رواية جواد بلا فارس (الفصل السابع عشر إلى العشرون) بقلم الكاتبة منى سلامة
الحلقة ( 17 )
تجولت “آيات” فى الفيلا تتأمل كل ركن فيها بأعين دامعة .. تجمع ما يعز عليها فراقه .. وتضعه فى حقيبتها .. تجمعت الحقائب فى الأسفل .. فتحت شرفة غرفة المعيشة ووقفت تنظر الى القمر بأعين دامعة .. هذه هى الليلة الأخيرة التى ترى فيها هذا القمر من بيتها الذى ولدت وعاشت وتربت فيه .. من الغد سيكون هذا البيت ملكاً لغيرها .. سيسكنه اناس آخرون .. ستطأ أقدام غريبة تلك الأرض التى زحفت ومشت عليها أولى خطواتها .. وتلك الشرفة التى سهرت فيها ليالى طويلة .. ستشتاق لهواء هذا البيت .. لجدرانه .. لآثاثه .. لأركانه .. فرت منها دمعة حزينه .. مسحتها بأصابعها و سؤالاً ملحاً يتردد بداخلها .. أين ستذهبين يا “آيات” .. ليس لديكِ مأوى .. وليس فى حوزتك الا بضعة آلاف من الجنيهات .. ماذا ستفعلين ؟! .. الى من ستلجأين ؟! .. لم يكن لكِ فى هذه الدنيا الا والدك .. لكنه رحل .. رغماً عنه ورغماً عنكِ .. أستستطيعين مواجهة تلك الحياة بمفردك ؟! .. قاطع دخول دادة “حليمة” شرود أفكارها .. ابتسمت لها “حليمة” بحنان قائله :
– أجيبلك تتعشى يا بنتى
هزت “آيات” رأسها نفياً وقالت بأسى :
– ومين له نفس للأكل يا دادة
نظرت الى القمر مرة أخرى .. وشردت فى حالها من جديد وهى تقول :
– المفروض أسيب الفيلا بكرة ومش عارفه أروح فين
.. ثم التفتت الى “حليمة” قائله وهى ترمقها بنظرات حزينة :
– هيعز عليا فراقك أوى يا دادة
ابتسمت “حليمة” بحنان فقالت “آيات” بصوت باكى :
– بجد هتوحشيني أوى .. لو كنت عارفه انا راحيه لفين كنت خدت معايا .. بس أنا حتى مش عارفه هعيش ازاى
عانقتها “حليمة” وأخذت تمسح على شعرها بحنان .. أجهشت “آيات” فى البكاء علها تريح صدرها مما يقاسيه من أحزان .. قالت “حليمة” بطيبة :
– بس أنا باه مش هسيبك يا “آيات”
نظرت اليها “آيات” قالئه وهى تمسح عبراتها :
– مش هينفع يا دادة أخدك معايا . .أنا أصلاً لسه معرفش هعيش فين
ابتسمت “حليمة” وحى تتأملها قائله :
– هتعيشي معايا
نظرت اليها “آيات” بدهشة فأكملت “حليمة” :
– بيتي القديم لسه موجود مبعتوش .. سبحان من خلانى ما أحتجش أبيعه .. وأهو الزمن لف ودار واحتجتله .. وكمان أن محوشه قرشين من مرتبى اللى كنت باخده من والدك الله يرحمه .. هتيجي تعيشي معايا ورزقى ورزقك على الله
اغرورقت عينا “آيات” بالعبرات وهى تنظر اليها .. لم تتمالك نفسها فأجهشت فى البكاء مرة أخرى وهى تقول بتأثر شديد :
– بجد يا دادة مش عارفه أقولك ايه
قالت “حليمة” بأعين دامعة :
– متقويش حاجة .. أبوكى كان راجل طيب .. زرع فى حياته الخير .. وانتى بتحصديه دلوقتى .. عمره ما عامل حد من اللى شغالين عنده بطريقة وحشة .. كان بيعامل الناس بطيبة وعمره ما قصر مع حد ولا عمره أذى حد .. ولما سألته فى مرة عن سر معاملته الحنينة للخدم وللناس اللى شغاله عنده قالى ان النبي صلى اله عليه وسلم قال ” إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ – أى خدمكم-، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ” .. كان راجل طيب ويعرف ربنا والناس كانت بتحبه .. ربنا يرحمه هو وأمك
ابتسمت “آيات” وهى تقول :
– يارب .. يارب ارحمهم
ربتت “حليمة” على كفتها وقالت مبتسمة :
– متشغليش بالك .. لينا رب وهو أرحم بينا من عباده
ثم قالت :
– أما أروح أتمم على الحاجة اللى هناخدها
نظرت “آيات” الى السماء وقد لاحت ابتسام على شفتيها وهى تقول بتأثر :
– الحمد لله .. انت كريم اوى يارب
************************************
استيقظ “آدم” من نومه فوجد والدتها فى مطبخ الشاليه تعد الطعام فنظر لها قائلاً :
– صباح الخير يا ماما
نظرت اليه أمه قائله :
– صباح النور يا “آدم”
قال “آدم” وهو يقترب منها :
– ماما بتعملى ايه ؟ .. روحى ارتاحى وأنا خلاص اتفقت مع واحدة هتيجي تنضف وتطبخ
قالت أمه بحزم :
– لا مليش أنا فى الحاجت دى .. أنا مبحبش واحدة غريبة تنضف بيتي ولا تحط ايديها فى أكلى
قال “آدم” :
– يا ماما انتى تعبانه مينفعش الىل بتعمليه ده الدكتور قال ترتاحى
قالت أمه بعناد :
– أنا الحمد لله بقيت كويسة أوى وأقدر أقف على رجلى وأعملى شغل البيت
قال “آدم” مستسلماً :
– طيب براحتك
ثم قال يحذرها :
– بس لو تعبتى ارتاحى على طول اتفقنا
ابتسمت له قائله :
– ربنا يخليك ليا يا ابنى ولا حيرمنى منك
أخذها فى حضنه قائلاً :
– ولا يحرمنى منك يا ماما
نظرت اليه والدته بعتاب قائله :
– انت لسه مبتصليش
ارتبك “آدم” وشعر بالحرج فقالت بحزن :
– ربنا يهديك يا “آدم”
نظر اليها “آدم” قائلاً :
– أيوة .. ادعيلى الدعوة دى .. انتى دعوتك مستجابة
قالت أمه :
– بدعيلك يا حبيبى .. بس مش كفاية دعائي لوحده .. ربنا بيقول فى سورة الرعد ” إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ” .. لازم تبدأ بتغيير نفسك بنفسك يا “آدم”
تنهد “آدم” قائلاً :
– ان شاء الله
ثم توجه الى باب المطبخ وقال :
– هروح أغير عشان متأخرش على الشغل
قالت له أمه بإهتمام :
– مش هتفطر
قال “آدم” بعبوس :
– لا مليش نفس
ارتدى “آدم” ملابسه وخرج من الشاليه متوجهاً الى مكتبه .. كان العبوس بادى على ملامح وجهه .. كان يشعر بالضيق والحنق .. لا يدرى السبب .. لكنه غير مرتاح .. غير سعيد .. يشعر بان شئ بداخله مفقود .. شئ لم يستطع ان يملأه بملذاته ونزواته وسهراته وأمواله وقريته السياحية .. على الرغم من النجاح الذى حققه حتى الآن .. الا أنه لم يشعر بالفخر لهذا النجاح .. بل يشعر بالفشل ! .. زفر بضيق وهو يجلس الى مكتبه .. تحدث الى نفسه قائلاً .. لماذا هذا الشعور البغيض ؟! .. لماذا لا تفرح يا “آدم” بإنجازاتك ونجاحك ؟! .. لماذا تشعر بأنك لم تنجز شيئاً ولم تربح شيئاً .. لماذا هذه المرارة التى تشعر بها داخل حلقك .. ما الذى ينقصك يا “آدم” ؟! .. عما تبحث لتكون سعيداً ؟! .. علم الإجابة .. لكنه لم يجرؤ على الإفصح بها لنفسه .. شعوره بالذنب ألجمه وقيده وجعله كالعاجز .. كالعطشان الذى يتمنى قطرة ماء وأمامه نهر من الماء العذب لكنه بدلاً من أن يشرب منه توجه الى البحر المالح .. لكنه كلما حاول أن يروى ظمأه ازداد عطشاً .. لا عطشه ارتوى .. ولا جسده ارتاح !
*************************************
فى صباح اليوم التالى خرجت “آيات” من الفيلا مع “حليمة” وهى تتأمل الفيلا وتودعها بعينيها الممتلأه بالعبرات .. أسرع الحارس بحمل الحقائب فى السيارة الأجرة التى توقفت أمام باب الفيلا .. نظر الى “آيات” بأسى قائلاً :
– آنسة “آيات” مش محتاجه اى حاجة ؟
نظرت اليه “آيات” قائله :
– شكراً
قال الحارس وهو متأثراً بما حل بها :
– انتى زى أختى الصغيرة .. أنا عندى أخت فى سنك .. أنا هنا مش همشى الساكن الجديد الحمد لله هخلاني فى شغلى .. لو احتجتى أى حاجة أنا موجود هنا
نظرت اليه “آيات” وقد اغرورقت عيناها بالعبرات وهى تقول :
– متشكرة أوى
تابعها بعيناه الحزينتين وهى تركب السيارة بجوار “حليمة” لتنطلق بهما الى سكنها الجديد ..
فى أحد الأحياء الشعبية توقفت السيارة .. ساعد السائق فى انزال الحقائب وايصالها الى باب الشقة .. صعدت “آيات” البناية القديمة والدرجات المتهالكة وتأملت الجدران المزرية والتى تنبعث منها رائحة غريبة .. أسرعت “حليمة” بفتح الباب .. ثم توجهت الى الشباك ففتحته لينير البيت بنور الصباح .. تأملت “آيات” الشقة الصغيرة المكونة من غرفتين صغيرتين بكل منهما فراش وبصالة صغيرة بها صالون متهالك ومطبخ وحمام .. كان البيت الصغير فى حالة مزرية وقد غطى التراب الأثاث بالكامل .. قالت “حليمة” بتفائل :
– متقلقيش هينضف ويبقى زى الفل
ابتسمت “آيات” بوهن والتفتت لتدخل الحقائب الى الداخل فساعدتها “حليمة” .. ثم قالت بمرح :
– تحبي تختارى أنهى أوضة
نظرت “آيات” الى الغرفتين .. فكلاهما فى حالة رثة .. قالت بخفوت :
– أى واحدة مش هتفرق
توجهت “حليمة” الى احدى الغرف وقالت وهى تفتح شباكها :
– تعالى هنا دى شرحه عن التانية
بدأت “حليمة” بتنظيف غرفة “آيات” التى مدت يد المساعدة الى “حليمة” رغم اعتراضها .. كان العمل شاقاً فأكوام التراب كانت تغطى كل شئ .. بعد أكثر من ساعة من العمل المتواصل فى الغرفة أصبحت صالحة للإستهلاك الآدمى .. ألقت “آيات” بجسدها المرهق على الفراش .. فلم تعتاد العمل فى البيت ولا تحمل مشاق التنظيف .. استسلمت الى النوم و “حليمة” تغلق باب غرفتها وهى تبتسم فى اشفاق
***************************************
جلس “آدم” على الشط يتأمل البحر أمامه .. كان شارداً فلم يرى تلك الفتاة التى ترتدى البكيني والتى اقتربت من مكان جلوسه .. انتبه اليها عندما قالت :
– حضرتك دكتور “آدم” مدير القرية مش كدة ؟
ابتسم “آدم” مجاملاً وقال :
– أيوة أنا
جلست الفتاة دون دعوة على المقعد المجاور له وهى تقول بمرح :
– بجد القرية تحفة .. أول مرة أحس ان مصر فيها أماكن حلوة .. طول عمرى بقضى الأجازة بره .. بس لما شوفت اعلنا قريتكوا قولت أجرب وبجد انبهرت
ابتسم “آدم” قائلاً :
– الحمد لله ان قريتنا عجبتك
قالت الفتاة وهى تمديدها اليه :
– أنا “بسنت”
أمسك يدها فى راحته قائلاً :
– تشرفنا يا آنسه “بسنت”
ضحكت قائله :
– لا مبحبش آنسة وأستاذ والجو ده .. أنا “بسنت” وصحابي بيقولولى “بوسى”
ذكره الإسم بـ “بوسى” .. تلك المراة التى أمضى معها ما يقرب من العام .. يعيش معها وفى بيتها ويصرف من مالها .. تلك المرأة التى عاش معها عيشة تغضب رب السماوات والأرض .. عقد حاجبيه بضيق وهو يتذكر أيامه ولياليه معها .. شعر بنفور شديد .. من نفسه .. تذكر آخر لقاء جمعه بها .. تذكر افسادها لزواجه من “آيات” .. “آيات” .. تلك الفتاة التى يأبى عقله أن ينساها .. لماذا يتذكرها دائماً .. لماذا لا يستطيع نسيانها .. لماذا تقفز الى عقله بين الحين والآخر .. قال لنفسه افق يا “آدم” .. “آيات” ضاعت من بين يديك للأبد .. لا فائدة من البكاء على اللبن المسكوب .. قالت “بسنت” التى كانت تراقب تعبيرات وجهة :
– انت شكلك مش معايا خالص
نظر اليها “آدم” وكأنه نسى وجودها .. ثم نهض قائلاً :
– بعد اذنك عندى شغل
ابتعد وهى ترمقه بنظراتها المغتاظه .. كانت الفتاة جميلة .. و متحررة .. وترمقه بنظرات الإعجاب .. ويعلم أنه اذا أراد علاقة معها فسيلقى ترحيباً منها .. لكنه لم يفعل .. سأل نفسه .. لماذا ؟! .. فأتاه الجواب من داخله .. سئمت الحرام !
**********************************
استيقظت “آيات” على رائحة الطعام الشهى .. شعرت بألم حاد فى بطنها وهى تتذكر أنها لم تتناول شيئاً منذ الأمس .. فتحت الباب لتجد البيت مقلوباً رأساً على عقب .. تلمست الطريق الى المطبخ لتجد “حليمة” واقفة تعد الطعام .. لتفتت تنظر اليها مبتسمه وقالت :
– صباح الخير يا ست البنات .. ثوانى والأكل يكون جاهز
قالت “آيات” مبتمة بضعف :
– قصدك مساء الخير يا دادة
ثم قالت :
– هى الساعة كام ؟
قالت “حليمة” وهى تنظر الى هاتفها :
– المغرب هيأذن
صاحت “آيات” قائله :
– كده يا دادة تسيبيني نايمة أنا مصلتش الضهر ولا العصر
أسرعت “آيات” وتوجهت الى الحمام لتتوضأ .. جمعت الظهر والعصر وبمجرد أن انتهت سمعت آذان المغرب يتردد من المسجد القريب .. نادتها “حليمة” قائله :
– يلا يا بنتى الأكل جهز
قالت “آيات” وهى تقف :
– هصلى المغرب الأول يا دادة
ابتسمت “حليمة” وقالت :
– طيب تعالى نصلى جماعة بدل ما كل واحدة تصلى لوحدها
ابتسمت “آيات” ووقفت بجوار “حليمة” التى أمتها فى الصلاة .. تناولت “آيات” طعامها بنهم شديد على الرغم من بساطته وتواضعه .. راقبتها “حليمة” بإشفاق والابتسامة على ثغرها .. أسرعت “آيات” بالرد على الهاتف قائله :
– السلام عليكم .. ازيك يا “سمر”
قالت “سمر” بلهفة :
– وعليكم السلام .. اخص عليكي يا “آيات” بأه ده كله يحصل وأنا معرفش
قالت “آيات” بخفوت :
– حصل ايه
هتفت “سمر” بضيق :
– يعني والدك يتوفى ومشكلة الديون وانك تسيبي الفيلا كل ده وأنا معرفش هو يا بنتى مش احنا صحاب ولا ايه
قالت “آيات” :
– أيوة طبعاً يا “سمر” .. بس معلش اعذريني أنا والله حتى “أسماء” مكنش بيبقى فيا دماغ أكلمها
قالت “سمر” :
– أنا لسه أفله مع “أسماء” وحكتلى على اللى حصلك .. عملتى ايه فى موضوع السكن ؟
توجهت “آيات” الى غرفتها وأغلقت الباب وهى تقول :
– اللي ساعدني وفتحلي بيته آخر شخص توقعت انه يقدر يساعدني
قالت “سمر” بإستغراب :
– مين اللى سعدك
قالت “آيات” مبتسمة بتأثر :
– دادة “حليمة” .. فتحتلى بيتها وبتعاملنى زى بنتها
ابتسمت “سمر” وقالت :
– الحمد لله .. رنبا كبير
اغرورقت عينا “آيات” بالعبرات وهى تقول :
– أيوة فعلاً كبير أوى ومفيش أحن منه
قالت “سمر” مشجعة :
– يبقى طلعى حاجة لله يا “آيات” حتى لو كانت صغيرة
ابتسمت “آيات” وهى تقول :
– كويس انك فكرتيني .. انا هعمل كده فعلاً ..
ثم قالت بحزن :
– رغم انى مش هقدر أطلع مبلغ كبير
قالت “سمر” بمتسمه :
– ربنا بيقول ” فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ ” .. و رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “سبق درهم مائة ألف درهم” قالوا: وكيف؟ قال: “كان لرجل درهمان تصدق بأحدهما، وانطلق رجل إلى عرض ماله، فأخذ منه مائة ألف درهم فتصدق به ” . يعني أجر راجل تصدق بدرهم أكبر من أجل راجل تصدق بمية الف درهم .. فسألوه ازاى يا رسول الله .. فقال .. ان اللى تصدق بدرهم واحد ده راجل كان معاه درهمين تصدق بواحد واحتفظ بواحد فمعنى كده انه تصدق بنص ماله .. أما التانى كان معها فلوس كتير تصدق منها بـ مية ألف درهم .. لكن المية ألف دول بيمثلوا جزء صغير من فلوسه الكتير .. يعني تعملى الخير ومتستصغريهوش يا “آيات” بالعكس لما تتصدقى وانى محتاجة وفى أشد الحاجة .. الثواب بيبقى أكتر بكتير من لو تصدقتى وانتى مرتاحه مادياً
ابتسمت “آيات” وهى تقول بحماس :
– بجد فرحتيني بالكلام ده يا “سمر” وحمستيني انى أتصدق بجد .. وربنا يتقبل منى يارب
ابتسمت “سمر” وقالت :
– ان شاء الله يتقبل منك يا “آيات”
ثم قالت بجدية :
– “آيات” احنا اخوات .. لو احتجتى أى حاجة هتقوليلى مش كده
قالت “آيات” :
– طبعا يا “سمر” .. ومتشكره أوى على مكالمتك دى
قالت “سمر” :
– مفيش شكر بينا احنا اخوات زى ما قولتلك .. وبجد لو احتجتيني فى أى حاجة هتلاقيني جمبك
قالت “آيات” بتأثر :
– بجد متشكره يا “ٍمر” .. كلام ده لوحده بيطمنى وبيحسسنى انى مش لوحدى
قالت “سمر” تطمأنها :
– انتى مش لوحدك يا “آيات” .. كلنا هنكون جمبك
بعد قليل تلقت مكاملة من “إيمان” التى قدمت اليها واجب العزاء وكلمات المواساة .. سعدت “آيات” بإهتمام صديقاتها بها وشعرت بأن كلماتهم تهون عليها مصابها
************************************
هتفت “إيمان” بحنق :
– أنا تعبت .. تعبت .. بنشتغل زى التيييييييييييت ومش هاين عليهم يدفعولنا مرتبات عدلة
قالت لها صديقتها الجالسه معها فى كافيتيريا المستشفى :
– كل حاجة فى البلد دى خربانه .. فالحين بس يدوا فلوس أد كده للى بتمثل وللى بترقص وحتى للى بيلعب كورة .. لكن اللى بيطفح الدم زينا فى كلية زي كليتنا ويشتغل ويداوى الناس وتطلع عينه يدوه ملاليم
هتفت “إيمان” بحده :
– حسبنا الله ونعم الوكيل .. حاجة تقرف بجد .. حتى أخويا مش لاقى شغل عدل ولسه لحد دلوقتى متثبتش فى وظيفته
قالت صديقتها :
– أخوكى ده محترم أوى .. شوفته كذا مرة وهو جايلك المستشفى مبيبصش لبنات أبداً ولما بنت بتعدى من أدامه بيبص فى الأرض
قالت “إيمان” :
– فعلا “على” محترم أوى ومش بيحب يعمل حاجة غلط وهو عارف ان حرام يبص للبنات
ثم قالت بأسى :
– عارفه أنا نفسى فى واحد زى “على” أخويا كده .. ميبصش على بنات ولا يشوف حد غيري .. لناه لو قارنى بالبنات أكيد أنا الىل هخسر
ثم تنهدت قائله :
– تعرفى .. خايفة أوى ارتبط بواحد وبعد الجواز عينه تزوغ على واحدة رفيعه ويخونى معاها .. بفكر كتير أوى فى كده .. حسه انى لو اتجوزت مش هعرف أملى عين جوزى ومش هعرف أثق فى نفسي وأجلع والبس زى ما الستات بتلبس .. حسسه انى مكسوفة من شكلى ومن جسمى أوى
سالتها صديقتها :
– طيب انتى ليه متعمليش رجيم يا “إيمان” ؟
قالت “إيمان” بحنق :
– عملت كتير بس مش بعرف أستمر .. كل ما أتحمس انى أعمل رجيم أرجع تانى أكل زى البغله لحد ما أتخن أكتر من الأول
ثم قالت بحزن :
– نفسي أوى يبقى جسمى حلو عشان لما أتجوز متكسفش من نفسي .. نفسى أحس زى البنات كده انى واثقة فى نفسي وانى بنت زيهم .. أنا سعات بحس انى مش بنت .. ساعات بحس انى ست كبيرة
ترقرقت العبرات فى عينيها وهى تقول :
– عارفه لما بكون بشترى حاجة والراجل يقولى يا مدام .. بتخنق أوى وبحس انى عايزه اعيط .. ولا لما بسمع حد بيتريق على تخنى بحس انى عايزه ملك الموت ينزل ويقبض روحى
قالت صديقتها :
– معلش يا “إيمان” فى ناس كده مؤذية مع النبي صلى الله عليه وسلم قال ” المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ” .. وبعدين خلى عندك ثقه فى نفسك وواصلى على رجيم وان شاء الله تخسى
تنهدت “إيمان” وقالت بيأس :
– ربنا يسهل ان شاء الله
***********************************
فتحت “آيات” الباب لتجد “أسماء” أمامها تقول بغيظ :
– دخت على ما لقيت البيت
ابتسمت “آيات” قائله :
– معلش
تعانقت الصديقتان بشدة لفترة طويلة .. قالت “أسماء” :
– وحشتيني أوى .. عاملة ايه
قالت “آيات” بأعين دامعة :
– الحمد لله
نظرت “أسماء” الى المنزل المتواضع ثم أقبلت “حليمة” فسلمت علهيا قائله :
– ازيك يا دادة
ابتسمت “حليمة” وقالت :
– الحمد لله يا بنتى .. أما أروح أعملكوا شاى
جلست الفتاتان فى الحجرة التى خصصتها “حليمة” لـ “آيات” .. فقالت “أسماء” :
– البيت مبهدل أوى
قال “آيات” بحزن :
– اهو أحسن من الشارع
قالت “أسماء” بشرود :
– وأحسن من اللى أمر من الشارع
قالت لها “آيات” بإستغراب :
– تقصدى ايه ؟
ردت “أسماء” بوهن :
– مفيش .. خلينا فيكي انتى .. ناوية على ايه
قالت “آيات” وهى تفكر فى حالها :
– أكيد هنزل أشتغل .. مش معقول هسيب دادة “حليمة” تصرف عليا هى أصلاً على أد حالها
ثم قالت بمرارة :
– تصورى عمى لحد دلوقتى مكلمنيش .. ولا حتى عسان يعزيني فى وفاة بابا .. ولا قالى انتى ناقصك حاجة ولا لأ
قالت “أسماء” :
– انتى قولتيله ان عمو توفى
قالت “آيات” :
– لا متصلتش بيه بس أكيد عرف .. وأكيد على الأقل خالص عرف ان شركة بابا اتباعت لان الاعلان نزل فى الجرنال
قال “أسماء” بحنق :
– أنا مش عارف ايه الأهالى اللى معندهمش احساس دول .. حاجة تقرف
قالت “آيات” وهى تحاول أن تتناسى مآسيها :
– سيبك .. أنا أصلاً مش عايزه منه حاجه
فتحت “أسماء” حقيبتها وأخرجت رزمة نقدية وأعطتها لـ “آيات” قائله :
– ياريت كان معايا أكتر .. بس انتى عارف انى خيبه ومكنتش بعرف أحوش .. أنا بعت دهبي وده نص الفلوس والنص التانى شيلاهم لانى حسه انى هحتاجهم قريب
نظرت “آيات” الى المال وقالت بحزم :
– لا طبعاً مش هاخد منك حاجة يا “أسماء”
قالت “أسماء” بحده :
– ليه باه ان شاء الله مش احنا صحاب يا “آيات”
قالت “آيات” بصرامة وهى تشعر بالضيق لتعرضها لهذا الموقف :
– صحاب حاجة واللى انتى بتعمليه ده حاجه تانية .. مستحيل أقبلهم منك
قالت “أسماْء” وقد تضايقت من رفض “آيات” :
– معنى دكه انك بتعملى فرق بيني وبينك يا “آيات”
قالت “آيات” بسرعة :
– لا والله أبداً .. بس انا لسه معايا فلوس اتبقت من بيع العربيه .. وكمان أنا عارفه ظروفك المهببة انتى كمان شيليهم أكيد هتحتاجيهم وأنا لو احتجت حاجة هطلب منك
قالت “أسماء” :
– وعد .. وعد لو احتجتى حاجة هتطلب منى
نظرت اليها “آيات” بإمتنان قائله :
– أيوة وعد
ابتسمت “أسماء” قائله بتهكم ممازحة “آيات” :
– فين الشاى اللى دادة “حليمة” قالت عليه .. دى لو كانت بتسخنه فى حرارة الشمس كان زمانه غلى من بدرى
دخلت “حليمة” الغرفة تحمل صنية الشاى وهى تقول :
– الشاى للعرايس الحلوين
************************************
عادت “أسماء” الى بيت جدها .. وما كادت تصل الى منتصف الصالة حتى أحاطها “هانى” بذراعيه من الخلف وهو يقول :
– وحشتيني يا قمر
انتفضت “أسماء” وحررت نفسها من بين ذراعيه ثم التفتت تنظر اليه بغضب .. شعرت بالدهشة من جرئته وفى وضح النهار لكن دهشتها اختفت بعدما قال وهو ينظر اليها بجرأة :
– محدش فى البيت كلهم خرجوا يعني البيت فضى علينا أنا وانت يا جميل
صاحت “أسماء” بغضب :
– احترم نفسك بأه .. مش هسكتلك المر دى
ضحك قائلاً :
– تصدقى اترعبت .. هتعملى ايه يعني
قالت بغضب هادر :
– هصرخ وأفضحك وألم عليك الناس
قال بتهكم :
– لو صرختى انتى اللى هتتفضحى مش أنا
انقض عليها فجأة وأحاطها بذراعيه .. سمعت صوت الباب يفتح فصرخت قائله :
– ماما .. ماما الحقيني
تركها “هانى” على الفور .. دخلت أمها وخالتها يصيحان فى جزع :
– ايه فى ايه ؟
– بتصرخى ليه ؟
قالت “أسماء” بغضب :
– الزفت ده كل شوية يقرب منى ويعمل حاجات مش مظبوطة .. أنا سكت كتير بأه بس تعبت وقرفت
صاحت خالتها قائله :
– انتى بتقولى ايه يا بت انتى
أجهشت “أسماء” فى البكاء قائله :
– ابنك يا خالتو كل شوية يتحرش بيا وبيجيلى أوضتى بالليل
اقتربت منها أمها وصفعتها قائله :
– اخرسى يا بنت انىت ايه اللى بتقوليه ده
وضعت “أسماء” كفها على خدها المتأم وهى تقول باكية :
– والله العظيم يا ماما ما بكدب ده اللى بيحصل فعلاً
صاحت خالتها :
– لا يا حبيبتى أنا ابنى متربي أحسن تربية الدور والباقى عليكي انتى .. من أول ما رجلك خطت البيت ده وانتى بترسمى عليه وبترمى بلاكى عليه
ثم التفتت الى أختها قائله :
– لمى بنتك لألمهالك
جذبتها أمها من ذراعها قائله بغضب :
– عجبك الفضايح دى
جذبت “أسماء” ذراعها من يد أمها وهى تصيح بغضب :
– انا فاض بيا انتي مش أم انتي معندكيش احساس
صفعتها أمها مرة أخرى وهى تصيح :
– بطلى قلة أدب بأه فضحتينا
نظر اليها “هانى” بشماته وكأنه يقول لها .. لقد حذرتك بأن الفضيحة ستكون من نصيبك أنتِ .. لم تعبأ “أسماء” بنظراته ولا بكلام والدتها وخالتها وتوجهت الى غرفتها حاملة كل شئ يخصها وخرجت أمام ناظرى والدتها التى قالت :
– راحه فين ؟
التفتت اليها “أسماء” بوجهها المبلل بالعبرات وهى تقول بعنف :
– ملكيش دعوة بيا وانسى انك خلفتيني أصلاً
خرجت “أسماء” ولس أمامها الا مكان واحد للذهاب اليه … “آيات”
************************************
انهارت “أسماء” باكية فى حضن “آيات” وهى تقص عليها ما عانته فى منزل خالتها .. لم تتمالك “آيات” نفسها ففاضت دموعها هى الأخرى وهى تقول :
– حسبي الله ونعم الوكيل ربنا ينتقم منه
قالت “أسماء” وهى تغمض عينيها بشدة علها تتناسى تلك الذكريات السيئة :
– كنت حسه انى بموت فى البيت ده ومحدش حاسس بيا لا أم ولا أب
نظرت اليها “آيات” قائله بحده :
– “أسماء” انتى ازاى سكتى على الأرف ده . ده المفروض تقولى وتتكلمى ومتسكتيش
قالت “أسماء” بضعف :
– ما أنا اتكلمت محدش صدقنى خوفت أتكلم تانى يطردونى أو يفضحونى
قالت “آيات” بعنف :
– الطرد والفضيحة أرحم مليون ألف مرة من انك تستسلمى للحقير ده .. سكوتك ده هو اللى شجعه انه يتمادى معاكى .. ومش كل مرة كانت هتعدى سليمة أكيد فى مرة من المرات كان هيغتضبك
قالت “أسماء” وعيناها تشع ألماً ممزوج بالحيرة :
– خوفت يا “آيات” خوفت
قالت “آيات” بحزم :
– أنا لو كنت مكانك كنت صرخت وفضحته ومهمنيش أى حاجة ولو هطرد أطرد بس أكون حافظت على نفسى ومخلتش حيوان زى ده يلمسنى
قالت “أسماء” بوهن :
– يارتنى كنت اتكلمت وقولتلك من زمان .. كان زمانك نصحتيني وكان زمانى بعدت عن القرف ده
انفجرت فى البكاء مرة أخرى فعانقتها “آيات” قائله بحنان :
– خلاص انسى اللى حصل
قالت “أسماء” من بين عبراتها :
– مش ممكن أبداً أقدر أنسى يا “آيات” .. انا مش بس قرفانه منه أنا كمان قرفانه من نفسى أوى
قالت “آيات” وهى تمسح على شعرها برفق :
– بكرة تنسى
ثم نظرت اليها قائله :
– ومتقلقيش هتفضلى هنا معايا .. هنكون مع بعض على الحلوة والمرة .. وأنا من بكرة هبدأ أدور على شغل
قالت “أسماء” وهى تمسح عبراتها :
– طيب ما تروحى لعمك
هزت “آيات” رأسها بقوة وهى تقول :
– لأ مش ممكن أبداً أروح أشحت منه
قالت “أسماء” بسرعة :
– لا مش هتشحتى منه انتى هتطلبى منه انه يشغلك عنده أو عند أحد من صحابه .. يعني هتطلبى منه يساعدك انك تلاقى شغل مش أكتر من كده .. ويا سلام بأه لو شافلنا شغل لينا احنا الاتنين .. اهو نقدر نصرف على نفسنا
قالت “آيات” وعلامات الحزن على وجهها :
– تعرفى ان محامى بابا الله يرحمه مرضاش يساعدنى .. رغم ان بابا كان بيعامله كويس
قالت “أسماء” بحده :
– حسبي الله ونعم الوكيل فيه .. أصلاً الناس معدش فى قلوبها رحمة .. بحس انهم بأوا كتل حجر ماشية على رجلين
ثم قالت وكأنها تتعلق بأى شئ للنجاة مما هما فيه :
– حاولى تروحيله يا “آيات” مهما كان عمك وحش بس معتقدش انه يسيبك فى ظروف زى دى .. على الأقل خالص يساعدك انك تلاقى شغل
قالت “آيات” وهى تشعر بالحيرة والتردد :
– بس اللى أعرفه عن عمله ان شغله مش مظبوط وعشان كده بابا بعد عنه
قالت “أسماء” :
– طيب خليه على الأقل يشوفلك شغل فى شركة حد من رجال الأعمال اللى يعرفهم .. مش معقول كل الىل يعرفهم شغلهم مش مظبوط .. وبعدين هو هيقولك فى وظيفة كذا انتى تشوفى اذا كانت مناسبه ولا لأ .. بس نتحرك نعمل أى حاجة الفلوس اللى معانا لو خلصت هنتبهدل يا “آيات” .. والشغل مش سهل انك تلاقيه
تنهدت “آيات” قائله وهى تفكر :
– مش عارفه محتارة أوى .. هستخير ربنا النهاردة وأشوف ربنا كاتبلنا ايه
**************************************
صاح “سراج” بحده وهو يتحدث مع ابنه “عاصى” عبر الهاتف :
– ايه اللى انتب تقوله ده يا “عاصى” ؟
صاح “عاصى” قائلاً :
– يعني نسكتله بعد اللى عمله فى قريتنا ده يا بابا .. التييييييييييت اللى زى ده لازم ياخد على دما..غه عشان يتعلم الأد..ب ويعرف مين هما أسياده
قال “سراج” بحزم :
– هدي اللعب شويه يا “عاصى” .. لو عملت أى خطوة دلوقتى هيرد عليك بعشرة ومش هنخلص .. استنى شوية لحد ما نلاقى فرصة مناسبة ونضر..به فى مقـ,ـتل
هتفت “عاصى” بعنف :
– يا مين ينولنى رقبته دلوقتى أخلص عليه وأمحيه من على وش الدنيا
قال “سراج” محذ…راً :
– “عاصى” قولتلك هدى اللعب دلوقتى
قال “عاصى” بغل :
– حاضر يا بابا
صمت “سراج” قليلاً ثم سأله قائلاً :
– انت هترجع امتى من العين السخنة ؟
قال “عاصى” بصرامة :
– مش راجع .. انا خلاص هفضل هنا في العين السخنه ويا انا يا التيييييييييييت ده
ظل “عاصى” يفكر فى كيفية القضاء على “آدم” وازالته من أمامه تماماً .. لم يكن “عاصى” من تلكم الأشخاص التى تتميز بالورع أو الخوف أو الشفقة .. بل كان قلبه أشبه بالصخر .. وأثبت خلال سنين حياته أن له نصيب كبير من اسمه .. “عاصــى ” !
**************************************
دخل “آدم” الشاليه ليجد أمه جالسه على أحد المقاعد .. قال :
– ازيك يا ماما
نظرت اليه بعتاب ثم أشاحت بوجهها عنه .. اقترب منها وسألها قائلاً بإهتمام :
– فى حاجه يا ماما ؟
صمتت قليلاً ثم قالت :
– ازاى قابل تعيش كده يا “آدم” ؟
جلس على المقعد المجاور لها وهو يقول بدهشة :
– ازاى يعني مش فاهم
قالت بحده :
– عيشتك حرام يا ابنى .. وفلوسك حرام
هتف “آدم” قائلاً :
– انا فلوسي مش حرام يا ماما
قالت بألم :
– لا حرام يا ابنى .. لما تيجي من وره الخمرة تبقى حرام .. لما تيجي من وره لحم الخنازير تبقى حرام .. لما تيجي من الرقص والمسخرة والستات العريانة وقلة الأدب تبقى حرام .. انا اتمشيت النهاردة فى القرية واتصدمت من اللى شوفته
قال “آدم” بإرتباك :
– الخمرة ولحم الخنازير فى زباين بيطلبوها وأنا مبضر…بش حد على ايده عشان ياكل أو يشرب منها وكمان فى أكلات معينة ميتفعش تتعمل من غير الخمـ,ـرة والأكلات دى هى اللى بيتميز الأماكن الراقية والمطاعم والقرى الكبيرة .. وبالنسبة للملهى الليلى هو أصلا مش شغال دلوقتى بسبب الحر…يقة اللى حصلت .. وبالنسبة للرقص وللستات العر..يانه انا مش هضر..بهم على ايدهم واقولهم مترقصوش وغـ,ـطوا جسـ,ـمكوا
نظرت اليه أمه بألم وقالت بحسره :
– انت شايف ان كل اللى قولته ده مقنع ؟ .. طيب لو مقنع تقدر يوم القيامة تقوله أدامه ربنا لما يسألك جبت فلوسك منين ؟ .. تقدر تقوله لما تتسأل فى قبرك منين جبت فلوسك وصرفتها فى ايه ؟ .. الرسول صلى الله عليه وسلم قال ” لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ” .. هتقدر تقول الكلام ده وقتها يا “آدم” ؟
قال “آدم” بضيق :
– أنا مبعملش حاجة غلط .. لا بشر.ب خمـ,ـرة ولا باكل حاجة حـ,ـرام
قالت “أمه بحزم :
– بس بتبيعهم للى بياكلهم وللى بيشربهم وده حر.ام وبتاخد سيئات زيهم بالظبط لانك بتقدمها ليهم وبتسهلها عليهم .. النبي صلى الله عليه وسلم قال “من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا”
نهض “آدم” قائلاً وهو يريد الهروب من هذا النقاش :
– أنا داخل أرتاح شوية
دخل “آدم” عرفته وبدل ملابسه .. ألقى بنفسه فوق فراشه فى تهالك .. أخذ يفكر فى كلام والدته وهو يشعر بضيق شديد فى صدره وكأن الهواء سُحب من الغرفة عن كامله .. شعر بإختناق شديد وهو يفكر فى كل شئ وأى شئ .. قام يجلس فى فراشه وهو يحاول أن يزيل هذا الإحساس الذى أصبح ملازماً له فى الفترة الأخيرة .. قال لنفسه .. لماذا هذا الضيق يا “آدم” ؟ .. تعمل فى مركز يتمناه آلاف الشباب فى سنك ؟ .. لك مرتب كبير يسد احتياجاتك ويفيض ؟ .. ما شمكلتك .. لماذا هذا الثقل الذى تعشر به فوق صدك ؟ .. لماذا لا تهنأ وتفرح وتسعد وتعيش حياتك كما يفعل غيرك ؟! .. ما الذى ينقصك يا “آدم” .. ما الذى ينقصك ؟! ..
تسربت الى أسماعه صوت آيات من القرآن الكريم أدارتها والدته فى المسجل ورفعت الصوت عالياً حتى اخترق الباب المغلق ونفذ الى أذنيه .. أعاد ظهره الى الوراء وهو يرهف أذنيه بإنتباه شديد .. كالظمآن الذى يسمع صوت خرير الماء بالقرب منه
اذا لم يعمل المقطع فاضغطي هنا
– يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 12 ) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ ( 13 ) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ( 14 ) فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ( 15)
عندما وصلت الى مسامعه تلك الآيه امتلأت عينى “آدم” بالعبرات حتى فاضت وتساقطت على وجهه الذى اشتاق لتلك الدموع الخاشعة الذليلة المستشعره بذنبها وتقصيرها وبُعدها .. أغمض عينيه ليفرغ ما بداخلهما من عبرات تحرقهما .. وانتفض جسده بعدة شهقات لم يستطع كبحها
– أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ .
الحلقة ( 18 )
جلس “سراج” فى بار قريته السياحية وقد علا وجهه علامات الإستغراق فى التفكير .. اقترب منه أحد الرجال قائلاً :
– “عاصى” بيه
التفت اليه “عاصى” .. فقال الرجل :
– مدير القرية اللى حضرتك طردته بعد ما البلطجية اتهجموا علينا
قال “عاصى” بغلظة :
– ماله سي زفت ده ؟
تردد الرجل قليلاً ثم قال :
– سمعنا انه اشتغل فى قرية جولدن بيتش
التفت “عاصى” اليه بحده وترك كأس الخمر من يده وقال بإستغراب :
– يعني ايه اشتغل فى جولدن بيتش
قال الرجل وقد بدا عليه الإرتباك :
– ده اللى عرفناه يا “عاصى” بيه .. “آدم” مدير القرية لما عرف ان حضرتك طردته عرض عليه مرتب كبير وشغله فى القرية
قال “عاصى” وعيناه تشعان شرراً :
– شغله ايه ؟
قال الرجل :
– مسكة ادارة المطعم
لكم “عاصى” الكأس الموضوع على البار بقبضته فوقع على الأرض وقد أصدر صوتاُ عالياً أثناء تهشمه .. انتفض الرجل وهو ينظر الى “عاصى” الذى بدا وكأنه تحول الى وحش كاسر زمجر قائلاً :
– وطبعاً التيييييييييييييت ده قالوا على كل أسرارنا فى ادارة القرية .. زمانه عرفه كل كبيرة وصغيره فى قريتنا
صاح فى الرجل قائلاً :
– روح انت .. وأى حاجة جديدة تحصل بلغهالى فوراً
أومأ الرجل برأسه وانصرف من أمام “عاصى” وهو يتنهد فى ارتياح .. عض “عاصى” شفتيه بقوة وهو يتوعد “آدم” قائلاً :
– ماشى يا تيييييييييييييت .. مبقاش أنا “عاصى” ان ماخليتك تلف حولين نفسك
**************************************
دخلت “آيات” المطبخ تساعد “حليمة” التى قالت :
– روحى انتى يا بنتى دول شوية فول وشوية طعمية مش هياخدوا منى حاجة
قالت “آيات” وهى تسخن الخبز :
– مفيش مشكلة يا دادة هساعدك
استيقظت “أسماء” ومرت على المطبخ فى طريقها الى الحمام وقالت بصوت ناعس :
– صباح الخير
– صباح النور
– صباح النور يا بنتى
قالت “آيات” وقد عزمت امرها على الذهاب الى عمها :
– على فكرة يا “أسماء” أنا استخرت ربنا .. وهروح النهاردة ان شاء الله لعمى
ابتسمت “أسماء” قائله :
– كويس .. وان شاء الله خير
كانت “آيات” متوترة للغاية من تلك المقابلة .. مضت سنوات طوال لم ترى فيها عمها “سراج” و لا أولاده .. تُرى أمازال يتذكر شكلها .. ايتذكر اسمها .. ماذا ستكون رده فعله عندما يراها أمامه .. تطلب منه وظيفة تكسب منها لقمة عيشها .. تنهدت “آيات” بحسرة ولاحت فى عينيها العبرات وهى تتذكر والدها وفقدانها له .. ترك فقدانه شرخاً كبيراً فى نفسها .. شعرت بأنها كشجرة اللبلاب التى فقدت دعامتها وأخذت فى التمايل .. لكنها أبداً لن تسمح لنفسها بالسقوط .. ستواجه الحياة وسلاحها هو قربها من الله عز وجل .. كانت “آيات” تحاول التقرب اليه بقدر ما تستطيع .. أبدلت ملابسها بأخرى أوسع منذ أن عادت من العمرة .. وإن كانت ملابسها لم تتصف بعد باللباس الشرعى .. إلا أنها شعرت براحه كبيرة عن تلك الملابس الضيقة التى اعتادت الخروج بها .. ومنذ أن عادت من العمرة لم تضع أى زينة على وجهها .. فأصبح أكثر اشراقاً ونعومة .. تنهدت “آيات” وشعور بالقلق يتسرب اليها .. كانت تخشى لقاء عمها .. تخشاه بشدة
*************************************
قامت والدة “آدم” بتحضير الفطور على الطاولة .. ثم ذهبت لايقاظ ابنها .. طرقت طرقة خفيفة ثم فتحت الباب .. لكنها تسمرت فى مكانها وبدأت العبرات تبلل عينيها وهى تنظر الى “آدم” الساجد على الأرض .. وضعت كفها على فمها لتكتم شهقات بكائها وأغلقت باب الغرفة ببطء .. جلست على أحد المقاعد وهى تبكى وتناجى ربها :
– يارب اهديه يارب .. يارب اصرف عنه كل سوء .. يارب عينه على نفسه وعلى شيطانه .. يارب اهديه أنا قلبي راضى عنه ارضى عنه يارب .. ارضى عنه
سمعت باب غرفته يُفتح فمسحت عبراتها بسرعة وقالت تقول له :
– يلا يا “آدم” عشان تفطر
التف الاثنان حول الطاولة .. كانت أمه تنظر اليه من حين الى آخر بنظرات فرحة ممزوجة بالحنان والرضا .. تقابلت نظراتهما فابتسم “آدم” ثم قال :
– ادعيلى يا ماما
قالت أمه بنبرة صادقة :
– والله يا ابنى بدعيلك دايماً .. ربنا ينورلك طريقك ويهديك يا “آدم”
اتسعت ابتسامته وهو يغادر الشاليه متوجهاً اى مكتبه فى القرية .. لأول مرة منذ شهور طويلة جداً يشعر براحة فى صدره .. كان شعور الضيق مازال يلازمه الا أنه هذا اليوم كان أخف وطأه .. استسمتع بهذا الشعور من الراحه الذى افتقده طويلاً .. دخل مكتبه وشرع فى ممارسة عمله بحماس .. دخل “زياد” المكتب ليقول :
– صباح الخير يا “آدم”
ابتسم له “آدم” قائلاً :
– صباح النور يا “زياد” .. ايه الأخبار .. مدير قرية الفيروز اللى اطرد أخباره ايه معانا
قال “زياد” وهو يجلس أمامه على المكتب :
– مبسوط على الآخر
ضحك “آدم” قائلاً :
– زمان “عاصى” هيـ,ـمو,,ت من الغيظ
قال “زياد” بتوتر :
– يا خوفى المرة دى متجيش سليمة زى المرة اللى فاتت
قال “آدم” بحزم :
– ميقدرش يعمل حاجة أنا زودت الحراسة على القرية ومدى أوامر للبودى جاردز لو شافوا حد بيبلـ,ـطج فى القرية يمو…توه ضر.ب لحد ما يبانله صاحب
قال “زياد” فجأة :
– ايه أخبار بنت أخو “سراج” اللى انت كنت خاطبها ؟
قال “آدم” بإستغراب :
– اشمعنى يعني ليه بتسألنى
قال “زياد” :
– أصل أبوها مات
شعر “آدم” بالصدمة وهو يستمع لخبر موت “عبد العزيز” وهتف قائلاً :
– لا حول ولا قوة الا بالله
ثم نظر اليه قائلاً :
– انت عرفت منين ؟
قال “زياد” :
– قريته فى الجرنال من فترة
شعر “آدم” بالقلق على “آيات” فهو يعلم أنها ليس لها أقارب .. وليس لها أحداً فى هذه الدنيا إلا والدها .. أسرع “آدم” يخرج هاتفه ويتصل بـ “آيات” ..
جلست “آيات” مع “سمر” و “إيمان” و “أسماء” .. فى غرفتها ببيت “حليمة” .. عندما رن الهاتف .. نظرت الى الرقم وشعرت بإضطراب بالغ عندما علمت أن “آدم” هو المتصل .. أخذت تتساءل فى نفسها عن سبب اتصاله .. ماذا يريد منها .. نظر اليها الثلاث فتيات وهى تمسك هاتفها وتنظر اليه بتوتر .. سالتها “أسماء” بإهتمام :
– ايه .. مين يا “آيات” ؟
قالت “آيات” بتوتر :
– “آدم”
أسرعت “سمر” قائله :
– متعبريهوش
انقطع الاتصال فقالت وهى مازالت تحاول تخمين سبب اتصاله :
– أصلاً مكنتش هرد
عاود الإتصال مرة أخرى فقالت “إيمان” :
– طيب شوفى عايز ايه
قالت “سمر” بحزم :
– لأ هيكون عايز منها ايه يعني .. خلاص الموضوع انتهى وده واحد نصاب وكداب المفروض متتكلمش معاه تانى ولا تثق فيه أبداً
قالت “أسماء” فى حيرة :
– بس ليه بيتصل تفتكرى عايز ايه يا “آيات” ؟
تنهدت “أسماء” بضيق ثم أغلقت هاتفها تماماً حتى لا يعاود الإتصال بها وهى تقول بضيق :
– معرفش ومش عايزه أعرف
شعر “آدم” بالتوتر عندما حاول الاتصال بها مرة اخرى ليجد هاتفها مغلق .. زفر بضيق فسأله “زياد” قائلاً بإهتمام :
– ايه مبتردش ؟
قال “آدم” بحنق وهو يكتب رسالة على هاتفه :
– كان بيرن وفجأة لقيته مقفول .. أكيد مش عايزه تكلمنى
نظر اليه “زياد” قائلاً :
– هتبعتلها رسالة ؟
قال “آدم” وهو يكتب رسالته :
– أيوة
أرسل “آدم” رسالته وقلبه وعقله منشغل بـ “آيات” وحالها بعد وفاة والدها .. شعر بالأسف لفقدانها والدها لعلمه بمدى تعلقها به .. وبمدى حبها له واعتزازها به .. رق قلبه لحالها وأخذ يتخيل شعورها بمرارة الفقد التى ذاق مثلها بعد وفاة والده .. حاول الاتصال بها مرة أخرى لكن الهاتف ظل مغلقاً .. انصرف “زياد” دون أن يشعر به “آدم” .. دخل الفيس بوك وتوجه الى حسابها .. أخذ يبحث عن اسمها دون جدوى .. طردته من عالمها تماماً .. حاول الإتصال بها مرة أخرى دون جدوى .. زفر بضيق وقد أخذ القلق منه مبلغه
************************************
فى المساء .. ألقت “آيات” نظرة على “أسماء” النائمة بجوارها .. ثم أسندت ظهرها الى واسادتها وهى تفكر فى لقاء الغد .. قررت الذهاب الى عمها فى الغد .. امتدت يدها الى هاتفها تفتحه .. اندهشت عندما وجدت رسالة من “آدم” .. فتحتها بأيدي متوترة وقرأت ما فيها :
– “آيات” البقاء لله عرفت ان والدك توفى .. أنا عايز أطمن عليكي
نظرت “آيات” الى الرسالة بسخرية ممزوجة بمرارة شعرت بها فى قلبها .. هتفت بداخلها .. تريد أن تطمئن على ؟! .. ما أرق قلبك ؟! .. تنهدت فى ضيق وتركت هاتفها على الأرض بجوار السرير وحاولت النوم
استلم “آدم” تقريراً بوصول رسالته فأسرع بالنهوض من فوق فراشه وأمسك هاتفه الموضوع على المكتب واتصل بها .. نظرت “آيات” الى الهاتف وهى تشعر بالإضطراب .. ثم ما لبث أن اختفى اضطرابها وظهرت علامات الألم على وجهها وهى تتذكر كيف خدعها وكيف لعب بعواطفها ومشاعرها وكيف استغل حبها له ليصل الى ما يريد .. وكيف خانها مع تلك المرأة .. وكيف تجرأ وفعل هذا الذنب الكبير .. هتفت بصمت .. ماذا تريد منى .. لم أعد أملك شيئاً تريده .. لم أعد أملك أى مال .. لم أعد أملك أحداً تستطيع ابتزازه .. لم أعد أملك اى شئ فى هذه الدنيا .. ابحث عن غيري لتستغلها وتلعب بها .. لن أمسح بأن أكون لعبة فى يدك مرة أخرى .. أغلقت “آيات” هاتفها تماماً .. ووضعت رأسها على وسادتها وقد فاضت عيناها بالعبرات .. تنظر الى هاتفها على الارض بحزن وألم
شعر “آدم” بالحزن عندما وجد هاتفها مغلقاً مرة أخرى .. قال فى نفسه .. لماذا يا “آيات” .. ما أردت سوى الإطمئنان عليكِ .. لماذا تبعديني عنكِ هكذا بلا رحمة .. لماذا لا تستمعى الى أعذارى ومبرراتى لما فعلت .. لست شخصاً كريهاً كما تظنين .. بل أنا شخص مريض يا “آيات” .. مريض بذوبى وآثامى وأخطائى .. أنا أولى بشفقتك من نفورك .. وأولى بعطفك وحنانك من بغضك .. جلس على فراشه وهو يتنهد فى حسره وهو يتذكر كيف أضاعها من بين يديه
***********************************
تقدمت “آيات” تعبر أورقة الشركة بإرتباك ظاهر .. شعرت بتوتر معدتها وكأنها ذاهبة الى امتحان مصيري .. كادت أن تعود ادراجها لكنها تذكرت الضيقة التى وقعت فيها .. وكيف أنها بلا مال وبلا عمل .. ويجب أن تتصرف بسرعة قبل أن ينفذ مالها ومال “أسماء” .. دخلت غرفة مديرة أعمال “سراج” وهى تقدم رجلاً وتؤخر الأخرى .. وقفت أمامها بإضطراب وهى تقول :
– لو سمحتى عايزة أقابل الأستاذ “سراج اليمانى”
نظرت اليها السكرتيرة وقالت بروتينيه :
– فى معاد معاه ؟
قالت “آيات” بتوتر :
– لأ .. بس ياريت حضرتك تقوليله بنت أخوه “عبد العزيز” عايزه تقابله
نظرت اليها المرأة نظرة متفحصة .. ثم قامت من فوق مكتبها وتوجهت الى مكتب “سراج” قائله :
– فى واحدة بتقول انها بنت أخو حضرتك وعايزه تقابلك
نظر اليها “سراج” بدهشة ثم ما لبثت أن ظهرت تعبيرات التعالى الممزوج بالغضب على وجهه ثم قال بحنق:
– قوليلها مش فاضى
التفتت السكرتيرة لتغادر فأوقفها قائلاً :
– ولا أقولك استنى .. دخليها .. بس ادخلى معاها ولما أشاورلك تقولى ان فى اجتماع
قالت المرأة بطاعة :
– حاضر يا فندم
جلس “سراج” وقد أسند ظهره الى الخلف ورفع رأسه بتعالى مستعداً لرؤية ابنة أخيه .. ابنة أخية الذى تبرى منه أمام الناس لعدم رضاه عن طرقه الملتوية فى تسيير أعماله .. دخلت “آيات” تتقدمها مديرة أعماله .. نظر اليها نظرة متفحصة .. بدت متوترة وهى تتطلع الى عمها الذى لم تره منذ سنوات طويلة .. ظل كلاهما ينظر الى الآخر بصمت بترقب .. ابتسمت “آيات” بصعوبة وهى تقول :
– ازيك يا عمو
صمت “سراج” لبرهة ثم قال بدون ترحيب حقيقي :
– أهلا أهلا ازيك
قالت آيات” بتوتر :
– الحمد لله
أشار لها بالجلوس قائلاً :
– اتفضلى اعدى
جلست “آيات” تضع حقيبتها أمامها وهى تفرك يديها فى قلق .. نظرت اليه قائله :
– حضرتك عرفت ان بابا اتوفى ؟
عقد “سراج” ما بين حاجبيه للحظات ثم قال :
– آه عرفت
نظرت اليه “آيات” بمزيج من الدهشة والحزن .. وهى تقول فى نفسها .. ومادمت قد علمت فلماذا لم تسأل اذن عن ابنة أخيك ؟! .. صمتت قليلاً ثم قالت بتوتر وخجل :
– حضرتك عرفت ان بابا الله يرحمه كنا عليه ديون واننا بعنا كل حاجة عشان نسدد الديون دى
قال “سراج” بلامبالاة :
– أيوة عرفت دى كمان
صمتت “آيات” لا تدرى ما تقول .. كان اللقاء أبرد مما توقعت .. كادت أن تغير رأيها وترحل دون أن تخبره بالسبب الحقيقي الذى دفعها الى المجئ اليه .. لكنها تذكرت محنتها فأرغمت نفسها على البقاء .. نظرت اليه بإستغراب فهو لم يسأل حتى اين تقيم ولا من أين تعيش .. تنهدت بعمق ثم قالت بألم :
– أنا اضطريت أبيع الفيلا وأبيع الشركة والعربية وكل حاجة عشان الديون تتسدد .. انا بس كنت عايزة من حضرتك ……
توترت وشعرت بالخجل فلم تستطع أن تنظر الى وجهة .. خفضت رأسها وقالت :
– يعني .. أنا محتاجة وظيفه
أرجع “سراج” ظهره الى الخلف .. ران الصمت للحظات ثم قال بصوته الأجش :
– طيب تعالى بعد كام يوم أكون حاولت أشوفلك شغلانه
ثم قال :
– انتى خريجة ايه ؟
قالت “آيات” بلهفة :
– بكالوريوس تجارة
قال “سراج” :
– اشتغلتى فين قبل كده ؟
قالت “آيات” بتوتر :
-لا انا مشتغلتش قبل كده دى أول مرة
ابتسم “سراج” بخرية ثم ما لبث أن قال :
– طيب هحاول أتصرف
فى تلك اللحظة دخل “عاصى” المكتب .. نظر اليه والده بدهشة .. قال “عاصى” وهو يلقى نظرة على “آيات” :
– مساء الخير .. معلش مكنتش أعرف ان عندك حد
قال “سراج” وهو يشير الى “آيات” :
– دى بنت عمك “عبد العزيز”
نظر اليها “عاصى” وقد رفع حاجبيه يرمقها بنظرة متفحصة أخدلتها .. ثم قال :
– “آيات” .. مش ممكن .. كبرتى واحلويتي
شعرت بسخونه فى وجهها وقد تضرجت وجنتاها بحمرة الخجل وأخفضت رأسها .. ابتسم قائلاً :
– ازيك ايه أخبارك
قالت بخفوت وهى تتحاشى النظر اليه :
– الحمد لله
أشار “سراج” لمديرة أعماله بطرف خفى فقالت على الفور :
– بفكرك بإجتماع حضرتك اللى هيبدأ دلوقتى يا “سراج” بيه
نهضت “آيات” على الفور وقالت بجرح :
– شكراً يا عمو .. أنا همشى دلوقتى وهاجى لحضرتك مرة تانية ان شاء الله تكون شوفتلى موضوع الشغل
أومأ “سراج” برأسه وقال بنبرة متعاليه :
– ان شاء الله
التفت “عاصى” الى والده بعد خروج “آيات” قائلاً بإستغراب :
– شغل ايه اللى بتتكلم عنه
قال “سراج” بتهكم :
– ابوها مات مديون وسابها على الحديدة ومش لاقيه وظيفه تعيش منها وجيالى أشوفلها شغل
قال “عاصى” :
– وقولتلها ايه
قال “سراج” بنفاذ صبر :
– قولتلها هبقى أتصرف .. المهم قولى هو انت ايه اللى نزلك القاهرة مش قولت هتفضل فى العين السخنة
ٌقال “عاصى” بصرامة :
– جاى أنخور ورا التيييييييييييت اللى اسمه “آدم” ده .. وأشوف أى حاجه أقدر أمسكها عليه والوى دراعه بيها
ثم هتف بغضب :
– تصور التييييييييت ده شغل عنده مدير القرية بتاعتنا اللى طردته
ثم قال وكأنه يتحدث الى نفسه :
– بس وربنا ما أنا عاتقه .. هخليه يندم على اليوم اللى فكر فيه انه يقف قصادى ويتحدانى
بمجرد خروج “آيات” من مكتب “سراج” أسرعت مديرة أعماله بمهاتفة “آدم” الذى كان فى منتصف اجتماع هام .. لكنه استأذن منهم ليرد عليها لظنه بأنها تحمل له أخباراً هامة عن “سراج” و “عاصى” .. قال بلهفة :
– أيوة
قالت مديرة أعمال “سراج” وهى تتلفت حولها لتتأكد من عدم وجود من يسمعها :
– أيوة يا دكتور “آدم”
قال بإهتمام :
– فى حاجة جديدة ؟ .. أنا فى اجتماع دلوقتى
قالت بسرعة :
– أيوة من شوية جت واحدة وقالت انها بنت أخو “سراج” بيه
اتسعت عينا “آدم” دهشة وقال :
– “آيات” ؟
انتبه “زياد” الذى كان جالساً على طاولة الإجتماعات الى اسم “آيات” فنظر الى “آدم” بإهتمام .. قالت مديرة أعماله “سراج” :
– مش عارفه اسمها
قال “آدم” بلهفة واهتمام :
– متعرفيش جتله ليه ؟
قالت المرأة :
– كانت جايه طالبه منه شغل
قال بدهشة :
– شغل ؟
قالت :
– أيوة قالت ان باباها كان مديون وباعوا كل حاجة الفيلا والشركةوانها عايزه شغل عشان تصرف منه على نفسها
خفق قلب “آدم” فى لوعة وصمت قليلا وهو يقول :
– يعني هى دلوقتى بتدور على شغل .. وباعت كل حاجة ورثتها ؟
قالت المرأة :
– ده اللى فهمته من كلامها
قال “آدم” بحزم :
– طيب لو جتله تانى بلغينى .. ضرورى جداً .. فاهمة
تمتمت المرأة بطاعة :
– أيوة فاهمة .. سلام دلوقتى
خرجت “آيات” وهى تشعر بالتوتر الشديد .. هربت دمعة من عينيها وهى تخرج من الشركة .. كان تعلم بوجود مشاكل بين أبيها وعمها لكنها لم تتوقع أن يقابلها بمثل هذا البرود .. ما ذنبها هى فى خلافاته مع والدها .. كيف يعاملها بمثل تلك القسوة .. كادت “آيات” أن توقف سيارة أجرة للعودة الى منزلها .. لكنها تذكرت بأنها يجب أن تقتصد فى نفقاتها حتى تجد وظيفة تضمن لها مرتب فى آخر كل شهر .. فهى لا تثق فى أن “سراج” سيجد لها عملاً .. رغم قدرته على ذلك بمجرد اشارة من اصبعه .. لكنها شعرت كما لو كان يريد الانتقام من والدها فيها .. ورد ما فعله به .. وقفت “آيات” فى محطة الأتوبيس تنتظره مع من ينتظرونه .. مر بعض الوقت حتى جاء الأتوبيس .. تزاحم الناس من حولها وهى تشعر بالضيق .. دخلت الى الأتوبيس بقوة الدفع .. شعرت بالراحة عندما وجدت مقعد بجوار الشباك مازال فارغاً .. جلست فى مكانها وانطلق الأتوبيس .. كانت تلك هى المرة الأولى التى تركب فيها المواصلات العامة .. نظرت من الشباك وهى تريح ظهرها الى الخلف وتستند برأسها على الزجاج تفكر فى حالها وفي مستقبلها المجهول .. شعرت و كأن شئ ما يلمسها فانتفضت ونظرت الى الرجل بجوارها والذى كان يبدو عليه علامات الهدوء .. كان ينظر أمامه وقد عقد ذراعيه فوق صدره .. عادت للنظر الى الشباك تتابع المارة بجوار الأتوبيس وقد شردت مرة أخرى .. مرة أخرى شعرت بنفس الشئ .. نظرت بجوارها بطرف عينيها فوجدت الرجل يتشيث فى ظهر المقعد الذى أمامه .. فقالت فى نفسها لعله تحرك من اهتزاز الأتوبيس .. فانزاحت حتى التصقت فى الشباك تماماُ للتتحاشى ملامسة الرجل لها .. بعد عدة دقائق شعرت بنفس الشئ .. التفتت تنظر اليه بحده و قد تأكدت بانه يتعمد لمسها بيده القريبة منها وهو عاقد ذراعيه فوق صدره .. شعرت بالغضب والضيق .. نظرت حولها فلم تجد أحداً منتبهاً لما يحدث .. انزوت أكثر بعيداً عنه .. لكنه اقترب بجسده منها ولمسها مرة أخرى .. تجمعت العبرات فى عينيها أرادت الصراخ فى وجهة لكنها خافت من فضح نفسها أمام ركاب الأتوبيس .. تذكرت “أسماء” عندما كانت فى وضع مشابه لوضعها وخشت هى أيضاً التحدث وعنفتها “آيات” .. أما الآن فهى تشعر بما كانت تشعر به “اسماء” .. شعور بالنفور والخوف والغضب والمهانة والتقزز .. نظرت اليه وهتفت بصوت منخفض :
– لو سمحت ابعد شوية
تظاهر الرجل بأنه لم سمعها ومال يميناً ويساراً وكأن حركة الأتوبيس هى التى تهزه هكذا .. لم تعد “آيات” تحتمل اقترابه وملامسته اياها نهضت فجأة وطلبت من السائق التوقف .. نزلت “آيات” من الأتوبيس ودموعها فى عينيها .. أوقفت أول سيارة أجره قابلتها وأملته العنوان حيث انطلق بها الى بيت “حليمة”
دخلت “آيات” البيت ولم تجد أحداً به .. دخلت غرفتها وجلست على فراشها باكيه .. كانت تشعر بالغضب والمهانة .. أخذت تمسح بيدها المواضع التى لمسها الرجل بيده وكتفه وكأنها تريد ازالة آثاره منها .. شعرت وكأن تلك الأماكن اتسخت بلمسه اياها .. كانت ترتعش بالبكاء فأحاطت جسدها بذراعيها وانحنت الى الأمام وهى تغمض عينيها دون ان تستطيع السيطرة على عبراتها التى تنساب على وجهها .. سمعت صوت هاتفها .. فنظرت الى حقيبتها الموضوعه بجوارها على الفراش ثم فتحتها لتجد رقماً غريباً .. كفكت دمعها وكادت أن تتجاهل الإتصال لولا أن تذكرت “سراج” فلعله وجد لها عملاً وأراد ابلاغها .. ثم فكرت بدهشة كيف علم برقمها .. لم تنتظر لتعرف الإجابة بل ردت مسرعة وهى تقول بلهفة :
– ألو
لم تسمع صوتاً فقالت مرة أخرى :
– ألو
اتاها صوت “آدم” قائلاً :
– أنا “آدم” يا “آيات”
انتفض قلبها بشدة .. وحبست أنفاسها المضطربة .. ثم قالت بصوت حاولت أن يبدو طبيعياً :
– أيوة حضرتك عايز ايه ؟
على الرغم من محاولتها الا أن صوتها خرج متحشرج مضطرب .. باكى .. فقال “آدم” بقلق :
– انتى كويسة ؟
بدا وكأنها استعادت تماسكها فقالت بحزم :
– أفندم حضرتك عايز ايه ؟
قال “آدم” وقد ازداد قلقه :
– انتى كنتى بتعيطي ؟
صمتت وقد انسابت العبرات من عينيها مرة أخرى فقال “آدم” بلهفة :
– “آيات” انتى كويسة .. اتكلمى معايا .. مالك فى ايه .. بتعيطى ليه
صاحت بصوتها الباكى :
– ملكش دعوة بيا .. دى حاجة متخصكش ولو سمحت متتصلش بيا تانى
شعر “آدم” بقلبه وقد كاد ينخلع من مكانه قلقاً وخوفاً وألماً من أجلها .. فقال بصوت حانى :
– “آيات” انتى فين .. اديني عنوانك
صاحت بغضب :
– عنوان ايه اللى انت عايزه .. انت تبعد عنى خالص .. فاهم . .أنا لا عايزة أشوفك ولا عايزه أسمع صوتك ولا عايزه أعرفك أبداً
قال “آدم” بألم وندم :
– عارف .. عارف انك مش طايقانى .. بس لو سمحتى عرفيني انتى فين وعنوانك ايه
قالت بصرامة قبل أن تنهى المكالمة :
– أنا هريحك خالص ومش هفتح الخط ده تانى .. وياريت تنسى انك عرفتنى فى يوم من الأيام لانى خلاص نسيتك ومبقتش أطيق أفتكرك
فتحت هاتفها وأخرجت شريحتها لتقسمها الى نصفين وتلقيها أمامها على الأرض
*************************************
اندمج “على” فى عمله وتابع العمال الذين يعملون تحت امرته .. بعد استراحة الغداء دخل المخازن ليجد بعض العمال وقد شرعوا فى طبع تواريخ صلاحية على العلب فأقبل عليهم قائلاً :
– انتوا بتعملوا ايه ؟
قال أحدهم :
– المشرف ندهلنا وقالنا نطبع الكلام ده على كل العلب دى
وأشار بيده على العديد من الكراتين والتى غطت الحائط والتى كانت تحتوى على عبوات الأغذية المحفوظة .. نظر “على” بدهشة الى الكراتين قائلاً:
– جت امتى الشحنه دى ؟
قال أحد العمال :
– علمى علمك
فتح “على” احدى الكراتين وأخذ يتفحص العبوات علبة علبة ليجد بأن التواريخ فى الأسفل تم ازالتها بالكامل .. ظل يتفحص الى أن وصل الى احدى العلب والتى لم يتم حذف التاريخ منها بدقة فبدا واضحاً للعيان أن العبوات منتهية الصلاحية من شهرين .. هتفت قائلاً :
– يا ولاد التييييييييييييييت
أخذ العبوات وتوجه الى مدير الشركة يطلب مقابلته .. لكن السكرتيرة منعته الى أن أخذ فى الصراخ وقد تعالى صوته قائلاً :
– أنا عايز مدير الشركة دى دلوقتى حالاً .. بتغيروا فى تاريخ الصلاحية وتبيعوا للناس أكل فاسد .. أنا عايز أعرف دلوقتى المدير عارف اللى بيحصل ده ولا نايم على ودانه .. ولا كلكوا طابخينها سوا
أقبل أحد المسؤلين بالشركة وحاول تهدئه “على” لكن “على” أصر على مقابلة مدير الشركة والذى صدمه بقرار فصله ! .. فصاح بدهشة وألم :
– ليه .. ليه ؟
قال مدير الشركة بغضب :
– انت ملكش دعوة الا بشغلك وطالما حطيت مناخيرك فى حاجة متخصكش يبقى متلزمنيش .. مين قال ان العبوات منتهية الصلاحية .. أنا راجل شريف وعندى ضمير
صاح “على” بغضب وهو يشير الى احدى العلب فى يده :
– العلبة دى التاريخ واضح عليها انه منتهى من شهرين
قال مدير الشركة :
– دى علبه وسط ملايين العلب السليمة
قال “على”بحده :
– لا العلب مش سليمة العلب كلها متشال من عليها الصلاحية والعمال تحت فى المخزن عمالين بيطبعوا تواريخ جديدة على العلب
ثم صاح :
– حرام عليكوا هى الناس ناقصة .. اتقوا ربنا دول ناس غلابة ده مفيش بيت فى مصر الا وفيه حد مر…يض .. حسبي الله ونعم الوكيل فيكوا ده انتوا ربنا هينتقم منكوا شر انتقام
خرج “على” من الشركة وهو يحمل العلبة فى يده وأوقف سيارة أجرة لكى يتوجه الى قسم الشرطة .. لكن لم يكد يبتعد بالسيارة عدة أمتار حتى أقبل بعض الرجال الذين أوقفوا السيارة وجذبوه من ملابسه وأوسعوه ضر…باً وركلاً .. هر…ب سائق السيارة الأجرة وترك “على” فر..يسة لهؤلاء الو..حوش
*********************************
صاحت “أسماء” بحنق :
– انتى ازاى سكتى .. ازاى سمحتيله يتحر..ش بيكى كده
قالت “آيات” بأعين دامعة وهى تجلس بجوارها على الفراش :
– كنت خايفة
نظرت اليها “أسماء” بعطف فقالت “آيات” بصوت مرتجف :
– فاكرة لما زعقتلك وقولتلك ليه متكلمتيش ليه مصرختيش قولتلى انك خوفتى من اللى ممكن يتقال عليكي .. انا حسيت بإحساسك ساعتها .. حسيت انى خايفة ان الناس تبصلى وحش .. وكنت مخضوضة ومش عارفه أعمل ايه .. فضلت أقوله يبعد بس هو مكنش بيبعد ومكنش حد واخد باله من اللى بيعمله يعني لو زعقت بصوت عالى كان ممكن يقول انى بتبلى عليه .. عشان كده وقفت العربية ونزلت
دمعت عيني “أسماء” وهى تتذكر “هانى” وتحرشاته ثم هتفت قائله بغضب :
– حسبي الله ونعم الوكيل فيهم كلهم ولاد ستين تيييييييييييييييييييت
قالت “آيات” بحزم :
– بلاش تشتمى خساره فيهم الحسنات اللى ياخدوها مننا .. قولى منهم لله وخلاص
قالت “أسماء” بحنق :
– منهم لله بس .. ده أنا نفسى أجمع كل الرجالة اللى بيعملوا كده وأحطهم فى ميدان عام ويدلق عليهم بنزين وكل بنت حصلها كده تمسك عود كبرت وترميه عليهم
قالت “آيات” بيقين :
– سبيهم .. نار الأخرة أشد حرارة من نار الدنيا .. المحفظة اللى كنت بروحلها المسجد قالتلنا ان النبي صلى الله عليه وسلم قال “ناركم التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من جهنم ”
قالت “أسماء” بتشفى :
– يارب يولعوا فيها كلهم
ثم قالت لـ “آيات” :
– عمك ده بارد أوى
قالت “آيات” بحزن :
– متوقعتش تكون مقابلته كده خالص
ثم دمعت عيناها قائله بصوت باكى وقد عزت عليها نفسها :
– كان نفسى أوى يقوم من على المكتب وياخدنى فى حضنه ويقولى متخفيش طول ما انا موجود أنا عمك ومن ممكن اسيبك وهخلى بالى منك
تنهدت “أسماء” بحسرة وقالت بتهكم :
– اذا كان الأم والأب اللى بيخلفوا وبيربوا مبيبقاش فى قلوبهم رحمة عايزة العم هو اللى يهتم .. سيبك بلا هم أنا قرفت من الناس كلها
ثم التفتت اليها قائله :
– والمحروس “آدم” ده كمان عايز ايه بعد ما خربها وأعد على تلها
قالت “آيات” بحنق :
– متفكرينيش .. أصلاً كلمنى فى وقت مكنتش طايقه أسمع فيه صوت أى راجل .. اديته كلمتين معرفش طلعوا منى ازاى وكسرت الشريحة
قالت “أسماء” بحماس :
– أحسن فى داهية هو كمان .. خلاص انتى فلستى عايز منك ايه بأه .. يسيبك فى حالك
قالت “آيات” بسخرية :
– قال بيقولى عايز يطمن عليا
ضحكت “أسماء” بسخرية قائله :
– لا والله فيه الخير .. مش قولتك كلهم ولاد ………..
قاطعتها “آيات” قائله :
– يا بنت انتى امسكى لسانك شويه بياخدوا حسناتك يا هبلة
زفرت “أسماء” بضيق وقالت وهى تخرج من الغرفة :
– طيب خليني ساكته أحسن لانى لو فتحت بقى مش هطلع شتيمة بس .. ده أنا هطلع مجارى
ضحكت “آيات” وهى تتابعها بعينيها الى أن خرجت
********************************
هرولت أم “على” بلوعة وهى تبحث عن ابنها فى المستشفى .. سألت عنه احدى الممرضات فأشارت الى الغرفة التى تضم عدة اسرة متجاورة على احداها يرقد “على” وقد ضمد رأسه ووضع ذراعه فى الجبيرة .. بكت “إيمان” وهى ترى أخيها والكدمات الواضحة على وجهه .. هتفت أمه بلوعة :
– “على” .. ايه اللى جرالك يا ابنى
نظر اليها “على” بأسى قائلاً :
– زى ما انتى شايفه .. طر…دونى من الشغل وضر..بونى
ضر…بت أمه بيدها على صدر..ها وهى تجلس بجواره على الفراش قائله :
– ليه .. ليه عملوا كده
قال “على” بمرارة :
– عشان احنا بلد تيييييييييييت كل حاجة فيها غلط واللى يفكر يقف قصاد الناس دى بياخد على دماغه زى ما انتى شايفه
بكت أمه بحسرة قائله :
– حسبي الله ونعم الوكيل فيهم .. كنت عملتلهم ايه عشان يعملوا فيك كده .. ده انت يا كبد أمك لا بتأذى حد ولا بتضايق حد وماشى جمب الحيط
ابتسم “على” قائلاً بمرارة :
– أيوة أنا فى حالى وماشى جمب الحيط بس أنا مستحيل أشوف غلط وأقبل وأسكت وأقول مليش دعوة .. لانى لو عملت كده هبقى بشاركهم فى جريمتهم دى وعقابي عند ربنا زيهم بالظبط .. تصورى انهم بيعدلوا تاريخ الصلاحية على عبوات أكل محفوظ فاسد وبيخلوها تاريخ جديد .. عايزين يسمموا الناس
قالت “إيمان” بغضب :
– منهم لله .. خلاص مبقاش فى ضمير للدرجة دى .. حتى الأكل
قال “على” بمرارة :
– قولى حتى الهوا .. دول لو طالوا يسمموا الهوا هيسمموه
أغمض “على” عينيه فى ألم .. وهو يقول فى نفسه .. يارب أحلامى بسيطة للغاية .. لست كغيرى أحلم بالسيارة الفارهة والفيلا الأنيقة وعمل يدرعليا الملايين .. بل حلمى هو وظيفة حلال وبيت مؤجر وأثاث متواضع وزوجة تشاركنى حياتى .. يكن لى منها أبناء أعلمهم وأربيهم وأجعلهم يسيرون فى درب الهدى والصلاح .. لست أبغى سوى حفظ كرامتى وماء وجهى .. لست أرغب سوى فى العيش .. العيش فقط
**********************************
جلس “آدم” أمام حاسوبه فى غرفته بالشاليه يتطلع الى صورة “آيات” .. ظلت عيناه تمر فوق تلك الكلمات التى سطرتها بيديها والتى تبثه فيها حبها وشوقها .. نظر الى الكلمات بمزيج من الحسرة والألم .. وأخذ يفكر كيف تحول هذا الحب بداخلها الى كره ونفور .. مازال لا يصدق .. مازال لا يصدق أن حبه بداخلها قد مات وانتهى .. أخذ يقول لنفسه .. انساها يا “آدم” .. أمامك مئات البنات اختر من شئت .. لكن شئ ما بداخله تمسك بها .. هى وحدها .. شعر بأنه لا يريد غيرها .. يريدها وحدها .. بصفائها ونقائها وبرائتها وطيبة قلبها .. تذكر اللحظات التى جمعتهما فى الماضى وكيف كانت معه صادقة المشاعر .. واضحة كالشمس .. رقيقة كرقة الندى على ورقات الشجر .. كم تهفو نفسه اليها .. الى النهل من بحر حنانها وعذوبة صوتها .. تذكر أنه لم يصلى العشاء بعد .. فوقف يصلى بين يدي الله وجد نفسه يدعو الله فى سجوده أن يغفر له .. وأن يجمع بينه وبين “آيات” .. ظل يردد دعائه كثيراً دون ملل أو كلل .. لا يعلم كيف سيتحقق ذلك .. كيف يمكن أن يتطهر من ذنوبه وهو مازال يعمل فى تلك القرية .. لن يستطيع ترك عمله .. عمله الذى بناه وكبره ويدر عليها مبالغ طائلة .. وفى نفس الوقت يتمنى رضا ربه عليه .. يتمنى “آيات” بقربه .. تشاركه حياته وأحلامه وطموحاته .. يريد مغفرة ربه ثم مغفرة “آيات” .. لكن كيف السبيل ؟! .. كيف يحقق تلك المعادلة الصعبة ؟! .. كيف ينجح فى الجمع بينهم ؟! .. لديه مثلث من ثلاث زوايا .. الله .. “آيات” .. عمله .. كيف يمكن أن يجمع الثلاثة زوايا فى خط مستقيم ؟! .. كيف ؟! .. ليس أمامه سوى حل واحد .. أن يخترق أحد أضلع المثلث ويثنيه الى أن يصبح خطاً مستقيماً .. لكنه وقف حائراً .. أى الأضلاع يكسر ؟!
الحلقة ( 19 ) الجزء الاول
