نعيمي وجح,يمها بقلم امل نصر جزء 4
الفصل الواحد والعشرون
كطفلة صغيرة التقت بأبيها بعد غيابه عنها منذ سنوات، تشبثت به وهو يحتضنها بقوة فاقدة النطق ، تخشى ألا حقيقة أو يكون أنه وهم من محض خيالها، مازالت لا تصدق ، رغم رهانها من داخلها على عودته، رافعًا أقدامها عن الأرض ، وهو يقهقه بصوت عالي. يناغشها بمرح :
– كبرتي يازهرة وهاتتجوزي قبلي كمان يابت؟
– انا مش مصدقة انك جيت والله ما مصدقة.
تفوهت بها بتقطع قبل أن ينزلها بتمهل لتطئ أقدامها على الأرض ومازال يقبل فوق رأسها وفوق وجنتيها وقد كوب وجهها بين كفيه يتأمل جمالها بأعين ملتمعة، مرددًا بمشاعر تفيض بالفرح :
– وانا اقدر اسيبك ياعيون خالك في يوم زي دا ؟ حتى لو كنا مخاصمين بعض أو تفصل مابينا بلاد.
ردت هي بلهفة وهي تقيم ما يرتديه من حلة رائعة باللون الرمادي على جسده الطويل وبشرة وجهه التي ازداد سمارها مع سفره:
– بس انت لحقت امتى تيجي ؟ لا ولابس بدلة كمان ولا اكنك عريس ياخالي .
رد خالد بتفكه وهو يدفع بكفه على رأسها من الخلف بخفة .
– عريس مين يابنت ال…… ما عملتيها انتِ وسبقتيني.
مزحته جعلتها تفقد رزانتها الدائمة فصدرت ضحكتها المرحة على دعابته بصوت مقهقهة، قبل أن تفاجأ بمن يجذبها بحزم للخلف وصوته الأجش يقول :
– حمد الله عالسلامة ياعم خالد .
رد خالد بضحكة مجلجلة وهو يعيد زهرة بحزم هو الاَخر الى تحت ذراعه :
– الله يسلمك ياعريس ، اخبارك انت إيه؟
ارتفع حاجبًا خطرًا من جاسر الذي تحامل على نفسه بصعوبة وهو يرى هذا الرجل وهو يحتضن عروسه باشتياق ويقبلها على وجنتيها وجبهتها، والأدهى من ذلك هو تشبثها هي به ، بفرحة أنارت وجهها واذهبت عنها التوتر ، بالإضافة الى ضحكاتها معه وكأنها طفلة في السادسة وليست عروس بجوار عريسها الذي تركته غير مبالية ، تدخل فجأة صوت نسائي :
– ايه ياجماعة ، مش تعرفوني بالعريس ولا انتوا هاتسيبوني اليوم كله واقفة كدة على جمب.
التفت جاسر نحو صاحبة الصوت ليجد زهرة ترحب بلهفة بالمرأة الواقفة بجوار كاميليا والتي قامت بمهمة التعريف :
– جاسر بيه، دي تبقى نوال خطيبة خالد .
رحب جاسر بالمرأة الجملية ذات الملابس المحتشمة لكن بأناقة ، رغم غيظه من خطيبها :
– أهلًا بيكِ حضرتك ، نورتي .
ردت نوال بابتسامة فصدح صوت زهرة بتساؤل :
– دا على كدة بقى انتٍ كنتِ عارفة عشان كدة أتأخرتي في مجيتك ، والخاينة دي قاعدة اليوم كله معايا وهي راسمة ومشتركة معاكم في الخطة .
ردت كاميليا ضاحكة :
– طب يعني كنتِ عايزاني اعمل ايه بس ؟ وخالك منبه ومشدد ان لساني ماينطق بحرف واحد حتى؟
رد خالد وهو يميل بوجهه نحو زهرة التي مازالت تحت ذراعه:
– كنت عايز اعملهالك مفاجأة ، ايه رأيك بقى ؟ عجبتك ياحبي الأول والاَخير انتِ .
ختم جملته بقبلة على جبهتها جعلت الدماء تغلي بأوردة الاَخر وهو يشاهد ابتسامتها التي زينت وجهها الجميل وهي تنظر اليه بامتنان، ليتفاجأ برد نوال البارد من وجهة نظره.
– اَاه جينا بقى لشغل الضراير، انا قولت ماجيش الفرح دا من أساسه ياعم.
ارتفعت شفة مستنكرة من جاسر وهو يتابع ضحكات الثلاثة ومزاحهم، حتى خرج هو عن سيطرته فجذبها من يدها اليه بحركة سريعة قائلًا :
– طب ياجماعة كفاية عطلة بقى المأذون والشهود مستنين بقالهم فترة ، حصلنا ياخالد ياللا .
قال الاَخيرة وهو يهرول بها مبتعدًا من أمام خالد ، الذي عض على شفته بابتسامة مستترة قبل أن يحسم أمره في الذهاب خلفهم ، كي يذهب ألى والدته ويكون وكيلها في العقد.
……………………………
بعد قليل
وبعد أن تم عقد القران وذهب الرجل الدين ، فلم يتبقى سوى المدعوين من الأسرتين والعروسين ، انطلقت الزغاريد من سمية وبناتها الصغار غير مبالية بالمكان ولا رهبته ، اثارت ضحكة مشجعة من رقية التي أسعدتها أجواء الفرح ، انتقلت أنظار إحسان نحو علية عمته ليجدوها مقهقهة هي الأخرى وسعيدة بالعرض ، أما جاسر فلم ينتبه لشئ وهو ينهض على الفور منتقلًا من مقعده ليجلس بجوار عروسه على أريكة لهم وحدهم ، ممسكًا بكفها بين قبضته وكأنه يخشى عليها من الهرب ، همس وهو يرفعها إليه ليقبلها :
– مبروك يازهرة ، يا أجمل عروسة شافتها عنيا .
أومأت له بابتسامة خجلة :
– الله يبارك فيك .
تنهد من قلبه وعيناه تلتهم تفاصيلها، يشعر بفرحة عريس بأول زواج له ، وكأنه لم يرى أو يختبر من النساء قبلها ، هي فرحته الأولى والاَخيرة بل هي أجمل النساء .
هتف طارق من الناحية الأخرى مصفقًا بيده :
– إيه ياعريس هو احنا هانقضي الليلة كلها هنا ولا إيه ؟ انت نسيت اتفاقنا ولا ياكبير ؟
التفتت انظار الجميع نحو جاسر الذي أومأ برأسه قائلًا بارتباك وهو يضع يده في جيب سترته :
– اه اه تمام حاضر ، ثواني بس .
قال ثم أخرج علبة مخملية أكبر من سابقتها ، وتناول منها الخاتم الألماس الذي أبهر الجميع بجماله وفخامته ، ليضعه بكفها التي تناولها مقبلًها بحب مرة أخرى متحديًا الجميع ، ليزيد من خجلها وتتسع ابتسامته من رد فعلها ، تناول من العلبة مرة أخرى أسورة من نفس الطقم يلفها على رسغها ، هزت برأسها ناظرة إليه باستفهام ، رد بابتسامة صامتًا وهو يتناول عقد اَخر كاد ان يذهب بعقل إحسان وابنتها الاَتي كنا ينظرن بأعين جاحظة تكاد أن تخرج من محجريها، وهن يرونه يلفه حول رقبتها وفوق حجابها .
قالت علية بمرح وهي تقترب منهم :
– اَجي انا اللبسها العقد ياجاسر مادمت انت مش عارف .
رمق جاسر عمته بنظرة محذرة وهو يستمع للضحكات من حوله ويتابع مستمتعًا بهذا القرب منها وارتباكها المحبب أليه، حتى اذا انتهى منه اَخيرًا ، هتف طارق بمرح :
– حلو واَخيرًا خلصنا .
صدحت ضحكات الجميع أما جاسر فاقترب من زهرة هامسًا :
– كان نفسي اللبسك سلسلة الست الوالدة، بس مدام خالك موجود يبقى خليها في علبتها أحسن وانتِ البسيها بعد كدة براحتك ، ماهي خلاص بقى رجعتلك .
رفعت عيناها تنظر اليه بامتنان على تذكره لهذا الشئ العزيز على قلبها ، ومرعاته لشعور خالها الذي لو رأى السلسلة لكانت أثارت برأسه التساؤلات .
– ياعررريس .
هتف بها طارق مرة أخرى بمغزى لصاحبه الذي استدرك قائلًا :
– طب ياجماعة احنا نقوم كلنا مع استاذ طارق ليفضحنا لو فضلنا أكتر من كدة ، عشان المفاجأة اللي محضرينها .
سألته رقية :
– رايحين فين ؟ ومفاجأة ايه اللي بتقول عليها دي ؟
أجابها هذه المرة كارم والذي كان صامتًا من أول الجلسة :
– اطمني ياحاجة، احنا بس كلنا هانخرج مع جاسر باشا في احتفال بسيط بمناسبة جوازوا على زهرة هانم .
– زهرة هانم !
همست بها غادة بامتعاض لوالدتها التي نكزتها بحذر وهي تتابع جدال رقية لعدم الذهاب معهم .
– ليه بس ياحاجة القعاد؟ ماتيجي معانا دي كل حاجة مترتبة والله وانتِ بالذات عاملين حسابك .
هتف بها جاسر نحو رقية التي ردت بابتسامة :
– متشكرين يابني كتر خيرك ، اصلي انا لا برتاح في الخروج ولا الفسح ، اخرجوا انتوا وافرحوا وانبسطوا متاخدونيش حجتكم .
خاطبها خالد بجوار خطيبته :
– ايه يارقية؟ ماتيجي معانا وخلاص في المكان اللي احنا مش عارفينه ده، مش يمكن يطلع حاجة حلوة وتنبسطي فيها .
– ياخويا انا مبسوطة وعال العال ، اطلع انت مع خطيبتك اللي لازقلها من أول مارجعت ياواد .
قالت رقية بمشاكسة كعادتها اثارت غيظ خالد الذي ضيق لها عيناه مع ضحكات الجميع حولهم وشهقة من نوال التي غطت فمها بكفها ، حتى زهرة التي ظهر عليها الأرتياح وهي تضحك بمرح أسعدت قلب مُحبها الذي لا يمل من اختلاس النظر نحوها بجواره ،
تدخلت علية قائلة بصوتها الحنون:
– خلاص ياجماعة اخرجوا انتوا وانا هاقعد معاها، دي حتى زي العسل وقعدتها ما ينشبعش منها .
– تسلمي ياأميرة يابنت الأمرا ، تعالي اقعدي جمبي نكمل حكاوينا من تاني ، احنا كنا بنقول ايه؟
هتفت بها رقية نحو المرأة وجاسر والجميع يتحرك للخروج، رد خالد قبل أن يذهب مع عروسه :
– مافيش فايدة فيكِ يارقية ، هتفضلي طول عمرك تفضحي ابنك في كل الأماكن من غير مايهمك مشاعره ولا إحساسه
هتفت ترد:
– طب جر عجلك طيب بدل ما احكي للست الطيبة دي على مصايبك وانت صغير وافضحك بجد.
– لا وعلى ايه بس الطيب احسن.
أردف بها خالد متحمحمًا بحرج من السيدة التي كانت تقهقه بصوت مكتوم، وهو يعدل ياقة قميصه ويستدير لليتبع الاَخرين في الخروج ومعه خطيبته ، فهتف موليا لها ظهره :
– سلام يارورو.
………………………..
في مكان اَخر
بداخل الملهى الليلي، الذي أتت اليه مرفت مع بعض صديقاتها ، وهي تبحث بعيناها عنها على الطاولات وفي الوجوه المارة حولها ، حتى وجدتها بساحة الرقص ، ترقص مع أحد الشباب الأغراب باندماج ، لفت رواد المحل حولها ، تأففت الأخرى بمشاهدتها ، لتجلس على أحد الطاولات في انتظارها والذي طال لقرابة الساعة حتى انتبهت اليها مريهان وذهبت اليها لاهثة تردد:
– هاي ياقلبي، انتِ جيتي هنا من أمتى ؟
نفثت الأخرى دخان سيجارتها قبل أن تجيبها بضيق :
– انا هنا من زمان ياحبيبتي، انتِ اللي مش فاضيالي.
القت مريهان ابتسامة نحو الشاب الذي اشار اليها من مسافة قريبة ، قبل ان ترد على صديقتها بعدم انتباه:
– مش فاضيالك ليه بس يابنتِ ؟ ما انا جيتلك على طول اول أما شوفتك اهو .
غضبت الأخرى من طريقتها فجذبتها بعنف كي تجلس على الكرسي المقابل لها :
– ماتقعدي بقى خايلتيني، هو صاحبنا ده ما استكفاش برقصك معاه بالساعتين ، عمال يشاغلك حتى هنا وانتِ زي العبيطة مندمجة معاه .
التفت اليها ميري قائلة بنزق :
– الله يا مرفت ، دا انتِ الشغل مع جاسر طبع عليكِ وخلاكِ مملة زيه ، ياباي عليكِ
هتفت مرفت تشير نحو نفسها بسبابتها :
– – انا بقيت مملة ياميري ، عشان بنصحك وعايزة أوعيكِ لمصلحلتك، يابنتِ ماينفعش تخلي أي حد ياخد عليكِ بسرعة كدة، راعي وضعك ياحبيبتي وشوفي انتِ بنت مين ومرات مين .
– اووف انتِ كمان لازم تفكريني .
تفوهت بها قبل أن تتابع وهي تعود بأنظارها نحو الشاب الذي راقصها منذ قليل :
– طب بزمتك، واحدة في وضعي كدة زي مابتقولي انتِ وهاجرها جوزها ، تفتكري والنبي لما تشوف حاجة حلوة كدة قدامها ، وفي عز احتياجها ، مش برضوا الخيانة تبقى حلال ليها .
نكزتها مرفت بطرف كفها وهي تهتف بغيظ :
– تخوني ايه يازفتة انتِ ؟ هي ناقصة عك أكتر ماهي معكوكة، بصيلي كدة وانتبهي ماينفعش التسيب ده وشوفي جوزك بيعمل ايه؟.
استدارت لها قائلة من تحت أسنانها :
– مايعمل اللي يعمله بقى انا مالي؟ اذا كان حتى البيت اللي كان جامعنا زي المطار ، سابوا هو كمان ومابقتش عارفة انا بقى ساكن فين.
ارتدت الأخرى بظهرها للخلف قائلة بتفكير :
– يااااه ، حتى الحاجة الوحيدة اللي كانت بتجمعكم راحت كمان، مش عارفة ليه ياميري ، قلبي حاسس كدة ان في حاجة مش مظبوطة .
ضحكت الأخرى ساخرة تسألها :
– حاجة واحدة بس اللي مش مظبوطة ، يابنتِ الوضع كله مش مظبوط .
زفرت مرفت هاتفة :
– يابنتِ افهمي بقى ، انا بتكلم بناءًا على حاجة شوفتها بنفسي ، جوزك من كام يوم كان عامل خناقة لرب السما مع موظف حاول يتقرب من موظفة زميلته أو يتحرش بيها ، مش عارفة ، المهم ان الشركة كلها اتلمت عليهم .
– يتخانق عشان موظفة؟
تساءلت ميري بدهشة ، أجابتها الأخرى :
– شوفتي بقى ياستي، اهي الموظفة دي بقى تبقى سكرتيرته ، ومعرفش كدة حاساه بيعاملها معاملة خاصة ولا ايه ، مش عارفة ، بس انا ابتديت اقلق .
صمتت ميري قليلًا قبل أن تسألها :
– تفتكري يعني تكون في علاقة مابينهم ؟ طب هي السكرتيرة دي شكلها ايه بالظبط ؟ حلوة كدة وجامدة ، ما انا عارفاه ماتعجبوش أي واحدة وخلاص .
مطت مرفت بشفتيها :
– يابنتي والله مااعرف ، بس هي البنت حلوة بصراحة رغم انها مابتحطش مكياج نهائي ، دا غير انها محجبة بقى ولبسها واسع بزيادة ، يعني حاجة غريبة كدة ملهاش تفسير ، فاهماني .
صمت قليلًا ميري ترتشف من المشروب الذي أمامها قبل ان تتوجه لمرفت قائلة :
– طب انا عايزة اشوف البنت دي، عندك صورة ليها ؟
نفثت مرفت من سيجارته قبل أن ترد عليها بهدوء :
– معايش ، بس لو عايزة اصورهالك .
