شظ,ايا الكلمات بقلم جهاد وجيه ج٣
عاد من زكرياته على صوت أذان الفجر تزامنًا مع انقباضة قوية بـقلبه جعلت عيناه تفيض دمعًا فرفع رأسه للنافذة الصغيرة العالية وهمس بـرجاء:
_ يــارب
****************
بـمنتصف اليوم التالي قبيل الظهيرة جلست «ورده» بـقلق جوار « براء» تراقبه منذ بداية الجلسه، بداخلها تستعد لكل شيء، قرأت الكثير والكثير عن ذلك المرض الخبيث الذي احتل جسد زوجها سارقًا شبابه وسعادته، يداخلها قلقٍ خفي من القادم، تشعر بهجومٍ كاسح من العقابات ستحتل طريقهم، تنهدت بـحب بعدما شعرت بكفه يلاطف يديها وهمست بـحنان:
_ محتاج حاجه يا قلبي؟ أو في حاجه وجعاك!!
ابتسم «براء» بـعشق وتمتمت برجاء:
_ محتاجك جنبي يا ورده
تلاقت جفونها ببسمة حزينة لم تصل إليه وضغطت بـقوة أكبر على يده وأردفت بتأكيد:
_ أنا جنبك ومعاك وديما هكون معاك يا روح وكيان ورده
أبصرته يضم كفها لـقلبه لتشعر بـدقات خافقه الهائج فأشاحت بوجهها عنه في ضعف ألتمسه هو فـهتف:
_ عاوزك متخافيش مهما حصل، كل مره هتحسي بخوف افتكري إن معاكي بروحي وبراقبك… عاوزك قويه عشاني
ترقرقت الدموع بعينيها ولم تتمالك نفسها فسحبت يديها من براثينه وانحنت طابعة قبلة راجية على جبهته وتساقطت إحدى دموعها لتلامس وجهها بـحنانٍ وخوف ليسكن الهدوء قلبه ويبتسم بـهيام
****************
دلفت بـثقة لـمركز الشرطة بعدما رأت خروج «ثائر» منذ دقائق عكس مرتها الأولى التي ماثلت الموتى!!، وقفت أمام المكتب تنتظر خروجه وقلبها الخائن رغم ما قاساه ينبض بـقلق على ذلك الرجل، تنفست بـعمق بعدما أبصرته يخرج ضعيفًا وهزيلاً وكأن ليلة واحده قضت نحبها منه!!! وأنزلت به الآلام الكارثية!!، ودت إلقاء نفسها بأحضانه لتنعم ولو قليلاً بـالراحة التي كانت تشعر بها معه ولكن لن تضعف وتتهاون من الآن، لم تُبرح مكانها وتركت مسافة كبيرة بينهم لتوصل له رسالتها بـبُعد طريقهم وصعوبته وكم ألمه مظهرها المصطنع الذي ترسمه لتظهر قوتها المفقودة وتخفي أوجاعِها، لم يرغب بالضغط عليها وإنما اكتفى ببسمة باهته وهمس بـضعفٍ وصلها وإن كبرت المسافات وتفرقت الطرق:
_ بحبك
أشاحت بوجهها عنه حتى اطمأنت لـذهابه فاقتربت من محاميه بـلهفة سائلة:
_ حصل إيه ولي هو هنا النهارده تاني؟!
ناظرها الرجل بـتعجب من لهفتها التي تولدت بعد ذهاب «راكــان» وتمتمت بتعجب:
_ أنتِ مين حضرتك
أغمضت عينيها بـنفاذ صبر وهتفت بـحدة:
_ أنا مراته وعاوزه أعرف وضعه إيه في القضية
هز الرحل رأسه بتفهم وتحدث مُعرفًا نفسه:
_ أنا سمير محامي الدكتور راكــان
هل تقضم رأسه عنوة وتفصله عن جسده؟!أم تجلس عليه حتى تنقطع أنفاسه وبهذا تستفيد من زيادة وزنها لمرة بـحياتها!! بينما هي تتقلب على نيرانٍ ملتهبة هو يعرف ذاته بكل برودة وجفاء!!، حسناً حسناً بعض الهدوء والشهيق والزفير هيا يا فتاة… أجل… ابتسمت بـتكلف وتمتمت:
_ أهلاً بحضرتك بس عاوزه اعرف وضع جوزي إيه في القضية وليه بات امبارح في السجن
نظر «سمير» بـساعته وعاد بـنظره لها متحدثًا:
_ اتفضلي حضرتك نقعد في أي مكان بدل الوقفه دي وهعرفك كل حاجه
رفعت كفها بالهواء وبـصعوبة ضمته مجدداً جانبها وهزت رأسها بموافقة وتمتمت من بين أسنانها:
_ تمام اتفضل
**********************
جلست « أثـير» تنتظره أن ينهي مكالمته التي استطالت وجعلتها ترغب بالتهامه بـشعيراته البيضاء القليلة ليسد الشره الذي انتابها بـقوة بسبب غضبها، ضربت بـقبضتها على المنضدة وهتفت بـجزع:
_ ممكن تركز معايا شوي
أغلق «سمير» الهاتف ووضعه جانبًا وابتسم بـرزانة وتمتم:
_ ممكن حضرتك تهدي عشان تفهمي اللي هقوله
اومأت برأسها بـتأكيد وعقدة ذراعيها أمام صدرها بينما اتسعت بـسمة الرجل فأخفاها سريعًا وهتف بجدية:
_ الدكتور راكــان كل الأدله ضده، في بصمه ليه على جسم الضحية وبصمات تانيه في أماكن مختلفه من شقتها وفي تسجيل صوتي وهو بيهددها عشان ابنه!! حتى لما الظابط سأله عن سبب ذهابه ليه مأنكرش بالعكس قال إنه فعلاً راح ومحدش كان عارف وراح عشان يعرف حقيقة ابنه!! في التحيرات لقوا في شقة القتيلة تحليل DNAيثبت إنه الولد ابن راكــان فعلاً ودا دافع قوي للجريمه كل الأدلة أثبتت الجريمه عليه.. بعد يومين هيتحول للنيابه بس في نقطه واقعه…
*******************
اتخذ من ركنًا مظلم جلسته متخفيًا من ضعفه ونظراتها البعيده تحاوطه معاتبتة قلبه الخائن، الندم يلتهمه من الداخل، ماذا لو أخبرها وانتهى الأمر؟؟! هل حقاً أُثبتت الجريمة عليه وسيقضي ما تبقى من عمره بالسجن أو ربما يلقى حتفه قبل ذلك؟! يالسخرية القدر؛ عاجزًا عن ربط الأحداث، شخصيته الحازمة حُجبت بـغضبه وتركته أحمقًا!! لا تبدو الأمور على شكيتها المفترضة، هناك ثغرة مفقودة بالأمر!!…
كم بدى غبيًا وحقيراً أمام المحقق وهو يخبره يتواجد أوراقًا تثبت أبويته لذلك الطفل!! هل كانت حاملاً به أثناء هجرها له؟! فاق من شروده على صوت فتح الزنزانة تبعه صوت أحد الرجال لطلب رؤيته!!!
جلس منتظرًا ذلك الزائر الغريب الذي أتاه خلسة فمن الصعب على أحد رؤيته هنا!! دفن وجهه بين كفيه بـتعب ولكنه استمع لـصوت خطواتٍ تقترب منه، رفع رأسه فوجد إمرأة منتقبة تقف أمامه ولكنها قوية!! أجل يرى قوتها بعينيها ولكن لما تبدو مألوفة له!!
_ أتمنى تكون اللعبه عجبتك يا دكتور… راكــان
حجظت عيناه صدمة عندما رفعت نقابها الأسود ليتبين وجهها الماكر وبسمتها الحاقدة التي أودت بحياتها خلف الجحيم!! نهض بـتعثر ليقترب منها ولكنها أوقفته بإشارة منها وتمتمت بـهمس:
_ ما قولتلك أنتَ متعرفش ميار الشربيني يا ابن البدري…
شظايا الكلمات
الفصل السادس عشر
قطرات المطر تربت بنعومتها مع قسوة شتاء هذا العام، لم يعد هناك من يمحو دموع المخذولين والمتألمين، نسمات الهواء تداخلت مع حدة البكاء لتصل موجاتها لعنان السماء، لقد حل الشتاء على العاشقين سرًا …. ووصل صداه لروح المصابون بالوحدة علناً… تخلى الجميع إلا من صوت أنينٍ خافت مازال يتردد بـالروح كـدلالة لبقائها على الخليقة ولم تغادر الجسد، قسوة الاعترافات بـأوقاتها المناسبة لا تضاهي مرارة وحسرة البوح بها بعد فوات الآوان….
إنها الثانية عشر بعد منتصف الليل، لم تغفل عينيها بعد، ارتشفت من قدح قهوتها الساخنة التي تداخل بُخارها مع أنفاسها البارده لـيرسموا هالة من الحزن حولها كـتلك التي أحاطت قلبها منذ أمد، لازالت كلمات ذاك المدعو «سمير» تتردد بـعقلها عن استحالة خروج «راكــان» من محبسه، تجرعت ما بقا من قهوتها بـمرارة ونهضت بـخطوات متثاقلة تنوي صنع غيرها حتى يواكب عقلها الأحداث الدائرة حولها ، أغمضت عينيها الجامدتين لـوهلة فإذا بـصورته تتجسم لها بـنظرته الأخيرة عندما غادرته متهربة صباح اليوم، رغم ما ارتكبه من فجائع بحقها إلا أنا قلبها يرفض القسوة عليه، أبصرت السماء من نافذة المطبخ الصغيرة وانكشاف السحب بعض الشيء وغياب الأمطار بـبسمة شاحبة وهمست بـضعف:
_ كان لازم تخبي يا راكــان، كان لازم الوجع يجي منك أنتَ؟
ضمت فنجان القهوة لـكفيها وسارت ترمق أركان البيت الذي أهداه إياه جدها بـعيد مولدها الماضي وكم طال رفضها لظنها بأنها لن تحتاج لـوحدتها مجدداً!! هي بئر من السذاجة والحماقة اللانهائية فهذا ما تبقى لها ليأويها الآن ولن تُقدم على المعيشة بـشقتهم المزعومة!! عادت لـغرفتها وتناولت هاتفها تنوي مهاتفة «هبه» للإطمئنان عليها، تلك الفتاة الحنونة ذات القلب الهين والبسمة الناعمة رغم ما يحويه قلبها من نزاعاتٍ هائلة
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
خرجت «هبه» من المرحاض بعد ساعة قضتها بالإسترخاء سامحة لـجسدها بـالارتخاء بـالمياه الدافئة وتترك لـعقلها مساحة لـيستجمع قراره القادم، لن تتسرع وتنجرف خلف قلبها العاشق لـذلك الرجل مرة أخرى وتحمل الهموم فوق عاتقها مجدداً، انتهت من ارتداء منامة قطنية ثقيلة وغطت رأسها وعنقها بـوشاحٍ مماثل وفتحت بـلكونة الصغيرة التي أصرت عليها بـالنوم لـجانبها، أفسحت لـذراعيها المجال لـيلامِسا السور الحديدي مع ارتفاع صدرها بـنفسٍ عميق…
_ الجو برد وواضح إنك واخده شاور وهتتعبي
أجفلت من صوتها واردت للخلف بـفزع عندما أبصرته يـخرج من بـلكونته الملاصقة لـخاصتها وبسمته الهادئة تزين محياه الوسيم، مضت دقيقة من أصوات الرياح العاتية ما لبث أن حمحم بـمرح:
_ أنتِ شوفتي عفريت؟
رفرفت بـأهدابها بـتوتر ورطبت شفتيها وهمست بلا وعي:
_ ارحم والله
اختفت بسمة «ثائـر» وألتقى حاجبيها بـحرج وتمتم:
_ تمام
التفت عائدًا للداخل كـطفلٍ تلقى إهانة من والدته لاقترافه ذنبًا ولكنها قاطعته بعدما تبينت فاجعة ما تفوهت به….:
_ مش قصدي والله أنا بس اتخضيت لأن الوقت متأخر وأول مره أشوف البلكونه دي وكدا
خلل «ثائـر» أصابعها بـخصلاته بـحرج طفيف وتحدث بـخفوت:
_ كل شقه في العماره ليها بلكونه جنب شقه تانيه
هزت «هبه» رأسها بـتوتر وعضت شفتيها بـحرج من موقفها الضئيل واكتفت بـالصمت…
راقبها «ثائـر» تُغمض عينيها سامحة لـنسمات الهواء الباردة بـتلامس وجهها وبسمة صافية تبزخ من شفتيها الباردتين ولم يتمالك زمام نفسه باختلاس النظرات العاشقة لها، أنثى بما تحمله الكلمة من معانٍ قيمه، ليس وجودها بـهين على القلب، إن مر طيفها ينحني الفؤاد تتيمًا به وإن صدحت ضحكاتها ابتهجت الروح لها، وجودها كـالسلام الدائم المُسكر للـعقل، قاطعه تأمله نظراتها الخجولة والمتعجبة فـحمحم بـخجل ورفع يده الممسكة بـكوب اللبن الدافئ وتمتم:
_ تشربي؟
ضيقت عينيها بـتوجس وجعدت ملامحه بـطفولية وهتفت نافية:
_ لا لا لبن لا لا
اهتز جسده من قوة ضحكاته على هيئتها الطفولية وما لبث أن تمتم متسائلا:
_ مبتحبيش اللبن؟
رفعت كتفيها وأخدلتهم مع ثني رقبتها بومطت شفتيها بـطفولية متحدثه:
_ مسمهاش مبحبهوش، ماما كانت ديماً تقولي وأنا صغيره قولي هو مبيحبناش لأنه نعمة ربنا
على ذكر والدتها ابتسمت بـحزن وشردت ببعض الزكريات المترسخة بـعقلها وتمتمت بـحزن:
_ كانت بتحب تسرحلي شعري كل يوم عشان هو طويل ولما كنت أقول ليها لازم اتعود إني اعمله لـنفسي كانت ترفض، كل يوم الصبح كانت بتزعقلي بعد محاولات كتير إني أشرب اللبن وأنا بعيط وفي الآخر بابا يقول ليها سيبيها تقولوا خليك دلعها، كانوا بيحبوا بعض جداً رغم صعوبة الحال، كنت بشوفها تأكل بسيط عشان تسيب لـبابا أكل عشان علاجه لأنه كان مريض سكر وضغط، كل ليلة كنت بسمعه وهو بيصلي الفجر بيدعي ليها قبل نفسه ويقول يارب ديمها زوجه وأم وحبيبه صالحه لـقلبي واجعلني خير صائنًا لها، كنت صغيره بس كنت فاهمه لأن حبهم كان نقي زياده، أمي كانت أفضل أم في العالم وأبويا كان أحن أب، ربنا يرحمهم
راقبها تزيل دموعها الحزينة وتضم جسدها لـتحتمي من البرد، تمنى لعله ذلك الوشاح الملامس لها عوضًا عنه، جسده يلح عليه بـالذهاب وأحتضانها لتعلم بأنه لـجانبها، قلبه يضطرب ألماً عليها، هو أيضاً يشتاق لـوالده بـشدة ولكن ليس بيدهم سوى الدعاء، حمحم متفهما:
_ هم في مكان أحسن دلوقت، ادعي ليهم
ابتسمت بـأمل لـيومٍ تلاقهم على خير ورمقته بـنظرة ممتنة لـإستماعه لها تفهمها هو وبادلها بإماءة وبسمة حانية ثم تمتم بـمزاح:
_ هو كل البنات لما بتعيط بتحلو ولا أنتِ وضع خاص ولا أنا اللي اتجننت؟
ضحكت بـشدة عليه وأخفضت رأسها بـخجل وما لبثت أن تذكرت ما تنويه فـرفعت رأسها بـتوتر وتمتمت:
_ في حاجه لازم نتكلم فيها
رفع أحد حاجبيه بـتوجس ورفع سبابته بـوجهها وتمتم:
_ أنا قلبي بيقلق من النظره دي… مش متفائل خالص
ابتلعت ريقها بـصعوبة وابتسمت بـغيظ وتمتم:
_ ليه إنشاء الله… تقصد تقول إني نكد؟
لوح بـكفيه بـنفي وهز رأسه هاتفًا:
_ وأنا أقدر أقول كدا محصلش طبعاً
تنفست بـقلق ووضعت يديها تهدأ من اضطراب قلبها وأردفت بـقوة:
_ أنا محتاجه ارجع بيتي
هز «ثائـر» رأسها بـتفهم وغمغم:
_ وأنا تحت أمرك هوصلك واستنى أجيبك
حمحمت بـخجل وهمست:
_ لا أنا هرجع بيتي علطول يا ثائر!
اعتدل بـوقفته واقترب من بـلكونتها أكثر ودنى منها مصححًا:
_ ما هو دا بيتك يا هبه!
هزت «هبه» رأسها نافية وتعلثمت حروفها وغمغمت:
_ أنا عارفه إن القرار صعب بس أنا محتاجه أبعد فتره، محتاجه هدنه من كل حاجه، على الأقل لحد ما فترة عدتي تخلص، ثائـر اللي إحنا بـنعمله غلط ومش واخدين بالنا
قاطعها بـغضب وحدة:
_ إيه الغلط؟ أنا قربت منك؟ أنا عملتلك حاجه ضرتك؟
نهرته بـنظرة معاتبة ومسحت على وجهها بـقلق مكملة:
_ كلامنا دا غلط… وجودي قصاد شقتك غلط… لمستك لإيدي غلط… نظراتك ليا غلط… كل اللي بنعمله غلط ومفيش شفيع ولا عذر ليه، أنا مش بلومك لواحدك أنا كمان غلط لما انساقت ورا مشاعري، أنا كان لازم أعاتبك على الأقل لما خبيت عني إن فاضل طلقني واستغليت دا لـصالحك بس عشان مشاعري ليك اتغاضيت عن كدا مع إن دا حقي والقرار بإني أفضل كان قراري مش قرارك
تلاقت نظراتهم بـلحظة مطولة نهرها «ثائـر» هاتفًا بـتوتر خفي وقوة:
_ تقصدي إيه بكل كلامك دا؟
نظرت بـعيناه بـقوة وترجي وتمتمت بـأمل:
_ نبعد فترة، مدة عدتي تخلص وبعدها كل شيء يبقى واضح مش هقدر أكمل في الغلط دا يا ثائـر صدقني، متعودتش أعرف أخطائي ومصححهاش، أنا خايفه من ربنا، أنا مش ملاك وكلي ذنوب بس لما أقدر أقطع الذنب دا مش هتأخر، أنا بحبك ودا شيء مفيش لا مسافه ولا ظروف هتغيره ولا تقلله، فاهمني!
ابتسم بسمة لم تصل لـعيناه وهز رأسه متحدثًا:
_ كدا هتكوني مطمنه أكتر؟ هتبقي مرتاحه؟
اخدلت ملامحها المتوترة وهزت كتفيها بلا حيلة وأردفت بتأكيد:
_ هبقى مطمنه لما نكون سوى في حلال ربنا، هبقى مرتاحه وأنا بضحك ومش خايفه إن دا غلط، إحنا لا عيال ولا مراهقين إحنا كبار كفاية عشان نفهم ونمنع نفسنا إنها تمشي ورا شيطان بكام لحظه وكلمه تريح القلب، صدقني دا أفضل لينا
انفرج ثغره عن بسمة دافئة عكس برودة الجو وتمتم بـنبرة حانية:
_ طالما دا هيريحك أنا معاكي فيه ودا قرارك وأنا هدعمك المره دي
ابتسمت بـراحة واختلجت السعادة قلبها وهتفت:
_ أنتَ لطيف أووي
رغماً عنه ابتسم لـنبرة السعادة بـصوتها ولمعت عيناه بـبريقٍ من السرور وحمحم مردفًا:
_ مش بـلطف قلبك يا سكر
ألجمها غزله البسيط بـنبرة صوته ونظرته الهائمة مما جعلها تُشيح بـوجهها عنه وتهتف بـحدة وحزم:
_ثائـر إحنا قولنا إيه!!!!؟
ضحك بـملئ فاهه على حدتها المزيفة وتهربها منه وراقبه ترتجف من البرد فـهتف بـحزم:
_ ادخلي من البرد.. الفجر قرب يأذن أصلاً
أومأت بـرأسها بـتفهم وناظرته بـسعادة لـتفهمه وهمست بـخجل:
_ تصبح على خير
استمع لـصوت إغلاق النافذة بـقلبٍ يتداخله القلق حول قرارها، لقد اعتاد رؤيتها كل صباح حتى وإن لم تراه، أعتاد بسمتها التي رغم كونها مخفية إلا أنه يراها بـقلبه الولهان بها، أعتاد طيفها المُحاط بـروحه العاشقة لها، كيف سـيعتاد على عدم تواجدها؟ هل سـيتحمل ابتعادها لأكثر من شهرٍ ونصف حتى تنتهي عدتها وحينها يُسمح له بالتقدم والزواج منها؟ لن يردعها عن قرارها الحتمي والذي تبين أثره عليها ولكنه لن يتحمل! لن يتحمل غيابها هكذا بعيداً عنه!! ألقى نظرة أخيرة على شرفتها قبلما يغلق نافذته ولكنه توقف ما إن استمع لـصوت آذان الفجر، ابتسم بـلا إرادة منه لـصدى الآيات التي تُلقى بـقلبه وتبعث السَكِينة والسلام بـروحه وتمتم وعينتيه تلمعان بـأمل:
_ يارب قدم الخير وريح قلبي
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
فرغت من صلاتها على بسمته الحانية التي يبعثها له من حينٍ لآخر منذ انتهاء جلسته، الأمل يُبسط بـفؤادها بـإسرافٍ مع بداية اليوم، لديها يقينٍ بـقدرته ربها أنه سـيصبح بخير ويتشاركا السعادة الأبدية يومًا بعد يوم، جمعت سجادتها ووضعتها بـرفق على المقعد واقتربت جالسة جانبه متناولة كفه لـيُصبح على مقربة من فمها ولثمته بـقبلة عميقة وتمتمت:
_ تقدر تصلي؟
لكزها بـحدة طفيفة بـجانبها وغمغم بـمرح:
_ أنا موقعتش للدرجادي يبت أنتِ أنا لسه بخيري مش شوية تعب اللي يهدوني
انحنت طابعة قبلة عاشقة فوق جبهته وضمت رأسه لـصدرها بـحب وغمغمت بـلهفة:
_ متقولش كدا… أنا عاوزاك بخير ديماً
رفع «براء» رأسها من صدرها وضيق عينيه بـخيبة أمل وتمتم:
_ هي مينفعش شفايفك كانت تنزل عشره سنتى لتحت؟ بتبوسي أختك أنتِ؟
لثوانٍ لم يصل لها مخزى كلماته ولكنه حينما انتهى مالت عليه من شدة الضحك حتى أدمعت عينيها وتحدثت بـلا ترابط من بين ضحكاتها:
_ يعني لسه مصليه وبقولك… بقولك قوم صلي وتقولي كدا… الشيطان حاضر هنا رغم كل شئ منه للاااه
مال عليها أكثر بـجسده حتى اعتلاها وعيناه تلتهم تفاصيلها البديعة ومحياها الفاتن وشفتاه تهمس بـكلماتٍ لم تتبينها ولكنها أتت لتلتقي بـخاصتها بـقبلة خفيفة ورطبة جعلتها تحيط عنقه بـحب وتفصل القبلة هامسة:
_ طالما أنتَ كويس يلا نصلي وأنا هصلي معاك تاني
نهض عنها وما لبث أن جذبها لـصدره بـعناقٍ ساحق كاد يستمع لـصوت تحطيم عظامها له وغابت عيناه بـعاطفة قوية للحظاتٍ ثم ابتعد عنها وسارا لـيغتسل ثم يتوضأ
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
بـمنتصف اليوم وقفت «أثـير» تهندم ملابسها، وضعت لمساتها الأخيرة لـتكمل طلتها البهية وابتسمت بـبرود لانعكاس صورتها بالمرآه وهمست بـتهكم:
_ مش اللبس والمكياج اللي هيبني قوتك… فوقي
أكان ذلك صوت عقلها أم قلبها المشتاق له؟ أكان ذلك من المفترض عتابًا لها أم سخرية منها؟! أحقاً هي قوية أم تدعي تلك القوة التي تظن أنها لن تمتلكها بـيوم؟ التقطت حقيبتها وهاتفها وتوجهت للخارج، بعد مدة وصلت للبناية التي يقطن بها «ثائـر» تنهدت بـتعب وأخفضت رأسها على المقود ولمعت عينيها بـالدموع من شوقها الجارف له ولا حيلة لها بـذلك فـمهما طالت كذبتها أنها تحاول نسيانه يُلقيها قلبها بـجعبة لهفتها واشتياقها له، أزالت دموعها واستجمعت شتات روحها وصعدت…
طرقت بـخفوت على الباب ودقيقة حتى طل «ثائـر» بـملامحه الهادئة وكأنه كان على علمٍ سابق بأنها ستأتي، دلفت وعينيها تدور بـالمكان لا تريد رؤية والدته حتى وإن كانت خارج الأمر فمن الصعب عليها الصفح لها، جلست بـجانب والدة «ثائـر» التي رحبت بها بـشدة وتبعها هو بسؤاله:
_ أنتِ من جواكِ عارفه إن راكــان مستحيل يعمل كدا؟
وضعت كوب الماء الذي كانت ترتشف منه وناظرته بعينين داكنتين وغمغمت بـصدق:
_ وأنتَ عارف إن اللي عمله مستحيل حد يسامحه عليه،أنا جيالك عشان تساعدني
أنصت بـاهتمام لها وتمتم بـتوضيح:
_ خليكي واثقه قبل أي قرار إن راكــان عمره ما حب غيرك وإن ميار دي كانت غلطه دفع وبيدفع تمنها لدلوقت
أشاحت بـوجهها عنه في تردد وغمغمت بـتوتر:
_ أنا عاوزه أطلق
كانت والدة «ثائـر» تتابع الموقف من البداية ولم تنبث ببنت شفة واكتفت بالملاحظة ولكن عندما تفوهت « أثـير» بـرغبتها بـإنهاء زوجها رمقت «ثائـر» بـنظرة تفهمها واستأذن مغادرًا، اعتدلت بـجلسته لـتصبح بـمواجهتها وجذبت كفيها لـتحتضنهم بـحنانٍ وغمغمت:
_ قوليلي حاسه بـإيه وأنتِ بتقوليها
رفعت « أثـير» عينيها لها ونطق لسانها رغماً عنها بـألم:
_ حاسه بوجع مش عاوز يقف، حاسه بتعب وخنقه لأول مره أعيشها، روحي وقلبي رافضين النهاية دي بس أنا مش هقدر أسامحه رغم حبي الكبير ليه، أنا ضعيفه قدام كل الوجع دا وعمري ما كنت أتخيل إنه يخذلني بالشكل دا جوايا شعور بيقولي إنه لو كان اعترف بكل الحاجات دي قبل جوزانا كنت هغفرله وهنسى بس بعد ما عيشني في كدبه واستغلني صعب أنسى واعدى، رصيده في قلبي خلص!!
ابتسمت السيدة «نجاة» بـطيبة وربتت فوق كفيها وهتفت بـصدق:
_ لو كان رصيده في قلبك خلص مكنش زمانك خايفه وأنتِ بتطلبي الطلاق، مكنتيش هتحسي بالوجع اللي في قلبك دلوقت، كان قلبك هيبقى بارد ومرتاح بعكس دلوقت، يا بنتي خديها نصيحه من واحده أكبر منك، ساعات بنخاف نواجه الناس اللي بنحبهم بحاجات كتير ممكن تجرحهم لمجرد إننا خايفين نوجعهم، مش كلنا عندنا قوة إننا نصارح ونواجه، أنا عارفه راكــان كويس مشوفتهوش فرحان زي ما شوفته معاكي يوم الفرح، يا بنتي ادي لنفسك فرصه واقعدي احسبي خطواتك، أنتِ من جواكي مصدقه إنه برئ بس خايفه من بقية القصه، يا حبيبتي متحكميش عقلك زياده عن اللزوم
اومأت « أثـير» بـرأسها بموافقه واعطتها بسمة شاحبة وخرجت بـهدوء
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
منذ وطأت قدماه هذا المكان لم تغفل عيناه لـدقيقة واحده، لو يرتمي بـأحضانها ولو لمرة سينعم بـالراحة التي فقدها، لها كل الحق بابتعادها وتهربها منه، ماذا إن كان بـموضعها؟ ماذا إن علم بـعلاقة سابقة لها بعدما تزوجا؟ لـمجرد تخيله تدفقت دماؤه بـغزارة لـعقله واسودت ملامحه قسوة مع ارتفاع وتيرة أنفاسه، دمعة خائنة أخذت مجراها لـوجهه نفضها عنه وتذكر نظرات وكلمات تلك الأفعى المدعوة بـزوجته الأولى!!!
# فلاش باك
لم تزول صدمته بعدما استمع لـصوتها البغيض بعد حتى باغتته بـرفع نقابها ليري ملامحها الشامتة بها ونظراتها الكريهة المصوبة له، استجمع قوته وهتف بـتأثر:
_ أقدر أفهم راجعه ليه دلوقت؟ ليه بعد السنين دي كلها؟
أنزلت « ميار» نقابها واستندت بـجسدها على الحائط المقابل له وتمتمت بـحقد:
_ للأسف لأني في يوم حبيتك وافتكرت إنك ممكن تاخد بالك مني حتى!! قدمت نفسي ليك عشان اروح لوالدتك ونتجوز وبكدا أبقى قربت منك وأقدر أخليك تحبني بس فشلت!! فشلت وأنا بشوفك قرفان مني بل ومش شايفني أصلاً!!! قدمت تنازلات كتيييره وكنت مستعده أقدم عشان اسمع منك ولو كلمه واحد!! ولو نظره!! حتى لما مشيت مدورتش عليا ولا حتى طلقتني، لما عرفت إني حامل مشيت مكنتش هسمح لابني يعيش مع أب مش شايف أمه؟! مكنتش هسمح لنفسي أكرر اللي عشته مع ابني وادمره!! تخيل بقا ربنا أراد احمل من غلطه! أول ابن ليا يبقى ابن زنا!! طول السنين معرفتش أنساك رغم الوجع اللي عشته بحبك وأذيتك، تخيل بنت تقدم نفسها وشرفها اللي هو كل ما تملك لولد أصغر منها لمجرد إنها نفسها يحبها!!! متخيل كرامتي وصلت لفين؟!!! متخيل وجع قلبي وأنا بستناك كل ليلة على أمل حتى تنام جنبي بس كنت بتهجرني!!! مشيت بابني وكنت هنساك بس قولت ليه مخلهوش يعيش من نفس الكاس اللي شربته؟! ليه ميشوفش ويدوق معنى إن حد يدمر سعادته وأحلامه؟! مسألتش نفسك ليه بعد السنين دي كلها مفكرتش اطلق ولا ارجع؟! عشر سنين وقت طويييل بردو!! لما عرفت إنك بدأت تحب بنت قولت فرصتي واستنيت كل حاجه تتم وتعيشلك كام يوم
صمتت قليلاً تستجمع أنفاسها بسبب اندفاعها بـالحديث وغضبها المخفي بين حروفها، تساقطت دموعها بلا هوادة منها رغماً عنها عندما تذكرت تلك السنوات زما عاشته بهم لأجل حبٍ لم يُقدر لها، اقتربت منه وهمست بـقوة وكره:
_ شوفت فرحتك اللي كانت مفروض تبقى معايااا!!! فرحتها اللي المفروض كانت تبقى فرحتي!!! أنا مش عارفه أكرهها صدقني لأنها أنقى منى ومنك وأنضف ومتستهلش كدا بس غصب عني!!! تخيل تفضل سنين كل يوم بيعدي رغبة انتقامك بتزيد من أكتر شخص حبيته في الدنيا، تخيل كرهي ليك بيزيد مع كله همسة بابا بسمعها من ابني وأنا عاجزه حتى اقولوا أو أوريه شككلك؟! تخيييل!!! تخيلللل كام سيناريو كان بيجيلي عشان لما يكبر هيتقالوا أنتَ ابن زنا!!!!
صاحت بـغضب وحده بعدما تجرعت مرارة ألمها للمرة التي لم تعد تحصيها ودارت حول نفسها بـتعب:
_ تخيل بقا وجعي!!! بنفس درجة كرهي ليك، لو مفكر انتقامي منك خلص تبقى بتحلم يا راكــان، متتعبش نفسك إزاي عملت كل دا لأن الفلوس بتعمل كل حاجه!! حتى ولو على حساب نفسك!! افتكر إن على قد طيبتي وسذاجتى هتقابله وجع يحطمك مني
راقب خروجها بـعينين دامعتين، أيشفق عليها أم يشفق على ذاته؟! أم على حبيبته التي أصبحت مرهونة لأفعاله الشنيعة؟! لم تكذب فزوجته أنقى منه!! زوجتها الرقيقة لن تتجاوز المزيد من المحن والصعوبات، رغم ما تكنه له من كره إلا أنه رأى صدق قولها بأنها أحببته! أكان حقاً جلمود الفؤاد لتلك الدرجة ولم يراها؟! أكان بتلك البشاعة ابتي تصفها به!!
#باك
لم يفهم قولها بأن الأمر كان على حساب نفسها! اختبر وجعها سابقاً عندما كان يحب « أثـير» سراً ويخشي عدم مبادلتها إياه! هو ليس حزينًا على تواجده هنا ولكن يحزن لأجل معشوقته الباكية والضعيفة، تلك الهشة تخشى الليل وإن طال فـكيف تتعايش مع كل ذلك؟! حزين لأجل ابنه!! فلذة كبده الذي تربي بعيداً عنه كيتيمٍ!!! يالقذارة أفعاله
♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡
عادت «ورده» من الخارج بعد زيارتها لـطبيبه لتسأله عن حالته وكم سعدت بعدما طمأنها بأنه بخير وإن أرادت إخراجه فلا بأس، دلفت غرفته وتعجبت من خلو فراشه ولكنها استمعت لخرير المياه فعلمت أنه بـالمرحاض، مضت فترة وجيزة انتابها القلق عليه فـنهضت وطرقت الباب وتمتمت:
_ براء مالك… بقالك فترة طويلة محتاج حاجه؟
استمعت لـصوته المتعب من الداخل يطمئنها ولكن على العكس ما زادها إلا خوفًا فعاودت الطرق بـقوة وأردفت بـحزم:
_ أنا هدخل
فتحت الباب وما لبثت أن وجدته منحنيًا على الحوض ويتقيأ بقوة وكأن حياته تعتمد على إنها ذلك الأمر، استشعرت الألم بـصوته وحركات جسده الذي يتلوى وكأنه على جمرٍ، هرولت مسرعة إليه واقتربت مربتة فوق كتفيه بـحنان وتمتمت:
_ خد نفسك اهدي يا حبيبي
نهرها بجسده وكادت أن تسقط وتمتم بـأمر وانفعال:
_ اطلعي برا قولتلك متدخليش
أدمعت عينيها لـنظراته المتألمة واقتربت ضاممة جسده لـيستند عليها وهمست بـصوتها الدافئ:
_ أنا وأنتَ واحد ومستحيل يكون بينا فرق، بلاش تبعدني عنك
لمعت عيني «براء» بـالدموع وارتجفت شفتاه وهمست بـحرقة:
_ صدقيني لازم تخرجي بلاش تشوفيني كدا على الأقل، خليكي برا يا ورده