مقيدة باصفاد
<الفصل الحادي عشر> -١١-
بربك يا فتاة؛ من أنتِ؟
كيف تتحكم كلماتك ونبرتك بداخلي..!!
كيف بلغتي هذا المبلغ مني سريعًا..!!
اهتز كفيّ جبريل وهو ينظر إلى ما بينهم بأعين ضيقة، شعور لقد أفلست قواميس الدنيا أن تمدني لأصف به ذلك الشعور..
لماذا قطوف؟!
كيف وصل بكِ الأمر لهُنا..؟!
فلم يكن ما يراه سوى أقراص مُهدئة وأخرى منومة!
لماذا تلجأ فتاة مثل قطوف لمثل هذه الأمور، مِمَا تُعاني، ما الذي تُدثره بداخلها، ما تلك الحرب التي تخوضها!
سار جبريل ووضع كل شيء بمكانه الصحيح وعاد يجلس فوق الأريكة والخواطر والأحلام تطوف به بعتو..
ظلّ على حاله يجلس شاردًا وأعينه تتأمل نومتها الساكنة والكثير من الأفكار تعصف به حتى اختطفه النوم وهو على حالته يصارع طوفان من الغموض والمجهول…
******بقلم/ سارة نيل******
مع إرتفاع أذان الفجر تحرك جبريل من نومته الغير مريحة بإنزعاج معتدلًا، التفت ليرى قطوف لكنه أصيب بالدهشة حين لم يراها..
وثب وخرج من الغرفة وقلبه مليء بالقلق فأين ذهبت في مثل هذا الوقت..!!
تنفس الصعداء حين رأها تجلس بهدوء أمام ورودها المفضلة تتلمسها برقة، ابتسم بحنان ثم جلس بجانبها داعيًا بداخله ألا تثور وتتمرد..
تنفس بعمق متسائلًا وهو ينظر للورد:-
– أيه مصحيكِ دلوقتي يا زيتنونه؟
والعجيب حين أجابته بهدوء دون تمرد:-
– عادي قلقت من النوم فقومت صليت وخرجت أستنى الفجر..
علقت الكلمات بعقل جبريل وهو ينظر لها بقوة يحاول سبر أغوارها..
ماذا بكِ قطوفي، ما الذي تعاني منه!
لماذا أشعر أن ثمة أوجاع مخبأة خلف تلك الأقنعة!
رفعت رأسها تنظر للسماء فأعمل هو النظر بها، بينما هي فأخذت تتذكر تلك الكلمات التي سمعتها أمس فزلزلت كيانها، كانت صدمة لم تكن بمخططها، أخذ قلبها يمور خلف أضلعها فالتفتت فوقعت أعينها داخل عيناه وسرعان ما أبعدتها في خجل أسعد قلب جبريل.
فهي المرة الأولى التي يرى بها داخل أعينها شيءٌ غير الحِدة والقوة الشديدة..
بشرت فؤاده فاستقام قائلًا مبتسمًا:-
– أنا هقوم علشان ألحق صلاة الفجر .. وأنتِ صلي وأبقي ادعيلي … يا قطوف من الجنة..
وخرج لتظلّ تنظر لأثره بشرود متنهدة بثقل..
بالصباح كانت تجلس قطوف بصحبة رحيق أمام الورود متعجبة من عدم عودة جبريل منذ أن خرج لصلاة الفجر…
لم تُحدثها كلًا من والدة جبريل وشقيقته ولم يزعجوها بأي حديث..
زفرت قطوف بملل وهي تنظر لرحيق قائلة:-
– أنا مليت أوي يا رحيق مش عارفه لو كنتِ مش موجوده كنت اتكلمت مع مين…
– قطوف إللي نسيتني خالص خالص، لا أنا زعلان..
رفعت رأسها فور سماعها هذا الصوت المألوف بالنسبة لها، انفرجت أساريرها وأردفت بسعادة:-
– عِز .. أيه المفاجأة دي..
اقترب شاب في الثلاثون من عمره يبدو عليه المرح والثراء..
وقف أمام قطوف يتأمل المكان بوجه معقود ساخط ليردف برفض:-
– إزاي خالي سايبك قاعده في مكان زي ده..
وبعدين إزاي توافقي على المهزلة دي وتتجوزي إللي زي جبريل يا قطوف..
عِز بالنسبة لها شخص جيد وصديقٌ وفيّ قبل أن يكون ابن عمتها الحبيبة..
اشارت له بصمت ليجلس ثم قالت:-
– إهدى وتعالى أقعد ..المهم جايبلي أيه معاك..
جلس بالمقعد المجاور لها وهو يرمقها بعتاب واضعًا بعض الأشياء أمامها قائلًا برفق وهو لا يريد الضغط عليها:-
– جبتلك فطار إللي بتحبيه والحلويات كمان ومتخافيش مفيش فيها لوز علشان الحساسية إللي عندك..
وأشار للطعام برأسه قائلًا:-
– يلا كلي وتحكيلي على كل حاجة..
ومين الصغيرة دي..
كانت رحيق تنظر له بفضول منذ دلوفه فأردفت تقول:-
– أنا رحيق صاحبة قطوف وهفضل معاها عالطول.
نظر عِز لقطوف بتسائل فأشارت إليه برأسها بأنها ستُخبره لاحقًا، ابتسم عِز لرحيق وقبل رأسها قائلًا بمرح:-
– واعتبريتي صاحبك من النهاردة أنا كمان يا حلوة أنتِ .. ويلا بقاا نفطر وتقوليلي أيه رأيك في الفطار إللي أنا جايبه..
شرعت قطوف تأكل فهي حقًا جائعة وبالتأكيد تلك الطفلة أيضًا، وقالت بسخط:-
– ما خلاص بقاا يا عز محسسني أنك أنت إللي عامله بنفسك..
رماها باستعلاء مصطنع وأردف:-
– كلي كلي وأنت ساكته علشان أنا على أخري منك ومن أبوكِ شريف باشا إللي نهايته على إيدي قريب..
نظرت له محذرة وأخذت قطوف تُطعم رحيق التي أخذت تلهو حولهم فأسرع يتسائل:-
– أنتِ كويسه هنا .. حد مزعلك .. وإللي اسمه جبريل ده عامل أيه معاكِ .. وأيه حكاية الطفلة دي..
ابتلعت الطعام ونفضت يديها ثم قالت متنهدة:-
– أنت واضح إن بابا حكى ليك سبب الجوازه، هو خبى عني وقالي لحمايتك وأنا عارفة إن حيدر الجندي مصمم يتجوزني وتبقى كدا صلح بين الطرفين وبابا عمل كدا علشان يبعدني عن طريقهم خالص..
متقلقش عليا يا عِز .. جبريل شخص مش وحش، أنا كنت فاهمة غلط الأول بس أنت كنت شاهد عن مغامرات إنقاذاته لنا قبل كدا، وهو شخص يعتمد عليه..
المكان هنا حيدر الجندي ميقدرش يوصله وهفضل هنا لغاية ما الأمور ترجع لطبيعتها، أنا نفسي مليت من الصراع ده يا عِز بس على الأقل أنا هنا حُره مفيش أي قيود، هنا الحياة بسيطة مش فيها أعداء بالكوم..
أما بالنسبة لرحيق فأنا هاحكيلك حكايتها..
وأخذت تسرد له كل شيء متعلق برحيق تحت حزن عِز وتأثره ولم يشعروا بالتي تقف خلف باب المنزل وقد استمتعت لحديثهم ونبت على فمها إبتسامة خبيثة..
ردد عِز بحماية:-
– أوعى تخافي من حاجة يا قطوف، محدش يقدر يمسك بأذى حتى من غير ما شريف الهواري يعمل المسرحية دي .. وخليك معايا أول بأول…
عقدت حاجبيها نظرت له بأعين ضيقة ثم قالت بشك:-
– الكلام ده ليا يا عِز ولا أيه، أنت ناسي أنا معلمة عليك كام علامة..
تحسس عِز جبينه وانفجر ضاحكًا وهم يسردون أحداث الطفولة…
******بقلم/ سارة نيل******
بالطابق الأخير من بناية راقية مكونة من عشرون طابقًا كان جبريل الذي يقف راسخًا كالافلاذ يقف أمام رجل شديد ملامح الوجه وقد اشتعل رأسه شيبًا ورغم هذا مازالت أعينه محتفظة بنظرة ثاقبة حادة كالصقر..
هتف الرجل بصوتٍ أجشّ:-
– معلومتنا سرية جدًا وحقيقتنا هي إننا مش موجودين يا جبريل … إحنا ملناش وجود..
حتى شريف الهواري نفسه مش لازم يعرف إن أنت من منظمة Falcon وإنك موجود لحمايته..
حرك جبريل رأسه وقال بخشونة:-
– متقلقش يا باشا دي مش أول مرة .. إحنا ملناش وجود..
استدار وسار حتى وقف أمام جبريل وضرب فوق كتفه وردد بثقة:-
– لو كنت قلقان منك يا جبريل مكونتش وصلت للمكانة إللي أنت وصلتها عندي دي..
قولي الخاين من بيت شريف اتعرف..
أخرج جبريل من جيبة شريحة تسجيل صغيرة وسلمها بيد الأخر وهو يقول:-
– الخاين شخص مقرب جدًا من شريف الهواري وبيثق فيه … حد من عيلته..
بس للأسف للشخص ده دخل أوضة المكتب وهو ملثم وجسمه كله سواد..
ترعرعت إبتسامة ماكرة فوق شفتي هذا العجوز وقال:-
– سهلة أوي … يعني علشان لابس أسود ومغطي وشه مش هنعرف نوصله .. خلال أربعة وعشرين ساعة هيوصل لموبايل شريف الهواري وموبايلك تقرير بحقيقة الخاين..
أنت ركز في الأمور التانية..
تمام يا جبريل..
ردد جبريل بإحترام:-
– تمام يا يونس باشا .. عن إذنك يا باشا..
*****بقلم/ سارة نيل******
بعد قليل وصل جبريل لمنزلهم لكنه تصنم وهو يرى هذا البغيض أمامه بصحبة قطوف ورحيق وأصوات ضحكاتهم متداخلة..
شعر بالنيران تندلع بقلبه في حين انكتم صوت الضحكات فور أن شعروا بوجوده..
بادله عِز نظرات ساخطة كارهة واستقام وهو يقول لقطوف:-
– الجو بقى خانقة مرة واحدة كدا يا قطوف، أنا هقوم بقاا وإحنا على اتصال لو احتاجتي أي حاجة قوليلي وأنا هبعتلك الأكل كل يوم..
انتفض جبريل من صمته وهدر بصوت ملتهب:-
– أكل أيه يا بتاع أنت إللي هتجيبه، أنا مش عايز أشوف وشك هنا تاني ويلا من غير مطرود..
التفت عز نحو قطوف وقال بلامبالاة:-
– سلام يا توفا سلام يا رحيق، لو احتاجتوا أي حاجة كلموني وأنا هجيلكم كل يوم..
خدوا بالكم من نفسكم … يلا سلام..
ووضع نظاراته السوداء بهدوء فوق وجهه ورحل من جانب جبريل بصمت…
انتقل جبريل بنظراته الحادة نحو قطوف واقترب منها مقطبًا ما بين حاجبيه ثم أردف وهو يُبعد الطعام من أمامها:-
– أيه إللي بيضحك أوي كدا، وأيه إللي جاب ده هنا وعرف إزاي المكان!!
تعجبت من هجومه الغير مُبرر لكنها أجابت بهدوء يختلف عن طبيعتها في مثل هذه المواقف:-
– عادي .. عرف بالموضوع وجه علشان يطمن، دا عِز ابن عمتو وأنت مش تايه عنه، وأكيد بابا إللي عرفه..
كظم غيظه وغضبه بشق الأنفس، وظل يتنفس بهدوء ليسير ويجلس بجانبها ثم قال بنبرة لينة:-
– أنا آسف اتأخرت عليكِ بس كان عندي شغل بخلصه من بدري..
ووضع فوق أقدامها حقيبة ورقية صغيرة، نظرت له قطوف بتسائل فحثها على فتحها، فأخذت تفتح التغليفة بهدوء فتوسعت أعينها بدهشة وسعادة غمرتها…
وللمرة الأولى يرى جبريل هذا الضوء المنبعث من تلك الأعين الكهرمانية فانتعش قلبه بسعادة غامرة، ابتسمت واسترق خديها لون شقائق النعمان فحلق قلبه بعالم أخر وارتسمت الحياة أمامه بالأخضر..
توهج وجه جبريل بالسعادة لرؤية إبتسامتها وأرادت أن يسقط قلبه صريعًا على الأخير فالتفتت تنظر له مبتسمة ووجهها يفيض بالسعادة وهي تتحسس الكتاب بين يديها:-
– وصلت ليه إزاي يا جبريل .. أنا دوخت عليه وقالوا مستحيل أوصله.
مدّ يده يسحب كفها ثم طبع قُبلة ناعمة فوقه وهمس بعشقٍ صادق:-
– قطوفي تتمنى وتحلم وجبريل ينفذ ويقلب العالم كله علشان يحقق أمانيها..
هذا الكتاب كانت تبحث عنه منذ عدة شهور، الأمر ليس مجرد كتاب بحث عنه وجلبَهُ لها..
مجرد إهتمامه بالأمر، تذكره، التنقيب خلف ما تُحبه حتى وإن كان شيئًا طفيفًا..
طالعته بنظرة هادئة قد تحرر بها العشق والأمان معه أخيرًا، أردفت بإمتنان:-
– شكرًا جدًا يا جبريل فرحتني أوي..
– وأنا كمان فرحت .. فرحت علشان أنتِ فرحتي يا قطوفي..
نعم مجرد رؤية هذا المدعو بِعز جعلته يفقد عقله والغضب يمور بداخله، لكن يعلم أن الآن لا مكان للغضب، الغضب يجعل الوردات تذبل، يُبهت العلاقات وهو الآن يبتدي معها الطريق..
بقى يتحدث معها عن أشياء عدة يتقرب إليها وهو كان يشعر بأنه في النعيم وكأنه انفصل عن العالم حين وجدها تستقبل حديثه ونظراته لها بحفاوة وخجل..
عَلَا رنين هاتف جبريل فاستقام مجيبًا فقد كان والد قطوف..
أردف شريف يقول بحسم:-
– جبريل تعالى علشان عايزك ضروري..
انتهت المهاتفه ونظر لقطوف لا يريد الإبتعاد عنها وقال:-
– مش هغيب .. هشوف شريف باشا عايز أيه وأرجع..
هتفت قطوف بهدوء:-
– تمام .. أنا هستناك علشان عندي كام مشوار عايزه أعمله وعايزه أخرج..
ردد مسرعًا وهو يتجه نحو السيارة:-
– نص ساعة وأكون بين إيديكِ يا قطوف من الجنة..
ابتسمت قطوف بسعادة تغزو قلبها وأخذت تقرأ الكتاب الذي جلبه لها بهدوء لفترة قصيرة حتى قاطعها خروج ريهام شقيقة جبريل تتجه نحوها وهي تحمل بيدها شيئًا ما..
تجاهلت قطوف وجودها لكنها تعجبت حين جلست بالقرب منها بهدوء ووجه مبتسم..
قالت ريهام بادئة الحديث:-
– أنا عارفه إن كنت وحشه معاكِ بس لما شفت معاملتك مع رحيق وسمعت قصتها احترمتك يا قطوف … أنا آسفه وكعربون صُلح عملت الحلويات دي ممكن تاكليها..
رغم تعجب قطوف لكنها سعدت فهي حقًا تبغض هذا التوتر ولا تريد مثل هذا العداء، تنهدت براحة وابتسمت لها بينما تأخذ من بين يديها الطبق وقالت بطيبة:-
– خلاص مش زعلانه منك يا ريهام وأكيد مش هكسف إيدك، تسلم إيدك لتعبك وأكيد هتكون جميلة شبهك..
ابتسمت ريهام باتساع وردد بود:-
– الحمد لله أنك رضيتي يا قطوف يلا دوقي..
شرعت قطوف تتذوقها تحت تشجيع ريهام، وأثناء طعامها شعرت بشيءٍ غريب، توقفت عن الطعام وهي تشعر بإختناق يصيبها وروحها تُسحب من صدرها، احتقن وجهها وأخذ صدرها يعلو ويهبط لتحاول الوقوف والهرع نحو الغرفة لأجل أدويتها لكن لم تستطيع وتمكن التعب منها..
نظرت ريهام المبتسمة بإنتصار وشماته وهي تعتقد أن كل هذا مجرد دلال من تلك المتكبرة، تسائلت قطوف بصعوبة من بين أنفاسها المتقطعة:-
– في …. لوز ..
رفعت ريهام حاجبيها وقالت ببراءة:-
– أيوا أنا ضفت لوز مطحون وناعم أووي في الوصفة .. أيه هو أنتِ مش بتحبيه ولا أيه!!
شهقت قطوف وهي تشعر برأسها يثقل والعالم يدور من حولها وأخيرًا قد أصبحت رؤيتها ضبابية وعلى وشك الانفصال عن الواقع….
**************
اقتحم السكرتير الخاص بحيدر الجندي الغرفة وقال مسرعًا:-
– حيدر بيه … في مكالمة مهمة جدًا وصلت لنا، إحنا عرفنا فين بالظبط مكان قطوف الهواري…
اتفضل يا باشا شوف بنفسك..
ومدّ يده له بالهاتف فأخذه حيدر الذي وثب مسرعًا ينظر بلهفة ليندلع بداخله الجحيم وهو يرى قطوف التي تجلس بهدوء برفقة جبريل رستم…
ألقى الهاتف بغضب وانبثق الشر من أعينه وهو يهدر من بين أنفاسه السريعة:-
– أخيرًا يا قطوف … وأنت يا جبريل وقعت أخيرًا بين إيديا…
<الفصل الثاني عشر> -١٢-
الأعين مُثبتة عند نقطةٍ ما سابحة بعالمٍ أخر تناست به هذا الألم الذي يفتك بها وحلّت أوجاع أخرى من نوعٍ أخر.
أوجاع موشومة بروحها لم تبرح عنها ولو قليلًا..
خطان من دموع نادرة جدًا هبطوا مُحملين بالأسى، هبطوا ببطء يمتزجوا ببشرتها..
أغمضت أعينها بثقل ونبتت بسمة غريبة فوق شفتيها وردد لسان حالها بداخلها تهمس بلوعة حارة:-
– لا أعلم لماذا أصبحت أسوار الحذر تحاوطني من جديد، لماذا عليّ الحذر دائمًا وخلق مسافات طويلة، لقد امتلأتُ بالحذر حتى أنه لم يعُد في قلبي مساحة آمنة إطلاقًا، إني أعوّد نفسي دائمًا على عدم التعلق وإجادة الإفلات في عِز تعلُقي..
إنه الإحساس .. لا تتركوني لإحساسي فهو دائمًا على صواب ويُكدر عليّ صفوي..
إحساسي لم يُخطأ قط فقد كان دليلي في أشد معاركي، لذا فإني الآن لا أريد بثّ هذا الإحساس بأُذني والتعمق به..
لكن قول لي، إلى متى تلك القيود؟!
وكان هذا وأكثر مما يجهله جبريل مما يعبقها، إنها شخصٌ مُحاط بالأسوار العالية، فهل سينجح في إختراقها والوصول إليها أم أن تلك القيود ستشتد أكثر من حولها؟!
بل سينجح من الأساس باختطافها من يد الموت الوشيك..!!
التفتت رحيق التي تلهو نحو مكان قطوف لتفزع الطفلة حين رأتها مُلقاة أرضًا هامدة..
هرعت نحوها وسقطت بجانبها تحاول إفاقتها ببكاءٍ ملهوف:-
– قطوف .. قطوف .. أنت مالك .. أيه حصلك..
لا .. لا يا قطوف مش تسبيني .. مش أنتِ وعدتني، أنتِ كمان هتسبيني زيهم..
فرقت قطوف بين جفنيها الذابلين تنظر نحو رحيق نظرة مشوشة مليئة بالعجز وهي تجاهد لأخذ أنفاسها شاقهة بقوة، وجاءت تتحدث لتُطمئن فزع تلك الطفلة لكن قد خانتها حروفها وكلماتها…
لقد كانت معاركي الخاصة.
أخوضها وحدِي وسط ظُلماتٍ بعضها فوق بعض، تكفلتُ بإسعاد قلبي دائمًا، حتى عتماتي لم أقبل أن يُضيئها سواي..
في بعض الأحيان أتعبتني قوة وحِدة مُلاحظتي فكانت نوبات حُزني كثيرة، فأُخفي الحُزن في صبرٍ تجلى وفي العتماتِ يهزمني أنيني.
لقد كانت معاركي وحدي التي يجهلها الجميع..
وإلى هنا أغمضت قطوف أعينها بسكون بأهدابٍ مُبتلة..
رفعت رحيق رأسها نحو السماء وقالت ببكاء:-
– يارب انقذها مش تخليها تمشي .. يارب أنت قادر على كل حاجة..
والتفت رحيق نحو ريهام التي تقف تشاهد الموقف ببرود ومازالت تعتقد أن هذه مجرد مسرحية وخداع من قطوف وأن الأمر ليس بهذه الضخامة..
استقامت رحيق وأمسكتها من يدها قائلة برجاء:-
– ممكن تنقذي قطوف .. شوفي أيه حصل لها..
سحبت يدها ورددت بقسوة:-
– دي مجرد واحده بتدلع وبس .. فاكره نفسها في قصر أبوها بتعمل مسرحية رخيصة..
ابتعدت عنها رحيق وهمت أن تركض للخارج لاستدعاء المساعدة لكن توسعت أعينها بسعادةحين رأت جبريل يهم بالدخول..
ركضت نحوه بلهفة صارخة:-
– جبريل … جبريل .. قطوف بسرعة .. إلحق قطوف..
شعر بقلبه يغادر صدره وجفت دماءه بينما ثباته فأصبح كرمادٍ اشتدت به الريحُ في يومٍ عاصف..
التهمت أقدامه الخطوات التي تفصلهم وهو يرى قطوف ممدة أرضًا هامدة…
في حين تصنعت ريهام الإهتمام بقطوف بمكر محاولة إفاقتها وقالت بخوفٍ مصطنع:-
– إلحق يا جبريل مرة واحدة لقيتها حصلها كدا وهي بتاكل الحلويات..
لم يستمع جبريل لأي حديث بل انحنى بلهفة وقلبه قد اجتُث من جذوره وحملها بلهفة بين ذراعيه يركض مسرعًا للخارج بينما يقول بصوت مرتفع لشقيقته ويُشير لرحيق المتمسكة به:-
– خلي بالك من رحيق وأوعي تيجي جمبها مش هيحصلك طيب..
واتجه يقول برفق لرحيق:-
– رحيق يا جميلة قطوف كويسه مش هيحصلها حاجة .. هنرجع عالطول استنينا هنا لغاية ما نرجع..
وتركهم واضعًا قطوف بالسيارة وصعد هو الأخر منطلقًا بسرعة مخيفة نحو أقرب مشفى لهم وهو يتفحص نبضها بين الحين والأخر بقلب ينبض رعبًا..
همس بقوة وأعين دامعة رغمًا عنه وهو يراها بتلك الحالة:-
– مش هيحصلك حاجة يا قطوفي .. أنتِ قوية اتحملي .. أنا مش هسمح لأي أذي يمس حتى شعره منك…
بعد قليل كان جبريل يقف والقلق مستبد به ويدك الأرض ذهابًا وإيابًا بتوتر وهو ينتظر تقرير الطبيب والإطمئنان على قطوف..
مر بعض الوقت والرعب ينهش بقلبه حتى خرج الطبيب وبصحبته طبيبة فهرع نحوهم متسائلًا بلهفة:-
– مالها قطوف .. أيه إللي حصلها ودا بسبب أيه .. هي كويسه..
رددت الطبيبة بلين:-
– لازم يبقى في إهتمام أكتر بأكلها، هي عندها حساسية وأكلت حاجة اتسببت في الحالة دي، الحساسية مش حاجة سهلة أبدًا وممكن مع الإهمال إللي زي ده تروح فيها..
هي بقت كويسه وفاقت بس يبقى في إهتمام أكتر وعناية وتلتزم بعلاجها..
حرك جبريل رأسه بشرود فهو يعلم أن لديها حساسية من اللوز لكن كما يعلم أيضًا أن قطوف حريصة .. كيف وصل اللوز لطعامها..
هل من الممكن أن يكون عِز المتسبب في هذا..!
نفض تلك الأفكار وسارع يدلف للغرفة لتعود روحه ونور الحياة لوجهه حين رأها تجلس فوق الفراش مستندة وأثار التعب بادية على ملامحها الجميلة..
اقترب جبريل منها وأعينه معلقة بها ثم جلس على طرف الفراش وبدون تردد سحبها في عناقٍ طويل يروي به حالة الرعب التي عاشها، يُطمئن قلبه أنها بخير وأنها بجانبه..
تنهدت قطوف براحة واستندت برأسها فوق كتفه ولتزيد من صدمة هذا المسكين رفعت ذراعيها تبادله عناقه بهدوء لتطرد تلك المخاوف التي عاشتها، فهي أصبحت تشعر بالأمان والطمأنينة بجواره فلتستمد منه بعض الأمان..
طاف قلب جبريل في سماء السعادة لتلك الإستجابة، طبع قبلة حانية فوق جبينها وردد بحُب:-
– كنت هتجنن يا قطوفي لما شوفتك كدا قلبي كان هيقف .. الحمد لله إنك بخير يا قطوف من الجنة..
أنا مش هسألك أي حاجة دلوقتي ألا ما ترتاحي..
رفعت رأسها تنظر له ثم تنهدت قائلة:-
– أنا كويسه الحمد لله بس خرجني من هنا .. مش بحب المستشفى ومش برتاح فيها هرتاح أكتر في البيت .. لو سمحت خرجني من هنا..
همّ بالإعتراض قائلًا:-
– بس يا…
قاطعته بإلحاح:-
– جبريل علشان خاطري .. بجد أنا بقيت كويسه.
لم يكن أمامه إلا أن يقول:-
– خاطرك في قلبي يا قطوفي، أنت تؤمري وجبريل ينفذ..
هكلم الدكتور وأجيلك نخرج عالطول…
وابتعد يخرج لكن شعر بإهتزازه يفهم ماهيتها تخرج من هاتفه الذي بجيبه..
أخرجه على الفور ليرى رسالة خاصة من يونس محتواها..
[عرفنا مين الخاين بطرقتنا، المعلومات وصلت لموبايل شريف الهواري، بس وصلت على إنها منك علشان تبان إن أنت إللي كشفته وتكسب ثقته مرة تانيه … الرسالة مش هتتفتح ألا بالرقم السري إللي أنت عارفه.]
زفر جبريل براحة فأخيرًا قد تم الكشف عن هذا الذي يهدد استقرار الجميع…
بعد مرور نصف ساعة كانت قطوف الشاردة تجلس بجانب جبريل بطريق عودتهم، لم تُرد الإفصاح عن ما فعلته ريهام، لكن تعلم الطريقة التي ستقتص بها..
وهي المخطأة، هي من فرطت بحذرها..
ارتفع صوت رنين هاتف جبريل فأجاب على الفور حين رأى أن المتصل شريف الهواري..
قال شريف بلهفة مسرعًا:-
– تعالى حالًا على القصر يا جبريل.. أنت عرفت الخاين .. لازم تفتح الرسالة دي..
ردد جبريل بهدوء:-
– جاي يا شريف بيه .. بس أروح قطوف الأول وبعدين…
قاطعته قطوف قائلة:-
– هروح معاك .. السلطانة فريال وحشتني..
أردف شريف:-
– جيب قطوف معاك هي وحشتنا جدًا بردوا..
– خلاص تمام يا شريف باشا..
**************
تجمع الجميع حول قطوف ووالدتها التي أخذت تحتضنها بشوق وتطمئن أنها بخير..
رددت عبير بلهفة:-
– أنت كويسه يا قطوف .. طمنيني عنك يا حبيبتي .. وماله وشك أصفر ليه كدا..
ابتسمت قطوف وأردفت ببعض المرح:-
– أنا بخير يا بيرو هو حد يقدر عليا..
كان شريف يجلس شاردًا والفضول يغمره، مَنْ مِن عائلته وأسرته الدافئة تفعل هذا به..
حسم أمره ثم تنحنح يقول بجدية:-
– قدامكم كلكم حابب تعرفوا حاجة..
جبريل هيكشف قدامنا شخص قذر جدًا أيًّا كان هو…
الشخص ده خاين ملهوش أمان ولازم نعرفه علشان نبرته ونتخلص منه..
نظر الجميع نحوه بفضول وتعجب لتردد عبير ببعض القلق:-
– خير يا شريف في أيه..
نظر شريف نحو جبريل ومد يده له بالهاتف ثم قال:-
– اتفضل يا جبريل اكشفلي عن الوجه الحقيقي.. حقيقي مخيبتش ثقتي فيك يا جبريل..
أخذ جبريل الهاتف من يده وقال بثقة والفضول يملأه لمعرفة هذا الخائن:-
– خلاص هيتكشف قدامك يا شريف باشا وتتخلص منه وتحاسبه على أفعاله..
وبهدوء بدأ يضع الرقم السري الموضوع لفتح الرسالة تحت أنظار شريف الذي ينظر بتمعن وترقب…
وفجأة تحولت نظراته المتمعنة لأخرى مصعوقة وشعر وكأن عاصفة رعدية أصابت قلبه..
ظلّ ينظر بأعين جاحظة فاقدًا النطق وهو يرى أخر شخص توقعه…
كيف تأتي الطــ..ـعنة من هذا القُرب..!!
كيف تأتي من أحب الأشخاص لقلبه..
لكن .. لماذا..!!
في حين تخشب جسد جبريل وشعر أن ثمة موجة كهربائية تسري بيه وظلت أعينه متوسعة أمام شاشة الهاتف شاعرًا أن العالم يدور من حوله وقد انهارت الأرض من تحت أقدامه..
رفع أنظاره ينظر نحوها بصدمة هامسًا بصوت جاهد لخروجه فخرج متحشرجًا:-
– قطـــــوف .. مستحيل.!
بينما هي فبادلته النظرات التي تبدلت لأخرى متشرسة حادة متوعدة بالجحيم….
<الفصل الثالث عشر> -١٣-
الخذلان، الخداع، أصوات تهشم القلوب، عدم تصديق واستيعاب لما يدور وربما انفصال عن الواقع.
هذه كانت بعض الانفعالات المُرّة يتخبط بها بعضهم ومن الجانب الأخر على النقيض تمامًا كانت قطوف التي ترمي جبريل بنظرات حارقة قاتلة، لو كانت النظرات تقتل لأسقطته صريعًا.
ترمقه بشراسة وقوة وكبرياء وكأن تلك الخبر لم يسقط على مسامعها..
ومن جهة أخرى تُخفي خذلانها منه ومرارة خداعه لها، هو فقط كان يُريد أن يُسقطها..
مسرحية الزواج تلك لأجل أن يكشف ما خلف الستار أمام الجميع..
أغمضت أعينها تستدعي هدوءها وثباتها، وتحمد الله بداخلها أن كل شيء انجلى قبل أن ترخي لهواها العنان..
بينما هذا المسكين الذي اهتز توازنه وهو ينظر لها بأعين جاحظة بدون تصديق، لو أن أحدهم جاء بخنجر بارد مسموم وأخذ يخمش بقلبه لكان هذا رحمةً به عمّا يحدث الآن.
في حين أن عبير والدة قطوف وشقيقتيها فقدنّ النطق وينظرون لبعضهم بعدم فهم..
وأخيرًا من بؤرة الصدمة تلك خرج أحدهم عن صدمته، وأخذ شريف يقترب من قطوف الثابتة بوقفتها حتى توقف أمامها..
خرج صوته الضئيل وهو يناشدها برجاء قائلًا:-
– قولي إن هما بيكذبوا، قولي إن دا كذب وأنك مطعنتيش أبوكِ الطعنة دي..
تعرفي قولي كدا وأنا هصدقك عالطول..
خرجت من صمتها وطبقة سميكة جدًا من البرود والثبات تُحيط بها ثم هتفت غير مبالية:-
– وأكذب ليه يا شريف بيه أنت علمتني إن الكذب ضعف وصفة غير محمودة..
أنا فعلًا إللي كنت السبب في كل خسارتك وإللي باخد أوراقك المهمة وأهديها لأعدائك.
كلماتها وعدم مبالاتها سحبت الجميع سحبًا من صدمتهم حتى شريف الذي خرج من حالة ضعفه وهوانه وتشرست ملامحه، فحتى وإن كانت ابنته فهو شريف الهواري ولا يليق به تلك الحالة المخزية..
ارتفعت يده للأعلى بشدة ينتوي لطم وجهها بكل الحسرة المتكومة بداخله، لكن قبل أن تصل لوجهها ولدهشة الجميع كانت قد توقفت يده بفعل يدٌ أخرى أمسكت بيده ومنعت حدوث تلك الصفعة…
ولم تكن سوى …. قطوف.!
قبس من نار اشتعل بأعينها وقوة عاتية نبتت فوق ملامحها وهي تهدر من بين أنفاسها:-
– لا يا شريف بيه مش قطوف إللي تضربها بالقلم ولا أنا مستحيل أسمح لمخلوق يعملها..
شعر جبريل أنه بزاوية أخرى من هذا العالم، مُحال أن تكون تلك قطوف الذي يعرفها عن ظهر قلب، ما هذا الذي يراه.!
ولماذا.؟!
لماذا تفعل ذلك!
نفض شريف يد قطوف بقسوة ثم بغضب شديد سحبها من يدها حيث الخارج بردة فعل مفاجأة وسار الجميع يهرول من خلفه يحاولون تهدئته..
ألقها بقسوة للخارج والغضب ينبض بعروقه وأصبح بدنه يرتعش بانفعال وهو يصرخ بصوت لبسه الإنفعال:-
– برااا بيتي، إللي زيك يا خاينة يإللي عضيتي الأيد إللي اتمدت ليك خسارة يبقى اسمك جمب اسمي خسارة تكوني وسطنا… براا ومش عايز ألمح وشك تاني الباقي من عمري … مش هقولك هدفعك تمن إللي عملتيه وأنتِ عارفه إن أقدر أعمل كدا كويس وأخفيكِ من الوجود….
كتلة من الثلج والثبات على محياها لم تتأثر وكأن شيئًا لم يحدث..
تدخل جبريل الغارق بدوامة أخرى لا يعلم ما يدور وما يحدث في محاولة لتهدئة شريف قائلًا:-
– إهدى يا شريف بيه دا مش حل .. سيبنا نفهم أيه إللي بيحصل..
قطع حديث جبريل صوت ضحكات قطوف التي ارتفعت ثم اقتربت من جبريل وتوقفت بالقرب منه بعدما عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بصوت حاد ينافي البسمة المرتسمة على فمها:-
– وليه التعب دا بس يا جبريل رستم، شغل الخطط ومسرحية جواز وكلامك المعسول والشغل ده علشان بس تكشفني..
تعرف لو كنت بس واجهتني وسألتني كنت هقولك بكل بساطة بدل خططتك دي..
عمومًا أنا كنت عارفه بردوا إن وراك حاجة..
قلبي كان حاسس إن في حاجة مش مظبوطه..
وابتعدت عنه مقتربة من شريف مرةً أخرى ورددت لكن تلك المرة كان صوتها مهزوم:-
– أنا فاكره كل إللي حصل الليلة دي يا شريف بيه، فكراه جدًا … ظبطت أمورك بس مأخدتش بالك إن ممكن الذاكرة ترجعي في أي وقت، ولما رجعت عرفت إن مش أمان أبدًا إن أقولك، وإن عايشه وسط وكر الضباع بنفسه..
علشان كدا حطيت حواليا قيود وكنت تقصد إنها تبقى مخملية .. بس بالنسبة ليا كانت قيود من جمر….
واستدارت راحلة تخرج من بوابة هذا القصر الذي شهد الكثير …. تخرج خروج لا عودة بعده..
تخرج بشموخ فالانكسار لا يليق بأمثالها، بقوة وثبات حتى وإن كان داخلها منهار ومنهزم..
تراها عادية جامدة وهي من الداخل هاشةٌ جدًا كورقة خريف بائسة..
هي لم تلقى الرفق ولم تهدأ وتنطفئ نار قلبها..
❁❁❁❁❁❁❁❁
بعد خروج قطوف انهار شريف وسقط أرضًا في حالة يرثى لها..
بقى جبريل ينظر بأثرها وقد تيقن أن مازال الكثير خلف قطوف، الأمر ليس كما يبدو..
ويجب أن يتوصل للحقيقة..
تسائل بانفعال واضح مُوجه لشريف:-
– في أيه يا شريف بيه معرفوش، وأيه معنى الكلام إللي قالته قطوف .. في حاجة أنت مخبيها..
لم يكن شريف الذي يحاوطه زوجته وبناته بالوعي الكافي الذي يجعله يفهم تساؤلات جبريل وانفعالاته..
صاحت عبير الباكية بانهيار:-
– أنت شايف إن الوقت مناسب لأسئلتك دي يا جبريل … روح ورا قطوف وإياك تسيبها..
للمرة الأولى بحياته يبقى عاجزًا هذا العجز، نعم قطوف …. كيف تركها تخرج.؟!
من المؤكد أنها عادت لمنزله..
وخرج جبريل راكضًا نحو سيارته متجهًا لمنزله وهو يبتهل بداخله أن تمر تلك الأحداث وأن يعلم ما يحدث..
أخرج هاتفه وبعد قليل أتاه هذا الصوت الصارم ليهتف جبريل بلهفة:-
– قطوف .. عايز أعرف كل حاجة عن تاريخ قطوف .. أنت كنت عارف إن هي صح..
وأكيد عارف السبب..
أتاه صوت يونس الخشن قائلًا:-
– ملناش علاقة بالسبب يا جبريل، السبب ده يخصها، ومهما كان السبب ميعطهاش الحق في إللي هي عملته..
قطوف مذنبة حتى لو شريف الهواري سابها فأكيد إحنا مش هنسيبها..
ومطلوب منك أنت تسلمها لنا يا جبريل..
خلص الكلام…
شعر جبريل بأن العالم يدور من حوله وتضاعف عجزه، بالكاد تماسك وهو يقود السيارة..
أخذ يمسح على وجه وشعره وهمس يقول من بين أنفاسه المتسارعة:-
– أول ما أوصل لكِ هاخدك وأبعدك عن العالم كله .. هحميكِ .. مش هسيبك أبدًا..
هعرف أسبابك وإللي مستخبي..
أنا مكونتش أعرف إللي في الرسالة يا قطوف..
مكونتش أعرف إن اسمك هو الموجود في الرسالة، أنا عارف إن مستحيل تصدقني..
تنهد بثقل وهمس وقد طفق القلق على جسده:-
– يارب دلني وارشدني..
❁❁❁❁❁❁❁❁
وصل جبريل لمنزله في وقتٍ قياسي وهرع يركض للداخل بلهفة وما برحت عنه المخاوف والهواجس….
ولج للداخل وهو ينادي باسمها بلهفة:-
– قطوف … قطوف .. أنتِ فين .. لازم أفهمك..
خرجت والدته المبتهجة من المطبخ فقد كانت تدندن بسعادة ثم هتفت ببهجة غامرة:-
– مبارك يا ابني .. غارت من هنا هي والعيلة إللي معاها..
اهتز ثبات جبريل وشعر وكأن مستوى فهمه قد تدنى كثيرًا، انضم حاجبيه لبعضهم البعض ثم استفهم بعدم فهم وتذبذب جليّ:-
– يعني أيه .. قصدك أيه .. هي فين قطوف..
ضربت فوق قلبها بخفة بينما تحركت تضع الطعام فوق الطاولة وهي تقول:-
– بقولك غارت .. جات أخدت البت الصغيرة وشنطة هدومها وريحتنا .. ربنا استجاب دعواتي يا حبيب أمك..
ويلا تعالي اتغدى عملتلك الأكل إللي بتحبه..
كان وكأن العالم مات من حوله .. تلك المرة لا رجعة … شعر جبريل أن قواه استنزفت وأظلم العالم من حوله، لا يعلم كيف حدث ذلك ولماذا!
فلم تشعر والدة جبريل إلا أنها سمعت صوت اصطدام قوي وسقوط شيء..
استدارت لتصرخ بفزع وهي ترى جبريل الذي سقط هامدًا فاقدًا لوعيه بدون مقدمات…
❁❁❁❁❁❁❁❁
لقد كانت معاركي الخاصة.
أخوضها وحدِي وسط ظُلماتٍ بعضها فوق بعض، تكفلتُ بإسعاد قلبي دائمًا، حتى عتماتي لم أقبل أن يُضيئها سواي..
في بعض الأحيان أتعبتني قوة وحِدة مُلاحظتي فكانت نوبات حُزني كثيرة، فأُخفي الحُزن في صبرٍ تجلى وفي العتماتِ يهزمني أنيني.
لقد كانت معاركي وحدي التي يجهلها الجميع..
تقف فوق الرصيف الموازي للقطار وأعينها غائمة بعيدًا، والجمود يرتسم فوق ملامحها الهادئة..
شعرت قطوف بيد صغيرة تُشدد فوق كفها، أخفضت أنظارها نحو رحيق التي تطالعها مبتسمة وهي تتسائل بحماس:-
– هنكون مع بعض عالطول يا قطوف..
محدش هيبعدني عنك صح..
ابتسمت لها قطوف رغم شحوب وجهها وسارت تسحبها بلطف داخل القطار ثم قالت بحنان:-
– عالطول مع بعض يا رحيق … وهنروح مكان بعيد جدًا محدش هيعرف يوصلنا فيه..
مكان مفيش حد يإذيكِ فيه…
وهنا تحرك القطار يشق طريقه نحو المجهول حيث طريق اللاعودة….
«مُقيدة بأصفادٍ مخملية»
<الفصل الرابع عشر> -١٤-
وسط دُجَى الليل شديد الظُلمة، تفوح رائحة الدماء بالأرجاء .. أصوات ولغط متداخل..
ضوء ينبعث من مصابيح جانبيه مُسلطة على تلك الوجوه … بعض الصرخات المكتومة المنسوجة بأنينٍ محبوس..
جسد صغير مرتعش متكوم حول نفسه أسفل الطاولة … جسدها الصغير يرتعش بجنون وشفتيها ترتجفان بجنون..
العرق البارد يُغرق وجهها وينحدر فوق عينيها الجاحظتان بفزع من هول ما ترى..
كفها الصغير تكتم به فمها منعًا من خروج شهقاتها الممزقة من جوفها، فترتد تلك الصرخات والشهقات المكتومة على قلبها مرةً أخرى..
أهوال وهلع وفزع جعلوا عقلها الصغيرة ينفصل عن الواقع مودعًا أحداث تلك الليلة…
كانت قطوف تتلوى فوق الفراش ووجهها ينضح عرقًا فتلك الأحداث الوفية لا تبرح عنها ولا تنحصر عن واقعها وكوابيسها..
فزعت قطوف من فوق الفراش وصدرها يعلو ويهبط وتشعر بأن أنفاسها تهاجر صدرها..
شهقت في محاولة لإلتقاط أنفاسها لكن لا فائدة…
استقامت من فوق الفراش وهي تلقي نظرة سريعة على رحيق العافية وخرجت من الغرفة حيث تلك الشرفة الصغيرة المُطلة على الحقول الخضراء والظلام يلبس الأرجاء..
جلست تحتضن جسدها فوق المقعد وهي تُمسد فوقه برفق في محاولة لتهدئة ذاتها وقلبها..
ظلت تُشدد على جسدها أكثر وأكثر تربت عليه وتسحب أنفاسها براحة..
هي لنفسها كل شيء .. تلك الخيبات تجعلها أقوى، تسقط ثم تتكئ على قلبها وتستقيم مرةً أخرى.
كانت هي أمام الخيبات كالحصن المغلق في قمة الجبل الوَعْر..
لا تحتاج ليد أحدهم لتربت على أحزانها..
لا تحتاح أن تخبر أحدهم عمّا يمزقها من الداخل..
رفعت رأسها نحو السماء المتلألأة بالنجوم لتشعر بالراحة تسكنها، تنهدت بعمق ثم همست قطوف:-
– كفاية أنت عالم .. كفاية أنت مُطلع..
وكفاية أنت معايا .. مش محتاجة حد طلما أنت معايا..
سقطت دموعها لتكمل بارتعاش:-
– ياريتني عرفت أعمل حاجة، لقيت نفسي ضعيفة .. غصب عني لقيت نفسي بحن ومش قادرة .. مقدرتش أكون كدا .. مقدرتش ألوث نفسي…
ونظرت من حولها ثم تحدثت وهي تمسح دموعها:-
– بس هنا هكون في مأمن .. محدش هيقدر يإذي قلبي .. هزود الجدران حواليه علشان ميتوجعش..
أصل .. أنا بخاف من الوجع أووي يارب..
وظلت على هذا الحال تتحدث وتبث ما بداخلها له، فقد كانت هذه طريقتها للتخفيف عن قلبها وتفريغ ما بداخلها..
***************
يغفو في حالة من الإنفصال عن الواقع..
غربت شمسه .. فبأيّ عدل تريد أن أحيا في عالم شمسه باردة..
الآن البرودة قد جمدت أوصالي..
قفز من فوق فراش المشفى وهو يبحث بأعينه بجنون ويهتف بينما ينزع هذا الخرطوم الرفيع من يده:-
– قطوف .. فين قطوف .. أنا فين .. بقالي قد أيه نايم .. لازم أدور عليها..
هرعت والدته الباكية بانهيار نحوه وهي تربت فوق كتفه بحنان:-
– إهدى يا جبريل إهدى يا ابني متعملش في نفسك لازم ترتاح..
لم يهدأ لُهاثه المجنون وهو يتحرك نحو باب الغرفة بينما يسحب متعلقاته من جانب الفراش وهرع للخارج رغم هذا الدوار الذي يحتله وهو يقول بلهفة:-
– لازم أوصلها .. هي لوحدها .. أكيد حالتها صعبة، لازم أكون معاها وبعد كدا أي حاجة تتحل…
لمح سيارته على أحد الجوانب فهرع إليها جبريل وهو في غمرة دواره منفصلٍ عن الواقع وهو يعبر الطريق والأحداث الأخيرة تتناوب على عقله بعشوائية والكثير من الأفكار السوداء تعمي أعينه..
وهُنا…..
سكن كل شيءٍ من حوله .. سقوط .. أصوات إرتطام قاسية جدًا كفيلة لتُخبرك ما حدث..
ولا مُعجزةٌ تكفي للنجاة..
وفجأة صمتت تلك الضوضاء التي كانت تعبق رأسه وهو يرى طيف قطوف يأتي من بعيد…
***************
انتكاسة أخرى للجدة فريال الجميع يلتف حولها يحاولون إقناعها بعودة قطوف قريبًا بعد عِدة إنهيارات عديدة..
رددت ميرا شقيقة قطوف بانهيار:-
– يا ماما تيتا رمت علاجها مش لاقياه..
أشارت لها عبير وهي منهمكة مع الجدة نحو الخزانة قائلة مسرعة:-
– قطوف كانت بتخلي علاج إحتياطي في الدولاب بين اللبس …بسرعة دوري عليه..
وأشارت لابنتها الأخرى قائلة:-
– وأنت يلا انزلي نادي أبوكِ بسرعة..
اتجهت ميرا نحو الخزانة تبحث بين الملابس بلهفة، وبعد القليل وجدت عبوات دواء مخبئة بعناية … لكنها لم تجد فقط الدواء!!
فبين الملابس وجدت العديد من الأوراق والتي يبدو عليها بأنها أوراق هامة..
– لقيتي يا ميرا الدوا..
أفاقت من شرودها وأسرعت تعطيه لوالدتها ثم وجهت أنظارها نحو تلك الأوراق لتلمح بها تكرار اسم والدها..
ومع اقتحام شريف الفزِع الغرفة أسرعت ميرا تجاهه وهي تمد يدها إليه بالأوراق متسائلة بتعجب:-
– الأوراق دي بتاعتك يا بابا..
اتجهت أنظار شريف الباهت الوجه تجاهها وأخذها يتفحصها لتتوسع أعينه بصدمة وردد بدون تصديق:-
– مش معقول .. إزاي حصل…!!
****************
أصوات تهشيم يأتي من تلك الغرفة وصراخ محتد جدًا..
وداخل الغرفة التي أصبحت حطام وكأن نزل بها عاصفة هوجاء قلبتها رأسًا على عقب..
صوت حامد الجندي الغاضب غضبًا لم يصل له من قبل يوبخ حفيده حيدر الذي يقف والصدمة تُغلفه:-
– إزاي تقع في غلطة زي دي … إزاي خدعوك..
الأوراق دي مزورة مش مظبوطة تبلها وتشرب مايتها يا متخلف..
أنا كام مرة حذرتك وأنت عامل نفسك شبح ومفيش بعدك..
تعرف معنى أيه إن يحصل حركة زي دي..
يعني حد متابعنا وخدعك ويعرف عننا كل حاجة..
خدعك بكل سهولة ووقعت أنت في الفخ زي التور..
وألقى الأوراق في وجهه بقسوة وهو يتابع كلماته اللاذعة:-
– دا علشان شاعل دماغك بالبنت دي وبتجري وراها وورا أخبارها..
بس مش حامد الجندي إللي يتخدع الخدعة دي ويسيب حقه…
واقترب منه يلكزه بصدره قائلًا بفحيح:-
– وأول واحد هاخد حقي منه هو أنت يا حيدر، هتعرف الوجه التاني لحامد الجندي…
وزي ما حرقت قلبي على الأوراق دي وخيبت أملي … أنا هحرق قلبك على البت دي….
****************
مرّ اليوم بلُطف على قطوف بصحبة رحيق، مرّ وهي تحاول خلق البهجة والسعادة..
مرّ وهي تحاول جاهدة طرد السوء بداخلها وخلق ذكريات جيدة..
مرّ وهي تعمل على ترميم روحها التي نحروها..
تلك البلدة صغيرة جدًا وبعيدة عن الجميع، غير أنها هادئة وأهلها طيبون..
ذات مرة وهي بالجامعة وبتمردها الدائم الذي كانت تحاول به تحطيم الأصفاد المخملية التي أحاطها بها شريف الهواري..
جاءت إلى هنا في رحلة تقدمها الجامعة للريف وقد انبهرت بالمكان حتى أنها صادقت عددًا لا بأس به من أهل تلك القرية..
مرّ النهار وانتهى وأقبل الليل بظلامه وهدوءه وبقت قطوف وحيدة بعدما غفت رحيق..
شغلت عقلها بقراءة كتاب واندمجت به لكن بعد مرور بعض الوقت شعرت بعدم الراحة..
تركت الكتاب من يدها وزوت ما بين حاجبيها وهي تستمع لأصوات تأتي من الخارج وأشياء تتحرك..
استقامت تتجه نحو الشرفة تغلقها وهي تستمع بدقة لتلك الأصوات وقبل أن تصل لباب الشُرفة شهقت بفزع حين انقطعت الإنارة وغرق المكان بظلام دامس…
وجف قلبها تلتفت من حولها وقبل أن تُبدي أي ردة فعل شعرت بيد تُكمكم فمها بقوة فتوسعت أعينها بفزع..
خرج منها همهمات غير مفهوم وتحركت بعنف محاولة تخليص جسدها من قيود مهاجمها لكن سكنت حركتها وتراخى جسدها وهي تشعر بإبرة دقيقة تُغرز بجلد ذراعها فسقطت في عالم آخر…
«مُقيدة بأصفادٍ مخملية»
<الفصل الخامس عشر> -١٥-
نعم، أصبحت الحياة رمادية اللون بأعينه ونتيجة إرهاقه وكثرة الضغط لم يستطيع المواصلة وخانه وعيه فسقط أثناء عبوره الطريق..
لكن حينما انفصل عن الواقع حال بينه وبين السقوط أن تلقفته أيدي قوية كانت أعينهم تترصده وترقبه مثل ظله..
سحبه حاملين إياه منطلقين بعيدًا..
بعظ مرور أكثر من ساعتين كان جبريل يستفيق مُجعدًا جبينه وهو يتأمل الأرجاء، وفور أن وصل الإدراك لعقله لينتصب واقفًا بفزع وهو يتذكر أنه كان ذاهبًا للبحث عن قطوف..
وفور أن استدار تعجب من رؤيته هنا، توسعت خطواته تجاهه وهو يقول ببعض الحدة:-
– يونس باشا .. أنا هنا ليه .. أنت ليه جيبتني هنا أنا لازم أدور عليها .. أنا ضيعت هنا وقت قد أيه..
التفت يونس بوقاره الذي يلازمه ثم تسائل بهدوء:-
– وأنت تعرف مكانها فين!
وكنت هتروح إزاي وأنت مكونتش قادر تصلب طولك يا جبريل.
ظل جبريل يدور بأرجاء الغرفة كأسدٍ حبيس وهو يمسح على شعره بعصبيه عاقدًا بين حاجبيه، وقبل أن يُفكر في حديث يقوله باغته يونس بقوله الثابت:-
– أنا أعرف مكان قطوف يا جبريل..
تهلل وجه جبريل وهرع نحوه قائلًا بلهفة:-
– بجد .. طب هي كويسه .. وهي فين .. لازم أروح لها..
تحرك يونس بهدوء حتى جلس مستريحًا على أحد المقاعد ثم ردد:-
– أقعد يا جبريل لازم تسمع الكلام إللي هقوله..
وقبل أن يُجيبه جبريل ارتفع رنين هاتفه ولم يكن المتصل سوى شريف الهواري، أجاب على الفور بلهفة:-
– شريف بيه .. تعرف حاجة عن قطوف..
أتى صوت شريف المنفعل بذهول:-
– جبريل حصلت حاجة غريبة جدًا.
لقيت كل الأوراق إللي كانت بتختفي، قطوف كانت بتحتفظ بيهم في دولاب جدتها..
هي مش خانتنا يا جبريل..
لازم أوصلها أكيد دلوقتي حياتها في خطر بعد ما حامد الجندي عرف إن الأوراق إللي معاه مزوره..
شعر جبريل بالتيهة وضاقت عليه نفسه شاعرًا وكأنه بأحد الأنفاق الدودية الضيقة جدًا..
أغلق جبريل الهاتف سريعًا ونظر تجاه يونس قائلًا وجميع عروق عنقه بارزة بانفعال:-
– فين قطوف .. لازم أعرف مكانها..
قال بثبات دون أن ينظر له:-
– هتعرف مكانها .. بس مش هتروح علشان تجيبها ولا بكونك جوزها .. هتروح علشان تخطفها..
ولازم تسمع إللي هقوله بالحرف..
****************
وسط غرفة مُظلمة إلّا من هذا الشُعاع الشحيح من الضوء يأتي على استحياء من نافذة ضيقة بالقُرب من سقف الغرفة..
تجلس متكومة فوق نفسها في جوّ أسود مُقفر مُظلم، تحتضن قدميها وتستند بذقنها على ركبتيها، ترتفع أعينها المكتظة بالكثير نحو الضوء الذي يتسلل من هذا المستطيل الضيق..
أسندت رأسها للخلف والآن هي وحــــــــدها..
تستطيع أن تُحرر بعض الدموع من محاجر صامتة، وسقط خطان من دموعها العزيزة مُثقلان بالخيبات..
يكفي هذا، يكفيكِ هاتان الدمعتان، أنتِ لستِ أهلًا لتلك المدامع، أنتِ لستِ أهلًا للبكاء.
أطبقت أهدابها المبتلة تُخفي جفنيها المحمرييّنِ وتذكرت تلك الكلمات التي كانت تستمع إليها دومًا، كلمات عبرت عنها، كلمات شرحت داخلها وتحتفظ بها بأعماقها..
“غاب الإحساسُ العميقُ بداخلي تجاه أشياءٍ كثيرة..
أصبحتُ أكثرُ هدوءً، وأطول صمتًا، وأعمقُ نومًا، ورُبما أبخلُ حرفًا..
غبتُ عن نفسي حتى عدتُ غير الذي كُنت..
لا يُرضيني ما صرتُ إليه، ولا مُعجزةٌ تكفي لأعودُ هُناك.!
سنواتٌ مرت من عُمري ولم أزهر..
سنواتٌ مضت وأنا لستُ أنا..
مَا عِدتُ أعرِفني.!
سنواتٌ تمر على روحي القاحلة ولا أُمطر..
ضياعُ روحي ليس بالضرورة أن يكون علامة للحُزن العميق..
بل حُزنًا على أحلام أصبحت في المرتبة الثانية بعد أن كانت تحتل الأولوية في قاموسي المُفعم بالحياة.
أعلمُ أنها فترة تحوّل مُره.
أعلمُ أن الأشياء التي آمنتُ بمصداقيتها طويلًا تخون، وأن الأشياء التي لا ينبغي أن تتركني .. تركتني..
أرغبُ في الإبتعاد عن الكُل بمسافاتٍ طويلة..
أُحرّض نفسي على البُعد كثيرًا..!
لطالما تمنيتُ أن أعود طفلة في هذه الليلة فقط!
لأطْرُق الباب على أُمي وأخبرها بأنّي خائفةٌ جدًا وأُريدُ الإختباء في حُضنِها..
خائفةٌ أنا من الحياة..
هذا العالم بات مُخيفًا.!
بِتْنا نعيشُ في أوطانٍ تُخبئ عنَّا سلامنا في جيوب الشوارع، وخلف جُدران الأحلام.
ماذا لو أنني لم أكبُر.؟!
كنتُ صغيرة أواجه الحياة وأنا مُختبئةً خلف جِدارٍ آمن..
لكنّ الآن … جاء دوري.!
وأصبحتُ ذاتي الجِدار..
لم أكُن أريدُ لهذا أن يحدث، لكنه حدث..
لم أكُن أريدُ أن تصفعني هذه الحياة وأنا أُقابلها بسذاجة الأطفال.!
الآن استطعتُ أن آراها كما يجب..
الحياةُ ليست كما نرسمها في مُخيلتنا..
ليست لطيفة دائمًا.!
الحياةُ لا تُهدينا حلوى ولحظاتٍ جميلة، ولا تهبُ لنا أُناسًا طيبين دون أن تسرقهم منّا في أي وقت.!
لابُد أن نفقد ونتألم..
لابُد أن نتعثر ونسقط..
خلف هذا الألم قوة، وخلف هذا السقوط بداياتٌ جديدة..
أظنُ أنني كبرتُ والكِبار لا يبكُون ولا يطرقون أبواب أمهاتهم في منتصف الليل..
الكِبار لا يخافون من الحياة ويجب أن يكونوا متماسكين ويُظهروا قوتهم أمام الجميع.
أنا كبيرة … لكنني لا أُريد أن أكون كذلك الآن.
أنا كبيرةٌ … وأخافُ من الحياة ومن الشبح الذي يختبئ تحت السرير.
أنا كبيرة .. أبكي دون أن يراني أحد..
كبيرةٌ .. وأُريدُ أن يقصّ عليّ أحد ما حكاية قبل أن أنام..
أنا كبيرة يا أمي..
ولهذا لم أطرُق بابك في منتصف الليل…..
وطرقتُ بــــــــــــــاب الله…”
تشكر من نزف قلمها تلك الكلمات فقد تكبدت عناء التعبير عن قلبها وما يعبقه.
تتهدت تنهيدة ثقيلة مُحملة بأثقالٍ انحنى لها قلبها وأعادت فتح أعينها التي يشعّ منها قوة دفينة رغم تلك الإنكسارات العديدة…
تشع هي ضوءٌ ساطع، وإن كانت قوانين الفيزياء تُعلن إنكسار الضوء في بعض حالاته، تُعلن هي تمردها على لعنة تلك القوانين، فأنا ضوءٌ ساطع لا انكسر وإن تعرضتُ لأسوء حالاتي..
استقامت قطوف بتلك الغرفة الضيقة بقوة داخلية وأخذت تسير ببطئ وأعينها مثبتة على تلك القطعة الظاهرة لها من السماء من تلك النافذة العلوية..
وقبل أن تصل للجدار المقابل وأسفلها، أعلن قيد قدمها أن ليس باستطاعتها التقدم أكثر، فهذا فقط طول القيد المُثبت بالجدار الأخر..
التفتت ترمق هذا القيد بنظراتٍ غريبة، ثم انتقلت أنظارها نحو الأثار التي انطبعت فوق رسغيها نتيجة ضيق الأصفاد الثقيلة..
إبتسامة مُظلمة نمت فوق شفتيها، وأوقدت تلك الذكري نارها على الدم..
ذكرى من وضع تلك القيود..!!
نار تلتعج في الأحشاء حين تذكُر أن من بدّل أصفادها المخملية الناعمة بأصفاد مثقولة خشِنة هو ذاته جـــبــــريـل رُستم..
هو مَن قيدها بأصفادٍ حديدية مثقولة وألقاها في ظُلماتٍ بعضها فوق بعض وقد عَتى عتوًا كبيرًا…
هي إلى الآن لم تراه، ولم تقع أعينها عليه لكن يكفي أنها اشتمت رائحته … يكفيها لتعلم أنه هو خاطفها بمنتصف الليل وسط الظلام، ومن وضعها هنا ليُقام عليها العدالة.
والآن ….لا سلام ولا أمان فلتندلع حربًا شعواء من نوعٍ أخر…
جلست تنظر للضوء مرةً أخرى بعينان تحترقان كالجمر حتى سلبها النوم يقظتها رحمةً بها..
******************
أخذت تتململ ببطئ وهي تشعر بأشياء صلبة تُحيط أقدامها، تحررت أعينها من هذا الظلام لتقابل ظلامٌ آخر أغبش..
ضمت ما بين عينيها بتعجب بينما الأحداث الأخيرة تهاجم عقلها..
انقطاع التيار الكهربائي، انتشار الظلام، ومهاجمة أحدهم لها من الخلف ثم شعورها بانغماس إبرة بداخلها ثم سقوطها غافية..
لماذا تُعاد تلك المشاهد مرةً أخرى، هي بالفعل استيقظت وأدركت ما هي به، لكن يبدو أن عقلها الصلد يرفض ذلك ويُعيد تكرار المشهد.!
اعتدلت قطوف وهي تنظر حولها لتصدم أنظارها بأخر شيء توقعته…
جبريل .. رغم أنها كانت تعلم، صدق حدسها.
صاحب الأيدي التي تُقيد أقدامها بالأصفاد..
بقوة جبارة احتفظت بمعالم الصدمة ودثرتها بداخلها ولم يتضح على وجهها أي معالم..
فقط صفحة وجه باردة، قاحلة خالية من أي تعبير، وياله من عقاب قاسٍ على قلب جبريل الذي تمنى أن لو رأى حتى بأعينها نظرة غضب وسخط وفوران..
تمنى أن لو تصرخ، تغضب، حتى ليتها تُصدم لرؤيته في مثل هذا المكان..
أنه مَن يضع الأصفاد حولها..
ظلت تنظر أمامها وكأن لا شيئًا يحدث، برود، وجوم، تستند برأسها على الحائط خلفها..
بينما في الداخل..
بين جدران نفسها وقلبها..
ثوران من نيران لا تكفيها هطول الغَدق، ولا سيلان الصيّب أن تخمد نيرانها..
كل نبضة من قلبها ترعد بالكسرة والصدمة، وبأعينها بكاء لا يُبكى..
لقد مزقتني وأصبت قلبي بالخيبة، ولو جئتني بتراب الأرض إعتذارًا، سأستدير راحلةٌ ولن تنال مني غفران، أو حتى لحظةً من طرفٌ خفي..
رغم أن جبريل كان يُمثل الثبات إلا أن أكوامًا من الحسرة بقلبه، يود أن يحتضنها ويمسح عن روحها كل ذرة ألم ويُزيل كل أوجاعها..
التياع بداخله لا يهدأ، وشيء يُخبره بعد رؤية ما آل إليه حال قطوف أنه فقدها..
نعم صمتُ حديثٌ وكلمات، لكن كانت السطوة والقيادة للقلوب..
حديث القلوب الصامت أبلغ من ألف حديث.!
انفتح الباب وولج منه أحدهم جعل جبريل يعتدل واقفًا ليتحدث هذا الشخص والذي لم يكن سوى رئيس عمله والمنظنة “يونس”.
– كله تمام يا جبريل..
استدارت قطوف عند سماعها هذا الصوت وفور أن وقعت أعينها على هذا الشخص حتى فزعت مستقيمة رغم قيود أقدامها..
ظلت تنظر له بعدم تصديق وصدمة وأعين متوسعة نمت فوقها الدموع وهمست:-
– مستحيل.
وكان آخر شيء همست به قبل أن تسقط فاقدة للوعي تسحبها أمواج الصدمة لتُسارع ذراعيّ جبريل تتلقفها بحنان ورعاية..
******************
كان صياحه المجنون يعلو بالأرجاء وبه عزم العالم أجمع:-
– يونس باشا أنا لازم أعرف الحقيقة، لازم أعرف المجهول المستخبي عني..
قطوف تعرفك منين وليه اتصدمت أول ما شافتك..
واتأكد وأنت عارفني كويس أن مش هتخلى أبدًا أن أعرف فيه أيه لو لأخر نفس في حياتي..
مهما كان السر لازم أعرف..
قطوف تعرفك منين أيه الصلة إللي بينكم.
غامت أعين يونس بالكثير من عبق الماضي المحتجز بين أضلعه والحنين الذي يفتك به ثم ردد بينما ينظر تجاه قطوف الغافية بحنان:-
– أكيد لازم تعرف أبوها .. حتى مهما فات من الزمن..!!
«مُقيدة بأصفادٍ مخملية»
<الفصل السادس عشر> -١٦-
– أبوها.؟!!
استفهام استنكاري اطلقه جبريل بعد صمتٍ طويل انتشر حين ألقى يُونس قذ’يفته أمام وجه جبريل والذي أخذ يربط الحديث بعقله لاستيعاب ما سمِع.
ظلّ جبريل يتأمل يونس طويلًا يُقلّب فيه الطرف كالمتعجب وأيقن أنه يوجد الكثير بما لم يُحيط بِه علمًا.
نبس جبريل يقول وهو يُحرك رأسه بإيفاقه:-
– معلش فهمني براحة .. أنت تبقى أبو قطوف، طب وشريف الهواري..!
إزاي يعني مش فاهم، وكنت فين الفترة دي يعني وسايبها.
أنا مش فاهم حاجة يا يونس باشا لو سمحت فهمني أيه إللي بيحصل.
وقبل أن يُجيب يونس كان هذا الصوت الهامس المرتعش يخترق قلب يونس قبل سمعه:-
– بابا … أنت هنا .. يعني أكيد أنا شايفه غلط .. مش ممكن صح .. أنا أصلًا كنت بتخيل كدا كتير فأكيد دا تخيل زي المرات إللي فاتت..
يلا يا قطوف فوقي .. شويه وهيروح دا كله، أنتِ قوية ولازم تخرجي من الوهم .. مينفعش الوهم ده تعيشي فيه…
أيوا أيوا هو مجرد وهم وتخيل.
كانت تتراجع إلى الخلف بخطى متعثرة، تهرب بأعينها الباكية بجميع أركان الغرفة وترفع كفيها المرتجفتين تمسح وجهها الغارق بدموعه بقوة وقد أصبحت كاسفة وتغير لونها للشحوب..
كانت حالتها تلك أشدُ وطئًا على قلب يونس وجبريل وهم يشاهدون تخبطها وصدمتها وتمتمتها لنفسها وهي تحاول احتضان نفسها وضمها إليها مُحركة رأسها بعنف..
سعى يونس نحوها يجذبها رغمًا عنها نحو أحضان أبوته الدافئة ويحويها بشدة بداخلها، يشتم رائحتها التي غابت عنه كثيرًا ويُقبل رأسها ماسحًا على جسدها وهو يرجو أن لو بقدرته مسح كل ما مرت به، أن يمسح على قلبها فيُزهر من جديد..
– يا قطوفي السُكريّة، إهدى يا حبيبتي أنا بابا .. أنا هنا معاكِ .. أنا مسبتكيش ولا لحظة..
كنت جمبك .. كله علشانك يا قطوف … أنا هنا جمبك خلاص كل ده انتهى يا قطوف انتهى..
ولم يتمالك نفسه وسقطت دموعه للمرة الثانية بعد ذاك اليوم عندما فقد زوجته وابتعد عن ابنته وانقطع عن السبب الذي جعله على قيد الحياة حتى الآن.
يد الإدراك سحبت قطوف من غفوتها ومن هذا الوهم وتقاذف الحديث لعقلها وهي تدرك أنها الآن بين أحضان والدها..
إذًا والدها لم يمت.!!
هو على قيد الحياة
لكن هذا اليوم .. تلك الليلة.
وهذا الهجوم على منزلهم، لقد رأت بأعينها رأته وهو يذ’بح والدتها ويطـ•عنها عدة طعـ•نات بقلبها.
رأت والدها مذ’بوح غارقًا بد’ماءه.
تلك الليلة وهي بجسدها المرتعش المتكوم أسفل الطاولة وقد عجزت عن الصراخ وهي ترى تلك الأهوال..
لكن كان الهول الأكبر لها حين هدأت الأجواء وسكنت الأرجاء وفروا هاربين من المنزل تاركين خلفهم حياة تم تمزيقها، وطفلة قد ماتت الحياة بأعينها وارتسمت تلك الأحداث بأعمق مكان بذاكرتها..
نفس الأيدي التي أراقت حياة والديها وذ’بحتهم تمتد لأسفل الطاولة وتسحبها لتتوسع أعينها فزعًا ويموت الإدراك بعقلها وذات الأيدي التي ذ’بحت والديها تمسح على ظهرها ثم يُقبل رأسها بحنان ويُخبرها بأن كل هذا مرّ فلا تخاف..
ولم يكن هذا سوى .. شريف الهواري..
ليسقط رأس الطفلة الصغيرة غافيًا وعلى إثر تلك الصدمة تفقد ذاكرتها الصغيرة تلك الأحداث ليكون رحمةً بها من الله..
وتكون أيدي شريف هي التي راعت قطوف … فماذا ننتظر من قطوف حين تعود ذاكرتها… وتهاجمها أحداث تلك الليلة من جديد، وتدرك مع من تعيش تحت سقف واحد.
لكن الذي لم تعلمه قطوف أن ثمة حلقة مازالت مفقودة لا تعلمها هي.!!
والآن فالتذهب التساؤلات والتعجبات للجحيم،هي الآن بين أحضان والدها، والدها على قيد الحياة..
رفعت ذراعيها وتدفن جسدها أكثر تتشبث بأحضانه بجميع قوتها وشهقاتها الحادة المرتفعة تطغي على هذا السكون، تهمس من بين شهقاتها لتقنع نفسها بما يحدث:-
– بابا .. أنت بابا .. بابا عايش .. بابا موجود .. أنت مش سبتني يا بابا..
أخذ يُقبل رأسها بحنان ويتمنى لو كان باستطاعته أن يُخرج قلبها ويغسله من جميع أحزانه ويمسح من ذاكرتها ما احتشد به، ردد بحنان:-
– خلاص أنا هنا جمبك يا قطوف .. هعوضك عن كل إللي فات .. هنعوض كل إللي فات يا بنتي.
رغم أن جبريل لا يفهم ما يحدث لكنه كان بقمة سعادته فهو للمرة الأولى يرى قطوف بهذا الانفعال تاركة مشاعرها دون تغلف وقيود…
بعد مرور بعض الوقت كانت قطوف تجلس بجانب والدها وهو ممسكًا بكفيها يقبلهم بحنان قائلًا بوجع:-
– شامم فيكِ ريحة أمك .. ملامحك كلها سُندس أمك يا قطوف..
سقطت دموعها متذكرة والدتها التي لم تنساها للحظة واحدة، التي حُرمت منها، ورددت بنبرة شديدة شرسة:-
– هو إللي قتـ•لها أنا شوفته بعيوني، وكمان إزاي أنت يا بابا .. يعني أنا شوفتك يومها..
شوفت شريف الهواري هو بيطـ•عن ماما..
شوفت كل إللي عمله يومها..
وخرج وبعدين رجع كأنه ملهوف عليكم وخايف وكان بيمثل وشالني وبكل بجاحة في الفترة دي يربيني ويعتبرني بنته ويبقى اسمي على اسمه .. أنت مش متخيل إحساسي كان أيه بعد ما رجعتلي الذاكرة..
بكل وقاحة قدامه البنت إللي قتـ•ل أهلها ودمر لها حياتها بيتصرف كأنه مش عمل حاجة.
صدمة قوية هزت أركان جبريل لم يكن ليخطر على باله ما يسمعه الآن!!
شريف الهواري، كيف هذا؟!
وكيف تحملت قطوف وجودها داخل أحضانه.
كيف خبأت كل هذا بداخلها.
خرج من موقفه كمستمع ولم يطيق سكوتًا وتسائل:-
– مش فاهم أيه حصل وقتها .. يعني إزاي شريف الهواري عمل كدا..
هنا انتبهت قطوف لوجود جبريل فالتفتت له بحدة وأردفت بسرعة وشراسة:-
– دي حاجة متخصكش لو سمحت .. وأيه دخلك وموقفك تتصنت على كلامنا..
قبض على كفيه بشدة يصابر كي يظل محتفظًا بجموده متماسكًا، وقال ضاغطًا على أسنانه:-
– اتكلمي معايا كويس يا قطوف متنسيش أن أنا جوزك وأيه تتصنت دي..
انتصبت تقف بعصبية وقالت باستنكار:-
– جوزي لا يا باباي دا كان زمان، خلاص انتهينا .. أنت أكتر واحد منافق في الدنيا دي مش هنسى أبدًا إللي عملته بس أنا متصدمتش فيك ولا حاجة أنا متوقعة منك كدا أصلًا.
أوشك جبريل أن يتحدث لكن سبقه يونس وهو يسحبها من يدها قائلًا بهدوء:-
– أقعدي يا قطوف وبلاش يا حبيبتي الكلام ده، كل إللي عمله جبريل علشان خاطر حمايتك وبطلب مني.
هو خطفك علشان يحميكِ من حامد الجندي؛ علشان كان ناوي يخطفك وكان هيوصلك لأن عايز يإذيكِ..
دا كله لحمايتك يا قطوف.
جبريل من غير ما كان يعرف كان في بيت شريف الهواري بس علشان يحميكِ، من طرفي أنا..
هو مكذبش في أي حاجة.
رفعت رأسها نحوه بألم وقالت وعيناها مغرورقتان بالدموع:-
– يعني أنت كنت عارف كل حاجة … عارف أن أنا في بيت شريف الهواري وأنت عارف هو عمل أيه.
كنت عايش الفترة دي كلها .. ليه سيبتني وسطهم وأنت عارف حقيقته.
وأيه إللي حصل الفترة دي كلها..
ربت على يدها بحنان وقال:-
– هفهمك كل حاجة يا قطوق .. دا آن الأوان نخلص من كل حاجة وتعرفي كل الحقيقة.
ورفع أنظاره نحو جبريل ثم أردف:-
– بس لازم الأول نروح لشريف لازم نتقابل.
قالت باعتراض وقد نبت الخوف بداخلها:-
– بس..
قاطعها قائلًا:-
– مفيش بس يا قطوف .. هناك هتفهمي كل حاجة.
يلا يا جبريل من المخرج السري هتجيب قطوف وأنا هسبقكم..
وخرج على الفور تاركًا جبريل في مواجهة قطوق العابسة..
اقترب منها وبدون مقدمات جذبها لأحضانه يحتضنها بعمق شديد مقبلًا جبينها وهو يتنفس أخيرًا ولم يلتفت لاعتراضها الواهن، وهمس جبريل براحة:-
– الحمد لله … كنت مرعوب عليكِ يا قطوف من الجنة .. كنت هتجنن.
الحمد لله أنك بخير يا قطوفي.
لكزته في كتفه وهي تضربه بقبضتها قائلة وهي تشيح بوجهها عنه:-
– أبعد عني يا جبريل أحسنلك.
جذبها مرةً أخرى وهو يقول بمزاح:-
– هتعملي أيه يا زيتونه..
زجرته بنظراتها ليُكمل هو بمكر:-
– بس أيه رأيك شوفتي خطفتك إزاي، المرة دي كنت بلوتو مش باباي .. بس بردوا باباي..
عمرك شوفتي حد يبقى بلوتو وباباي في نفس الوقت..
صاحت بغضب هادر:-
– جبريل…
ولم تُكمل فقد وجدت نفسها محمولة بين ذراعية وهو يخرج حاملها بينما يقول:-
– يلا بينا يا بنت يونس أما نشوف أخرتها أيه مع كل الأسرار والألغاز دي..
عايز بقاا نعيد الطلب من يونس بيه ونعمل فرح بقاا..
****************
كانت قيود واهية وأصفاد اختلقتها أنا وشيدتُها كسدٍ منيعٌ من حولي.
أكمدني الحزنُ ورَهَنَ جأشي.
كُنتُ مُغلفة بصدمة مُكللة بسوء الظن، لكنها فُرضت عليّ فكانت رغمًا عني.
داخلي كان ظلامٌ حالك كالظلام الشديد قُبيل الفجر الصادق، فقد عسكر ظلامي على جميع أنحائي من الداخل وأوصد جميع الثغور غير سامحًا لمنبع ضوءٍ شحيح في المرور.
اعتدتُ الظلام، اعتدتُ الحواجز.
لقد اعتدتُ عدم الأمان، والوحدة، وهذا ليس بإرادتي.
الآن .. حين تحطمت أصفادي ليس بضغطة زِر أن أمحي كُل ما بداخلي، أن أهب الأمان ويسكن قلبي ويطمئن.
أن أتعلم كيف أأمن؟!
أن يسكن قلبي من اضطرابته الدائمة.
قلبي الذي لا يثق، لا يأمن، لا يألف، لا يعتاد، لا يتعلق، ولا يُصيبه ما يُسمى العشم.
أصبح كُل هذا..
كي لا يُؤذَى..!
هذا القلب الذي أصابني اليأس منه، لم أُصدق يومًا أن يتسلل إليه الضوء مرةً أخرى ويغمره بعدما هجره النور حينما كنت طفلة ورأيتُ أبي يُذ’بح أمام عيني.
لكن كان لربي لطفٌ خفي، كانت رحمته تُحيطني من كل جانب.
ادهشني بكرمه بعد صبرٍ طويل، وأصبحت للحكاية محورًا أخر وزاوية أخرى تُروى منها.
لتتبدل مجرى الحكاية بالكامل وتتغير النهاية.
كنتُ قاسية على نفسي كأن في أضلاعي جَندلة لا قلبًا.
والآن انفلق الجَندل وتفجر منه الماء العذب.
وإنّي مُحدِّثتكُم بحكايتي كيلا ييأس ضعيف، ولا يقنت يائس، وإن رحمة الله قريبٌ من المحسنين..
وهُنا خرج صوت جبريل بثقة وحبٌ ثابت رغم تقلُّب قلبها وصلابته:-
– وإني لغازي هذا القلبُ بحُبي وتحناني حتى يغمره الضياء، ويُطرد الظلام لآخر شُعاع.
ظلامِك لي شمسٌ ساطعة.
ظلامِك الدامس كان هو الشمس الوحيدة التي أعرفها.
ظلامِك القاتم هو الذي عكس لي كُل الدُررُ المكنونة بداخلك.
كان ظلامِك لألئ منسوجة ومُرصعة بروحي.
فما ظَنُكِ برجُلٍ أَحبَ عتمتكِ قبل إشراقكِ.!!
وصلت سيارة يونس حيث قصر شريف الهواري الذي كان يجلس بحديقته أسفل إحدى الأشجار شاردًا بينما يحمل بين يديه تلك الأوراق التي وجدها.
يشعر بالغضب من نفسه لتلك الكلمات التي ألقاها بوجه قطوف، كيف أطاعه قلبه في طردها خارج منزلها.
كيف فعل هذا!!
لن يسامح نفسه أبدًا لما فعله..
لقد بحث عنها كثيرًا لكن لا أثر لها، يدعو أن تكون بخير وألا يصيبها مكروه.
تفاجئ بسيارة سوداء مجهولة تقف في الفناء الواسع، استقام وسار نحوها لكنه فور أن رأى جبريل يهبط منها أسرع نحوه يقول بلهفة:-
– جبريل لقيت قطوف .. عرفت حاجة عنها…
ابتلع باقي حديثه المتلهف حين وقعت أنظاره على يونس الذي هبط من السيارة متجهًا نحوه بهدوء ووقار..
تصنم شريف بصدمة وجحظت أعينه وتمتم بدون تصديق:-
– يونس.!!
«مُقيدة بأصفادٍ مخملية»
<الفصل السابع عشر> -١٧-
– يُونس!!
اسم يحمل بين طياته الكثير والكثير، الكثير من الألم والتعجب والتساؤلات التي لا حصر لها..
ما وسِع شريف نُطقه بهذا الموقف هو ترديد اسم “يُونس” بكثيرٍ من العجب والصدمة وعدم التصديق .. وانقطعت الكلمات وبقت أعين شريف تسرد صدمتها ودهشتها.
فاللكلام ساعات تبطل فيه معانيه، والآن جميع الكلمات غير وافية، جميع الكلمات باطلة.!!
موقف ساكنًا، يزدحم بالعديد من المشاعر العديدة والمختلفة، كان سكون مُوحش للجميع، ولم يُقطع هذا الصمت والسكون إلا بصدمة سقطت على قلب قطوف كالطامة..
حين اقترب يونس بملامح وجهه التي تحمل حنين وشوق غير مفهوم، حتى أصبح أمام شريف..
وفجأة جذبه بكل قوته في عِناقٍ طويل سرعان ما أفاق شريف من صدمته وبادله العناق بأخر أشد حرارة.!!
صُوِّبت تلك الصدمة على رأس قطوف وعقلها لا يُترجم ما تراه أمامها..
ما تفسير ما يحدث الآن.؟!
ردد يُونس بحنين وهو يربت على ظهر شريف:-
– ليك وحشة يا شريف .. طولت الغيبة.
ورغم محاولة شريف في الثبات لكن خرجت كلماته مرتعشة مصبوغة بصدمته:-
– يُونس أنا شايف صح، أنت عايش..
أنت قدامي .. بس أنا شوفتك بعيني، إزاي دا حصل..
كانت قطوف بقمة صدمتها تتبادل النظرات مع جبريل الذي علم أن هناك أمرٌ ما مجهول، ثمة جانب خفي لا تعلمه قطوف..
جاءت قطوف تندفع نحو شريف بقلب مُحملّ بالغضب لكن أوقفتها يد جبريل الذي جذبها نحوه يُسيطر على انفعالها برفق ثم تحدث بهدوء وصوتٌ حاني:-
– إهدي يا حبيبتي، هنفهم كل حاجة اتعلمي متتسرعيش يا قطوف، دايمًا حطي إحتمال أن أكيد في جانب مجهول غير ظاهر .. وأكيد يونس باشا هيفهمنا الموقف.
رغم رفض عقلها هذا الحديث فقد رأت بأم أعينها ولا مجال للتخيل أو الشك، تمتلك الأدلة الدامغة..
لكنها استكانت بين يديّ جبريل فيكفي هذا الغموض فقد اتعبتها تلك الحرب حقًا واستنزفت ما تبقى لديها من شعور..
لكن ماذا ستفعل قطوف إن علمت أنها كانت على غير الحق..
وأن تلك الحرب كانت مجرد حربٌ باطلة.
وأنا الجاني بنظرها هو الضحية..
وأنا المتهم بريء .. كبراءة الذئب من دم ابن يعقوب…
براءة خالصة..
ابتعد يونس عن صديقه شريف ثم التفت نحو قطوف وتحدث برزانة وابتسامة خفيفة:-
– شريف يا قطوف صاحب عمري وأخويا وأقرب الناس ليا.
إللي حافظ على أمانة أخوه وهو أنتِ بكل وفاء وإخلاص وحبك زي بنته وكان بيعملك أحسن من بناته كمان..
التفت يونس مرةً أخرى نحو شريف المتعجب وقال موضحًا:-
– قطوف يا شريف في الليلة دي شافت كل حاجة وطبعًا هي طفلة ومتعرفش الحلقة المفقودة من الحكاية.
بس أنا هحكيلك الحكاية من الأول يا قطوف..
في الليلة دي إللي اتهجم علينا وقتـ.لني وقـ.تل أمك الله يرحمها مكانش شريف الهواري..
توسعت أعين قطوف وتطلعت لوالدها بتعجب فكيف يمكن أن يقول هذا وقد رأى القا’تل حينها، لماذا يُنكر الحقيقة.
امتثلت الهدوء وتسائلت بترقب:-
– أمال مين عملها.!!
ردد بهدوء:-
– أشرف الهواري .. توأم شريف الهواري..
شريف كان ليه أخ توأم يشبه في الشكل بالظبط بس كان في فروقات بسيطة في الشكل … وفي الطبع والحقيقة فدا كان شخص وشريف حاجة تانيه خالص.
شريف رجل سياسي عنده ضمير مخلص في شغله ووطني وعنده أمانه..
لكن أشرف مجر’م اتحد مع أكتر شخص بيكره شريف وبيكرهني..
شريف صاحبي الروح بالروح .. وأنا ظابط وبينا وبين بعض شغل وكنا شغالين على أكتر شخص مجر’م وفاسد .. حامد الجندي..
كنا خلاص قربنا ننهيه وكان بين إيدي ورق هو إللي هيكتب نهايته..
بس هو مكانش سهل واستغل كره أشرف وغيرته من أخوه شريف وعرف يجره لطريقه ويغريه بالسطلة والمكانة والفلوس..
واشتغل على خطته ونجحت..
يتخلص مني ومن الأوراق إللي معايا ويدمر شريف ويلزق فيه جريمة قتلي علشان الشبه إللي بين أشرف وشريف وبكدا يحس أشرف أن دمر أخوه وانتهى منه وإن هو بقى أفضل منه..
تستمع للحديث دون استيعاب يموج على وجهها التيهة والصدمة، قالت بنبرة مُجعدة في محاولة منها للفهم:-
– يعني دلوقتي .. إللي أنا شوفته مكانش بابا .. أقصد يعني شريف الهواري..
تفهم يونس ما تمر به فاقترب منها يحتويها ثم أكمل بنبرة لينة:-
– لا مش هو بابا شريف يا قطوف، شريف إللي جه بعد ما هربوا وحاول ينقذني بس أنا أصريت عليه ياخدك ويمشي بسرعة..
أنا عرفت أنقذ نفسي بس ملحقتش سندس .. ووقتها مكانش ينفع أبقى عايش ألا علشان أخد حقها بس وعلشانك، وعلشان تفضلي بأمان كان لازم أفضل مختفي وكنتي في أمان مع شريف، ولما لقيت منافسين شريف بيستخدموا بناته تهديد ليه بعت لحمايتكم جبريل .. طول الوقت ده وأنا حواليكِ مسبتكيش ولا لحظة يا قطوف.
علشان تفضلي في أمان كان لازم أختفي أنا.
في الحقيقة يا قطوف شريف الهواري مقدمش ألا كل خير..
اقترب شريف من قطوف من الجهة الأخرى وببعض التردد مد يده يحوي كفها بحنان ثم أردف بغصة مريرة:-
– أنا مش اعتبرتك بنتي يا قطوف، أنتِ بالفعل بنتي وأول فرحتي ويشهد ربنا أن مكانتك في قلبي متختلفش عن أخواتك.
يونس مكانش بس صاحب عمري، وكمان أخويا بعد ما عانيت من كره أخويا الله يرحمه بقى ويسامحه..
عرفت أن أشرف حط إيده في إيد حامد الجندي ودا بس علشان يدمرنا لأنه بيكرهنا وعلشان حامد يلوي دراعي وأسلم رقبتي ليه وأخون بلدي..
تعرفي أنا طول الفترة دي كنت فعلًا محمل نفسي ذنب إللي حصل ليونس في اليوم ده؛ لأن أنا إللي سلمت الأوراق إللي تنهي حامد الجندي بإيدي لأبوكِ..
يومها اتصل عليا حامد وقالي بكل فخر أن الورق بقت معاه وأن صاحبك ومراته كانوا ضحية عنادكم..
يومها مكونتش شايف قدامي جريت بدون تفكير على بيت يونس وشوفت إللي حصل .. حاولت أنقذهم لكن يونس أصر أن أخدك وأمشي بسرعة بدون تفكير وبدون راجعة ويومها خلاني أحلف ليه وأوعده، كان فاهم وقتها إللي أنا مش فاهمه .. لو بقيت الجر’يمة دي هتلزق فيا ودي كانت خطة حامد الجندي..
يومها أخدتك من مكان ما كنتِ مستخبية وهربت بيكِ لبعيد وكانت أهم حاجة عندي حمايتك وأبعدك عن أي خطر..
ابتلع ريقه وأثبت النظر فيها ثم أكمل بصوتٍ مبحوح:-
– أغمى عليكِ وبعدين الدكتور قالنا أنك اتعرضتي لصدمة وفقدتي الذاكرة، حمدت ربنا أن دا حصل وإلا كنتِ هتعيشي إزاي مع البشاعة إللي شوفتيها.
مكونتش بقى أعرف أن رجعت الذاكرة والأحداث لعقل قطوف وبقت شيفاني مجرم … كنت مجرم وقا’تل في نظرها..
حبيناكِ كلنا يا قطوف وكنتِ بنتي الأولى حقيقي..
كنت بخاف عليكِ علشان كدا زي ما كنتِ بتقولي مقيدك بأصفاد مخملية .. بس علشان كنت بحميكِ، بس كنت كارهه أنتِ قيودي..
حضرتها الكثير من الذكرى، ما فعله لأجلها، حنانه الصادق، بذله كل ما لديه لأجل إسعادها، كانت وقتها تبرره أنه يفعل هذا فقط لأجل شعوره بالذنب..
عذابها، حربها مع نفسها، سوء ظنها، الكره الذي كانت تجاهد لزرعه بقلبها، جميع هذا كان باطل..
خطتها لتدميره..!!
كان لها هو الجاني وهي الضحية..
والآن اتضح عكس ذلك..
هي الجانية الوحيدة..
لكن..!
هي لم تستطع، رغم معرفتها في هذا الوقت أنه من دمر حياتها وأنهى ما لها في الحياة، لكن كانت ثمة أشياء غريبة تحدث لها تتعجبها كثيرًا..
لم تستطع أن تكرهه أبدًا..
لم تستطع أذيته رغم كل شيء!!
وما تلبثت إلا يسيرًا حتى انفجرت باكية والدمع يحرق جفنيها منسكبًا بغزارة ولم يحدث إلا أن احتواها شريف بحنان أبوي صادق وهي تشبثت به بكامل قوتها، تقول من بين شهقاتها:-
– أنا آسفة يا بابا آسفة .. آسفة لسوء ظني..
آسفة أن كنت كدا..
عيشت نفسي في حرب أنا إللي خلقتها وألفتها … بنيت كل حاجة على سوء ظن..
أنا آسفة .. سامحني يا بابا..
أغمض شريف أعينه براحة وقبل رأسها بحنان قائلًا:-
– أنتِ بنتي يا قطوف ومفيش أب بيزعل من بنته .. وبعدين أنا عاذرك إللي عملتيه أقل حقوقك..
كل مواقف الحياة بتعلمنا دروس والدرس إللي تتعلميه من إللي حصل يا قطوف..
المواجهة .. الصراحة .. علشان قبل أي حاجة نفسك..
علشان راحتك أنتِ … أوقات بيبقوا الأشخاص مش زي ما إحنا شايفينهم..
أوقات سوء ظننا بيعمينا وبيضبع علينا حاجات جميلة جدًا أهمها راحتنا.
متتعوديش أبدًا تعيشي وفي حقد في قلبك وكره وزعل..
أوعي قلبك يشيل المشاعر دي ويعيش بيها..
حركت رأسها بإيجاب وأردفت وهي تتنفس بعمق شاعره أن أثقالًا كالجبال سقطت عن كاهلها..
لم تكن تصدق أن خلف ما رأته بأم أعينها حقيقة أخرى..!
– اتعلمت الدرس يا بابا .. اتعلمته جدًا..
أقترب يونس من الجهة الأخرى يحتضنها بحنان ثم قال بمزاح:-
– دا مفيش حظ بعد كدا .. الناس يبقى ليهم أب واحد .. وأنتِ اتنين يا قطوف..
– ولها أمها إللي بتحبها وبتموت عليها وجدتها وأخواتها..
أتى الصوت من خلفهم ولم تكن سوى عبير زوجة شريف التي تقف ودموعها تغرق وجهها..
لتتابع بألم وعتاب:-
– هونت عليكِ يا قطوف .. هونا عليكِ…
ركضت نحوها قطوف محتضنها بقوة وهي تقبل وجنتيها وتمسح دموعها، قائلة والندم يملأها:-
– آسفة يا ماما .. يشهد الله أنكم أبدًا عمركم ما هونتوا عليا..
– وإحنا كمان مش لنا نصيب في الحضن ده ولا أيه..
واقتربا شقيقتي قطوف يلتفون حولها محتضنينها بقوة وشوق..
– دا أنتوا حبايبي..
كان جبريل يشاهد ما يحدث بسعادة غامرة، ذاك الموقف جعله يرى الكثير من الأشياء بأعين أخرى..
إلتماس الأعذار لغيرنا، الصفاء لقوبنا، والعفو .. العفو عند المقدرة..
لنكن من الداخل طاهرين القلب، نواجه نعاتب .. نقدم الحب لغيرنا..
الحقد والكره لا يزيدنا إلا أثقالًا وألآمًا..
جميعهم كانوا أقوياء..
قطوف، فما مرت به وما حدث لها لم يكن باليسير ومع كل كرها وألامها لما حدث لوالديها لم تستطع تقديم الأذية لشخص قدم لها الخير من قبلهِ الأذية كما كانت تراه..
يونس، الذي بذل عمره كاملًا وأفناه لأجل أن تُزهر قطوف..
شريف، الذي قدم الحب دون مقابل، الإحتواء والأمان والأبوة الصادقة..
*************
كان يقف كلًا من شريف ويونس يتحدثان باهتمام..
تسائل شريف باهتمام:-
– طب دلوقتي هنعمل أيه يا يونس..
طالعه يونس بهدوء ورزانة ثم تحدث بثقة وفوق فمه إبتسامة خفيفة:-
– انتهى حامد الجندي يا شريف .. بقى لعبة في إيدي .. اتفرج أنت بس على المفاجأة..
كان جبريل يقف وحيدًا بعيدًا عنهم قليلًا يشاهد ما يحدث..
يشاهد قطوف الضاحكة بقوة تجلس وسط عائلتها بأعين مليئة بالحنان والحب.
الآن أصبحت إبتسامتها صافية، أصبحت من القلب …لقد زالت تلك الشوائب أخيرًا..
جاء يتحرك نحوها مبتسمًا بخفة يريد أن يختطفها قليلًا لقلبه، لكن أوقفه صوت شريف الحاد:-
– استنى عندك .. رايح فين..
عقد جبريل حاجبيه بتعجب وقال بهدوء وقوة في آنٍ واحد:-
– هاخد مراتي يا شريف بيه، في حاجة ولا أيه..
سار شريف حتى وقف أمام جبريل ثم تشدق بحزم قاطع ووجهه مكفهر:-
– انتهينا يا فتوه .. خلاص كدا مهمتك انتهت..!!
«مُقيدة بأصفادٍ مخملية»
<الفصل الثامن عشر> -١٨- والأخيـــر
– انتهينا يا فتوه .. خلاص كدا مهمتك انتهت..!!
انتبهت أسماع الجميع ملتفتين لجملة شريف بينما جبريل فمازال يحتفظ بهدوءه وواصل تحرُكه نحو قطوف غامزًا بمرح للجدة فريال لتبتسم..
اقترب من قطوف مُمسكًا كفها بحنان جاعلها تستقيم وسار بها حتى توقف أمام كُلًا من شريف ويونس الهادئ..
تحدث جبريل بهدوء:-
– طبعًا يا يونس بيه مفيش حاجة هتتغير .. أو نقول في تغيير بس للأفضل الحمد لله.
إحنا ملناش علاقة كدا بلا بحامد الجندي ولا بتنجان خلاص قطوف بقت في أمانتي ومهمة التخلص من الراجل ده بقت عليك يا يونس باشا أظن أنا أتميت مهمتي على أكمل وجه..
ووجه أنظاره نحو قطوف وقال بعشق:-
– دلوقتي دورنا أنا وقطوف من الجنة علشان نبدأ حياتنا..
وطبعًا لازم نبدأها صح..
فأنا زي المتعارف هجيب أهلي وهنيجي نطلب قطوف على سنة الله ورسوله من حضرتك يا شريف بيه ويونس باشا..
وقبل أن يفتح يونس فمه للحديث صرخ شريف بغضب وانفعال واضح:-
– أهلك دول إللي هما مين يا جبريل يا رستم..
أنا استأمنت بنتي عندك وعند أهلك ولما عرفت أنها تعبت وكانت بتموت وأنت لحقتها بأخر لحظة قولت قضاء وقدر وقطوف مُعرضة لكدا علشان الحساسية إللي عندها..
لكن لما تجيلي والدتك وأختك منهارين وجايين يعتذروا ويطمنوا بعد إللي حصلك وخلاهم يفوقوا ويقولولي أنهم ندمانين على إللي عملوه وأعرف أن أخت سيادتك هي إللي كانت متعمدة تقـ.تل بنتي وضافت لها اللوز في الأكل عمدًا علشان تإذيها وفكرة أهلك عن بنتي وأذيتهم لها بالكلام السيء الجارح حتى أهل منطقتك يعرفوه..
كدا بنتي مش في أمان يا جبريل وأنا مهمتي أنا ويونس نخليها في أمان..
كان جبريل يعلم بعدم تقبل والدته لقطوف وإلقاءها الحديث الجارج لكن لم يكن على عِلم بما فعلته شقيقته..
التفت نحو قطوف وتسائل بأنفاس لاهثة:-
– دا حصل .. ريهام عملت كدا..
رغم أن قطوف في وسط ما حدث قد ذهب الأمر من عقلها ولم تُخبر جبريل به، حركت رأسها بإيجاب وبدأت تسرد له الموقف الذي كان يمر بعقلها فتسبب بإرتعاشة طفيفة ببدنها لاحظها جبريل والذي لم يُبالي بما حوله وجذبها يضمها إليه بحنان وقد تفجرت بداخله ينابيع الغضب..
وحين انتهت قطوف من سرد ما حدث أكملت تقول بهدوء:-
– بص يا جبريل طالما هي ندمت وعرفت إللي حصل وربنا نوّر لها بصيرتها فأنا مسمحاها ومش زعلانة منها وأتمنى أنت كمان تقفل على الموضوع هو قد انتهى وأنا حقيقي مسامحها طالما ندمت وجات هنا لبابا بتطلب السماح..
اشتدت قبضتي جبريل غضبًا فقد كادت قطوف تموت وهي بمنزله والمتسبب في ذلك هم أهله..
لم يكن يتوقع من شقيقته أن يصل بها الأمر إلى هذا الحد ويعمي الحقد أعينها..
ماذا لو لم يعود في هذا اليوم؟!!
عند تلك النقطة أغلق أعينه مشددًا على جفونه وقد انتفخت العروق التي بوجهه..
كان يونس ملتزم الصمت، فهو يعرف جبريل حق المعرفة، يعرف مدى حُبه لقطوف فقد رأى كل شيء حتى قبل معرفة جبريل بالحقيقة وأنه والد قطوف، يعلم أن جبريل يدفع عمره كاملًا فداء قطوف.
انعقد وجه جبريل ووجمت ملامحه وقال بنبرة جادة مليئة بوعود قاطعة صارمة:-
– مقدر خوفك يا شريف بيه ودا حقك، بس بوعدك وعد شرف من جبريل رستم، إن قطوف في قلبي وعيني وإن روحي فدا دمعة واحدة من عيونها..
في حمايتي وطول ما فيا النفس مفيش أي أذى هيمس رموشها..
ودلوقتي أستسمحكم هاخد قطوف شوية هي أكيد محتاجة تغير جو وتفصل وتكون بعيدة لغاية ما الأمور تنتهي وتقبضوا على حامد الجندي..
حرك يونس رأسها فهذا هو الصحيح، بينما ارتاح قلب شريف وتنهد براحة فربت يونس على كتفه وقال:-
– متقلقش جبريل راجل جدًا يا شريف..
حرك شريف رأسه وأردف:-
– عارف يا يونس ومتأكد وإلا مكونتش أمنته أبدًا على قطوف..
بس بيني وبينك بحب استفزازه وأشوف كمية الثقة إللي عنده والثبات الإنفعالي..
ضحك يونس ثم لكزه بكتفه بمرح قائلًا:-
– مش سهل أبدًا يا شريف..
– والله دا محدش سهل خالص ألا أنت يا يونس .. يلا قولي ناوي على أيه بخصوص حامد والمهمة دي هتم إمتى..
انقلبت ملامح يونس للظلام الدامس وقال بنبرة حادة متشرسة:-
– الليلة بعد 12 يا شريف خليك جاهز..
************
انتشر الصمت بداخل السيارة بينما تجلس قطوف بجانب جبريل الذي ينضب جسده بالغضب، تشعر هي بما يشعر به..
رفعت يدها تضعها فوق يده تتلمسها بحنان فالتفت إليها لتبتسم هي إبتسامة صافية لمرتها الأولى، ثم همست له برقة وبريق الرضى يومض في عينيها:-
– هنروح فين يا جبريل..
تنهد تنهيدة مطولة ثم أردف:-
– عند أمي لازم أشوفهم وأكلمهم.
تعلم ما يدور بداخله لذلك تحدثت برجاء:-
– ممكن نروح لمكان تاني بعيد نقعد شويه وعايزه أطمن على رحيق مش عارفه هي فين وأيه حصل وبعدين نبقى نروح لهم..
كانت تريد إبعاده قليلًا حتى يهدأ وأمام راجاءها لم يستطع جبريل إلا أن يقبل، وقال بصوتٍ حاني:-
– متقلقيش على رحيق هي في أمان، وهوديكِ لها وكمان علشان ترتاحي أنتِ تعبتي.
فاجائته حين تمسكت بذراعه كمبادرة منها للمرة الأولى قائلة:-
– بس وأنت جمبي يا جبريل..
نبض قلب جبريل طربًا وفرحًا وقبض على يدها بحنان يرفعها ليلثمها بعشقٍ صافٍ هامسًا:-
– جمبك طول العمر يا قلب جبريل وروحه وعقله وكل كيانه..
توقد في خديها ياقوتًا وابتسمت بخجل وزادت تمسكًا بيده تطبق عليها بشدة..
بعد مرور القليل من الوقت وصل جبريل بصحبة قطوف إلى منزل مُبهج المنظر، يُحيطه جدارٌ يدور به باللون الأبيض، نظرت له قطوف تتأمله بشك لتتأكد شكوكها حين سارت لتدخل بوابة المنزل فوجدت حديقة مليئة بالزهور المفضلة والمحببة لقلب قطوف..
توسعت إبتسامتها وأعينها تدور بالمكان تتأمل تفاصيله فلم يغفل عن أبسط وأقل الأشياء، أصبحت دموعها تتلامح في محاجرها ولم تصدق ما تراه..
منزل أحلامها الذي كانت تتحاكى به..!
جبريل، لم يرى منها إلا الظلام، الامتعاض المكتوم، القسوة، الصمت الطويل..
لم تُبدي له أي قبول..
لم ييأس منها..
لم يتركها..
لم يُعاملها بالمثل..
لم يقسو عليها..
لم يتوقف عن حبها..
كان أحنّ على قلبها من ذاتها.
كان درعها الحامي.
انغمس هو بكل قواه داخل ظُلمتها..
بقى معها في ظلامها وارتضى به..
حارب سدّها المنيع..
حارب جدران حَذرها…
الجميع هرِب من مخاوفها إلا هو احتضن مخاوفها..
إلّا هو … احتضن مخاوفها..
آمن روعها..
أسكن فزعها..
الجميع يلتمس السبعون عُذرًا..
أمّا هو فقد التمس سبعون عُمرًا من الأعذار..
كان الضياء لعتمتها حينما غادرها السلام..
كان السكن والمسكن..
الوطن والموطن..
المأوى …والأمان..
لقد اقتحم عالمها مُتدرعًا بحُبٍ صادق، وحنانٍ جارف .. فحطم قيودها بنجاح..
أصرّ على البقاء رغم إنزواءها وإعلانها الوحدة، رغم صراخها المتواصل بابتعاده وتركها..
لكنه لم يتركها..
وفوق كل هذا، بنى لها حديقةً من الزهور..
شيّد لها أحلامها على أرض الواقع..
ليُصبح جبريل لها المؤتمن على الروح والقلب والعمر..
ليُصبح جبريل المؤتمن على قلب قطوف بجدارة فائقة..
التفتت تنظر له بأعين تمطر دموعًا بسخاء ولم يكن منها إلا أنها ألقت نفسها بكامل قواها بجميع أثقالها بأحضان جبريل الذي تلقفها بكل ترحاب يغمسها بأعماقه..
أغمض أعينه براحة وأخيرًا قد نال المسكَن..
قالت من بين بكاءها وشهقاتها:-
– شكرًا يا جبريل .. شكرًا على صبرك..
شكرًا أنك فهمتني وفضلت معايا رغم كل حاجة ورغم كل إللي أنا عملته، وقبلت وكنت راضي تكون في عتمتي.
كوّب وجهها بحنان بين راحتيه وأخذ يمسح دموعها برفق ثم طبع قبلة مطولة فوق جبينها وهمس:-
– لو خيروني بين أنوار العالم كلها وعتمتك هختار ظلامك ولتحترق أضواء العالم قطوفي..
ووضع كفه فوق صدره فوق قلبه ثم ردد بأعين يتدفق منها حُبٌ عاتٍ:-
– لكِ في هذا الصدر، خلف قيود أضلُعي قلبٌ ثائر على جميع قوانين العالم..
بين أضلُعي ونفسي التي هي في جنبي قلبٌ يهواكِ، ذائب بعشقك قطوف من الجنة..
توسعت إبتسامتها فأشرق وجهها ثم وضعت كفها فوق قلبها وتنفست بعمق هامسة:-
– ولكَ أنت حُب هذا القلب الذي لطالما كان مُصفد بقيودٍ ثقيلة..
والآن تحرر وانطلق مُحلقًا بنبضات تحمل اسمك فقط يا نبض قلبي.
لقد علمتُ أن الحُب رزقٌ من الله، وقد رزقني الله حُبك، ورزقك حُبي.
لم تصدق أُذن جبريل ما سمعت فحملها بسعادة غامرة وأخذ يدور بها وصوته المفعم بالطاقة والسعادة يتردد بالأرجاء:-
– بحبك يا قطوف من الجنة، بوعدك أحافظ على قلبك وأخليه دايمًا سعيد..
ربنا يقدرني وهراعي ربنا فيكِ..
هخاف الله فيكِ يا قطوف..
ظلت متشبثة بعنقه فأخيرًا وبعد وصب وهم ثقيل قد تهادت للطمأنية أخيرًا..
تنهدت براحة هامسة من الداخل:-
– شكرًا يارب .. لك الحمد يارب حمدًا يليق بجلال وجهك وعظيم سلطانك..
كان دايمًا قلبي جواه يقين إن في معجزة هتحصل..
عطيتني فرصة تانيه للحياة يارب..
كنت عند حُسن ظن قلبي بيك..
اتعلمت دروس كتيرة يارب وبعترف أن كنت محاوطه نفسي بالحزن والهم واليأس ومسمحتش لعيني تشوف الحلو إللي في حياتي إللي وهبته ليا..
كنت متشائمة وكنت ببص من عين ضيقة..
آسفة يارب وسامحني على تقصيري ومش هسمح أن يتكرر تاني أبدًا إن شاء الله..
أشار جبريل للمكان من حوله ثم قال:-
– بيتنا يا قطوف زي ما أنتِ بتحلمي..
أنتِ قطوف من الجنة وتستحقي تعيش في جنة على الأرض..
هنا ولادنا هيجروا ويلعبوا، هنا هنبني كل ذكرياتنا..
عجزت عن الرد ولتكتمل تلك البهجة تعالى صوت رحيق التي أتت تركض من الداخل بسعادة تحتضن قطوف التي جلست على ركبتيها تحتضنها بحب وحنان وهي تمسح على خصلاتها..
قالت رحيق بسعادة:-
– شوفتي بيتنا يا قطوف .. جميل أووي وتعرفي من جوا في حاجات حلوه أووي.
جبريل قال أن أنتوا هتتجوزا وهنعيش كلنا مع بعض هنا..
قبلتها قطوف وقالت بسعادة مماثلة لسعادتها:-
– عجبني جدًا يا رحيق ومبسوطة جدًا أن عجبك .. هتفضلي معانا طول العمر وهنعيش بسعادة..
ركضت رحيق تلهو وتلعب بالأرجاء لتستقيم قطوف فتحدث جبريل بحزن داخلي يغمره:-
– أنا آسف جدًا يا قطوف على إللي عملته أختي وأمي كان المفروض مأخدكيش على هناك…
قاطعته قطوف قائلة بصرامة ويقين:-
– مش تقول كدا يا جبريل، أنا بقيت بنظر للأقدار بشكل تاني..
تعرف يمكن إللي حصل معانا دا كله من بداية حكايتنا هي إستجابة دعوة حد..
علشان رحيق .. دا كله حصل علشان رحيق وعلشان تقع في طريقي، ربنا رحيم لطيف .. سبب الأسباب دي كلها علشان ألتقى فيها ويكون لها بيت..
يعني تخيل اتجوزنا في البداية وأخدتني لبيتك مع والدتك وأختك في قرية بعيدة متخبية..
ولولا أنها مش اتقبلتني وقتها مكونتش نزلت اليوم ده أتمشى في القرية وأتقابل مع رحيق..
حتى كرهها وعدم تقبلها ليا نعمة لازم نشكر ربنا عليها..
إرادة ربنا وأقداره كلها لطف ورحمة..
ولازم إحنا مش نبص من عين ضيقة ونفكر في الأمور والأقدار بعيون تانيه وزوايا كويسه..
الحمد لله على كل شيء، أنا راضيه ومش زعلانه من أي حاجة..
وأنا مش عايزه أحرجهم يا جبريل وأخليهم يقفوا قدامي مش قادرين يرفعوا عيونهم..
أنا أقدر أعفو عنهم وعفيت ومش عايزه أفتح الموضوع تاني..
خلينا نفتح صفحة جديدة في كل حاجة..
لم يُصدق أن مَن تتحدث هي حقًا قطوف..
قطوف مليئة بالخير والطيبة التي تدثرها الصمت والحزن خلفه..
الجميع يمتلك بداخله كوامن الخير حقًا.
قبل مُقدمة رأسها وقال بتقدير وشكر:-
– ربنا يزيدك يا قطوف …ربنا يديمك ليا، شكرًا من قلبي يا قطوف..
ورفع صوته بينما يجذب قطوف بمرح:-
– رحيق .. رحيق يلا تعالي … بينا على المطبخ قدامنا معركة مستنيانا هناك وأنا واقع من الجوع..
ركضت خلفه وأصوات ضحكاتها التي اندثرت بداخل قلب يتيم وحيد بدأت تعلو في الأفق من جديد…
**************
بالقرب من منتصف الليل..
بالقرب من بُحيرة مهجورة تحفها أشجار هيكلية متساقطة الأوراق..
كان يقف حامد الجندي يتوسط رجاله وبجانبه حفيده حيدر..
تحدث حيدر بغرابة:-
– بس مش غريبة الباشا الكبير يجي بنفسه المرة دي، بقالنا عشر سنين بنتعامل معاه وبيبعت رجالته ياخدوا الأوراق ويبعت الفلوس.
المرة دي جاي هو بنفسه ونزل مصر أخيرًا دي مخاطرة كبيرة..
كان وجه حامد مرتاحًا يعلو فوقه الفخر فقد اكتسب ثقة “ماكس” ليأتي إليه بنفسه وهذا سيرفع من مكانته وقدره كثيرًا…
– الورق بتاع المرة دي مهم جدًا دا هيخرب الدنيا .. غير أن خلاص اكتسبنا ثقة ماكس .. بقالنا عشر سنين ماشين معاه زي السيف..
وعندما انتصف الليل ودقت الساعة الثانية عشر كان طوفان من السيارات السوداء تقتحم الموقع دون سابق إنذار..
هبطت العديد من الرجال المرتدين ملابس سوداء..
وبهدوء ورزانة لا تليق إلا به هبط من سيارته بينما أعين كلًا من حامد وحيدر تترقبان الموقف بحماس شديد..
سار نحوهم بثبات وخطى واسعة واثقة ويعلو وجهه قناع يُخفي حقيقته..
وقف على مقربة منهم أمامهم..
سابق حامد بالحديث بسعادة:-
– لقد زادنا هذا شرفًا ورِفعة رؤيتك ماكس .. هذا شرفٌ كبير لنا..
لكن لماذا الأقنعة لقد اعتقدت أنني أهلٌ لثقتك؟
تحدث الأخر من خلف قناعه بلهجته الصارمة:-
– وأنت بالفعل كذلك حامد الجندي..
أتريد رؤية وجهي الحقيقي، هذا لك..
لكن لا تنساه..!
ورفع يده نحو قناعه تحت ترقب الجميع وتصلُّب النظرات تجاهه..
وبثقة وأعين تقدح شرًا أمسك طرف القناع ورفعه بهدوء يُهلك الأعصاب..
جحظت أعين حامد وارتد للخلف بصدمة وشعر بصاعقة رعدية تضرب رأسه..
لم يقوى على النطق وقد تربد وجهه وشحب لونه وهمس بصوتٍ متقطع يكاد يُسمع:-
– يُـــ…ـــو..نـــ….ـس!!!
<الخــــــــــــــاتمة>
ورفع يده نحو قناعه تحت ترقب الجميع وتصلُّب النظرات تجاهه..
وبثقة وأعين تقدح شرًا أمسك طرف القناع ورفعه بهدوء يُهلك الأعصاب..
جحظت أعين حامد وارتد للخلف بصدمة وشعر بصاعقة رعدية تضرب رأسه..
لم يقوى على النطق وقد تربد وجهه وشحب لونه وهمس بصوتٍ متقطع يكاد يُسمع:-
– يُـــ…ـــو..نـــ….ـس!!!
صدح صوت الصدمات العاتية بالأفق وكأنها فرقعات مُدوّية تعالت بداخل حامد الذي انقطعت أنفاسه برؤية جاثوم كان بمثابة تهديد لحياته في الماضي.
الآن تجسد أمامه من جديد.
لكن كيف؟!
لقد تأكد أنه قد قطع أنفاسه من الحياة!
وهل للميت من عودة!
توسعت إبتسامة هذا الذئب يونس المرعبة لتزيد من إلقاء الرعب بقلب هذا المرتجف، الذي علم أن الآن تُخط كلمات النهاية.
والآن سيحلّ عليه عذابٌ واصب..
اقترب يونس بخطوات بطيئة نحو حامد الذي فقد القدرة عن أي ردة فعل.
يضع يديه بجيبيه وملامح وجهه الحادة مُسطر فوقها الوعيد.
صدح صوته كأسواطٍ من نار لا ترحم:-
– صدمة ولا مفاجأة يا حامد..
إزاي الميت رجع.!
إزاي ماكس هو يونس.
أظن الإجابات وصلتك مش محتاج أشرح.
استخدمت معاك نفس طريقتك، وقعتك بأسلوبك يا حامد.
ودلوقتي الأوراق كلها في إيدي ورقبتك بقت بين إيديا..
أنت القضية إللي أقسمت مش هخسرها، وأهو كسبتها يا حامد..
وصلنا للنهاية .. ما أي طريق ليه نهاية أمال أيه.
رفع يده لأعلى وفرقع أصابعه، وفي طرفة عين كان المكان يكتظ بالعديد والعديد من رجال الشرطة والأمن والقادة يحاوطون الجميع في مشهد مهيب.
لقد أتت الصدمة لقلب حامد من مأمنه.
أتى إلى هنا يريد رِفعة ويطلب سندًا أقوى منه ظل سنواتٍ مديدة غافلًا أنه جاثومه القديم وألد أعداءه.!
اقترب يونس منه أكثر وهو يرى انكساره وسقوطه أرضًا، انحنى يجلس على عقبيه أمامه، وأردف بعد إبتسامته السوداء:-
– قولتلك يا حامد مرة من سنين طويلة جدًا، هظهر قدامك من وسط الضلمة وهكون جاثومك، وقتها حتى الكلام مش هتقدر عليه..
وقد كااان يا حامد.
واستقام مرةً أخرى يعطيه ظهره راحلًا تاركًا خلفة غبار من الفوضى العارمة..
وقد صدق وخط هو النهاية، وانتهى الأمر..
************
ماءٌ جارٍ تحاوطه الخضرة البهية وأغصان الأشجار تدلى تُداعب المياه.
بهجة تحاوط الأرجاء، سعادة منتشرة بذرات الهواء.
قلوبٌ تتعانق وسط الأرجاء المزينة بالورد الأبيض والشرائط البيضاء التي تُراقصها الرياح.
الهماسات السعيدة في حضور القليل من الأحباب مشاركين لحظات الفرح هذه..
وهناك قلبٌ يفيض بالحُب وأعين لا يستطع أن يُشيحها من فوقها، في حين أن قلبه يُرتل الحمد بكثرة.
جبريل وأخيرًا تُزف له قطوف.
قطوفه .. قطوف من الجنة.
بحضرة والدها يُونس، تتألق بفستانها الأبيض الناصح المحتشم وحجابها الطويل.
أخيرًا تُحلق، أخيرًا تحررت من قيودها التي أحاطت نفسها بها دائمًا…
“بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.”
وهنا تعالت أصوات السعادة والبهجة..
وقف يونس ينظر لقطوف بأعين دامعة للمرة الأولى، لطالما كان صامدًا، لكن هذا المشهد كان يظن أنه حُرِمه ولن يراه.
فرصة جديدة تُعطى للجميع..
جذبها لأحضانه يحتضنها بحنان وحب أبوي صادق.
ولم يكن شريف بأقل منه، وجاء يقترب منها يمارس دور الأب معاها الذي لطالما بذله من أجلها بكل حُب.
لكن منعته ذراع جبريل التي كانت كالحصن أمام قطوف.
وردد جبريل بأدب ووقار:-
– بعتذر يا شريف باشا، أنا عارف أنك ربيت قطوف وهي بنتك وغالية عليك.
بس لا يجوز لمسها وأنك تحضنها.
مفيش حاجة في الدين والشرع بتاعنا بتقول زي أبوها أو زي جدها.
أتمنى تفهمني يا باشا.
رغم ثقل هذا الحديث على قلب شريف، إلا أنه ابتسم وربت على كتف جبريل وردد:-
– قطوف تشيلها في عينك يا جبريل، لو شعره منها مسها حزن هتلاقيني أنا قدامك.
أردف جبريل بكل صدق وهو يُطالع قطوف بأعين صارخة حبًا:-
– مقدرش يا باشا …كدا هكون بأذي نفسي..
والتفت حول قطوف عبير زوجة شريف والتي لطالما كانت أمًا لها، وأخواتها، ثم والدة جبريل وشقيقته اقتربوا منها على استحياء.
ابتسمت قطوف ثم جذبتهم بلطف وهي تقول بابتسامة:-
– يلا يا ريري علشان نتصور مع بعض.
كم شعروا بالاحتقار لأنفسهم وكم تعلموا من الدروس بسبب موقفها هذا.
وقف جبريل أمام قطوف ممسك يديها برِقة وكأنه يخشى عليها من يديه وأصابعه، أعينه كفيلة أن تُخرس جميع الكلمات.
لا قيمة للكلمات أمام ما يشعر به الآن.
اقترب طابعًا قُبلة مُطولة فوق جبينها، وما تمالك نفسه أن تناول يدها ورفعها إلى فمه يُقبلها ويُعيد تقبيلها، وما منعته هي ولم تكف عن النظر إليه.
– أنتِ إجابة دعوات الليل قطوف، كنت مُوقن بأن سهام الليل لا تُخطئ، قطوف من الجنة.
أغطشت عينيها عشقه، وأصبحت عينيها تنبضان بالحياة وأخيرًا.
كان لها طوق نجاة في وسط ظلمات نفسها.
لقد بذل لأجلها نفسه.
وقد أهدته هي قلبها العاصي ونبضه الذي لا يخضع.
أخرج جبريل من يده ظرفٌ ما، ووضعه بين يديّ قطوف.
نظرت إليه بتعجب وهي تُقلبه بين يديها، ليقول جبريل لها يحثها على فتحه:-
– يلا افتحيه يا قطوفي.
وبمجرد أن فتحته حتى توسعت أعينها بصدمة ونظرت له بعدم تصديق بأعين تجري دموعها..!
*************
وبعد بحثٍ وتنقيب عن النقطة التي يبدئانِ حياتهم من عندها.
لم يجد أشرف من أن تبدأ من أطهر بقاع الأرض حيثُ أُمنية قطوف الأولى التي فور أن علمت بها انهمرت دموعها.
مكة..
ومدينة الرسول.
تقف بجانب جبريل جنبًا إلى جنب وكتفًا إلى كتف، أمام بيت الله المعظم..
تقف والمطر ينهمر من فوقها.
تحققت واستجابت دعواتها وأمنيتها.
اللهم مكة والمطر.!
بداية لحياة جديدة.
أعود منها طاهرة من جميع شوائب الماضي.
وأعود وقد انهمرت الرحمات وقطرات المطر على قلبي.
والآن تقف تشهد إستجابة دعوتها وأمنية كان يتوق قلبها لها.
كانت معتادة أن تكتب ما يخطر ببالها وما تتمنى في دفترٍ صغير وتُخبئة بصندوق تدفنه أسفل شجرة البرتقال بحديقة قصر شريف الهواري الخلفية.
كان جبريل يتتبعها دائمًا، وقاده فضوله إلى اقتحام عالم أمانيها.
ليعزم على تحقيقها لها واحدة تلو الأخرى.
وليس ذلك على الله بعزيز.
أمانيك.
أحلامك.
صلاح قلبك.
حزنك.
سعادتك.
ليس ذلك على الله بعزيز.
فدائمًا ومن بين الظلام الدامس هناك بُقعة ضوء تقبع في زاويةٍ ما..
رُبما تكون قلبك.
فتتبع الخير بداخلك ستجده حتمًا.
أغمضت قطوف أعينها وهي ترفع رأسها تستقبل قطرات المطر العذبة على وجهها مبتسمة براحة نالتها أخيرًا.
ليست راحة أبدية، وإنما راحة اكتسبتها من أشياء تعلمتها ستُرافقها عمرًا.
راحة استقرت في الروح.
نطق قلبها المتصل بالله بامتنان:-
– اختيارك ليا ورحمتك بيا ورعايتك وحبك ورحمتك..
لقد وجدتُ معك يا الله كل ما كنت أفتقده.
لقد وصلتُ أخيرًا لأماني ومأمني، بجوارك ربي.
كنت تائهة حتى أخذت بيدي إلى الوجهة الصحيحة.
ولا وجهة صحيحة في هذا الكون سوى وجهتك يا الله.
فاللهم لك الحمد حمدًا يليقُ بجلال وجهك وعظيم سلطانك.
كان جبريل يتأملها وهو يشعر بما تشعر به، ضغط فوق يدها بدعم ثم أردف:-
– يلا نبدأ حياتنا من هنا يا قطوف، دي البداية الصحيحة.
يلا يا قطوفي .. قطوف من الجنة رزقني الله بها وأنعم عليّ بعد مخمصةُ روحي.
«تمت بحمد الله»
انتهت رحلة تخبطتُ بها كثيرًا بين أمواجٍ عاتية وظُلماتٍ بعضها فوق بعض وتعثرات.
انتهت بكرم الله وفضله.
فإن كان من توفيق فمن الله.
والتقصير فمني ومن الشيطان.
واسأل الله أن تكون كلماتي خفيفة على قلوبكم فقد أردتُ أن أُربت بهذه الكلمات على أكتافٍ أتعبتها الأوجاع، وأمسح بها على رؤوسٍ صدّعتها الألآم.
انتهت رحلة جبريل وقطوف..
والآن فترقبوا رحلةٍ جديدة..
#مُقيدة_بأصفاد_مخملية.
بقلم سارة_نيل.
