رواية الداغر(الجزء الأخير) بقلم أسماء الأباصيري
جوابه كان لكمة وجهها نحوه فجأة ليسقط الاخر ارضاً …. انحنى نحوه يكيل له اخرى و اخرى …. وسط استسلام تام من الاخر … ليسمعه يصرخ
داغر بصراخ : مين اللى عملها … انطق … مين اللى عملها
قالها وسط لكماته المتتالية حتى تدخل بعض الممرضين لابعاده عنه….. حاولو نقل عمر لمكان اخر لعلاجه لكن اوقفهم صراخ داغر و كونه متهم لديه لذا عاد كل شخص لعمله خوفه من سلطته
امسك بعمر ليجلس و يجلسه بجانبه
داغر : انطق و قول مين اللى عملها
عمر بخوف : عمل ايه يا باشا و عزة جلالة الله ما اعرف تقصد ايه
داغر : هتستهبل يالا …. مين اللى ضربها بالنار ليلتها … انطق … قووووول
عمر بقلق : مين ؟؟ تاج هانم
داغر : امال مين ياروح امك … اتنيل قول … انت كنت هناك و نقلتها المستشفى … اكيد شوفتها
عمر بخوف : ياباشا آ…….
داغر : قول احسن و رب الكعبة ل……..
عمر بقلق : ياباشا مش هيغير حاجة معرفتك باللى عملها …. الهانم ان شاء الله تقوم منها بالسلامة
داغر بغضب : مش انت اللى تقول هيغير ولا لا ….. انطق بدل ما ألبسك مصيبة تقضي بسببها باقى سنين عمرك فى السجن
عمر : لا ياباشا ابوس ايدك انا عندي عيال بربيهم
داغر : يبقى تنطق
ابتيلع الاخر ريقه بتوتر ليردف بعد صمت
عمر : سعادتك
داغر : نعم ؟؟؟
عمر بخوف و ترقب : انا كنت هناك ساعتها … جنب تامر الحسيني و لقيتها حاية جري ناحيتنا … ساعة ضرب النار … ساعتها محدش لاحظها غير سعادتك و …… و بعدها سعادتك عارف اللى فيها ….. انا لقيت حضرتك ضربت بمسدسك ناحيتنا و وقتها الرصاصة صابتها
تجمد مكانه …… ينظر نحو عمر بصدمة … ملامحه لم تتغير وكأنه لم يستمع لكلمة واحدة مما قالها الاخر … يحاول تذكر الاحداث وقتها …. نعم كان بجهة هو وقوته و بالجهة الاخرى كان تامر مع رجاله … نعم تذكر رؤيته لطيف احدهم يعدو اتجاه جهة تامر … اطلق النيران ظناً منه انه احد رجاله لكن لم يكن ظنه بمحله ……….. هى …….. كانت هى حبيبته ….. هو من اصابها برصاصته الطائشة … كان هو سبب لمعاناتها الكبرى … هو السبب الرئيسي بوضعها الحالى و سيكون سبباً ايضاً بما ينتج عنه
ابتلع عمر ريقه بتوتر و ظل يحدق بداغر ليجده شارداً بعالمه الخاص .. استغل الوضع ليطلب منه السماح بالمغادرة و حين لم يجد منه اي رد .. تصرف بمقولة ” السكوت علامة الرضا ” ليتحرك بخفة مغادراً المكان
فى حين كان هو مازال بملكوته الخاص و الذي افاق منه فجأة ليتحرك برتابة نحو غرفتها
دلف الى الداخل مرة اخرى ليجدها تغفو بهدوء تام … مستغرقة بالنوم و على وجهها ابتسامة صغيرة … وجهها الملائكي يبدو صافياً تماماً سوى من بعض الجروح اثر خطفها وما الى ذلك
فجاة ركع على ركبتيه بجوار فراشها يمسك بكفها بقوة …. ومن ثم اخفض وجهه ارضاً لتصدر منه همهات غير مفهومة لتستيقظ هى اثر ذلك الصوت
عقدت حاجبيها باستغراب من جلسته تلك .. تمد كفها الاخر تمسد به رأسها بحنان … رفع انظاره نحوها و هالها ما رأت …… داغر حبيبها … بطلها المغوار …. فارسها الشجاع .. يبكي !!!!!! بل منهار من البكاء ….. ظل ينظر نحوها بعيونه الباكية ….. يحدق بكل انش بوجهها …بينما كانت تحدق به ببلاهة و خوف … إن كان مصدر قوتها يبكى بضعف امامها اذاً ما حالها هي …. من تستمد منه رغبتها بإكمال حياتها برفقته.. يبكى … اذاً من اين لها الرغبة بإستكمال ما هو آتٍ … مدت كفها تمسح دموعه لتتبعها اخرى و اخرى
تاج بخوف و فزع : داغر … فى ايه ؟ … ايه اللى حصل ؟
ظل على جلسته تلك يرفع رأسه يحدق بها بصمت و … بكاء
تحركت من فراشها تهبط منه لتجلس ارضاً فتصبح بمستواه
تاج : داغر ابوس ايدك قولى فى ايه … حاجة حصلت لماما ولا ريم ؟؟
حاول التماسك امامها ليردف بصعوبة
داغر : متقلقيش هما كويسين
تاج بقلق : اومال فى ايه … طمني يا داغر انا همو,ت كده
داغر بسرعة و بصراخ : بعد الشر …. متنطقيش بأم الكلمة دي قدامى انتي فاهمة … انتى مش هتمو,تى و لو حصل فأنا هسبقك
مدت كفها تلمس وجنتيه بحنان
تاج : طب خلاص اهدى عشان خاطرى و قولى مالك ؟
امسك بكفها بين يديه ليردف
داغر : انتى عارفة الدكتور قالي ايه عن حالتك
تاج : مهما يقول مش مهم … ثم بإبتسامة رقيقة …. ايه همو,ت يعنى ؟؟؟
داغر بغضب : تاني يا تاج
تاج بمرح : خلاص .. خلاص هسكت اهو بس قول
داغر بحزن : قال انك محتاجة عملية جراحة عشان يخرجو الرصاصة من راسك
استقبلت الامر بهدوء ازعجه لتردف بضحك
تاج : ياااه وعشان كده زعلان …. طب ما ده احسن ولا عايزنى افضل برصاصة فى راسي طول عمرى
داغر : العملية مش سهلة
تاج : ماما حنان سبق و قالتلى ان محدش بيمو,ت ناقص عمر … لو طلعت منها سليمة يبقى ده مكتوبلى و لو محصلش فده قدر ربنا
داغر بندم و بكاء : مش عايزة تعرفى مين اللى اتسبب فى وضعك ده ؟؟ مش عايزة تعرفى مين اللى صابك يومها
ظلت تحدق به بسكون لترتسم ابتسامة غامضة على شفتاها ومن ثم احاطته بذراعيها بقوة تضم جسدها ناحيته
تاج بحنان : عشان كده بتعيط …… عرفت ؟؟
حدق بالفراغ بدهشة ليبعدها هنا هاتفاً بها
داغر : كنتي عارفة ؟
ابتسمت بإتساع لتومأ هاتفة
تاج : يوميها شوفتك قبل ما اتصاب … كنت واقف متعصب مع القوة بتاعتك … كان شكلك حلو اوي … خطفتنى اول ما لمحتك … شوفتك بعد ما جريت ناحية تامر وانت بتضرب نار ناحيتي بس محسيتش بالرصاصة الا بعد ثواني و وقعت على الارض و عيني كانت لسة عليك …. اخر حد شوفته كان انت …. ثم اردفت بمرح … يمكن عشان كده كنا بنشوف بعض فى احلامنا
داغر بدهشة : بنشوف بعض ؟؟؟ يعنى مكنش انا بس
تاح :تؤتؤ … انا كمان .. فاكر الحلم بتاع البحر …. انا كمان شوفته
داغر بدهشة : و المكان الضلمة
تاج مقاطعة بمرح : لما اتكلمت ومكنتش سامعني … ايوة ايوة انا يا بيه
داغر بفضول وقد راقه مزاحها : كنني بتقولى ايه بقى ؟
ضحكت بمرح لتردف بعدها
تاج : بعينك لو عرفت
داغر برفعة حاجب : بقى كده ؟؟؟
تاج بمرح : و ابو كده كمان
داغر : ومالو …. ومن ثم اخرج هاتفه من بنطاله ليجرى اتصالاً ما …. رامي … عايزك بكرة تطلع على السجل المدنى تستخرج شهادة ميلاد تاج و بعدها على اى قسم تعملها بطاقة … اشتغل وسايط او رشاوى ميهمنيش المهم بكرة على العصر تكون عندي ببطاقتها و شهادة ميلادها و اتنين من صحابك و طبعاً ريم و ماما …. واهم حاجة ….. ثم التفت نحوها ليجدها تطالعه بتساؤل ليكمل …. و أهم حاجة تجيب المأذون فى ايدك … بكرة كتب كتاب اخوك على الانسة تاج ظافر البشري
جاء اليوم التالى لينتصف النهار و مازال هو برفقتها بالمشفى لم ينفصل عنها س
حتى وقت النوم … غفت بأحضانه … و باليوم التالى تم الامر كما اراد و تم عقد القرآن وسط ذهول البعض و فرحة البعض الاخر فى حين شعرت تاج و كأنها بحلم من احلامها و ها هو شريكها المعتاد متواجد معها بصحبته بعض الضيوف
انصرف الجميع بعد تهنئتهم ليبقى كلاً منهم بغرفة تاج …. كانت تنظر ارضاً بخجل فى حين كان هو يراقبها بإبتسامة واسعة … تحرك ليجلس بجانبها على الفراش انتفضت فور شعورها به بجانبها لتتحرك نحو اخر السرير مبتعدة عنه
رفع حاجبيه بسخرية
داغر بغيظ : يعنى بتبعدي بعد ما بقيتي حلالي وكنت بتترمي فى حضني فى الحرام
اتسعت عيناها دهشة لكلمته تلك
تاج : فى الحرام ؟؟؟
داغر بندم : ادي اخرة البراءة … انا عارف انها هتيجي على دماغى فى الاخر … تاج يا حبي متعلقيش على كلامى الله يهديكى و تعالى قربي هنا
تاج بقلق : اقرب ليه ؟
داغر : حسبي الله … يابنتي هو انا هاكلك .. ماانتى كنتي نايمة فى حضنى امبارح
تاج : و اديك قولتها .. حرام
تحرك نحوها بسرعة لتهبط من الفراش تتراجع للخلف بتوتر
داغر : تاج بلاش جنان … قربي هنا … يابنتى انتى حلاااالى دلوقتى افهمى بقى
اقترب منها اكثر لتعود هى الاخرى بخطوات سريعة الى الخلف حتى ارتطمت بالجدار خلفها ليبتسم بخبث محيطاً اياها بذراعه
تاج بتوتر : داغر اعقل … احنا فى المستشفى
داغر : المفروض انك متعودة … دي المستشفى تعتبر بيتك التاني
تاج : حد يدخل علينا
داغر بلهفة : قافل الباب متقلقيش
تاج : داااغر بقى
داغر مقترباً من شفتيها : ششششش ….. انسي داغر ده دلوقتى
ومن ثم غابا بقبلة لم يقطعها سوى دخول رامي فجأة هاتفاً بصراخ
رامي : لا بقى كده كتير ماهو مش انت تتجوز و تعيش حياتك وانا افضل زي قرد قاطع كده … جوزني اختك ياعم بقى
ابتعدت عنه تلكزه بكتفه هامسة بخجل
تاج : ده اللى قافل الباب
داغر بهمس هو الاخر : وانتى زعلانة انه دخل ولا اننا وقفنا اللى بنعمله
زاد احمرار وجهها بسبب وقاحته تلك ليجد الاخر يصرخ بغيظ
راني : يا بنى ادم انت عبرني و رد عليا و سيبك من الاخت مراتك … عاااايز اتجوز يا ناااااس
التفت نحوه يردف بغيظ
داغر : باللى انت عملته ده انسي انك تتجوز اختى
رامي : لا يا شيخ …. شوف بقى و النعمة الشريفة ان ما وافقت على خطوبتنا بعد عملية تاج و قومانها بالسلامة لكون خاطف اختك … لا خاطفها ايه هكون خاطفهم الاتنين … ريم و تاج
اختفت ابتسامته فور ذكر رامي لعملية تاج لتلاحظ صمته المريب ومن ثم تفهمته لتربت بعدها على ذراعه مبتسمة بوجهه بحنان
جاء يوم العملية ليستعد الجميع من بينهم داغر و الذي كان يعاونها بإرتداء رداء المرضى المخصص للعمليات … انتهى منه ليقف امامها محدقاً بها بقلق وخوف .. فى حين كانت هى تجلس على الفراش يمسك بكفيها بقوة
تاج بإبتسامة : متقلقش .. هتعدي و هرجعلك بإذن الله
داغر بأعين دامعة : ان شاء الله … ثم انحنى قليلاً ليكون وجهها مقابل وجهه …. هتعدى من كل ده و هترجعيلي ….. هترجعلى مراتي و بنتي و اختى … هترجعيلي عشان نبتدي حياتنا سوا .. بعيد عن الماضى بوجعه و تعبه … هترجعى عشان نكَون عيلتنا الخاصة … نفسي فى اطفال كتير اوى منك .. نفسي فى بنت … امنيتي انى اشوف نسخة مصغرة منك … تاج .. انتى احسن حاجة حصلتلي فى حياتى .. متحرمنيش منك .. خليكي قوية للاخر
سحبت يدها بهدوء لتحيط وجنتيه .. تنظر بعينيه بثبات
تاج : قوية معاك و بيك … هرجعلك … بإذن الله هرجعلك
انهى حديثه معها ليودعها بعناق اودع به كل مشاعره و قلقه فى حين بادلته هى عناقه ذاك بتوتر … تخشي مو,تها و تركه وحيداً فقط تركه خلفها هو ما يقلقها لكن … واجهت الكثير و الكثير و تلك الخطوة ما هى سوى عقبة صغيرة سيجتازوها معاً
وقد حدث
مرت العملية بسلام بعد قلق و توتر استمر لساعات و بعدها خرجت من غرفة العمليات امامهم ..قبل نقلها الى غرفة العناية المشددة يستقبلوها جميعاً بالفرحة و البكاء فى حين انحنى نحوها يقبلها من جبينها و قد سقطت دمعة وحيدة من عيناه لم يلحظ سقوطها احد سوى وجنتيها و اللتان استقبلت دمعته بإحتواء ليهمس لها
داغر : حمد لله على سلامتك يا تاجي … شكراً لرجوعك ليا
و من ثم تحركت الممرضات بها نحو غرفة العناية المشددة ليلتف كلاً من حنان و ريم و رامي حول داغر يهنؤه على سلامتها و رجوعها اليهم
بعد مرور ثلاث سنوات
تجلس تاج علي الشاطئ الذي شهد علي أول رقصة لهم .. خفضت بصرها لتضع يدها علي بطنها الكبيرة نسبياً معلنة أنها تحمل الثمرة الثانية لعشقهما .. رفعت نظرها لتطالعه بحب …. زوجها .. حبيبها … حاميها … داغر
كان يلاعب ابنتهما علي الشاطئ .. تكاد تجزم أن تلك الفتاة ولدت لتكون حورية بحر وكيف لها الا تعشقه و تألفه وهو الشاهد علي لقاءات والديها الحالمة .. تأملت داغر في حب و امتنان .. كم تغير داغر من اجلها .. تخلي عن عمله في الميدان وأصبح يُدرب الفرق الجديدة حتي يملك وقتاً اكثر لأسرته و لكي يطمئنها هى عليه
نظر اليها داغر لينزل ابنتهما علي الرمال تلعب فيها بمرح بينما هو اتجه نحوها .. تاجه… كانت ومازالت طفلته الحبيبة .. لا يصدق انها بحوزته .. تشاركه أيامه ولياليه .. أفراحه ومآسيه .. هي من دخلت أحلامه لتتسلل الي عقله وتسيطر علي أفكاره واخيراً تعلن نفسها ملكة علي عرش قلبه .. متأكد هو أن حبه لها لن يضعفه سن ولا شيخوخة بل كلما يزيدها العمر تجعيدة سوف يُقبلها ويحمد الله علي أعظم نعمة في حياته .. تاجه
جلس بجانبها ليلتقط كفها ويلثم باطنه ويسأل في جدية زائفة
داغر :اومال فين رامي وريم وازاي يا هانم يا محترمة تسيبهم لوحدهم
ضحكت ملاك لتضربه ضربة خفيفة في كتفه
تاج :حرام عليك … يعني متجوزين بقالهم سنتين وكمان ريم حامل و انت برضو بترخم عليهم .. ضحكت لتكمل ..دا رامي هيطق منك
ضحك داغر ليجذبها فيستند ظهرها علي صدره ليحيط بطنها بيديه … وضعت تاج يدها علي يديه لتهمس له بحب
تاج :هنسميه ايه ؟
ادعي داغر التفكير ليقول بعبث
داغر : هنسميه فضة
نظرت اليه تاج شزراً لتقول بحنق
تاج : فضة؟؟ مش كفاية بنتك ماسة .. يعني تاج .. و ماسة .. وفضة ليه هنفتح محل جواهرجي
ضحك داغر كل قلبه فهو يعشق مشاكستها من الحين الي الاخر .. حسناً هو يعترف في كثير من الأحيان … لكنه يعشق تلك الحمرة التي تشعل وجنتيها من الغيظ
تاج :هي فين ماسة صحيح ؟
داغر :بتلعب هناك اهي
تاج :طب قوم اتطمن عليها وهاتها تلعب جنبنا
نهض داغر ليجد ابنته ترسم شيئا في الرمال .. نظر إليه ليبتسم ويستدعى تاج .. يشير لها لتأتي اليهم
نهضت تاج بتثاقل لتتجه ناحيته وهي عاقدة حاجبيها في تساؤل .. لم يتكلم داغر بل اشار الي ما رسمته ماسة .. نظرت تاج الي الرسمة لتقف بجانبه وتطبع قبلة علي وجنته .. أحاط داغر بخصرها يتأملها بحب و عشق هي وابنتهم .. فما رسمته ماسة لم يكن ببساطة الا ……… تاج .
تمت.