً بصحبته
قال بدهشة ممزوجة بغضب :
– وليه مقولتيش الحقيقة من الأول ؟ وليه خبيتى عليا ؟
قالت وهى تنظر له بحزن :
– هو وعدنى هينفذلى طلبى ويرجعنى هنا تانى , وانا وعدته انى مش هقول لحد على اللى هو عمله
قال وهو فى قمة غضبه :
– لو مكنش رجعك , كان هيبقى خلاصه على ايدى
قام من مكانه متوجهه إليه مرة أخرى , جرت إليه حتى تحاول إيقافه ولكنها شعرت بدوار كادت أن تسقط على الأرض لولا ذراع حسام الذى إستقبلتها قبل أن تصل إلى الأرض إثر إنتباهه لها قبل أن تسقط
حملها وهو يدلف بها إلى الداخل مرة أخرى , فى حين كان أحمد يحمل حقيبة ملابسه ويهم بالمغادرة وينظر لهما فى أسى حتى غابا داخل الفيلا
صعد حسام بها الدرج ودخل إلى غرفتها وضعها على الفراش حاول أن يجعلها تفيق ووضع تحت أنفها بعض العطر تشتمه حتى أفاقت ونظرت له , فقال وهو ينظر لها بلهفة :
– بوسى انتى كويسة ؟ انتى سمعانى ؟
أماءت برأسها فى إيجاب وهم بالخروج وهو يقول :
– هروح اناديلك دادة
لكنه وقف إثر تعلقها بملابسه وهى تقول :
– خليك معايا متسبنيش
كان يشعر بالحرج , ولكنها كانت مثل عهدها فى الصغر , مثل تلك الطفلة الصغيرة التى كانت تتعلق بملابسه خوفاً من بطش أبيها , أو لكى تنعم بالأمان معه من أطفال الجيران المشاغبون
إستجاب لها بقلبه قبل جسده وجلس بجانبها على الفراش , فما كان منها إلى أن تركت رأسها تغوص فى صدره , وذهبت لتوها فى ثُبات عميق
نظر لها بإبتسامة قد قفزت على ثغره لتزين وجهه وهو يرى ملاكه الصغير ينعم بالأمان بجواره
رآها تلك الصغيرة ذات الضفيرة والفستان القصير , تلك التى عشقها وظل لسنوات ينتظر رجوعها إلى جواره مرة أخرى , وها هى الآن قد عادت لتكتمل سعادته
إستند برأسه للوراء وأغمض عينيه وإستسلم هو الأخر لسلطان نومه فقد ظل مستيقظاً طوال فترة غيابها
**************
غادر وترك قلبه معها , أصبح بلا قلب جريح حبها
أصبح طريد جنتها , لن ينعم بعد الآن برؤيتها ولو حتى من بعيد
ظلت بمخيلته صورتها وهى بين ذراعيه , تذكر كم كانت حزينة تتمنى البعد عنه , تذكر نحيبها , وإلحاحها هى ودموعها على المغادرة إلى عالمها , إلى حسام
حسام الذى أخذها منه , فهو من أحبها قبله , هو من عشق قربها
هو من يستحقها وليس حسام
هو من يستحقها وليس حسام
ظلت تلك الجملة تتردد بخاطره , وقد أيقن أنه قد خسر كل شئ ولم يعد لديه أى شئ ليبقى عليه
فلا تسألوا الخاسر عن ما سوف يفعله ؟ فماذا سوف يخسر أيضاً إذا كان قد خسر أغلى ما يملك ؟ فكل رخيص يهون إذا ذهب الغالى الثمين
*******************
إختلطت مياه الصنبور التى تنزل على جسدها بدموعها , لم تكن تشعر بنفسها ولا بعيناها التى تزرف أنهاراً
فها هى قد خسرت كل من حولها , خسرت أهلها الذين باعوها وفضلوا المال عليها , خسرت من أحبت وعشقت , خسرت شرفها وكرامتها , وها هى تخسر أصدقاءها
وحيدة فى صحراء جرداء قاحلة , بلا مأوى ولا جذور , كالريشة فى مهب الريح
تبحث عن ملجأ , حضن دافئ يحتويها , وها هى تبحث وتخفق فى الإختيار مرة تلو الأخرى
من حضن تافه لا يهواها , لحضن مسيطر مستبد يستعبدها
قاربت دموعها أن تجف , فلم تحتمل عيناها كل تلك الآلام , نضحت بما لديها وسكنت
أغلقت الصنبور ومدت يدها لتأخذ روب الإستحمام وتتدثر به ولازالت قطرات الماء تتساقط من شعرها
فتحت الستارة لتجفل لمرآى ياسر يستند بظهره على باب الحمام , وقد عقد ذراعيه أمام صدره وهو ينظر لها بإنتصار
نزلت من حوض الإستحمام وهى ترتعش من الخوف وتحاول أن لا تنظر بعينيه التى تخيفها كثيراً
فتح باب الحمام وخرج وترك المنزل دون أن يتحدث معها بنبث شفاه , فهو لم يكن يريد أن يتحدث إليها كل ما أراده أن يعلمها أن قبضة يده لازالت محكمة حول عنقها
دخلت غرفتها وأغلقت الباب عليها رغم علمها بأنه رحل , لكنها كانت تنتفض من الخوف جلست على فراشها تنتحب
تبكى أُناسٌ فى حياتها إسماً بلا روح ولا حتى جسد
كم كانت تحتاج لمن يحميها
رغم قسوته وخوفها الشديد منه , تمنت لو كانت إرتمت بحضنه حتى لو كان سيضربها بعدها
تمنت أن تنعم بلحظة دفئ مع أى شخص حتى ولو كان غريب عنها
***************
كانت تفرك أنفها فى وسادتها كما تفعل كل يوم عند إستيقاظها من النوم ولكن وسادتها هذا الصباح لم تكن كما إعتادت
فوسادتها اليوم كانت صدر حسام
إنتبه لحركتها فنظر لها وجد وجهها عابث مثل الأطفال عند إستيقاظهم من النوم إبتسم لفعلتها
إنتبهت لما هى عليه , فقد ظلت طوال الليل متوسدة صدر حسام , وكانت مستغربة كيف طلبت منه ذلك
رفعت رأسها لتجده وهو لازال على إبتسامته , فقالت فى خجل :
– انا اسفة , لو كنت ضايقتك
كان لا يزال على إبتسامته وهو يقول بمرح :
– انا متعود عليكى كدة من زمان , ولا نسيتى ؟
إبتسمت بحرج وأرادت أن تهرب من حرب عينيه التى تحاصرها بنظراته , متجهه إلى الحمام
أوقفها بكلماته :
– انا اللى اسف
إستدارت تنظر له , فأكمل :
– مكنش المفروض أشك فيكى , بس مكنتش لاقى مبرر لكدبك
نظرت له بعتاب قائلة :
– المهم انك عرفت المبرر دلوقتى
نظر لها ببعض الندم قائلاً :
– مهو بصراحة مكنش هيجى على بالى اللى حصل دة خالص , بقى يخطفك ومتقوليش ؟
صمتت لم تجيب , فاستطرد قائلاً :
– انا عارف انى اتسرعت , اوعدك انى عمرى ما هشك فيكى تانى
أمال برأسه لينظر بعينيها فى محاولة لإختراقها قائلاً :
– وبعدين مش هينفع ما أثقش فى مراتى , ولا اية ؟
نظرت له بدهشة وهى تحاول أن تخفى إبتسامتها قائلة :
– مراتك ؟
فقال وهو يبتسم :
– فاضل كام يوم والشهر ينتهى , ولا انتى عايزة نتجوز ونعد أنا وإنت على الرصيف ؟
نظرت له نظرة تنم عن عدم فهمها لما يقول
فقال موضحاً :
– اصل انا كدة كدة هتجوزك , انتى ناسية اننا مقرى فتحتنا من زمان , وبابا متكلم مع باباكى فى كل حاجة , وانا استحالة انزل كلام بابا وعمى الأرض
نظرت له بدهشة ودّت أن تقول شئ , ولكنه قاطعها قائلاً :
– وانا عارف كويس انك مش هتكسرى كلامهم برده , انا هرتب كل حاجة , وهجيب المأذون بكرة
وتركها وغادر الغرفة وهى تشعر بالمفاجأة التى سكبها فوق رأسها لتوها , ولكنها كانت تستغرب تلك الإبتسامة التى إرتسمت على شفتيها و هى تعيد فى ذاكرتها كلماته
******************
– انا عارف يا عم حسين انك ملكش ذنب فى اللى حصل , وان عمى شكرى كان بيحبك , بس أسف مش هينفع بعد اللى حصل تفضل هنا
رد عم حسين الذى يقف أمامه فى غاية الألم :
– انا عارف يا أستاذ حسام , كتر خيرك انك مرديتش تضيع مستقبله وإكتفيت بس باننا نمشى من هنا
– انت زى ابويا ياعم حسين , وطبعا زى كل عمال الشركة ليك مكافأة نهاية الخدمة
– ربنا يكرمك يا بنى , ويصلحلك الاحوال
*************
إحتضنتها المربية بسعادة وهى تقول :
– الف مبروك يا حبيبتى , كنت بحلم باليوم دة يا بوسى , الحمد لله انى شفتك عروسة
لتبتسم بوسى وهى فى كامل زينتها وترتدى ذلك الفستان الذى صبغ بلون زهور النرجس الأرجوانية , طويل بلا أكمام مع القليل من الفصوص الفضية التى إرتصت على أحد جوانبه بشكل منمق
وأسدلت خصلات شعرها على ظهرها ليتناثر بعفوية مثل موجات الظلام فى ليلة غاب فيها القمر , ولكنه كان ينير بوجهها فهى عروس الليلة
لم يعدوا حفلة لتلك الزيجة فقط حضر المأذون والأستاذ منصور مع أحد العاملين معهم بالشركة ووالدة حسام وخال بوسى
فقط سوف يعقد قرانهم فى تلك الجلسة العائلية
اتجه إلى غرفتها وهو يرتدى بزة سوداء زادته وسامة , دق على باب غرفتها ففتحت مربيتها وهى تعلو وجهها إبتسامة قائلة :
– الف مبروك يابنى
إبتسم بحياء قائلاً :
– الله يبارك فيكى يا دادة
فتحت باب الغرفة على أخره وهى تقول :
– تعالى يا حبيبى
ليقع نظره على بوسى , فتشعر بالحرج وتزداد سرعة دقات قلبها
فيطلب من المربية أن تتركهم لحالهم , تذهب المربية وتوصد الباب خلفها
تجلس على فراشها أمامه وهى مرتبكة , وتقول :
– خير ؟
يجلس على المقعد فى مواجهتها قائلاً :
– المأذون تحت , وانا عايز اقولك ان مش معنى انى بحبك وبتمنى تكونى مراتى , ان دة يلغى رأيك فى الموضوع , انا لازم أعرف رأيك
همت بقول شئ لكنه قاطعها قائلاً :
– عايزك تعرفى حاجة مهمة الاول , ان لو الفلوس راحت انا مش هسيبك انتى بنت عمى وهتعيشى معايا انا وامى وهعتبرك اختى ومش هسيبك ابدا ولا هتخلى عنك
إبتسمت بخجل وهى تقول :
– ازاى المأذون تحت وبتقولى هعتبرك اختى ؟
إبتسم هو الأخر قائلاً :
– يعنى نتوكل على الله ونكتب الكتاب ؟
نظرت أرضاً دون أن تتحدث , فقال :
– مش عايزك تقبلى بيا غصب عنك ولا حتى عشان الفلوس
قالت بسرعة :
– الموضوع مش كدة , انا بس حابة افهم حاجة
ظل ناظراً لها فى صمت يحثها على الإسترسال فى الحديث
قالت بحروف متلعثمة وهى فى شدة ارتباكها :
– انا بس , انت يعنى عارف انى لسة مش ……
شعر بما تريد أن تقول , فقال :
– انا فاهم يا بوسى انك مش متعودة عليا وان جوازنا جه فجأة , مش عايزك تقلقى من حاجة وخليكى واثقة فيا
أماءت برأسها وهى متعلقة بعيناها به , إبتسم وهو يهم بالمغادرة قائلاً :
– طيب خليكى وانا نازلهم تحت
وقفت وقد إطمئن قلبها وأحست أنه شعر بما يخالجها من تخوفات
دخلت المربية وجلست معها بعد أن شدد عليها عدم مغادرة بوسى لغرفتها حتى يدعوها للنزول
****************
تمت إجراءات عقد القران وغادر المأذون والشهود , وصعد حسام إليها ليأخذها إلى تحت بعد أن إطمئن أنه لا يوجد رجل غريب سوف يراها بذلك الفستان العارى
نزلوا وقضوا وقتاً ممتعاً بصحبة والدته وخالها ومربيتها
رحلوا جميعاً وتركوهم , نظر لها حسام بحب قائلاً :
– تعبتى ؟
– لا , عادى يعنى
– يعنى مش عايزة تنامى
– يعنى
أمسكها من يدها وهو يهم بصعود الدرج وهو يقول :
– انا بقول نطلع ننام , اصلى تعبان اوى
إبتلعت غصتها ولم تستطيع الرد بأى شئ فقد كان يقودها إلى أعلى
أوقفها عند باب الغرفة وأخذ ينظر بعينيها فى صمت , كانت فى قمة خجلها رغم تحررها لكنها كانت متوترة
إحتضن وجهها بكفيه وطبع قبلة على جبينها وهمس قائلاً :
– تصبحى على خير , هتوحشينى اوى لغاية الصبح
إبتسم وهو يشير إلى الغرفة المقابلة لغرفتها قائلاً :
– انا قلت لدادة تجهزلى الأوضة دى عشان تبقى براحتك
ثم أمال رأسه تجاهها قائلاً :
– بس دة بشكل مؤقت بس
إبتسمت بخجل , قال وهو لا يزال مبتسم :
– يلا ادخلى بقى قبل ما ارجع فى كلامى
فتحت الباب ودلفت وأغلقته وهو يقف مبتسماً لها , وقفت خلف الباب وهى تضع يدها على قلبها لتهدأ من دقاته , فقد كان يخفق بشدة من فرط توترها , ولكن لم تفارق ثغرها تلك البسمة التى تزين وجهها
نظرت لنفسها فى المرآة فقد توردت وجنتيها من الخجل , رأت صورة شباكها فى المرآة إبتسمت وهى ترى البدر كاملاً
مشى على ضوء القمر المكتمل فى السماء رفع رأسه لينظر إلى شباك غرفتها المضئ وعلى وجهه ملامح الحقد والكرهه , عدل من وضع السكين بملابسه جيداً وهو يهم للدخول إلى داخل الفيلا
