رواية خارج أسوار القلب (الجزء الثاني من الفصول) بقلم صابرين الديب
الفصل الثامن
_________
اجتمعت عائلة (الحسيني) على طاولة العشاء وكل منهم يأكل من طبقه في صمت وتعتمل بداخل عقله فكرة مختلفة عن الآخر, كان (جلال) يفكر في ولده البكر الذي لا يعلم عنه شيئا منذ مدة, حزينا لفراقه وأكثر حزنا لسبب الفراق نفسه, ويتعمق حزنه ويزداد ألمه كلما طال الفراق ومقاطعة ولده له ولأخوته, أما الأم (فريدة) فكانت تفكر في طريقة تقنع بها ولدها (أدهم) أن يترك (دينا) ابنة صديقتها تعمل معه في الشركة, تعلم أن ابنها عنيد ولا يطيق الفتاة لكنها تحاول جاهدة إيجاد طريقة تصلح لإقناعه, و(أدهم) كان لا يأكل تقريبا وهو يعبث بالطعام في طبقه محاولا إيجاد طريقة يخبر بها والده أن أخاه (آدم) قد عاد من سفره الطويل, الوحيدة التي كانت تفكر وتتساءل عما يفكرون فيه جميعا كانت (سارة) والتي داعبت شقيقها قائلة :
– ايه ياباشمهندس انت هنا ولا رحت فين ؟
رفع (أدهم) عينيه إليها للحظة في صمت ثم ابتسم ابتسامة خافتة وهو يقول :
– هنا وعندي خبر هيفرحك …. يفرحكم
تردد في صيغة الجمع التي بالضرورة لن تضم والدته فهي لن تسعد بعودة أخيه من سفره, بعدها سأله والده :
– خير يا أدهم خبر ايه ؟
أما سارة فداعبته محاولة إغاظته قائلة :
– إوعي تكون طبيت ياكبير ؟
هز رأسه وهو يبتسم في حين نهرتها والدتها بعصبية قائلة :
– ايه يابنت الكلام ده, اتكلمي كويس وبلاش ألفاظ السواقين دي.
قالت (سارة) ضاحكة :
– احم احم , سوري يا ماما.
أما (أدهم) فقال بابتسامة مترددة :
– ريحي نفسك ياسارة وعموما كنت نفسك تبقي عمتو أديك بقيتي عمتو أهو.
اختفت ابتسامتها وهي تتطلع إليه بدهشة لم تكن أقل من دهشة والديه والتي تحولت لسؤال صارم من والده :
– قصدك ايه يا ادهم.
أجابه (أدهم) بسرعة حاسما أمره :
– آدم رجع من السفر يابابا .
لمعت عينا والده بمزيج مدهش من الحزن والفرحة, فرحة بعودة ولده الذي اشتاق إليه وحزن انه يعلم من ابنه الآخر وليس من (آدم) نفسه, أما (سارة) فقالت بسعادة :
– ايه ده معقول آبيه آدم رجع ؟ امتى وهو فين واحشني جدا .
أما والدته التي توقع رد فعلها قامت من على كرسيها وهي تضع شوكتها في الطبق بعنف قائلة بعصبية :
– أنا طالعة ارتاح.
واتجهت للطابق العلوي دون أن تنظر إليهم ودون أن يردوا عليها فقط تطلعت إليها سارة بدهشة وسأل (جلال) ابنه :
– إنت عرفت إزاي إنه رجع ؟ شفته ولا كلمك ؟ وهو عامل ايه ؟
(أدهم) مبتسما للهفة والده :
– هو كلمني يابابا وشفته , وهو الحمد لله كويس و…..
تردد قليلا في الإفصاح عن زواجه وعن وجود ابنه فاستحثه والده :
– و ايه يا أدهم ؟
(أدهم) :
– آدم اتجوز وعنده ولد.
علت الصدمة وجه والده ممتزجة بألم واضح, في حين صرخت (سارة) بفرحة واستغراب :
– ايه اتجوز وعنده ولد؟ يعني انا عمتو؟ أخيرا .. أحمدك يارب .. كنت فقدت الأمل خلاص .
قالتها وهي تنظر لأخيها مغيظة إياه لكنه لم يلتفت لدعابتها وهو يتطلع لوالده بقلق عندما تمتم في تساؤل لم ينتظر إجابته :
– اتجوز وخلف كمان ؟
ثم رفع عينيه لولده وسأله :
– وهو فين دلوقتي يا أدهم ؟
(أدهم) بقلق على والده :
– قاعد في فندق (…..) لحد مايلاقي شقة مناسبة.
(جلال) بحزن :
– شقة ؟
أما (سارة) والتي كانت طفلة عند رحيله فتساءلت باستغراب :
– شقة ؟ ليه يا أدهم هو مش هييجي يعيش معانا ؟
ثم ابتسمت وحسبت أنها فهمت الأمر فاستطردت :
– ولا مدامته مش عاوزة ؟
رد (أدهم) بخفوت :
– مراته ماتت ياسارة.
وهكذا توالت الصدمات, بدا الانزعاج على وجه (سارة) وعلى وجه الأب اختلط بالألم والحزن مع شعور هائل بالشفقة على ولده الذي فقد أولا أمه ثم زوجته, لكنه تماسك وسأل (أدهم) في حزم :
– طيب يا أدهم خلص أكلك والبس عشان هنروح له حالا.
تطلع إليه ولداه في دهشة لكن (أدهم) لم يعلق أما (سارة) فألحت كطفلة صغيرة :
– بابا ممكن آجي معاكم, واحشني بجد وعاوزة أشوف ابنه .
انتظر (أدهم) رد والده الذي تطلع لـ (سارة) قليلا ثم هز رأسه موافقا وقال :
– ماشي ياسارة اجهزي يلا.
_______________________
وصل (جلال الحسيني) لللفندق الذي يقيم به ولده مع (أدهم) و (سارة) وبعد تقديم نفسه في الاستقبال صعد لغرفة ولده, وأمام الباب تردد, يريد طرق الباب ويضم بكريه بين ذراعيه وأن يعوضه مافات ويخشى من رد فعله عندما يراه وهل سيتقبله أم لا, تطلع إليه (أدهم) شاعرا بما يعتمل داخله أما (سارة) فنظرت لوالدها بقليل من الدهشة وهي تتساءل :
– ايه يابابا مش هتخبط ؟
أفاق من شروده على سؤال ابنته فتطلع إليها لحظة في صمت ثم طرق الباب طرقات خافتة خجولة سمع بعدها صوت ابنه من الداخل يقول بسرعة :
– لحظة واحدة.
شعر بالاشتياق والحنين يغزو قلبه, والتوتر بدأ يعتلي ملامحه وتجعد وجهه في قلق, لحظات أخرى وانفتح الباب ليظهر وجه (آدم) البشوش وهو يعتقد أنها خدمة الغرف, لكنه فوجئ بوالده وأخويه, ظل يتطلع إلى عيني والده في صمت وفي خيال كل منهما دار حوار تبادلته أعينهما ولم يفصح عنه اللسان ولا تكفيه كلمات, حوار امتلأ بالشوق, بالحزن, بالدموع المحبوسة في مآقيها, بالحنين, بالذكريات الحلوة والمرة, وبالسعادة, طال الصمت والذي كان من الغريب أن (سارة) لم تقطعه كعادتها لكنها بقيت تطلع لكليهما باستغراب لكنها لم تتكلم وكأنها رغبت أن تستمر محادثة الأعين تلك وصمتت إجلالا لها, كان (أدهم) هو من قال فجأة :
– ايه يا آدم, ايه يا بابا, هنفضل واقفين هنا كتير ؟
كان يريد قطع حديث الذكريات بين العيون الذي لاشك أنه يحمل بعض المرارة والتي لن تكون في صالح لقاءهما سويا, التفت إليه (آدم) ببطء وشرود ثم أفاق على صوت والده الهامس :
– آدم !
تطلع إليه (آدم) ولمعت في عينيه دمعة لم يستطع قتلها في مهدها فبقيت تتلألأ في مقلتيه لكنه فجأة رمى نفسه بين ذراعي والده, والده الذي شعر وكأن حملا أثقل من الجبال قد أزيح عن صدره فجأة وبخطوة واحدة من ولده الذي دوما شعر أنه يفهمه فقط من عينيه, لقد شعر بحزنه وبألمه وبإحساس الخزي داخله, شعر بعجزه في السابق مع أنه يفترض أن يكون أقوى, تغاضى عن ذلك العجز وسامح, ذلك القلب الطيب والنية الرقراقة الصافية وذلك الحنان الذي اعتاد أن يحيط به كل من حوله على الرغم من افتقاده هو لمن يحنو عليه, لم يعلم أيبكي أم يسعد, أتلك الدمعة التي نزفت من قلبه دمعة فرح أم حزن, قدسية الموقف أجبرت الواقفين على الصمت, صمت (أدهم) وهو يشعر بالسعادة لموقف (آدم) كان قلقا من مقابلة والده وأخاه, لكن وكعادته محى (آدم) ذلك القلق دفعة واحدة بمجرد نظرة في وجه أبيه, أما (سارة) الطفلة الكبيرة فسعادتها منعتها من الحديث ووقفت فقط تتطلع إليهما بحنو ارتسم على وجهها واضحا مع ابتسامة صغيرة على شفتيها, بعدها ربت (أدهم) على كتف أخيه وهو يقول بخفوت مداعبا وكأنه يخشى أن يفسد صوته الموقف :
– طيب خلي المشاعر الحلوة دي جوا بدل ماحد يشوفنا ويفهمنا غلط .
انسلخ (آدم) من بين ذراعي والده ببطء فشعر الأب بانسلاخ روحه معه, كان يحاول إفساح الطريق لهم ليدخلوا لكن والده لم يترك كفه وهو يدخل للغرفة ويملأ عينيه بملامح ابنه التي طالما اشتاق إليها, سلم (آدم) على (سارة) الصغيرة وهو يداعبها ويشد خصلة من شعرها القصير قائلا بحنان :
– كبرت ياسارو وبقيتي آنسة محترمة, فين الشعر المنكوش الكيرلي بتاع زمان ؟
ضحكت (سارة) بطفولة وهي ترد :
– ههههههه منكوش ايه بقى, إحنا خلاص تخطينا المرحلة دي من زمان.
أما (أدهم) فضحك هو الآخر و قال :
– يابني آنسة ايه ؟ دي أخوك الصغنن بس إنت مش واخد بالك, مش شايف عاملة ايه في شعرها 2 سم أقصر وتبقى حلاقة جيش .
نظرت إليه (سارة) في غضب طفولي في حين لكزه (آدم) في كتفه موبخا وهو يربت على رأسها وقال :
– بس إنت خليك في دقنك اللي بتحلقها في السنة مرة, سيبلي أنا القمر الحلو ده, وحشتيني يا سارو أوي
ظل والدهم يتطلع إليهم في حنان وشوق لتلك الأوقات السعيدة التي كانوا يتشاكسون فيها وهم صغار , كان (آدم) دوما حنونا متفهما يتعامل مع أخويه بحنان أبوي وخاصة الصغيرة (سارة) على العكس من (أدهم) المشاكس دوما, قال الأب بعد لحظات :
– فين ابنك يا آدم ؟
التفت إليه ولده يملأ عينيه بملامح والده المجهدة والتي ارتسم عليها اشتياق واضح ثم رد :
– نايم يا بابا, متعود ينام بدري خاصة إنه هيصحى بدري الصبح عشان مواعيد الدراسة قربت وعاوزين نشوف له مدرسة كويسة.
(الأب) :
– طيب عاوز أشوفه, حتى لو نايم مش لازم أكلمه.
تطلع إليه ولديه في صمت في حيت قالت (سارة) :
– وأنا كمان عاوزة أشوفه .
التفت إليها أخويها ثم نهض (آدم) من مقعده وأشار لهما أن يتبعانه وهو يتجه لغرفة جانبية فتبعاه بصمت وهو يفتح باب الغرفة بهدوء شديد ويطل منه مشيرا ناحية السرير في أحد أركانها, دلفوا للداخل بخفوت وتطلع الأب للصغير النائم في فراشه كملاك بحنان شديد أما (سارة) فاقتربت من السرير تتطلع إليه عن قرب ثم مسحت برأسها على شعره برفق وطبعت قبلة حانية على جبهته وعادت إلى جوارهما ثانية, لم يتحرك الأب من مكانه وظل يتطلع للصغير كأنما التصقت عيناه به , عيناه التي امتلأتا بمشاعر كثيرة متضاربة, حب وحنان, شوق وشفقة ممتزجة بعطف لذلك اليتيم الصغير الذي ذكره بابنه الأكبر والده, لم يفق من شروده إلا على جذبة حانية من يد ابنه (آدم) تنبهه ليخرجوا من الغرفة, التفت إليه بشرود ثم تبعه للخارج, تحدثوا كثيرا وحكى لهم (آدم) الكثير مما مر به, الكثير عن غربته وزوجته وطفله, فضفضة لم يتوقع من نفسه أبدا أن ينطق بها خاصة لوالده الذي اعتصره الغضب والحزن منه في يوم ما, يوم شعر فيه بمرارة اليتم للمرة الثانية بعد فقدانه لوالدته وهو بعد رضيع, كان وقت الفجر قد اقترب ولم يشعروا جميعا بمرور الوقت إلا عندما رفع الآذان الأول في مسجد شهير قريب فتنحنح (أدهم) قائلا :
– ياخبر الفجر هيأذن وإحنا مش حاسين بالوقت, يلا يابابا عشان تروح ترتاح وآدم أهو موجود وهيزهقك من هنا ورايح, وعدني إنه هييجي يقف جنبي في شغل شركتنا زي زمان .