شظ,ايا الكلمات بقلم جهاد وجيه ج٣
دلفا كلاهما للغرفة بعدما اطمأن « ثائر» من نوم والدته وبدل ثيابه وجلس يراقب تعابير « راكــان» الشاردة التي تتبدل كل ثانية وتقسو ملامحه ليتبين له حجم الفجوة التي يعاني منها، أغمض عينيه وتنفس بـهدوء وهتف:
_ إيه رأيك في اللي حصل؟
فاق « راكــان» من شروده ليجد نفسه بغرفة « ثائر» وتحديداً على فراشه فناظره بدهشة وهتف:
_ أنا جيت هنا ازاي!؟
ضحك « ثائر» بسخرية ولكزه بكتفه بقوة وتمتم بتهكم:
_ البيه كان سرحان من وقت ما ورده هزأتك وشكلك مكنتش واخد بالك من سؤالي؟! عندك إجابة لكل اللي حصل من شوي دا؟!
ضحك « راكــان» بتهكم على حاله ورمقه بنظرة مقتضبة وتمتم بتوجس:
_ أنتَ صدقت الشو اللي عملته القذرة دي؟! بتلبسني وساختها؟!
هز « ثائر» كتفيه ببرود ونهض متناولاً كأس المياه وتجرعه كاملاً وهتف:
_ وليه منصدقهاش في دي؟! ماهي قالت إنها كنت مراتك وطلعت صادقه! اشمعنا في دي هتكدب!!
هب « راكــان» من مضجعه بـغضب وصك أسنانه بقوة، جذب « ثائر» من تلابيب قميصه وتمتم بـحدة:
_ عشان كدابه، عشان أنا مقربتش منها ولا لمستها من بعد ما اتجوزتها كنت برجع البيت أنام في اوضتي وهي مع أمي ولا كنت بشوفها،لأنها مشيت وهي مش حامل وراجعه بعد عشر سنين تنفي دا!!! ونفترض أنها كانت حامل فعلاً هربت ليه؟ ولو هربت لأي سبب رجعت دلوقت ليييييه؟! قولي!!!!
نفض «ثائر» يداه عنه وبصق المياه المُختزنة بفمه لتغطي وجه « راكــان» بالكامل وهتف بتشفي:
_ تعرف أنا فرحان فيك عارف ليه؟! لانك كدبت عليا ولانك كنت وسخ زيها، الحاجه الوحيدة اللي زعلان عليها مراتك اللي ملهاش ذنب في كل دا، لو كنت صارحتني من البداية كان الوضع اتغير…
مسح «راكــان» وجهه من المياه العالقة به وغامت عيناه بلمعة انتقام وتمتم بغموض:
_ عندك حق الوضع هيتغير
تجاهله « ثائر» ومدد جسده على الفراش وهتف بأمر:
_ تعالى اتخمد في ليلتك الغم دي والصبح هنلاقي حل ووقتها هنعرف إذا كنت كداب ولا وسخ يا وسخ
ضحك «راكــان» رغماً عنه بسبب حديث «ثائر» المرح وتناسى أحزانه لدقيقة وهتف:
_ طب هاتلي حاجه البسها بدل اللي وسختهم بالميه يا حيوان
أدار «ثائر» جسده بتجاهل ووضع الوسادة فوق رأسه وتمتم بنبرة لا نقاش بها:
_ لا وتعالي اتخمد ومفيش هدوم عقاباً ليك يا قذر
هز «راكــان» رأسه بلا فائدة وابتسم لعلمه بصدق حديث ابن عمه وأنه إذا أراد أمرًا لن يتوانى عن تنفيذه لذلك عليه النوم بملابسه المبللة، اتخذ نومته من السرير وأغمض عيناه ونظرات زوجته الرقيقة تأبى فراقه وعينيها الحزينتين لا يبارحان مخيلته، يتذكر جيداً أنه لم يقترب من تلك المرأة فكيف أنجبت منه!! غضبه يتفاقم ليعميه وعقله يصور له أبشع الصور بكيفية قت…لها والتخلص من جسدها العاهر، وسط شروده لم ينتبه لقوة السبات التي غطَ بها سامحًا للهدوء بالولوج لقلبه حتى يستيقظ معافياً ليواكب أحداث الليلة…
********************
يومٌ جديد بعد ليلة قاتمة قضاها الجميع بالبكاء والنزف والعويل الساكن، توارت السحب لتبزخ الشمس بأشعتها الزاهية لتلقي بسهامها على الأرض فتتجفف قطرات الندى بعد ليلة قضتها بتلامس أوراق الاشجار الحبيبة، وصلت «ورده» للمستشفى وعقلها اتخذ قراره النهائي، طرقت باب غرفته ليصل لها صوته الذي غاب عنها ليلة أمس وتناست مهاتفته، تنفست بـتوتر ولفت حاجبة عينيها عنه وأسرعت ملقية بجسدها داخل ذراعيه سامحة لقوتها بالتراخي بين جنبات صدره، تشبثت بقميصه من الخلف وارتفعت شهقاتها، ضمها «براء» بقوة لصدره مستمدًا عونه منها وإليها وقلبه يخبره بحزنها الشديد، يعلم أنها ستخبره حلما تفرغ من وقوعها للبكاء ولكن تلك المرة!! هي ليست بخير، ابتعدت عنه ورفعت وجهها له مقربة شفتيها منه طابعة قبلة فوق شفتيه بخفة وهمست بعشق:
_ موافقه نتجوز وتكمل علاجك في بيتنا واحنا سوا
ضحك قلبه سعادة لتصريحها وجذبها في قبلة عميقة بادلته هي بأخرى قوية ليختلس لُبها كمٍ لا نهائي من الزكريات له وضمت جسدها له أكثر ويديها تتلاعب بلحيته الكثيفة، اسند جبهته على خاصتها بإرهاق وهتف بتوجس:
_ متأكدة إنك جاهزه؟!
هزت رأسها بلا تردد وهتفت:
_ جاهزه عن أي وقت فات يا براء
احتضنها لقفصه الصدري وغمغم باستفهامٍ:
_ اشمعنا دلوقت، حصل حاجه؟!
تسللت أصابعها لتختفي بلحيته السوداء ولمعت عينيها ببريقٍ من الدموع وهمست بثقة:
_ عشان مش عاوزه لحظة تعدي واحنا مش في بيتا، مش عاوزه ليلة تعدي وأنا مش في حضنك، عاوزه اقف في مطبخنا واحضر الفطار واستناك لما ترجع تحضني وتحكيلي يومك، عاوزه أكون جزء منك واثبت لنفسي إنك هنا معايا، مش عاوزه أخاف يا براء، عاوزه اطمن
لن ينكر خوفه المماثل لحالته ولكنه لن يظهر بل سيتظاهر بالقوة لأجلها مهما كلفه الأمر من تصنع، قرب كفها من فمه ولثم باطنه بعمق وهمس بنَبرة متلهفة:
_ مش مصدق إن اليوم دا هيجي ومعاكي، مكنتش اتوقع الفرحة اللي ماليه قلبي دلوقت بفضلك، أنا واحد عيشت عمري كله لواحده من مكان لمكان والحزن استعمر قلبي وفقدت شغفي أو تظاهرت بكدا بس بشوفتك رجعتلي روحي نفسها ومش مستعده تغيب عنك، أنا كنت ضايع من غير حبك، يا روح براء متخافيش، أنا هنا وهفضل هنا مهما كان وعمر قلبي ما هيفارقك ولا يفوتك وحيدة
ضمته « ورده» بـراحة ودثرت نفسها بجسده تستمد الآمان منه وتركت ذاتها لسلطان النوم الذي هرب منها ليلة أمس
********************
جلست الفتيات بسكونٍ حول مائدة الإفطار بعدما ذهبت «ورده» مبكراً، لم تدخل لقمة وحيدة بفم إحداهما ولكن التصنع والشرود غلب عليهم وسط نظرات الصغيرة الحانقة منهم فوضعت ملعقتها بـقوة انتبوا لها وهتفت بـغيظ:
_ هتفضلوا تقلبوا في الأكل كتير ولا هناكل ونبطل لعب شوي؟!
تركت كلتاهما ملعقتها وصبوا اهتمامهم على «رحمه» الغاضبة وتمتمت «هبه» بقلق:
_ رحمه حبيبتي أنتِ متعصبه ليه؟!
أبصرتهم «رحمه» بعينين متوجستين ولوحت بيديها بالفراغ وهتفت موضحة مقصدها:
_ لا مش متعصبه ولا حاجه بس اللي يشوف كلكوا يعطف عليكوا، مش نهاية العالم، دا حتى بيقولوا يروح قرد يجي غزال!! ولا هو انتو كدا بتحبوا اللي يهينكوا؟!
لم تتمالك الفتاتان ضحكاتهم وانخرطوا بموجة من الضحك حتى ادمعت عينيهم وغمغت «أثـيـر» بصوت ضاحك:
_ عندك حق والله بس المشكلة إننا لنحب القرود بتاعتنا زيادة حبتين تلاته
لم تتعجب «هبه» من تبدل حال «أثـيـر» ولكنها هتفت بتأكيد لحديثها:
_ فعلاً احنا بنحب القرود..
نهضت «رحمه» لتغتسل فنظرت «هبه» نظرات مستفهمة لـ « أثـيـر» وهتفت بتساؤل:
_ أنتِ كويسه؟!
ربتت « أثـيـر» على كفها بـتوتر وغمغمت:
_ يمكن مش كويسه ومعرفش امتى هكون كويسه ولحد الآن معرفش الحقيقة بس عندي ثقة في راكــان لحد دلوقت، سميه تخلف أو خوف من الحقيقة بس حبه كان كبير وواضح في عيونه، لسه عندي جزء بينفي كل الأحداث دي، ولو كل دا حقيقة وقتها مش عارفه هتكون حالتي إيه ومش حابه أعرف صدقيني…
ابتسمت «هبه» بأمل لها وربتت على كفها وغمغمت بتأثر:
_ صدقيني بإذن الله تعالى كل حاجه هتكون بخير
اومأت «أثـيـر» وتمتمت بحرج:
_ أنا اسفه على اللي حصل امبارح وإني دخلتكوا في حكاية غريبة زي دي وصدعتكوا بمشاكلي بالليل
هزت «هبه» رأسها بنفي وهتفت بطيبة صادقة:
_ لا يا حبيبتي متقوليش كدا، أنتِ بقيتي صاحبتنا ولو مرتحناش ليكي مكناش حكينا ليكي حاجه عننا، أنتِ طيبة وقلبك لسه صادق وتتحبي يا أثير
كادت « أثـيـر» أن ترد عليها ولكن صوت جلبة عالية قادمة من شقة الخارج جعلتهم ينهضون وتناسب «هبه» ارتداء نقابها ولكنها تعجبت حينما فتحوا ووجدوا الشرطة تحتل المكان حاجبين باب الشقة، لم يتثنى لهم رؤية الوضع جيداً ولكن صوت الضابط الذي صدح بقوة:
_ راكان شريف البدري مطلوب القبض عليه بتهمة قت..ل
نظرت الفتاتان لبعضهم بصدمة وهموا للذهاب ولكن صوت «راكان» المتسائل أوقفهم:
_ ق..تل إيه ومين؟!!!!
أجابه الظابط بحزم:
_ ق..تل… قت..ل ميار الشربيني
شظايا الكلمات
الفصل الخامس عشر
اتساع وخزات الألم مؤشر جيد لتباين جمود الفؤاد
احتمالية نجاح العلاقات مرتبطة بنسبة مئوية يضعها الطرفين بـالمثابرة والإيثار كلاهما يتحتم عليهم ربط حِزام الأمان للإقلاع لأرضٍ عامرة بالتغيرات الفسيولوجية والنفسية والدنيوية!! ليس من السهل تقديم الحب بإفراط ومعه إيصالٍ أبدي لـضمان الوجود!! يتنحى العقل بـتلك المعركة المحسومة ليتخذ وضع المُراقب! لحين سقوط ثبات الفؤاد وإعلانه التخفي الكامل ليستلم اللُب الوِجهة لانتزاع الألم وهدم أسوار الحزن والشوق!!
بـمركز الشرطة وقفت «أثـير» بـخوف وألم يمزق أحشاءها تبكي هلعًا مما قد يصيبه، مضت ساعة وهي على سجيتها تنتظر خروجه، لازالت لم تستوعب لما أُخذَ بتلك التهمة وكيف وهو لم يتثنى له الخروج من البيت كما أخبرها «ثائـر»!! دفنت وجهها الساخن بين كفيها المرتجفين وتوالت دموعها الملتهبة تحرقها من الداخل، لم تقدر «هبه» على القدوم لمرضها وكل من بقى معها الآن هو «ثائـر»!! كيف تتساقط عليها كل تلك اللعنات من بداية زواجها الذي لم يَدُم لأيامٍ قليلة وجاءت غريبة وانتزعت فرحتها منها ولم تبالي بالفجوة التي أحدثتها بـفؤادها حتى أضحى منقلبًا عليها وتزداد وتيرة آلالامه!! ترغب بضمة واحدة من جدها أو ربما والدها ولا بأس ببسمة والدتها الحنونة ولكن بأي محيا ستواجههم!! كيف ستخبرهم بتلك المصائب التي تُصب فوق عقلها بلا تأني!! خطة زوجها المزعوم سعادته كانت فاشلة ورُسمت بقلمٍ رصاص سهل المحو ولم تصمد فهي بالكاد تتشبث بالبقاء!! انتبهت لـخروج «راكــان» مُكبل الرسغين مُكفر الوجه وعلامات الغضب ترتسم باحترافية على محياه ولكنها لم تُخفي ألم قزحيتيه الراجيتين، هرولت إليه ودموعها لم تتوقف وهتفت بغضب مشيرة ليديه:
_ راكــان في إيه وواخدينك على فين؟!
رأته يستسمح الرجل الممسك به بعيناه وانتقل ببصره لها بنظرة فارغة ولكنها حانية وهتف مقترباً منها:
_ متخافيش شوية إجراءات هتخلص ونرجع بيتنا بس ارجعي أنتِ
عن أي هراءٍ يتحدث يظنها طفلة وهكذا يضحك عليها بكلمتين!! دفعته بـغضب وحرقة بـصدره بكلتا يديها وهتفت بـصراخٍ مزقه:
_ لسه بردو بتضحك عليا!!! قولي هم لي بيعملوا فيك كدا!!!! أنت ق..تلتها!!!!
قاطعها نافيًا بشدة وأمسك بكفيها بين يديه بـقوة يفتقدها وتحدث متهربًا بعيناه عنها:
_ لا لا… والله لا… هي أكيد ورا الكدبة دي… أنا معرفش يا أثـير… ارجعي البيت ومتخافيش
أنهى حديثه ونظر للرجل ليجذبه وتابعتهم بعيناه بـقلبٍ منفطر وروحٍ قاربت على الهلاك حتى اختفيا خلف جِدارٍ قاتم كـعيناه الدامعتين، تشعر بتشتته الهائل ولكن ما أقلقها هو هروب عيناه!!! دوماً كانت هي سبيلها الوحيد لتصديقه ولكن الآن!!
********************
بـمنتصف اليوم جلست «ورده» بـجانبه على أحد مقاعد الحديقة الذي أصرت على «براء» للخروج لها حتى يتعدل مزاجه قليلاً قبل جلسته الأولى غداً!! رأت حيرته وتدفق التساؤلات اللانهائية من عقله عن كيفية تلك الجلسات المرهونة حياته بها، ابتسمت بـحزن لحاله ولكنها لن تسمح له بالانخراط بأفكاره فـقاطعته بـقرصة خفيفة بـخصره جعلته ينتفض من مكانه ويهتف بهلع و بـغضب مصطنع:
_ بتقرصي بقرة يا بقرة
لوت شفتيها بـضيقٍ زائف وعادت الكرة مرة أخرى ولكن أقوى وهتفت بكبرياءٍ مازح:
_ ما هي البقرة مبتقعدش غير مع البقرة اللي زيها
تصنع «براء» الصدمة وخبط على صدره بـدراما وهتف بغباء:
_ تقصدي إني بقرة!؟
هزت «ورده» رأسها بـنفي وانفلتت منها ضحكة مرحة عليه وتمتمت بإنكار:
_ لا العفو يا قلبي عيب دا أنتَ مهما كان جوزي
جذبها «براء» لـصدره بـثقة ونصر وغمغم بغرور:
_ ايوا هي دي وردتي
كتمت ضحكاتها المستمتعة عليه وتمتمت بتماسك زائف:
_ أنتَ طوووور يا قلبي طوووووور
لم يدعها تكمل حيث دفعها من صدره كما جذبها لتقع على الارضية الخضراء وهتف بتشفي واشمئزاز مصطنع:
_ بالشفا يا قلبي
اعتدلت بـجلسته على الأرض ونظرت له من بين جفنيها المُغلقين نسبيًا بسبب أشعة الشمس وهتفت:
_ أما راجل قليل الأصل صحيح.. يعني مأكلاك ومنضفاك وخرجتك تتشمش وفي الآخر دي جزاتي!!!!!… رجاله توكس
ضحك «براء» بـشدة عليها حتى ادمعت عيناه وتمتم من بين ضحكاته:
_ اسمها تتشمس يا جاهله… يا تعليم حكومي
لوحت «ورده» بـكفيها معاً بعدما نهضت عازمة على وصلة من «الردح» المصري وهتفت:
_ حوش حوووش تعليم الخاص والاجنبي يخويا…. حتة براده بتتكلم أول مره أشوف حتة براده حديد بتتكلم يا جدع سبحان الله يحيي العظام
لم يتمالك زمام ضحكاته وانفجر ضاحكًا على معالم وجهها الشرسة وعقدة حاجبيها بدت رغم همجيتها عفوية له!!بدت ترياقًا خاص لسعادته وإعادة بريق ملامحه الشاحبة!! تلك الفتاة بـقوتها المتناهية تكفيه وتغنيه عن العالم برونقها الخاص!! جذبها من كفيها ونهض ضاحكا ثم هتف:
_ أنا تعليمك يا حلو يا مقطقط أنت
مدت شفتيها بـقرف وجعدت أنفها وتمتمت بـقلق وتوجس:
_ دا أخرك في الرومانسيه؟؟؟ مقطقط؟؟؟ قولي يا ابني لو أنت مش تمام ألحق نفسي قبل ما ألبس
غمزها «براء» من بين ضحكاتها وهتف بـوقاحة:
_ اديني فرصتي وهتعرف بنفسك يا بطل
بادلته وقاحته بأخرى مماثلة وجذبته من مقدمة قميصه وهمست أمام شفتيه بنبرة ناعمة:
_ هنشوف يا أبو عيون دوختني
استمعت لصدى ضحكاته بقلبها لا أذنها وهذا ما ارادته عن رغبة منها أن ينسى حزنه وأفكاره ويخرج معها قليلاً يشاركها عالمها المرح!! ستسحبه للعالم المُزهر حتى تنتهي فترة علاجه حتى ولو كلفها ذلك روحها، لن ينهزم أمامه السرطان ولا تُخار قوته!!
*******************
بـنهاية اليوم بعد العديد من الإثباتات والتحريات جلسوا جميعًا بـبيت «ثائر» ولم تنفك قزحيتي «أثـير» عن ذرف الدموع مما جعلها بحالة يرثى لها، جلست والدة «ثائر» محتضنة «دعاء» والدة «راكــان» المنهاره…
خيم الحزن على الجميع بعد فشل «ثائـر» بالتوصل لحلٍ نهائي، ضمت «أثـير» جسدها لـ «هبه» بـضعف وتمتمت:
_ هو مق…تلهاش يا هبه مستحيل راكــان يعمل كدا مهما حصل… صدقيني
فقيره للأصدقاء ووحيدة بالحياة فقدت ثقتها بـروحها خانها مصدر الأمان المُخزن لها فـتركت الأمواج تتقاذفها كـخرقة باليه لا حياة بها، ضُمت لتُكمل ثلاثي عُجت أرواحهم بـالندبات المماثلة مع اختلاف تأثيرها ولكن أضعفهم هي!!
جذبتها « هبه» بين ذراعيها بـحنانٍ وتمتمت وعيناه تتوسل «ثائـر»:
_ مصدقاكي بس اهدي عشان نفكر
قرر «ثائر» بـالخروج عن صمته الطائل وتمتم موجهًا حديثه لـ « أثـير»:
_ أثـير لازم تكوني أقوى من كدا عشان نعرف مين ورا اللعبه دي ومين عاوز يضر راكــان بالطريقة دي
ابتعدت « أثـير» عن أحضان «هبه» وضحكت بـتهكم هاتفة بـحرقة:
_ أنتَ بتقولي أقوى صح!!! وهبه عوزاني اهدى!!! اهدي وجوزي كل الادله بتثبت إنه فعلاً قت..لها!!! قت…ل مراته بعد ما هددها قدامنا كلنا!!! ق…تل مراته بعد ما اعترفت ليه بوجود ابن منه!!! ابن زنا منه!!! حاضر ههدى وهكون أقوى بس بعدها محدش يلومني!!! محدش فيكوا حاسس بيا!!!
حاولت « هبه» تهدئتها وجذبها ولكنها دفعتها عنها بـغضب وألم وأكملت بصياحٍ مؤلم:
_ محدش حاسس ولا فاهم….. جوزي طلع متجوز عليا وأنا زي الهبله بين كام ساعه حنيت ليه وكنت هسامحه!!! بس ربك كبير وضحلي وساخته وطلع عنده ولد كمان!!! مش كفايه صح!!! لا يق…تل مراته عشان يداري على قذارته بجريمه!!!! حد فيكوا شايف النار اللي بتنهش فيا!!! شايفين دموعي دي!!! ولا حاجه ولا حاجه جنب كسرتي وقلة حيلتي وأنا عاجزه حتى اروح لأهلي عشان يساعدوني!!! كفايه كسرتي مش هكسرهم معايا، أنا مش مسمحاه بس مش هبقى زيه، مش هكدب ولا ههرب، هعمل بأصلي وهقف جنبه وبعدها همحيه من حياتي ولو دا هيكلفني كل حياتي…
أنهت حديثها وخرجت مندفعة كـنيران ملتهبة وصفعت الباب بقوة خلفها انتفض الجميع على أثره وقلب تلك الأم يلتاع حزنًا ونزيفًا لحال فلذة كبدها الوحيد!!
عدة دقائق من القلق مرت عليهم قطعتهم والدة «راكــان» بـهمسٍ خافت موجهه حديثها لـ «ثائر»:
_ قولي يا ابني طمني على ابني
فرك «ثائر» جبهته بـتعب وإرهاق وهتف موضحًا:
_ راكــان فعلاً مكنش في البيت في الوقت اللي ميار اتق….تلت فيه ودا اللي هتجنن وأعرفه لأنه كان بايت هنا معايا وصحيت لقيته جنبي وفي تسجيلات من مصدر مجهول بتهديد راكــان لـ ميار لما كانت هنا ومحاولته أنه يخنقها وكل كلامنا، في أدله كتير ضده ولسه بيدوروا
تساقطت دموع السيدتان وهتفت والدته بـرجاء:
_ والمحامي قال إيه
أغمض « ثائر» عيناه وتنفس بـقوة ليجابه غضبه وهتف:
_ موقفه في القضيه ضعيف
لطمت السيدة «دعاء» صدرها بـقوة وشهقت بألم لحال ولدها الوحيد وصاحت بدموعٍ:
_ يعني إيه؟!!! يعني ابني قت…ل…ها؟!!! لالا راكــان مستحيل يعمل كدا…. ابني مستحيل يعمل كدا
********************
بـنهاية ذلك اليوم المأساوي وقفت «هبه» بـشرفتها سامحة للهواء بتلامس بشرتها بعد نزعها نقابها، كل تلك الأحداث عجز عقلها عن مواكبة سيرها والإختلاط بها، تُشفق على تلك الفتاة التي لا حول لها ولا قوة تبدو هشة، ضعيفة، هينة وسهلة الكسر، يؤلمها قلبها لدموعها التي لم تتوقف منذ رؤيتها لها وحال فؤادها المُحطم، هي بالأخير مرأة وضعت حبها لـرجل استغل نعومتها وطيبتها الشديدة لـيخفي جريمته بحقها، هي جريمة بكل ما تحمله الكلمة من سوء، يميل قلبها لتصديق لمعة عيناي ذلك الرجل عندما رأى ابتسامتها يبدو صادقً!! قطع سيل تحليلها صوت طرقات تعرفها، ابتسمت بـحب وجذبت نقابها لـترتديه، اطلع بهيئته المتعبة ووجهه المرهق وثيابه غير المهندمة من خلف بابها مما جعلها تسأله بتعجب:
_ في حاجه يا ثائـر؟!
لم يكترث لدهشتها بل تمتم بـتعب وحيره:
_ محتاج اتكلم معاكي شوي
أفسحت له المجال للدخول وتبعته بعدما تأكدت من استيقاظ «رحمه» وترك باب المنزل مفتوح، جلست أمامه بعينين مستفهمتين لم يقابلها سوى بنظراتٍ ساكنة جعلتها تشك بحاله وهتفت:
_ ثائـر في إيه متقلقنيش
أراح ظهره على المقعد من خلفه بـوهنٍ وتمتم بـتشتت:
_ خايف يكون راكــان عملها في لحظة غضب وتهور منه
قاطعته بـثقة لا تعلم مصدرها:
_ لا
اعتدل بـجلسته وعقد ذراعيه من ثقتها بـرجلٍ لا تعلم هويته وتمتم بتوجس:
_ وإيه سر الثقه دي
رفعت كتفيها ثم اخدلتهم وتمتمت:
_ معرفش بس يمكن لأنه بيحب مراته؟! لا دا يمكن بيعشقها؟!
ضيق عيناه بـاستفهام وتحدث:
_ إيه علاقة دا بأنه ميق….تلش؟!
ابتسمت بـخفوت وعقدت ذراعيها ثم تنهدت هاتفة:
_ إنه عارف حجم الجرح اللي سببه لمراته بكذبه، أنا شوفت شكله يوم الفرح وصعب أقدر انساه ودي حاجه غير عاديه ليا، أنا بنسى بسهوله بس صاحبك عيونه كانت بتحكي حبه وانا شوفتها غفله؟! يمكن شيطانه يصورله إن موتها هو الحل بس إنه يق….تلها حتى لو بالغلط لا!! معاك إنه متهور بس بيحط حبه لمراته قبل كل حاجه!! في نقطه ضايعه إزاي أنتَ بتقول كان موجود معاك وازاي اثبتوا إنه كان في مسرح الجريمه!! وأنتَ بتقول إنه كان نايم وصحيت لقيته نايم!!!
هدأ قلبه قليلاً من ناحية تلك الشكوك التي تساوره ولكنه تم إشعاله بنجاحٍ بسبب حديثها ولو بتوضيح عن رجلٍ غيره فهتف بغيرة:
_ وأنتِ لحقتي عرفتي كل دا عن راكــان بعد مرتين شوفتيه فيهم؟!
ابتسمت بـخجل وتفهم وغمغمت:
_ قولتلك حاجه مش من عادتي إني افتكر حد بالطريقة دي بس سميها صدفه عابره جت عشان تأكدلك إن صاحبك مق…تلش… مجرد شعور بس
صمتت قليلاً ثم همست بـخجلٍ:
_ ومفيش داعي للغيره دي
ابتسم هو الآخر لخجلها البادي من صوتها العذب وتمتم بـحب:
_ لو مفيش غيره مفيش حب يا حلو
نهض مغادرًا ولكنه توقف عند الباب وهتف بـعشق:
_تصبحي على خير يا هبه
ابتسمت بـخفوت عندما تلاقت نظراتهم بـعناقٍ دافئ وهمست لذاتها وكأنه يسمعها:
_ وأنتَ بخير يا قلب هبه
********************
هل تلك النهايه؟! هل كُتب عليهم الفُراق بلا بدايه؟! أحقًا فؤادُها الحاني هجره؟! أكانت تستحق ذلك منه؟! أتلك التي وعدها بالحب والوفاء والأمان؟! جميع الاستفهامات تُطرح بـعقله بينما جسده يرتجف بردًا من جلوسه على الارضية البارده بـآواخر الليل الطويل وسط مجموعة من المجرمين، ضحك بـسخرية على حاله وما وصل إليه من مأساة أطاحت به، الأستاذ الجامعي المنمق ينتهي به الأمر بزنزانة ورائحة حُرمِه تفوح منه!!! خبرٌ سيتصدر مكان عمله غدًا ليصبح حديث اليوم للشامتين، لا بأس لا يهمه الأمر إن كان سيرى لهفتها عليه كما اليوم!! لا بأس أيضاً بـدموعه وآلالام جسده المُبرحة!! لا بأس بحالة قلبه الهجين!! لا بأس بشوقه الجارف لها….
عاد بهِ عقله لـبداية اليوم…
#فلاش_بالك
أفاق من نومه بـصعوبة على صوت رسالة وارده لـهاتف «ثائر» فـتناوله بـحرص حتى يخفض صوته ولكن كانت الصدمة من نصيبه حينما لمح محتوى الرسالة والتي نصت على ..
( عاوزنا نصفي اللي بينا تعالي عمارة **** لواحدك ووقتها هثبتلك حمزه ابنك ولالا)
لم يعطي لـعقله فرصة للتهاون بل نهض مسرعًا وسار على اطراف أصابعه حتى لا يوقظ «ثائـر» وخرج غافلاً عن سهولة الفخ الذي نُصب له!! لم ينتبه لـكيف وصل رقم صديقه لتلك المرأة ولما بعثت برسالتها له هو!! كل ما جال بعقله أنها ستثبت له وهو موقن من براءته من هذا الذنب، بعد مدة وصل المكان المنشود وصعد البناية نافضًا قلقه مع أدراج الرياح العاتية سامحًا لشيطانه بالتدخل والتحكم، طرق بـهدوء على الباب وانتظر عدة دقائق حتى تلقى الرد…
لم يكترث بها وإنما دفعها بـقوة للداخل غالقًا الباب بـقدميه وهتف بـحزم:
_ قولتي إن عندك إثبات… حابب أعرفه… وحالا
جلست «ميار» بـكبرياء أمامه وعيناه ترمقه بـنظرات ساخطة وتمتمت بـصدق:
_ من غير لف ودروان كتير… حمزه ابنك وعنده 9 سنين وتلت شهور وأظن كدا واضح هو جه إزاي
ضحك «راكــان» بتهكم واقترب منها هامسًا بفحيحٍ كأفعى مُميته:
_ وبس صح؟! كدا أصدق؟! ولو نفترض إني صدقت ليه طالما كنتي حامل هربتي؟! ولو بردو عندك أسباب تهربي عشانها رجعتي ليه؟!
اقتربت منه بـثقة وحقد وهمست بـنبرة لـعوب:
_ تصدق أو لا حاجه ترجعلك أما بالنسبه فمشيت ليه ببساطه لأنك مكنتش معترف إنك متجوز وأما إني رجعت فـأنا رجعت عشان أدمر حياتك!
هز «راكــان» رأسه وانتصب واقفًا على مقربة منها وعض شفتيه بـبديهة لـغضبه وتمتم بـتماسك:
_ حلو كدا اللعب يبقى نضيف طالما كل الورق مكشوف!
انفرج ثِغرها عن بسمة ماكرة وهزت رأسها بتأكيد منافيًا للحقيقة وغمغمت:
_ يمكن اه…. ويمكن لا
ضم «راكــان» شفتيه معا ولوح بـسبابته أمام وجهها هاتفًا بـضحكة مكتومة:
_ عندك حق…. بس أنا بحب ألعب على نضافه… بيبقى اللعب فيه جو حماس كدا… زي كدا
بلمحة كان قابضًا على خصلاتها جاذبًا إياها بـعنف وعيناه ترمقها باشمئزازٍ جلي وهسهس من بين أسنانه:
_ مش أنا اللي تلعبي عليه وتفكري إنك كدا بتلوي دراعي، أنا لو حطيتك في دماغي هخليكي تتمني الموت، حطيها في بالك مش راكــان البدري اللي يتلعب عليه يا بنت الشربيني
نفض يده عنها باشمئزاز واقترب من عُلبه المناديل الموضوعة على المنضدة وتناول أحدهم ماسحًا يديه وكأنها لعنة اشتبكت له وغادر لبيت «ثائـر»
#باك
