فارس بلا مأوى2
#الفصل_الحادي_عشر
#فارس _بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
_ كانت غافيه رغماً عنها وهروباً من نظرات سليم المرتقبة لها طوال الطريق، أستيقظت علي وخز من شقيقها في زراعها:
_ يلا جومي فزي وصلنا.
فتحت عينيها بفزع و وضعت يدها تمسد موضع وخزته لها حيث ألمها قليلاً، تلفتت من حولها فوجدت إنهم يقفون أمام بناء ضخم يشبه القصور بل هو قصر بعينه، صاحت:
_ إحنا فين إكده؟.
أجاب سليم بإبتسامة تثير إشمئزازها نحوه:
_ نورتي قصرك يا عروسة.
أنتفضت وكأن لدغتها حشرة ما:
_
_ قصري!، كيف دي.
بعدما ترجل رافع وألتف نحو الباب التي تجلس بجواره، قام بفتحه قائلاً:
_ كفاياكي لت وأسئلة كتير، يلا همي أنزلي.
وكاد يمسك رسغها عنوة لكن أوقفه سليم ممسكاً بيده وبنظرة تحذيرية قال:
_ سيبها هي هتنزل لوحدها من غير ماتمد إيدك.
رمقته زينب لتجده ينظر لها:
_ تعالي ندخل جوه وهتفهمي كل حاجة.
صاحت في وجهه بإصرار:
_ أني ما هتحركش من مكاني غير ما أفهم الأول الي بيحصل عاد، وبنعملو أي في القصر بتاعك؟.
زفر رافع بنفاذ صبر:
_
_ أني جولتلك ما هتخلصش من حديتها واصل، خايتي وخابرها زين، هملني أتعامل معاها بطريجتي.
رمقه سليم بحده:
_ وأنا وسبق قولتلك إياك تقرب منها.
وألتفت بوجهه إليها:
_ أتفضلي أنزلي وزي ماقولتلك هتفهمي كل حاجة جوه.
نظرت لكليهما فوجدت لا فائدة وعليها أن تذعن له وتري ما سبب مجيئهم هنا، ترجلت وخلفها يسير شقيقها وجواره سليم، دلف ثلاثتهم إلي الداخل، تقدمهم سليم ليتبعانه إلي داخل غرفة شاسعة، حيث ينتظرهم صلاح مرتدياً حُلة سوداء وبجواره رجل يضع أمامه فوق المنضدة دفتر ورقي كبير، وهنا قد أدركت ما سيحدث للتو، أتسعت عينيها وتراجعت عدة خطوات للوراء فأصتدمت بصدر شقيقها الذي حاوطها ممسكاً إياها، أخذت تصرخ وتقاومه:
_ هملني، أني عايزه أمشي من أهنه.
صاح بها رافع من بين أسنانه ويقبض علي عضديها بقوة يدخلها إلي الغرفة غصباً:
_ عتتچوزيه ورچليك فوج رجبتك، يلا يا مولانا أبدأ.
نظر الرجل بشفقة نحوها وقال:
_
_ لابد من موافقة العروس، فهي شرط أساسي من شروط إتمام الزواج.
أقترب سليم وقال لرافع:
_ سيبها يارافع أنا هتكلم معاها شويه.
حدجته زينب بنظرة شرسة كأنثي ليث تريد الفتك بعدوها:
_ وأني معوزاش أتحدت وياك ولا عايزة أتچوزك، هو الزواچ بالعافيه!.
أغمض سليم عينيه ليواري ما بداخله وتصنع الهدوء الساكن فقال:
_ معلش تعالي علي نفسك وأعتبريه رجاء آخير لأن الي هقولهولك مهم جداً ليكي وبناءً عليه هيكون قرارك.
كلماته وأسلوب حديثه الذي بدي كالهدوء الذي يسبق العاصفة جعلها تفكر في الإستماع له، هدأت حركتها قليلاً، فأشار سليم لرافع بأن يتركها ثم نظر لصلاح الذي نهض وتبعه المأذون، خرج ثلاثتهم ينتظرون في الخارج.
ما زال يرتسم الهدوء قائلاً بصيغة أمر الملازمة في حديثه لها :
_ تعالي هنا.
_
وكان يشير إليها لتجلس علي الكرسي.
تقدمت وجلست وعينيها ترمقه بحذر وشئ من الوجل بداخلها، وهناك صوت من العمق السحيق يصرخ بها بأن ترفض هذا الزواج رفضاً باتاً، لكن في النهاية أرضخت له لتري ما الأمر الهام هذا فقلبها يخبرها بشئ تتمني أن لايكون هو.
تحك يديها معاً بتوتر وخوف، لاتريد النظر إلي عينيه مباشرة بسبب الرعب الذي تشعربه عند التحديق بهما، فجاءها صوته الرخيم قائلاً:
_ ممكن أعرف سبب رفضك القوي ليا؟.
كادت تجيب لكن قاطعها مبتسماً:
_ عشان فارس إبن عمك.
أنحني بجذعه للأمام قليلاً وأخرج من جيب سترته مقصلة السيجار وأخذ يفتحها ويغلقها بإبهامه وسبابته، أردف حديثه وعينيه يسودها الظلام، وبدون أن تنظر له قالت:
_ ولما أنت خابر ليه بتسأل ومُصر جوي تتچوزني؟.
جاء في ذهنها كلمات لعلها تجعله يأخذها علي محمل كبرياءه وكرامته ويبتعد عنها فقالت:
_ و مش بس إكده أني كماني بحبه جوي ومفيش راچل يملا جلبي ولا عقلي غيره هو عاد.
_
حاول بكل جهده عدم ظهور ما يموج بداخله من عواصف ثائرة، لو كانت زوجته الآن وتفوهت بتلك الكلمات فسوف يذيقها من العذاب ويلاته وجعلها قبل أن حتي مجرد التفكير بهذا الفارس أن تحذر مليون مرة، فما عليه بالصبر لأقسي درجاته حتي تقع بين يديه وفي براثنه الحالكة وسيعاقبها بشدة لاحقاً.
أنبلجت علي محياه تلك الإبتسامة التي لم تصل إلي عينيه وبدأ بالحديث:
_ أنا هاعتبر نفسي مسمعتش حاجة، أما بالنسبة لإصراري عليكي لأن عايزك، و دي معلومة هتعرفيها مع الوقت وهي لما سليم العقبي بيحط حاجه في دماغه بياخدها.
تظاهرت بالتماسك والقوة متحديه إياه:
_ مش لما تكون الحاچة دي الأول بتاعتك!.
نهض وتقدم نحوها وأنحني ليتكأ بيديه علي مسندي كرسيها محاوطاً إياها قائلاً بحسم:
_ ما أنتي فعلاً بتاعتي، وملكي أنا، وهكتب عليكي دلوقت، لأن لو حصل غير كده، تليفون صغير وفارس القناوي هيتمحي من الدنيا، ومش بس كده الآنسه ريهام بدل ما هتلبس الأبيض هخليهالك تلبس الأسود علي خطيبها أو ممكن هخليكي أنتي الي تلبسيه علي صاحبتك، وعارفه في الآخر برضو هتكوني حرمي المصون.
أبتلعت لعابها فكل كلمة يخبرها بها صادقة وليست مجرد تهديد، فطاقة الشر المفرطة المنبعثة من عينيه تؤكد لها هذا مائة بالمائة.
فسبق شقيقها قد هددها بـ,ــ,ـتل عشق عمرها إذا لم تبتعد وتطلب فسخ الخطبة والآن يساومها هذا الشيطان المارد علي زواجه منها مقابل حياة فارس قلبها يا إما ـ,ـتله!، لايوجد أمامها خياراً منصفاً، ماعليها سوي أن توافق علي الزواج لكن لاحت في ذهنها فكرة وربما شرطاً ستمليه عليه الحين.
سألها مجدداً وبريق عينيه يضوي لها كحبة سوداء ملساء تعكس الضوء الساقط عليها:
_
_ ها يا زينب، قولتي أي؟.
تجمعت في عينيها دموع ساكنة، فأجابت بثبات وكأنها فقدت روحها في تلك اللحظة:
_ موافجة.
طلت إبتسامة عارمة علي وجهه، هيهات تحولت إلي تجهم حينما نهضت واقفة أمامه فأردفت:
_ عيندي شرط الأول.
تباً، فهي تريد إملاء شرط عليه!، لاتعلم مع من تتحدث، أجعلها تفعل ماتشاء فهي الآن كالفريسة تحوم أمام عرينك، إجعلها تشعر بالأمان حتي تدلف إليك بإرادتها و تحدد لك شروطها كما تحب وأتركها تشعر بأن زمام الأمور بيدها وعندما تصبح ملكاً لك فأفعل معها كما يحلو لك.
أرتفعت زواية فمه ببسمة تهكمية:
_ شرط!، ياتري أي هو شرطك يا زينب؟.
أجابت بكل إصرار وحسم:
_ چوازنا يبجي مچرد حبر علي ورج فقط.
_
لم يستطع كتمان ضحكاته، فأطلقها للعنان حتي توقف عن الضحك وقال مهاوداً لها:
_ حاضر يا زينب، همثل أننا متجوزين، ومش هاجي جمبك غير لو دي رغبتك، في أي شرط أو حاجة تانيه تحبي تقوليها؟.
_ لاء، متشكره.
وقد كان تمت مراسم عقد القران تحت أجواء مشحونة، فالإمتعاض لم يفارق تعابير وجهها وقلبها ينزف دماء الألم والقهر.
ــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــ
_ أصوات زقزقة العصافير وبدأ الحركة في الخارج جعلتها تستيقظ من نومها، و عندما فتحت عينيها وجدته نائماً بجوارها، أخذت تتأمل ملامحه وكأنها تراه لأول مرة، تذكرت عنفه وقسوته معها ليلة أمس، فقالت له بداخل عقلها:
_ معقول أنت أكرم حبيبي الي بيخاف عليا من نسمة الهوا!، نفسي تفهمني ومتظلمنيش أكتر من كده، أنا هاستحمل أي حاجة منك لأن مهما عملت بحبك وهافضل أحبك.
رفعت أناملها الرقيقة نحو ذقنه الحليق، تتلمسها بحب فكم تعشق كل تفاصيل وجهه وتحفظ كل إنشاً بها، مازالت ترتفع أناملها لأعلي حتي تخللت خصلاته الذهبية الداكنة المبعثره علي جبينه، ثم هبطت تتلمس وجنته متجهة نحو شفتيه وتستمتع بأنفاسه الهادئة، كان كالملاك في وداعته وهو نائم برغم ملامحه التي لم تنساها البارحة، فكان كالليث الجامح يتعامل معها بعنف شديد كلما يتذكر إعترافها الذي يشعر بأن هناك حلقه بل حلقات مفقودة منه وسيكتشفها يوماً ما.
تقدمت بشفاها المليئة بالجروح الصغيرة نحو خاصته لتعطيه قُبلة هادئة عكس ما كان يعطيها بالأمس من قبلات إنتقام.
ألتفت بالدثار حول جسدها ونهضت لتدلف إلي المرحاض، وقفت أمام مرآة الحوض تنظر إلي إنعكاسها، وجهها شاحب وبدأت الهالات السوداء في الظهور أسفل عينيها التي أتسعت عند رؤيتها للعلامات الزرقاء والحمراء المنتشرة علي عنقها وجيدها وكتفيها وأعلي صدرها، ولم تسلم زراعيها من علامات قبضتيه التي كانت تعتصرهما بعنف حتي تركت أنامله آثارها عليهما.
_
وبينما هي تتأمل كل ذلك أنتفضت فجاءة عندما رأته يقف خلفها مباشرة ينظر لها عبر المرآه، وضع يديه علي كتفيها العاريين قائلاًبتهكم:
_ صباح الخير يا حبيبتي.
لم تتفوه، ألقي نظرة علي ما أقترفه بها بالأمس فدنا من أذنها وبهمس كالفحيح أردف:
_ عايزك من هنا ورايح تتعودي علي شكل البقع دي، لأنها هتبقي يومياً، عارفة ليه؟.
هبط بيديه ليقبض علي خصرها بقوة وعنف فتأوهت، أكمل حديثه بنبرته التي دبت الرعب في قلبها، تراه الآن كالوحش وليس زوجها التي تحبه:
_ عشان أنتي ملكي يا ندي، بتاعتي أنا وبس.
ضغط أكثر علي خصرها فتحولت آهاتها إلي صرخة، مما دفعته بقوة في صدره العاري وتركته مغادرة للمرحاض تبكي، جلست علي التخت تضع كفها علي فمها و دموعها منهمرة كالسيل، لم تصدق ما يحدث معها، توقفت عن شهقات بكاءها عند سماع رنين تنبيه رسائل واردة من التطبيق الشهير، تلفتت باحثة عن مصدرها فوجدت إنها صادرة من هاتفه هو المتصل بالشاحن، قادها الفضول للإمساك بالهاتف ورؤية الرسائل، وبمجرد أن فتحت محتواها شهقت بصدمة، صور عديدة تجمعها بهذا القذر المدعو علي، لكن مهلاً فملامحها وثيابها في تلك الصور ليست منذ أيام الجامعة بل في من زمن قريب وربما الأيام المنصرمة، كيف آتي بها!، هل يريد لزوجها أن يفهم بخيانتها له بعد زواجهما وليس قبله كما أخبرته! .
أسرعت بحذفهم جميعاً حتي توقفت عند نص مرفق بهم
(دي عينة صغيرة وغير الفيديوهات
مع تحياتي
_
فاعل خير )
قامت بحذف النص أيضاً وهي تتمتم بسب ولعن هذا الذي يريد تدمير حياتها بشتي الطرق.
و مالبثت تلتقط أنفاسها حتي أنتبهت لصوت زوجها الذي خرج من المرحاض للتو:
_ بتعملي أي عندك؟.
تركت هاتفه بدون أن يراها ولم ترد علي سؤاله، نهضت وأتجهت إلي المرحاض، جذبها من خصلاتها لترتد خطوتين إلي الوراء، قرب وجهها من وجهه ومن بين أسنانه قال:
_ لما أكلمك تردي عليا، فاهمة ولا لاء؟.
أجابت بتآوه من قبضته القوية علي خصلاتها:
_ آآه، فاهمة.
فأردفت ببكاء:
_ سيبني يا أكرم، كفاية بقي.
_
ترك خصلاتها ليقبض علي عضدها ودفعها نحو الفراش،صاح بصوت هادر مرعب:
_ لاء مش كفاية، و أعملي حسابك قبل ماتتحركي من مكانك يكون عندي علم بكده وتستأذني كمان، حتي دخولك الغرفة المخصصة.
ولكي تتفادي موجة غضبه الناري هذا قالت:
_ ممكن تسيبني أدخل الغرفة المخصصة؟.
_ مش دلوقت.
وقبل أن تفتح فمها بتعجب من رفضه، جذب الدثار الملتفة به وألقاه علي الأرض ثم دفعها علي الفراش ليعتليها ويكمل ما عزم عليه بقسوة وغضب وإنتقام.
ــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ إزاي برئ وإحنا جايبين من تحت سريره شنطة المخدرات! .
قالها الضابط المحقق، ف رد عليه المحامي الذي قام بتوكيله عم جابر من أجل فارس بدلاً من عبدالمجيد
_ يا فندم أنا فاهم وعارف كل تفاصيل الواقعة، بس بالعقل والمنطق كده لو موكلي تاجر مخدرات ومن كمية الكوكايين الي لقتوها تدل أنها لتاجر من الكبار يعني أقل حاجه هيعملها هيخبيها في مكان غير بيته، معني كده دي تهمة باطلة وحد من أعداء موكلي هو الي دبر له المصيبة دي للزج به في السجن والتخلص منه.
_
قال الضابط:
_ المحامي الي كان قبلك كان بينفي للباشمهندس أن يكون ليه أعداء، حتي أساله بنفسك.
هنا تحدث فارس بعدما عقد العزم علي الدفاع عن نفسه ولم يخشي شيئاً:
_ لاء يا سيادة المقدم ليا أعداء، تجدر تقول هو عدو واحد وهو السبب إن أترمي حداكم أهنه، وحضرتك تعرفه زين.
أنتبه الضابط وأنصت له جيداً، فأردف فارس:
_ رافع خميس القناوي، واد عمي.
قال المحامي:
_ أظن دلوقتي وضحت الرؤية يافندم.
تعجب الضابط وقال بدهشة:
_ وأي السبب الي يخلي إبن عمك يعمل فيك كده؟، ده المعروف إن عيلة القناوي الله يرحمه من أكبر عائلات النجع يعني من الأشراف و والدك الله يرحمه كانت صلته بأخواته كويسه وعمرنا ما سمعنا عن عداء مابينهم ولا مشاكل.
_
أطلق فارس زفرة عميقة تجيش عما بداخله من حزن وآلام:
_ دي حكاية جديمة ياباشا، من أيام وإحنا لسه صغار، عمره ما حبني واصل وكان علي طول يسوي المصيبة ويلبسهالي كيف الخلچات، يمكن غيره، حقد، أو معاملة عمي ليه الي خلته إكده.
تنهد الضابط معقباً:
_ لا حول ولاقوة إلا بالله، بص يا أستاذ فارس لنفترض فعلاً إنك مظلوم وسعينا نثبت كده، لكن عندك الشهود دول شهادتهم أثبتت عليك التهمة خاصة العيال دول ديلرز وليهم سوابق عندنا، يعني دلوقتي أدامي أدلة الي هي الشنطة الي أتحرزت والشهود، يعني مافضلش غير حاجة واحدة وهي ترحيلك للنيابة.
تحمحم المحامي وقال:
_ يا باشا رجاء أخير، ياريت تأجل قرار الترحيل ده لحد ما نجيب إثبات إن موكلي مظلوم بسبب مكيدة قذرة أتدبرت له.
رفع كتفيه بقلة حيلة:
_ للأسف الأمر دلوقت مبقاش في إيدي، وكمان أتبعتلنا صدور قرار الترحيل وهيبقي غالباً بكره أو بعده بالكتير لأنها قضية مش بسيطة، دي تجارة مخدرات وكمان كوكايين، ف ربنا يستر وإن شاء الله خير.
نهض المحامي يلملم أوراقه من فوق المكتب قائلاً:
_ شكراً لتفهم حضرتك، وكنت أتمني معرفتي بمالملبسات دي من بدري كنت أتصرفت وقدمت لحضراتكم دليل براءة موكلي.
_
أومأ له الضابط بشبه إبتسامة وقال:
_ إن شاء الله خير، ربنا عادل ومبيرضاش بالظلم.
_ ردد جميعهم:
_ ونعم بالله.
خرج فارس ممسكاً بزراعه العسكري فقابله العم جابر بللهفة:
_ كيف الأخبار يا ولدي؟.
رمقه المحامي بأسف قائلاً:
_ للأسف يا حاج جابر هيترحل علي النيابة.
ربت جابر علي كتف فارس:
_ معلش يا ولدي، بإذن الله خير.
_
أمسك فارس يده وربت عليها:
_ أدعيلي يا عم چابر، وقول للخالة تدعيلي وهي بتصلي.
_ والله بندعيلك يا ولدي يفك كربك وتخرچ بالسلامة.
قال المحامي:
_ متقلقش يا باشمهندس بإذن الله هنعمل كل الي علينا والباقي علي الله.
فقال العم جابر:
_ ياريت يا متر حسان، وأني تحت أمرك من جنيه لمليون.
_ عيب يا حاج جابر الفلوس آخر حاجة بفكر فيها، المهم الباشمهندس يخرج براءه.
تدخل العسكري قائلاً:
_ عن أذنكو يا چماعة.
_
و دع فارس العم جابر مثل كل زيارة، يكتم عبراته وأحزانه ويعود إلي خلف القضبان منتظراً الأمل من جديد، وقلبه يخبره بأن هذا قريباً.
بينما العم جابر يغادر المخفر فقابل زوجته الخالة هنادي فتعجب من مجيئها:
_ أي الي چابك دلوق؟.
_ إكده يا چابر مش جولتلك لما تروحلو زيارة تاخدني وياك! .
_ الراچل مانجصش عويل وحزن زيادة وأنتي كل ما تشوفيه تجعدي تبكي وتزودي همه، أدعيلو وبإذن الله يخرچ وتشبعي من شوفته.
_ أني كنت ناوية أفرح جلبه وأجوله إن زينب رچعت بالسلامة، شوفتها ويا أخوها الله يحرجه نازلين من العربية قدام دارهم.
أمسك بيدها ليذهبا:
_ بعدين يا هنادي بعدين، خليه في الي هو فيه دلوق، ربنا يفك ضيقته ويچمعو بيها علي خير.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،، ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ قامت بقلب غرفتها رأساً علي عقب تبحث عن شيئ ما، زفرت بتأفف قائلة:
_
_ وراحت فين دي دلوق، معقولة تكون وجعت مني في الحضانة!.
دلفت والدتها فشهقت من رؤية غرفة إبنتها المبعثرة محتواياتها في كل الأرجاء:
_ واه، بتسوي أي يا أخرة صبري؟ .
أجابت فاطمة وتعتلي الحيرة ملامحها:
_ دفتر صغير يا أمي، فيه حاچات مهمة كنت كاتبها، مالجيهوشي من وقت ما رچعت من الوحدة.
رمقتها والدتها بإمتعاض:
_ تجومي جالبه أوضتك بالمنظر العفش دي! .
_ هرتبها متجلجيش، بس ألاجيه الأول.
_ هملي الي في يدك وتعالي معاي عند خالك خميس، بته زينب رچعت الصبح، طلعت كانت عند واحدة صاحبتها في مصر، أدي أخرة خلفة البنيته والي بيچي من وراهم.
وضعت يديها في خصرها بإعتراض وقالت:
_
_ وكانو نفعوكي في أي عاد ولادك الرچالة، واحد عاملي فيها درويش وسارح في ملكوت الله، والتاني داير ورا الحريم ومنعرفش عنيه حاچة واصل، وبعدين جولتلك قبل إكده أنسي رچلي تخطي دار خالي.
_ تصدجي بالله أني كنت ظالمة رافع واد خالك، دلوق أني الي بجولك عنديه حق فالي عيسويه فيكي.
تقدمت نحوها والدتها تدفعها إلي خارج غرفتها:
_ طيب ممكن تهملني لحالي بجي، وخلي ولد أخوكي ينفعك.
خرجت جليلة بإندهاش وضيق من إبنتها:
_ شوف البت عتطردني كيف! ، ماشي يا فاطمة.
عادت تبحث عن دفترها مرة أخري حتي قاطع بحثها رنين هاتفها المُلقي أسفل الوسادة، سحبته لتري من المتصل فوجدت رقم غير مسجل، لكن ذلك التطبيق المثبت بهاتفها أخبرها بإسم صاحب الرقم (د/ يحيي)
قطبت مابين حاجبيها:
_ دكتور يحيي!، ليكون الدكتور إياه بتاع الوحدة، وچاب رقمي منين ده!.
ضغطت علي الإجابة و وضعت الهاتف علي أذنها، فأتاها صوت رجولي عذب:
_
_ مساء الخير يا آنسة فاطمة، أرجو إن مكونش أتصلت في وقت مش مناسب.
باغتته بحده قائلة:
_ چبت رقمي كيف؟.
لم يتعجب من إندفعها وحدتها بل هذا ما يجذبه نحوها، أجاب بهدوء:
_ واضح من هجومك عليا في الكلام إنك فاهمة غلط، عموماً رقمك جبته من حاجة تخصك وقعت منك في عربيتي.
_ تجصد دفتري إياك؟.
_ آه أچندة مذكراتك معايا ولو تحبي أجي لك زيارة أديهولك ومنها أطمن علي رجلك معنديش مشكلة.
قالت بإندفاع مرة أخري:
_ لاء إياك تيچي، أجصد يعني مفيش وجت مناسب، أجولك خليه معاك وأني هجابلك وأخده منك.
أدرك جيداً رفضها لزيارته بسبب خوفها من إبن خالها، تنهد وقال:
_
_ أوك مفيش مشكلة، شوفي أي الي يناسبك وأنا تحت أمرك، و رقمي عندك أبقي سجليه وبلغيني قبلها.
_ حضرتك بتمشي ميتي من الوحدة؟.
أجاب وهو ينظر في ساعة يده:
_ أدامي ساعتين وهخلص.
_ خلاص شوية وهكون عندك.
_ وأنا في إنتظارك.
_مع السلامة.
وأغلقت المكالمة علي الفور، لاتعلم لما هي خائفة، خاصة بعدما تذكرت إنها مراقبة من رجال إبن خالها، تخشي أن يخبره أحد، فهي لاتريد رؤيته مرة أخري أو يأذي الطبيب يحيي بسببها.
ــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــ
_ بدأت أعراض الحمل في الظهور لديها، فأستيقظت صباحاً علي الشعور بالغثيان وركضت إلي المرحاض لتلقي مابجوفها، ثم عادت إلي غرفتها قبل أن يشعر بها أحد، تتجنب رؤية شقيقها أو زوجته حتي لايلاحظ إحدهما حالة الإعياء التي تملكت منها للغاية.
_
عاد شقيقها من الحقل حيث عمله، يحمل أكياس بلاستيكية، منادياً علي زوجته :
_ يا أم محمد، يا أم محمد.
أغلقت غطاء الإناء وتركت المعلقة علي الموقد:
_ چايه أهو.
ركضت فوجدته يمد يديه بالأكياس:
_ خدي الحاچات دي وحطيها تسجع في التلاچة.
أخذتها منه وقالت:
_ أي كل الحاچات دي، في ضيوف هيجولنا إياك؟.
جال أرجاء المنزل بعينيه وتسائل:
_ فينها البت ورد، بجالي يومين مبشوفهاشي.
_
أجابت وهي تضع الأكياس في الثلاجة:
_ مخرچتش من أوضتها من ليلة إمبارح.
خلع عمامته وهم بخلع جلبابه وقال:
_ طيب أدخلي صحيها وجوليلها أخوكي رايدك في موضوع مهم.
أتجه نحو غرفة النوم فلحقت به:
_ مچاوبتنيش يا أبو محمد، ياتري الموضوع المهم الي هتتحدت فيه ويا خايتك ليه علاقه بالضيوف؟.
فتح الخزانه وتناول ثياب وجلباب مطوية:
_ أيوه، چايلها عريس.
أنبلجت الفرحة علي محياها فقالت:
_ يا ألف نهار أبيض، ويبجي مين؟.
_
تنهد وأجاب:
_ يبجي الواد طاهر ولد چليل الطحان.
_ ده لسه راچع من الچيش.
_ وهيمسك مع أبوه الشغل في الشونه، وبعدين إحنا هنتأمر بإمارة أي، أهله خابرين إن خايتي كانت بتخدم عند عمدة النچع الي چمبينا.
_ وماله يا أخوي شغلانه شريفة، يعني أمه الي كانت كونتيسه، دي بياعة فچل وچرچير في السوج، لا تعايرني ولا أعايرك.
_ روحي سوي الي جولتلك عليه، عجبال ما أخد لي دش يفوجني من حر الشمس الي كلت نفوخي.
ذهبت إليها، والأخري كانت تستمع من خلف باب غرفتها وعندما أحست بخطوات الأخري ركضت ترتمي فوق الفراش تصتنع النوم.
دلفت وضغطت علي زر الإضاءه:
_ بت يا ورد، كفياكي نوم بجي، جومي أخوكي رايد يجعد وياكي.
أجابت مصتنعة بصوت يغلبه النعاس:
_
_ أجفلي النور يا مرات أخوي، وهملني أنعس هبابة.
جلست جوارها وجذبت الدثار من فوقها:
_ يابت بجيتي تنعسي كتير ليه إكده؟، وجافله علي نفسك علي طول، جومي يلا أغسلي وشك چايلك عريس يابت، وخابره مين، الواد طاهر الحليوه أبو شعر مسبسب، فاكره لما كنتي بتيچي تجوليلي إنه كل شويه يجعد متنحلك كل مايشوفك، أتاريه مغرم بيكي يا چميل.
نهضت ورد بجذعها متأففه، فقالت:
_ جولي لأخوي أني مش موافجة ولا بفكر في الزواچ دلوق.
رمقتها الأخري بتعجب وقالت:
_ مبتفكريش ولا رايده العريس! ، بت يا ورد عتحبي واحد تاني إياك؟ .
_ ولا تاني ولا تالت، بجولك معوزاش أتچوز واصل، هفهمالك كيف دي!.
ضيقت عينيها ورمقتها بمكر قائلة:
_ أجطع دراعي لو مكنش فيه چدع بتحبيه ويحبك، ومستنياه يچي يطلب يدك من أخوكي.
_
رمقتها ورد بصمت لم تكن قادرة علي المجادلة، فأردفت زوجة أخيها:
_ إكده يا ورد عتخبي علي مرات أخوكي! ، ده أني بحكيلك كل حاچة وسري حداكي، ولا بتثقيش فيا عاد! .
أجابت ورد:
_ لع أبداً يا مرات أخوي، أني تعبانة شوي ومجدراش أتحدت، لما أروق هبجي أحكيلك كل حاچة.
نهضت بإستسلام وقالت:
_ علي راحتك يا حبيبتي، بس لازم تجومي وتتحدتي ويا أخوكي وتفهميه بنفسك.
أومأت لها ورد وقالت:
_ ماشي.
_ لما أروح أني أحط الغدا، عملالكو طاچن بامية باللحمة تاكلو صوابعكو وراه.
_ تسلم يدك، حاضر هاقوم أهه.
_
غادرت زوجة أخيها الغرفة، فأمسكت ورد بهاتفها تفكر، عليها أن تجد حلاً، قامت بمهاتفته:
_ الو يا زكريا، ريداك في حاچة مهمة جوي.
_ أستغفر الله العظيم، أني مش جولتلك معوزاش أسمع صوتك ولا أشوف خلجتك دي واصل؟.
_ أسمعني جبل ما تجفل السكة، أني چايلي عريس.
_ يا ألف مبروك، وعتجوليلي ليه أچي أرجصلك يعني! .
_ أوافج كيف وأنت خابر زين الي فيها، ولو خبيت حبلي دلوق كلها شهر ولا أتنين وبطني تكبر والمستور ينكشف.
_ عتلفي وتدوري علي أي يا روح….. ، جولتلك أنسي الي في دماغك دي.
_ أنسي كيف يعني!، أني عندي حل تتجدم لي ونكتبو الكتاب ونتچوز وبعدها بشهر ولا أتنين وتطلجني.
_ داجج زرازير أني إياك!، جولتلك مليش في الزواچ يابت الحلال، وحلي عن دماغي وأخر مرة أشوفك تتصلي عليا، بعدي عني أحسنلك، ومن غير سلام.
أغلق المكالمة للتو، ولجت إليها مرة أخري بعدما أستمعت لتلك الكارثة تضـ,ـرب يدها علي صدرها غير مصدقة:
_
_ حبلي يا ورد!!.
ـــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تضع أصيص الصبار أمام قبر خالها، فيسكب الصغير الماء عليه و هو يبكي، ربتت عليه بحنانها الغادق:
_ ماتبكيش يا عمر وأدعيلو أحسن.
جفف الصغير دموعه في طرف كوم جلبابه:
_ مجدرش ياقمر، ده أبوي، كنت بنعس في حضـ,ـنه، ولما بسوي حاچة غلط وأمي عتضربني كنت بچري عليه وأتحامي فيه، كان ياخدني في حضنه ويطبطب عليا، كان بيچيب لي كل يوم العسلية بسمسم الي بحبها ولو نايم يصحيني ويجولي چبتلك حبيبتك، كيف معايزاش أبكي عليه! .
برغم صغر سنه لكن كلماته كانت نابعة من رجل ناضج، جعلتها تبكي هي الأخري من جديد، وأخذت الصغير بين زراعيها تربت عليه، تستنشق رائحة خالها فيه.
_ أني عچبلك كل الي بتحبه يا حبيبي.
قال لها ببكاء تُقهر له القلوب:
_ أني ماعوزش غير أبوي.
_
فأخذت تبكي معه، ولنذهب إلي دار عبد الحق حيث زوجته وإبنتيها وشقيقها، كانت إبنتيها يعدان الطعام بينما نفيسة تجلس مع شقيقها في الغرفة.
_ طول عمرك غشيمة يا نفيسة، ده الي أتفجنا عليه؟.
أجابت بضيق وغضب:
_ بجولك أي هملني لحالي أني فيا الي مكفيني، ومطيجاش أسمع سيرة بت المركوب دي عاد.
لكزها شقيقها بسخرية:
_ أهو الي كان بيصرف عليكي راح يا خايتي، شوفي دلوق لما ضيعتي من يدك الفرخة الي كانت هتبيض لك دهب عتصرفي كيف عليكي وعلي عيالك، چوزك كان شغال بالأچرة ويوم ما يعطوكي فلوس، هتبجي ملاليم يدوبك تعيشكو يومين وتشحتو بعد إكده.
_ عايزني أعمل أي عاد، علي يدك أتحدت وياها لأچل أقنعها جلبت الدنيا.
فقال ساخراً:
_ والي سوتيه وياها إمبارح قدام النسوان يبجي أي يا ام مخ تخين!.
أشاحت وجهها ولوحت بيدها:
_
_ أهو الي حوصل بجي.
_ بصي بجي وفتحي علبة الصفيح دي.
أشار إلي رأسها وأردف:
_ دلوق البت إستحالة تتجبل منك أي كلمة ولولا ملهاش دار غير الدار كانت زمانها هچت منك، وعشان توافج علي الزواچ من الراچل خيرها مابين يا توافج يا إما ملهاش جعاد حداكي.
أستدارت له بكامل جسدها وقالت بتهكم:
_ كيف دي، ناسي إنها ليها في الدار يا أذكي أخواتك.
حك فروة رأسه ويفكر بشيطانية مطلقة:
_ عندك حق، بس لجطها.
عقدت مابين حاجبيها وقالت:
_ ناوي علي أي عاد؟.
_
إبتسم كأبليس حينما يخطط لمكيدة، وقال:
_ عايزك تفتحي دماغك وتسمعيني زين، وتنفذي الي أجولك عليه بالحرف الواحد.
ـــــــــــــــــــــــــ،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ خرجت من المنزل بعدما أطمأنت أن لايوجد أحد سواها و والدتها ذهبت إلي خالها، فهاتفت الطبيب وأخبرته بأنها آتيه لكن عليه أن ينتظرها في مكان ما خارج الوحدة.
وبعدما نجخت في تضليل من يراقبها من رجال رافع، وصلت إلي المكان المحدد، كانت حديقة متطرفة علي حدود النجع مليئة بشجر الصفصاف ذو الأغصان والأوراق المتدلية.
أخذت تتلفت من حولها تبحث عنه حتي أصتدمت به فأستدارت بوجهها له تشهق بذعر:
_ الله يسامحك خلعتني.
ضحك وقال:
_ ألف سلامة عليكي من الخضة، أنتي الي عماله تتلفتي زي الي عامل عمله ومش واخده بالك من طريقك، أي الي رعبك أوي كده؟.
أجابت بتوتر:
_
_ عادي يعني، ولا رعب ولا حاچة كل الحكاية خايفة لحدا من اخواتي يشوفك وأنت واجف معاي وتحوصل مصيبة.
قال بتعجب ودهشة:
_ ليه الأوڤر ده كله، أنا واقف معاكي في مكان عام يعني مش مختلي بيكي في مكان مقفول ولا بنعمل حاجة حرام.
_ دي عادتنا وتقاليدنا، معلش بجي ممكن تعطيني الحاچة خليني ألحج أعاود بسرعة.
رفع يديه الخالية وقال بمكر :
_ المذكرة مش معايا.
رمقته بحدة مقطبه مابين حاجبيها:
_ واه، كيف يعني مچبتهاش؟ .
أجابها:
_ بصراحة أنا جيت أقابلك عشان عايز أعرف حاجة ويمكن حاجات كتير ومقابل إجابتك هديهالك علي طول.
_
_ عتساومني إياك؟.
إبتسم فأزداد وسامة وجاذبية قائلاً:
_ حاجة زي كده.
زفرت بحنق وقالت:
_ خليها حداك ولا أرميها في الترعة، عن أذنك.
وكادت تذهب، أمسكها من رسغها وجذبها خلف إحدي الأشجار يخبئها عن الأنظار، فتحت فاها لتصيح فمنعها بوضع كفه علي فمها وأشار لها بسبابته بالصمت، و نظر بحذر من خلف الشجرة حتي تنفس الصعداء و أبعد كفه، وبخته بحدة:
_ أنت أتچننت يا چدع أنت، كيف تمسك يدي و توجفني وكماني تكتم لي خشمي إكده! .
_ كان فيه واحد من رجالة رافع إبن خالك بيحوم في المكان ولولا عملت كده كان شافنا وراح قاله.
حدجته بخجل ونظرت إلي أسفل:
_ أنت خابر بجي كل حاچة.
_
_ أيوه عارف كل حاجة ومش من مذكراتك وبس، رافع جالي بنفسه عندي في العيادة، وهددني لو مبعدتش عنك مش هيسبني في حالي ونظراته كانت كلها شر.
رفعت وجهها لتنظر له بإستفهام وهدوء:
_ ولما هددك، أي الي خلاك توافج تجابلني وخابر إن ممكن يأذيك؟ .
أطلق زفرة تنبع عن حيرة ومشاعر غير معروفة قائلاً:
_ أنا نفسي مش عارف، تقدري تقولي كان نفسي أشوفك تاني وأعرف منك إجابة أسئلة كتير جوايا.
أدركت تلميحاته وتلك النظرة التي توقنها وتعلم ما سيأتي بعدها، فقالت له:
_ أسمعني زين يا إبن الناس، خليك بعيد عني أحسن ليا وليك وكيف ما قريت في دفتري، حكايتي واعرة جوي كيف النار والي بيجرب مني بيتحرج.
_ أصدك بالنار رافع؟.
جاء صوت مثل العاصفة العاتيه:
_ أيوه رافع الي عيخلص عليك دلوق.
_
وعقب جملته بصوت شد أجزاء سلاحه الناري، صرخت فاطمة فأسرعت بالوقوف أمام يحيي لحمايته:
_ أبوس يدك يا رافع، همله يمشي من أهنه وأني هافهمك كل حاچة.
رمقها بنظرة آتيه من قاع الجحيم:
_ بعدي من قدامه، ومتجلجيش دورك چاي يا جلب رافع.
أبعدها يحيي من أمامه وتقدم نحو رافع فاتحاً زراعيه وبشجاعة قال:
_ وأنا أدامك أهو، بس قبل ما تدوس علي الزيناد عايزك تعرف تهديدك ليا المرة الي فاتت مسجله وباعت التسجيل لواحد عشان لو جرالي حاجة هيودي التسجيل للبوليس.
كان رافع يزفر نيراناً من أنفه، وبعدما أستمع لتهديد يحيي، حاول أن يكبح جموح غضبه العارم، أنزل سلاحه و وضعه في جيب جلبابه:
_ ههملك المرة دي، لكن الچاية ولا هيهمني تسچيل ولا حكومة، لأنهم ما هيلجوش چتتك عشان يجبضو عليا.
دفعه بكتفه حتي كاد يسقط يحيي، وأتجه نحوها وهي تتراجع إلي الخلف بخوف، قبض علي يدها بقوة ويدفعها أمامه:
_ قدامي، حسابك معايا عسير.
_
وصل بها إلي سيارته السوداء مثل عينيه الحادتين، دفعها بداخلها فتأوهت بألم، صفق الباب بقوة وألتف ليدلف إلي مقعد القيادة، أغلق الباب وضغط علي زر أغلق به أقفال أبواب السيارة بإحكام وأنطلق بها.
أتسعت عينيها عندما رأته ينحرف عن طريق العودة ويخرج من النجع إلي طريق آخر،صاحت وقلبها يخفق برعب:
_ واخدني فين يا رافع، رچعني دارنا قبل ما حد من أهلي يعاود.
قال وهو يجز علي أسنانه ويقود بسرعة جنونية:
_ ولما أنتي خايفة جوي أي الي خلاكي تخرچي من الدار.
كاد يصتدم بإحدي السيارات فتفادها بأعجوبة، صرخت:
_ أني خرچت من غير ما حد فيهم يعرف.
ضغط بقوة علي المكابح فأصدرت العجلات صريراً مزعجاً أثر إحتكاكها بالأسفلت، تعالي صوت أنفاسه الثائرة فألتفت إليها وليتها لم تنظر له، سوداويتيه يتطاير منها الشرر، وجهه مرعب للغاية، كانت ستفتح فاهها لكنه باغتها بصفعة قوية غليظة جعلت رأسها ترتطم في زجاج النافذة المجاورة لها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أبوس يدك يا زينب أرچعي عن الي في دماغك دي، أخوكي لو عاود من بره وما لجاكيش في أوضتك المرة دي عيموتك، ولو فلتي منيه، ماتفلتيش من رچالة سليم بيه الي هيخابروه وفي ثانية هتلاجيه أهنه.
_
قالتها نوارة، رمقتها زينب بلا مبالاه وهي تكمل إرتداء حجابها الأسود:
_ ياريت حد فيهم يموتني، أهو يبجي رحمني من العذاب الي أني فيه.
أخذت هاتفها وغادرت الغرفة وفي طريقها إلي باب المنزل أوقفتها والدتها:
_ خارچة رايحة فين يابتي.
ألتفتت إليها لتجد خالتها سعاد وعمتها جليلة تجلسا مع والدتها، أجابت ببرود وهدوء تُحسد عليه:
_ رايحة أزور فارس ولد عمي.
غر ثلاثتهن أفواهن، تركتهن و غادرت المنزل، أوقفها إحدي رجال سليم وبدون أن ينظر إليها خوفاً من سيده:
_ علي فين يا زينب يا هانم؟.
دفعته من أمامها وقالت:
_ بلغ الباشا بتاعك أني رايحة القسم.
_
سار خلفها، فأستدارت لتحدجه بتهديد:
_ خطوة كمان ورايا، وأني بنفس هاتصل بيه وهجوله إنك كنت عتتحرش بيا.
توقف يزدرد لعابه من تهديدها الجرئ، فلم يجد سوي التراجع وأن يخبر رب عمله بكل شئ.
سارت وهي ترفع رأسها بشموخ غير مهتمة لهمهمات هؤلاء الرجال والنسوة، فالكل يتداول الشائعات عن سبب هروبها ومن ثم عودتها فالبعض خاض في عرضها بالقول الفاحش والآخرون قالو أن السبب أخيها الذي أراد أن يزوجها غصباً من الرجل الذي جاء منذ يومين وقلب النجع بحثاً عنها، وهكذا تداولت الأقاويل.
وصلت إلي المخفر ودلفت إلي المأمور وأخرجت له بطاقة هويتها وطلبت منه انها تريد رؤية فارس ولو خمس دقائق فقط، رفض في بادئ الأمر وبعد محايله ورجاء وافق بشرط أن لاتتعدي الزيارة عن العشر دقائق.
ذهبت إلي غرفة الزيارات وأنتظرته بالداخل، وعندما أنفتح الباب و دلف، نهضت وكأنها كانت كالميت الذي عادت إليه روحه مجدداً، بينما هو كان غير مصدق ماتراه عيناه، فهي أمامه الآن تمني أن تقف الحياة حولهما في تلك اللحظة فقط.
ركضت نحوه وأرتمت علي صدره وعانقته بقوة وكأنها تتشبث به:
_ واحشيني جوي جوي يافارس.
وأنطلقت في البكاء، أشتد من عناقه لها يستنشق رائحتها التي أشتاق لها كثيراً:
_ بلاش بكي أبوس يدك.
_
أبعد وجهها عن صدره لينظر بداخل عينيها مردفاً:
_ تخيلي أني وأنتي ويا بعض في مكان مفيهوش حد واصل، عتجضيها عويل برضك!.
أجابت بحزن نابع من قلبها المقهور:
_ غصب عني يا حبيبي، لو بيدي كنت خطفتك من أهنه وهروبت وياك علي أي مطرح، لايهمني رافع ولا أي حد واصل.
أمسك يدها و وضع كفها علي فمه يتلمس أطراف أناملها بشفتيه ثم قال:
_ هانت يا جلبي، كلها أيام والمحامي الچديد عيثبت براءتي جبل ما يتحكم فيها، هخرچ وأول حاچة عسويها هاتچوزك سواء أخوكي وافج ولا موافجش، ملهوش صالح.
وهنا تذكرت بأن ما يقوله للتو قد أضحي مستحيلاً فهي الآن أصبحت علي ذمة رجل آخر، لم تريد أن تخبره لكن عينيها التي تبكي مجدداً جعلته يتسائل ما الأمر.
_ عتبكي ليه تاني عاد؟، خبر كيف دي المفروض يفرحك.
تفوهت بكلمات تخرج بصعوبة:
_ مبجاش…. ينفع… نتچوز.
_
تراجع خطوة يرمقها بعدم فهم:
_ ليه بتجولي إكده؟ .
أخذت تبكي ولم تكن قادرة علي الإجابة، أمسك بعضديها وقال بحدة:
_ كفياكي عويل وچاوبي علي سؤالي، ليه مينفعش يا زينب؟.
_ الزيارة أنتهت يا باشمهندس.
قالها العسكري
ومازالت تبكي، أخذ يهز جسدها، يصرخ بها:
_ أنطجي.
جذبه العسكري من زراعه ليبعدها عنه:
_ هملها يا باشمهندس، مينفعش الي عتسويه.
_
رفعت وجهها لتنظر له آخر مرة وقالت قبل أن تهم بالرحيل:
_ عايزاك تعرف أني مهما حوصل، عمري ما حبيت غيرك أنت يا واد عمي.
قالتها وهربت من نظراته ومن المكان بأكمله، وفي كل خطوة لها تتطاير عبراتها في الهواء، ستعود إلي الجحيم المنتظر فداءً لحياة من تعشقه إلي آخر لحظة في عمرها.
يقف هذا في الزواية يحاول الإتصال بسيده وبعد أن أجاب بعد الإتصال العشرون حيث الأول كان مشغولاً، فأخبره الآخر بكل ما حدث وما تفوهت به إليه، فكان سليم حينذاك يقف خلف الحائط الزجاجي في مكتبه بالشركة يستمع و نيران بداخله تتصاعد ألسنتها تريد إحراق كل شئ يقابلها، أغلق المكالمة و الظلام يسود عينيه فقام بإرسال رسالة نصية لإحدهم:
_ نفذ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ حل المساء فعادت من المقابر برفقة الصغير لاتري أمامها سوي التخت التي تريد أن ترتمي عليه، فكثرة البكاء جعلت جسدها في حالة إرتخاء مطالباً بالراحة.
دلفت من باب المنزل وتعلم وصلة التوبيخ التي ستتلقاها من زوجة خالها، لكن حدث عكس ذلك، أستقبلتها الأخري بهدوء يثير الشك:
_ إكده تجلجيني عليكي يا قمر.
نظر عمر إلي والدته بتعجب وقال ساخراً:
_
_ ومن ميتي الحنية دي يا أماه!
لكزته في كتفه:
_ ملكش صالح يا أبو لسان طويل، ويلا روح أغسل يدك لأچل تتعشا وتنام.
_ مليش نفس، أني عايز أنام.
وتركهما ودلف غرفته، فقالت قمر:
_ عاوزه حاچة مني يا مرات خال جبل ما أنام.
ربتت عليها بحنان زائف:
_ كنت عايزة أجولك متزعليش من الي جولتهولك إمبارح، من جهرتي علي فراج خالك مكنتش عارفه أني بسوي أي عاد.
أومأت لها قمر بدون أن تبدي أي تعبير:
_ ولا يهمك يا مرات خالي، ربنا يصبرك ويصبرنا.
_
_ طب يلا تعالي كوليلك لجمة جبل ما تنامي، ده أنتي مدوجتيش حاچة بجي لك يومين.
زاد تعجب قمر مما جعل الشك يتملك منها نحو تلك المرأه، فقالت:
_ معلش ماجدرش، كل الي ريداه أروح أنام دلوق.
فقالت نفيسة:
_ خلاص يا حبيبتي ، أدخلي أرتاحي وأني هاحضرلك كوباية حليب وأچبهالك.
ذهبت قمر إلي غرفتها وقلبها يتآكل، فحدسها يخبرها أن لا تأمن لتلك الحية اللعينة، فلابد وراء هذه المعاملة الحسنة مصيبة كبيرة أو شيئ آخر.
بعدما أبدلت ثيابها بمنامة طويلة، تمددت علي الفراش، وبعد أن طرقت نفيسه باب الغرفة دلفت لتعطيها كوب اللبن:
_ أتفضلي يا حبيبتي ، عايزاكي تخلصي الكوباية لأچل ترد لك الدم في وشك الي بجي شبه الكركم.
أخذتها و وضعتها فوق الكمود:
_ تسلم يدك يا مرات خالي.
_
وحتي لا تثير الريبة لديها تركتها وخرجت، وبعد قليل دلفت مرة أخري فوجدت القدح فارغاً من الحليب أعلي الكمود وقمر تغط في النوم، خرجت لتأتي بشقيقها وينفذان مخططهم الشيطاني.
فقال عامر:
_ متوكده إنها شربت الحليب ونعست؟ .
_ أيوه ما هي قدامك أهه في سابع نومة والكوباية جارها فاضية.
أبتسم بخبث وقال:
_ روحي أنتي بجي علي أوضتك، عجبال ما أجلعها خلچاتها، ولما أرن عليكي تيچي وتنفذي الي جولتلك عليه.
_ أياك يا عامر تسوي فيها حاچة بحج وحجيجي؟ .
_ أطمني يا خايتي، هملينا أنتي دلوق.
ذهبت، وبدأ هو يقترب من تلك النائمة، وأن وقعت عينيه عليها، رمقها بإشتهاء فالأول مرة يراها بدون غطاء الوجه، دنا منها يجذب الدثار من فوقها ومد يده إلي تلابيب منامتها ليفك أزرارها، فباغتته بالقبض علي يده وفيروزيتيها ترمقه بعداء جلي، هم بالهجوم عليها:
_ عتضحكي علينا يا بت ال……
_
دفعته بكل قوتها فسقط علي الأرض، وكاد ينهض، فسارعت بإمساك القدح الزجاجي الفارغ وضـ,ـربته بأقصي ما لديها في رأسه التي تدفقت منها الدماء.
#الفصل_الثاني_عشر
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
_ يا مُرك يا ورد وأيامك الي ملهاش ملامح، تسوي فينا إكده!.
أخذت ترددها زوجة شقيقها، فأمسكت الأخري يدها تتوسلها:
_ وطي حسك أبوس يدك، أخوي هيسمعك.
_ ده لو شم خبر أو حس ممكن، ده أكيد هيجتلك وجبلها عيروح يجتل ولد المركوب الي سوي معاكي العمله المهببه دي.
جحظت عينيها برعب:
_ يجتلو! .
_
توقفت الأخري عن نواحها وهز جسدها تتطلع إليها بصدمة:
_ أنتي ده كل الي همك!، خايفه عليه ومخيفاش علي نفسك!.
نظرت إليها بقهر وعللت قائلة:
_ أصل، أني بحبه، و رغم كل الي عيسويه معاي عمري ما تمنت له الشر أو الموت.
لطمت صدرها ومن بين أسنانها تفوهت بشراسه تلكزها في كتفها:
_ أرقع بالصوت ولا أشج خلچاتي منك يا بت عمي، أنتي ماخبراشي المصيبة الي واجعه فيها يخرب بيتك!.
خشيت منها أن تخبر زوجها حتي لايطولها عقابه عندما يعلم ما أقترفته شقيقته، فأضطرت إلي الكذب:
_ ماخلاص بجي، أني كنت بحاول وياه لأخر مرة لأچل يچي يتجدم لي كيف سمعتيني إكده، جالي، جالي أروح أجابله.
رمقتها بشك وتهكم قالت:
_ ياسلام، متوكده إنه وافج علي الي جولتهوله؟.
_
أجابت بتوتر تحاول إخفاءه:
_ أيوه متوكده، أني حتي عاروح أجابله بكره لأنه بيبجي أچازه.
_ هعمل حالي مصدجاكي وخليني وراكي أنتي والمحروس لأن لو الموضوع كبر و وصل لأخوكي مليش دعوه بيكي عاد، ياما حذرتك يا ورد جولتلك خلي بالك من نفسك وأوعاكي تأمني لراچل يضحك عليكي بكلمتين، تجومي مسلمه حالك بالسهوله دي!.
حدجتها ورد بإستنكار وبدفاع ساذج قالت:
_ أني مسلمتهوش حالي غير ما جولنا كيف الي بيجولو في كتب الكتاب.
غرت فاهها من تلك البلهاء و ودت أن تقـ,ـتلع خصلات شعرها في يدها:
_ كلمة كمان وأني الي هخلص عليكي بيدي، بصي قدامك فرصة أخيرة تروحي تجابلي ولد ال… دي وتجولي له يچي يطلب يدك في خلال يومين يا إما يجول علي نفسه يا رحمن يا رحيم لما أخوكي يعرف، فاهمة يا بت عمي؟.
أومأت لها وبداخلها تدعو بأن يهدي لها الآخر ويرضخ لطلبها و هي تعلم إصراره بالرفض المستميت، لكن لا بأس من محاولة أخيرة فالأمر لايحتمل اليأس أو التأجيل.
ـــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــ
_ أخذ يصرخ بألم من جرح رأسه النازف، فدلفت شقيقته لتري ماحدث، فوجدتها متسمرة بجوار النافذة وشقيقها يجثو علي الأرض يمسك برأسه التي تذرف منها الدماء ويردد بعويل:
_
_ آه يا راسي يا أماه، آه يا راسي.
شهقت نفيسه وركضت لتتفحصه:
_ سوت فيك أي بت ال….. دي.
همت بالنهوض وعينيها ترمقها ب شر مستطير:
_ عايزه تموتيه يا بت ال…..
لم تجد قمر مفر من الهروب قبل أن تلحق بها الأخري خاصة بعدما أفتضح أمرهم لديها، قفزت من النافذة المطلة علي الشارع، صرخ عامر في شقيقته:
_ ألحجيها، هربت وعتفضحنا.
صاحت به شقيقته:
_ أني مفيش حيل أچري، جوم يا أخر همي وروح چيبها من شعرها، وإياك حد يدري بيك عاد.
_ وأخرچ كيف وأني سايح في دمي إكده!.
_
لكزته بنفاذ صبر:
_ جوم يا عامر وأني هچبلك بُن تدفس بيه چرحك، رچالة آخر زمن.
_ ظلت تركض وتركض قبل أن يلحق بهما إحدهم، لا تعلم إلي أين ستذهب و من ستحتمي به، فالطريق شاغر لايوجد أحد يسير فالكل عاد إلي بيته، توقفت بعد قطع مسافة من الركض تلهث حتي رأت المسجد علي بعد أمتار يصدر منه تلاوة آيات الله من إذاعة القرآن الكريم.
هدأت أنفاسها قليلاً، فأنتابتها قشعريرة بعدما لفحتها نسمة باردة وهنا أدركت إنها بالمنامة القطنية و بدون حجاب و غطاء وجهها، أسدلت عينيها عبره من ما يحدث معها، لما الكراهية التي تكنها زوجة خالها إليها وتريد أن تلحق بها الأذي هي وشقيقها القذر الذي تجرأ علي لمسها، لولا شكها نحو تلك الأفعي لكانت قد أرتشفت كوب اللبن التي قامت بسكبه من النافذة وتصنعت شربه لكي تكشف مخططهما، وتعلم ما ينويان عليه من إيقاعها في مصيبة واعرة.
قررت الإحتماء بداخل المسجد، فذهبت إليه قاصده مصلي السيدات وبابه يقع بعد باب مصلي الرجال، وعندما وصلت بخطي سريعة قبل أن يراها أحد زفرت بسأم، حيث كان المصلي الخاص بالسيدات مُغلقاً، شهقت بفزع عندما أتاها صوت من خلفها:
_ واجفة عندك ليه إكده يابتي؟.
أستدارت له فوقفت أمامه بخجل شديد:
_ حضرتك شيخ الچامع؟.
أجاب عليها بوقار:
_ أني شيخ واصف والمسئول أهنه عن المسچد، أي خدمات يابتي؟.
_
خفق قلبها عندما علمت بهويته، فمن لايعرف الشيخ واصف و ولده الشيخ بكر!.
لم تتمالك نفسها فأنهارت باكيه :
_ أني، أني قمر وخالي يبجي عبدالحق الله يرحمه الي مات أول إمبارح.
_ لا حول ولا قوةإلا بالله، ربنا يرحمه، وأي الي خرچك من داركو في الوجت ده؟.
أجابت من بين شهقاتها:
_ أني واقعة في عرضك يا سيدنا الشيخ.
خلع عباءته وأعطاها لها لترتديها:
_ حطي العباية عليكي دلوق، وتعالي نتحدت چوه.
دلفت إلي الداخل خلفه، وفي ركن إلقاء الدروس الدينية أشار إليها بالجلوس:
_ أتفضلي وأني سامعك.
_
ــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ بعدما علم من طارق صديقه بأن لديهم مهمة ولم يعد أكرم إلي منزله فأتت له فكرة من قاع الجحيم، أرتدي زي عامل توصيل طلبات تابع لإحدي مطاعم الأكلات السريعة وحمل أكياس بها وجبات، توقف بسيارته بالقرب من البناء، رأي حارس العقار يجلس أمام البوابة يحتسي مشروب ساخن يتصاعد من الكوب دخانه، أستعد لتمثيل دوره بإتقان، نزل من السيارة و أتجه إلي غايته فأوقفه الحارس:
_ رايح فين يا كابتن؟ .
أجاب بثقة مُتقنة:
_ طالع شقة أكرم بيه، طالبين دليفري وأنا عامل التوصيل.
رمقه الحارس لثوان ثم قال:
_ طيب ثواني خليك عندك.
وبالأعلي تقف بداخل المطبخ تُعد لها فنجان من القهوة ويديها ترتجف كلما أمسكت بشئ، وقفت تنظر بشرود نحو إناء القهوة الصغير ولم تنتبه إلي فورانها إلا عندما أحدثت صوت وأنطفأ نيران الموقد، فأسرعت لإدارة المقبض وإطفاء الغاز وأمسكت بيد الإناء الساخن بدون عازل، صرخت وأبعدت يديها، فتحت صنبور المياه وضعت يدها أسفله، أنتبهت إلي رنين جهاز الأنتركم الموصل بللوح رئيسي لدي الحارس، سارت نحوه وضغطت الزر للإجابة:
_ مساء الخير يا مدام ندي هانم.
_ مساء الخير، في حاجة ياعم خضر؟.
_
_ في عامل دليفري تحت بيقول إنه طالع شقتكو.
تذكرت زوجها قبل ذهابه إلي عمله إنه أخبرها بإرسال لها ما يحتاجه المنزل عبر خدمة الدليفري حيث أقسم عليها بأن لا تتحرك قدميها إلي الخارج مهما حدث.
أجابت علي الحارس:
_ أه طلعو يا عمو خضر.
_ أي خدمة تاني يا ست ندي.
_ شكراً ياعمو خضر.
تركت الزر وذهبت ترتدي إسدال الصلاه قبل طلوع العامل، وما أن أنتهت من إرتداءه صدح رنين جرس المنزل، سارت إلي الباب متأففه من ألم الحرق:
_ أيوه، حاض…..
حركت أهدابها عدة مرات لتستوعب رؤية الواقف أمامها، فتحت شفتيها لتصرخ به لكنه سبقها بوضع كفه علي فمها ودفعها إلي الداخل وأغلق الباب خلفه بقدمه، ترك ما بيده علي الأرض:
_ ناويه تصرخي وتفضحي نفسك والجيران يبلغو سيادة النقيب ويجي يقفشني معاكي هنا! .
_
نظراتها كالنيران الحارقة، أبعدت يده عن فمها وصرخت به:
_ أطلع بره أحسن ما أنا الي هاتصل بيه وأقوله إنك جاي تتهجم عليا.
أخرج هاتفه بسخرية وتصنع الإتصال به:
_ لاء خلي عنك خالص، أنا الي هاتصلك بيه.
أختطفت هاتفه وصاحت:
_ عايز مني أي حرام عليك، أنا بيتي خلاص أتخرب بسببك، حياتي أتدمرت علي أيديك، أرتحت كده!.
ولم تستطع كبح دموعها فأنخرطت في البكاء وتردد:
_ منك لله، منك لله.
وبدلاً من أن تكون عبراتها تلك فرحاً له وإنتصار لما سببته له من آلام قلبه سابقاً ، لكن سيطر عليه شعور آخر بإزدراء ذاته مما يفعله بها، كاد يقترب منها ليعانقها ويربت عليها، دفعته بيديها:
_ أبعد بقي ويلا أمشي من هنا.
_
ثارت أغواره بسبب رفضه وكراهيتها له التي يراها الآن في عينيها
_ لاء، مش هابعد يا ندي.
لم يشعر بحاله وهو يجذبها بقوة من يدها بدون أن يلاحظ إصابة الحرق في كفها، صرخت بألم شديد:
_آه، أيدي.
أنتفض تاركاً يدها عندما رأي هذا الحرق، ف جن جنونه وظن أن ما فعل بها هكذا زوجها ربما بسبب الصور التي أرسلها له صباحاً.
صاح بها ممسكاً برسغها :
_ هو الي عمل فيكي كده؟.
لم تجيبه فالألم لم يحتمل وتحاول جذب رسغها من قبضته، أعتبر عدم إجابتها إثبات لسؤاله بالإيجاب، تركها وأبتعد يخلل أنامله في خصلات شعره يزفر بقوة وغضب عارم، عاد إليها يتسائل بخوف وقلق كالذي فقد عقله:
_ هو عمل فيكي أي تاني؟.
ملامحه الثائره جعلتها أرتعبت من داخلها فبدأت تبتعد إلي الوراء تمسك بحجابها عندما رأت عينيه مسلطة نحو شفتيها المليئة بالجروح المتفرقة وذقنها التي بها بقع قرمزية داكنة.
_
أبتلعت لعابها بخوف، رمقته بتحذير تشير له بسبابتها:
_ خطوة كمان والله هاص….
قاطعها بإندفاعه نحوها وجذب حجابها ليكتشف مما جال في ذهنه للتو، ليجد ما توقعه آثار قوة علي عنقها، وبحركة سريعة أنحنت تختطف حجابها من فوق الأرض أرتدته مرة أخري وهي توبخه:
_ أي مالك متنح كده! ، مش ده الي كنت عايزه يحصلي، بهدلة وتعذيب فيا!، ولا فاكر أول ما هيعرف هيطلقني بالسهولة دي! ، وأجيلك أترمي في حضنك وأقولك حقك عليا يا علي عرفت قيمتك! ، أنا خلاص تعبت ومش عايزه حاجة من الدنيا كرهت نفسي وكرهت كل حاجة والبركه فيك.
رد كالتائه في درب مظلم لايعلم إلي أين سيتجه:
_ أنا، أنا مكنتش عايزه يعمل فيكي كده، أنا كل الي أتوقعته إنه هيطلقك.
تبدلت ملامحه من الشراسة والغضب إلي أخري كطفل صغير يشعر بالذنب لكنه في حالة نفسية ليست سوية من نبرة صوته، مردفاً:
_ هيطلقك وترجعيلي، منكرش أن كنت ناوي أذل فيكي وأخد بتاري منك، لكن في الآخر هاخدك في حضني وأطبطب عليكي وتبقي ندي حبيبتي الي بعشق كل مافيها، هاخدك ونسافر بره ونبدأ حياه جديده، نتجوز ونخلف أولاد وبنات يملو علينا البيت، أرجع من شغلي ألاقيكي بتستقبليني في حضنك وبتقوليلي عملالك الأكل الي بتحبه يا حبيبي، أدخل أخد شاور وبعدها نتجمع أنا وأنتي وأولادنا علي سفرة الأكل، أأكلك من أيدي وتأكليني من إيديكي.
يتحدث وعينيه شاردة وكأنه يتخيل ما يقوله ولم ينتبه لها وهي تتسلل إلي المطبخ لتأخذ سكيناً وخبأته خلف ظهرها، أرتسمت علي ملامحها قوة مصتنعة وقامت بقطع أحلامه المنثوره هباءً:
_ كفاياك أحلام و فوء بقي، قولتهالك زمان ومن قريب، وبعيدهالك دلوقتي، أنا مبحبكش ولا عمري حبيتك، قربي منك زمان كان إحتياج وقتي وراح لحاله لكن قلبي وعقلي مع أكرم، هو حبيبي وجوزي وأبو بنتي ومهما عمل فيا برضو بحبه، فخلي عندك ذرة كرامة ورجولة ده لو فيه وأبعد عن حياتنا، روح دور لك علي واحدة تعالج الجنان الي عندك ده، أو هقولك علي حاجة أحسن روح عند دكتور نفساني يعالجك لأنك مريض، مريض ياعلي بالهوس، مهوس بأوهام وهلاوس صنعها خيالك الي عمال يصورلك حاجات عمرها ما هاتحصل.
_
أنقلبت ملامحه الوديعه إلي أخري مبهمة، فكلماتها أصابته في الصميم كالخنجر المتوهج من النيران وقامت بغرزه بكل قوتها للمرة الثانية في قلبه، لينفتح الجرح القديم بآخر أقوي وأعمق، جز علي فكه حتي تنافرت عروق عنقه، بدأت أنفاسه تتصاعد و تحول إلي وحش كاسر لم يردعه أي شئ.
ركل الطاولة بكل قوته من أمامه، وتقدم نحوها وعينيه تندلع منها نيران تحرق كل مايقابلها، صاحت بتحذير:
_ أقف عندك أحسن لك وأمشي من هنا.
لم يهتم وأستمر في سيره نحوها، ألتفتت خلفها وهي تتراجع فوجدت الحائط، أخرجت السكين من خلفها رافعه إياه بتهديد ونظرات شرسة:
_ أقسم بالله لو جيت جمبي هـ,ـتلك.
وثب كالفهد وأنقض عليها ممسكاً بيدها ودفع بجسدها نحو الأرض في محاولة إيقاع السكين من يدها، يتفوه من بين أسنانه كالليث الجريح:
_ أنا فعلاً مريض ومهوس بيكي، وعلاجي الوحيد إنك تكوني ليا يا ندي، فاهمة، أنتي بتاعتي أنا.
أخذ يضـ,ـرب بيدها أرضاً لتترك السكين، فكانت تقاومه بكل قوتها، فلتت يدها الأخري من قبضته وباغتته بللكمة قوية أصابت أنفه، تأوه من الألم وأمسك بأنفه الذي بدأ ينزف، أستغلت تلك الثواني لتمسك بالسكين وقامت بتوجهيها هذه المرة نحو صدرها صارخة بهيسترية:
_ لو مبعدتش عني المرة دي هـ,ـتل نفسي.
نهض من فوقها ورفع يده بخوف عندما وجدها تضع سن السكين في صدرها، يبدو تهديدها ليس هباءً بل حقيقي، فهذا كان جلياً في عينيها التي ترمقه بعداء.
_
_ أنا بعدت أهو، ممكن تسيبي السكينه دي خالص.
نهضت ومازالت تضع السكين في صدرها:
_ لما تغور من هنا وما أشوفش وشك تاني، متخلنيش أكرهك أكتر من كده.
وقف مشدوهاً وكأنها قذفته برصاص:
_ بتكرهيني!.
أومأت له وقالت:
_ أيوه بكرهك، وبكره نفسي إن سمحت لواحد زيك يكلمني أو يلمسني في يوم من الأيام، وعارف لو أكرم ماسامحنيش أو حتي طلقني ورماني فالموت عندي أهون منك.
تخبط من داخله، وفي نفس ذات الوقت يخشي لو أتخذ معاها أي فعل فسوف تنفذ تهديدها، تراجع إلي الخلف يتمتم بكلمات غير مسموعه أو واضحة لها، أستعد للمغادرة وقبل أن يذهب ألتفت لها وقال بوعيد للمرة المائة:
_ وأنا مش هسيبك في حالك لأن أنا كمان موتك عندي أهون من أنك متكونيش ليا.
قال كلماته وغادر، أنهارت حصونها الهشه التي تصنعت بها أمامه لتظهر بقوة وصلابة مصتنعة عكس ضعفها، ألقت بالسكين وجلست علي الأرض بوضع الجثو تستند بكفيها، تنعي حالها البائس، تبكي بكل قوتها علي دمار حياتها الآيله للسقوط في أي لحظة قادمة.
_
ـــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تمكث في غرفتها منذ عودتها من الخارج، لاتريد رؤية أحد، كلما تتذكر ما حدث معها اليوم والخاتمة كانت برؤيته وتلقينها كلمات قاسية أقوي من الصفعة التي هبط بها علي وجنتها ومازالت تشعر بها حتي الآن تتحسسها بأناملها.
دوي هاتفها بنغمة رسالة واردة، خفق قلبها ظنت إنه سيعتذر عما فعله معها، لكن خاب ظنها حين وجدت المرسل الطبيب يحيي يسألها عن حالها هل هي بخير ؟.
_ فاطمة، بت يا فاطمة.
صوت والدتها تناديها فلم تجيب عليها، أردفت جليلة وهي تفتح باب غرفة إبنتها فوجدتها مستيقظة، تجلس بجوار النافذة وشاردة:
_ أنتي يا أخر همي، عماله أنادم عليكي وأنتي جاعد لي سرحانه!.
خبأت هاتفها أسفل الوسادة ولم تتحرك إنشاً واحداً وتوبيخ والدتها زاد عليها مما هي فيه وبدون مقدمات أجهشت في وصلة بكاء أفزعت والدتها لتحدجها بقلق:
_ مالك يابت، أني جولتلك أي خلاكي تبكي إكده؟.
أقتربت من إبنتها وأخذتها بين زراعيها، دفنت فاطمة وجهها في صدر والدتها وقالت من بين شهقات بكاءها:
_ جلبي عيوچعني جوي جوي يا أماه.
_
ربتت جليلة عليها بحنان:
_ بعد الشر عليكي من وچع الجلب يابتي، مالك حوصل وياكي أي؟ ، رافع أتحدت معاكي في حاچة؟.
وبمجرد ذكر إسمه زاد عويلها:
_ يابت أنطجي، جوليلي سوي أي فيكي، وأني هاروح له ولد رسمية وأنثر مركوبي فوج دماغه الحديد دي.
خشيت من تنفيذ وعيد والدتها له إذا علمت بما حدث، فقالت بإستنكار وكذب لتبعد ظنها عنه:
_ محصلش حاچة يا أماه.
بدأت تهدأ قليلاً فأردفت:
_ كل الحكاية إن زينب أتوحشتني ونفسي أشوفها ومعرفاشي، خايفة لأروح وأتجابل مع نوارة وتجعد تبص لي وكأني چاية أخطف منيها چوزها.
تنهدت جليلة بأريحية وقالت:
_ يعني كل العويل دي لأچل بت خالك! ، وجعتي جلبي يا مجصوفة الرقبة، أطمني هي زينة وربنا يهديلها الحال ويستر عليها لما ترچع من مشوارها الأخبر، يارب أخوها ميسويش فيها حاچة.
_
أنتبهت فاطمة لما تقوله والدتها، فسألتها:
_ سوت أي تاني؟.
لوت شفتيها يميناً ويساراً بنزق:
_ البت خلتنا كلتنا جاعدين و خارچة، أمها سألتها رايحة علي فين، جالت لها من غير قلق رايحة تزور فارس في القسم، ولا كأنها لساتها راچعة بعد ما هربت وسيرتها علي كل لسان في النچع وأخوها حالف عليها لو عتبت باب الدار هيجطعلها رچليها وما هيرحمها واصل.
لم تتعجب فاطمة فهي تشعر بإبنة خالها، فالقلب ليس عليه سلطان ولا قوة تستطع أن توقفه، كم أذل العشق أصحابه وضحوا بأرواحهم من أجله، وأرهق القلوب في دوامات ليست لها نهاية.
_ متظلمهاش يا أماه كلتنا خابريين هي وفارس بالنسبة لبعضهم أي عاد، الله يسامحه الي فرقهم.
أشاحت جليلة بيدها:
_ كله قدر ونصيب، حقه نسيت أجولك أنكتب كتابها علي الچدع صاحب أخوها، و شكل فرحهم جريب.
أتسعت حدقتيها بصدمة وشعرت بالحزن والآسي عليها:
_ ياعيني عليكي يا زينب، جليلة البخت من يومك يابت خالي.
_
_ يلا همي و تعالي وراي نحضر العشا، زمان أبوكي جفل الچامع ومعاود.
نهضت فاطمة خلف والدتها، تجفف آثار عبراتها حتي لايسألها أحد من أشقائها ولا إبيها، وعندما خرجت وجدت باب المنزل ينفتح وصوت والدها:
_ السلام عليكم يا أهل الدار.
وقبل أن يدلف قال لأحدهم يبدو إنه زائر:
_ أتفضلي يابتي ماتخافيش داري أمان.
ولج منادياً:
_ يا فاطمة، يا چليلة.
تقدمت فاطمة لتري من هذه التي جلبها إليهم والدها، دلفت قمر بخجل وإحراج تلتف بعباءة الشيخ واصف تخبئ كل مابها ولا يظهر منها سوي عينيها الفيروزية.
سألت جليلة زوجها وهي تنظر لقمر:
_ مين دي يا حچ؟.
_
وقبل أن يجيب علي سؤال زوجته رمقها بنظرة أن تتريث عليه قليلاً، و توجه بالحديث لإبنته:
_ خديها أوضتك يا فاطمة وشوفيلها خلچات وحچاب من عندك.
ألتفت إلي قمر وقال:
_ روحي وياها يابتي.
ذهبت قمر مع فاطمة إلي غرفتها وعندما دلفت كلتيهما، زفر الشيخ واصف وجلس علي أقرب مقعد يخلع عمامته، سارت جليلة بالقرب منه وجلست جواره:
_ أي الحكاية يا حچ، ومين البت دي؟.
تنهد واصف بحزن وقال:
_ دي بت غلبانة ويتيمة وملهاش حد واصل، چار الزمن عليها و وجف لها ناس كيف الشيطان والحمدلله ربنا نچدها منيهم وبعتها ليا أكسب فيها ثواب.
تستمع له في صمت ونظراتها التي علم ماهيتها:
_ في حاچة يا چليلة؟.
_
لوت شفتيها جانباً وأجابت:
_ و حد جالك إن دارنا فتحنها ملچأ يا حچ!، وبعدين دي مش عيلة صغيره، دي شابة يعني كنت عطتيها الي فيه النصيب وهملتها تروح علي أي مطرح.
حدجها واصف بسخط وقال:
_ حرام عليكي يا وليه، البت صغيره لسه مكملتش ال18سنة، وچت تتحامي فيا يرضيكي أهملها لكلاب السكك ينهشو فيها! .
زفرت بضيق وقالت:
_ تجوم چايبها وعنديك شابين علي وش چواز، واحد منيهم لو شاف قطة يچري وراها، ولا ناسي كل شوي أمشي البنته الي كانو بيچو يخدمو عندينا؟.
_ هملي أمر زكريا ده عليا لحد ما الأمور تهدي، وإكده ولا إكده أنتي موچودة وفاطمة كمان عاتروحو فين عاد! .
تشدقت بتهكم:
_ يا حلاوة، وكمان رايد منينا نجعد نحرسها! .
رمقها بتحذير قائلاً:
_
_ جليلة، أني جولت الي عندي البت دي أمانة في رجبتك، أنتي عندك بت والي عتسويه معاها سواء خير أو شر هيجعد ليكي.
نهضت جليلة محدقة إياه بإمتعاض:
_ ماشي يا حچ، لما أجوم أحضر العشا.
نظر من حول يبحث بعينيه فتسائل:
_ فينه بكر إكده؟ .
أجابت وهي تدلف إلي المطبخ:
_ هتلاجيه في أوضته.
نهض واصف وذهب إلي ولده، طرق الباب وقال:
_ أنت صاحي يا ولدي؟.
أتاه صوت بكر من الداخل:
_
_ أتفضل يا والدي.
ولج إلي الداخل فوجد ولده واقفاً بإجلال له، يمسك بإحدي كتب الدينية التي لايمل من قراءتها ليتعمق في أمور دينه ويفقهها جيداً حتي يفيد بها صغاره اللذين يحفظون لديه القرآن في المسجد.
_ أجعد يا بكر، رايد أتحدت وياك في موضوع إكده محدش هيعرفه غيرك.
جلس واصف وتبعه بكر يرمقه بإهتمام، لايعلم لما يخفق قلبه للتو يبدو أن هذا الأمر هام وربما يكن متعلق به :
_ وأني تحت أمرك يا أبوي.
ــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أستهدي بالله يا سي رافع وهملها دلوق، كفايانا فضايح عاد.
صاحت بها نوارة وهي تمسك في زراعه لتمنعه عن الإمساك بشقيقته وإلحاق الأذي بها
ردت زينب من غرفتها فوالدتها تقف علي الباب لحمايتها من بطش إيدي شقيقها:
_ همليه يا نوارة، خليه يوريني كيف هيجرب مني إكده!.
_
صاح رافع بصوته الغليظ:
_ وليكي عين تردي يا فاچرة، أني لو جبصتك في يدي ما هخلي فيكي عضمه سليمه، الي حايشني عنك چوزك الي زمانه عرف بالي سوتيه أبجي أستلجي وعدك منيه، خابره لو جطعك حتت ورماكي للديابه ما هحوشه عنك واصل.
صرخت بإستنكار:
_ ماتجولش چوزي، و حرج الي چابوه مطرح ماهو جاعد، ربنا ياخدك أنت وهو في ساعة واحدة ويريح البشرية من شركو.
لكزتها والدتها:
_ ما تنكتمي بجي يا بت ال….، ولا عايزاه يجطع چتتك وترچعي تولولي كيف كل مرة.
قال رافع والشر يتطاير من عينيه:
_ خليها ياماه تجول الي ريداه، تبجي توريني كيف هتنطج مع سليم وهو بيشرح چتتها و…..
كاد يفصح عن ما ينوي عليه سليم لفارس لكنه ألجم لسانه
صاحت زينب بإعتراض بلا قلق:
_
_ لو راچل يبجي جرب مني والله لأوديكو في داهية، بلاغ صغير وهخليهم يريحوني منيه.
قهقه رافع بسخرية فقال:
_ عقلي بتك يا أماه وفهميها هي متچوزة مين، ولا أجولك خليها تعرف بنفسها لما تجف قدامه تتحداه كيف ما تسوي دلوق.
ردت بتهكم رغماً من الرعب الذي دب بداخلها، فهي توقن جيداً بأن مايقوله شقيقها ليس هراء بل هذا جزء صغير من حقيقة سليم وما خفايا كان أعظم:
_ خوفت أني إياك! ، مابخافش غير من الي خلقني، الباجي والدور علي الي بيعملو حساب ليه وبيخافو منيه كيف الولايا.
زمجر رافع وهم بالهجوم عليها عندما نعتته بالضعف والجبن مثل النساء، فصدته نوارة بتوسل ورجاء:
_ أحب علي يدك تعالي معاي ندخلو أوضتنا، وأنتي يا زينب كفاياكي بجي تردي علي أخوكي تعبتوني معاكو وجلبي واچعني، الله يسامحكو.
دفعتها والدتها إلي داخل غرفتها:
_ وأنتي كمان أقصري الشر و همي چوه ومتطلعيش بره أوضتك طول ماهو موچود.
دلفت وهي تزفر بحدة وبداخلها تسب هذا السليم بكل اللعنات.
_
وبداخل غرفة رافع ونوارة بعدما أغلقت الأخري الباب، جلست جوار زوجها وتربت علي صدره قائلة:
_ معلش يا أخوي، ما أنت خابر خايتك زين، دي غلبانه وجلبها كيف الحليب، إلا جولي مين الي خابرك إنها راحت القسم لواد عمك؟.
أخرج سيجارة وأشعلها بالقداحة فوضعها بفمه وزفر دخاناً كثيفاً:
_ كنت معاود من مشوار إكده وجعدت علي الجهوة ويا الواد دبيكي نشربو حچرين معسل، أسمع شوية عيال فرافير علي التربيزة الي چارنا چايبين في سيرتها وإنها كانت هربانة بعد ما سوت عمله مهببه، و واحد رد عليه جاله إنه لسه شايفها خارچة من القسم وربنا يستر علي ولايانا، الدم فار في عروجي، جومت دشملت الكراسي فوج روسهم وچيت علي أهنه.
لطمت علي صدرها وقالت بخوف وقلق عليها:
_ أوعاك تكون بلغت سليم بيه بالي حوصل!.
إبتسم بتهكم وأجاب:
_ أنتي غلبانه يا نوارة، رچالته مرشجين في كل مكان بالنچع، ده لو دبانه طارت بيبجي عنده خبر مكان ما هتدلي، فكرك ما هيعرفش بالي هببته خايتي!.
شهقت وعينيها تتسع بخوف:
_ يا مُرك يا زينب، ياتري ناوي لك علي أي!.
_
زفر دخان سيجارته وينظر نحو الفراغ ويقول بداخل عقله:
_ ناوي يحرج جلبها علي حبيب الجلب، يلا هي الي سوت فيه إكده، خليها تشرب.
ــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ في وقت الفجر يعم السكون ويقاطعه أصوات الطبيعة كحفيف أوراق الشجر و بعض الحيوانات والحشرات كالضفادع وصرصور الليل، وهناك عيون يغلبها النوم وأخري يجافيها والسهاد رفيق لياليها.
بصيص من نور مصباح العمود الكهربائي المزروع أمام نافذة الزنزانة يتسلل إلي داخلها، ينعكس علي تلك العيون الرمادية، يشغل ذهن صاحبها أمر يجهله، كاد يُجن كلما تذكر رؤيتها في زيارتها له وماذا كانت تقصد بأن يسامحها!، ود لو يحطم ذلك الجدار بكل قوته ويخرج ليكتشف ما يحدث في الخارج، وما يخبأه له القدر من إبتلاءات أخري.
بينما هو شارداً، هناك عيون تراقبه عن كثب تنوي له علي الغدر القاتل، تنتظر أن ينهض ليحتك صاحبها به وتكون بداية الشرارة.
وبالفعل عندما دوي آذان الفجر بصوت الشيخ واصف العذب، نهض فارس ليستعد للصلاة بالوضوء، وقبل أن يتوضأ ربت علي صاحبه منصور ليوقظه:
_ منصور، يا منصور.
أصدر الآخر همهمات يغلبها النعاس، أردف:
_ يلا جوم الفچر بيأذن.
_
أستدار منصور علي فرشته البالية الممدة علي الأرض الباردة:
_ روح أنت يا فارس وشوي إكده وهحصلك.
زفر فارس بسأم وقال:
_ أني خابرك ياصاحبي هتكسل تجوم ويفوتك الفچر حاضر.
نهض منصور بجذعه متأففاً وقال:
_ أديني جومت أهه، يلا خلص أتوضا وأني بعديك.
_ ماشي لما نشوف.
سار متجهاً نحو بيت الخلاء المحاوط وعبارة عن مكان صغير لقضاء الحاجة يتسع لشخص واحد بصعوبة يُحاط بستار داكن، وقبل أن يدلف أوقفه هذا الشخص المريب والذي دلف إلي السجن منذ يومين، يمد يده ويمنعه من الدخول قائلاً:
_ رايح علي فين يا شبح؟.
ومن لهجته أدرك فارس بأنه غريب عن هنا وسري بداخله شعور بأن هناك خطب ما ويجب أن يتخذ حذره، أبتعد فارس خطوتين إلي الوراء وقال:
_
_ عايز أي يا چدع أنت؟.
وضع الشاب يده خلف ظهره وألتقط شيئاً من خلف طيات ثيابه، إنها مُدية قام بإشهارها نحو نحره وقال بتهديد صريح:
_ عايز رقبتك الحلوة دي يا قمور.
حدجه فارس بقوة وبحده مباغتاً إياه بالقبض علي رسغه:
_ بعد عن طريجي أحسن لك، واضح إنك غريب عن النچع ولو الي حواليك دول صحيو وسمعو الي عتجوله هيجرجشوك بأسنانهم.
إبتسم الشاب بشرٍ وقال بسخريه:
_ بتتحامي فيهم يعني، طيب يا حليتها وريني هيعملولك أي وأنا بقطعك دلوقت.
وفاجاؤه بللكمة قويه، تفادها فارس بأعجوبة وأنحني أسفل زراع الآخر وقام بجذب ساعده ليثنيه، لكنه تلقي ركلة في ساقه من الشاب جعلته وقع علي الأرض، أستغل وقوعه فرفع المُدية لأعلي ليهبط بها عنقه قاصداً ذبحه، أوقفه منصور الذي نهض للتو يمسك بساعده ليمنعه حتي يتمكن فارس من النهوض.
بدأ يشتد العراك بينهما و فارس يدافع عن منصور والآخر يفعل المثل، تلقي منصور لكمة قويه فأختل توازنه أستدار له فارس ليطمأن عليه فأستغل الشاب بأنه يعطي له ظهره وكاد يطعنه لكن منصور قام بدفع فارس من أمامه وكانت اللحظه الغادرة، تلقي هو الطعنه القاتلة بدلاً من فارس أستقرت في صدره، صاح فارس بأعلي صوته:
_ منصور.
_
ــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يلا يا ولاد الفطور چاهز.
قالتها جليلة، نهضت فاطمة من الفراش ونظرت نحو تلك النائمة فوق الأريكة بشفقة بعدما قصت عليها حكايتها المأساوية ، وبرغم تحايلها عليها بأن تنام بجوارها لكن قمر أصرت النوم علي الأريكة فكانت يعتريها الإحساس بالخجل والحرج الشديد وإنها ضيفة غير مرغوب بها بعد أن وصل إلي سمعها بعض من حوار جليلة مع زوجها عنها.
تثائبت فاطمة وتقدمت نحوها لتوقظها:
_ قمر، أصحي يا قمر، أمي عتنادم علينا.
نهضت بفزع تنظر بخوف من حولها، أردفت فاطمة لتطمأنها:
_ ماتخافيش دي أني الي بصحيكي.
تساءلت وهي تتذكر أحداث أمس:
_ أني فين إكده؟.
_ أنتي في دارنا، دار الشيخ واصف أبوي.
_
نهضت وأعتدلت قائلة:
_ أيوه صح أفتكرت، معلش بجي يا آنسه فاطمة تجلت عليكي عاد.
أبتسمت لها فاطمة وقالت:
_ متجوليش إكده، أعتبريني كيف خايتك، أني معنديش أخوات بنات، مليش غير زكريا وبكر.
وحين ذكرت إسم الآخر خفق قلبها وكاد يقتـ,ـلع ضلوعها، فكانت بالأمس لم تنتبه بأنها في دار عائلته بقدر إنشغالها في مصيبتها، بادلتها البسمة وقالت:
_ الله يخليكي، وميحرمكيش منيهم.
قامت فاطمة بفتح النافذة لدخول أشعة الشمس وتهوية الغرفة:
_ يلا جومي أغسلي وشك وتعالي نفطرو، زمان أمي حضرت لنا فطور هتاكلي صوابعك وراه.
نظرت لأسفل بخجل:
_ معلش روحي أفطري معاهم، أني مينفعش أخرچ من أهنه.
_
رمقتها فاطمة بتعجب فسألتها:
_ ليه عتجولي إكده؟.
أجابت ببراءتها الغير مصتنعة:
_ أصل أني منتقبة كيف ما خابرتك ليلة إمبارح.
تركتها فاطمة قائلة:
_ ثواني.
وأتجهت إلي خزانتها وأخذت تبحث عن شيئ ما حتي وجدت ضالتها، أغلقت الخزانه وعادت إليها:
_ أتفضل يا چميل، نقاب وصاية.
رمقت مابين يديها بعدم تصديق والبسمة تعتلي ثغرها، فسألتها:
_ أنتي كمان منتقبة؟.
_
أومأت لها بالنفي وقليل من الحزن علي ملامحها:
_ أدعيلي بأن ربنا يهديني وألبسه، أني كنت وخداه من بكر أخوي لما چاب بضاعه، أصله بيتاچر في الخمارات والنقاب وچلاليب البيضا وسبح وسچاچيد صلاه، لاجيت عنديه النقاب الحلو دي عاچبني وعطهولي، جالي بإذن الله هيكون حلو عليكي، ومن وجتها وأني ركنها في الدولاب، وأهه چه له وجت منفعه، طلع من حضك ونصيبك.
تناولته من يديها تنظر له بإنبهار:
_ شكراً جوي جوي يا فاطمة، معرفاش أجولك أي بچد، فعلاً شكله حلو جوي.
ربتت فاطمة عليها:
_ وهيبجي أحلي عليكي، جومي يلا ألبسيه وحصليني.
تناولت منشفة قطنية الخاصة بها وألقتها فوق كتفها وخرجت، وجدت عائلتها يجتمعون حول مائدة الإفطار ماعدا زكريا :
_ صباح الخير.
بادلوها التحية، فتساءل إبيها:
_ أومال فين قمر يابتي؟.
_
وكان نفس السؤال يتساءله بكر بينه وبين نفسه، وعينيه تختلس بعض النظرات نحو غرفة شقيقته، يريد أن يطمأن عليها بشده لاسيما بعد علمه بكل شئ عنها وما حدث معها بعد ما أخبره والده وأوصاه عليها، لكن ألقي عليه جملة زلزلت كيانه حيث قال والده بأن يضعها بداخل عينيه مثل شقيقته فاطمة، كيف يراها شقيقته وكلما سمع إسمها قلبه يخفق ويتراقص رغماً عنه.
أجابت فاطمة علي أبيها:
_ عتلبس نقابها وخارچة ورايا.
نظرت جليله بتهكم دون أن تعقب بكلمة خشية من لوم زوجها لها، فقالت:
_ أومال فين أخوك يا بكر؟.
أجاب بصوته الهادئ العذب:
_ خرچ من إمبارح وما رچعش، هتلاجيه بايت في المصنع أو عند چماعه أصحابه.
عقبت بسخريه:
_ أو تلاجيه ويا واحده من إياهم.
رفع بكر كتفيه قائلاً:
_
_ الله أعلم، إن بعد الظن إثم يا أمي، وأدعيلو بالهداية.
_ ربنا يهدي البيت كله يا ولدي، ويكفينا شر المستخبي.
_ صباح الخير.
صوت رقيق تتراقص له القلوب عند سماعه، يخشي أن يستدير نحوه ويرتكب ذنب النظر إليها، ردد التحية مع والديه، فقال واصف:
_ يلا يابتي الواكل هيبرد، خالتك أم زكريا عليها صحن فول بالطماطم حكايه.
لاحظت جليلة تخضن وجنتي بكر بالدماء، فسري الشك في قلبها بأن هناك خطب ما، فقالت:
_ خليها علي راحتها يا حاچ وأني هچهزلهم الفطور في صينيه وياخدوه چوه، كيف ما أنت شايف لابسه نقاب وماتعرفش تاخد حريتها قدامنا.
وجد زوجته علي صواب، فقال:
_ الي تشوفيه يا أم زكريا.
وبعد إنتهاء الجميع من تناول الفطور، خرجت قمر من غرفة فاطمة تحمل صينية الطعام لتضعها في المطبخ، رأت البخار يتصاعد من براد الشاي، فأوصدت الموقد وقامت بسكب الشاي في الأكواب، حملت الصينية، وفي طريقها للخروج كادت تصتدم به وتقاذف القليل من الشاي علي جلبابه، أمسك منها الصينيه قبل أن تنزلق من يديها، صاحت بإعتذار :
_
_ أني أني آسفة ماكنت أجصد واصل.
رد بدون أن يحملق في عينيها:
_ أهدي مفيش حاچة حصلت لكل الخوف والجلج دي.
ردت بعفوية:
_ خلاص روح أجلع الچلابيه وناولهالي أغسلهالك جبل ما بجعة الشاي تلزج فيها ومتطلعش بسهولة.
إبتسم رغماً عنه من عفويتها وإهتمامها الجلي به وبدون أن يشعر بما يقوله:
_ فداكي مليون چلابية.
غرت فاهها تدرك ما قاله، وحين أنتبه لما تفوه به، أنطلق كالريح من أمامها.
ما زالت تقف مذبهلة تعيد كلماته مراراً وتكراراً في عقلها، أنبلجت فرحة عارمة علي ملامحها وثغرها الباسم من أسفل غطاء وجهها، قاطع إبتسامتها دلوف فاطمة التي قالت:
_ ما تضحكينا وياكي إكده.
_
_ كيف عرفتي أني كنت بضحك؟.
ضيقت عينيها بمكر، فهي قبل أن تدلف رأت شقيقها يسرع خطواته و وجهه شديد الإحمرار، يبدو أن هناك قصة حب وليدة اليوم وربما منذ أيام.
_ تجدري تجولي إنها إبتسامة مش ضحكة ودي بتبان في العيون أكتر.
فرت قمر من نظرات فاطمة وأسرعت إلي الغرفة، فهي عندما ترتبك هكذا لا تستطيع التحدث.
ولنذهب إلي منزل الجحيم التي هربت منه بأعجوبة، كان يتمتم عامر مع نفسه حتي أنتبه لشقيقته وهي تعطيه كوب الشاي:
_ يا خيبتك القوية يا نفيسه في أخوكي.
حدجها بإمتعاض وقال:
_ كنتي عايزاني أسوي أي أكتر من إكده، أني لافيت النچع كله شبر شبر ملجتهاش، فص ملح وداب.
_ ما دورتش في الدور المهچورة نواحي الترب؟.
أرتشف من الكوب القليل وأجاب بتوتر:
_
_ أيوه دورت في كل دار فيهم.
رمقته بعدم تصديق:
_ متوكد، أصلي خابراك زين، بتترعب من ضلك، كيف بجي دورت چوه دور مليانه باللهم أحفظنا!.
نهض وترك لها الكوب فارغاً:
_ ما خلاص بجي يا نفيسه، جولتلك دورت وملجتهاش، يمكن حد خطفها ولا ندهتها النداهة وغرجت في الترعة.
نظرت بغل وحقد قائلة:
_ يسمع من خشمك آمين، لكن الي كيف الحربايه دي هي الي تخطف بلد وتخلي النداهة ترمي نفسها في الترعة، ياما شوفت علي يدها من خالها الله يسامحه مطرح ما راح.
وفي إحدي الأركان كان يختبأ الصغير ويبكي بدون صوت عندما علم بهروب قمر والسبب والدته وخاله حلفاء أبليس اللعين، فكر قليلاً حتي أتت في ذهنه فكرة ستكون الملجأ الوحيد للوصول إليها، قائلاً بصوت لايسمعه سواه:
_ هو مفيش غيره الشيخ بكر هو الي هيساعدني ألاجيها وبالمرة أخابره بالي سمعته لأچل ينقذها من أمي وخالي ، الله عليك يا عمر يا أبو الأفكار.
تنهد وأردف داعياً ربه:
_
_ يارب ياقمر تكوني زينة وبخير لحد ما نعتر عليكي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ أستيقظ من نومه علي رائحة طعام شهية تضورت لها معدته من الجوع، فنهض مسرعاً يتبع مصدر تلك الرائحة حتي وصل إلي المطبخ، توقف عند رؤيتها تغني بصوت جميل ورائع، تُعد الطعام وتتناول ملعقة تتذوق ما قامت بطهيه بتلذذ، لعقت شفتيها بطريقة جعلته يقف متسمراً وبحركة غير إرادية لعق شفتيه هو أيضاً وكأنه يتذوق خاصتها.
أستدارت لتجلب الصحون فتفاجاءت به، شهقت بفزع وتمسك بحجابها لتتأكد من وجوده عاي رأسها :
_ واه، أنت واجف من ميتي؟.
حك فروة مؤخرة رأسه بتوتر مبتسماً:
_ من وقت يا صباح الخير يالي معانا و وصلة أم كلثوم.
توهجت وجنتيها إحمراراً من الخجل، تركت ما بيدها علي طاولة المطبخ الرخامية، وهمت بالذهاب، وقف أمامها قائلاً:
_ رايحه فين بس، مش هتكملي الأكل، أنا هموت من الجوع وبصراحة صحيت علي الريحة والي جابني هنا معدتي، يعني مش زي ما فهمتي.
أطلقت زفره كمحاولة لتصديقه، فقالت:
_
_ طب تعال ناولني الصحون، و حط لنفسك صينية لحالك وأني هاخد صينية لحالي أفطر في الأوضة.
_ طيب ممكن عشان خاطري تفطري معايا النهاردة، أنا من طبيعتي مبفطرش وبكتفي بفنجان إسبريسو بس عشان ماكلتش من إمبارح فصاحي جعان أوي.
لاحظ علي ملامحها شئ من الرفض أو المعارضه، فأكمل برجاء:
_ أعتبري نفسك في مطعم وأنا زبون ملقتش مكان فاضي أقعد فيه فحبيت أشاركك في الطربيزه الي أنتي قاعده عليها.
إبتسمت بسخرية وقالت:
_ ماشاء الله عنديك قوة إقناع ماتخيبش عاد.
إبتسم بزهو وفخر قائلاً:
_ حُكم المهنة بقي.
_ حيث إكده روح أنت وأني هاحضر الحاچة وچاية.
وبعد ذهابه إلي المرحاض وقيامه بغسل وجهه وأسنانه، بدل ثياب نومه بأخري، و ذهب لتناول الفطور برفقتها، وعندما جلس وجد أمامه فنجان القهوة الخاصة به، أمسكه وأرتشف منه بإستمتاع:
_
_ تسلم إيدك، عملاها مظبوط زي ما بشربها بالظبط، واضح إنك شاطرة وبتتعلمي بسرعة.
رمقته بإبتسامة صفراء وهي تمضغ الطعام وبعدما أبتلعت ما بفمها، ألقت عليه نفس كلماته بنفس أسلوبه:
_ حُكم المهنة بجي.
قهقه من سخريتها له، ظلت تحدق به ولأول مرة تتحقق منه، فملامحه تنضح بالوسامة رغماّ من تخلل الأبيض خصلاته السوداء ويتوسطها القليل من الرمادي، مهلاً عينيه لونها كزرقة مياه البحر تجذبك للتحديق بها بدون إرادة.
توقف عن الضحك وصمت منتبهاً لتأملها في وجهه، أنتبهت لملاحظته إياها، وبخت نفسها قائلة بداخل عقلها:
_ فوجي يابت وأتلمي، مالك عتبحلجي في الراچل إكده من غير خشا ولا حيا، عچبك أهو خد باله.
نظرت إلي صحنها الفارغ بخجل، فسألها بمكر :
_ مالك كنتي سرحانه في أي؟.
أزدردت لعابها وأجابت بتوتر:
_ مفيش، جصدي كنت بفكر في زينب يا تري لاجيتوها ولا رچعت البلد ولا لساتها هربانه؟.
_
تبدلت ملامحه إلي التجهم المصتنع، فهل سيخبرها بأنهم وجدوها بالفعل وعادت إلي أهلها وستصبح زوجة صديقه خلال أيام، لكنه يخشي ما بعد ذلك وهي مطالبته بأن تعود إلي بلدتها وتركها وشأنها، مجرد فكرة إبتعادها عنه غير مقبولة ولا يعلم ماسبب هذا الإصرار.
_ ياه للدرچدي الإچابة محتاچة للتفكير كل دي.
تهرب من النظر إليها حتي لاتكشف كذبته، رد قائلاً:
_ لاء، بس أفتكرت حاجة مهمة.
نهض ومسح يديه بالمحرمة:
_ تسلم إيديكي علي الفطار اللذيذ، متعمليش حسابي علي الغدا ممكن أرجع متأخر شوية.
رمقته بتعجب وتمتمت بدون أن ترفع صوتها:
_ شوف الراچل عيتحدت وكأني مارته.
وصلت جملتها إلي أذنه فأبتسم وأراد مشاكستهاغقال وهو يذهب إلي غرفته:
_ لو مراتي، مكنتش روحت الشغل وقعدت أتغديت وحليت كمان معاها بس مش علي السفره.
_
ألتفت إليها وأردف بخبث مشيراً إلي غرفته:
_ في أوضة النوم.
شهقت بخجل من وقاحته وحديثه الجرئ.
وبعد إنتهائه من إرتداء ثيابه والإستعداد للذهاب إلي عمله، خرجت من المطبخ بعدما قامت بجلي الصحون وترتيب كل شئ في مكانه، أوقفته ولم تنظر إليه:
_ أستاذ صلاح؟.
وقف أمامها، يعقد رابطة عنقه:
_ ملهاش داعي الألقاب مابينا، قوليلي صلاح زي ما بقولك سمية.
رفعت عينيها بإحراج قائلة:
_ العين متعلاش عن الحاچب، أني فين وأنت فين يابيه.
ضحك وقال:
_
_ أي جو فيلم أفواه وأرانب ده علي الصبح، بصي يانعمة، أصدي ياسمية أنا زي ما أنت شوفتي بعينك بسيط وبحب البساطة ومليش في جو البيه و باشا، فعايزك تاخدي راحتك معايا في الكلام، أعتبريني صاحبك.
عقدت مابين حاجبيها:
_ واه، صاحبي، أتحشم يا بيه.
لم يتمالك نفسه خر ضاحكاً حتي توقف:
_ ما أقصدش صاحبك الي فهمتيها، كل الي عايز أقوله مبحبش التكليف كلنا ولاد حواء وآدم، فهمتي يا سمية؟.
أومأت له كالتائهة في بحر عينيه الصافيه:
_ فهمت يابيه.
إبتسم بسأم:
_ برضو مفيش فايدة.
نظر في ساعة يده وقال:
_
_ أسيبك بقي عشان متأخرش.
_ كنت عايزه أسألك عن حاچة.
أجاب بنبرة جعلتها كقطعة الثلج التي تُركت في قيظ الشمس الحارقة:
_ أؤمري يا سمسم.
تجاهلت دلاله لإسمها، فسألته:
_ أنت كل يوم عتهملني لحالي وتروح شغلك، عارفه إنك جافل الباب بالمفتاح، مش خايف لأغفلك وأنط من أي شباك؟.
سار نحو أقرب نافذة وأشار إليها لتتبعه قائلاً:
_تعالي أوريكي حاجة.
توقف أمام الستار وقام بفتحه علي مصراعيه:
_ أنتي بقالك كام يوم هنا مفكرتيش تبصي من البلكون ولو مرة.
_
أومأت له بالنفي وقالت:
_ أصل جفل الشباك حداك عالي عليا معرفتش أفتحه.
مد زراعه لأعلي وقام بفتح النافذة، دلف الهواء بقوة فتطايرت الستائر للداخل:
_ قربي كده.
أقتربت وألقت نظرة علي الشارع وليتها ما رأت، شهقت برعب عندما وجدت إنهم علي إرتفاع شاهق والناس والسيارات وكل شئ يبدو كالنمل في مجال رؤيتها، لاحظ خوفها فأكمل قائلاً:
_ تقدري تنطي من الدور الخامسة وعشرين؟.
تراجعت إلي الوراء وأجابت:
_ يا أبوي، ليه حد خابرك أني مچنونة إياك، ومالها الحبسه أهنه، عايشه زينة وفلة وأربع وعشرين قيراط.
_ طيب يا سمسمه معلش أنا بقي ماشي، ولو محتاجة حاجة بلغي السكيورتي من الأنتركم وهو هيكلمني ويقولي، مع السلامة.
وبعد مغادرته ظلت تنظر في آثره بإندهاش وتعجب قائلة:
_
_ عشان إكده مهملني أمرح في الشقة وأنت مطمن، يا إبن الصايعه يا صلاح!.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــ
_ في غرفة الرعاية المركزة يتمدد منصور في حالة حرجة، وقف الطبيب ليخبر الضابط المسئول عن إحضاره من السجن:
_ للأسف الطعنة كانت عميقة و وصلت للرئة وأدت لنزيف لحقناه بالعافية، أدعيله ربنا يعدي ال 24 ساعة دول علي خير.
نظر الضابط إلي منصور عبر الزجاج بحزن وقال:
_ ربنا يقومه بالسلامة، ده أتضـ,ـرب غدر من عيل بلطجي كان قاصد يموت زميله، فده أتصدر له وخد الطعنة بداله.
هز الطبيب رأسه بآسي:
_ لا حول ولاقوة إلا بالله، ربنا يجزيه خير علي شهامته.
ذهب الضابط بعدما أخذ صورة من تقرير المشفي ليرسله إلي مأمور السجن والذي أستدعي إحدي العساكر ليخبر فارس الذي كان كالنسر الجارح خلف القضبان، يريد الإطمئنان علي صاحبه بأي وسيلة، نادي العسكري:
_ فارس قاسم القناوي.
_
أجاب بللهفة:
_ أيوه أني فارس، خير؟.
أجاب عليه:
_ سيادة المأمور عيجولك أطمن علي منصور لساته خارچ من العمليات ودخل العناية، وأدعيلو يجوم بالسلامة، وأي چديد هيبلغك أول بأول.
تنفس الصعداء ويهبط جالساً علي الأرض:
_ الحمد والشكر ليك يارب، أشفيه وعافيه ده غلبان جوي ويستاهل كل خير.
#الفصل_الثالث_عشر
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
_ تبدو حالته المزاجية اليوم سيئة للغاية، فمنذ مجيئه إلي الشركة وهو يصب كم غضبه العارم علي كل من يقابله.
_
تقف ماجي السكرتيرة أمامه كالفرخ المبلول تتلقي إهانته اللاذعه في صمت، وجسدها يرتجف بخوف، يصيح بها:
_ ومن غير ما أقولك وأأكد عليكي المفروض تبقي عارفة شغلك كويس لإما تاخدي ورقك وتروحي تدوري علي حد غيري ولو لاقيتي أصلاً حد يشغلك بعد ما يعرف إنك مهملة.
كانت علي وشك أن تبكي، فتفوهت بخوف:
_ آسفه ياسليم بيه، أول وآخر مرة ساعتك.
صاح بها محذراً:
_ الغلطة عندي بفوره ، فخدي بالك لأن المرة الجاية مفيهاش كلام.
حركت رأسها وعينيها مليئة بالدموع:
_ تحت أمرك ياباشا، عن أذن حضرتك.
وقبل تحركها أوقفها بصراخ مدوي:
_ أقفي عندك أنا مقولتلكيش تتحركي من مكانك.
_
دلف صلاح علي صراخ صديقه قائلاً:
_ أي يا باشا، صوتك الموظفين كلها سمعاه.
حدقه سليم بتحذير فرفع صلاح كفيه ثم وضع إحداهما علي فمه إشاره لصمته.
أشار لسكرتيرته بإزدراء:
_ بره، ومشوفش وشك غير لما تصلحي العك ده كله.
أومأت له:
_ أمرك يا سليم بيه.
وغادرت المكتب بخطي واثبه كأنها خرجت من الجحيم لتوها.
تقدم صلاح ليجلس أمام مكتب الآخر وقال بهدوء:
_ ممكن من غير عصبيه تقولي في أي مخليك في الحالة دي؟.
_
أطلق زفرة كألسنة النيران من أنف تنين ثائر، أمسك ب كرة مطاطية أخذ يضغط عليها بقبضته ليهدأ من روعه:
_ فارس القناوي لسه عايش.
حرك الآخر رأسه بعدم فهم، حيث لم يعلم شيئاً عن هذا الأمر:
_ مش فاهم.
أعاد كلماته مرة أخري في ذهنه حتي أستنتج ما يقصده، فأردف:
_ أوعي تكون….
أكمل سليم مجيباً:
_ أيوه، والغبي الي كان رجالتي هناك مكلفينه بالمهمة بدل ما يـ,ـتلو إزهاق روح واحد تاني كان بيدافع عنه، الواد الي خد الضـ,ـربه بين الحيا والموت وفارس لسه مكتوب له عمر جديد والغبي التالت حطوه في حبس إنفرادي وبيتحقق معاه.
أخذ صلاح ينظر إليه بحدة في صمت، مما أثار حنق الآخر وقال بحديه:
_ مالك بتبص لي كده ليه؟، ما أنت كنت عارف إن ناوي أتخلص منه.
_
تنهد بتأفف وقال:
_ بس أنت طلبت ده من رافع إبن عمه وهم أحرار مع بعض، وتعالي هنا نفسي أفهم هتستفاد أي إنك تـ,ـتله، زينب وكتبت كتابك عليها وكلها أيام علي فرحكو وهتاخدها وتسافرو، فأي لازمتها تـ,ـتل واحد هيتحكم عليه مؤبد ولو أفترضنا وحصلت معجزة وخرج مش هيقدر يعمل حاجه غير إنه هيدور علي حقه الضايع وياخد بتاره من الي دخله السجن وهيبقي آخر همه إنه يفكر في بنت عمه.
صمت ليفكر قليلاً وأنحني بجذعه قليلاً للأمام، تناول مقصلة سيجاره وأخرج واحدة من الصندوق الخشبي ليضعها في الفتحة ، ثم تفوه وكأنه يتحدث إلي نفسه وعينيه يسودها ظلام مرعب :
_ طول ماهو عايش، هي مش هتقدر تنساه.
ضغط بأنامله علي المقصلة بقوة فتطايرت مقدمة السيجار.
ـــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ عاد للتو من عمله ليجد الصمت يسود أرجاء المنزل، ألقي بمتعلقاته علي أقرب طاولة، بحث عنها في الردهة والمطبخ فلم يجدها، ذهب إلي غرفة النوم فرآها تغط في النوم علي التخت وبجوارها ألبوم الصور الفوتوغرافية الخاص بهما يجمع ذكرياتهما معاً منذ الطفولة، و بيدها صورة قد ألتقطها لهما أحدأصدقائهما علي الشاطئ يرتدي ثياب البحر وجذعه عارياً وهي متعلقه علي ظهره متشبثه حول عنقه بساعديها وتضحك من قلبها إلي عدسة الكاميرا.
جلس علي طرف الفراش وأغلق الألبوم فوضعه جانباً، أخذ يتأملها وهي نائمة، وقعت عينيه علي آثار عنفه علي عنقها وشفتيها وزراعيها العاريين، أطبق علي شفتيه بألم و وخز أخترق قلبه، لم يتوقع يوماً ما بأنه سيحدث هذا بينهما في يوم من الأيام، فهي عشق طفولته وشبابه، الوحيدة التي أمتلكت قلبه منذ الصغر، شريكة دربه وحياته.
دنا منها بأنفاسه، أشتاق لرائحة عطر جسدها، يستنشقها وكأنها زهرة عطرة بداخل بستان، تحركت مقلتيها أسفل جفنيها المغلقين حينما شعرت بشئ قريب منها يتحرك بجوارها، فصور لها عقلها الباطن في أحلامها هذا العلي يلقي بها فوق التخت ويقترب منها وعلي وجهه إبتسامة شيطانية، وحين أعتلاها وثبت ساعديها بجوارها لينقض عليها أطلقت صرخة.
أستيقظت بفزع أثار قلق زوجها ليبتعد قليلاً عنها، نظرت له في صمت ونهضت بجذعها لتعتدل في جلستها:
_
_ أنت جيت أمتي؟.
أجاب بإقتضاب وهو ينهض يخلع ثيابه:
_ لسه جاي.
نهضت وأقتربت منه لتساعده في خلع قميصه:
_ أحضرلك الغدا؟.
أبعد يديها عنه وقال:
_ مش جعان.
وألقي بثيابه بإهمال علي التخت وأرتدي ثياباً أخري قطنية، أخذت ما ألقاه وقامت بتعليقه علي المشجب، بداخلها يحترق من معاملته الجافه لها، تقدمت منه مرة أخري تعترض طريقه إلي المرحاض، تفوهت بصوت يخرج من حلقها بصعوبة:
_ ممكن، نقعد نتكلم شويه.
أبتلعت لعابها وأكملت:
_
_ مع بعض.
أرتفعت زواية فمه بإبتسامة ساخره، وقال بتهكم:
_ أخيراً ناويتي تحكي الحقيقة؟.
رفعت وجهها لترمقه بإمتعاض وعينان منتفخة من كثرة البكاء:
_ أنا معلمتش حاجة عشان أعترف بيها، كل الي حصل حكيته لك، بعترف أني كنت غلطانه وقتها، أعتبره طيش وتهور بس موصلش زي ما أنت فهمت.
صاح بصوت مخيف جعلها أنتفضت ولكن مازالت تقف في مكانها:
_ ما الي عملتيه ده ملهوش غير مفهوم واحد إنك خاينة.
صرخت بإستنكار وصوت علي وشك البكاء:
_ لاء مش خاينة، والدليل إن مراتك دلوقت، ولو كنت خاينة كان زماني سبتك من زمان وبقيت مراته هو.
ليتها ما تفوهت بتلك الكلمات التي أثارت حفيزة غيرته القاتلة، وفي غضون ثوان كانت خصلاتها في قبضته ينهرها بقسوة:
_
_ قولتيلي كنتي هتبقي مرات مين؟.
أخذت تتلوي وتحاول تخليص خصلاتها من قبضته، تجيب بصراخ متألمة:
_آه، أنا بقولك مثل بس.
قرب وجهها من وجهه الغاضب:
_ وأنتي فاكراني أقدر أنسي الي عملتيه!، ولا إنك خلتيني واقف أدامه زي المغفل بعرفكو علي بعض، أتاريكو كنتو معرفة وحب وغرام وأنا العبيط المختوم علي قفاه.
مازالت تتلوي في قبضته وتصيح ببكاء:
_ كنت خايفة، والله كنت خايفة.
تركها بعنف فوقعت علي الأرض أسفل قدميه فأكملت:
_ كنت خايفة منك، عارفة إنك بتغير بجنون ولو حكيتلك حاجة ساعتها ممكن تعمل مصيبة، كان كل همي هو أنت، مكنتش عايزاك تتأذي بسببي.
تحدث وهو ينظر إليها بإزدراء عكس الشفقة التي بداخله نحوها وهي في تلك الحالة المزرية:
_
_ متقلقيش يا هانم، أنا سايبه براحته علي الآخر لحد ما يجيلي برجله عندي، لأن الي زيه عارف تمامهم كويس، هو الي هيحدد مصيره بإيديه.
رفعت رأسها بتوتر وخوف تسائلت:
_ هتـ,ـتله ؟.
هبط علي عقبيه وأمسك بطرف ذقنها مبتسماً ب شر:
_ مش أنا الي يزفر إيديه بدم واحد قذر زيه، بس قادر أخليه يتمني الموت هو ونصيبه، ومالك بتسألي وقلقانه كده، خايفه عليه للدرجدي!.
هزت رأسها بالنفي:
_ والله أبداً، أنا خايفه عليك أنت، مش عايزه تودي نفسك في داهيه بسبب واحد زيه.
نهض وهو يجذبها من عضدها ليقفا معاً وقال:
_ أنتي ملكيش دعوة بأي حاجة، خليكي في نفسك، لأن زي ماقولتلك قبل كده هاتشوفي أيام جحيم ، أكرم الحنين الي مبيستحملش عليكي الهوا ده تنسيه خالص، لأن الي معاكي دلوقت يبقي عملك الأسود وأنتي صاحية وكابوسك وأنتي نايمة.
فاض بها الكيل، يكفيها ضعف وإستسلام له أرادت التكفير عن خطأها لكنه تمادي مما أرهقها لدرجة لا تحتمل.
_
جذبت زراعها من يده وأبتعدت عدة خطوات للوراء، وأرتسمت القوة فتفوهت بتهديد:
_ كفايه بقي ذل وإهانة لحد كده، أنا سبب سكوتي لعمايلك معايا قولت يمكن ده هيشفي غليلك وهتسامحني، لكن ده هيخليك تتمادي في معاملتك ليا زي الجارية الي عماله تتهان ويداس عليها فده عمري ما هسكت عليه أبداً.
قوتها وتهديدها الصريح له أثار بداخله وحش خرج لتوه، يقترب منها في وضع هجوم قائلاً:
_ ناويه تعملي أي يا ندي هانم؟،ها؟، هاتجيبي لي أهلك عشان يعرفه قذارة بنتهم؟.
وبدلاً من هروبها من أمامه تقدمت منه وهبطت علي وجنته بصفعة أفرغت فيها كل ما بداخلها من ألم صارخة :
_ أخرس بقي.
ياليتها ما أقترفت ما فعلته للتو، صفعتها تلك سبرت أغواره ليصبح كالعاصفة التي تقـ,ـتلع كل ما يقابلها وتدمره، في خطوة واحدة كانت بين يديه يدفعها نحو التخت ليلقيها فوقه وهبط فوقها لم يري أمامه، ينهال عليها بالسباب والشتائم القذرة وضـ,ـرب بالأيدي علي كل أنحاء جسدها وكأنها إحدي المجرمين لديه في المخفر.
_ ليكي عين وبتمدي أيدك عليا يا بنت ال…….، أنا هوريكي الذل والإهانة علي حق يا و…….. يا بنت ال………، ورحمة أبويا لأخليكي متحصليش حتي جارية ولا……. من الي هعمله فيكي دلوقت.
تصرخ وتقاومه بكل قوتها الضعيفه لتزيحه من فوقها، لكن كيف لغزال صغير قدرة علي مقاومة ليث شرس منقضاً عليه بكل قوته.
_ بكرهك يا أكرم، بكرهك.
_
كلمات تصرخ بها لعله يستيقظ من حالتة الثائره تلك، لكنها أتت بنتيجة عكسيه، فكانت تثير غضبه وعنفه أكثر، فعندما نجحت بالإفلات من أسفله جذبها من ثوبها القطني وقام بتمزيقه حتي أصبحت بثيابها الداخلية فقط وآثار كفيه علي كل أنش في جسدها، فلم يكتفِ بذلك بل أراد سحق روحها فقال من بين أسنانه:
_أنا هخليكي تكرهيني علي حق وأنتي بتتعاملي زي الجارية الو…….
شرع في ممارسة عنفه و إعادة الليلة السابقة عليها بأكثر ضراوة و وحشية وكأنها عاهرة أسفله وليست زوجته.
تصرخ ببكاء وبضعف، تشعر بمرارة في حلقها كالعلقم وهو يمارس قسوته غير مبالي لشحوب وجهها والبرودة التي أجتاحت جميع خلاياها، بدأ جسدها يرتجف بين يديه، يتصبب العرق فوق جبهتها، تغلق عينيها بل تعتصرهما من شدة الألم، فقالت بصوت خافت وهي تشعر بأن روحها ستغادرها لو أستمر دقيقة أخري:
_ ط..ل..ق..ن..ي.
أغلقت جفونها غائبة عن الوعي، وعند إدراكه ما حدث أنتفض من فوقها، أتسعت عينيه بفزع عندما رأي دماءها التي بدأت بالإنسدال من أسفلها، فهنا أفاق من غضبه الذي كان يعميه صارخاً بإسمها يحاول إيقاظها بالتربيت علي وجنتيها، لكن لا محالة، فلم تستيقظ بل والنزيف قد أزداد أكثر.
فما عليه سوي أرتدي ثيابه بأقصي سرعة لديه، و تناول إسدال الصلاه خاصتها وحاول أن يلبسها إياه، فحملها علي زراعيه وغادر بها علي أقرب مشفي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تقف جليلة لدي بائع الخضار، تعبئ حبات البطاطس في كيس بلاستيكي ثم مدت يدها به للبائع قائلة:
_ خد يا عم نچاح أوزنلي أربعه كيلو بطاطس.
_
فقال لها البائع وهو يضع الكيس فوق الميزان:
_ ماتخليهم خمسة بالعشرة چنيه يا أم زكريا.
_ ماشي زي بعضه.
ألتفتت سيدة بجوارها إليها بعد سماع صوتها، فقالت بسرور:
_ أم زكريا!، عاش من شافك يا وليه مالك مختفيه بجي لك فترة، محدش شافك عاد.
_ معلش يا أم فاروق الدنيا تلاهي.
أقتربت منها السيدة مرة أخري وقالت بمكر وفضول:
_ ألا جوليلي ياختي، هي مين الي كانت ويا الشيخ واصف ومعاود بيها علي داركو، أصل كنا سهرانين ليلتها أني والحاچ قدام الدار، حتي مرماش علينا السلام زي كل مرة.
زفرت جليلة بتأفف من فضول تلك المرأه فأجابت لتتجنب إلحاحها:
_ دي بت غلبانة إسمها قمر ملهاش مطرح يتاويها فچابها علينا.
_
عقدت ما بين حاجبيها قائلة:
_ قمر! ، لتكون بت خايت عبدالحق الله يرحمه، أصل مارته الحربايه الي إسمها نفيسه طردتها قدامنا في العزا كلتنا، والبت يا حبة عيني مجدرتش تفتح خشمها وهملت الدار.
تستمع جليلة إليها بإهتمام فكانت لاتعلم من تكون سوي إنها فتاة لجأت إلي زوجها فقط، فسألت السيدة:
_ متوكده يا أم فاروق إنها بت خايت عبد الحق؟.
أجابت السيدة بثقة و زهو:
_ أيوه متوكده، ده أني عمري ما أنسي شكلها عاد، أصلها منتقبة ويوم العزا كانت رافعة النقاب، والبت تبارك الخالق وشها كيف إسمها، قمر منور، أني لولا الولاه فاروق قاري فاتحة بت عمه لكنت خدتها ليه، أدب وچمال وليها ورث أمها في الدار الي عايشه فيها مرات خالها وبيجولو، عنديها فلوس في البنك هتستلمها تو ماتم السن القانوني، ما تاخديها لزكريا ولدك أوللشيخ بكر.
رمقتها جليلة بإمتعاض وبدون أن تجيب عليها، تناولت ما قامت بشراءه وتركتها، عادت إلي منزلها لتلحق بزوجها قبل أن يذهب إلي المسجد.
عقبت أم فاروق بعد ذهابها:
_ اللاه، مالها الوليه ما بتردش عليا وخدت في وشها وهملتني، أني جولتلها أي يزعلها إكده؟، وأني مالي تزعل ولا تتفلج.
وبعد معرفة أم فاروق بهوية الضيفة لدي الشيخ واصف أخذت تخبر كل من تقابلها من النسوة حتي وصل الخبر إلي نفيسة من إحدي جارتها التي قامت بلومها علي ما فعلته بإبنة شقيقة زوجها اليتيمة، فيجب أن تتقي الله في معاملتها ولا تنسي أن لديها بنات مثلها.
_
عادت نفيسة إلي المنزل و ينبعث من أذنيها الدخان أثر النيران المندلعة بداخلها، ركضت علي شقيقها النائم علي الأريكة في غرفة قمر، أخذت تلكزه بقوة:
_ جوم يا عامر، لساتك نايم من الصبح، جوم شوف المصيبة الي هاتحط فوج روسنا وأنت نايم لي في العسل.
أستيقظ بفزع، وتلفت من حوله بخوف وبدون وعي ظل يردد:
_ مين، فين، أني معملتش حاچة دي خايتي نفيسة.
لوت شفتيها بتهكم وقالت:
_ جوم يا خايب الرجا، أني خايتك.
عاد إلي وعيه وقال:
_ نفيسة!، في أي عماله تبرطمي ومافهمش منك حاچة واصل.
جلست أمامه وهي تضـ,ـرب علي فخذيها بعويل: _ شوفت الي كنت خايفه منيه حوصل، البت قمر الي تتشك في جلبها، أتاريها لچأت للشيخ واصف وهو خادها حداه في بيته، و زمانها جالتله علي كل حاچة وفضحيتنا بجت بچلاچل.
سألها بأعين متسعة من الصدمة:
_
_ أنتي متوكده يا خايتي؟ .
أجابت وهي تنهض:
_ ده البلد كليتها ملهمش غير سيرتين زينب بت خميس القناوي والمحروقة قمر.
حك عامر ذقنه يفكر:
_ طب والعمل دلوق؟ .
_ تجوم وتغير خلچاتك وتيچي معاي نروح نچيبها من عنديهم.
_ أنتي أتچننتي يا نفيسه!، وأفرضي خابرت الشيخ واصف بالي كنا عنسويه فيها، هيبجي موجفنا أي قدامه يا واكله ناسك!.
_ تعال معاي أنت بس وأني هجولك تسوي أي.
أستمع الصغير إلي حديثهم فأطلق ساقيه للريح، ذهب إلي المسجد باحثاً عن بكر فلم يجده، وأخبره إحدهم إنه في المتجر الصغير خاصته، فذهب إليه مسرعاً، وفي طريقه أخذ يناديه:
_ يا شيخ بكر، ياشيخ بكر.
_
كان بكر يقف مع إحد زبائنه يضع له ما أشتراه منه في حقيبة والآخر يعطيه المال، أنتبه لصياح الصغير ومناداته له، شعر بإنقباضة في قلبه، وعند وقوف عمر أمامه يلتقط أنفاسه.
_ مالك يا عمر بتچري ليه إكده؟.
أجاب عليه وهو يمسك بيده:
_ أجفل الكشك و عاود علي داركو بسرعة قبل ما أمي وخالي يوصلو هناك.
عقد مابين حاجبيه وسأله مصتنعاً عدم الفهم :
_ و أيه الي هايچيبهم عندينا؟.
أجاب الصغير:
_ تعال معاي وأني هجولك علي كل حاچة في الطريج، المهم تلحج قمر قبل ما ياخدوها من عندكو.
ـــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وفي داخل منزل الشيخ واصف، وصلت جليلة للتو تركت ما بيدها في المطبخ وذهبت تبحث عن زوجها، فوجدته في غرفة نومهما يتلو بعض الآيات، وقفت أمامه و ملامحها تنذره بشئ ما.
_
_ صدق الله العظيم.
رفع وجهه إليها وسألها:
_ خير يا چليلة؟.
جلست بجواره و ردت بتهكم:
_ خير!، ومنين عيچي لنا الخير طول ما عتسوي الي في دماغك من غير ماتاخد رأيي عاد.
تنهد واصف وأخذ يستغفر ربه في نفسه ثم قال لها:
_ وحدي الله يا أم زكريا، و جولي علي طول الي ريداه من غير لف ولا دوران.
لوحت بيديها وتشدقت :
_ لا إله إلاالله يا سيدنا الشيخ، يبجي يا راچل البت يطلع ليها أهل وبيت وفلوس وراح تچيبها لي تعيش ويانا، جال أي ملهاش متوي وخايف عليها من كلاب السكك.
كظم غضبه من أسلوب زوجته الساخر فهو يعلمها جيداً، فقال بهدوء:
_
_ فهميني بس عرفتي أي عنها والي جال لك فهمك أي بالظبط؟.
_ عرفت وخلاص، المهم تاخدها وترچعها لمرات خالها هي أولي بيها، إحنا ما ناجصين مصايب عاد.
أعتدل واصف وحدجها بتجهم وبحزم قال:
_ أني خابر كل حاچة عنيها، والبت ما هتخرچ بره داري واصل كيف ما وعدتها، و جفلي عاد علي الموضوع أحسن لك، بدل ما تلاجيني جلبت عليكي وأنتي خابراني زين.
نهضت و ردت بنزق:
_ بجي إكده يا حچ!، حتة عيلة ملناش صالح بيها تخليك تزعج فيا بالمنظر دي!.
كاد يجيب عليها بوجه ممتعض فأوقفته طرقات فاطمة علي الباب:
_ يابا، يابا، في ناس واجفين بره بيجوله عايزين يجابلوك.
جاء لها رد والدها من الداخل:
_ ضيفيهم يا فاطمه لحد ما أچي لهم.
_
عقبت جليلة قائلة:
_ ياتري مين الي چم دول، يا خوفي ليكونو تبع البت السهتانه دي.
رمقها بإمتعاض وقال قبل أن يذهب:
_ ربنا يهديكي يا چليلة.
خرج إليهما، فوجد نفيسه تقف تبكي وشقيقها يربت عليها ويقول:
_ أستهدي بالله يا خايتي، وكفاياكي عويل.
أجابت بتصنع متقن وهي تبكي:
_ أهدي كيف وأني معرفاش حاچة عنيها، أني جلبي هيجف من خوفي عليها، ياتري أنتي فين ياقمر.
وقف أمامهم واصف وألقي عليهم السلام:
_ السلام عليكم، خير يا چماعة؟.
_
لكزت نفيسة شقيقها ليجيب بتمثيل بارع:
_ أني عامر ودي أختي نفيسة مارت عبدالحق الله يرحمه.
ردد واصف:
_ الله يرحمه.
_ إحنا چايين لك لأچل بت خايته الي ملهاش غيرنا بعد خالها، وخايتي عتموت عليها من وجت ما هملت البيت، خايفه ليكون چرالها حاچة، دي بتعبرها كيف بناتها وأكتر ده غير إنها أمانه حداها لحد ماتسلمها لعريسها.
أندفع باب المنزل و ولج منه بكر بعد ان طلب من عمر إنتظاره في المسجد، وقف ليعقب علي حديث هذا الديوث:
_ عريسها الراچل الي قد چدها وعايزين تبيعوها ليه وتجبضو التمن!.
حدجه والده بنظره تحذيريه ليصمت وقال:
_ شوف يا أستاذ عامر أني خابر بكل حاچة وبالي كنت عتسويه في البُنيه، ولولا إنك چوه داري كنت خليت أهل البلد يعرفو قد أي إنك راچل ناجص وجليل الرباية وخالها لو كان عايش كان شرب من دمك.
تفوهت نفيسة بتصنع:
_
_ وأنت صدجتها يا شيخ واصف!، كيف تصدج عيلة وتكدب أخوي وتتهمه بالباطل؟.
لم يتمالك بكر نفسه فلقد فاض به بعدما علم أدق التفاصيل من الصغير:
_ كفاياكي تمثيل يا أم عمر، لولا إنك حرمه كان ليا حديت تاني وياكي، ما عرفش كيف بيچيلك نوم وأنتي عتظلمي فيها، ده يا ويل الي يچي علي الولايا مابالك دي يتيمة، أحسن لك تاخدي أخوكي وتمشو من أهنه بكرامتكو.
تدخل عامر بحدة مصتنع:
_ عاچبك الي بيجولو ولدك يا شيخنا؟.
قال واصف:
_ إبني بيتحدت لدلوق بإحترام فياريت تسوه كيف ما جالكو أكرم لكو.
أظهرت نفيسة وجهها الآخر الحقيقي فصاحت:
_ وأني ما مشياش من أهنه غير وبت خايت چوزي معاي، ياقمر بت ياقمر.
قالتها وذهبت تبحث في الغرف، أوقفتها فاطمه التي تتابع في صمت قبل أن تفتح باب غرفتها:
_
_ چري أي يا وليه، ما تخلي عندك سائل الحياة أنت والنطع الي چيباه وياكي، ولو مغورتوش من أهنه هتدلي علي القسم وهاخبرهم عن الي كان عيسويه أخوكي في قمر والبطحة الي علي دماغه تشهد.
جفت الدماء في عروق عامر وأنبلج علي ملامحه الخوف:
_ يلا بينا يا أم عمر وكفايانا لحد إكده.
قالت بإصرار:
_ رايد مني أمشي كيف وهنجول لخطيبها أي.
رمقتها فاطمة بإزدراء قائلة:
_ شوف الوليه لساتها عتكدب.
أبتلع بكر لعابه وعزم علي قراره الذي أتخذه منذ قليل:
_ أبجي جولي له يدور علي عروسه تانيه لأن قمر متنفعلوش.
سألته بسخريه تتوسط خصرها بيديها:
_
_ وأي الي خلاها متنفعلوش يا شيخ بكر؟.
نظر إلي والده الذي فهم ما سيتفوه به الآن فأومأ له بالموافقة، فقال:
_ لأني خطيبها وبالليل هاعقد عليها يعني هتبجي مارتي.
أتسعت عينيها وغرت فاهها، فقال عامر:
_ كيف وميتي حوصل دي.
أنفتح باب الغرفة وخرجت مرتدية غطاء وجهها قائلة والحياء ينبلج في صوتها:
_ أيوه الي بيجول له الشيخ بكر صوح، هو، هو يبجي خطيبي.
وأختلست نظره نحوه لتجد الإبتسامة والفرحة تعلو وجهه، بينما فاطمة غمزت لها في صمت.
قال واصف:
_ أديكو سمعتو صاحبة الشأن، في حاچة تاني رايدين تجولوها؟.
_
_ يلا بينا يا أخوي.
قالتها نفيسة وهي ترمق قمر بنظرة نارية وحقد دفين، وذهبت هي وشقيقها يجرجران أذيال خيبتهم.
وقبل أن تخطو قدميها إلي الخارج أوقفها بكر قائلاً:
_ ويكون في علمك قمر ليها حق في الدار ما عتهملهوشي واصل، وليها راچل بعد إكده تتحدتو وياه.
وكان يشير نحوه يحدجها بتحدي ، فصاحت نفيسة بحدة:
_ يلا من أهنه يا عامر، بدل ما أصور جتيل.
وبعد مغادرتهما خرجت جليلة بعدما أستمعت لكل ما حدث:
_ أي الي بيحوصل ده يا بكر، وأي الي جولته للوليه دي؟.
أجاب بحزم:
_ كيف ما سمعتي يا أمي، أني هاتچوز قمر علي سنة الله ورسوله.
_
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــ
_ يجلس في الرواق منكس الرأس، يشعر بخزي وكراهية شديدة لذاته كيف تسول له نفسه ما فعله بها، كيف ترك العنان لغضبه اللعين حتي أحرق روحها إلي هذه الدرجة! .
ظل يلقي وابل من اللعنات علي نفسه ونعته بأقذر الصفات لاسيما بعدما أخبره منذ قليل الطبيب بفعلته الشنعاء قائلاً له:
_ أنا عندي ليك خبرين واحد خير والتاني يعني، الحمدلله لحقنا المدام وبقت بخير وعلقنا لها محاليل، بس الخبر الي مش حلو إننا مقدرناش ننقذ الجنين للأسف حصلها إجهاض.
تعامل بقوة قبضته في الحائط بقوة وبداخله يتمزق، أردف الطبيب حديثه وهو يحدجه بتوتر مما سيخبره إياه:
_ كنت عايز أبلغ حضرتك إن الي حصل للمدام ده نتيجة إعتداء جسدي عنيف وغير النزيف والتهتك الي حصلها ده غير الإجهاض، جسمها مليان كدمات و زي ما حضرتك عارف ده لازم يتكتب في تقرير ويتعمل محضر بيه.
لم يجيب عليه بكلمة بل تركه وسار يتخبط يميناً ويساراً لم يري أمامه، حتي قابل مقاعد للجلوس وهبط بجسده علي إحداها، فقام بمهاتفة والدها ليخبره بوجودها بالمشفي وفي غضون نصف ساعة قد أتي والدها مهرولاً وتتبعه زوجته وعلي وجوههما الخوف، تسائل والدها:
_ بنتي مالها يا أكرم أي الي حصلها؟.
رفع رأسه و وجهه محتقن بالدماء آثر بكاءه:
_ ندي بخير يا عمي، هي تعبت شويه ولاقيتها بتنزف جبتها جري علي هنا والحمدلله لحقو النزيف وبقت كويسه.
_
شهقت والدتها ولطمت علي صدرها:
_ نزيف!، هي فين؟.
_ مش بيدخلو حد غير لما تفوء.
رمقته حماته بشك فقلبها يخبرها إنه سبب ما حدث لإبنتها فقالت بنبرة حادة:
_ أنت عملت في بنتي أي يا أكرم؟.
وبخها زوجها قائلاً:
_ هو ده وقته يا أم ندي، مش شايفه الراجل شكله عامل إزاي، هيكون عملها أي ده بيحبها وبيخاف عليها من الهوا.
زادت كلمات حماه نيرانه التي تأكله من الداخل، ود لو صرخ بهما وأعترف بذنبه، أراد أن يخبر والدها بإن من أحب أبنتك هو من آذاها وكان سيودي بحياتها، لكن كيف هذا، وبأي حديث سيتفوه.
جاءت إليهم الممرضة:
_ أكرم بيه، مدام ندي فاءت ممكن تدخل تطمن عليها.
_
سبقه والديها إليها ولم يتجرأ علي الذهاب لرؤيتها برفقتهم، يشعر بالعار من حاله.
دلفت والدتها بللهفة:
_ حبيبتي يابنتي أنتي كويسه؟.
وأخذت تفحصها لتنصدم بما تراه آثار قوة علي وجهها، فسألتها بقلق:
_ هو الي عمل فيكي كده؟.
أومأت لها بالنفي تخشي من ما ستفعله والدتها لو علمت بما حدث، تفوهت بوهن:
_ أنا كنت نازله أشتري طلبات وقعت علي السلم.
صاحت والدتها:
_ سلم أي يابنتي الي يخرشم وشك بالمنظر ده!،قوليلي يا ندا أنا أمك من أمتي وأنتي بتخبي عليا!.
قال والدها:
_
_ يا وليه سيبي البت ترتاح حرام عليكي.
زجرته زوجته ليصمت قائلة:
_ أسكت أنت متعرفش حاجة، مرة تقولي يا ماما إنهم مسافرين الساحل أسبوع وفجاءة ترجع تاني يوم ويسيبها هي وبنته وميسألش، ده غير حكاية قعدها من شغلها، ويوم ما نزلت تقولي رايحه تقابل صاحبتها ألاقي جوزها يقولي إنها معاه وهيسيب البنت عندنا كام يوم، ومن وقتها موبايلها مقفول ولو أتصلت عليه ميردش وأخرتها ألاقي بنتي مرمية في المستشفي بالمنظر ده، أي يا حج قول لأي عيل صغير كل ده هيقولك إن فيه مصيبة ولا مصايب مابينهم وأدي النتيجة.
أشارت نحو إبنتها، فأشاحت ندي وجهها جانباً وقالت قبل أن تري دموعها التي تجمعت في عينيها للتو:
_ معلش يا ماما ممكن تسيبوني لوحدي، أنا تعبانه ومش قادرة أتكلم.
وفي نفس التوقيت دلف الطبيب قائلاً:
_ حمدالله علي السلامة يا مدام ندي، حاسة بأي دلوقتي؟.
أومأت له:
_ الحمدلله يا دكتور.
أدرك إنها لا تريد أن تتحدث أمام والديها، فقال لأبيها:
_
_ معلش يا فندم أستأذنكو تسيبوها تستريح شويه.
فقال والد ندي:
_ يالا يا حاجة.
فقالت الأخري:
_ إحنا قاعدين بره يا حبيبتي لو محتاجة حاجة نادي عليا.
تنهد الطبيب وقال:
_ أطمني يا حاجة، كلها ساعات وتروح وأدينا معاها كل شويه بنطمن عليها.
وقبل أن تغادر أستدارت إلي الطبيب لتسأله:
_ هي حصلها أي يا دكتور؟.
رمقت ندي الطبيب بتحذير فقال بحيادية:
_
_ كان عندها نزيف والحمدلله وقفناه و زي ما أنتي شايفاها بقت كويسه.
حدجته بنظرة غير مقتنعة فقلبها يخبرها بأن الأمر أكبر من ذلك.
وبعد مغادرة والديها، جذب الطبيب وجلس بجوار التخت وقال:
_ أنا متفهم ومقدر موقفك، بس أنا جيت عشان واجبي لازم أقولك إن الحالة الي جيتي فيها كانت خطر علي حياتك والحمدلله قدرنا ننقذك بس مقدرناش ننقذ الجنين.
أتسعت عينيها وسألت بصدمة:
_ جنين؟.
_ حضرتك كنتي حامل وبسبب الإعتداء العنيف الي حصل لحضرتك محصلش نصيب، ده غير الكدمات الي لقيناها في كل حته في جسمك وإحنا بنعملك فحص، وأنا من حكم خبرتي الي فهمته شكل الفاعل زوج حضرتك، فلو حبيتي نكتب تقرير بكل ده ونقدم بيه بلاغ أنا تحت أمرك.
باغتها بطلب لم تتوقعه، فبرغم ماتشعر به من صدمات متتالية الأولي أكرم ومافعله بها والأخري إنها كانت تحمل جنيناً في أحشائها ولم تكن تعلم بسبب إنشغالها الأيام المنصرمة في المصائب التي وقعت عليها، وآخر دهشة قوية تلقتها للتو هي أن تشكو زوجها ولدي من الشرطة!، فسوف تكون فضيحة لزوجها تتكاثر الأقوال عليها، وغير ذلك ماذا ستخبر والديها عندما يسألونها عن سبب فعلة زوجها هذه!.
أنسدلت من عينها عبرة،وبداخلها يخبرها بأن كل ما يحدث معها ليس سوي عقاب فعليها أن تتقبله بصدر رحب، وقررت أن تبتعد عنه ولو هذه الفترة عليها أن تفكر فيما سيأتي، لو أستمرت حياتها هكذا معه ستكون نهايتها لا محاله.
أنتبهت لصوت الطبيب الذي أنتشلها من بؤرة أفكارها:
_
_ قولتي أي يا مدام ندي؟.
تنهدت ومسحت عينها فأجابت:
_ لاء يا دكتور، مفيش داعي لبلاغات دي أمور عائلية وهنحلها مع بعض.
أخبرها الطبيب مرة أخري ظناً منه إنها تخشي سلطة زوجها، فقال:
_ حضرتك لو خايفة يستغل سلطته ونفوذه و…….
قاطعته بضيق قائلة:
_ أطمن يا دكتور، جوزي مش من النوع ده، كل الحكاية إن مش عايزة شوشرة ولا فضايح، فياريت تقفل علي الموضوع ده.
هز رأسه بتفهم وقال:
_ الي تشوفيه حضرتك.
ذهب الطبيب وأخبره علي إنفراد بأنها رفضت بتقديم التقرير إلي الشرطة مما زاده ألماً وشعور بالذنب يأكله من الداخل، فهل بعد كل ما فعله بها تخاف عليه!.
_
وبعد مرور عدة ساعات وإعطاء الطبيب إذن بخروجها من المشفي، قامت والدتها بمساعدتها بالنهوض ومساندتها وكذلك والدها، فكان أكرم واقفاً ليطمأن عليها بدون أن يتجرأ ويذهب إليها، يقف كالطفل المذنب ينظر لها بندم شديد، وحين تلاقت عينيها برماديتيه رمقته بنظرة عتاب كانت كقذيفة من اللهب أحرقته.
غادرت المشفي بعدما أخبرته والدتها أنها ستأخذها لديهم لرعايتها، دلفت إلي سيارة أبيها وما زال ينظر إليها بأسف، تتوسلها عينيه بأن تسامحه لكنها بادلته بأخري مليئة بالإنكسار وعدم الثقة والأمان له.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــ
_ تطلي شفتيها بالأحمر الناري ثم أبتسمت لإنعكاس صورتها في المرآه:
_ الله عليكي يابت يا مورو، مزه من يومك، وربنا لأجننك يا علي وأخليك تنسي البومة الي إسمها ندي وتشيلها من دماغك خالص.
ولجت والدتها ترمقها بدهشة وتعجب:
_ بت يا مروة واقفة أدام المراية وعمالة تكلمي نفسك زي المجانين؟.
أستدارت إليها بتوتر وقالت:
_ لاء مفيش، كنت بحط ميك أب عشان خارجة.
_ و ده أي المشوار المفاجئ ده ياقلب أمك؟.
_
جلست علي طرف التخت ترتدي الحذاء الجديد التي أشترته في الصباح:
_ ده، ده فرح واحد صاحبتنا معانا في الشركة، نسيت أقولك عليه.
تنهدت والدتها وقالت:
_ قعدي أتنطط لي في كل حته وأحضري أفراح أصحابك، وأنتي عماله كل ماحد يتقدملك ترفضيه بحجج ملهاش أي لازمة.
زفرت بتأفف:
_ يوه بقي، مش هنخلص من الموال بتاع كل يوم ده، وبعدين هاتيلي واحد عليه القيمه من الي أتقدمه لي، إن كان إبن عمي الي لابس نضاره كعب كوباية وعنده لدغه في السين، ولا عماد فيشة إبن عم مجدي الكهربائي الي يوم ماجه يصلحلنا السخان عمل قفله في الشقه كلها، ولا إسلام إبن أمه الي مبيدخلش الغرفة المخصصة غير ما يستأذنها، تحبي أكر لك بقيت اللسته السوده؟.
تنهدت والدتها بسأم وذهبت لتجلس بجوارها، فقالت:
_ يابنتي يا حبيبتي أنا عمري ما هرميكي لأي حد، بس مش عايزاكي تقفلي بابك من غير ماتدي للي أدامك فرصه تعرفيه ويعرفك، يعني العريس الي جايبه ليكي جوز خالتك قالي إنه مهندس وراجل محترم مبيسبش فرض وماسك منصب كويس في الشركة ، عنده 32 سنة وأهله متوفين ملهوش غير أخت واحدة ومتجوزة وعايشة مع جوزها بره.
_ طالما فيه كل المميزات دي مخدهوش لبنته نرمين ليه إلا إذا عارف حاجة وحب يلزق ليا، ما أنا عارفه أختك وجوزها بيحبولنا الخير زي عينيهم.
قالتها بتهكم فأجابت والدتها:
_
_ عشان نرمين فيه واحد متكلم عليها يبقي زميلها في الجامعة وجوز خالتك أداله كلمة لما عرف إنهم بيحبو بعض والواد هيموت عليها ده غير إنه مقتدر.
نظرت إلي الفراغ تتمتم بصوت غير مسموع:
_ نرمين تتجوز الي بتحبه، وندي شرحه، وأنا الي بنت البطة السوده الي مكتوب عليا أحب واحد بيجري ورا واحده بتديلو بالجذمة و عاملة من كرامته خيشه بتمسح بيها الأرض وهو ولا علي باله، فاكرني مصدقه حكاية إنتقامه منها ويخرب لها حياتها.
لكزتها والدتها في كتفها:
_ أنتي يابت مش بكلمك سرحتي في أي؟ .
نهضت لترتدي حجابها القصير والذي يشبه القلنصوه لكنه مزخرف وله شكل فني:
_ كنت بفكر في حاجة مهمة، ياتري ألبس أنهي شنطة الكاشمير ولا الهاڤان.
لم تتحمل والدتها عدم مبالاتها في الحديث معها، فقامت وضربتها علي كتفها بحنق:
_ تصدقي بالله إنك بت معندكيش سائل الحياة شوف أنا بكلمك بقولك أي وأنتي تقوليلي الشنطة، ماشي يا مروة، وجزاء ليكي هخلي أبوكي يكلم جوز خالتك يحدد مع العريس ميعاد ويجي يزورنا وهتقعدي معاه تشوفيه ويشوفك ورجلك فوق رقبتك، بنات آخر زمن.
ألقت والدتها قرارها الحازم وتركتها، فأطلقت الأخري زفرة بضيق تهز في ساقها بقوة عليها أن تواجه علي وتطلب منه المجيئ لطلب يدها فكفاها توبيخاً من أبويها في كل مرة ترفض فيها عريساً.
_
أمسكت بهاتفها لترسل له رسالة عبر تطبيق الدردشة الشهير
(أنا جهزت يلا مستنياك أول ماتقرب كلمني ).
ــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،، ــــــــــــــــــــــــــــــ
_ كيف ده يابتي، مهما إن كان أنتي عروسة ومن حقك نعملك فرح، هو مش دلوق لأچل ظروف وفاة خالك الله يرحمه، إحنا هنكتفي بكتب الكتاب.
قالها الشيخ واصف، فقالت قمر:
_ الله يخليك يا عمي عارفة وخابره أنه من حقكو تفرحو بولدكو بكر وإنها أول فرحة، لكن أني معوزاش حاچة كفاية واجفتكو معاي وچميلكو الي فوج راسي.
تدخل بكر الذي دلف للتو من باب الغرفة:
_ چميل أي الي بتتحدتي عنه دي، چوازي منك ده مش چدعنه ولا موجف شهامة، أني جبل ما خالك يتوفي وفي نيتي أچي أتجدملك، والي مأخرني كنت محتاچ شوية وجت أسوي أموري، ولما القدر چابك لحد عندي جولت هو ده الوجت المناسب.
تهربت بعينيها بخجل وحمدت ربها بإنها ترتدي غطاء وجهها حتي لايري حُمرة وجنتيها الشديدة.
ولجت فاطمة إليهم وقالت:
_
_ أبا، الشيخ صفوت المأذون چه بره ومعاه عم طِلب وعم چمال.
خفق قلب قمر وكذلك بكر، رمقها رغماً عنه بفرحة لم يستطع إخفاؤها، فها هو قريب من اللحظة التي تمناها.
قال الشيخ واصف لإبنته:
_ خدي قمر يا فاطمة و أعطيها الحاچة الي بكر چابهلها.
ذهبت قمر مع فاطمة وعند دخولهم إلي غرفة الأخري:
_ تعالي يا عروسة وشوفي عريسك چايب لك أي.
رفعت قمر غطاء وجهها لتري فاطمة وهي تخرج من الحقيبة ثوب في منتهي الروعة والجمال من الدانتيل الأبيض وأسفله بطانة من الحرير، يزينه لؤلؤ ويتوسط خصره حزام رفيع من الفصوص الفضية التي تشبه الألماس، ومع الثوب نقاب من الحرير الأبيض ذو لمعة طفيفة وقفازات يد بيضاء يتوسطها من ظهر اليد زهرة صغيرة مطرزة باللون الأبيض أيضاً.
_ أخوي بعد ما چماعتك غارو من أهنه، راح أتدلي علي المركز وچابهم لك وچه.
فيروزتيها تتابع بفرحة وسعادة مهما تحدثت عنها لم تكفيها آلاف الكلمات، فأخيراً أبتسمت لها الحياة وفتحت لها زراعيها لتعانقها وتربت عليها بحنان، رزقها الله بخير الرجال كما كانت تدعو دائماً في صلواتها بأن الله يرزقها بالزوج الصالح الذي يؤخذ بيديها إلي جنات الفردوس.
وبكر هو جنتها علي الأرض، ظفرت به بعد معاناة وقساوة فما أسعد قلبها في تلك اللحظة.
_
أرتدت الثوب وملحقاته و وقفت كالملاك الأبيض، ترمقها فاطمة بإنبهار:
_ يا ماشاء الله عليكي، إكده أخوي عيخليها كتب كتاب ودخله.
نظرت قمر لأسفل بخجل فقهقهت فاطمة:
_ يلا بجي أطلعلهم، شوي وهنلاجي أبوي عينادم علينا.
_ يا فاطمة.
_ شوفتي أهه، كنت لساتني بجولك.
خرجت لتجد بكر يقف ينتظرها علي أحر من الجمر، وعندما رآها كان في حالة لايرثي لها، قلبه يود القفز من بين ضلوعه، أخذ يردد:
_ تبارك الله فيما خلق.
وظل يردد بعض الأدعية والأذكار.
بدأت مراسم عقد القران وكان الشيخ واصف وكيلها فليس لديها أقارب رجال، فوالدها كان وحيداً.
_
تمت المراسم في أجواء من الفرح والسرور، عانقت فاطمة شقيقها وألقت مباركتها له، و عانقت قمر أيضاً:
_ ألف مبروك يا مرات أخوي.
_ الله يبارك فيكي يا فاطمة، وعجبالك مع الإنسان الي يستاهلك ويحافظ عليكي.
أومأت لها فاطمة بشبه إبتسامة، فربت بكر علي شقيقته وقال بعدما أدرك نظرة الحزن التي تخبأها:
_ ماهو لازماً هيحط البطة في عينيه.
لكزته بمزاح في كتفه:
_ مبحبش الإسم دي، إياك تجولو تاني.
قهقه ثلاثتهم، تحت نظرات جليلة التي ألتزمت موقف المتفرج من بعيد فهي غير راضية عن هذه الزيجة، حيث عللت لزوجها عندما علمت بقرار ولدها بأنها تريده أن يتزوج من فتاة ذات حسب ونسب تتباهي بها أمام أهل البلدة، فكان رد زوجها إن قمر هي الفتاة المناسبة التي طالما تمناها لولده فهي ذات خلق ودين، يكفيه تلك الصفات الحميدة.
وبعد مغادرة المأذون والرجال دلفت فاطمة و والديها إلي إحدي الغرف ليتركو العروسين علي راحتهم حتي يتحدثا بأريحية.
أشار بكر لها بالجلوس:
_
_ واجفة حداكي ليه يا عروسة تعالي أجعدي.
سارت بإستحياء وجلست علي الأريكة الخشبية، أقترب منها وجلس بجوارها، يخفي توتره وخجله أيضاً، لكن عليه أن يستجمع شجاعته، تزحزح مقترباً منها قائلاً:
_ ممكن أرفعلك النقاب؟.
أومأت له تنظر بخجل لأسفل:
_ الي تشوفه يا سي بكر.
زادت نبرتها الرقيقة توتره، مد يديه وقلبه يخفق بقوة، رفع نقابها بتأني حتي أنكشف وجهها الذي لم يفرق عن البدر المنير.
_ بسم الله ماشاء الله، ربنا يبارك لي فيكي يا قمري.
تخضنت وجنتيها أكثر بالدماء من شدة الخجل:
_ تسلملي ياسي بكر.
أخرج من جيب بنطاله علبة صغيرة وقام بفتحها، تحتوي علي خاتمين، خاتم من الذهب وآخر من الفضة، أمسك بالخاتم الذهبي ومد كفه لها:
_
_ أعطيني يدك.
بتردد وخجل بدأت بخلع قفاز يدها اليمني، فقال:
_ لع يدك الشمال، أنتي بجيتي مارتي اليمين ده للمخطوبين.
رفعت وجهها إليه وإبتسمت فيروزتيها فأذابت قلبه و سلبت عقله، أعطته يدها اليسري، فأمسكها بحنان وحذر كأنه يمسك ألماسه يخشي أن يخدشها، وضع الخاتم في بنصرها، ورفع كفها نحو شفتيه وقبله، أنتفضت من ملامسة شفتيه ليدها، سحبتها وكادت تبكي من فرط الخجل.
ضحك وقال:
_ ألف مبروك يا عروسة.
ردت عليه بهمس يكاد يسمعه:
_ الله يبارك فيك يا سي بكر.
_ معلش بجي، دي حاچة بسيطة، أنتي تستاهلي ألماس وياقوت وأكتر من إكده، بس أختارت الدبلة دي حاچة مؤقته وليلة زفافنا هچبلك شبكتك كاملة.
صمتت ولم تعرف بماذا تتفوه، فأردف:
_
_ مش ناوية تلبسيني الدبلة ياقمري؟.
قالها وهو يمد يده بالعلبة إليها، فها هو يناديها مرة أخري بإسمها وينهيه بياء الملكية خاصته، يجعلها كالفراشة التي تحلق في بستان أجمل الأزهار علي وجه الأرض.
_ أمرك يا سي بكر.
أمسك بطرف ذقنها ونظر في فيروزتيها وقال:
_ الأمر لله وحده، أولاً أني بطلب منك مبأمركيش عاد، ثانياً جوليلي بكر من غير أي ألقاب، ده لسه قدامنا كتير عجبال مانتعودو علي بعض ولا أي؟.
_ الي تشوفو يا س….
قاطعها بإبتسامة:
_ جولت أي؟.
_ الي تشوفو يا بكر.
_ أيوه إكده الله يبارك فيكي، يلا بجي لبسيني الدبلة.
_
أخذت الخاتم و وضعته في بنصره وقبل أن تبعد يدها أمسك بها وحاصرها بين كفيه ورفعها نحو شفتيه يُقبلها مرة أخري:
_ ربنا مايحرمني منك واصل.
ـــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــ
#الفصل_الرابع_عشر
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
_ صوت موسيقي وغناء صادر من ذلك المذياع، ودخان نرجيلة يملأ المنزل، يستمتع برؤية تلك الفتاة التي برفقته ترقص وتتمايل بخصرها أمام عينيه التي تنهش كل أنش في جسدها.
كالعادة يقضي لياليه في سُكرٍ و عربدة ويختمها بإرتكاب الفاحشة مع إحداهن.
دوت طرقات الباب مع رنين الجرس، فأنتبه إليهما، توقفت الفتاة بقلق وتوتر، فقال لها:
_ أجفلي التسچيل وأدخلي چوه لما أشوف مين إبن الرخمه الي چاي دلوق.
_
نفذت ما أمرها بها علي الفور، فذهب لفتح الباب ليجدها أمامه بوجه متجهم فقالت بسخرية:
_ مساء الخير ياسي زيكو، معلش چيتلك في وجت مش مناسب.
دفعته في كتفه ودلفت إلي الداخل، أغلق الباب وامسكها بغلظة من زراعها قائلاً بحده :
_ الي چابك دلوق، مش أني محذرك وجايلك ما أشوفش خلجتك تاني ولا فاكراني بهددك والسلام.
رمقته بسخط وقالت:
_ متضايج لأچل جطعت عليك سهرتك ويا البت الي مخبيها چوه!، ياريت تمشيها عشان رايداك في حاچة ضروري.
ترك زراعها و أمسك بخصرها وبنبره خبيثة قال:
_ شكلي أتوحشتك جوي وچيتي أطفي نار شوقك ليا.
دفعته في صدره بقوة قائلة:
_ ده كان زمان يا عينيا، ورد الهبلة الي كنت بتاكل بعقلها حلاوة خلاص، أني چايه لك في أمر أنت خابره زين، فأحسنلك نجعدو لوحدينا.
_
وأشارت بعينيها نحو الغرفة التي تختبأ بها الفتاة، زفر بضيق منها لكنه يخشي ردة فعلها إذا رفض لايريد تعكير صفوه، ذهب ليخبر الفتاة بأن ترحل، وبعد أن أرتدت عباءتها وحجابها وفي طريقها للمغادرة حدجتها ورد بإزدراء وقالت بسخرية :
_ معلش يا سنيوره جطعت عليكي ليلتك مع سي روميو، أبجي تعاليلو وجت تاني.
لم ترد عليها الأخري وبادلتها نفس النظرة الدونية ورحلت.
عاد زكريا وجلس خلف النرجيلة ممسكاً بالعصا ليسحب نفساً عميقاً منها و زفره في الهواء فيخرج الدخان من فتحتي أنفه وفمه:
_ أشجيني يا هادمة الملذات.
جلست علي مقربة منه عاقدة ساعديها أمام صدرها وبثقة تطالبه:
_ من الآخر إكده، تيچي تطلب يدي من أخوي ونتچوزو وطلجني بعد شهر ولا أتنين، المهم جبل ما بطني تكبر.
أصدر صوتاً بذيئاً من أنفه وفمه، قائلاً:
_ يادي النكد والأرف الي ما هنخلصوش منيه، أني سمعت نفس البوجين دول منيكي في التلفون وجولتلك لع وبرضك چاية تيعديه عليا تاني، أنتي معدومة الدم والكرامة للدرچدي! .
رمقته شزراً وقالت:
_
_ قسماً بالله لولا الي في بطني ما كنت چيت لك ولا ذليت نفسي ليك، لكن مضطرة وخاصة أخوي كل شوي يچيب لي عريس ومبجاش ليا حجه أرفض، ولو عرف بالمصيبة الي هببتها هيدفني بالحيا وجبلها هيخلص عليك.
ترك عصا النرجيلة من يده وأخذ يقهقه، وعندما توقف عن الضحك قال:
_ خلاصة الحديت الماسخ دي، أني هعطيكي جرشين تروحي تسجطي الي في بطنك وتعملي عملية ترچعي بت بنوت وتحلي عن دماغي، وتشوفيلك أي عريس وتتچوزيه، أي رأيك؟.
رمقته بسخط وتجمعت عبراتها بداخل عينيها، سألته بنبرة وشيكة علي البكاء:
_ ولو جولتلك أني السقط دلوق خطر عليا وممكن أموت فيها ترضيها عليا يا زكريا؟.
لم يكن سؤالاً بقدر ما هو إفصاح عن مشاعرها نحوه، فأدرك من نبرتها مدي حبها له، لكنه لم يكترث لها بل وسخر منها:
_ يا ورد فوجي من أحلامك دي وأعقلي، إحنا الي كان بينتنا سرير يچمعنا ولا وعدتك بحب ولا چواز، وإن كان علي الكلمتين الي كنت بجولهم لك في ساعة شوق، دي كان لأچل أخليكي تچي لي.
ها هي تبكي من أثر كلماته التي أظهرت لها كم هي وضيعة ورخيصة في نظره، كانت له مجرد جسد لفراغ شهوته وليس كما أوهمها من قبل.
رأي عبراتها فنهض و وقف أمامها، أمسك بيديها وبكل حقارة تفوه قائلاً :
_ عتبكي ليه دلوق، أفهمي يابت بجي وبلاش تتعبي جلبي وياكي عاد، أسمعي الي بجولك عليه وأني ياستي ليكي عندي بعد ما تتچوزي لو أتوحشتك أديكي عارفة المطرح تعاليلي وأني هبسطك علي الآخر.
_
أنتفضت وأبعدت يديها من خاصته ترمقه بإشمئزاز من مدي قذارته، فألقت كلماتها الأخيرة حتي لا تشعر بذنب ما ستفعله للتو:
_ يعني دي أخر حديت عندك؟.
أستدار مولياً إليها ظهره وقال بنفاذ صبر:
_ أيوه، الحمدلله إنك فهمتي أخيراً.
مدت يدها في حقيبة يدها المرتجفة، تستل السكين التي أحضرته معاها، فقبل مجيئها عقدت العزم علي الخلاص منه ومن حياتها لو مازال متشبثاً بقرار عدم زواجه بها، أزدردت ريقها والشحوب يكسو وجهها:
_ يبجي خلاص أنت الي أخترت.
وفي لحظة إلتفاته لها ليفهم ما تقصده وجدها ترفع يدها بالسكين وتصرخ وهي توجهها نحو صدره، فأسرع بإمساك رسغها:
_ عايزة تجتليني يابت ال…..
ألقاها علي الأريكة وأخذ يهز يدها بقوة لتقع السكين من يدها، هبط علي وجهها بصفعات متتاليه ينهرها ويسبها ويللعنها.
أخذت تقاومه بكل قوتها حتي أستطاعت دفعه من فوقها تصيح بإصرار:
_
_ الي زيك ملهوش إنه يعيش ولا يتهني واصل.
ودنت لأسفل لتلتقط السكين، فحاوطها من ظهرها، تعثر كليهما و وقعا علي الأرض.
_ الله يخربيتك ياشيخة، چايبة القوة دي كليتها منين، ماتتهدي بجي.
فوضع قبضته علي نحرها ويده الأخري تمسك بزراعها حتي لاتصل إلي السكين، غير مبال إنه يضغط علي عنقها بقوة تمنعها من التنفس و علامات الإحتقان بدت علي وجهها، تحاول الصراخ وإبعاد يده لكن بدون جدوي.
تراخي جسدها عن المقاومة ليحل السكون ، ألتفت إليها بوجهه فأنتفض بفزع وأبعد قبضته عن عنقها.
نهض من فوقها و وضع أذنه ليسمع نبضات قلبها فلم يجد سوي الصمت، وضع أطراف أنامله لدي العرق النابض في عنقها فكان نفس الأمر، أخذ يربت علي وجهها يصيح بها:
_ أنتي موتي ولا أي، جومي الله يحرجك، بت يا ورد، جومي وأني هاتچوزك، جومي بالله عليكي أني ماقدرش أتلم علي چتتي.
يتفوه بخوف ورعب، جال الردهة ذهاباً وإياباً يلطم صدغيه:
_ يا مصيبتك السوده يا زكريا، أني إكده ضعت خلاص، البت ماتت.
عاد إليها مرة أخري في محاولة بائسة لعلها تكون فقدت وعيها، كاد يجن من الكارثة التي أقترفها للتو.
_
فهو يزني ويحتسي الخمر يفعل أي شئ ما عدا الـ,ـتل، جلس بجوار جسدها ينوح ويتمتم بكلمات غير مفهومة، يري كل ذكري جمعتهما معاً أمام عينيه كشريط سينمائي.
صدح رنين هاتفه فأنتفض بوجل وملامح مذعورة، نهض ليجلبه بيد مرتجفة ويري إسم المتصل، ومجرد رؤية الإسم كأنه كالغريق الذي وجد طوق النجاه، أجاب ليأتيه صوت المتصل به:
_ فينك إكده يا سي روميو، مهمل المصنع وكل حاچة فوج دماغي،لساتك ويا الغازية؟.
أجاب بصوت مرتجف يتوسله:
_ ألحجني يا رافع.
_ هببت أي علي دماغك؟.
أبتلع ريقه ليتفوه معترفاً:
_ أني جتلت ورد!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــ
_ أضواء ملونة ومتحركة في كل أتجاه وموسيقي صاخبة يتراقص عليها هؤلاء الفتيات والشباب، وصوت كؤوس خمر ترتطم ليردد أصحابها نخب إرتشافهم لمحتواها يتبعه أصوات ضحكات رقيعة.
_
وهنا لدي البار يجلس علي المقعد المرتفع يحتسي الكأس السابع له، أختطفت من يده الكأس وقالت له:
_ ما كفايه بقي شرب يا علي، إحنا جايين نسهر ولا تسكر زي كل مرة! .
قبض علي تلابيب كنزتها يرمقها بنظرة نارية:
_ عارفة لو الحركة دي أتكررت تاني هعمل فيكي أي؟.
ظلت تحدق في عينيه بتيه، مدت كفيها تحاوط وجهه وبنبرة عاشقة قالت:
_ أنا بحبك يا علي وبخاف عليك.
تشوشت صورتها في عينيه لتتبدل ملامحها إلي التي يهواها قلبه ومتيم بها، ترك كنزتها وهبط من فوق الكرسي، وعلي أنغام الموسيقي الرومانسية جذبها من يدها وذهب بها إلي ساحة الرقص، وضع يديه علي خصرها ليقربها منه و دفن وجهه في عنقها يتخيلها هي من بين يديه.
_ أنا مش عايز حاجة من الدنيا دي كلها غير الحضن ده.
خفق قلبها بشدة بعد سماع كلماته وقربه المهلك لها، همست له:
_ وأنا كمان مش عايزة غيرك أنت وبس ياعلي، من يوم ماشوفتك وإحنا في الجامعة وهاموت عليك، عرفت كل حاجة عنك بتحب أي وبتكره أي، كل يوم حبك كان بيكبر جوايا، لحد ما جه اليوم الي أتصدمت فيه وشوفتك قاعد معاها في الكافتريا وماسك إيدها وبتعترفلها بحبك، وقتها حسيت كأن سيخ حديد جبته من علي النار وغرزته في قلبي.
_
كانت في وادي وهو في آخر لم يستمع سوي صوت قلبه الذي يوهمه بإنها هي من بين يديه، وساعده علي هذا شربه الكثير من الخمر فبدأ يثمل، شد من عناقها وبدأت يديه تتجول علي ظهرها ب حرية، تململت بين يديه قائلة بتحذير:
_ علي بس، أي الي بتعملو ده فوء.
أرادات أن تبتعد لكن كلما تحركت كلما تشبث بها أكثر، فهبط بشفتيه علي عنقها يقبله بنهم ويتفوه من بين قبلاته:
_ بعشقك، بعشقك أوي يا ندي.
تسمرت عند ذكره لإسم غريمتها وتصريحه بعشقه لها، دفعته بكل قوتها:
_ ولما أنت بتحبها معلقني بيك ليه كل ده، فيها أي زيادة عني، حرام عليك ده أنا بحبك وعماله أضيع سنين من عمري جمبك وأنت ولا حاسس وكل همك ست زفت الي لعبت بيك وكانت وخداك تسلية لحد ما يرجعلها حبيبها، أديها أتجوزته وخلفت وعايشه حياتها، قولي أنت أستفدت أي غير إنك بقيت عايش علي الأطلال وبتقنع نفسك بإنتقامك الوهمي منها.
مسحت عبراتها التي أنسدلت للتو وأردفت بقوة وكبرياء :
_ أنا فعلاً غلطانة وأستاهل الي بيجرالي، عشان حبيت واحد شبه راجل زيك.
كلماتها الأخيرة كفيلة إنها جعلته يعود إلي وعيه والغضب يحتل ملامحه من إهانتها له أمام كل من بالملهي، هبط علي وجنتها بصفعة قوية، تلقتها بصدمة وخاصة بعد صراخه المهين عليها:
_ أنا راجل غصب عنك، علي الأقل مش خاين و واطي زيك، وأيوه بحبها وهافضل أحبها لحد ما تبقي ليا، إنما أنتي كنتي مجرد كوبري مابينا و خلاص دورك أنتهي، فياريت تلمي الباقي من كرامتك وتغوري من حياتي كلها.
_
كلمات أقوي وأقسي من الصفعة التي تلقتها، تمنت أن تتلاشي من الوجود ولا تسمع منه هذا الحديث الذي جعلها تشعر مثل من يحرق حياً، لكن هيهات فكبرياء الأنثي بداخلها جعلها تستمد شجاعتها فوقفت بثبات تحدجه بتوعد وتهديد:
_ أنا همشي من حياتك، بس وحياة كل لحظة حبيتك فيها لأندمك علي كل كلمة قولتهالي والقلم الي لسه نازل علي وشي، هردهولك أضعاف يا علي يا حسيني.
بصقت بالقرب منه وغادرت مسرعة قبل أن يلحق بها، لكنه وقف في مكانه ينظر نحو آثرها بإزدراء.
جاء إليه إحدي العاملين في الملهي وكان علي معرفة به، يمسك بزراعه:
_ علي بيه، تعالي أقعد الناس عماله تبص عليك، تعالي أقعد علي التربيزة بتاعتك وأنا هخليهم يجيبولك الديرتي مارتيني الي بتحبه، حاجة وصايه متعتقه، وفوقيها بنتين يروقه عليك القعده.
أبتعد علي عنه وقال:
_ مش عايز زفت.
وذهب إلي البار وجلس قائلاً للنادل:
_ هاتلي دبل.
نظر النادل إلي العامل فأومأ له بأن يذعن لطلبه، فقال علي له بحدة:
_
_ أنت بتستأذنه عشان تصب لي! .
_ لاء بس…..
قاطعه علي بصراخ:
_ هو ليه كلكو بتتعاملو معايا كده، ولا عشان أنا بتعامل بطيبه معاكو هتستغلوني وتفتكروني ضعيف.
بينما هو يصرخ حضرت للتو تلك الفاتنة ذات الجسد البض الممشوق تخلع معطفها عنها وتأخذه مساعدتها:
_ هو مين الي عمال يصرخ هناك ده يا واد يا تايسون.
رد حارسها الخاص ذو الجسد الضخم بصوته الغليظ:
_ ده علي بيه يا فنانة ، زبون هنا بقي له فترة، بيجي يسكر ويمشي والغريبة إنه عمري ما شوفته قاعد مع البنات الي شاغلين هنا، مفيش غير بت كده كانت بتيجي معاه ولسه شايفها ماشيه بتجري وعماله تعيط، شكلها والله أعلم صاحبته وأتخانقو مع بعض.
أخذها الفضول نحوه وظلت تنظر له والرجال يهدأونه حتي جلس وأمسك بكأس يرتشف منه علي دفعة واحدة، كأس تلو الآخر بلا توقف.
قادتها قدميها إليه وقفت أمامه فكاد يرفع الكأس نحو فمه، فأمسكته منه وبجرأتها التي أكتسبتها من عملها كراقصة قالت:
_
_ الجميل زعلان ليه؟.
رمقها بتفحص من أسفلها لأعلاها وقال بسخرية:
_ و القموره الحلوة عايزه مني أي؟.
أطلقت ضحكة رقيعة وأجابت:
_ جيت أشوفك يمكن أهون عليك الي أنت فيه.
أخذ منها الكأس وأشاح وجهه عنها:
_ متشكرين مليش في الجو ده، شويه وماشي.
_ أخص عليك هاتمشي قبل ما تتفرج علي نمرتي.
إبتسم بجانب فمه وقال:
_ ده أنتي رقاصة بقي.
_
ردت بحنق:
_ ومالها الرقاصة يا روحي، أنا فعلاً غلطانة واقفه معاك وبضيع وقتي الي بالفلوس، عن إذنك.
أمسك يدها وجذبها إليه، فتنهد وقال بإعتذار:
_ حقك عليا متزعليش، أنا بس مخنوق شويه.
_ ماشي، آسفك مقبول، بس علي شرط تستناني لحد ما أخلص نمرتي وأجي نقعد مع بعض أشوف حكايتك أي ولا في مانع؟ .
أبتسم وقال:
_ لاء مفيش، هستناكي.
وقبل أن تذهب إلي غرفتها لتبدل ثيابها إلي ثوب الرقص، أوقفها قائلاً:
_ مقولتليش إسمك أي؟ .
أجابت بدلال:
_
_ سمر، والدلع سمارة.
وغمزت له بعينها.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،، ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ في منطقة نائية خارج النجع تشبه الصحراء توقف رافع بسيارته ذات الدفع الرباعي ومن الطراز القديم، ترجل منها آمراً رجاله:
_ يلا هم منك ليه وأحفرو أهنه بسرعة.
قال دبيكي:
_ أمرك يا كبير.
أخرج سيجارة وقداحة من جيب جلبابه ليشعلها، دلف برأسه إلي داخل السيارة ليجده ما زال يرتجف ويبكي في مكانه.
_ واه، لساتك عتبكي كيف النساوين، ما خلوصنا بجي، الرچالة بيحفرو وهنتاويها لامن شاف ولا من دري، أي لازمته حرجة الدم الي عايش فيها دي عاد.
رد زكريا من بين بكائه:
_
_ يا أخي أرحمني، خابر الي سويته!، أني جتلتها، جتلتها.
صرخ بها، قفز الآخر بجواره ليوبخه:
_ أكتم الله يحرجك عتفضحنا، علي رأي المثل ما شوفهمش وهم بيسرجو، خد السوچارة دي وأنت هاتروج.
أخذها وألقاها بعنف من النافذة:
_ معوزاش حاچة، وأنزل وهملني لحالي.
قهقه رافع بسخريه، لم يهتم لحالة إبن عمته فهو معتاد علي تلك الأمور وقلبه من فولاذ لايتأثر بـ,ـتل نفس أو بغيرها.
_ خلاص بعد ما الرچالة تخلص تعالي نطلعو علي الكباريه نجضي ليلة عنب ويا النسوان الي كيف المهلبية هناك، عينسوك إسمك واصل.
أتي صوت دبيكي في الخارج:
_ خلصنا حفر يا كبير.
أخرج رأسه وقال لهما:
_
_ خدو الحاچة من الصندوج وتوها بسرعة.
وحين فتح الرجال صندوق السيارة لأخذ جثة ورد الملقاه بداخل زكيبة من الخيش ومغلقة بحبل غليظ، ألتف زكريا برأسه ليلقي عليها نظرة أخيرة يقول في نفسه:
_ سامحيني يا ورد، سامحيني.
ــــــــــــــــــــــــ،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يتمدد علي الأريكة منذ البارحة، فبعد أن طلبت منه إنتظارها بعد إنهاء فقرتها، عادت لتجده ثمل كثيراً ولم يعِي إلي أي شئ من حوله، شعرت نحوه بالشفقة فأخذته معها إلي منزلها وأسنده حارسها ودلف به إلي الداخل فوضعه أعلي الأريكة ورحل.
سطع ضوء شمس الظهيرة فتسلل الشرفة وتسلط علي عينيه، فتحهما ببطئ ونهض جالساً يضغط علي أعلي أنفه بإبهامه وسبابته، يداهمه ألم الرأس بسبب ما أحتساه البارحة من الخمر.
جال بعينيه متعجباً من المكان حوله، فوجدها قادمة إليها تحمل صينية كبيرة عليها أطباق من الطعام الذي أعدته للتو.
_ صباح النور يا لول، ناموسيتك كحولي.
رفع عينيه ليجد تلك الجميلة، ترتدي عباءة قطنية تصف منحنياتها بدقة تصل إلي ركبتيها وتكشف عن زراعيها، وقفت أمامه لتضع الصينية علي الطاولة أمامه، حك فروة رأسه يحاول أن يستعيد ذاكرته فقال:
_ أنا فين؟ وأنتي مين؟.
_
أطلقت ضحكتها التي لاتفارقها وقالت:
_ ليك حق متفتكرش يا قمر، أصلك كنت سكران طينه ليلة إمبارح وصعبت عليا فجبتك هنا عندي، أنا ياسيدي أبقي سمر وشهرتي في الكباريه والمجال سماره، وأنت في شقتي المتواضعة الي مدخلهاش راجل غيرك أنت والبودي جارد بتاعي وسي زيكو جوزي.
عقد مابين حاجبيه:
_ جوزك!.
أبتسمت حتي ظهرت أسنانها ناصعة البياض:
_ أيوه جوزي، بس عرفي أصله ملهوش في الرسمي، وأنا مليش في الحرام فشرطت عليه نكتب حتي ورقتين عرفي، أومال أي يا أخويا، الشمال أخرته وحشه وأنا ست دوغري وليا سمعتي، والواحده فينا ليها أي غير سمعتها وشرفها.
ضحك علي من كلماتها وأسلوبها العفوي، فأردفت:
_ آراك بتضحك علي كلامي ياسي لول، هو أنا كنت بقولك نكت ولا أي؟.
_ لاء لاسمح الله، أنا بس عجبني مبدأك وطريقة تفكيرك، واضح إنك طيبة خالص وغلبانة.
شهقت وهي تتشدق:
_
_ ها، أي غلبانة دي، شايفني قاعده علي باب الجامع بشحت وبقول لله يا محسنين.
قهقه وقال بإستنكار:
_ لاء والله ما قصدي، أنا كل الي أقصده إنك جدعة وبنت بلد، مهونتش عليكي تسبيني سكران وجبتيني علي بيتك وبتضايفيني وأنتي متعرفيش عني غير أسمي بس.
_ هو أنا مقولتلكش!، أنا خليت الواد تايسون جابلي تاريخ حياتك كله وبعدين أنا ليا نظرة في الي أدامي متخيبش أبداً، أول ما شوفتك قولت الولاه ده إبن ناس وطيب وشكله مجروح جامد وحكايته كبيره وراها واحدة ست.
تبدلت ملامحه من الضحك إلي الضيق، فنهض وبحث عن متعلقاته:
_ طيب يا مدام سمر، أحب أشكرك علي جدعنتك معايا، معلش أستأذنك بقي يا دوب أروح وأغير وهطلع علي الشغل.
_ أي ده يقطعني، شكلي عكيت في الكلام ولا أي، حقك عليا، أقعد بس كولك لقمة ده أنا عملالك أكل هتاكل صوابعك وراه، أمي طول عمرها تقولي بت ياسمر ده الي هيتجوزك هيموت فيكي بسبب أكلك بس.
أومأ لها بإحراج يحك ذقنه:
_ معلش خليها مرة تانية، وأنا الي هعزمك.
رأت إصراره علي الذهاب فقالت:
_
_ علي راحتك يا سي علي، البيت بيتك وأهلاً بيك في أي وقت، وأبقي أسأل عليا.
_ حاضر.
_ طيب خليك عندك ثواني وجاية.
دلفت إلي غرفتها، وهو أخذ أشياءه من فوق الطاولة وهم بالذهاب.
_ أتفضل.
جاءت إليه تحمل بطاقة ورقية:
_ ده الكارت بتاعي علي كل أرقام تليفوناتي.
أخذه منها و وضعه في جيب سترته:
_ خدي بالك من نفسك، سلام.
ذهب، سارت خلفه لتغلق الباب خلفه، تنهدت وأسندت ظهرها عليه:
_
_ الله يسلمك يا سي علي.
ــــــــــــــــــــــــ،،،،،،، ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ وقفت الخالة هنادي أمام منزل خميس القناوي، طرقت الباب، فتحت لها زينب فكانت في إنتظارها حيث هاتفتها وطلبت منها المجيئ لإخبارها بأمر هام.
_ يا أهلاً ومرحب بيكي يا خالة.
قالتها زينب وعانقتها بترحاب وحبور
_ حمدالله علي سلامتك يا غالية، كنت هاتچنن عليكي لما سمعت بالي چري وياكي.
أمسكت زينب بيدها وهي تنظر في أرجاء المنزل فقالت:
_ تعالي چوه في أوضتي نجعدو ونتحدتو علي راحتنا.
وبعد أن دلفت الخالة إلي غرفتها قامت الأخري بمضايفتها ثم جلست معها وبدأت تتحدث:
_ معلش يا خالة عارفة أني مجصره وياكي أنتي وعمي چابر، ربنا عالم الي كنت فيه الأيام الي فاتت.
_
ربتت عليها الخالة:
_ عارفة يا بتي وعذراكي، دي أني كان جلبي واكلني عليكي لما عرفت الي حوصل معاكي وآخرها إنه أنكتب كتابك علي الراچل إياه غصب عنك ، الله يسامحه أخوكي ويهديه.
تنهدت زينب وقالت:
_ يارب، ماكنش بيدي يا خالة، هربت منيهم لآخر الدنيا ووصلو ليا وهددوني يا أرچع وياهم ويعجد عليا يا إما يأذو الناس الي كنت حداهم ويجتل فارس.
شهقت هنادي وضربت علي صدرها:
_ الله يحرجهم ما كفهمش رميتو في السچن وبهدلته!، عايزين منيه أي تاني، ربنا علي الظالم والمفتري.
_ ما أني لأچل إكده جولتلك تعالي، بالله عليكي يا خالة إياك فارس يعرف أني أتچوزت مين، وأكدي علي عم چابر، هو بالتأكيد هيعرف لكن متجولوهوش مين هو، سليم الزفت دي راچل خطير جوي وليه سلطة ونفوذ ملهمش حدود، خايفه فارس لما يخرچ من السچن بإذن الله ويعرف يسوي حاچة إكده ولا إكده والتاني المحروج ما هيصدج يمسك له غلطة ويتخلص منيه.
زفرت بحزن وبعينين يملؤها الآسي والشفقة قالت الخالة:
_ وأي الي رماكي في طريج الشيطان دي يابتي.
_ النصيب يا خالة، نصيبي يكون أخوي رافع، ويچيلي من وراه وجع وقهرت جلبي.
_
_ ربنا يبعد عنك كل شر ويخلصك منيه ويچمعك بفارس ويبعد عنكو ولاد الحرام.
رددت زينب وعينيها تنظر نحو النافذة شاردة في السماء:
_ آمين، زيدي من دعواتك يا خالة، وأدعيلي بالصبر جبل ما أتچن.
_ چن ما يلهف كل عدوينك والي يأذيكي يابتي، بعد الشر عليكي، خلي توكلك علي الله وبإذن الله هيسعد جلبك أنتي وفارس ولد زهرة يارب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذا الهاتف ربما يكون مغلقاً أو غير متاح، هذه رسالة مسجلة.
تلك المرة المائة التي يسمعها عند مهاتفته لها، يريد سماع صوتها والإطمئنان عليها، لم يتجرأ بالتحدث إلي إحدي والديها، يخشي من ما سيتلقاه من كلمات ستزيده ألماً أكثر من مايشعر به.
طرق الباب ودلف زميله وصديقه طارق قائلاً:
_ فاضي ولا أجيلك في وقت تاني؟.
أشار له وقال:
_
_ تعالي يا طارق، أنا كنت لسه هجيلك أصلاً.
جلس طارق أمام مكتب الآخر يحملق في ملامح صديقه المهمومة والمليئة بالحزن والآسي.
_ مالك يابني في أي بقالك فترة مهموم ومبتتكلمش، هو فيه حاجة عندك حصلت، المدام ولارا كويسين؟.
من طباع أكرم الكتمان لايحب أن يحكي ما بداخله لأحد، فقال بإقتضاب:
_ بخير الحمدلله.
_ أومال مالك، لو شوفت شكلك بقي عامل إزاي هاتعرف أنا قصدي أي.
تنهد أكرم بحزن دفين، فتذكر الأمر الذي يريده من صديقه فسأله:
_ أنا كنت عايز أسألك عن صاحبك الي اسمه علي الحسيني.
رمقه بتساؤل:
_ هو فيه حاجة ولا أي؟ .
_
أجاب محاولاً أن لايظهر ضغينته:
_ كنت عايز أعمل معاه واجب، أردله وقفته معانا في الساحل.
_ يعني أنت قعدت يومين علي بعض حتي، ده أنا أستغربت لما رجعت فجاءة، علي العموم ياسيدي علي ده شاب جدع جداً وطيب بعد ما أتخرج من الجامعة سافر بره إيطاليا تبع شركة منتجات تجميل صاحبتها أتعرفت عليه من خلال رحلة ليها هنا في مصر، بعتتلو وسافرلها ماسكته إدارة الشركة الي قدر يكبرها لها وفتحو فروع كتير، فجاءة تعبت وعرفت إنها مريضة لوكيميا مرحلة متأخرة، مكنش ليها حد غير علي الي كان زي أخوها برغم إنها عرضت عليه الجواز بس هو رفض لأنه بيحب واحدة تانية ومش قادر يتجوز ولايحب غيرها.
أنتبه أكرم لتلك الجملة الأخيرة فجز علي فكه بقوة وعروق عنقه برزت بشدة، أكمل إنصاته إلي طارق:
_ المهم لما ماتت أكتشف من المحامي بتاعها إنها كتبت له كل ممتلكاتها بإسمه، قعد فترة هناك عقبال ماصفي الشركة وفروعها كلها ورجع مصر، وزي ماعرفت كده داخل شريك بنسبة أسهم 70٪ في القرية الي نزلته فيها، ده غير الشركة الي ماسك إدارتها حالياً أشتري أسهمها بالكامل، بتهيألي الشركة دي الي بتشتغل فيها مدام ندي.
تفوه أكرم من بين أسنانه بإستنكار:
_ كانت بتشتغل فيها.
رمقه طارق بإستفهام:
_ أوعي تكون أنت الي خلتها تسيب الشغل، أصل أنا عرفك لما بتطلع حاجه في دماغك لازم تنفذها.
_ هي الي سابت الشغل من نفسها، قالتلي عايزه تتفرغ لتربية البنت.
_
_ والله وحشاني الكتكوته الشقيه، ماتجبيهم وتعالو قضو معانا يوم، المدام كل شويه تسألني عليكو حتي الأولاد، مازن إبني بيقولي يا بابي قول لأونكل أكرم يدينا لارا تعيش معانا.
إبتسم أكرم وقال:
_ قولو متغلاش عليك يا حبيب عمو، ده أنا أجبهالك لحد عندك بشنطة هدومها.
_ ربنا يخليهالكو وتفرحو بيها، شوفت كنت هتنسيني جايلك في أي، لسه عارف لك أخبار طازه، سليم العقبي.
أنتبه أكرم بكل حواسه، فمشاكله العائلية جعلته يغفل أمر هذا المجرم الذي يترصد له كل تحركاته حتي يوقعه ويزج به في السجن.
_ البيه كتب كتابه علي بنت من نجع في محافظة قنا، وبعد فرحه هياخدها ويسافرو علي أمريكا، تحديداً في ولاية لاس فيجاس.
عقب أكرم قائلاً:
_ وإشمعنا لاس فيجاس، مش هيروح كاليفورنيا زي كل مرة ليه؟.
أجاب طارق بتفكير:
_ ما هو ده المغزي، كل أعماله وبلاويه في كاليفورنيا، ومعني إنه هيغير خط سيره المرة دي في ولاية جديدة يبقي ليه مصلحة فيها، خاصة لاس فيجاس مشهورة بالكازينوهات وعصابات المافيا والسلاح والقمار والدعارة، ومليون في الميه عنده صفقة من إياهم.
_
أطلق زفرة عميقة وقال:
_ والله يا طارق أنا دماغي واقفه حالياً، والي بتتكلم فيه ده موال كبير والأنتربول علي يدك آخر مرة شال إيده ومرضوش يساعدونا إننا نمسكه متلبس، وطلع إن فيه حد فيهم شغال لحساب الطرف التاني شريك سليم وبيبلغهم بكل تحركاتنا.
حدجه طارق بدهشة متعجباً:
_ غريبة، ده أنا قولت هتتحمس أكتر لما أقولك وهنفكر مع بعض هنعمل أي، خاصة ياسر مدكور واخد أجازة مرضي، كان في مهمة بيقبض علي شوية عيال ديلرز فواحد منهم كان ليه تار عنده أداله بالحديده علي قصبة رجله عمله كسر مضاعف.
تنهد وقال:
_ اللهم لاشماته، من أعمالكم سلط عليكم.
نهض طارق ونظر في ساعة هاتفه:
_ أسيبك أنا يا أبو المكارم، أصلي هخلع بدري عشان رايحين أنا والمدام والأولاد نزور حماتي، عايز مني حاجة قبل ما أمشي؟.
أبتسم له:
_ تسلم يا طروق.
_
ذهب طارق وترك الآخر في براثن أفكاره، يمسك بالقلم ويدون في ورقة ما علمه عن علي الحسيني.
_ مبقاش أكرم عمران لو ما مخلتكش تيجي تبوس رجلي عشان أرحمك يا علي الكلب.
#الفصل_الخامس_عشر
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
_ يقود سيارته ويستمع إلي إحدي الأغاني بإستمتاع ويردد معها، توقف أمام متجر لبيع الورود وأشتري باقة كبيرة من الچوري الأحمر، وأنطلق مرة أخري حتي توقف أمام محل لبيع الحلويات والشيكولاتة فأشتري قالب حلوي كبير وأوصي البائع بكتابة عبارة المعايدة بإسمها، فهذا اليوم عيد مولدها كان علي علم به من بطاقتها الشخصية، وأراد أن يفاجئها بإحتفال صغير.
وقبل أن يذهب إلي المنزل ذهب إلي متجر المجوهرات و أشتري لها سلسلة من الذهب الأبيض يتوسطها دلايه من الماس علي شكل قلب.
وصل أخيراً أمام البناء ويحمل الباقة والقالب والبسمة لا تفارقه، متشوق لرؤية وجهها عندما يُهديها هديته ويهنئها بعيد مولدها.
لكن تأتي الرياح بما لاتشتهي السفن، لم تتم فرحته، فحين خرج من المصعد وجد باب شقته مفتوحاً ومكان المفتاح مكسوراً أو مهشماً تماماً.
تسمر في مكانه يدرك ما قد حدث، فجاء في ذهنه أمر آخر، يخشي أن هناك لصوص أقتحمو المنزل وقامو بأذيتها، دلف وألقي ما بيديه وأخذ ينادي عليها والخوف يتملك قلبه:
_
_ سمية، سمية.
لا إجابة
ركض في كل الأرجاء باحثاً عنها، لاحظ أول شئ أن المنزل مرتب وليس به آثار إعتداء، قام بمهاتفة حارس العقار الذي أجاب عليه وأخبره إنه لايعلم شيئاً فاليوم غادر مبكراً وأتي بدلاً منه شقيقه الأصغر فأوصله به وكانت أجابته أيضاً إنه لايعلم شيئاً فلربما غادرت المبني وهو كان في المرحاض.
زفر بحدة عارم يردد الكثير من اللعنات، جلس علي الأريكة ليفكر كيف سيبحث عنها، فأنتبه إلي ورقة أعلي الطاولة فوقها قطعة ديكور خزفية، جذب الورقة ليجدها رسالة قد تركتها له قبل أن تهرب، فكان محتواها كالآتي:
_أولاً حبيت أتشكرك علي حسن معاملتلك ليا وكرمك معاي ده غير إنك أنقذتني من الشيطان صاحبك، عشان إكده هملتلك چواب لأچل أطمنك علي أني بخير، ماريداش تكون زعلت مني بسبب أني كسرتلك الكالون وهربت، جعدتي وياك ملهاش لازمة بعد ما لاجيتو زينب وصاحبك كتب عليها، ماتستغربش أني عرفت من اللاب توب بتاعك الي نسيته في أوضتك والي عرفت منيه كيف أكسر كالون الباب المصفح ، وبعتذر مرة تانية أني فتحته من غير علمك وشوفت رسالة علي الماسنچر كان بعتهالك المخفي سليم بيأكد عليك تستناه ويا المأذون في القصر، ربنا ينچي زينب منيه ومايلحج يتهني ويدوسه جطر يهرس چتته حتت وبدل ما يدخل دنيا يدخل چهنم وبئس المصير، معلش بجي متزعلش من كلامي عليه أصلي مغلولة منيه جوي جوي ولد الفرطوش من الي سواه فيه.
وجبل ما انهي كلامي عايزة أجولك إن أحلي أيام جضتها حداك بس يا خسارة أني مابحبش الحبسة و معرفاش ليه مكنتش عايز تهملني.
وفي الختام أتمني لك كل خير وربنا يتوب عليك من شغلك مع سليم وتشتغل ويا ناس أنضف وأحسن لأنك چدع وچواك طيب وزين.
يلا كفاية إكده الجلم شكله عيشطب ومفيش غيره.
آه صح نسيت أجولك بلاش تدور عليا لأنك ماهتلاجنيش واصل ولا عند أبوي ولا خالة أمي الي في سوهاچ.
سلام يا صلاح بيه، جصدي يا صلاح وبس.
_
_ ظل يقرأ الرسالة أكثر من مرة ف تارة يضحك من كلماتها وتارة يعتريه الغضب كلما يتذكر إنها هربت.
نهض وترك الرسالة في مكانها علي الطاولة، أخذ يفكر كيف سيبحث عنها وأين يجدها، وعندما عجز عن التفكير أمسك بباقة الورود وألقاها بكل قوته علي الأرض و قام بدهسها، غادر منزله وهبط إلي الحارس وطلب منه إحضار النجار لتصليح الباب، بينما هو أستقل سيارته ليتجول في الشوارع لعله يجدها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــ
_ و ها قد جاء يوم ترحيل فارس إلي النيابة العامة، فمازال محاميه الجديد يبحث عن أي ثغرة أو شاهد يشهد في صالحه لكن لا جدوي وكأن الأبواب موصدة بأقفال يستحيل فتحها.
تُحلق الطيور في كبد السماء متجهة إلي أعشاشها الواهنة ، فالشمس أنذرتهم بالمغادرة وهي تلملم أشعاتها الذهبية، فتنعكس حُمرة الشفق علي عيون بللون الغيوم المُلبدة، تراقب السرب المُحلق من بين قضبان نافذة شاحنة الترحيلات، بداخلها الظالم والمظلوم ولكل منهم حكاية، ومن بينهم هذا الذي ما يزال يحدج في الخارج من النافذة، يستمع لإحدهم وهو يغني بكلمات قد زادت علي جرح فؤاده أكثر ليزداد النزيف ويذرف القلب دماء الحزن والشجن.
_ آه يابا… آه يابا
ليه سبتني يابا في وسط الدنيا الغابة
تفتكر الي من دمك حبايب ويطلعو ضباع وديابة
عاشق بس الزمن رماني بكل قسوته في النار
إكمن قلبي الطيب مديله الأمان ونسيت إنه غدار
_
آه يابا… آه يابا
يبدو إحدهم قد مل وتملك منه الإنزعاج المنبلج علي ملامحه الإجرامية، فصاح فيمن يُغني:
_ ما كفايه إكده يا أبو عمو، مش ناجصين ولوله وعويل عاد.
صمت الذي يغني وقال له بتهكم:
_ لو مش عايز تسمع يا بلدينا عندك صوابع يدك حطها في ودانك.
حدجه الآخر بشرٍ وبتهديد قال:
_ ما أنا بدل ما أحط صوابعي في وداني أرشجها في خشمك وأطلع حنچرتك في يدي! .
أندفع نحوه في وضع الهجوم لكن دفعه العسكري يصيح فيهما:
_ چري أي منك ليه؟ ، جسماً بالله لو ما أتلميتو لأفرغ رصاص البندجية ده فيكم چتكم البلا.
أجاب الشخص الأول:
_
_ دماغنا مصدعه والباشا مفِكر إننا في رحلة مش رايحين نتعرضو علي النيابة.
_ واه! ، ما خُلصنا يا جنيدي، وخليك في حالك.
عاد هذا الجنيدي بجوار المُكبل معه يتأفف من الضجر، فوقف بجواره وقال:
_ أنت يا أبو عمو، شايفك عتبحلج من الشُباك و واجف أكتر من ساعة، شكل حكايتك واعرة جوي.
ألتفت له و نظر إليه بصمت ثم عاد ببصره نحو النافذة بدون أن ينبس بحرف واحد، فأردف الآخر بضيق:
_ بس أني خابرك زين، شكلك واد ناس مش وش إچرام عاد.
تنهد وأستدار له قائلاً بسخرية:
_ وعتفرج أي، واد ناس ولا ولد غلابة، أني في نظر الجانون تاچر مخدرات، دليل وشهود وأديني مترحل علي النيابة.
تعجب الآخر وقال:
_ واه يا أبوي! ، تاچر مخدرات مرة واحدة! ، طب لافيني سوجارة وحياة أبوك، صاحبك خرمان و ولد الصرمة الي كان بيغني هناك ده چابلي صداع في نفوخي .
_
أرتفعت شفتيه بسأم وقال:
_ مليش في الدخان.
رمقه عاقداً حاجبيه بسخط فقال:
_ عچيبة، ملكش في الدخان وتاچر مخدرات ده حتي عيبة في حجك يا چدع، ولا كيف ما بيجول المثل باب النچار مخلع.
أجاب بأقتضاب وبدأ ينبلج علي ملامحه الملل:
_ مبحبش السچاير.
لم يكُف عن طرح أسألته المزعجة:
_ مجولتليش إسمك أي؟.
زفر وأخذ يستغفر ربه في نفسه، فأجاب:
_ فارس، في أي أسئلة تاني يا أخ…..
_
قاطعه قائلاً بإبتسامة سمجة:
_ چنيدي، محسوبك چنيدي الدوكش.
جلس فارس بعد أن شعر بالتعب من الوقوف، فتبعه چنيدي وجلس بجواره ليكمل ثرثرته:
_ أني خابر إنك مش طايجني، بس أني أستريحتلك لله في لله، أصل صاحبك خبرة وبعرف الواحد كيف هو من نظرة واحدة، عندك مثلاً الي جاعد هناك.
أشار نحو الجالس مقابلهما وأردف:
_ ده تهمته الجتل، أني عارفه أصله من عيلة أبو حطب كان حداهم تار من عيلة چبلاوي، و ولد البومة وهو بياخد بتاره، كان معدي مأمور القسم بتاع بلدهم چت الرصاصة فيه و ملحجش التاني يهروب والعساكر جبصته من جفاه.
_ و الي هناك ده تجدر تجول عليه خُط الصعيد، كان عايش في الچبل ويا المطاريد ولما الحكومة طاردتهم هو والي معاه، أتدلي علي بلد و دخل بيت عيلة وجتل كل الي فيه رچالة وحريم حتي معتجش الأطفال، وأجطع دراعي لو كان الواد ده بيشرب أو مچذوب.
رد فارس بسخرية معقباً علي حديثه:
_ وليه متجولش إنه شيطان والإچرام بيچري في دمه.
ضحك الآخر قائلاً:
_
_ الشيطان جاعد هناك علي شمالك، خابر ده تهمته أي؟.
نظر له منتظراً فأردف:
_ الله يحرجه كان عاشج مرات أخوه الكبير، وهي طلعت مره خاينة وخسيسة إتفجت وياه يجتل أخوه ويمثلو إنه مات في حادثة قضاء وقدر، يجوم ربك كاشف سترهم والواد الصغير إبنها كان سامعهم وفتن عليهم للبوليس لما راحو يحججو، دنيا غداره ومتچيكش الضـ,ـربه غير من الأجرب ليك.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ربما تكن مصادفة من القدر فاليوم الذي رحل فيه فارس عن النجع هو ذاته يوم زفافها، تجلس في غرفتها ومن حولها فريق من الفتيات جلبهن سليم إليها من أكبر مراكز التجميل حتي يزينن عروسه، فكانت في عالم آخر لم تشعر بما يحدث معها ومن حولها، عينيها ثابتة نحو الفراغ كالموتي، إحساسها كان كالذي يعدونه لتنفيذ حكم الأعدام وليس إلي حفل زفافها.
وفي الخارج تطلق نوارة الزغاريد تحمل مع النسوة صواني الطعام ويعطونها إلي رجال رافع ليذهبوا بها إلي داخل السرادق المنصوبة أمام المنزل حيث يتجمع رجال أهل النجع ويأكلون الفتة واللحم ويباركون لرافع ويهنئونه هو وسليم العريس الذي يقف بكل هيبته ومن خلفه يقف أربعه من رجال حراسته، يرتدي حُلته السوداء وفوقها عباءة سوداء مطرزة أطرافها بشريط ذهبي، أهداه رافع إياه وأخبره بإرتدائها فهذه عادات وتقاليد أسرتهم.
تعالت الأغاني من السماعات المنتشرة في كل مكان، أغاني من الفلكلور الصعيدي وبعض من أغاني المهرجانات يصاحبها أصوات زغاريد وتهليلات النساء.
وهناك فروع المصابيح الملونة تتخلل جميع الشوارع والحواري.
أقترب سليم من أذن رافع :
_ أي الأخبار يا رافع، وقفت الرجالة علي مداخل ومخارج النجع زي ما قولتلك؟.
_
أجاب الآخر:
_ حوصل يا عريس، أطمن مفيش دبانه تجدر تخرچ ولا تدخل من غير ماتمر علي الرچالة، إلا جولي محدش شافلك جرايب ولا معارف چم يباركولك، ولا أنت ما عزمتش حد منيهم؟.
أرتسم إبتسامة مصتنعة قائلاً:
_ عايزني أعزم رجال أعمال وصفوة المجتمع في فرح جوه نجع في الصعيد الجواني!.
حدجه رافع بإمتعاض وسخط:
_ مش أد المجام ولا أي عاد!.
_ لاء يا رافع الحكاية مش كده، أنا كنت ناوي نعمل الفرح في القاهرة في أكبر وأرقي الفنادق، وأنت و والدك أصريته نعمل الفرح عندكو في النجع والناس الي أعرفها مبتروحش أفراح في شوارع وشوادر، وكلها ساعتين وهاخد أختك وهنمشي عشان مسافرين.
_ ما كان علي يدك الي حوصل، هروبها جلب الدنيا وخلي الي يسوي وميسواش يتحدت ويچيب في سيرتها فلازماً كنا نعملو الفرح أهنه ويحضرو كل كلب منيهم، خلي خشمهم يتكتم، وأديك شايف جاعدين علي الأكل نازلين فيه كيف المنشار بالسم الهاري علي چتتهم.
ضحك سليم من حديث رافع ومدي كراهيته لمن حوله.
وجاء إحدي رجال رافع ليخبره بأنهم أنتهو من تزين العروس، فقال رافع لسليم:
_
_ عن أذنك يا عريس هاروح أچيب لك عروستك.
تعالت الزغاريد وموسيقي المزمار فبدأت مراسم الزفاف، وقف رافع أمامها يبتسم قائلاً:
_ أعطيني يدك يا عروسة لأچل أزفك لعريسك.
رمقته بإزدراء في صمت، و وضعت يدها علي ساعده، دنا من أذنها وقال:
_ أفردي خلجتك كل الناس عتبحلج فيكي، كفياهم حديت عنك.
أجابت بوجه متجهم:
_ لو ماعچبكش خلجتي أنت والبيه بتاعك يبجي تفضو كل حاچة وكل واحد يروح لحاله.
لكزها بمرفقه في كتفها:
_ طب لمي لسانك بدل ما ألمك، أستحليتي الفضايح والچورس، وحياة أبوكي ما هعديلك الي سويتيه ده، أبجي أستلجي وعدك.
وقفت في مكانها ورمقته وبداخلها يتأكلها الخوف من ما قاله لها:
_
_ تجصد أي بالحديت دي؟.
كان يبتسم إلي المعازيم، فقال لها:
_ كل حاچة هاتعرفيها في وجتها.
_ ألف مبروك يا عروسة.
قالها سليم التي لم تنتبه لوقوفه أمامها، يبتسم لها لكنها تري إبتسامته ليست سوي تعبير يدل إنه يخبرها بإنها أخيراً وقعت بين يديه و دلفت إلي عرينه التي لم تخرج منه أبداً.
لكزها رافع في خصرها يدفعها نحو سليم:
_ واجفة ليه إكده، ما تمسكي بيد عريسك.
أطلقت النساء الزغاريد وتهليلات المباركة، وقف رافع أمام العروسين وأخرج سلاحه ورفعه لأعلي وأطلق الأعيرة النارية في الهواء ليتبعه رجاله ورجال سليم بالإطلاق أيضاً.
ذهبت الفتيات والنساء إلي زينب يباركن لها و تقوم نوارة بنثر ذرات الملح في الهواء وتردد ذكر النبي عليه أفضل الصلاة والسلام وعبارات تحصين من الأعين الحاسدة.
أقترب خميس من إبنته وشبه إبتسامه علي وجهه، أحتضنها بحنان:
_
_ ألف مبروك يابتي، ربنا يسعدك ويهنيكي، خدي بالك من نفسك ومن چوزك الي يجولك عليه سويه تكسبي راحة بالك.
حاولت منع عينيها من البكاء، فقالت له:
_ هاتوحشني يابا جوي.
وأرتمت علي صدره، فربت عليها:
_ لاء يا جلب أبوكي، ماتبكيش الله يرضي عليكي.
جاء صوت والدتها من خلف أبيها:
_ حقك عليا يابتي، سامحينا أنا وأبوكي، أديكي كيف ما أنتي شايفة مكنش بيدنا حاچة، كل الي طلباه منكي أنك تحاولي تتعايشي مع چوزك وأتجي شره.
أومأت لها زينب وهي تشعر بالخزي من أهلها، يلقون بها إلي الهلاك ويطلبون منها أن تتحمل فكيف هذا!.
ــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــ
_توقفت الشاحنة فجاءة بعد أن أعطي الضابط أمر صارم للسائق بأن يتوقف حيث توقفت سيارة نقل أمامهم و علي مقربة، وبداخل الشاحنة كثرت الثرثرة بين السجناء وأرتفعت الأصوات متسائلين عن سبب الوقوف فصاح بهم الأمين بأن يلزموا الصمت.
_
وبالعودة إلي مقدمة الشاحنة، ترجل الضابط وبرفقته المساعد، فقال:
_ أنت يا سطا الي موقفك بعرض الطريق؟.
لم يجيب عليه سائق السيارة الأخري، فكرر سؤاله ولا رد، فأثار ضيق الضابط وقرر الذهاب إليه ويريه كيف يتجاهل سؤاله، و عند إقترابه كانت الصاعقة، أرتمي الغطاء الذي كان بصندوق السيارة وظهر من أسفله رجال ملثمون ذوي بنية جسدية قوية، يحملون أسلحة قامو بإطلاق ذخيرتها للتو، لم يمهلو الضابط ومن معه فرصة الدفاع.
صاح بهم قائدهم بصوته الغليظ:
_ يلا بينا يارجالة عشان نطلع المعلم من المخروبة دي.
ـ,ـتلو أي فرد من الشرطة وقامو بكسر وخلع الباب الحديدي عبر إطلاق الرصاصات وبعد أن حذرو من بالداخل، صرخ السجناء ورفعو أيديهم إلي أعلي بإستسلام سوي سجين واحد ذو ملامح صارمة و نظرات أعين مخيفة، أرتسمت إبتسامة إنتصار علي ثغره حينما رأي رجاله.
قام إحدهم بفك أصفاده وقال له بثناء مبجل:
_ حمدالله علي سلامتك يا معلم.
أجاب الآخر و هو يحمل منه سلاحاً نارياً:
_ عفارم عليكم يا رچالة.
_
ورحل جميعهم علي الفور، و أستغل السجناء تلك الفرصة الذهبية وهرب كل منهم بعد أن تخلصو من أصفادهم.
بينما كان فارس يتجادل مع جنيدي:
_ أنت أتچننت عايزني أهروب وأثبت عليا التهمة؟.
قال الآخر ساخراً:
_ ما تفتح مخك الي كيف الحچر الصوان، التهمة كيف الخلچات أنت لابسها وماهتجدر تخرچ منها لأن هو ده الجانون، روح أتاوي لك في مُطرح لأن الحكومة عتطلج دبابيرها علينا في كل مكان وما عيهدلهومش بال غير بعد ما يجبضو علينا كلاتنا.
كان يفكر في كلماته، ورأي أن لديه حق فذهابه إلي النيابة لإستكمال التحقيق ومنها إلي المحكمة والقاضي لم يرأف به و سيحكم عليه بالقضاء في السجن لمدة قد تصل لخمس وعشرون عاماً يفقد فيها شبابه و آماله، فعليه بالهروب والبحث عن دليل براءته لاسيما الذي حدث معه في الزنزانة أكد له من وراء دخوله إلي السجن.
وأخيراً وافق علي الهروب فقال:
_ والكلابشات كيف نخلصو منيها؟ .
أشار له جنيدي نحو الأمين المسجي علي الأرض وغارقاً في دمائه، فهو من يحمل مفاتيح الأصفاد، ألتقط فارس المفاتيح و حاول إدخال إحدهم ونجح في فتح الأصفاد.
أبتسم جنيدي وهو يزفر بحرية قائلاً :
_
_ يلا بينا علي أجرب مزلجان للجطر، هنتسطحو علي الي رايح نواحي بلاد بحري ونتدلي علي مصر، وهناك أرض الله واسعه.
ذهب كليهما بعد ركض مسافة ميل وأكثر حتي وجدوا مزلقان يبدو مهجوراً، وظلا ينتظران قدوم القطار المتجه إلي محافظات الدلتا، ونجحا بالقفز إليه والصعود إلي سطحه وتمدد كل منهما فوقه، ولأنهما علي معرفة أن الرحلة ستستغرق أكثر من ثماني ساعات، فأستسلم جنيدي للنوم بينما فارس ظل يحدق في السماء، يتأمل النجوم التي تذكره بمعشوقته وتمني لو يراها لو لدقيقة واحدة.
ــــــــــــــــــــ،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــــ
_ حضر للتو عائلة الشيخ واصف ليهنئون ويباركون، فبكر كان يمسك بيد زوجته وقام بتهنئة إبنه خاله وسليم وأيضاً زكريا وبعدها عاد إلي منزله متجنباً الظهور فالشعور بالذنب يلازمه حتي الآن، لايجعله يشعر بأي فرحة، فأصبح منعزلاً ومنطوياً علي ذاته يتجنب النوم الذي ينقلب إلي كابوس حتي بدأت الهالات السوداء تحاوط عينيه.
عانقت جليلة إبنة أخيها وباركت لها، والأخري تردد عليهم المباركة بلا روح، حتي جاءت إليها فاطمة وعانقتها بقوة تواسيها فقالت لها بدون أن يسمعها أحد سواهما:
_ متزعليش مني أني مش هباركلك زيهم، لأني حاسة بيكي وبالنار الي چواكي، كل الي أجولهولك ربنا معاكي ويقويكي ويعينك.
ردت زينب بألم:
_ مجدراش يا فاطمة أتحمل، عايزة أهچ من أهنه وأرمي نفسي قدام الجطر أو عربية، عندي أموت أهون من أني أبجي معاه.
_ أعقلي يا زينب، عمر ما كان الموت راحه وخصوصاً الإنتحار، ماتعلميش أي الي چاي يمكن تيچي من عند ربنا و يخلصك منيه.
_ الي كيف دي مابيموتش ولا يچراله حاچة غير لما يخلص علي الي حواليه الأول.
_
ضحكت فاطمة رغماً عنها وربتت عليها:
_ معلش يا حبيبتي، هو مادام متمسك بيكي جوي إكده يبجي بيحبك فأنتي أستغلي حبه ده وطلعي عينيه، خليه هو الي ينتحر.
إبتسمت زينب بتهكم وقالت:
_ بيحبني! ، ده متچوزني تخليص حق وإنتجام، وعلشان جولت عليه لاء فكيف واحدة ترفضه، والله أعلم ناوي لي علي أي عاد.
كان يرقص بالعصا مع سليم حتي فكاد يفوز لكن فاز الآخر عليه في آخر لحظة، فهلل الرجال:
_ الله عليك يا سليم بيه.
إبتسم رافع له بتصنع وقال:
_ ماشاء الله عليك ياچوز أختي، حتي قوي في التحطيب.
جاء من وراءه صلاح الذي وصل للتو:
_ سليم بيه دايس في كل حاجة.
_
وذهب ليعانق سليم وأردف:
_ ألف مبروك يا عريس.
_ عارف لو مكنتش جيت مش هقولك كنت هاعمل معاك أي.
ضحك صلاح وقال:
_ هو أنا أقدر! ، أنا أول ما خلصت الجلسة روحت غيرت وسافرت علي هنا يادوب لسه واصل.
كان رافع ينظر نحو شقيقته بل للتي تقف معاها فقال لهما:
_ أستأذنكو خمس دجايج وراچع لكو تاني.
لاحظت فاطمة إقتراب رافع نحوهما، فقالت لزينب:
_ لما أروح أسلم علي مرات خالي وراچعه لك بعدين.
سارت نحو المنزل حيث تتجمع النساء لتبتعد عنه، وقبل أن تدلف وجدت يد تجذبها إلي مكان مظلم خلف المنزل، دفعها نحو الحائط وقال بتهكم:
_
_ بتهوربي مني إياك.
رمقته بسخط وقالت:
_ عايز مني أي، ما تروح توجف مع مارتك بدل ما تشوفك واجف معاي وتسوي معاك مصيبة.
أندفع نحوها حتي كاد يلتصق بها وتفوه بأنفاسه:
_محدش يجدر يسوي معاي حاچة، لأن الي يوجف في طريجي بفعصه كيف الصرصار.
دفعته في صدره وأبتعدت قليلاً وهي تهم بالركض:
_ محروج من الدكتور جوي إكده، إكمنه أحسن منك وخايف لأحبه، وأني كمان بجولك محدش يجدر يسوي معاي حاچة ومبخافش غير من الي خلجني.
وقبل أن تخطو قدمها خطوة واحدة جذبها وألقي بها نحو كومة قش، فوقعت عليها، رمقته بقوة مصتنعة وأخفت ماتشعر به من قلق منه، كلما يقترب منها تتزحزح بجسدها إلي الخلف، هبط أمامها علي ركبتيه وأمسك بقدميها يمنعها عن التحرك.
_ بعد عني يا رافع لأصرخ وأفضحك قدام أهل البلد.
لم يهتم لتهديدها فأعتلاها وأمسك بيدها، ينظر لها وعينيه برغم الظلام المحاوط لهما ويتخلله بصيص من نور الأضواء الملونة التي تنعكس علي وجهها، رأت لمعة في عينيه تعلمها جيداً.
_
تفوه بنبرة عشق دفين يكنه لها ويحترق به كل يوم:
_ محدش بيحبك ولا هيحبك قدي، أنتي ليا أني، مفيش مخلوج يجدر يلمسك غيري، سمعاني يا فاطمة.
من صدمتها ألجم لسانها ولم تستطع الرد، فلم يتحمل قربها المهلك له أكثر من ذلك، هبط بشفتيه علي خاصتها بشوق جارف، يقبلها بكل قوة، يحاوطها بجسده فلم تقدر علي التحرك بتاً.
ظل هكذا لوقت لم يشعر به ولم يشعر أيضاً بالتي تقف بعيداً تراه بأعين تبكي من القهر وهي تري خيانته لها بعينيها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،، ــــــــــــــــــــــــ
_ أقتربت الساعة علي منتصف الليل وبدأ المعازيم بالرحيل إلي ديارهم، ودعت زينب أحبائها وتعجبت بإنصراف فاطمة دون أن تودعها.
تقدم رافع نحو سليم وقال له بصوت منخفض:
_ عايزك دجيجة چوه الدار.
حدجه سليم بإمتعاض وقال:
_ و ده وقته يا رافع، المفروض يا دوب نمشي دلوقت عشان الطيارة قولت للكابتن ينزل في أقرب مطار من هنا.
_
_ إكده ولا إكده هتضطر تتأخر شوي.
زفر سليم بضيق فأشار له:
_ يلا يا اخويا أدامي لما نشوف أخرتها.
_ وبداخل غرفة الضيوف، دلف كليهما، فقال سليم:
_ أدينا بقينا لوحدينا كنت عايز تقولي أي؟.
جلس رافع علي الأريكة وأسند يديه علي العصا:
_ ممكن الي هجولو دي معيچبكش لكن لازم يوحصل بأي طريجة، طبعاً كيف ما جولتلك إن هروب زينب خلي سيرتها علي كل لسان و ده يبجي في وشي أني وأبوي.
تنهد سليم بنفاذ صبر وقال:
_ ما خلاص أتجوزنا يا رافع ومحدش هيقدر ينطق بكلمة في حقها والي يتكلم أقطعله لسانه أو أبعته لرجالتي وهم هيقومو معاه بالواجب.
دك رافع بالعصا في الأرض وقال:
_
_ ده في عرفك أنت يا چوز أختي، لكن في عرفنا بيبجي الأمر غير إكده.
_ يعني عايزني أعملك أي مش فاهمك.
حدجه بإصرار وحزم فقال:
_ تدخل عليها بلدي.
#الفصل_السادس_عشر
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
غزت ملامحه إبتسامة سخرية وقال:
_ أنت بالتأكيد بتهزر.
دك عصاه في الأرض ونبرة صوته الجادة تدل علي إصراره وكأنه أمر لاجدال فيه:
_
_ وأني مابهزرش يا سليم بيه، هتدخل عليها بلدي ودلوق، ولا عندك مانع!.
حدجه الآخر بضيق من ألقاء عليه الأمر، فمن يكون هذا الجرذ ليلقي عليه الأوامر! ، ويختتمه بسخرية وكأنه غير قادر علي فعله ، عقد ساعديه أمام صدره رافعاً إحدي حاجبيه وقال:
_ و لو معملتش كده هيحصل أي؟.
رمقه بتحدي مجيباً:
_ هتفضل خايتي مشرفة دار أبوها ومفيش سفر حداك، من الآخر رچلها ماتعتبش باب دارنا غير لما يوحصل الي جولتلك عليه، أنت وبشوجك بجي.
تحولت ملامح سليم من الصبر والبسمة المزيفين إلي أخري مليئة بالتجهم والظلام الذي كسا عينيه:
_ الظاهر نسيت أنك بتتكلم مع مين يا رافع ياقناوي، عمال تؤمر وتهدد وناسي أن أختك بقت مراتي وأنا حر أدخل عليها ولا ما أدخلش وبالطريقة الي علي مزاجي أنا.
صاح رافع بذات وتيرة صوت الآخر:
_ لع مانستش ياسليم بيه، أنت الي شكلك نسيت أنك مناسب صعايده ليهم عاداتهم وتقاليدهم وكل الي عطلبه منك حاچة بسيطة.
_ أصدك تقول عادات وتقاليد متخلفة ولي عليها الزمن، ولو لسه بتحصل أنا مش هقبلها، والي هيحصل ما بيني وبين أختك محدش ليه دخل فيه.
_
تفوه بكل جبروت وكأن من يتحدث بشأنها ليست شقيقته:
_ وأي الي يثبت لأهل النچع أن خايتي بعد ما هربت و رچعت إنها لسه بت بنوت!.
أقترب منه و وقف خلفه يوسوس إليه كأبليس ليثير غضبه ويرضخ لما يأمره به:
_ كل الناس خابرة بقصة الحب الي كانت مابين خايتي وبين ولد عمها فارس، ولما أني فرجتهم عن بعض وچيت أنت لأچل تتچوزها راحت جطعت شراينها وبعدها هربت ولما رچعت وعجدت عليها وبجت مارتك علي الورج غفلتنا كلتنا وراحت له القسم والكل شافها وهي داخله وخارچة من هناك، ها مستني أي بعد كل دي؟.
كان بالفعل كالشيطان بل هو أبليس ذاته، يثير أغوار الآخر حتي يفعل بشقيقته هذا الفعل البشع المرفوض تماماً، كيف تسول له نفسه بجرحها وإهانتها بتلك الطريقة!.
فزوجها ليس بحاجة لإستفزازه نحوها، فلديه علم بزيارتها إلي فارس ولم ينس هذا بل ينتظر الوقت المناسب لمعاقبتها وجعلها تخشي أن حتي أن تذكره في مخيلتها.
لكن كلمات رافع أثارت شئ ما بداخله كان يقرر تنفيذه حينما ينفرد بها لاحقاً، أستدار له وبداخل عينيه نظرة مبهمة لكن حين رآها الآخر إبتسم بإنتصار، فقال سليم:
_ يعني كل الي عايزه الإثبات، لكن الطريقة دي بتاعتي أنا.
قالها وتركه وفتح باب الغرفة ليجدها تقف تتشبث في زراع والدتها بخوف، لاتعلم ما ينتظرها.
تبعه رافع قائلاً :
_
_ خليت چماعتي يحضرولك الأوضه الي هترتاحو فيها أنت ومارتك.
وأشار له نحو غرفة نومه الخاصة به و نوارة المختفية ولم يلاحظ بعد عدم وجودها.
تقدم منها سليم وأمسك بيدها الحرة:
_ تعالي معايا.
أوقفته كالحائره تسأله:
_ واخدني علي فين؟.
و قبل أن تتحدث والدتها أو تسأل فأسرع رافع قائلاً يرمقها ببسمة تشفي:
_ هترتاحو هبابة جبل ماتسافرو يا عروسة.
صدقت رسمية ولدها بطيبة وحسن نية، فربتت علي إبنتها:
_ روحي يابتي ويا چوزك أرتاحو، لساتكو وراكو سفر وطريج طويل، وأنتي بجي لك يومين منعستيش عاد.
_
قلبها يخفق من شدة الخوف لاسيما بعد تلك الإبتسامة التي ما زالت في أعين شقيقها، أنتبهت لضغطة قبضة سليم القوية علي أناملها:
_ يلا يا زينب.
وفي ثوان كانت بداخل الغرفة ودلف خلفها، أغلق الباب بقوة مما جعلها أهتزت بوجل وأعتصرت عينيها تردد بداخلها بعض الأذكار.
خلع العباءة ويليها سترته وألقاها علي أقرب كرسي وجلس فوقه، فلم تبرحها نظراته:
_ واقفه عندك ليه كده؟.
وبدون أن تنظر له تتجنب النظر في عينيه ذات النظرات المرعبة، قالت:
_ أني مرتاحة إكده، رايد أنت ترتاحلك شوي، عندك مكان الراحة أهو أرتاح كيف ما أنت عايز.
خلع رابطة عنقه ثم ساعة يده ووضعهما علي المنضدة التي أمامه في صمت رهيب زاد من خوفها لكنها تظاهرت بالثبات.
قطع صوته بهدوء الذي لايقل رعباً عن نظرات عينيه:
_ ما إحنا مش داخلين الأوضة عشان نرتاح.
_
رفعت عينيها لترمقه بصدمة وإستفهام، فهذا الصوت الذي بداخلها ينذرها بالخطر، نهض متقدماً نحوها بخطي في ظاهرها هادئ لكنها عكس ذلك:
_ شكلك فهمتي سبب وجودنا هنا، ولا أي يا عروسة؟.
أزدردت لعابها وبمجرد وقوفه أمامها مباشرة أبتعدت إلي الخلف متجهة نحو الباب لكنه سبقها إليه وأوصده بالمفتاح الموجود به.
ركضت إلي إحدي الأركان تمسك بثوب زفافها في وضع الدفاع:
_ لو الي في دماغي ده صوح، أحب أفكرك بوعدك ليا، أن چوازنا علي الورج.
يبتسم وبداخله مُنتشي من السعادة، فتلك النظرات المرعوبة بداخل عينيها تغذي وحش ساديته وترضيه.
وفي لحظة غافله منها وجدته أمامها يمسك برسغيها:
_ أنا موعدتكيش يا زينب، أنتي وقتها كنتي بتملي شروطك وناسية إنك هاتتجوزي مين، تحبي أعرفك مين هو جوزك، مين الي المفروض متنطقيش غير إسمه علي لسانك!، مين الي عينيكي مش هاتشوف غيره!، مين الي نسيتي إنه جوزك و روحتي القسم عشان تشوفي إبن عمك ومخوفتيش لما يعرف هيعمل فيكي أي!.
ومع كل جملة يتفوه بها كانت قبضتيه تزداد ضغطاً حتي ظنت عظام أناملها سُحقت، تأوهت من الألم الغير محتمل، فقال بفحيح يلفح شفتيها:
_ صرخي، محدش من أهلك بره يقدر يدخل ينقذك من أيدي، عارفة ليه.
_
أردف ويدفعها علي الحائط بجسده ملتصقاً بها:
_ تحبي أجاوبك عملي زي ما أخوكي طالب مني ومستني إثبات شرفك؟.
جحظت عينيها متناسية ألم أناملها، أستعادت جأشها وقوتها برغم دموعها التي أنسدلت للتو:
_ بعد عني، علي چتتي الي عتجوله دي، و روح جول للحيوان أخوي خايتك أشرف منك ومن أمثالك كيفك إكده.
ضغط بجسده عليها بقوة قائلاً:
_ ولما أخوكي من لحمك ودمك يشكك فيكي ويطلب مني دخلة بلدي، منتظره مني أي عشان أتأكد، ها؟.
رأت بداخل ظلام عينيه شيطان مارد لم يهدأ إلا عندما يكسر كبرياءها ويجعلها ذليلة أمامه، فهي الآن تلعن شقيقها بكل اللعنات علي منح هذا الوحش الذي يسحق جسدها حق سلب عذريتها قهراً ورغماً عنها، فلا تجد سوي تلك الفكرة التي أتتها للتو فقالت بتأوه من بين أسنانها:
_ لو رايد إثبات خدني عند الحكيمة في الوحدة الصبح وهي تكشف عليا وتجولك إني.
أغلقت عينيها بخجل وأردفت:
_ إني بت بنوت ولا لاء.
_
قهقه وتعالت ضحكاته المخيفة، حتي توقف وعادت ملامحه الوحشية مرة أخري:
_ عايزاني أخدك عندك الدكتورة يا زوزو، أومال أنا لزمتي أي يا حبيبتي.
ترك يديها حتي عادت روحها لها فأخذت تفركهما من فرط الألم، ولم يمهلها أن تلتقط أنفاسها فجذبها من خصرها وبرغم ثوبها المتسع وذو عدة طبقات شعرت بأنامله وهو يغرزها بقسوة لتطلق تأوهاً نابعاً من أعماقها.
_ أهدي كده ده لسه بنقول يا هادي، يقولو عليكي أي وأنتي كل شوية تصوتي.
أجابت من بين دموعها وألمها:
_ أجتلني يا سليم وريحني، أني ماعيزاش أعيش وياك واصل.
أبعد يديه من خصرها، ليعود صوت ضحكاته، يحاوط وجهها بكفيه يقول بسخرية :
_ ليه كده يا زوزو، ده أنا حبيتك من أول ما شوفتك وأقسمت إنك هاتكوني ملكي مهما حصل وبأي طريقة.
جذبها فجاءة ودفعها إلي الفراش وأعتلاها:
_ أنتي بتاعتي أنا، ملكي أنا، هاتعيشي معايا لحد مايفرقنا الموت، فاهمة يا زينب.
_
كانت ملامحه تخيفها أكثر من كلماته، أقسمت إنه ليس شخصاً طبيعياً بل مريضاً.
باغتها بنزع حجابها بعنف حتي تشعثت خصلاتها من أثر ذلك، أخذت تقاومه وتدفعه لينهض من فوقها، فكيف لعصفورة صغيرة بأن تدفع بوحش ضخم يريد إلتهامها! .
أردف من بين أسنانه لاهثاً:
_ متقاوميش يا زينب، عمرك ما تقدري تبعديني عنك، أستسلمي لمصيرك.
لم تجد رد علي هذيانه من وجهة نظرها سوي تلك الكلمات ويديها تدفعه في صدره:
_ ده في أحلامك ياسليم، وأني لساتني كيف ما جولتلك علي چتتي لو لمست مني شعره، وچوازي منك مجابل حياة فارس، غير إكده ملكش حاچة عندي واصل.
من الحماقة أن تكون عاجزاً وفي وضع ضعيف للغاية وتتصنع القوة بدون إستخدام عقلك وذكاءك بحكمة، فالتفوه بنبرة التحدي والعند لن تأتي لك سوي بعواقب وخيمة، وهكذا ما حدث
ليتها ما تفوهت بحديثها الأحمق هذا، فهي للتو أيقظت جانبه الآخر والذي كان يحاول كبحه وعدم إظهاره له حتي الآن.
نهض عنها وهو يجذبها من خصلاتها وحتي لا تصرخ ويسمعها من بالخارج، كمم فاهها بقبلة وحشية، ليست لمسة حميمية بين زوجين بل كانت تعذيب ومنعها من الصراخ، ولم يكتف بذلك، أمسك بساعديها وقام بثنيهما خلف ظهرها وبجزء من لفافات حجابها الأبيض قام بتقيد معصميها.
ما زال يُقبلها متذوقاً دماء شفتيها بللذة، توقف عن تقبيلها ليتركها تلتقط أنفاسها اللاهثة، ليباغتها بجزء آخر من لفافات حجابها يكمم فاها ثم ألقي بها مرة أخري علي الفراش والظلام يسود عينيه و شيطانه المسيطر عليه، خلع ثيابه تحت نظراتها التي تتوسله ليتراجع عن ما سيفعله، تتلوي في الفراش مستخدمة ساقيها في النهوض لكن هيهات، أصبحت مثبتتان بقبضتيه القويتين، وأرتمي فوقها وشرع فيما عزم عليه، لم يرحم صرخاتها المكتومة ودموعها التي أنفجرت كالأنهار المتدفقة، أنتزع روحها قبل نزع عذريتها بكل وحشية، أبتعد عنها وبنظرة إنتصار حدجها، دنا برأسه نحو وجهها وهي ملقاه كالجسد بدون روح ليقول لها بتهكم :
_
_ ألف مبروك يا حبيبتي.
وقبلها من وجنتها ونهض، أرتدي ثيابه تاركاً قميصه مفتوحة أزراره،أقترب منها فرفعت ساقيها لتكور جسدها في وضع الجنين لتبتعد عنه ، جذب الشرشف الملطخ بدماءها بقوة من أسفل جسدها وأتجه به نحو الباب وقام بفتحه منادياً علي شقيقها الذي لبي نداءه وجاء له فقام الآخر بإلقاء الشرشف في وجهه، ألتقطه رافع بسعادة عارمة، ولم يتمهل فخرج و وقف أمام المنزل يخرج سلاحه وأطلق عدة أعيرة نارية متتالية وتبعه رجاله في الإطلاق كرسالة إلي أهل النجع .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ رحل الليل ليسطع شروق الشمس ومازالت القلوب علي ما أصبحت عليه، فمنذ أن تركت منزل عائلة زوجها وجاءت إلي منزل عائلتها تجلس في غرفتها القديمة يجافيها النوم فالمشهد التي رأته بأم عينيها جعل النيران مندلعة في صدرها، كيف تسول له نفسه ويقوم بخيانتها، كانت تظن أن الأمر مجرد مشاعر فقط لاتعلم إنه سيصل إلي ما رأته خلف المنزل، لعنت قلبها الضعيف الذي مازال يدافع عنه أمامها فضعفه هذا جعله يفرض سيطرته وقوته عليها، فعندما تعترض أو تواجهه تثور أغواره و يمد يديه بالصفعات وينعتها بالإهانات والسباب وكأنها عبدة أو جارية لديه وليست زوجته ويجب عليه أن يعاملها بالمودة والرحمة.
دلفت والدتها لتطمأن عليها لتجدها تجلس علي وضعها كتمثال، عينيها شديدة الإحمرار والتورم من كثرة البكاء.
ربتت عليها بحنان وقبلتها لدي مفترق خصلاتها:
_ لساتك منعستيش وعتبكي يا جلب أمك.
ألتزمت الصمت فأردفت سعاد:
_ ولو تجوليلي حوصل أي ولا سوي فيكي أي چوزك، ريحيني يابتي.
أصدرت شهقة وهي تجفف عبراتها وقالت بيأس:
_
_ لو جولتلك يعني، هاتسوي له أي عاد، ده ولا بيهمه حد وعيسوي الي في دماغه مهما أتحدتي وياه.
شهقت لتجهش ببكاء مجدداً، فأكملت:
_ جلبه كيف الحچر عليا، لكن لغيري لاء.
عقدت سعاد بين حاجبيها وهي تفسر حديث إبنتها فسألتها:
_ واه، تجصدي لساته عيحب البت فاطنه.
خارت في البكاء وأرتمت علي صدر والدتها:
_ أيوه ياماه، لساته بيعشجها و وصلت بيه البچاحة ولا جيته واخدها ورا الدار ونايم فوجيها ونازل فيها بوس، آه يا جهرة جلبي ياماه.
_ باستك عجربة يا رافع يا واد خايتي ويحرج جلبك كيف ما عتسوي في بتي، معلش يا جلب أمك، أني هاروح له وأتحدت وياه و أعرفه مجامه زين.
_ لاء ياماه، ما تجوليلوش حاچة بالله عليكي، ملهوش عزا العتاب واصل.
حدجتها سعاد بعدم فهم، فأخبرتها إبنتها بهذا القرار الذي أصدره عقلها للتو ويحاول قلبها التراجع عنه لكن كبريائها هو المسيطر الآن.
_
_ أني هاطلب منيه يطلجني.
لطمت سعاد علي صدرها وكأن إبنتها تخبرها بفاجعة:
_ طلاج!.
ـــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ غارقاً في أحلامه التي تنتهي كالعادة بكابوس مزعج يراها تبكي بحرقة وتمد له يديها تناديه لينقذها من تلك البؤرة المظلمة التي تجذبها بداخلها، فهناك مشهد جديد أضيف هذه المرة وهو عندما أستطاع أنقذها وأنتشلها وجدها قد فارقت الحياة، أخذ يهز جسدها يناديها من أعماق قلبه لتعود إلي الحياة، لكن لا جدوي، فكيف لروح فارقت جسدها أن تعود له مرة أخري! .
_ زينب.
صاح بها وهو يستيقظ من النوم مذعوراً، أغلق عينيه من قوة أشعة الشمس التي تزعج رماديتيه.
أنتبه لصوت رفيق دربه جنيدي:
_ صحي النوم يا أبو الفوارس، خلاص وصلنا وجرب الجطر علي محطة مصر.
حاول فتح عينيه بحذر حتي أستطاع أن يري، فالسماء أعلاه ومع حركة القطار يشعر وكأنه يسبق السحاب والطيور المحلقة، تذكر أحداث أمس فنهض بحذر حيث مازال هو ومن معه يتسطحا فوق القطار.
_
نهض بجذعه وجلس يثني أحدي ركبتيه يستند عليها بساعده، يستنشق نسيم الصباح بعمق ويطلق زفرة بقوة، وخصلات شعره تداعبها نسمات الهواء الباردة.
_ صباح الخير يا چنيدي.
رد جنيدي الذي يزفر دخان سيجارة معلقة بين أنامله:
_ صباح النور يا صاحبي، يلا أچهز لأچل هنط جبل ما ندخلو المحطة.
غر فارس فاهه بتعجب:
_ هنط كيف؟.
أجاب الآخر ويشير له نحو نهاية العربة التي يتسطحان أعلاها:
_ هنجوم نمشي لحد آخر العربية دي وهننزل في الفاصل الي بينها وبين العربية التانيه، بس يلا جوم هم جبل ما نتجفش من بتوع التفتيش والحكومة المرشجه في المحطة.
نهض كليهما وساروا بحذر فهبطا بين العربتين وعندما هدأت سرعة وأصبحت بطيئة إستعداداً لولجه إلي المحطة، قاما بالقفز معاً.
وبعد سير مسافة وصل كليهما إلي ميدان رمسيس، فأوقفه جنيدي وقال:
_
_ أجف أهنه عجبال ما أروح أعمل تليفون ونچيب لنا حاچة نفطرو.
_ هاتحدت ويا مين؟.
_ واحد بلديتنا عايش أهنه هجوله يشوفلنا مطرح نريحو فيه وشغل لأچل الواكل والشرب.
حك ذقنه يفكر فيما أخبره، فقال:
_ طيب روح ومتعوجش، عاود بسرعة.
_ حاضر، خليك أنت مكانك وماتتحركش كيف ما أنت شايف الدنيا واسعة وإحنا نمل ماشي فيها وممكن نتوه من بعضينا.
ذهب جنيدي وجلس فارس ينتظره علي الرصيف، يتأمل الميدان الذي يعمه القليل من الهدوء فمازالت معظم المتاجر مغلقة فالوقت مبكراً ، تنهد بأريحية مستنشقاً الهواء و مد ساقيه أمامه علي الأسفلت وإستند علي يديه مائلاً بجذعه قليلاً إلي الخلف، أغمض عينيه ليراها في مخيلته، زفر بشوق وحنين قائلاً:
_ أتوحشتيني جوي يا جلب فا…..
قاطع جملته شئ ما أصتدم بساقه يتبعه صياح بصوت أنثوي:
_ أنت يا أخينا، قاعدلي علي الرصيف و واخد راحتك علي الآخر وفارد لي رجليك، كنت هتكعبل علي وشي بسببك دلوقت.
_
فتح عينيه ليجد أمامه فتاة ذات بشرة بيضاء يزين وجهها بعض مساحيق التجميل تبرز جمال شفتيها الورديه وعينيها اللوزية تزينها عدسات لاصقة رمادية، متوسطة الطول وجسدها متناسق، وبرغم جمالها الذي يجذب من ينظر إليها لكن يعلو وجهها بعض الحدية، يبدو إنها ذات شخصية حادة إلي حد ما.
رد فارس بكل زوق و رقي:
_ معلش لو كنت ضايجتك.
وضعت يدها في خصرها تتشدق بحنق:
_ معلش! ، أصرفها منين دي والشوز بتاعي الأبيض أتوسخ ومنظره بقي زفت وكل ده بسببك.
ألقي نظرة علي حذائها فأخرج من جيب بنطاله المتسخ كيس صغير يحتوي علي محارم ورقية، مد يده به إليها قائلاً:
_ أتفضلي مناديل أهه.
رمقته بإزدراء لهيئته المزرية بسبب ثيابه التي لم يبدلها منذ دخوله إلي السجن.
قالت بأنفة وعنجهية:
_ ده الشوز كده هيتوسخ أكتر، خلي مناديلك معاك.
_
ولوحت يدها برفض وتقزز، أثارت كلماتها وتعابير وجهها غضبه، يبدو هدوءه وتعامله معها بالزوق كان خطأ، كادت تذهب فأوقفها بصوت غاضب:
_ وجفي عندك.
ألتفتت له ونظرت إليه لتجد ملامحه الوديعة التي كان يتحدث بها منذ ثوان تحولت إلي أخري تركت بداخلها الشعور بالخوف لكنها لم تظهر ذلك بل قالت:
_ بتكلمني أنا؟.
نظر علي يمينه ويساره بتهكم وقال:
_ شايفه حد غيرك في الشارع عاد!، أيوه بكلمك أنتي، شكلك لساتك عيلة صغيرة أهلها مدلعينها دلع مرق وماسخ، و واخدة مجلب في نفسيها جوي، وفوج كل دي جليلة الذوق.
إستمعت لكلماته بدهشة وذهول من هو لكي يتحدث معها هكذا وينعتها بكل ما قاله، فتحت فاهها لترد إهانته لكنه سبقها:
_ كلمة إكده ولا إكده هانسي إنك حرمة وهاسمعك كلام شين ميعچبكيش واصل، يلا أمشي من أهنه.
صاح بجملته الأخيرة مما جعلها خشيت تنفيذ تهديده فمظهره وأسلوبه الحاد الذي تفوه به للتو جعلها تخشي منه ومن ما سيفعله إذا تطاولت عليه مرة أخري، زفرت بحنق ترمقه بإزدراء من أعلي لأسفل ثم تركته وذهبت.
فقال لها:
_
_ بصي علي قدك.
_ عتتحدت ويا نفسك ولا أي ياصاحبي؟.
قالها چنيدي الذي وصل للتو يحمل كيس مليئ بالشطائر وجلس بجوار فارس، فأشار له الآخر نحو الفتاة التي وقفت في الجهة المقابلة لتستقل سيارة أجرة.
_ دي بت چاية تتشاكل علي الصبح أتحدت وياها بكل أحترام فشافت نفسها عليا، أديتهملها فوج دماغها معرفتش تنطج ومشيت.
_ ولسه هاتشوف، بنته مصر أهنه وشهم مكشوف تلاجي الواحدة منيهم تجف وترد عليك من غير خشا ولا حيا وصوتها يچيب لأخر الشارع.
_ مش كلاتهم يا چنيدي، في كل مطرح فيه الزينة والشينة وبترچع للتربية والأهل والبيت الي خارچة منه.
فتح چنيدي الكيس الذي يحمله وأخرج منه الشطائر يفك لفافة الجرائد ويفترشها بينهما:
_ فوكك من كل دي ويلا جبل ما الواكل يبرد، چايب طعمية لسه خارچة من الزيت وفول وش الجدرة وفلفل حراج من الي جلبك يحبه.
وقبل أن يمد يده ليأكل سأله بترقب:
_ وچييت الفلوس منين؟ .
_
تناول شطيرة وقضم منها قطعة وأخذ يلوكها بداخل فمه:
_ مصالح كنت بطلع بيها من السچن، خابر أنت الراچل الي رچالته هربونا ده كان مغرجنا سچاير و واكل آخر حلاوة، والي محتاچ حاچة ويطلبها منيه يعطيها له، وكل ما يجع في يدي جرشين أتاويهم، وأهو نفعونا دلوق، تخيل لو كنا علي عبد الحميد المچيد ومنملكش جرش واحد كان هيبجي وضعنا أي! .
حدجه فارس ويراقب ردة فعله :
_ أوعاك تكون چايبهم من الحرام.
ترك ما في يده يرمقه بإمتعاض مُزيف :
_ عيب عليك لما تشكك في صاحبك وتجول إكده، أنا جولتلك چايبهم من مصالح ما سرجهمش.
تنهد بأريحية وقال:
_ معلش، لو سؤالي ضايجك، أصل أني ما أجبلش الحرام واصل حتي لو هاموت من الچوع.
أمسك جنيدي بشطيرة ومدها إليه:
_ ماتجلجش ياصاحبي، فلوس حلال، خد كول بجي، الراچل زمانه علي وصول.
_
أخذ منه الشطيرة وبدأ في إلتهامها بنهم:
_ رد عليك إياك؟.
_ رد علي بعد ما رنيت عليه خمس مرات، وجالي إنه هيچي لنا خلال ربع ساعة، خابرته بمطرحنا.
أبتلع ما بفمه وقال:
_ أنت واثج من الراچل دي، لأحسن يبلغ عنينا الحكومة ويسلمنا ليهم.
_ ماتخافش، عم عربي ده راچل چدع جوي، تجدر تجول الأب الروحي للي زي حالتنا إكده، ما يهملش واحد في ضيجة غير لما يجف وياه ويساعده، أطمن يا أبو الفوارس محسوبك لفيت الدنيا كعب داير وخابر الناس زين.
_ ربنا يستر.
قالها وقضم باقي الشطيرة.
ـــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــــ
_ ما زالت حبيسة في الغرفة منذ ليلة ذبحها كما تسميها هي، تجلس علي التخت متكورة بثوب زفافها ، جفت الدموع في عينيها من كثرة البكاء، تنظر في الفراغ ساكنة لم تتحرك كقطعة جماد بلا روح، وعلي الطرف الآخر يتمدد نائماً ينعم بالراحة والسكينة وكأنه لم يقترف شيئاً.
_
صدح رنين تنبيه ساعة الهاتف حيث قام بضبطها قبل نومه ليستيقظ في هذا التوقيت إستعداداً للسفر.
أستيقظ وأغلق المنبه، نهض ليجدها مازالت علي وضعها وبدون أي حركة وظهرها نحوه ، وضع يده عليها فأنتفض جسدها بتلقائية وكأن مسها تيار كهربي.
أقترب منها حتي ألتصق بصدره العاري بظهرها وتحدث بجوار أذنها بصوته الذي باتت تمقته كلما تفوه إليها:
_ لسه منمتيش من إمبارح، ده إحنا ورانا ساعات سفر كتير.
لم تجيب عليه وظلت علي وضعها، وفجاءة وجدت يده تسللت إلي فمها لتكممه ويده الأخري تجذب خصلاتها بقوة، فصرخت بآهه مكتومة وقال لها بفحيح:
_ القاعدة الأولي لما أكلمك تردي عليا عشان ما أزعلكيش، و خدي بالك لما أأمرك تنفذي الي أقولك عليه في وقتها ده أحسن ليكي لأن عصيان أوامري ليه عقاب، و لمصلحتك متخلينيش أوصل معاكي للمرحلة دي، فاهماني يا زينب؟.
تعتصر عينيها من الألم وكفه المكمم لفمها يمنعهاومن الرد أو الصراخ، ترك خصلاتها ليغرز أنامله في زراعها:
_ مشوفتش ردك علي سؤالي.
أومأت له وهي تزوم وتبكي في آن واحد، قام بإستدارتها إليه ليصبح وجهها أمام وجهه، حدق في ملامحها الباكية والحزينة بصمت أغمض عينيه وأقترب بشفتيه علي وجنتيها ليلعق عبراتها ثم هبط علي خاصتها التي بها آثار دماء متجلطة ليقبلها، تخشي أن تبتعد أو تصرخ فيعيد ما فعله بها، فهي لا تتوقع أفعاله العنيفة معها، كلما تألمت كلما تري في عينيه لمعة تدل علي مدي سعادته برؤيتها في تلك الحالة.
أبتعد باللهاث وقام من أمامها قائلاً:
_
_ أومي غيري فستانك وجهزي نفسك أدامنا ساعة عشان نتحرك.
وبعدما أنتهت من تبديل ثيابها، وقفت أمام المرآه لترتدي حجابها فتفاجأت بملامحها التي ذبلت وهذا من ليلة فقط، ما بال من لياليها القادمة معه!، حاولت إخفاء آثار عنفه علي شفتيها بقلم الحمرة وكذلك بعض اللمسات تخفي شحوب بشرتها، فهي لم تتحمل أي أسئلة من والدتها عند رؤية وجهها وأيضاً لاتريد رؤية شقيقها لها بهذا المظهر الضعيف المنكسر.
خرجت من الغرفة فوجدته يقف يدخن سيجاره ورمقها بنظرة ذات مغذي، خرجت والدتها من المطبخ تحمل صينية الطعام:
_ صباحية مباركة يا حبيبتي.
نظرت نحوه أولاً بإمتعاض ثم إلي والدتها بشبه إبتسامة خافته.
_ تعالو يلا أفطرو جبل ماتمشو، ده أني كماني حضرتلكو واكل تاخدوه وياكو.
فقال سليم بإبتسامة شكر إلي حماته:
_ تسلمي يا ماما، مفيش داعي للتعب ده كله الطيارة فيها كل حاجة، وبعتذر مرة تانية أنا مبفطرش دلوقت، ولازم نمشي عشان الكابتن مستنينا من إمبارح في المطار.
تركت الصينية جانباً وقالت:
_ علي راحتكو يا ولدي، بس كل الي هاطلبو منك كيف أي أم، خد بالك من بتي وحطها في عينيك.
_
تقدم نحو زوجته و حاوط خصرها يقربها منه قائلاً:
_ من غير ما تقولي يا أمي، زينب جوه قلبي قبل عينيا.
ونظر إلي التي تقف بجواره مبتسماً، بينما هي أستقبلت تلك البسمة كتصريح مُعلن عن الجحيم الذي ينتظرها علي يديه.
قامت رسمية وزوجها بتوديع إبنتهما، فطلبت منهما أن ينتظرا دقيقة حتي توقظ إبنها ليودعهم فكان رد زينب حاد وصارم:
_ إياكي ياماه، أني معوزاش أشوفه واصل، وياريت تبلغيه إنه بالنسبة لي ملوش وچود.
قالت كلماتها وتركتهم جميعاً وخرجت مسرعة إلي الخارج لتجد السائق يفتح لها باب السيارة:
_ أتفضلي يا هانم.
دلفت إلي الداخل وجلست تنتظر سليم الذي ألحق بها ودلف من الجهة الأخري، وبعد ولوج السائق، قال بأمر له:
_ أطلع.
بدأت السيارة في التحرك و عينيها تنظر من خلال النافذة المعتمة علي منزلها النظرة الأخيرة.
_
ــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،، ــــــــــــــــــــــــــــــ
_ و بداخل حارة في إحدي الأحياء الشعبية، بعدما ترجلت من المركبة ذات الإطارات الثلاث، ولجت إلي بناء قديم تملأه رائحة العطن وصياح إحداهن من الجيران توبخ صغارها بالسباب.
توقفت أمام الباب الخشبي ذو النافذة الزجاجية يحاوطها قضبان من الحديد، أخرجت المفتاح وقامت بفتح الباب، فولجت وهي تزفر من التعب، جلست علي أقرب مقعد:
_ آه يا رچلي ياني.
خلعت حذائها وألقته جانباً، أخذت تحرك في أناملها:
_ ميتي ياربي تتوب عليا من الشقي والتعب دي، نفسي أرتاح بجي.
طرقات مدوية علي الباب، زفرت بتأفف وضيق:
_ شكلي ماهشوف راحة واصل، حاضر يالي بتخبط چاية أهه.
نهضت بثقل تتحمل السير بصعوبة علي قدميها، فتحت الباب لتجد هذا الرجل ذو الملامح البغيضة يقف أمامها ويمد رأسه ينظر إلي الداخل، دفعته في كتفه وسألته:
_ رايد مني أي الساعة دي يا أبو سعيد؟.
_
_ فين باقي الفلوس الي قولتيلي هديهملك بعد يومين وأهو فات يومين ودخلنا في الرابع.
_ وأني جولتلك أصبر عليا لحد ما يجبضوني في العيادة، ولحد دلوق الدكتور معطنيش ولا مليم، وإكده ولا إكده هدفعهملك هاروح منك فين.
رمقها بنظره غير مستساغه لها وقال:
_ ما أنا قولتلك هجبلك شريكه معاكي في السكن، الشقه ماشاء الله كبيرة وأنتي لوحدك.
لوحت له بيدها برفض:
_ وأني جولتلك لاء، أني ماحبش الشريك في أي حاچة، وإيچارك وهعطيهولك، ويلا هملني عشان راچعه من الشغل تعبانه ومجدراش أتحدت أكتر من إكده.
دفعت الباب في وجهه ودلفت إلي الداخل:
_ أي الراچل الي كيف الحمي دي، كتو البلا حرجلي دمي، لما أروح أشوفلي حاچة أكلها.
دخلت المطبخ وفتحت الثلاجة فلم تجد سوي علبة جبن مفتوحة وكيس بداخله عدة أرغفة من الخبز، وطبق آخر به ثمرة زيتون حادق، وفي الباب زجاجتين مياه بارده، زمتت شفتيها وقالت:
_ يعني بعد الچبنة الرومي والفلامنك والريكفورد والمشوي والمحمر يبجي دي حالي، علبة چبنة طعمها كيف زيت التموين!، تستاهلي يا فقر محدش جالك تسيبي الهنا والعز الي كنتي عايشه فيه وتهوربي، ما هو مكنش ينفع أجعد ويا واحد بيشتغل عند جتال جتله، وكمان هاجعد بصفتي أي عاد.
_
طبقت شفتيها وهي تفكر لتردف باقي حديثها مع ذاتها:
_ واه ياسمية، لتكوني وجعتي في حب الچدع!، فوجي يابت عبدالحق الي زي دي هيبصلك علي أي يا حسرة، آخرك تشتغلي حداه خدامة، ده حتي الخدامة الي كانت بتيچي تنضف له شجته شكلها أچنبية، يعني محصلتيش الخدامة كمان، كفياني أحلام لما أروح أريح چتتي هبابة.
ـــــــــــــــــــــــ،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يجلس في غرفة النوم أمام الحاسوب ويحتسي فنجان القهوة الخاصة به، بينما تخرج من المرحاض الملحق بللغرفة تلك السيدة التي تلف جسدها بمنشفة قطنية كبيرة وتغطي شعرها بمنشفة أخري صغيرة، تلتقط ثيابها من فوق التخت وهي تقول:
_ مش ناوي ترجع المكتب وتشوف القضايا المتأجلة، العملاء عاملين يتصلو ويسألوني عليك و مش عارفه أقولهم أي.
ترك القدح علي الطاولة بعدما أنتهي من إحتساءه كاملاً وقال:
_ مش عارفة تقوليلهم إنه في أجازة.
أرتدت ثوبها القصير وجلست علي طرف الفراش لترتدي جوربها الأسود الشفاف، تقول بتهكم:
_ الي يسمعك يقول إنك واخد أجازة بجد، ومش عمال تلف علي حتة بت ممرضة كحيانة متسواش في سوق البنات قرش واحد.
أغلق حاسوبه بهدوء، وأستدار بجسده نحوها يرمقها بتحذير:
_
_ هدير، ياريت تخليكي في حالك وفي شغلك وبس.
وقفت وسارت نحوه تحدجه بإمتعاض:
_ أمرك يا مستر صلاح.
وقفت أمامه تفكر في أمر ما لكسب وده مجدداً، فقالت بمكر:
_ طب والي يقولك علي فكرة توفر عليك وقتك ومجهودك ويخليها تيجي لحد عندك.
رفع حاجبيه وقال:
_ يبقي عملتي فيا معروف، ولو ده حصل و وصلتلها ليكي هدية وأنتي الي هتختريها.
ولت ظهرها له وجلست علي مسند الأريكة:
_ طب ممكن تقفلي سوستة الفستان الأول.
هز رأسه بإبتسامة فقام برفع السحاب لأعلي، نهضت وجلست بجواره وبزهو وفخر قالت:
_
_ تليفون صغير لحد من معارفك في الداخلية أو الأمن الوطني يجبيهالك لحد عندك.
رفع جانب شفتيه بتهكم وقال:
_ ده أي الذكاء ده، علي أساس إن معملتش كده، ده أول حاجة عملتها ولغاية دلوقت موصلوش ليها.
إبتسمت بخبث وقالت:
_ خد الجديد بقي، هي فكرة مجنونة شوية بس هتختصر عليك الطريق.
يستمع لها وفي البداية كان يرمقها مقطب بين حاجبيه لتبدأ ملامحه بالإنبساط ولاحت إبتسامة علي محياه، فأمسك بهاتفه ليبدأ بتنفيذ الفكرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،، ــــــــــــــــــــــــــــــ
_ لو تجوليلي مالك يمكن أساعدك وأخرچك من حالة الكآبة الي أنتي فيها دي من وجت رچعتك من فرح بت خالك.
قالتها قمر إلي فاطمة، والأخري تنظر نحو الفراغ تتذكر ما حدث معها فقالت بإستنكار وبإندفاع:
_ جولتلك مفيش يا قمر، مخنوجة شوي مش أكتر.
_
رمقتها قمر بإعتذار قائلة:
_ حجك علي أني مجصدش أضايقك واصل.
زفرت الأخري بضيق مما قالته للتو، فقالت:
_ أني الي آسفه هبيت فيكي كيف الوابور، أني لما ببجي مخنوجة مابعرفش أتحدت عاد، وبرمي حديت دبش.
إبتسمت لها وربتت عليها:
_ أني مبزعلش منك يا فاطمة، أني متضايجة لأني شايفه حالتك دي ومعرفاش أساعدك ولا أخفف عنيكي، يعلم ربنا من وجت ما دخلت الدار أهنه وأني بعتبرك كيف خايتي، وفرحت جوي لما لاجيتك بتبادليني نفس الشعور، بعكس بنات خالي الله يسهلهم ويسامحهم كانو ديماً بيعاملوني أني عيلة صغيرة ومليش عزا وعيتمسخرو عليا كل ما أتحدت وياهم.
ربتت فاطمة علي يدها وقالت:
_ دول بنات تافهين ومايفهموش حاچة واصل، أنتي ماشاء الله عليكي عقلك سابج سنك لدرچة أني بستغرب كيف حداكي 18سنة.
_ الي شوفته من الدنيا مش جليل يافاطمة، أتعلمت حاچات كتير عطتني عمر فوج عمري، المهم هملينا مني دلوق، أنتي أي الي حوصل وياكي، رافع واد خالك جالك حاچة ضايجتك؟.
نظرت فاطمة لأسفل بخجل وتوتر وبعض من الخوف، فقالت:
_
_ هجولك بس بالله عليكي يبجي سر بينتنا.
أعتدلت الأخري في جلستها بإنتباه وقالت:
_ عيب عليكي، أني عمري ما بطلع سر حد واصل حتي لو كان يخص المحروجة مارت خالي، وحطيها حلجه في ودانك الي يحكيلك سر غيرك هيحكي لغيرك سرك.
تنهدت فاطمة وبدأت تسرد لها ما حدث معها، فكانت الصدمة تعلو ملامح قمر والتي قالت:
_ الله يخرب بيته كيف يسوي فيكي إكده، وأنتي كيف سمحتي له يجرب منك ويلمسك، أهو سكوتك دي هيخليه ممكن يكررها تاني وتالت ويستحلها علي مزاچه.
_ أني مكنش بيدي أي حاچة، معرفاش أي الي بيحوصل معاي لما بيجف قدامي، بمثل أني قوية ومبخافش لكن من چوايا ببجي مرعوبة جوي منيه، والي حوصل إمبارح دي كنت كيف المتخدره مدرياش عيسوي أي غير لما بعد عني وفوجت لحالي وهملته وچريت منيه.
_ الي عتحسيه دي ما أسموش قلق، ده حب، لساتك عتحبيه و كرامتك منعاكي وخايفة لتضعفي قدامه كيف ما ضعفتي إكده.
كلماتها صادقة وكأنها قالت ما لم تكن قادرة علي البوح به، أطلقت زفرة نابعة من أعماقها:
_ والحل يا قمر؟، شوري علي الله يخليكي.
_ هما حلين ملهمش تالت، الأول لو لساتك ريداه خليه يتجدملك تاني وتتچوزو، والتاني إنك تبعدي عن طريجه وتنسيه وده بأنك تتچوزي واحد يحبك ويخاف عليكي وينسيكي رافع ده واصل.
_
أجابت بإستنكار:
_ وأني عمري ما هتچوزو أولاً ما أجبلش أكون ضرة أو زوچة تانية وثانياً لأچل طريج الحرام الي ماشي فيه.
_ يبجي تكملي حياتك وتتچوزي كيف ما جولتلك.
_ سبج وجولتلك الي عيجرب مني بيأذيه أو يجتله، وأني مقدرش أشيل ذنب حد واصل.
_ أسمعيني زين، أنتي حكيتي لي عن الحكيم الي إسمه يحيي وإنه كل شوي يبعتلك رسايل أو يتصل لأچل يطمن عليكي.
أومأت لها بالإيجاب، فأردفت الأخري:
_ واضح جوي إن الچدع عيحبك ولو سمحتي له ممكن يچي ويطلب يدك، و رافع مايجدرش يجرب منيه لأنه غريب عن النچع وبتجولي كمان أنه من عيلة كبيرة يعني مؤكد ليه معارف تقال، ولو خبرتيه وحذرتيه منه هيسوي حسابه وياخد حذره.
_ معرفاش بجي ياقمر، خايفه أسوي أي خطوة أرچع يوحصل مصيبة وأرچع أندم بعد إكده.
صدح رنين هاتف قمر الذي أشتراه لها بكر حديثاً، فقالت:
_ واه شوفتي كنت هنسي كيف، أخوكي زمانه خلص درس الدين للولاد وچاي ياخدني لأچل نشتري شوية حاچات، وأني لسه ملبستش خلچاتي.
_
أبتسمت فاطمة إليها وقالت بتمني وفرح:
_ ربنا يسعدكو ويهنيكو ويتتملكو علي خير، ويهدي أمي عليكي ويحنن جلبها عليكي.
ضحكت قمر وقالت:
_ أيوه كتري من آخر دعاء دي، والله أني بحبها ورايدها تحبني كيف بتها ومستعده أسوي أي حاچة عشانها بس ترضي عليا الأول.
_ أمي چواها طيب و واحدة واحدة عتحبك، معلش أستحمليها.
_ أستحملها العمر كله كفاية إنها أم الغالي.
ــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــــ
_ يصعد ثلاثتهم درج هذا البناء القديم والذي يقع بالقرب من وسط البلدة، وصلو إلي سطح البناء حيث توجد عدة غرف منفصلة وبرج خشبي يسكنه حمام زاجل.
_ أتفضلو يا چماعة، حاچة علي القد مؤقتاً، الأوض كلها عُزاب كيفكو إكده والأوضة الي هتجعدو فيها مفيهاش غير چدع واحد وده ماعيرچعش غير علي النوم و في حاله، ها تأمرو بأي حاچة جبل ما أمشي؟.
ربت جنيدي علي كتفه بشكر وإمتنان:
_
_ تسلم يا أبو سعيد الله يخليك.
هم بالذهاب فقال:
_ جبل ما أهملكو صوح، أني كلمت الراچل عن البضاعة وجالي تروحو تستلموها منيه بكرة جبل الضهر، تاخدوها وتفرشوها كيف ما تريدو، لكن خدو بالكو لازم تراضو أمين الشرطة المسئول عن أمن المنطجة الي هاتبيعو فيها بدل ما يرازي فيكو ويسلط عليكو البلدية.
أومأ له كليهما فقال جنيدي:
_ أطمن علينا إحنا نفوتو في الحديد، نستلم البضاعة وعنسوي بأمر الله أحلي شغل دعواتك معانا بجي.
_ ربنا يوفقكم يا ولدي، يلا فوتكو بعافية.
سار فارس نحو السور ينظر إلي أضواء المدينة وناطحات السحاب المحيطة بهم.
_ أي رأيك يا صاحبي، عاچبك المطرح؟، سطوح هواه يشرح الجلب وياسلام لو حداك چوزه مولعه بحچرين معسل محطوط فوجيهم جرش حشيش يبجي الچنة ونعيمها.
ألتفت له بوجهه وحدجه بإمتعاض:
_ بص يا چنيدي لأچل نبجي متجفين الجرف دي عايز تشربه يبجي بعيد عن أهنه، أني بكره الدخان وكل حاچة تبعه، خلي ربنا يكرمنا ومايغضبش علينا.
_
أومأ له بمضض وقال:
_ حاضر ياصاحبي، ولعلمك بجي أني كنت بهزر، أني أخري سوچاره أو حچرين أشربهم في أي جهوة.
_ يبجي أحسن، ناولني المفتاح خليني أريح من لف طول النهار.
أخرج من جيبه المفتاح وأعطاه إياه:
_ أتفضل يا صاحبي، إلا جولي صوح ناوي علي أي الأيام الچاية، هتجول لأهلك أنك هربان ولا هاتسوي أي عاد.
لايعلم فارس ماذا سيفعل، فالآخر لايعلم عنه شيئاً سوي سبب دخوله إلي السجن فقط.
تنهد وأجاب:
_ لسه ما عرفش، دماغي واجفه عن التفكير، وياتري الحكومة لما خابرت بالي حوصل هيسو ويانا أي، بالتأكيد هيدورو علينا واحد واحد، مش بعيد ينزلو صورنا ويعملو مكافاءة للي يدل علينا.
حك جنيدي فروة رأسه بتفكير وقال:
_ ما أني نسيت أجولك إننا هنغير أسامينا دي لما ننزل ونشتغل.
_
رمقه بإستفهام:
_ كيف يعني؟.
أجاب جنيدي:
_ أختارلك إسم غير فارس، وأني كماني هغير أسمي!.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــ
_ أنتهيا من إختيار غرفة النوم وقام بكر بدفع جزء كبير من ثمنها لصاحب المعرض وأتفق معه علي أستلامها غداً، ثم ذهبا معاً وقاما بشراء الكثير من الأشياء له ولها وفي نهاية اليوم، توقفا أمام مطعم شهير في المدينة فقال لها:
_ تعالي ما وكلك أحلي أكلة سمك وچمبري وشوربة سي فود.
وقفت أمامه وقالت:
_ وكيف هندخلو بالشنط دي كلاتها؟.
أجاب عليها وهو ينظر في ساعة يده:
_
_ ما أني كلمت واحد صاحبي حداه عربية جولتلو يعدي علينا أهنه وهعطيه الشنط وهو هياخدها يوصلها الدار.
إبتسمت من أسفل النقاب وبدي ذلك علي فيروزتيها:
_ إن كان إكده ماشي ياسي بكر.
أقترب منها وهمس بنبرة عذبة جعلتها وجنتيها تتوهج:
_ ما جولنا بكر بس يا روح جلب بكر.
فأقترب منها أكثر مردفاً:
_ خابره دلوق، نفسي أرفعلك النقاب وأشوف خدودك الي كيف التفاح الأحمر، من يوم كتب الكتاب ومفرجوش خيالي واصل.
_ السلام عليكم يا شيخ بكر.
كان صوت صاحبه الذي وصل للتو، فأنتفض كليهما بفزغ، فقال بكر:
_ الله يسامحك يا أخي خلعتني، أنت وصلت ميتي؟.
_
أجاب بإبتسامة ماكرة ويراقص حاجبيه بشكل مضحك:
_ من وجت التفاح الأحمر يا شيخنا.
لكزه بكر في كتفه بمزاح:
_ خليك في حالك أحسن لك.
غمز له بعينه قائلاً:
_ ماشي، الله يسهلو أوعدنا يارب.
ضحك بكر وقال مازحاً:
_ الله أكبر في عينك يا عزول.
_ بجي إكده، عتكبر في وشي عيني عينك وبجيت عزول كماني، هعديهالك بس لأچل خاطر العروسة.
_ طيب يلا خد الشنط وهملنا لحالنا.
_
مد يده وتناول الحقائب:
_ هات، ولما تخلصو مشواريكو أبجي أتصل عليا وجولي أچي أخدكو وأوصلكو.
ربت عليه شاكراً:
_ تسلم يا عبده أني هبجي ناخدو تاكسي.
_ علي راحتك يا صاحبي، سلام عليكم.
ألتفت بكر إليها وأثني ساعده إليها:
_ يلا إحنا بجي، أني هاموت من الچوع.
وضعت يدها علي ساعده وقالت:
_ بعد الشر عليك يا سي، جصدي يا بكر.
هز رأسه بضحك كدليل أنه لافائدة، دلف كليهما وصعدا إلي الأعلي فجلسا علي طاولة يحاوطها سور خشبي حتي تستطيع قمر رفع النقاب وتأكل بأريحية، طلب بكر من النادل وجبتين من السمك والجمبري المقلي وأطباق حساء مأكولات البحر اللذيذ.
_
أومأ النادل له بإحترام:
_ عشر دقايق يافندم والأكل هيكون جاهز، عن أذنكو.
وذهب، نهض بكر ليجلس جوارها وأمسك يدها وخلع قفازها ليجدها باردة الملمس:
_ واه، يدك كيف التلج أنتي بردانه ولا أي؟.
أجابت بخجل:
_ لاء.
وضع يدها بين كفيه وأخذ يدلكها حتي يدفأها جيداً فقال:
_ دلوق أحسن؟.
أومأت له:
_ أيوه.
_
سحبت يدها بلطف من بين يديه وأرتدت القفاز، فقال لها:
_ كفاياكي كسوف بجي، ده أني چوزك ورايدك تتعودي عليا، مش كل ما أجرب منك تبعدي، ولا ناوية تبعدي برضك عني لما يتجفل علينا باب واحد!.
أشاحت وجهها المغطي من الخجل، أخذ يقهقه من ردة فعلها فأردف:
_ طب أني جولت أي دلوق خلاكي تبعدي وشك؟، لاء إكده لينا جعده طويلة ويا بعض لما نعاود علي الدار.
_ مجولتليش هتدهن الأوضة لون أي؟.
_ عتغيري الموضوع، ماشي ماشي، أني هدهنها لون أبيض كيف الخشب، كيف تبجي الأوضة كلاتها أبيض في أبيض كيف القمر الي هيجعد فيها معاي.
وغمز لها بعينه
_ واه يا بكر، كفاياك بجي أني مجدراشي أتلم علي أعصابي من الكسوف.
_ إكده!، يلا أنتي بجي جطعتي برزقك، كنت ناوي أتحدت وياكي بكلام كتير جوي شايله چوايا وما صدجت خرچنا وبجينا لحالنا.
رفعت النقاب وجلست بزواية حيث لا يراها أحداً سواه، فقالت بإهتمام:
_
_ جول وأني سمعاك بجلبي جبل وداني.
خفق قلبه وكذلك قلبها فبدأ بالتحدث قائلاً:
_ خابره ياقمر أول يوم چيتي فيه المسچد لأچل تاخدي عمر، برغم مكنتش شايف وشك وحاولت أغض بصري عن عينيكي لكن جلبي كان شايفك، ما أعرفش لما رچعت اليوم ده وجعدت لحالي، لاجيتك شاغله تفكيري جعدت أستغفر ربنا ليكون وسوسة شيطان كيف يشغلني عن ذكر الله والقرآن، لاجيت الموضوع عكس إكده عاد، حسيت إن ربنا بعتك ليا لتكوني نصي التاني الي هاكمل بيه عمري وحياتي، والي بدعي ربنا كيف ما يچمعني بيكي في الدنيا يچمعني بيكي في الآخرة في الجنة بإذن الله يارب.
تنهدت بسكينة وهدوء برغم قلبها الذي يقفز بداخلها من كلماته التي جعلتها تحلق في السماء كعصفورة الفردوس، طالما تمنت فارس أحلامها مثله وها هو الحلم يتحقق بل أكثر ماكانت تتمني.
_ وأني كماني، لما شوفتك اليوم دي أتمنيت تكون نصيبي، مكنتش مصدجه وبكدب نفسي وبجول ده حلم وكفاياني أحلام، لفت الأيام لحد ما چيت لك برچليا وكأن القدر سوي معاي كل الي حوصل لأچل أبجي ليك في النهاية، ويوم ما جولت لمرات خالي أني خطيبتك وهبجي مارتك كنت هاجع من طولي، بعد ما دخلت الأوضه صليت ركعتين شكر لله وجعدت أبكي من كتر فرحتي، ودعيت كيف ما أنت دعيت أن تكوم چوزي دنيا وآخرة و في الچنة بإذن الله.
وقع قلبه بين يديها لتصبح ملكيته، فلم يتحمل مايعتريه من مشاعر عشق وهيام، فجذبها بين زراعيه يعانقها قائلاً بنبرة عاشق متيم:
_ أني بعشجك جوي ياقمر، ربنا مايحرمني منك واصل.
أجابت عليه بكل ما تشعر به نحوه:
_ وأني كماني يا روح قمر، بحبك وبموت فيك، ميحرمنيش منك ولا من حبك وحنيتك عليا.
ـــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_
_ بعدما علم بذهبها لدي والدتها وبدون علمه، سأل والدته لتخبره بمهاتفة خالته لتخبرها الأخري بأنها لاتريد العودة بعد الكثير من التحايل عليها، فثار كالبركان غاضباً، حاولت والدته أن تهدأ من روعه لكنه أقسم إنه سيذهب إليها ولم يدخل المنزل سوي وهي في يده شاءت أم آبت، فعليها طاعته.
ذهب إلي منزل خالته وطرق الباب بعنف، فأستيقظت سعاد من نومها بنعاس قالت:
_ حاضر يالي علي الباب، ربنا يستر شكله ولد خايتي چاي بزعابيبه وناوي علي ليلة غابرة.
فتحت الباب لتجده أمامها، دفع الباب علي مصرعه بهصاه الغليظة فأبتعدت بخوف من أمامه:
_ مالك يا ولدي داخل كيف زعابيب أمشير إكده؟.
حدجها بملامح ثائرة وعينيه الحادتين الغاضبة:
_ يعني معرفاش يا خالة علي سوته بتك!، كيف تسمح لها تيچي لك من دون علمي وكماني معيزاش ترچع.
أجابت بتوتر:
_ يعني هي چت عند حد غريب.
دك عصاه في الأرض وبصوت ثائر قال:
_
_ من غير علمي، والمره الي تخرچ من غير ماتستأذن چوزها تستاهل الي هايسويه فيها.
لطمت سعاد علي صدغيها خوفاً علي إبنتها من شر هذا الشيطان:
_ أهدي يا ولدي وأغذي الشيطان، مارتك ماسوتش حاچة عفشه لاسمح الله، هي بس كانت واخده علي خاطرها منك شوي.
_ همليه ياأماي يجول ويهدد كيف ما هو عايز.
قالتها نوارة بعدما خرجت من الغرفة ورمقته بوجوم وعدم إكتراث لغضبه وتهديده
وثب بخطوة واحدة نحوها فوقفت بينهما سعاد حاجزاً خشية أن يفتك بإبنتها.
صاح بها:
_ مين الي جالك تخرچي من غير أذني؟.
حدجته بتحدي وبلا قلق منه كالسابق:
_ أني، ومن أهنه ورايح ملكش صالح بيا وأنسي إنك چوزي.
_
_ عتخرفي تجولي أي يا بت المركوب.
ردت بحدة مماثل لترد إهانته وسبه لها:
_ مركوب علي نفوخك أنت يا بعيد.
صاحت سعاد بها:
_ ما تنكتمي يابت بجي، وأنت يا رافع عيب مينفعش الحديت يبجي بينتكم إكده، سمعتو بينا أهل النچع.
_ ماتجولي للمحروجة بتك الي عيارها فلت وعترد عليا كلمة بكلمة، قسماً بالله لأحاسبك علي الي جولتيه حساب عسير يا نوارة، لما نروحو دارنا.
صاحت بتهكم وحزم :
_ مش لما أعاود وياك الأول يا سبعي.
رمقها بتساؤل:
_ يعني أي؟.
_
رمقتها سعاد بتحذير وأن تتراجع عن ما ستتفوه به، فبادلتها إبنتها بعدم مبالاه وإنها قد حسمت أمرها، أزدردت ريقها وقالت:
_ يعني طلجني!.
#الفصل_السابع_عشر
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
_ بعدما أصطف بالسيارة أمام المنزل وهي بجواره تتلوي من قبضته المغروزة في عضدها، وجدت لاجدوي فأخذت تردد من بين أسنانها:
_ هملني أحسن ما أصرخ وأفضحك قدام أهل البلد.
_ وعتهدديني كماني يابت ال…..
صاح بها ثم هبط علي جسدها و وجهها بكفيه، فتعالت صرخاتها بالإستغاثة، خرج والديه من المنزل ليرا ماذا يحدث فوجدا نجلهما يعنف زوجته وينزلها من سيارته عنوة.
صاح به والده:
_
_ واد يا رافع.
وركضت والدته للجهة الأخري لتنقذ إبنة شقيقتها:
_ والله لو ما هملتها من يدك لاتكون ولدي ومتبريه منك ليوم الدين.
توقف عن ما يقترفه، وحدج زوجته بتوعد قائلاً:
_ عاچبك الفضايح دي!، لينا باب هيتجفل علينا إما وريتك.
أنزلتها والدته وأحتضنتها وقالت بتهديد له:
_ ومارتك ما هتروحش وياك في مطرح واصل.
فقال خميس:
_ أغزي الشيطان يا رافع وأدخل چوه، وهمل مارتك مع أمك دلوق.
وقف بتحدي أمام والديه وأمسك بيد تلك المسكينة يجذبها نحوه:
_
_ أديك جولتها، مارتي وأني حر فيها.
جحظت عينين خميس بحدة:
_ عتتحداني يا كلب.
وهبط علي وجهه بصفعة مدوية لأول مرة منذ أن كان طفلاً، فأعاد بداخله أسوء ذكرياته وسبب ما جعله بهذا السوء.
_ والدار دي ملكش مطرح فيها غير لما تتأسف لمارتك وتحب علي راسها و فوج دي كله تتعلم كيف تحترم أبوك.
_ واه.
صاحت بها رسمية ولطمت علي وجهها، بينما رافع ظل واقفاً أمام والده يحدجه بنظرات تجمعت بها كل الكراهية والحقد الذي يحملهما منذ الصغر إليه.
حاول ألا يصدر قولاً أو فعلاً منه إتجاه والده، فشيطانه يتملك منه الآن، وحتي لا يفعل شئ يندم عليه لاحقاً تركهم جميعاً وصعد إلي داخل سيارته وأنطلق بها.
ربتت رسمية علي نوارة التي تبكي من ألم ماتلقته:
_ تعالي چوه يابتي وأني هاچبلك حجك من حباب عينيه ربنا يهديه.
_
ردت نوارة بتوسل ورجاء:
_ بالله عليكي أنتي يا خالتي همليني أرچع لأمي، أني خلاص معوزاشي أعيش وياه تاني.
تنهد خميس بأسف عليها فقال لها:
_ تعالي يابتي وأوعدك ما هخليه يچي چمبك غير لما يندم ويبوس يدك.
فقالت خالتها:
_ عشان خاطري إسمعي حديت عمك هو عايز مصلحتك، يلا أدخلي ويانا ولا مليش خاطر عندكي، والواحدة منينا مهما حوصل بينها وبين چوزها ملهاش غيره في الآخر.
بدأ بكائها يخبو ورمقتهما بإستسلام، خاصة بعد رجاء خالتها إليها، وتذكرت كيف كان موقف والدتها الضعيف أمام ثورة انزعاج رافع عندما طلبت منه الطلاق، لم تتخذ أي موقف حاسم للدفاع عن إبنتها وتركته يعنفها ويوجه إليه أبشع الألفاظ وهو يجذبها من حجابها في مذلة ومهانة خشيت أن تتدخل بينهما خوفاً منه، فشعرت نوارة حينذاك شعور بالخذل فليس لديها من يحميها من غدر وظلم زوجها، وها هنا الآن وجدت من دافع عنها هي خالتها وزوجها، فأستسلمت للرجوع والعيش معهم، فهما سندها وحمايتها من شر هذا الرافع وبطشه.
ـــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،، ـــــــــــــــــــــــــــــــ
_ آتي صباح اليوم التالي لتستيقظ عيون بعدما ذاقت نوم كان يجافيها الليالي المنصرمة، يحدق في سقف الغرفة المتكون من ألواح الخشب المتراصة ويتدلي من المنتصف سلك كهرباء في نهايته مصباح إضاءة من النيون الأبيض.
أنتفض من هذا الصوت البغيض الذي صُدر من أنف وفم صاحبه النائم علي الأريكة المقابلة للأريكة الأخري الذي يتمدد عليها.
_
هز رأسه مبتسماً بتهكم من ما يحدث معه وكيف آلت الأمور به حتي أصبح مما هو عليه، متهماً هارباً من العدالة يمكث في غرفة لا تفرق عن الزنزانة فكليهما أربع جدران مع الفارق البسيط إنه يملك حريته الآن، حتي لو كانت حرية زائفة محدودة، فعليه التنكر بإسم دون إسمه الحقيقي حتي لاينكشف أمره ولا يستطيع الوصول إلي براءته قبل عودته إلي السجن مجدداً، فجسده هو من تحرر بينما ذاته هي التي أصبحت أسيرة.
نهض وألقي بالدثار البالي جانباً، أخذ ثياب قد جلبها لهما عم عربي ليبدلوها بثيابهما المتسخة وخرج إلي المرحاض قبل أن يستيقظ الآخرون من ما يسكنون الغرف المجاورة، قام بالإستحمام مستمتعاً بالمياه ورائحة الصابون المنعشة، وبعد إنتهاءه أرتدي الثياب الجديدة بسيطة المظهر، ثم توضأ ليؤدي فرضه في الهواء الطلق.
وعندما ألقي تحية السلام، فقال له إحدهم يقف خلفه:
_ تقبل الله يا بلدينا.
وقف وألتفت إلي صاحب الصوت فوجده شاب يرتدي بدلة مهندمة ذو ملامح تتميز بالوسامة ويبدو إنه في نفس عمره، أبتسم الشاب ومد يده إليه:
_ أنا شريف شريك التالت في الأوضة، عم عربي كلمني وبلغني بوجودكو.
صافحه فارس ويرمقه بتعجب من مظهره الثري الذي يتنافي مع هذا السكن :
_ أهلاً وسهلاً.
لاحظ شريف نظراته فقال:
_ ميغركش البدلة والشياكه الي أنا فيها، ده لزوم شغلي، أصلي بشتغل في فندق كبير سوبر فايزر الويترز الي في المطعم هناك.
_
قال فارس بإقتضاب:
_ ربنا يوفجك.
_ تعالي بقي نفطر سوا، أنا جايب كباب وكفتة وصاية وعملت حسابكو معايا.
خرج جنيدي من الغرفة يتثائب قائلاً:
_ أني شامم ريحة كباب.
نظر كل من فارس وشريف إليه وأخذا يضحكا عليه.
وبعدما تبادلو ثلاثتهم الأحاديث أثناء تناولهم للطعام، نفض فارس يديه وقال:
_ الحمدلله، متشكرين علي الواكل يا أستاذ شريف.
رد شريف:
_ متقولش كده يا…
_
صمت وأردف بإستفهام:
_ ألا صح عاملين نتكلم مع بعض من بدري وكلنا وشربنا ومعرفش أسمائكو.
توقف جنيدي عن الأكل ونظر إلي فارس يغمز له بإحدي عينيه، فأجاب علي شريف وهو يفكر:
_ قاسم، إسمي قاسم.
وقال جنيدي بإبتسامة مصتنعة:
_ وأني چمال.
سألهما شريف مرة أخري:
_ أنتو قرايب ولا أصحاب؟.
نظر فارس إلي الآخر فقال جنيدي:
_ ولاد عم وأتدلينا من الصعيد علي أهنه لأچل نشتغلو.
_
هز شريف رأسه وقال:
_ أحسن ناس، عموماً زي ما شفتو كده برجع من شغلي الصبح باجي أفطر وأنام بصحي علي المغرب وبروح شغلي،يعني مش هاتحسو بيا خالص، فخدو راحتكو علي الآخر.
قال فارس:
_ ليه عتجول إكده، إحنا الي چايين عليك ويارب ما تكون متضايج من وچودنا.
إبتسم له بترحاب وقال بنفي:
_ بالعكس خالص، ده أنا فرحت لما لقيت ريس عربي كلمني وقالي هيسكن معاك جماعه تبعي وأضمنهملك برقبتي وفرحت لما قالي أنكو بلدياته، أصل عم عربي جدع جدا وخدوم وشكلكو متتخيروش عنه.
قال جنيدي رافعاً كفه بإمتنان:
_ الله يكرمك، ده من كرم أخلاجك، لا مؤاخذة بجي ممكن تجولنا الساعة حداك كام، أصلنا معناش موبايلات ولاد الحرام جلبونا في الجطر.
أخرج شريف هاتفه الحديث والذي يبدو باهظاً ليثير تساؤلات عديدة بداخل فارس.
_ الساعة تمانيه وربع.
_
نهض جنيدي وينفض بقايا الخبز من يديه:
_ إكده أتأخرنا، يلا بينا ياصاحبي، زمان الراچل الي مستنينا هيتصل بعم عربي وهيجولو دول ماچوش.
تناول كوب ماء وشربه كاملاً وأردف:
_ تسلم يدك علي الفطور يا شريف بيه، ده الواحد معدته نشفت من جلة الواكل لما كان في السچ…..
قاطعه فارس قبل أن يفتضح أمرهما:
_ يلا يا چمال مش وجته، أني هستناك عجبال ماتغير خلچاتك أكون شربت كوباية الشاي.
ــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ـــــــــــــــــــــــــــــ
_ كاد يجن جنونه، لايعلم عنها شيئاً فإحدي الرجال الذي كلفهم لمراقبة منزلها أخبره إنها ليست في المنزل حيث علم من الحارس بطريقة غير مباشرة إن زوجها قد أخذها إلي المشفي في حالة إعياء، جاءت في ذهنه الكثير من الظنون ويتمني أن لايكون قد حدث لها مكروهاً، ولكي يطمأن قلبه ويهدأ قرر الذهاب إلي منزل عائلتها الذي يحفظ مكانه عن ظهر قلب طالما كان يوصلها بالقرب منه أيام الجامعة.
وبعدما تناول فطوره في إحدي المطاعم القريبه من مسكنه، أستقل سيارته وبدلاً من أن يتجه لمقر شركته ذهب إلي إتجاهاً آخر بدون ملاحظة تلك المراقبة التي كظله، فهناك رجل ما يتبعه إينما ذهب وذلك منذ يومين، وهناك من كانت تستقل سيارة أجرة وتتبعه لتجده يتجه إلي منزل أسرة من تدعيها صديقتها فأضرمت نيران الغيرة بداخلها وأخبرت السائق:
_ أطلع ورا العربية السيلڤر ده ياسطا.
_
و في طريقه قام بشراء علبة فاخرة من الشيكولاتة، وبعد قطع مسافة نصف ساعة من القيادة توقف أمام البناء، ترجل من السيارة وأرتدي نظارته الشمسية وألقي نظرة علي البناء الذي لم ينس معالمه، فدلف إلي الداخل وصعد الدرج.
_ وبداخل منزل والد ندي، أنتهت والدتها من جلي الصحون بينما هي كانت تدرس لإبنتها:
_ و دي تبقي أي؟.
أجابت الصغيرة وهي تستهجأ حروف الكلمة:
_ ش.. ج.. ر.. ة، شجرة.
ربتت والدتها علي رأسها:
_ براڤو.
رن جرس المنزل، فأنتبهت إليه وقالت:
_ طيب أكتبيها هنا أدام الصورة بتاعتها عقبال ما أروح أشوف مين.
خرجت من الغرفة فأوقفتها والدتها:
_
_ رايحة فين، أدخلي أقعدي مع بنتك وأنا هاروح أفتح ليكون الأستاذ ليه عين وجاي يشوفك بعد الي عمله، ده يبقي هو الي جابه لنفسه.
تراجعت ندي وقلبها خفق تخشي إن يكون هو الزائر، لاتريد رؤيته حالياً، دلفت إلي غرفتها و وقفت خلف الباب وتنظر في خفاء.
فتحت والدتها الباب لتجد هذا الغريب بالنسبة إليها، يخلع نظارته وأبتسم:
_ صباح الخير يا أمي، أنا علي الحسيني مدير مدام ندي وجيت أطمن عليها.
تنهدت بعد دهشتها حتي علمت هويته، فقالت:
_ أتفضل حضرتك.
ولج إلي الداخل وعينيه تبحث عنها، لايعلم إنها قد رأته وقلبها كاد يتوقف من تلك المفاجأه بل الكارثة التي حلت فوق رأسها داعية ربها بأن يمر اليوم بلا كوارث.
أستقبلته والدتها في غرفة الضيوف، قائلة:
_ أتفضل يابني لما أروح أقولها، تحب تشرب أي؟.
أومأ لها بإحترام وخجل:
_
_ مفيش داعي لتعبك يا أمي، أنا جاي أطمن علي مدام ندي وماشي علي طول.
_ و حد قالك إن أحنا مبنعرفش في واجب الضيافة؟.
_ حاشا لله يا أمي، أنا قبل ما أجي فطرت وشربت قهوة فمش قادر.
قالت بإصرار وحبور:
_ يبقي تحلي، أنا عامله طواجن رز بللبن فرن هتاكل صوابعك وراه، هجبلك طاجن.
أومأ لها بإستسلام:
_ زي ما حضرتك تحبي.
_ عن أذنك يابني.
_ أتفضلي يا أمي.
ذهبت لتخبر إبنتها، فدلفت إليها وحدجتها بنظرة ذات مغذي :
_
_ قومي غيري هدومك، المدير بتاعك جاي بنفسه يطمن عليكي ومعاه علبة شيكولاته، أي العُبارة يا ندي هانم؟.
أزدردت ريقها وأجابت بتوتر:
_ قصدك أي يا ماما، أنا زي زيك قاعده معاكي ومعرفش حاجة.
رمقتها بعدم تصديق وقالت:
_ طيب يا ندي، لما أضايفه تكوني خلصتي وطلعتي له.
ذهبت والدتها، فزفرت الأخري بضيق:
_ الله يحرقك ياعلي، هي كانت نقصاك.
وألتفتت إلي إبنتها فلم تجدها، فأبدلت ثيابها علي عجالة و أرتسمت الجدية علي وجهها، كانت تسير بخطي وئيدة إلي الغرفة، ولجت إلي الداخل لتري صغيرتها تجلس بجواره وتضحك وتلهو معه، نهضت عند رؤية والدتها وأمسكت بعلبة الشيكولاتة:
_بصي أونكل علي جابلي علبة شيكولاتة كبيرة وقالي كوليها أنتي ومامي.
_ سبيها وروحي كملي الهوم وورك الي أديتهولك.
_
أذعنت لها علي مضض فأمسك علي يدها الصغيرة ويعطيها العلبة وقال:
_ خديها يا حبيبتي.
نظرت بحزن طفولي:
_ لاء مامي هتزعقلي بعد ما أنت هاتمشي.
أحتضنها وربت عليها:
_ متخافيش أنا هقولها متزعقلكيش.
رفعت عينيها إلي أمها، فحدجتها ندي بتوعد وهي تجز علي شفتيها:
_ خديها يا لارا ويلا أدخلي جوه زي ماقولتلك.
ركضت الصغيرة بخوف وغادرت، نهضت ندي تقف بمنتصف الغرفة تعقد ساعديها أمام صدرها وبنبرة حادة سألته:
_ أنت مين سمحلك تيجي هنا؟.
_
رمقها بإستعطاف قائلاً:
_ ممكن تقعدي ونتكلم بهدوء ومن غير أي أنفعال، أنا جايلك بصفتي مدير شغلك عرف أنك كنتي في المستشفي وجه يطمن عليكي.
لوت شفتيها بتهكم وقالت:
_ ماشاء الله وكمان مراقبني والله أعلم مشغل جواسيس عليا أنا وجوزي، بص يا علي أنا حصلي كوارث من تحت راسك كتير، كنت هاموت بسبب….
صمتت ولم تكمل حينما دلفت والدتها تحمل صينية طاجن الأرز بالحليب، وضعته امامه علي الطاولة:
_ أتفضل بالهنا والشفا.
_ الله يهنيكي يا أمي.
نظرت أمها إليها بإستفهام عن سبب وقوفها هكذا وبعض الكلمات التي وصلت لسمعها.
ـــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــ
_ و في المخفر يسير متجهاً نحو مكتب رئيس عمله، توقف أمام الباب وطرقه ليأتيه صوته من الداخل:
_
_ أدخل.
فتح الباب وبجدية قال:
_ صباح الخير يافندم، طارق قالي إن هعدي عليك ضروري أول ما أوصل.
أشار إليه ليجلس قائلاً:
_ صباح النور، أتفضل أقعد يا أكرم.
جلس أمام المكتب بإنتباه وبجدية بالغة بادية علي ملامحه، فأردف الآخر:
_ بالتأكيد طارق بلغك بسفرية سليم العقبي لأمريكا وحكاية جوازه من أخت رافع القناوي الي رجالتنا هناك عيونهم علي الأراضي بتاعته الي كل شوية يزرعها كوـ,ـكايين ونحـ,ـرقه له قبل ما حتي يسقيه.
_ أيوه بلغني بكده بس كان ورايا مهمة القبض علي العيال بتوع دار السلام وقولت أول ما هنقبض عليهم هبتدي تحريات عن رافع ده وأخته.
قال الآخر بزهو مبتسماً:
_ وإحنا روحنا فين يا بطل، ده أنا كنت عايزك عشان أقولك إنك تعرفهم كويس أو بمعني الأصح تعرف إبن عمهم.
_
زاد إهتمامه بإنصات متسائلاً:
_ و ده مين ده كمان؟.
_ فارس قاسم القناوي.
حاول التركيز في الأسم حتي تذكر صاحبه، رفع حاجبيه بتعجب، أردف الآخر:
_ أيوه إبن صاحب والدك الله يرحمه، وفضلتو فترة أصحاب لحد ما والدك توفي وأنت إنشغلت بعدها في جوازك وشغلك، شوفت الدنيا صغيرة إزاي! .
_ أنا عمري ما جه في بالي أو مركزتش، قولت ممكن يكون تشابه أسماء لأن والدي الله يرحمه الي كان عارفهم ومعرفتي بفارس كانت سطحية مجرد معرفة مش أكتر.
تنهد وعاد بظهره إلي الوراء مستنداً علي ظهر كرسيه بأريحيه، ويتحدث بيديه:
_ فارس ده بقي لسه راجع من فترة وفي نفس يوم رجوعه أتوفي والده الحاج قاسم ولما خلص مراسم الدفن أتقدم فيه بلاغ بأنه راجع من السفر ومعاه حمولة كوكايين حوالي عشرة كيلو وهيسلمها لتجار التوزيع هناك، وبالفعل راحو فتشو البيت لاقو تحت سريره شنطة كبيرة بتحتوي علي نفس الي أتقدم في البلاغ، قبضو عليه وفضل علي ذمة التحقيق لحد ما رحلوه علي النيابة، ولو متابع الأخبار من يومين عربية الترحيلات الي كان فيها و معاه أخطر المجرمين من سفاحين وتجار مخدرات، أتعمل للعربية كمين من رجالة واحد من المجرمين دول وطلعو بالأسلحه وـ,ـتلو كل الظباط والعساكر وهربو الي في العربية وحرقوها بالجثث الي ـ,ـتلوهم.
_ أولاً دول بالتأكيد عصابة كبيرة الي عملو كده وليهم عيون في القسم الي كان فيهم الريس بتاعهم، ثانياً بالنسبة لفارس إستحالة تكون الشنطة دي بتاعته، والدي الله يرحمه كان ديماً بيحكيلي عن عم قاسم وإبنه وأخلاقهم ده غير الخدمات الي قدمها لوالدي في القبض علي مافيا المخدرات والسلاح لما كان بيجيلو مهمات في الصعيد، والي أعرفه عن فارس آخر حاجة إنه دخل هندسة ، فبالتأكيد فيه حاجه غلط في الموضوع أو دي مكيده من حد بيكرهه.
أومأ له وقال:
_
_ بالظبط كده، هوجاري البحث عن العصابة دي وعن المساجين الي هربو والي من ضمنهم فارس صاحبك، فالوزارة بعته لكل مديرية أمن لكل محافظة أوامر بتمشيط المناطق المسئولة عنها ويلاقو المجرمين دول بأي طريقة، وباعتين لكل قسم قايمه بأسماء وصور المساجين.
_ وطبعاً حضرتك هتقولي مهمتك القبض علي فارس.
هز رأسه وقال:
_ و دي مهمتك المكلف بيها.
نهض أكرم بإمتعاض وقال معترضاً:
_ أنا بعتذر يا فندم، حضرتك عارف إن هدفي الأساسي هو سليم العقبي، ممكن تكلف حد غيري بمهمة البحث دي.
أمتعضت ملامحه فقال بحزم:
_ ده مش خيار يا سيادة النقيب، دي أوامر ولازم تتنفذ.
_ يا…….
قاطعه وأشار له بالإنصراف:
_
_ الكلام أنتهي، وأتفضل علي مكتبك وعايز كل يوم تقرير علي مكتبي لحد ما تلاقي فارس القناوي.
كظم أكرم حنقه بصعوبة، جز علي أسنانه وقبضتيه، فغادر المكتب وبداخله عاصفة تريد إقـ,ـتلاع كل ما أمامها.
دلف مكتبه وتبعه إحدي مخبريه:
_ أكرم باشا، أكرم باشا.
صاح بحدة:
_ عايز أي أنت كمان علي الصبح.
تردد الرجل بتوتر وقال وهو يعود أدراجه:
_ خلاص يا باشا هجيلك وقت تاني.
زفر بنفاذ صبر:
_ أستني عندك، أنجز وأقول الي كنت جاي فيه.
_
أبتلع لعابه وأجاب:
_ علي الحسيني الي حضرتك مكلفني بمراقبته.
هنا تسمر وتهيأ لما سيقوله، فأردف الآخر:
_ خرج بعربيته وراح فطر في كافيه قريب من الفيلا بتاعته، والمفروض زي كل يوم يروح الشركة فلاقيته غير خط سيره ونزل قدام بيت وطلع فيه، الي أستغربته البيت ده يبقي الي ساكن فيه أهل جماعتك الست ندي هانم.
تحولت رماديتيه إلي الأسود القاتم، صاح في الرجل:
_ أخرج بره أنت دلوقت.
وأردف مع نفسه:
_ وصلت بيك الوساخة يا علي الكلب ورايح لمراتي في بيت أهلها، أنت الي جيت برجلك لقضاك.
وأخرج سلاحه من حافظته الجلدية وشد أجزاءه و وضعه مكانه مرة أخري، ثم غادر مكتبه وعينيه تندلع بنيران الإنتقام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_
إزدحام سيارات تتسابق أصوات أبواقها والمارة يسيرون علي الأرصفة ومنهم من يقف أمام المتاجر، ولا ننسي أصوات البائعون فوق الرصيف كل منهم يعلن عن بضاعته وثمنها المغري للمستهلك، وعند تلك الزواية يقف كل من فارس وجنيدي أمام بضاعتهم التي تتكون من ثياب خاصة بالنساء.
_ قربي يا آنسه، قربي يا مدام عندنا حرق أسعار تاخدي طقم والتاني عليه هدية.
يصيح بها جنيدي، فضحك فارس وقال:
_ الي يسمعك وأنت عتتحدت كيف الناس أهنه مايصدجش إنك صعيدي.
_ عيب عليك يا صاحبي، أني ممكن أتحدت لك كماني بالأفرنچي،محسوبك كان عيتعامل مع أچانب فأتعلمت منيهم حبة كلمات علي قدي.
_ طيب شوف الزباين الي چايين علينا عجبال ما أروح أچبلنا علبتين كشري.
و في المتجر المقابل لهما يقف هذا البائع خلف الكاونتر يرص الثياب أمام تلك السيدة وإبنتها.
_ وبكام الأسود ده يابني؟.
رد الشاب وهو ينظر إلي الورقة المعلقة بالقطعة:
_ ده ب 120 جنيه وبعد الخصم ب 100 بس.
_
شهقت السيدة وصاحت بحنق:
_ ميت عفريت ينطوطوك، ده العيال الي علي الفرشة الي أدامكو بيبيعو الطقم كامل وب 50 جنيه بس.
زفر الشاب بضيق من أسلوب السيدة الحاد وتطاولها عليها فقال:
_ إحنا بضاعتنا أورچينال يا حجه والي بيتباع بره علي الرصيف بيبقي تقليد.
لاحظت تلك الحسناء التي تجلس خلف المكتب الخشبي هذا النقاش الحاد مابين الشاب العامل لديها وبين السيدة، نهضت لتري ما الأمر.
_ أي الحكاية يا حموده؟.
_ كل الحكاية يا آنسة شهد أن الحجة بتسألني علي سعر القطعة وقولتلها علي السعر قبل وبعد الخصم لاقيتها هبت فيا وتقولي بتتباع بره أرخص والطقم كامل، فهمتها إن بضاعتنا أصلي والي بره ده تقليد معجبهاش الكلام.
رمقتها شهد بحدة وقالت:
_ و هو زي ما قالك كده يا مدام، دي أسعارنا والحمدلله زباينا كلهم يشهدو بجودة بضاعتنا، والسعر ده مش هتلاقيه في أي محل تاني لأننا بنزل بسعر الجملة.
رد السيدة بتهكم:
_
_ جملة أي، ده حتة قطعة واحدة وبميت جنية وبره الطقم ب 50 ونفس المصنع، أنتو الي بتستعبطو وعايزين تكسبو وخلاص فاكرينا زباين هبلة.
جزت شهد علي أسنانها وضربت بيدها علي الكاونتر:
_ شيل البضاعة يا حموده، وأنتي يا ست خدي القمورة بنتك وروحي أشتري من بره.
صاحت السيدة بتشدق:
_ ما براحه علي نفسك يا بت وأتكلمي عدل أحسنلك.
صاحت شهد بنفاذ صبر تلوح بيدها:
_بت ما تبتك يا وليه، هو عشان شايفني بكلم بإحترام ولابسه الي علي الحبل، فكراني بتاعت مامي وبابي، لاء ده أنا أقفل المحل عليكي أنتي وبنتك وأعلمكو الأدب، ده أنا شهد بنت الحاج نعمان الي أكبر شنبات فيكي يا وسط البلد كلهم بيقف له إحترام.
حدجتها السيدة بإزدراء وهمت بالذهاب ممسكة بيد إبنتها:
_يلا يابنتي من هنا بلا أرف، أشكال عره بصحيح.
وقفت شهد خلفها:
_
_ العره دي تبقي أنتي وبنتك يا…..
صمتت عند دلوف هذا الرجل ذو المظهر المهيب، يرتدي جلباباً وفوقه عباءه، يمسك في يده اليمني سبحة حباتها من المرمر، يغلب الشيب خصلات شعره.
سألها بصوته الرخيم:
_ مالك يا شهد عماله تزعئي وصوتك جايب آخر الدنيا.
ــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ــــــــــــــــــــــ
_ وقفت بالقرب من البناء بعدما ترجلت من السيارة ورأت الآخر يصعد إلي داخل البناء، ترددت في أن تصعد أيضاً حتي لا يفهم إنها تتبعه إينما ذهب وتخشي من ردة فعله أمام صديقتها وعائلتها.
ظلت تنتظره حتي ينتهي من زيارته تلك لكن حدث مالم تتوقعه، رأت سيارة تقف أمام البناء وهبط منها أكرم، أعتلت الإبتسامة ثغرها فها هو جاء من سيلقنه بدل الصفعة التي أعطاها إياها في الملهي، آلاف الصفعات، مهلاً يبدو الأمر أسوء من ذلك، حيث أخرج أكرم سلاحه ويتجلي من ملامح وجهه عازماً علي الشر، تخيلت إنه يطلق الرصاصات، علي من يهواه قلبها برغم قساوته معها فلم تتحمل المشهد كخيال حتي، شهقت بفزع:
_ يانهار أزرق، لما أطلع ألحقه قبل ما المجنون أكرم يموته.
وركضت تصعد خلفه.
وبالأعلي أنتهي من تناول الأرز:
_
_ تسلم إيدك يا ماما، أحلي طاجن رز بللبن دوقته في حياتي.
كادت تجيب علي شكره فقاطعها رنين جرس المنزل وطرق بعنف علي الباب، نهضت والدة ندي:
_ ده مين الي هيخلع الباب ده.
أنقبض قلب ندي من الخوف وتتمني أن لايكون هو الطارق، ذهبت أمها ففتحت الباب، دلف والشر يتطاير من عينيه، يصيح بحدة باحثاً في الأرجاء:
_ هو فين؟ .
صاحت به حماته بتعجب وغضب في آن واحد:
_ مالك يا أكرم داخل تزعئ ولا عامل إحترام لأهل البيت.
لم يجيب عليها وذهب إلي غرفة الضيوف فتوقف عند عتبة الباب يحدج هذا الذي نهض فور رؤيته بكم من النظرات النارية.
وقبل أن تغلق والدة ندي الباب وتلحق به منعتها مروة التي دلفت بللهاث:
_ أزيك يا طنط عاملة أي؟.
_
أجابت بإندهاش عليها:
_ الحمدلله يابنتي مالك أنتي كمان؟.
_ بعدين يا طنط، هو فين علي وندي.
قالتها وقبل أن تجيب عليها ركضت مسرعة إلي غرفة الضيوف، ولجت إلي الداخل لإنقاذ من تعشقه، وقفت بجواره وأمسكت في زراعه وبتمثيل متقن قالت:
_ أزيك يا سيادة النقيب، أعرفك علي علي الحسيني خطيبي، بالتأكيد تعرفه وندي حكتلك عنه، يبقي حبيبي وخطيبي ومديري في الشغل كمان، جينا نطمن علي ندي لما مبقتش تيجي الشركة، صح يا لول؟.
جز علي علي فكيه من حديثها، فقد أستغلت الموقف عن جدارة لكنه حمد ربه بإنها قامت بإنقاذ الموقف وخاصة محبوبته، لم تمر الكذبة علي أكرم فحدج علي بإزدراء وكراهية، وأجاب علي ببرود وتمثيل متبادل :
_ صح يا حبيبتي، ومفيش داعي تعرفينا علي بعض، ولا أي ياسيادة النقيب؟ .
أعاد أكرم سلاحه بداخل حفظته، ثم تقدم نحو ندي ووقف بجوارها ليحاوط جسدها بزراعه بتملك، وقال:
_ آه طبعاً أستاذ علي غني عن التعريف، ده كفاية جمايله معانا في القرية لما كنا في الساحل، وإن شاء الله هردها له قريب أوي.
قال آخر جملة بنبرة توعد شعر بها علي وكذلك ندي التي وجدت زراعه تضغط علي خصرها، تكره إلتصاقه بها و ودت لو تدفعه بعيداً عنها لكن لاتريد أن يشمت بها هذا العلي ويفرح لأنه حقق هدفه وهو التفريق بينها وبين زوجها.
_
_ العفو يا سيادة النقيب، جمايل أي إحنا أخوات.
وحدجه بإبتسامة صفراء، فتدخلت مروة قبل أن يحتد الحديث بينهم:
_مش يلا يا علي إحنا بقي، عشان لسه ورانا كذا مشوار.
كان متسمراً في مكانه يتبادل مع أكرم نظرات بآلاف الكلمات، لكزته في زراعه:
_ علي، بكلمك.
أجاب ومازال ينظر لأكرم وندي:
_ سمعك يا حبيبتي، يلا بينا.
_ عايزه حاجة يا ندوش يا حبيبتي هبقي أكلمك فون بقي لما اروح.
قالتها مروة فأومأت لها الأخري:
_ ميرسي يا مورو.
_
وقبل أن يذهب هو وهي ألتفت إلي ندي وقال:
_ حمدالله على سلامتك يا مدام ندي مرة تانية.
هزت رأسها بطيف إبتسامة علي وجهها وشعرت بضغط زراع أكرم علي خصرها يزداد، يبدو أنه يشتعل من داخله.
ذهب علي ومروة، وبمجرد رحيلهما سار أكرم نحو باب الغرفة وأغلقه وحاول أن يرتسم الهدوء علي ملامحه، باغتته ندي بنبرة حادة:
_ أنت أي الي جابك؟.
ضغط علي قبضتيه يحاول كظم غضبه السريع كالعادة، فأجاب:
_ جيت أطمن عليكي وعلي لارا.
رفعت إحدي حاجبيها وقالت:
_ أنا تنساني خالص وملكش دعوة بيا وبالنسبه لبنتك أنا هادخل أناديهالك تيجي تقعد معاك وتطمن عليها براحتك.
وهمت بالذهاب، أمسكها برفق ولانت ملامحه برجاء:
_
_ ممكن نقعد نتكلم شويه.
كادت تصيح في وجهه لكنها لاتريد أن يصل حديثها لوالدتها، فقالت من بين أسنانها:
_ الكلام بينا أنتهي، و لو كنت فاكر بعد الي عملته فيا إن ممكن أسامحك يبقي بتحلم، أنت موتني بالحيا، حكمت عليا ونفذت من غير ذرة رحمة ولا كأني مراتك وأم بنتك، ولا أبنك الي مات بسببك قبل مايشوف الدنيا، أنا مرضتش أمشي في إجراءات المحضر ضدك مش ضعف مني ولا عشان خايفه منك لكن مش عايزه أشوف نظرة لوم ليا في عيون لارا أو تكرهني.
بدأت عبراتها تتجمع علي مقلتيها، وهو يقف أمامها منكس الرأس غير قادراً علي رفع عينيه في عينيها، فأردفت ببكاء:
_ هتبرر عمايلك إن سببها الغيرة، هقولك مفيش حد مهما حصل من الي بيحبه يعمل فيه كده، يذله ويكسره ، خلتني مجرد حطام بني آدم عايش، سيبني يا أكرم كل واحد يروح لحاله بالمعروف أحسن.
وقف أمامها و وضع كفيه علي كتفيها يرمقها بتوسل وإعتذار:
_ آسف، ومش هبرر الي عملته معاكي وأستاهل أي حاجة هاتعمليها فيا ومش هطلب منك تسامحيني، بس بالله عليكي إلا الي بتطلبيه مني ده، كله إلا أن أسيبك، أنا مليش غيرك يا ندي أنتي ولارا بنتنا.
إبتسمت بتهكم من بين دموعها:
_ مبقاش ينفع، أنت كسرت جوايا حاجات كتير، أنت حولتني من واحدة كانت بتحب بيتها وحياتها لواحدة تانية بقت خايفة وضعيفة ومن أقل حاجة ألاقي دموعي تنزل لوحدها، كرهت نفسي وحياتي حتي بيتنا خايفة أرجعه وأفتكر الي عملته فيا، أوضتنا الي شافت أجمل لحظات مابينا بقت بالنسبه لي أوضة عذابي وجحيمي، ربنا يعلم أن الي مخليني واقفه علي رجلي وبحاول أبقي كويسه هي بنتنا الي ملهاش ذنب في كل الي حصل.
_ وعشان خاطر بنتنا أديني فرصة أرجع حياتنا أحسن من الأول وأصلح كل حاجة، ولو كارهة الشقه أوي كده ممكن أشوف واحده تانيه المهم نكون مع بعض.
_
أومأت رأسها بالرفض، و ولت ظهرها إليه :
_ مش قادر تفهمني ليه! ، أنا بقيت بخاف منك أنت، الحب والثقة الي مابينا مبقاش ليهم وجود، حبك أتحول لإنتقام دفعت تمنه غالي والثقة بقت قلق وعدم الإحساس بالأمان الي فقدته معاك.
كلماتها كالسياط الحديدية الآتية من نيران الجحيم، جلدت قلبه بكل قوة، تمني لو عاد الزمن به ولايفعل ما أقترفه، كيف سيجعلها تعود له مرة أخري وتشعر معه بالأمان والثقة! ، لم يجد أي كلمة يتفوه بها فقرر الذهاب حالياً ويتركها مؤقتاً للأيام لعلها تنسي وتغفر له أخطائه.
_ أنا هامشي يا ندي، هاسيبك فترة تهدي وتفكري مع نفسك وأي حاجة هتطلبيها أنا تحت أمرك، إلا حاجة واحدة أنتي عارفها، لأن لسه بحبك وإستحالة نفترق، سلام.
قالها وغادر مسرعاً ولم يلاحظ حتي وجود حماته التي كانت تقف في الخارج وسمعت كل ما دار بينهما.
ولجت إلي إبنتها وبملامح واجمه سألتها:
_ عملتي أي يابنت بطني خلي جوزك كان هيموتك؟.
ألتفتت إليها ورمقتها بأعين متسعة فهذا آخر ما ينقصها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،، ــــــــــــــــــــــــ
نظرت لأسفل بتوتر ثم رفعت وجهها بإبتسامة تخفي خلفها خوفها منه:
_
_ مفيش يا بابا ده واحده كده كانت بتقل أدبها عليا أنا والولاه حمودة وقفتها عند حدها ومشيت.
ضيق عينيه وبإمتعاض يحدق بها:
_ شكلي كنت غلطان لما نزلتك معايا المحل بدل حبستك في البيت، معرفش أنك هتجبيلي مشاكل مع الزباين.
نظرت بإستنكار وبدفاع عن نفسها قالت:
_والله يا بابا هي الي غلطانه، واقفه من صباحية ربنا تقلب في البضاعه ومطلعه عين حموده معاها ولما جه يقولها السعر قلت أدبها عليه جيت أتكلم معاها وأفهمها هبت فيا وشتمتني عايزني أسكت لها!.
رد بتهكم:
_ لاء طبعاً تسكتي لها إزاي، ده كنتي تجبيها من شعرها وتخلي الي مايشتري يتفرج عليكي وفضحتنا تبقي بجلاجل.
تدخل حموده بدفاع عن إبنة رب عمله:
_ معلش يا حج، الست شهد كان عندها حق في الي عملته.
صاح به نعمان:
_
_ وأنا الي بقول عليك عاقل يا حموده، قولت ميت مرة الزبون مهما أتكلم ولا أعترض مينفعش نرد عليه بنفس أسلوبه، الي مش عجبه ميشتريش ولو حد أتجاوز حدوده تكلموني أجي أنا أتعامل، مش ده الي وصيتك بيه يا ست شهد؟.
أومأت له وتنظر لأسفل بخجل:
_ حقك عليا يا بابا، مش هتتكرر تاني، بس كنت عايزه أقول حاجة، العيال الي بره دول بجحين أوي، مكفهمش أنهم بيبيعو نفس الحاجات الي عندنا لاء كمان منزلين الأسعار جامد وكل ما حد يدخل ميشتريش ويروح لهم.
_ ربك الي بيقسم الأرزاق يا شهد يابنتي، و كل بضاعة ليها زبونها الي بيقدرها وعارف قيمتها، فالي بيشتري حاجة بقرش مش زي الي بيشتري أم عشرة قروش، وظروف الناس مش زي بعضها، والحمدلله إحنا زباينا معروفين وبيجو مخصوص لينا.
هزت رأسها كدلالة علي إعجابها بحديث والدها:
_ الله عليك يا حاج ده أنت دكتوراه.
_ أنا جبتك هنا عشان تتعلمي أصول التجارة وتعرفي تفرقي بين الزبون والتاني وأهم حاجه تتحلي بالصبر، لازم تكوني صبوره لأنك لو فضلتي تتعاملي مع الناس بعصبيتك دي في خلال شهر المحل محدش هيهاوب ناحيته.
_ خلاص من هنا ورايح هحاول أكون هاديه ولو حصل موقف زي من شويه كده هناديلك تتصرف.
تنهد وبداخله يعلم أنها لم تتغير بسهولة:
_ لما نشوف.
_
_ طيب لما أروح أطلب لينا شوية سندوتشات كده عشان مفطرتش من الصبح.
_ ما تخلي حموده يروح يشتري.
_ المرة الي فاتت الراجل ضحك عليه وأداله غير الي طلبه وكمان ناقصين، وبالمرة أفك رجلي شوية ده أنا زهقت من قعدة المكتب.
ضحك نعمان وأخرج من جيبه ورقة مالية:
_ روحي وخدي بالك من نفسك.
_ خلي أنا معايا يا حبيبي.
قالتها وخرجت تنظر يميناً ويساراً قبل عبورها الرصيف، وفي طريقها أخرجت هاتفها فأصتدمت بإحدهم فوقع من يدها مرتطماً علي الأسفلت، تسمرت في مكانها كالتمثال، شهقت ولطمت علي صدغيها:
_يالهوي الموبايل أبو خمس آلاف جنيه.
أنحني وألتقطه وأخذ يتفحصه فلم يجد به أي خدوش، تنهد بأريحيه ومد يده به ليعطيها إياه:
_ أتفضلي الحمدلله لساته سليم مفيهوش ولا خربوش واصل.
_
مهلاً، هذا الصوت يبدو مألوفاً لها، رفعت عينيها لتتأكد من حدسها وفي ذات الوقت نظر إليها فتذكرها، هي نفسها الفتاة ذات اللسان السليط التي رآها بالأمس عندما كان جالساً علي الرصيف، وفي صوت واحد:
_ أنت!.
_ أنتي!.
ضيقت عينيها وسألته بحده وبداخلها تشعر بالتوتر من النظر في رماديتيه الغامضة:
_ أي حكايتك معايا يا جدع أنت، كل شويه تطلعلي من تحت الأرض وتخبط فيا!.
_ ما تجولي الحديت ده لنفسك، أنتي الي ماعتركزيش في طريجك، وعتغلطي كمان بدل ما تعتذري عاد.
قالت بإستنكار وإصرار:
_ أنا مش غلطانة.
_ لاء غلطانة.
صاح بجدية بالغة، مما جعلها تراجعت خطوتين إلي الوراء و ركضت مثل الأمس، ظل واقفاً ينظر في آثرها حتي أختفت مابين الزحام.
_
عاد إلي صاحبه ولم يلاحظ أختبأها ومراقبتها له.
قال جنيدي فور رؤيته:
_ فين الواكل يا صاحبي؟.
أخرج ورقة صغيره من جيبه:
_ المحل عليه زحمة كتير والواد بتاع الكاشير عطاني ورجة وفيها رقم دوري، جالي تعال بعد عشر دجايج.
تفوه جنيدي بسخرية:
_ حتي الكشري عليه طابور، أني هاروح أشتري باكو بسكوت تصبيره، أشتريلك معاي؟.
_ لاء شكراً.
و وقف يعلن عن بضاعتهما وتوالت الزبائن من السيدات والفتيات فمنهن من تشتري ومنهن أيضاً من تشاهد بدون شراء.
وهناك زوج من العيون التي تشبه حبات اللوز تراقبه، فأشارت لعامل القهوة:
_
_ يا هيما.
ركض إليها يحمل صينيه فارغه:
_أمرك يا ست البنات، تشربي أي؟.
أشارت له نحو فارس:
_ مين الشاب الي واقف أدام المحل ده أول مرة أشوفه النهاردة.
أجاب وهو يحك ذقنه النامية:
_ دول عيال جايين جديد يسترزقو وحظهم أن الأمين شوقي أجازة النهاردة لو شافهم كان جرهم علي القسم، حد فيهم ضايقك؟.
_ فشر مين ده!، محدش يقدر يضايقني، روح أنت وأبقي تعالي عشان تبقي تاخد الحساب.
ذهب الصبي، بينما هي ظلت واقفه تتأمل فارس قائلة:
_ ياتري أي حكايتك يا أبو عيون رمادي تجنن!.
_
ــــــــــــــــــــــــــــــــ،،،،،،،ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ تدلف سيارته الفراري السوداء ساحة هذا المنزل الذي صُمم من الصخور الحجرية والزجاج العاكس كالمرايا حيث من بالخارج لايري من بالداخل، فهو إحدي أملاكه في تلك المدينة الصاخبة المعروفة بالنوادي الليلية ودور السينما والمسارح وأيضاً من الجانب المظلم شهيرة بعصابات مافيا السلاح والإتجار بالبشر.
فتح السائق الباب له فترجل و وقف يغلق زر سترته وأتجه إلي الداخل، وقفت الخادمة تنحني له بإجلال وإحترام، تقول بالإنجليزية الأمريكية:
_ مرحباً بك سيدي.
أجاب عليها بأمر:
_ أعدي الفطور وأجلبيه إلي الغرفة.
_ أمرك سيدي.
صعد الدرج الزجاجي بهدوء، لم يراها منذ وصولهما بالأمس، فعندما وصل كليهما من السفر جاء إليه إتصال هاتفي من إحدهم، أمرها بالصعود إلي الغرفة لتستريح ريثما يعود.
فتح باب الغرفة ليجدها نائمة، فكانت السابعة صباحاً بتوقيت ولاية لاس فيجاس فهناك عشر ساعات فرق توقيت بين مصر وولايات أمريكا.
تقدم منها وجلس بجوارها علي طرف التخت المستدير المحاط بأربع أعمدة يتدلي منها ستائر سوداء شفافة.
_
فك الزر وخلع سترته و وضعها جانباً ثم رابطة عنقه و قام بفك أزرار قميصه، نهض ودلف إلي المرحاض ليستحم.
ما زالت نائمة كما هي بل ويبدو من ملامحها المقتضبة تري حلماً مزعجاً، تتمدد علي تخت في غرفة مظلمة مكبلة اليدين والقدمين، تسمع صوت فحيح أفاعي يحاوطها مما دب الرعب في قلبها وهمت بالصراخ لكن الصرخة لم تخرج منها، أخذت تتلوي حتي أضاء من فوقها مصباح ذو إضاءة شديدة جعلتها تغلق عينيها بإنكماش ثم قامت بفتحهما بإتساع عندما سمعت صوت ضحكاته المخيفة تقترب منها، فوجدته يعتليها حتي أصبح وجهه أمام وجهها مباشرة، وبنبرة أشد رعباً:
_ لازم تخافي لأنك تحت رحمتي، حياتك كلها ملكي يا زينب.
أنقض عليها كالوحش وظل صدي صوته يردد إسمها وهي تصرخ من أسفله.
شهقت وهي تنهض بجذعها ونظراتها يملؤها الذعر، تنظر من حولها حتي وقعت عينيها علي باب المرحاض يفتحه ويخرج مرتدياً مأزر قطني وخصلاته الفحمية منسدلة علي جبهته العريضة،أمسك بمنشفة قطنية صغيرة وأخذ يجفف شعره قائلاً:
_ صباح الخير.
لم تجيب.
أردف:
_ شكلك نايمة من إمبارح والدليل إنك لسه بالفستان الي عليكي.
نهضت من الفراش ولم تكترث لحديثه إليها متجهة إلي المرحاض، صرخة شقت حنجرتها عندما أوقفها قابضاً علي خصلاتها الغجرية، يقرب وجهه من وجهها وبصوت هادر:
_
_ لما أكلمك تردي عليا ولا مستعجلة علي عقابك.
عقاب!، تلك الكلمة يرددها علي مسمعها كلما قامت بالتمرد أو تجاهله، ماذا يقصد بها
ألقي بها بعنف وكادت تسقط علي الأرض، ألتفتت إليه وقالت بكراهية شديدة:
_ كيف رايد مني أتحدت وياك وأنت بتتعامل معاي بعنف وقسوة.
_ أنا مبتعاملش معاكي كده غير لما بلاقيكي بتعصي أوامري أو تتجاهلي كلامي، وسبق وحذرتك، وأعملي حسابك كل حركة ليكي هيسبقها أذن مني.
رفعت حاجبيها وبدهشة أعتلت ملامحها قالت:
_ كيف دي؟.
رفع زواية فمه جانباً وساد الظلام عينيه، أجاب وكأنه شخصاً آخر:
_ يعني أكلك شربك مواعيد نومك وصحيانك أي حركة ليكي قبلها تستأذنيني الأول.
قالت بسخرية معقبه علي حديثه المجنون:
_
_ ده ناجص تجولي دخولي للحمام بأذن كماني.
أومأ لها وقال:
_ كده بدأتي تفهميني.
رفرفت أهدابها تحدقه بصدمة، لم تستعب ما يقوله إليها، أكمل حديثه:
_ أنا عارف الي بقوله دهشة قوية عليكي، بس واحدة واحدة هتتعودي، و زي ما قولتلك أي عصيان أو تمرد منك هيبقي مقابله عقاب.
سألت بسخرية:
_ ويا تري يطلع أي العقاب دي؟.
أنبلجت إبتسامة علي ثغره لم تصل لسوداويتيه الحادة القاتمة:
_ هاتعرفيه وقتها، ولكل غلط عقابه الخاص بيه.
حدجته بسخط ولم تريد جداله في تلك الترهات التي يلقيها عليها، فقالت:
_
_ طيب يا سليم بيه، ممكن تعطيني تليفونك أتحدت ويا أهلي وأطمنهم عليا.
كاد يرد فقاطعه طرقات الخادمة وتقول من خلف الباب:
_ الفطور سيدي.
_ أدخلي أنيتا.
دلفت الخادمة تجر عربة أمامها فوقها أطباق مختلفة من الطعام وأقداح فارغة بجوارها براد شاي وآخر حليب.
أوقفت العربة أمام الأريكة المقابلة للتخت وقالت وهي تنظر لأسفل:
_ أي أوامر أخري سيدي؟.
أجاب بإقتضاب:
_ لا، أذهبي.
أنحنت بإحترام و غادرت، فقال للأخري:
_
_ أدخلي خديلك شاور وغيري هدومك عقبال ما ألبس وهستناكي نفطر.
أتجهت إلي المرحاض وهي تقول:
_أفطر أنت أنا مليش نفس عاد.
لم تجد منه رداً وتركها دلفت وأنتهت من أخذ حمامها وأبدلت ثوبها بثوب أبيض قطني بأكمام تصل لرسغها وطوله يصل إلي كاحليها، جمعت خصلاتها لأعلي علي هيئة كعكة، خرجت من المرحاض لتجده قد أنتهي من تناول الطعام ويرتشف الشاي، عينيه لم تبرحها حتي جلست علي مقعد قريب من الشرفة الزجاجية تتجنب الجلوس بالقرب منه أو حتي النظر إليه، تتأمل منظر الأشجار والأزهار في الخارج بصمت لاتعلم ما ينوي عليه إليها لمجرد إنها رفضت تناول الطعام فتركها تفعل ما تشاء علي راحتها، إذن لاتلومه علي ما سيفعله بها للتو.
_ أومي.
قالها بأمر فأنتبهت إليه و رمقته قائلة بإستفهام:
_ نعم؟.
أشار لها بسبابته بالمجيئ:
_ أومي وتعالي أقفي أدامي.
ودفع عربة الطعام من أمامه جانباً، زفرت بتأفف وتمتمت في نفسها:
_
_أستغفر الله العظيم، أبتدينا الچنان علي الصبح.
نهضت وأذعنت لأمره وقفت أمامه علي بُعد مسافة متر، أومأ لها بالنفي وقال:
_ أقفي هنا.
وأشار أمام قدميه، ففعلت كما أمرها.
أردف بأمر مرة أخري:
_ أقعدي علي ركبك وعينك لتحت.
رمقته بتعجب لما يتفوه به، فصاح بصوت هادر جعلها ترتجف من الخوف:
_ نفذي الي قولتلك عليه.
جلست علي ركبتيها وجسدها ينتفض وجلاً.
_ قولت عينيكي لتحت.
_
نظرت لأسفل، أنحني بجذعه نحوها فشعرت بأنفاسه وكأنها حرارة تتصاعد من مراجل تتأجج بداخلها المياه، مد يده إلي رأسها وجذب مشبك الشعر فأنسدلت خصلاتها، أزدردت ريقها بدون أن تتجرأ وتنظر له فقالت:
_ ممكن أفهم أني سويت أي دلوق؟.
أمسك بإحدي خصلاتها وقام ببرمها علي سبابته يجذبها مما سبب لها الألم:
_ لما أقولك هستناكي نفطر، يبقي ده أمر، مش أختيار، قولتي مليش نفس سيبتك تعملي الي أنتي عيزاه،بس زي ما نبهتك كل عصيان مقابله عقاب، وعقابك هاتفضلي علي وضعك كده لحد ما هقولك تقومي.
قالت بعتاب وتحاول منع عينيها من البكاء:
_ عيب ياسليم، أني مش عيلة صغيرة تسوي فيها إكده!.
أجاب وهو يربت علي وجنتها، ربت أشبه بالصفعة في حدتها:
_ ولما أنتي كبيرة وناضجة ليه بتعانديني ومصره إنك تستفزيني.
رفعت عينيها لتواجه خاصتيه وليتها ما نظرت إليه، قالت بصوت متحشرج وشيك علي البكاء:
_ أني فعلاً مليش نفس للواكل، معدتي بجالها يومين عتوچعني جوي.
_
قطب مابين حاجبيه وسألها:
_ ومقولتليش حاجة زي دي ليه؟.
أجابت بتهكم وكأنه يهتم لآلامها الذي هو السبب في حدوثها:
_ يعني لو جولتلك هتسوي لي أي عاد!.
قبض علي ذقنها بقوة وبغضب قال:
_ هكلملك الدكتور يجي يكشف عليكي ويكتبلك علي علاج، أي حاجة هتحصلك لو مبلغتنيش بيها هاحاسبك عليها، ومش محتاجه هقولك أنا هعمل فيكي أي وقتها.
حدجته بسخط وقالت:
_ ملهوش لازمة الدكتور، التعب الي أني فيه سببه نفسي وأنته خابر زين.
أدرك ما ترمي إليه من وراء كلماتها، نهض و وقف ينظر إليها وهي ما زالت علي وضعية جلوسها، جز علي فكيه وقال:
_ أحمدي ربنا علي بعمله لحد دلوقت معاكي، يعني العقاب الي أنتي فيه ده شئ لايُذكر، أنا كان ممكن أخليكي تقعدي نفس قعدتك دي بس من غير هدوم خالص، قولت لنفسي بلاش تقسي عليها في الأول كده، هي لما تجرب عقاب بسيط هتحرم ماتسمعش كلامك بعد كده.
_
فاض بها الكيل لتنهض وسألته:
_ أني سويت فيك أي لأچل تعمل فيا إكده!، أتچوزتني غصب و خدتني غصب حتي عيشتي وياك كليتها أوامر وغصب عني لازم أنفذها كيف ما أمرت وألا هتعاقبني وكأني لسه طفله بتتعلم، جولي لو ده إنتجام من الي سواه أخوي وياك هجولك وأني ذنبي أي!، كنت حاسبه هو.
لم يهتز قلبه لكلماتها أو للعبرات التي تجمعت في عينيها ونبرة صوتها التي تدمع لها القلوب وتدمي ألماً.
كشر عن أنيابه فصاح بها ويمسكها من عضديها يهزها بعنف:
_ أنا ما أتجوزتكيش إنتقام من الي عمله معايا أخوكي زي ما أنتي فاكرة، أنا أتجوزتك عشان أنا عايزك، وسليم العقبي لما بيحط حاجة في دماغه لو أنطبقت السما علي الأرض بياخد الحاجة دي وتبقي ملكه، وأنتي ملكي يا زينب، والي يفكر بس يبص لك أو حتي يحاول يبعدك عني هامحيه من الوجود.
أشتدت لهجته بشراسة وبدأ يظهر جانبه المظلم المسيطر، يدفعها نحو الفراش حتي سقطت عليه بظهرها، تري في عينيه نفس تلك النظرة التي كانت في ليلة ذبحها كما أطلقت عليها.
أنتفضت وحاولت أن تنهض وتبتعد لكنه منعها قابضاً علي يديها ويحاوطها بجسده الذي يفوق قوتها أضعافاً.
_ فاهمة يا زينب، أنتي بتاعتي أنا وبس.
صرخت وهي تتلوي بجسدها أسفله:
_ هملني ياسليم، مش هعصاك واصل، أبوس يدك هملني.
_
ـــــــــــــــــــــ،،،،،، ــــــــــــــــــــــــــــــــ
_ لم يسمع توسلاتها ولم يراها أيضاً بل كان أمام عينيه مشهداً من أعماق ذاكرته السوداء، يري أمامه طفل صغير ذو خمسة أعوام يختبأ خلف الستار و رجل في العقد الرابع يعتلي فتاة شقراء مكبلة اليدين والقدمين علي تخت حديدي، يعتدي عليها بسوط من الجلد وتتأوه بألم مصتنع، فألقي بالسوط وأنقض عليها بضراوة وعنف، بينما هذا الصغير يتابع ما يحدث بخوف ورعب يبكي بصمت حتي لم يشعر بنفسه وهو يبلل بنطاله.
عاد إلي واقعه، فنهض من فوقها يلتقط أنفاسه وأرتمي متمدداً بجوارها، أسرعت بإلتقاط الدثار تغطي جسدها العاري بعدما قام بتمزيق كل ما كانت ترتديه من ثياب.
قام ليرتدي سرواله وأخذ من فوق الكمود علبة فتحها وألتقط سيجار من داخلها وقام بإشعاله، نهض وسار حتي توقف خلف زجاج الشرفة، قال:
_ أنا النهاردة هاعفو عنك وهاسيبك براحتك تتحركي زي ما أنتي عايزة، لكن بعد كده ما أوعدكيش بالأوبشن ده.
تريد أن تصرخ، لكن كيف الصراخ وحنجرتهاالتي تمزقت من ألم صرخاتها عندما كان يعتدي عليها أصبحت غير قادرة علي التفوه بحرفٍ واحد.
نهضت من فوق التخت ملتفة بالدثار وبكل ماتبقي لها من قوة واهنة ركضت إلي داخل المرحاض وأوصدت الباب، فتحت صنبور الإستحمام وصعدت إلي داخل الحوض أسفله بعدما ألقت بالدثار علي الأرض، أنهمرت المياه علي جسدها كإنهمار عبراتها من عينيها، جلست في الحوض حتي أمتلأ بالمياه، لم تعد قادرة علي التحمل أكثر من ذلك، فعليها أن ترضخ له وتصبح مجرد جسد يطاوع أوامره بلا نقاش يا أو أن تتخلص من هذا العذاب والجحيم بالتخلص من حياتها نهائياً، ومالبثت ثوان في التفكير حتي مالت للأختيار الثاني، لتستسلم لوساوس الشيطان مرة أخري، تمددت في الحوض وغمرت المياه جسدها بالكامل تُرحب بالموت غرقاً.