جوازة نت بقلم منى لطفي ج 3

الحلقة الثالثة عشرة”ج2

اطمأنت منة على بناتها في غرفتهما الملحقة بالجناح الخاص بهم، وقد طمأنتها مهجة التي أتت اليها بالطعام بناءا على أمر سيدتها أن البنتيْن قد تناولوا طعامهم قبل أن يخلدا للنوم، تمتمت منة بالشكر قبل ان تنصرف مهجة التي أخبرتها أنها قد قامت بترتيب الثياب في خزانةالملابس….
اتجهت منة الى الحمام الملحق بالغرفة فقد كانت مجهدة لأقصى مدى، لم يخطر ببالها السؤال عن سيف، فلا بد أنه مع الأُناس اللذين حضروا للسؤال والاطمئنان عن صحة كبيرهم، وهي تعلم تماما أنه لن يأتي قبل وقت طويل، ففي المرات التي كانت تأتي فيها بصحبته، لم تكن تراه إلّا لماماً، فقد كان معظم وقته يقضيه في الاستراحة الخاصة التي شيّدها والده للقاء الناس وقضاء حاجاتهم…
توجهت الى الحمام وملئت المغطس بالماء الدافيء،وقد وضعت به بعضا من صابون الاستحام الخاص بها والذي جلبته معها، ثم رقدت في المغطس لتزيح عن كاهلها تعب اليوم، وتحاول الحصول على بعض الراحة الجسمانية والنفسية…
بعد مضي ما يقرب من النصف ساعه شعرت ببرودة المياه من حولها، فقامت وأكملت اغتسالها بالمرشّة مزيلة بقايا الصابون من شعرها وجسمها ، ثم أغلقت المياه وقامت بتجفيف نفسها بالمشنفة العريضة وارتدت مئزر الحمام الخاص بها، ثم خرجت لتكمل ارتداء ثيابها حينما تفاجئت بـ….سيف يقف مديرا ظهره لها والذي التفت على صوت شهقتها المكتومة!
طالعها سيف مليّا من أعلى رأسها المكلل بخصلات كستنائية تنسدل حتى نهاية خصرها يقطر منها الماء، حتى قدميها الحافية التي ظهرت من أسفل رداء الحمام، جمعت منة طرفي رداء الحمام بيدها وقد انتبهت انها لا ترتدي سواه، أخفضت نظرها الى أسفل وقالت وهى تحاول الابتعاد من أمامه بصوت خرج مهزوزا بالرغم منها كيف لا وسيف يقف أمامها لا يرتدي سوى سرواله فقط بينما نصفه العلوي عارٍ تماما وتلمع عليه قطرات الماء التي تدل على أنه قد قام بالاغتسال هو الآخر في الحمام الخارجي الملحق بالجناح !!…، قالت منة بصوت يرتعش:
– عن… عن إذنك، عاوزة أغيّر هدومي…
اقترب منها سيف وتحدث بصوت أجش بينما تسمّر نظره على شعرها الذي يخفي وجهها تقريبا :
– ما تغيّري يا منة، هو أنا مانعك؟!…
رفعت نظراتها اليه مجيبة بغيظ وقد احمر وجهها خجلا و.. غيظاً:
– لا… بس المفروض تخرج برّه علشان أعرف آخد راحتي!
تحدث بابتسامة مستفزّة وهو يميل عليها بوجهه حتى ضربت أنفاسه الساخنة صفحة وجهها القشديّ :
– أنا جوزك يا منة، ها…. جووووزك!، وشدد على لفظة زوجك ثم تابع:
– أعتقد انه مافيش بين الأزواج.. إحراج !!..
تحدثت منة من بين أسنانها وهى تبعد بوجهها عنه ولكن لم تستطع منعه من شمّ رائحتها المحملة بعبير الزهور الممتزج برائحة الصابون الذي استعملته لتكوّن مزيجا عطريّا مثيرا يكاد يسلب سيف رُشده، لم تنتبه الى تغيّر تنفس سيف وتحدثت بغضب:
– بس أنا مقدرش أغيّر قودامك، واتفضل بقه يا تخرج يا إما هاخد هدومي وأدخل أغير في أودة البنات !!…
امتدت يديْ سيف وكأنها تملك إرادة خاصة بهما فقط وحاولتا جذبها اليه بينما تحدث بصوت متهدج:
– خايفة مني ولا مكسوفة يا منة؟، لو خايفة يبقى مالكيش حق انتي عارفة أني عمري ما هعمل حاجه تخوّفك منِّي، لو مكسوفة ، يبقى بردو مالكيش حق، أنا وأنتي واحد يا مُنايا !!…، ثم مال عليها محاولا تقبيلها بينما حاولت هي التملّص منه هاتفة بشدة:
– سيف، سيف مش هينفع اللي انت بتفكر فيه دا، انت ناسي أني طالبة الطلاق، ومجيّتي معاك بس علشان عمي ربنا يشفيه؟!..
وكأنها سكبت فوقه دلوا من الماء البارد، ارتد الى الخلف وقست يداه الممسكتان بذراعيها ونظر اليها نظرة سوداء قائلا بغضب يلمع في فحم عينيه المشتعل:
– أنا حذرتك كم مرة قبل كدا إنك تجيبي سيرة الطلاق دا؟، لكن واضح انك مش بتتعلمي!، مافيش غير طريقة واحدة بس تخليكي تتأكدي أني مش ممكن أسيبك أو تكوني لحد تاني غيري !!، قطبت بحيرة وتساؤل وقبل أن يتثنى لها أن تستفهم منه عمّا يعنيه، انقض عليها ملتهما شفتيها بقبلة أودعها غضبه وشوقه وغيرته، فهو أولاً وأخيراً رجلٌ عاشقٌ حتَّى النّخاع، وبين يديه حبيبته التي تستفز رجولته لكي يثبت لها بما لا يدع مجالا للشك أنه الوحيد الذي له كامل الحق فيها سواء روحا أو جسدا، فقد ختم قلبها وجسمها بصك ملكيته، ملكيةٌ أبديَّة لا سبيل لحلِّها مهما كان !!….
حاولت منة الفكاك من قبضته التي كانت تزداد قوة كلما زادت محاولتها للافلات منه، كانت كما العصفور بين مخالب نسر جامح، حتى شعرت بأن سيف قد تمادى إذ عبثت يده بعقدة رداء الحمام الذي أوشك على السقوط عنها فانتفضت بقوة بين ذراعيه ولم تجد بدّا من ركله بقوة في قصبة ساقه فتركها فجأة لاعنا من بين أنفاسه الهوجاء، حتى أنها تماسكت بصعوبة فقد كادت أن تسقط أرضاً ، نظرت اليه وهي تعيد ربط عقدة ردائها بإحكام وأشارت اليه بسبابتها قائلة وهي تلهث بينما تحمل شفتيها المنتفختيْن علامات إكتساحه لها! ، قالت لاهثة:
– بقولك ايه يا سيف، دي آخر مرة تحط إيدك عليّا، المرة الجاية هعملك عاهة مستديمة كل ما تشوفها تفتكر سببها فما تقرّبش منّي!..
ابتسم سيف من وسط ألمه وقال وهو يقفز على قدم واحدة مقتربا منها بينما تبتعد هي الى الخلف ناظرة اليه بريبة:
– أنا راضي بأي حاجه تيجي منّك، العاهة اللي هتعمليهالي هتكون علامة منك هتفضل معايا لحد ما أموت!، وإطمنّي يا مُنايا، أنا فدائي ، مش عبد الحليم بيقول قد مات شهيدا يا ولدي من مات فداءا للمحبوب؟!، أهو أنا راضي أني أفديكي بروحي ودمي، وبُعاد عنك مش هبعد!، انت مراتي وأنا بقولك من دلوقتي أهو ، أنا مش هجبرك على حاجه، لكن الأمر ما يمنعش أني أروي نفسي كل شوية كدا بحاجه بسيطة، لكن أنتي مسموح لك تعملي اللي انتي عاوزاه!!..
تخصّرت واضعة يديها في وسطها وسألت بريبة :
– يعني ايه بقه إن شاء الله مش فاهمه؟، ليجيبها وقد اقترب منها حتى وقف على بُعد إنشات قليلة:
– يعني عاوزة تقرّبي، تحضني، تبوسي ، تـ….، شهقت منة عاليا وسارعت بوضع يدها على فمه مانعة اياه من المتابعة وهي تقول بحنق وغضب من بين أسنانها المطبقة:
– أنت سافل ووقح وقليل الأدب يا سيف، وفعلا المفروض إني ما أقفش أسمع كلامك السافل دا، وتركته بعد أن رمته بنظرة زاجرة جعلتها أشبه بمعلمة المدرسة التي تنهر تلميذا لديها قام بفعل شائن!!…..
تعالت ضحكات سيف بينما اتجهت منة الى خزانة ثيابها وتناولت أول شيء وقع عليه يدها فيما تعالت طرقات خفيفة سمعا بعدها صوت مهجة يخبر سيف بوجود زوّار في الاستراحة الخارجية، أخبرها سيف أنه سيلحق بها، ثم أعاد انتابهه الى منة وقال بمرح وهو يغمز بمكر:
– للأسف هضطر أنزل للضيوف، كنت عاوز أحاسبك على الضربة اللي ضربتهالي دي، وأعرفك يعني أيه قليل الأدب اللي قولتيها علشان تتأكدي أني في غاية الأدب معاكي، لكن الجيّات أكتر، واتجه الى خزانة الثياب حيث تناول بلوزة صيفية أدخلها في رأسه ليخفي جزعه العلوي، ورماها بنظرة خُبث قبل أن يتجه الى الباب ليغادر الغرفة بينما ضربت منة بقدمها الأرض غضبا و…غيظا وهي تزفر حانقة !!…
استيقظت منة في الصباح الباكر ونظرت الى الاريكة المقابلة للفراش والتي نام فوقها سيف بالأمس بعد تهديد منها أنها ستذهب للنوم برفقة البنات في غرفتهن، فقد كان #مصرّا على النوم معها فوق الفراش الواسع بينما الأريكة ضيّقة ولن يستطيع النوم بحريّة، ورفض رفضا باتّا عرضها أن تنام هي بدلا عنه فوق الأريكة…..
تذكرت كيف انقضت أحداث الليلة الماضية، فلم تراه حتى صعدت لتنام، حيث لم تخل الاستراحة من الزائرون اللذين قدموا من كل حدْب وصوب للاطمئنان على صحة والده، كانت قد أبدلت ثيابها واستقرت في الفراش بعد أن اطمئنت على نوْم ابنتيها عندما سمعت صوت فتح باب الجناح، أعقبه صوت قدميه متجها الى غرفتهما، أغلقت عينيها مدعيّة النوم وهي تدعو في سرّها أن يوافيها النوم قبل خروجه من الحمام حيث توجه للاغتسال، ولكن هيهات أن تغمض عينها بينما تسمعه وهو يتحرك بمنتهى الأريحية في المكان حولها !!…
بعد أن أنهى ارتداء ثيابه لفت نظره المنامة التي قد أعدتها له فوق الأريكة حيث وضعت وسادة وغطاء، ابتسم وهو ينظر اليها وهي توليه ظهرها مصطنعة النوم وهو يعلم جيّدا أنها ليست نائمة، اقترب منها ومال فوقها فاضطربت أنفاسها فيما أغلقت عينيها بقوة، همس لها في أذنها وهو يمد يده:
– عينيكي هتتفعص من كُتر ما إنتي مغمضاهم بالشكل دا!، عن إذنك، … قطبت في حيرة وهي لا تزال مغمضة عينيها مما جعله يبتسم فهي لا تعلم عن أي شيء يعتذر حتى شعرت بشيء يُسحب بقوة من تحت رأسها، فتحت عينيها واسعا بدهشة، فقد سحب وسادتها من تحتها!!، قال ببراءة مصطنعه:
– معلهش أصلي مبعرفش أنام غير على مخدتين، انتي مش بتنامي على مخدّات، عارفك ما كنتيش بتنامي غير في حضني!..
تحدثت بحدة وهى تزحف الى الناحية الاخرى بعيدا عنه:
– خُد المخدة اللي تعجبك وسيبني أنام…
ليفاجئها سيف بسؤاله فيما يقف مشرفا عليها:
– انتي ليه ما حكيتليش على اللي كانت أمي بتعمله أو بتقوله ليكي؟!…
تسمرت منة في مكانها ثم تساءلت بوجل وريبة:
– حاجات ايه اللي مامتك عملتها عاوزني أحكيهالك؟…
مد يده وأدارها ناحيته ومال عليها قائلا:
– الكلام اللي كانت بترميه عليكي علشان تأخير الحمل كل شوية، ولما ربنا رزقنا بالبنات ، ولما ما حاصلش حمل تاني لغاية دلوقتي!!
اضطربت منة قليلا ولكنها حاولت التماسك وقالت وهي تحاول الهروب من نظراته القوية التي تتفرس فيها:
– مين اللي قالك الكلام الغريب دا؟، ماحصلش….،قاطعها سيف بحزم:
– أنا سمعتكم انهرده يا منة !!، شهقت منة بدهشة وقالت بتلعثم طفيف في حين أصبح عقلها يعمل كالمكوك لتتذكر الحديث الذي دار بينها وبين حماتها وعمّا إذا كان سيف قد سمع كلّما دار بينهما أم لا:
– انت.. انت بتقول ايه؟، أومأ سيف برأسه موافقا وقال:
– أيوة يا منة، أنا سمعت أمي وهي بتعتذر لك على الكلام اللي كانت بتقوله في حقك، وإنى أبويا هو اللي كان بيمنعها عنك، وأنا يا منة؟، أنا فين من دا كله؟، مش المفروض كنت أنا اللي أعرف علشان أنا جوزك المفروض ما أخليش حد يضايقك خالص…
ابتسمت منة باستخفاف وأجابت:
– إنت قلتها يا سيف، دي أمك!، يعني ما كانش ينفع أني احطك بيني أنا وهي، لأنك مهما حصل مش هتخسر والدتك، وكنت هتبقى بين نارين ترضيني ولا ترضيها، وأنا كنت بحاول أحط نفسي مكانها، يعني والدتك ست بسيطة وانت ابنها الوحيد ومن حقها حسب المجتمع اللي هي اتلابت فيه انها تحلم بولد لأبنها يشيل اسم العيلة، دا كان بيخليني أقدر أعذرها، وبعدين عمي ربنا يشفيه كان دايما مش بيسمح لها أنها تزوّد في الكلام معايا، وأديك سمعتها في الآخر وهي بتراضيني وتطيّب خاطري، كفاية عليّا كدا، لكن لو كنت قلت لك ما كنتش هكسب غير عداوتها ليّا أكتر وأكتر، وتعيش في حيرة بيني وبينها، اختيار ما أقبلش أني أحطط قودامه، الأم مهما كان الأم !!….
نظر اليها سيف مطوّلا قبل أن يتكلم بصوت خشن:
– ومستغربة انا ماسك فيكي ليه؟، صدقيني الكون دا كله في كفّة وانتي في كفّة، وساعتها كفّتك بردو هي اللي هتكسب!!، كان نفسي أسمع الكلام اللي دار بينكم للآخر بس مهجة الله يسامحها جات نادتني علشان فيه ناس جوم،.. ومال عليها مقبلا جبينها بعمق قبل أن يتنفس نفسا طويلا مشتمًّا رائحتها العطرية وقال :
– تصبحي على خير يا أحلى حاجه في حياة سيف، يا عمري كلّه إنتي !!..، وابتعد ليرقد فوق الأريكة وقد أولاها وجهه، لينظر اليها حتى داعب الكرى جفونه فغرق عميقا في النوم، بينما تقلّبت هي مراراً قبل أن يغلبها النوم هي الأخرى….
************************************************
اغتسلت منة وأبدلت ثيابها ثم خرجت لتتفقد ابنتيها فوجدتهما بالاسفل مع أولاد عماتهما يلبعان، ألقت تحية الصباح على حماتها التي أمرت بتحضير طعام الفطور لها قبل الذهاب لزيارة زوجها فقد أعلمتها والسرور يعتلي ملامحها أنه قد تم نقله الى غرفة خاصة بعد أن استقرت حالته الصحيّة…
تم عمل القسطرة لعبدالهادي وجاءت النتيجة مطمئنة للغاية، ولكن آثر الطبيب ان يمكث بالمشفى أسبوعا على الأقل حتى تتحسن صحته تماما ويبدأ الدواء الجديد الذي تمّ وصفه بإعطاء النتيجة المرجوة منه..
كانت منة تذهب اليه يوميا في الصباح الباكر حيث تظل برفقته الى موعد انتهاء الزيارة الصباحية، فتعود الى المنزل لتغتسل وتبدل ثيابها وتطمئن على بناتها ثم ترجع ثانية بصحبة سيف في موعد الزيارة المسائية…
لم يلتقي عبدالهادي مع سيف إلا بعد يومين من انتقاله الى غرفة عادية، وذلك بطلب من عبدالهادي نفسه، بينما لم يستطع سيف أن يضع عينيه في عيني والده، كما أنه لم يعلم الحديث الذي دار بين منة ووالده أثناء مكوث الأخير في غرفة الرعاية…
دار حوار طويل بين سيف ووالده، صُعق سيف عندما أخبره والده بما أخبرته منة، قال بجدية:
– مَرَتك جالت إنه مافيش حاجه حوصلت واصل من الحديت اللي احنا سمعناه ديه، مش عارف ليه مش إمصدج، لكن يكون في معلومك يا سيف لو ظُهر انه الكلام بحج وحجيج وجتها حسابك معايا هيكون عسير جوي !!..
تدخلت منة محاولة تلطيف الأجواء بينما عقد سيف جبينه متنقلا بنظراته بين والده ومنة في ريبة فهو لم يفهم قصد والده من كلامه أن منة قد أنكرت ما سمعه!، قالت منة محاولة تلطيف الاجواء:
– أنا قلت لحضرتك يا حاج، صدقني مافيش حاجه من دي حصلت !!، نظر اليها سيف مصعوقا بينما سألها عبدالهادي:
– أكيد يا بتّي؟، مالكيش صالح بصّحتي، أنا أدرى بنفسي من الحُكَما، لو كان ضايجك أو عمل اللي احنا سمعناه ، جوليلي وأني أعرف شغلي أمعاه !!،،،،،،،
ابتسمت منة وقالت وهي تجلس على طرف فراش عبدالهادي:
– يعني أزعل منك يا حاج؟، انت #مصرّ تكذبني ليه؟!…
نفى عبدالهادي بشدة وقال:
– لاه لاه لاه، مش بكذبك لا سمح الله، أني بس عاوز أتوكد أنك مش بتاجي على نفسك علشاني، حجّك أني جادر أخده ولو من ابني نفسه، انما طالما أنتي أكدتي ليْ بدال المرة عشر انه ما حوصلش حاجه يبجي ما حوصلش حاجه، ومنعم زوج أختك سلمى حسابه عاندي آنا ، لما أجوم بالسلامة ان شاء الله هلففه حوالين نفسه علشان بس يشوف ضوفر حد من عياله ولا مَرَتُه!
لم يستطع سيف الانفراد بمنة بعد حديثه مع والده، بل أنه أنغلق على نفسه واستأذن مغادرا تاركا منة برفقة والده على أن يرجع اليها ليعودا سوية…
كان الطبيب المعالج يمدح منة دائما ودائما ما كان يقول لعبدالهادي أنه محظوظ بوجود إبنة مثلها بجواره، لم يهتم عبدالهادي بإيضاح أنها ليست ابنته بل زوجة ابنه، حتى كان يوم!!…
دخلت منة وسيف وبعد أن ألقيا السلام على عبدالهادي تحدث عبدالهادي بصوت ضاحك:
– سيف… ايه رأيك في الدكتور مصطفى اللي متابع حالتي؟. تحدث سيف الذي جلس على كرسي بجوار فراش والده بينما كانت منة تقوم بتنسيق الزهور التى ابتاعتها من المتجر في طريقهما الى المشفى:
– الدكتور مصطفى ممتاز، انما بتسأل ليه يا حاج؟
أجاب عبدالهادي بابتسامة مكر تعلو ملامحه:
– أصله عنده وِلد، دَكتور زيّيه إكده، ..ثم وجه حديثه الى منة متابعا:
– الدكتور نبيل انت شوفتيه يا منة يا بتّي..
اقتربت منة من عمّها الراقد فوق الفراش ووقفت مستندة إلى حاجز الفراش المعدني وقالت بابتسامة:
– ايوة صحيح يا حاج، يوم القسطرة الدكتور نبيل كان مع الدكتور مصطفى، دا أنسان ممتاز بصراحه، كان شايفنا كلنا قلقانين على حضرتك ازاي وفضل معانا ما سابناش الا لما اطمنا على حضرتك، بصراحه دكتور بيشوف شغله بمنتهى الاخلاص، زي والده الدكتور مصطفى تمام، يا ريت الدكاترة تعرف ان الطب مهنة كلها رحمة مش تجارة !!..
لم يستسغ سيف قصيدة المدح التي ألقتها منة في حق هذا الطبيب ووالده والتفت الى عبدالهادي متسائلا:
– انما أنت بتسأل ليه يا حاج؟؟
أجاب الحاج بصوت ضاحك:
– أصله بصراحه حوصل لخبطة!، الدَّكتور مصطفى كان فاكر منة بتِّي، وأني ما جاتش مناسبة إني أجوله أنها مَرَتْ ولديْ، لكن لاجيت أني كنت غلطان بعد اللي حوصل انهرده الصّبح!..
عقدت منة ذراعيها وطالعته بابتسامة وهي تقول:
– وايه اللي حصل انهرده الصبح يا حاج؟
ليجيب الحاج بمرح:
– جالك عريس!، الدكتور مصطفى طلب يدِّك لولَده الدكتور نبيل، واضح إكده ان الدَّكتور نبيل مستعجل جوي، عاوز يعرف ردك بأي طريجة انهاردِه!، ديه ما سابليش فرصة أني أجوله أنك مَرَتْ وَلَديْ !!..
هبّ سيف واقفا وهو يهتف صارخا:
– نعم؟!، بينما اعتلت الدهشة ملامح منة التي أنزلت ذراعيها وقالت بصوت خافت مذهول:
– أزاي دا يا عمي الحاج؟، حضرتك عاوز تقول أنه جالي عريس وحضرتك ما قولتلوش أنى متجوزة ابنك؟!!..
تحدث سيف صارخا ناظرا اليها بغضب أسود:
– إيه جاي لي عريس دي أنتي التانية!!، ثم التفت الى والده متابعا بحنق:
– ازاي يا حاج ما تعرفهومش أن منة مراتي؟!..
قال عبدالهادي وهو يحاول تهدئة ولده:
– يا سيف يا بني إهدى مش إكده، أنا صحيح ما جولتش للدَكتور نبيل لأنه ما أدانيش الفرصة إني أجولّه، لكن أنا جولت لـ بوه… الدَكتور مصطفى، وهو اعتذر من سوء التفاهم ديه، وخلاص ما حوصلش حاجه لزعابيب أمشير اللي إنت عاملها ديْ!!..
تحدث سيف محاولا تمالك نفسه بينما داخله بركان يوشك على الانفجار فيكفيه ما يعانيه من حرمان من نعمة القرب منها، فهو لا ينام أكثر من ساعتين كل ليلة ، تصاحبه فيها أحلام تجعله يصحو منتفضاً لتطالعه هيئتها وهي نائمة فوق الفراش براحة لا يشعر بمقدار عُشرها!، ولا يطفيء ناره المستعرة التي تأكل أحشائه سوى حمام بارد!، حتى أنه أصبح لا يعلم كم عدد الحمامات الباردة التي يضطر الى أخذها كل ليلة، حتى يسقط في النوم من شدة الارهاق ولا يدوم نومه أكثر من ساعتين يستيقظ على إثرها ليغادر الغرفة وكأنه يفرّ من شيء يركض خلفه!، وأقربها ما حدث اليوم صباحا أثناء خروجه من الغرفة اذ حانت منه التفاتة الى الفراش لتطالعه منة وهي تنام بمنتهى الراحة، وقد انحسر الثوب الى أعلى ساقيها مما جعله يشعر بالدم الساخن وهو يهدر بقوة في عروقه، ومد يدا ترتعش وأعاد الغطاء فوقها، ثم سارع الى الحمام الخارجي للاغتسال للمرة التي قد تكون الرابعة في هذه الليلة !!…
تحدث سيف وهو يزفر بقوة:
– كويس انك قولت له يا حاج، عموما أنا شايف ان صحة حضرتك بئيت كويسة، ممكن الدكتور يكتب لك خروج، وأنا هكلمه على ممرضة كويسة تيجي تباشرك في البيت!!..
استدار ليغادر فهمّت منة بالذهاب معه عندما نهرها بنظرة زاجرة وهو يتحدث بحنق من بين أسنانه:
– أنتي رايحه فين؟، يكون تطلعي بره الاودة دي خطوة واحده!، انا هروح أكلم الدكتور وأجي، سامعاني يا منة؟، اوعي تتكلمي مع حد.. فاهمه؟!…
وانصرف دون أن يسمع جوابها لما أمرها به !!…
*************************************************
خرج عبد الهادي من المشفى وتم الاستعانة بممرضة خاصة للاهتمام بمواعيد تناول الدواء…..
كان الجميع فرح بعودة الأب الحاني والزوج والسند اليهم ثانية ، ساعد سيف والده في الذهاب الى غرفته بينما انفض الباقين حيث ذهب كلٍّ منهم للاهتمام بشؤونه الخاصة ..
– يا مهجة، انتي يا مهجة ……
صدح صوت رمّاح الغفير عاليا، أتت مهجة سريعا وهي تنهره بقوة :
– جرالك أيه يا رمّاح؟، عمّال تزعِّج زي الجاموسة اللي عتولِد ليه؟، انت ماتعرفش أن أبويا الحاج بيرتاح في داره؟!!…
قلب رمّاح وجهه وقال بأسف:
– أني جاموسة بتولد؟، الله يسامحك !، أني كنت عاوز الحاج في حاجه مهمة جوي !!..
عدلت مهجة من وضع وشاحها الأسود الذي يستر رأسها وقالت مقطبة بتساؤل:
– حاجة إيه المهمة جوي دي اللي عاوز فيها أبويا الحاج؟!..
مال عليها رمّاح وكأنه سيخبرها بسرّ خطير وهو يهمس:
– فيه ضيوف عاوزين يشوفوا أبويا الحاج ضروري، ومستنيينه في المُندرة !!…
سألت مهجة بحيرة:
– ضيوف؟، ضيوف مين دول يا رمّاح؟!…
هز رماح أكتافه التي يعلق في احداها البندقيّة الخاصة للحراسة:
– ما خَبِرشْ… هي جالت لي انها عاوزة الحاج عبدالهادي ضروري!!،،
سالت مهجة ثانية:
– هما الضيوف دول فيهم ستات يا رمّاح؟!..
زفر رمّاح عاليًّا وقال:
– يا بوووويْ، ومش أي ستات!!، ديه ست وست وست كُمَانْ..
سكتت مهجة قليلا ثم صرفت رماح قائلة:
– طيب أمشي أنت دلوك، أني هبلغ سيف بيه، ابويا الحاج بيرتاح في داره مش هيجدر ينزل يشوف حد…
************************************************
اتجه سيف بخطوات سريعه حيث الاستراحة لمقابلة الضيوف التي أخبرته مهجة برغبتهم في مقابلة الحاج عبدالهادي كما أخبرها رمّاح، فتح الباب الاستراحة وهو يقول مبتسما:
– أهلا وسهلا..، لتغيب إبتسامته ما أن وقع بصره على هؤلاء الزوّار واللذين لم يكونوا سوى زائرة واحده!، زائرة لا يَرغب برؤيتها بالمرّة!..
قامت من مكانها واتجهت بخطوات مغناجة أليه وهي تتمايل أثناء سيرها في ثيابها التي تلتصق بها فلا تدع للمخيلة شيئا، حيث تبرز مفاتنها الانثوية بصورة فجّة، وقفت أمامه ومدت يدا ذات أظافر طويلة كأظافر الساحرة الشريرة مطلية باللون الأحمر الناري، وقالت بصوت به بحة مثيرة:
– أزيك يا فوفو، وحشتني أووي…..
لم يتثنى له الرد عليها اذ سرعان ما فُتح الباب خلفه واندفعت منة هاتفه:
– سيف انت هنا أنا كنت عاوزة…، لتبتر عبارتها وهي تتطلع بتساؤل الى هذه السيدة التي يبعث مظهرها على الريبة، سألت سيف بينما لا تزال نظراتها معلقة على تلك الغانية التي تتمايل أمامها على كعب حذائها المدبب:
– مين دي يا سيف؟، …
ابتلع سيف ريقه بصعوبة وقال وهو لا يزال تكنفه الدهشة:
– دي.. دي…، لتقاطعه الأخرى وهى تقترب منه وترفع ذراعيها لتحيط بهما عنقه مجاوبة سؤال منة بدلا منه بصوت يقطر دلالا كاد يصيب منة بالسقم:
– أنا… أنا مراته!،…… شهقت منة وتراجعت للوراء بضعة خطوات ولكن الاخرى لم تهتم وتابعت وهي تطلق الرصاص على قلب أخضر تم ذبحه بأبشع الطّرق:
– أنا، أنا…. قلبي دليلي !!….

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *