شظ,ايا الكلمات بقلم جهاد وجيه ج٣

رمقها « راكــان» بـ نظرة باردة لهيئتها المذرية وقِصر قامتها وتمتم:
_ غوري العبي بعيد يا شاطره.. جايبينك من انهي حضانه أنتِ!!
افترست « ورده» شفتيها بـ حقد وزفرت أنفاسها الغاضبة بـ وجهه وهتفت بـ برود:
_ من نفس المكان اللي جايبين عقلك التافه منه!!

صدحت ضحكات الجميع من حولهم على مظهرهم الأقرب للقط والفأر بنزاعهم واشتباكهم من أول لقاء لهم ولكنه لم يلتفت سوى لـ معذبة قلبه وحاصدة روحه تلك الأثير ذات الإكسير المُنعش لـ كيانه متناسيًا العالم بـ ضحكتها الفاتنة..

انتبه الجميع لـ نظراتهم المعاتبة فـ قرروا الانسحاب حتى يتركوا لهم المساحة الكافية ولكن «ورده»!!! لم تُبرح مكانها وإنما رفعت سبابتها بـ وجه « راكــان» وغمغمت بـ بسمة سمجة:
_ لو سمعت صوتك عالي والله ما هتطلع من هنا على رجلك

قلب «راكــان» عيناه بـ اشمئزاز مصطنع وهز كتفيه متمتماً بـ مرحٍ زائف:
_ اومال هطلع على إيه؟!

ضحكت « ورده» بـ سخرية وصفقت كفيها معاً وأردفت بـ جدية منافية لـ طبيعتها:
_على نقاله!! هتطلع من هنا على نقاله لأن رجلك مش هتشيلك!!! افتكر كلامي كويس مبحبش أعيده يا اسمك إيه
********************
جلس «راكــان» أمامها وعيناه تلتهم خاصتها بـ نظراتٍ حارقة وتمتم بتروي:
_ هتسمعيني!!!..

عقدت «أثـيـر» ذراعيها أمام صدرها وأراحت ظهرها للخلف رغم ما يعتمر قلبها من آلالامٍ وتمتمت بـ ببرود مصطنع:
_ دا أمر ولا قرار؟!

هز رأسه بـ نفي وشابك كفيه المُضمدين بـ الشاش وهتف بـ رجاء:
_ لا دا ولا دا… دا رجاء.. طلب

عندما وجد الصمت جلياً عليها وعيناها تدور على جرح يديه بـ لهفة لم تحاول إقصائها ابتسم خلسة لـ حبيبته الوحيدة التي لن تنفك عن عشقه يوماً ولن يُبرح هو عن تتيمه بها حتى تُحصد روحه، رفع نظره لـ تتلاقى نظراتهم وتحدث بـ رجاء:
_ عارف إني غلطان وكان ليكي كل الحق في غضبك ووجعك اللي بتمنى أشيله عنك بس والله قلبي ما دق لغيرك ولا عرف أصلاً يحب غيرك من أربع سنين، أنا كنت ضايع في ملزات الدنيا ونسيت ربنا ونسيت رحمته ومشيت ورا صُحبه غلط، دفعت التمن في والدتي اللي ضيعت عمرها عشاني، أنا كنت تايه يا أثـيـر… موت والدي دمرني ووجع قلبي وحسسيني بوحدتي وضعفي ومشيت في طُرق غلط… معرفش هي رجعت ليه ومش عاوز أعرف بس اللي متأكد منه إني مش عاو غيرك ولا حابب يكون جانبي غيرك… ازعلي واتعصبي واشتمي بس وأنتِ في بيتنا ومعايا متسمحيش لحاجه توقع بينا… أثير..!!

****************
دلفت « ورده» خلف الفتاتان وكلها عزيمة على بداية النزاع الجديد مع رفيقتها المراهقة، جذبت المقعد وجلست أمامها بعدما اطمأنت لـ ذهاب «ثائر» ليرى والدته وعقدة ذراعيها بـ غيظ وغمغمت بـ توجس واستنكار:
_ أفهم بقا بتعملي إيه في نفسك؟!

تصنعت « هبه» عدم الفهم وهربت بـ نظراتها للنافذة وتمتمت بـ تعب:
_ بعمل ايه يا ورده ما أنا كويسه اهو.. !!
مطت «ورده» شفتيها بـ دراما وتصنعت التفكير لـ عدة لحظات ثم تحدثت بـ هدوء:

_ بتحملي نفسك ذنوب أنتِ مش قدها!! أنتِ ناسيه إنك على ذمة راجل وبتحبي راجل تاني؟!

نهرتها «هبه» بـ شهقة مستنكرة وهتفت بـ تسرع:
_فاضل طلقني من شهر وأكتر يا ورده

صفعت «ورده» كفيها معاً بـ غيظ وغضب وتمتمت من بين أسنانها:
_ الله أكبر يعني في شهور عدتك؟!! بتقربي من راجل مُحرم عليكي وأنتِ تعتبري على ذمة راجل ممكن ترجعوا في أي لحظه!! محدش عارف القدر مخبي إيه!!! بتحملي نفسك ذنوب هتندمي ندم طول عمرك

أشاحت « هبه» بـ نظرها بعيداً عنها وترقرقت دموعها الموجوعة وهمست من بين أنفاسها:
_ عارفه إن علاقتنا غلط وإني مينفعش أعترف بحبي ليه ومفيش بينا حاجه رسميه بس بحبه!!

نهضت «ورده» بـ عنف ولوحت بـ كفيها في الهواء بـ غضب وصاحت:
_ هتقولي لربنا بحبه؟!!! جيتي بيت تبعه وسمحتي ليه يقرب منك وأكيد لمسك ولو لمسه إيد بسيطة سمحتي باب للشيطان ومشيتي وراه ودلوقتي بتقولي بحبه!! تعرفي إن ربنا مش بيبارك على العلاقات اللي بدايتها غلط!! حتى وإن كملت ليها عقابات!! حقيقي مصدومه فيكي يا هبه، أنتِ اللي قربتيني أكبر من ربنا!! مش بقسى عليكي ولا بهاجمك أنا بنصحك بفوقكك، طالما طلاقك تم تقدري ترجعي بيتك يا حبيبتي وتصوني قلبك أكتر وتستغفري ربنا ووقت ما يبقى في رابط شرعي بينكوا وتبقي حلاله تقدري تفتحي قلبك ووقتها هتفرحي وقتها صدقيني هتبقي اسعد واحده في الدنيا …

تساقطت دموع «هبه» النادمة سامحة للهدوء الولوج لها من جديد على ما اقترفته كيف تناست حدود دينها وانساقت خلف خطوات الشيطان حتى وإن كانت غارقة بـ الحب فـ ليس للمعصية بـ أعذارٍ تذكر!! رغم نضوجها وعقلها إلا أنها سمحت لـ مراهقتها بـ التدخل متناسية ضوابط دينها!!

نشبه الورود بماهيتها… إن سهلنا للعالم الوصول لنا لـ امتدت كفوف الجميع لـ قطفنا بلا حدود تذكر! ولكن إن زرعنا الأشواك حولنا لن يقترب إلا كل مُحاذر… سهولة الحصول تماثل سهولة التخلي وكذلك استحالة الوصول تعادل استحالة التخلي!!….
***************
فرغ «راكــان» من حديثه وانتظر إجابتها كـ طالب ثانوي ينتظر نتيجة نهاية عامه الدارسي والتي ستحدد طريق وجهته!! ولكنه لم ينتبه لـ تلك الواقفة تتابع حديثهم بـ عينين باسمتين وعندما طال الصمت قررت التدخل بـ خطواتٍ متغنجة وواثقة وهتفت بـ قوة:
_ طبعاً ملوش حق يكدب عليكي يا أثـيـر بأنه متجوز تؤ تؤ… بس في كدبه كمان نسي يقولها!! نسي حمزه!! ابنه…

شظايا الكلمات
الفصل الرابع عشر

حينما تعجز عن الاختيار… أغمض عينيك واترك قلبك يتفقد هويته

انقطاع تدفق الدماء لو لــثوانٍ عن العقل يسمح لــبعض الخلايا أو ربما جميعها بــالانسحاب والضمور الأبدي الذي لا شِفاء منه كـ مثل الصدمات المتتالية تُعطي للعقل بــهدنة زمنية من الانفصال عن العالم وولوجه لــبقعة نائية من الإنكار رافضًا الصمود والدفاع وبـذلك يبدأ التدرج بــفقده والعيش بلا اكتراث…

التوازن بين الأمور يقود الحياة البشرية لــقرونٍ من الهدوء الداخلي والسلام العام والعكس صحيح، كلما فَرُط الأعطاء كلما تكبد الجسد عناء الانسحاب تحت مسمى فقدان الشغف!…

فرغ «راكــان» من حديثه وانتظر إجابتها كـ طالب ثانوي ينتظر نتيجة نهاية عامه الدارسي والتي ستحدد طريق وجهته!! ولكنه لم ينتبه لـ تلك الواقفة تتابع حديثهم بـ عينين باسمتين وعندما طال الصمت قررت التدخل بـ خطواتٍ متغنجة وواثقة وهتفت بـ قوة:
_ طبعاً ملوش حق يكدب عليكي يا أثـيـر بأنه متجوز تؤ تؤ… بس في كدبه كمان نسي يقولها!! نسي حمزه!! ابنه…

دارت الرؤوس المصدومة والمزهولة من وقع تلك الحروف عليها وانفرجت الأفواه عن شهقات الفتيات القادمة من الخلف وكذلك «ثائر» الذي عاد من شقته وصادف دلوفه حديث «ميار» الصاعق!! بينما ملامح «أثير» لم تتغير كل عضلة بوجهها مرتخية بطريقة جعلت الجميع يناظرها بدهشة وصمت وكان للصمت دورًا رئيسي باللعب بتلك الأمسية الصاعقة لهم!! وقفت كلا من «ورده» و «هبه» يبصران تلك الدخيلة التي استغلت تركهم لـباب الشقة مفتوح وولجت باصقة سمومها المميتة لهم بكل شماتة جعلت دماؤهم تفور كفوران الحليب عند بسترته، مِثل الجميع يرمقها بـ أبغض النظرات على وجه الخليقة قابضًا فوق أحرف المقعد وغضبه المتفاقم يناشد للثوران والبزوخ للنيل من تلك العاهرة التي قضت على سعادته للتو!!

أخيراً وبعد دقائق من الصمت اتخذها الجميع كلا حسب مفهومه خرجت أول الكلمات من فم « أثـيـر» بلا اكتراث:

_ مش كنتي تستني امر بطور الانهيار وأفوق وبعدين ترجعي بصدمة جديدة عشان لما انهار المرة دي تبقى النهاية وتبقي وصلتي لغرضك ودمرتي سعادتي!!

عدة خطوات بسيطة فصلت بينهم قطعتها «ميار» بـثقة حتى أصبحت بـمنتصف البيت وعيناه تلتقط نظرات الغضب والشر والكره من الجميع ولكنها لم تبالي وتصنعت التفكير لـعدة ثوانٍ وما لبثت أن هتفت بـ مكر:

_ مش يمكن في صدمة جديدة جايه هتبقي الضاربه القاضية ووقتها أبقى حققت غايتي بتدميركوا!؟

لم يعد يحتمل « راكــان» وجودها الغير مرغوب به ولا نبرة الثقة والمكر التي تُعمر حديثها البغيض فـ نهض مقتربًا منها ينوي ازاحتها من أمامهم بالقضاء عليها وهتف بـ غضب من بين أسنانه:

_ ومفروض نصدق كدبتك دي صح؟! جايه بعد عشر سنين تقولي إني ليا ولد منك! كنتي فين من عشر سنين!! أنتِ نسيتي أنا عرفتك أزاي!!! نسيتي حقيقتك ولا إيه؟؟ ايه يخليني أصدقك!!!!

رفع يديه ينوي صفعها وجرها من حجابها الذي تخفي حقيقتها القذرة خلفه ولكن نظرة «ثائر» النافية لفعله جعلته يتراجع ويغلق قبضته ويهتف بـ كره وتوعد:

_ ورحمه أبويا لأدفعك تمن اللي عملتيه قبل كدا ولسه بتعمليه

ضحكت « ميار» بتشفي وسخرية منه وعقدت ذراعيها أمام صدرها وتبدلت ضحكاتها بنظرة قاسية أوعدت بها آلالامِها المكنونة وغمغمت بـقسوة:

_ وحياة كل لحظة وجعتني فيها يا ابن البدري لأخليك تتمنى الموت ولا هتطوله وما هتشوف يوم حلو في حياتك من النهارده

انقض عليها «راكــان» بـصفعة قوية صدح صداها بآذان الجميع ولم يكتفِ بذلك بل قبض على حجابها بين أصابعه وتمتم بـغل:

_ راجعة تدرمي حياتي لي يا قذرة، فاكرة كدبتك هتخول عليا وتلبسيني غلط واحد غيري واشيل الليلة لا، تبقي متعرفيش ابن البدري اللي بتحلفي بيه دا، هندمك أشد الندم

لم تتحرك ملامح « أثـيـر» قيد أنملة ناحيتهم وبقت على واضعها وبسمة ساخرة تزين ثغرها بينما شرع « ثائر» بتخليص «ميار» من قبضة « راكــان» الغاضبة الذي سول له شيطانه القضاء عليها وهتف بـغضب:

_ راكــان فوق وشوف بتعمل إيه الموضوع ميتحلش كدا، هتضيع نفسك عشان واحده زي دي، اهدي

لم يكترث له بل هبطت يداه لتحيط بــعنقها بقوة سالبًا أنفاسها بـ عنف واسودت عيناه بـقسوة وهتف:

_ اومال تتحل ازاي، واحدة وسخة زي دي دمرت حياتي بين يوم وليلة وبتكدب كمان وعاوزه تلبسني ولد منها بعد عشر سنين بعد ما هربت من غير أسباب، عاوزني اخدها في حضني!!!

حينها ضحكت « أثـيـر» بـتهكم وصوبت أنظارها الباردة عليهم وتمتمت بـ لامبالاة:

_ مش فارقه كتير، هي وصلت لهدفها واللي عوزاه قد كان، تفتكر إيه هدفها من الكدب!! مفيش كدبة ملهاش ماضي

قست نظراتها للحظة عندما تلاقت بـ «راكــان» وخرجت حروفها بـ قوة:

_ أية يخلني أثق في كلامك قصاد كلامها!! هي مكدبتش في حقيقتك!!! أنتَ الكداب الوحيد هنا… على الأقل ظهروها المره دي في الوقت المثالي لأني كنت في لحظة ضعف مني هصدقك واسامحك

تزحزحت يداه تاركة « ميار» واهتزت قدماه بـوجع وتقدم منها وعيناه تلمعان ببريقٍ خافت من الدموع وهمس بـأنين:

_ والله كدابة، هي هربت من عشر سنين وأنا مشوفتهاش ولا قربت منها إزاي تبقى حملت

تسللت «ميار» بـخوف من بينهم وكادت أن تصل لباب البيت لولا قبضة « ورده» الغاضبة التي نبشت أظافرها بجلدها وصوتها الحاد يهتف:

_ جيتي هدمتي بيت متعرفيش صاحبه عانوا قد إيه على ما وصلوا لبعض وكمان كسرتي قلب البت الغلبانه وعاوزه تهربي بسهوله كدا!!! دا يبقى عليا وعلى أعدائي

انهت حديثها بهجومها القوي عليها حتى اختل توازن كلتاهما وسقطت «ورده» فوقها نازعة حجابها بـ عنف سامحة لأظافرها بالتطاول لتُغرس بوجهها البغيض ولم تكف عن لكمها بمعدتها وسط صمت الجميع وعدم تدخلهم للسماح لها بالثأر من تلك الأفعى، رفعت « ورده» رأسها وابتسمت بـ شر وهتفت:

_ وحياة امي لو ما قولتي جايه هنا ليه وعاوزه إيه من البت لتطلعي ما فيكي حته سليمه يبنت العقربة

صرخت «ميار» بحرقة بسبب آلالام جسدها واصطدام رأسها بالأرضية وعنف تلك الفتاة معها:

_ والله ابنه وراجعه عشان ياخده… ابعدي عني بقا

عم الصمت لــدقائق معدودة وتناقلت النظرات جميعها لـ «راكان» الغاضب من كذبها المستمر فنهضت « ورده» عنها وهتفت مشيرة للباب:

_ عارفه الباب اللي دخلتي منه زي الحرميه دا ثانية لو مخرجتيش هطلع عفاريتي عليكي

انهت حديثها وتنفست بـراحة واقتربت من «أثير» الصامتة وجذبتها عنوة من أمام « راكــان» وصاحت بأمر:

_ اتفضل برا وتاني مره لما تحب تدخل البيت للزم تبقى عارف شعور صحابه ناحيتك إيه والظاهر ليك إن وجودك مش مستحب

كاد «راكــان» مجابهة حديثها بآخر غاضب ولكنها قاطعته دافعة « أثـيـر» تجاه هبه المتألمة وهتفت:

_ ادخلوا جوا وأنا هنضف المكان واجي

التفت ناحية « ثائر» المتابع للموقف وتحدثت بـهدوء مزيف:

_ خد صاحبك واتفضلوا ياريت عشان زي ما أنتَ شايف محتاجين نرتاح من قرف اليوم

انهت حديثها بنظرة ثاقبة لـ « راكــان» لتؤكد له أنه المعني بكلامها وراقبت نظراته القاتلة لها ثم خروجهم وهدوء البيت

*********************

انصرف الشباب وجلست الفتيات بعدما نامت « رحمه» وكلا منهم بعالمها الخاص، عليهم جميعاً اتخاذ القرار بحياتهم القادمة، العواقب الناتجة عن القرارات القادمة ستكون وخيمة عليهم، منهم من أخطأت بترعها والسماح لقلبها بالانجراف خلف حبٍ جعلها كمراهقة وتناست حدودها بل وارتكبت خطأ فادح بالبوح بمشاعرها، تناست ما مرت به وانغمست بما صوره لها شيطانها الذي صور لها الجزء الممتلئ من الكوب وغلف الجزء الفارغ منه!!

منهم من وثقت وأحبت بروحها وكيانها وقدمت حياتها ىهينة لرجلٍ كان الأحن والأقوى والألطف لقلبها ولكن!! تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، لم يكن صادق!! لم يحبها!! لم يُخلص لها!! كانت مجرد فترة بحياته!! ماذا كانت تنتظر ألرجلٍ مثله بوسامته وجاذبيته ان يحب فتاة ثمينة مثلها قُضي نحب فرحتها من قبل بدايتها؟!…

منهم أيضاً الخائفة من الفُراق الأبدي، لعل من يرحل ويهجر تأتي به الأيام ليعود الوِد والحب ولكن ماذا عن الرحيل النهائي! تخشي فقدان حبيبها لن يتحمل خافقها فقدانه فمجرد تألمه ينزف قلبها العاشق له ماذا عن موته!!

عليهم بالمشاركة لا التخفي والكتمان، اعتدلت «هبه» بجلستها وفركت كفيها بتوتر وهمست بـخجل:

_ أنا غلط… مكنش ينفع اجي هنا مع ثائر وافضل في بيته حتى لو هو شخص شهم وجدع، مكنش ينفع أسمح للشيطان بثغره يدخلي منها ومش بس كدا سمحت ليه يمسك إيدي ويقرب مره ورا التانية وانجرفت ورا قلبي في حب مراهقة مش ندمانه عليه بس ندمانه على عواقبه اللي هتأذيني، البدايات الغلط والمحرمه نهاياتها غلط ومأساوية وأنا مش عاوزه كدا، أنا حبيت ثائر بدون إرادة وسبب مني قلبي دق ليه بعد تجربة قاسية دمرتني وفجأة بعد شهور من المعاناة ربنا عوضني بقلب زي قلبه بحنيته، كفاية إنه فاهمني من نظرة عيني ومنفرش من عيوبي بالعكس بيحبها، حتى بعد ما عرفت إنه مخبي عليا طلاقي متعصبتش ولا لومته مع إني مفروض دا كان قراري ولازم يعرفني وقتها كان بإيدي أقول أفضل ولا امشي، الحب بيخلينا نتصرف غلط وخصوصا لما نسمع قلبنا، تجاربنا بتختلف زي عقولنا وقلوبنا وللآسف كلنا بنسمع للقلب رغم ثقتنا أن معظم قرارته غلط، الحب مش كفاية!! الحب أحياناً بيكون لعنه علينا او اختبار مجبرين نخوضه وعارفين نهايته بس خايفين منها، أنا متأكده إنه شخص كامل عكسي!! بس قلبي عنده أمل يفرح…

انهت حديثها وتسللت الدموع النادمة تشق طريقها لوجهها وكتمت صوت بكائها حتى يتثني لهم الحديث، ابتسمت « ورده» بحزن وشردت متحدثة:

_ لما قرر يعترف ليا بحبه عرفنا إنه عنده سرطان وفي مرحلة مش متقدمه بس معقوله، وقتها حسيت بزوال فرحة حبه وكأني وقعت من منحنى لبير كله ضلمه وخوف، بقالي سنين بحبه وبتحمل طريقته اللي عرفت اسبابها لقيته طفل!! طفل خايف!! خايف زي خوفي عليه، أنا مش معترضة على أمر ربنا بس أنا تعبانه!! خايفه!! جوايا كسرة مش قادرة أبينها ليه عشان لازم أكون قويه معاه عشان ميضعفش!! بس أنا ضعفت دلوقت!! لما حد بيغيب عننا بسفر أو ببعد مؤقت بنقدر نشوفه صدفه أو نسمع صوته ولما بيرجع بنحضنه، معرفش نصيبي لي ديما قليل بس والله راضية بيه!! بس مش عاوزه وجعي وحسرتي تكون فيه هو!! أنا لقيت نفسي بترقص معاه!! مستعده أفضل طول عمري سنداه بس يكون معايا!! بس هو… هو لو مشي!! هسمع صوته ازاي!! هحضنه امتى واضحك!!! هشوفه صدفه!! هيغازلني ويتقبلني زي ماانا!! مين بعده هيطمني رغم خوفه وقلقه!! أنا بحاول اقوى عشانه بيه!!..

تساقطت دموع الفتيات بقوة وعلت شهقاتهم من حديث « ورده» النازف وصوتها الذي برهن خوفها وحبها لذلك الرجل ولكن دور المحطمة لن يكون بهين إذا تلبسته عليها بالقوة حتى وإن افتقدتها لعل بذهابه لن تلوم نفسه على تلك النقطه!!..

ضحكت « أثـيـر» من بين دموعها وارجعت خصلة فارة خلف اذنها وهتفت بمرحٍ زائف:

_ دوري صح!!…

تنفست بـعمق مُجمعة لعنات اليوم معها وهمست بخفوتٍ متألم:

_ شخص غريب طول اربع سنين بتشوفيه عادي بس ولا عمرك فكرتي تلمحي لقلبك بيه وفجأة يظهرلك نفسه مره ورا التانيه ويقول إنه بيحبك ويطمنك ويطمن قلبك ويحسسك إن العالم فيه طاقة وحيوية تكفي روحك الفاضيه يخليكي تحبي الحياة والأدهى تحبي نفسك!! تبنى بروج من الأمل والحب والأحلام وتسمحي لخوفك بالهروب وترقصي تحت المطر بسعادة وتحبي!! تحضني مخدتك بعد كل مكالمه من صوته وكلمة بحبك منه ترجع كسوفك وتعلي دقات قلبك، تقفلي فستانك وتستعدي للدخول حياته بأمل وفرحه لأول مره تتوغل ليكي وتنسي عيوبك وكسرتك ووحدتك ولأول مره متخافيش!! نسيتي إن لكل حاجه ضريبتها!! نسيتي إن مع كل ضحكة بتضحكيها في مخزون وجع بيتحط في طريقك مماثل ليها، فجأة تصحي من الحلم الجميل دا وتكتشفي إنه كان مقدمة لكابوس هيفضل ملازمك طول عمرك، تكتشفي إن الراجل اللي عشقتيه وقلبك ادمن وجوده طلع متجوز!! وتعرفي من مراته في شهر عسلك!! وكمان تعرفي إنه عنده ولد!! كلمة وجع متكفيش الوصف ليكي!! الخذلان مكنش كفاية يعبر عن حالتك!! في وجع وأنين جواكي بس أنتِ عاجزه تعرفيه!! لسه مش مصدقه!! تفتكري قلبك حالته هتكون إيه؟!

همست « هبه» بتأثر وبلاوعي:
_ مقهور…

هزت « أثـيـر» رأسها بنفي وأزالت دموعها وهمست بأنين:

_ لا… بينزف!! بينزف وجع!!

أصبح التنفس هو رئيس الجلسة وعم الهدوء إلا من صوت أنفاسهم السريعة وأنين روحهم، كلا منهم قصتها المأساوية تكفي ليبكي العالم معها ليواسيها، تواجدوا بأوقاتٍ غريبة معاً وتألفت قلوبهم واجتمعت النفوس ليعلن القلب سلطانه وتكشف الألسن عن ما تخفي ليظهر الكتمان بـصرخاتٍ موجوعة مزقت كيانهم…

*********************

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *