جوازة نت بقلم منى لطفي ج 3

رواية ” جوازة نت” للكاتبة “منى لطفى” الحلقة الثالثة عشرة”

نظرت منة الى ابنتيها الغارقتين في النوم على المقعد الخلفي للسيارة، رنت بطرف عينها الى سيف الذي كان يتطلع الى الطريق بنظرة جامده وجبين معقود،وقد اعتلت سيمات التجهّم والقلق وجهه….، كتمت تنهيدة عميقة وأسندت رأسها الى زجاج النافذة بجوارها وقد شردت في احداث السويعات الاخيرة منذ تلقي سيف نبأ سقوط والده فريسة المرض وعودتهما سريعا الى والديْها واللذان ما إن علما بما حدث لوالده حتى أصرّا على ان تسبقهما منة مع زوجها وأن يبلغوهما بالأخبار أولا بأول، على أن يلحقوا بهم ما ان تستقر حالته الصحية، فكما اخبرهم سيف الزيارة ممنوعة تماما بأمر الطبيب المعالج…..، تذكرت منة كلمات والدها الاخيرة لها حين انفرد بها قبيل مغادرتها مع سيف، حيث ربّت على كتفها ناصحا لها:
– منة حبيبتي، انسي دلوقتي أي خلاف أو زعل بينك وبين جوزك، لازم تكوني معاه في وقت زيّ دا، أهله ناس كويسين وماشوفناش منهم أي حاجه وحشة لا سمح الله، وحماكي الحاج عبدالهادي بيحبك وبيعتبرك بنته الخامسة، لازم يشوفوكي معاه، أنا متأكد ان وجودك جنبه في الظروف دي هيسرّع من شفاء عمك بإذن الله، لأنك على ما حكيتيلي سبب اللي حصله انه عرف باللي ابنه عمله، يبقى وجودك معاه هيفرق مع الحاج عبدالهادي كتير…
أومأت منة برأسها موافقة وقالت بهدوء:
– اطمن يا بابا، بنتك هتتصرف زي ما ربيتها بالظبط، انا بنت ناس يا بابا وعارفة ان بنات الناس في محنة زي دي لازم يسدّوا فيها، واي خلافات أو مشاكل تتأجل لبعدين!!…
عادت منة من شرودها على صوت استيقاظ ابنتيها اللتان تساءلتا عن موعد وصولهما فأجابت بابتسامة صغيرة:
– قرّبنا حبايبي خلاص، ……خدوا اشربوا العصير دا وكلوا الساندوتشات اللي عملتها تيته، اكيد انتو جعانين دلوقتي…
فتحت الحقيبة البلاستيكية التى بحوزتها وناولت ابنتيها علبتي عصير وبعض الشطائر الخفيفة والتي سبقت أن أعدتها أمها لها، ألقت بنظرة خاطفة الى سيف ثم مدّت يدها اليه بشطيرة وعلبة عصير، نظر اليها بلمحة سريعة ثم أعاد انتباهه الى الطريق قائلا بجمود:
– ماليش نفس يا منة، كُلي إنتي والبنات…
لم تستطع منة التزام الصمت وأصرت عليه قائلة:
– ماينفعش يا سيف، انت من امتى ما اكلتش؟، لازم تاكل علشان تعرف تقف على رجليك وتصلب طولك، والدتك واخواتك محتاجين لك، ووالدك اكيد محتاجك جنبه دلوقتي..
رماها بنظرة سريعة قبل ان يتساءل بهدوء:
– وانتي يا منة؟، تطلعت اليه بحيرة فتابع:
– محتاجالي؟!…، لم تُحِر منة جواباً ففضلت الصمت، في حين زفر سيف زفرة عميقة ثم مد يده اليها متناولا الشطيرة ليقضمها فيما فتحت له علبة العصير ليحتسيها، أشار اليها برأسه مغيِّراً سير الحديث:
– وانتي.. مش هتاكلي؟!….، نظرت اليه منة بتردد ولكنها رحبت بتغييره للموضوع وأومأت مجيبة وهي تقضم شطيرتها بوجوم وشرود !!…
وصلوا بعد رحلة قاربت الخمس ساعات، اتجهوا رأسا الى المشفى حيث والده، وكان قد علم عنوانها من سمية شقيقته عندما هاتفها وهم في الطريق الى البلدة….
صعد سيف الى الطابق حيث غرفة الرعاية المركزة بعد أن سأل في استقبال المشفى الخاص ، يرافقه زوجته وابنتيه…، ما ان وصلوا الطابق المنشود حتى علمت منة أنه الطابق الصحيح، فقد شاهدت عددا غفيرا من الرجال يتجمع في ممر الطابق، ولاحظت تواجد شقيقات سيف اللاتي يجلسن بجوار والدتهن المتشحة بعباءتها السوداء بينما يلتف وشاحا أسود اللون حول رأسها، وتجلس مطأطأة برأسها الى الأسفل بينما تضع يدها على رأسها ومنظرها يوحي بحزن قوي…
اتجه سيف الى والدته تتبعه منة تمسك بيديْ ابنتيها، انتبه لحضوره الموجودون، فسارعوا بالقاء التحية عليه، احترمت منة طريقة استقبالهم لسيف، فمع أنه مؤكد أنهم يعلمون ولو بضع معلومات بسيطة عن سبب سقوط كبيرهم صريع المرض، ولكنهم لا يملكون سوى احترام الإبن، فهو ابن كبير بلدتهم، وأمره فيهم مُطاع، واحترام ولده من احترامه هوَ ….
مال سيف على رأسه أمه مقبلا اياها ، انتبهت زينب لحضورها وحيدها، تعلّقت برقبته ووقفت فسارع باحتوائها بين ذراعيه بينما أجهشت هي ببكاء مرير يقطّع نياط القلب وهي تنتحب قائلة:
– شوفت اللي حوصل يا سيف يا ولديْ؟، بوووك وِجِعْ مرة واحدة يا وَلَدِي ، أنا مَجَدِرشْ أصدِّج لِدِلْوَكْ اللي حوصل!!…
ربّت سيف على رأسها مهدئاً إيّاها وهو يقول راغبا ببعث الطمأنينة في نفسها، طمأنينة هو أبعد ما يكون عنها:
– أطّمني يا أمي، الحاج هيقوم منها ان شاء الله….
التفّت شقيقاته حوله وهنّ يبكين، حتى سلمى كانت معهم والتي طردها زوجها بعدما علِم بأمر سيف، فهو شقيقهم الوحيد وعزوتهم، ولم يستطعن تصديق ما سمعنهن، بل هن على يقين من أن هناك سرّ مخفيّ وأن سيف سيزيح النقاب عنه ليضع كل فرد لسانه داخل فمه، وليعلم الجميع ان إبن عبدالهادي ليس من يقوم بهذه الافعال الشائنة المعيبة…
اقتربت منة جاذبة ابنتيها لتسلّم على حماتها التي بادلتها السلام بصوت مشروخ لكثرة البكاء، رحّب بها شقيقاته، وأفسحن لها لتجلس بجوارهن بينما تركهن سيف متجها الى غرفة الطبيب المعالج للوقوف على حالة والده تماماً….، ولكن سبقه الطبيب الذي قدم اليهم فسارع سيف اليه مستفسرا عن حالة والده، أجابه الطبيب والذي يعلم مدى أهمية هذا الرجل الذي يرقد بالداخل بالنسبة لهذه العائلة بل والبلدة أجمع، قال الطبيب بلهجة رسميّة وان تخللها بعض الشفقة:
– الوالد حالته حرجة أوي للأسف، الضغط ارتفع عنده أوي وهو دا سبب اللي حصل له…
سيف برجاء:
– أرجوك يا دكتور صارحني ، والدي عنده إيه بالظبط؟…
الطبيب متنهدا بعمق وهو يربت براحته على كتف سيف:
– للأسف، الوالد اتعرّض لأزمة قلبيّة حادة، احنا هنعمل قسطرة، وربنا يسهّل ونشوف نتيجتها هتبقى ايه، المهم انه مافيش أي انفعال من أي نوع، علشان كدا أنا مانع عنه الزيارة خالص، حالته ما تستحملش أي انفعال سواء زعل أو فرح..، ثم قطب متسائلا:
– صحيح، الحاج بيسأل على واحده من بناته، وما بطلش يندهْلها!!…
قطب سيف متسائلاً:
– مين من اخواتي يا دكتور؟
الطبيب بتلقائية:
– أعتقد.. منّة!، كان بينادي طول ما هو في نومه عليها!!…
شحب وجه سيف وأغمض عينيه بشدة ليفتحهما على اتساعهما محدّقا بقوة أمامه وهو يكرر عبارة الطبيب:
– منّة!!….، ثم التفت الى الطبيب مستفهما:
– هي ممكن تدخل له؟، سكت الطبيب قليلا ثم نظر اليه قائلا بهدوء:
– هو المفروض لأ، لكن بما انه ما بطلتش ينادي عليها من ساعة ما جِه فأعتقد انها ممكن تدخل له بس مش أكتر من 5 دقايق ويا ريت ما تتعبوش في الكلام، تدخل تبص عليه وبس..
اتجه سيف حيث منة وشقيقاته ووالدته وأشار لمنة التي قامت متجهة إليه بينما أخذت سميحة شقيقته البنتان قائلة أنها ستذهب لشراء الحلوى لهما من كافتيريا المشفى، سارت منة الى سيف ووقفت أمامه متسائلة:
– خير يا سيف فيه حاجه؟، نظر اليها سيف بغموض قبل أن يشيح برأسه مجيباً:
– الحاج عاوز يشوفك، وانا استأذنت من الدكتور انك تدخلي له 5 دقايق بس…
منة بدهشة وحيرة:
– وانت مش هتدخل معايا؟…
أشاح سيف بنظره بعيدا وأجاب بجدية تخللتها نبرة حزن وأسف:
– أنا بالذات مش لازم يشوفني دلوقتي خالص، انتي ناسية ان الدكتور مانع عنه الانفعالات؟!..
هزّت منة رأسها لأعلى وأسفل ، وتقدمته حتى غرفة الرعاية حيث أعطتها الممرضة المسؤولة كمامة للأنف لترتديها…..
تقدمت منة الى الداخل بينما انتظرها سيف خارج الغرفة، اتجهت الى الرجل الكبير الراقد فوق فراش المرض تحيط به الخراطيم ويوصل انبوب للتنفس بأنفه ، مدّت يدا ترتعش لتلمس يده الموصول بها الأنبوب المغذّي وترقرقت الدموع في عينيها، فهي لا تصدّق ان هذا الصرح الشامخ راقدا الآن أمامها فوق فراش المرض لا حول له ولا قوّة، مالت على ظهر يده لتقبلها وهى تقول بخفوت:
– ألف لا بأس عليك يا حاج، إن شاء الله أجر وعافية، وهتقوم لنا بالسلامة قريب بإذن الله….
ارتعشت جفونه قبل أن يفتحها بضعف فأضحت الصورة مهتزة أمامه، ثم تحدث بصوت بالكاد يخرج منه:
– منـ…منّة… بتِّي ، شهقت منة عاليا ورفعت رأسها لتطالعها عيناه المتعبتان وهما تطالعانها بوهن ، هتفت منة بصوت باكٍ:
– ألف لا بأس عليك يا حاج، ما تجهدش حضرتك نفسك في الكلام ، الدكتور طمّنا.. ان شاء الله خير ..
ابتسم عبدالهادي ابتسامة خفيفة وتحدث بصوت واهن متقطع:
– اللي يريده ربّنا هيكون يا بتِّي، أني عاوزك تسمعيني منيح، أني مش هسيّب حجِّك واصل، اللي عِمِلُه فيكي هرجَّعلك حجِّك منيِّه تالت ومتلَّت..
ابتسمت منة وقالت وهي تربت على يده:
– قوم لنا إنت بالسلامة الأول يا حاج، وبعدين سيف معملش حاجه، سيف ابنك يا حاج عمره ما هيعمل حاجه تزعلّك منه..
نظر اليها عبدالهادي نظرات لوْمٍ وعاتبها قائلا بصوته الضعيف:
– بتكدبي عليّ يا بتِّي!، إنت فاكراني مش هجدر أعرف إذا كان عِمِلْ صُح ولا معمِلشْ ؟!..
نظرت منة الى البعيد وهى تجيب داعية الله في نفسها أن يغفر لها كذبتها فهي لا تريد إلّا رأب الصّدع بين حماها وإبنه، وأن يشفى من محنته تلك، فهي ابدا لن تكون المعوَل الذي يهدم ترابط هذه الأسرة ويجعل قائدها ينهار كما حدث، اجابت منة بابتسامة صغيرة:
– يا حاج الكلام اللي وصلك وعرفناه من سمية دا مش مظبوط، قوم حضرتك بالسلامة واحنا هنفهمك كل حاجه، وعلى فكرة بقه سيف واقف برّه مقعدش من ساعة ما جينا، الخبر جالنا واحنا في اسكندرية وجينا على هنا على طول، وما ريّحش ثانية واحده في السّكة، ولما الدكتور سمح اننا ندخل هو رفض خاف عليك أحسن تنفعل لما تشوفه…
سأل عبدالهادي:
– انتو جيتو من اسكندرية مش من #مصر؟..
إلتقطت منة تردده وانتهزت الفرصة لتعضد كلامها السابق واجابت ببراءة مزيّفة:
– آه، احنا سافرنا يومين اسكندرية نغيّر جو، فرصة احمد اخويا هنا في اجازة، والخبر جالنا انهرده الصبح واول ما عرفنا جينا على طول، حتى بابا وماما كانوا عاوزين ييجوا معانا بس للاسف المشوار من اسكندرية لهنا طويل شوية وماما مش هتقدر تركب المسافة دي كلها ، بس أول ما ينزلوا القاهرة ان شاء الله هييجوا يسلموا على حضرتك على طول…
تقصدت منة أن تخبره برحلتهم الى الاسكندرية، فمعنى ذلك أن حياتهما سوية تسير بشكل طبيعي، بدليل سفرهم الى الاسكندرية بصحبة أهل زوجته، فلو كان ما سمعه صحيح لم تكن عائلتها لتسمح له بالاقتراب من ابنتهم ثانية، او الاجتماع بهم في أي أمر ، هي إذن لم تكذب!، بالفعل هي سافرت برفقة ذويها، وهو سافر بمفرده، ولكنها فقط خبأت عنه أن كلا منهما قد سافر بمفرده وان سفر سيف للاسكندرية كان بقصد اقناعها بالعودة اليه، كل هذا لا يهم ما يهم الان أن يشفى هذا الأب العظيم، وبعد ذلك لكل حادث حديث !!…
قطب عبدالهادي وتحدث في ريبة:
– الحديت ديه صُح يا بتِّي؟، انتو كلاتكم كنتو في اسكندرية سوا؟..
أقسمت منة قائلة:
– والله العظيم يا حاج، كلنا كنا في اسكندرية انا وبابا وماما واحمد ومراته وبنته ومعايا البنتين وسيف كمان…
ولم تستطع سوى قول ذلك، فهذه مهما كانت هي الحقيقة وهي لن تؤثم ، فهي لم تقسم بالله زورا وبهتانا، لقد أقسمت على تواجدهم جميعا في #الإسكندرية وهذا ما حدث بالفعل !!…..
تنفس عبدالهادي بعمق وأغلق عينيه وهو يعلّق بصوت ضعيف وان كانت الابتسامة قد ارتسمت على وجهه عميقا:
– ربنا يطمن جلبك زي ما طمنتيني يا بتّي، أجوم بس من وعكتي ديْ وأني أعرف مين إبن الفرطوس اللي جال الحديت العِفِشْ ديه على ولدي…
أجابت منة بابتسامة :
– انت بس شد حيلك وقوم لنا بالسلامة، واللي عايز تعمله كله اعمله، بس علشان خاطرنا، خلّي بالك من نفسك، يا حاج انت ضهرنا وسندنا، قوم لنا بسرعه يا حاج…
خرجت منة من غرفة الرعاية وأغلقت الباب خلفها لتستند بكتفها اليه وقد أغلقت عينيها زافرة بعمق إعياءاً ، انتبهت الى صوت سيف الهامس بجانبها ونبرة القلق تطغى على صوته:
– خير يا منة؟، طمنيني..
فتحت عينيها لتنظر اليه مجيبة بابتسامة شاحبة:
– الحمدلله، اطمن يا سيف، انا سايبه الدكتور معاه دلوقتي وان شاء الله خير ، عمي هيقوم لنا بالسلامة بإذن الله.
خرج الطبيب المعالج ونظر اليهما، ابتسم بأبوة وقال لهذا الشاب الذي لم يجلس دقيقة واحده منذ وصوله الى المشفى قلقاً على حالة والده الصحيّة:
– اطمّن، والدك تقريبا عدّى المرحلة الحرجة،…، نظر الى منة الواقفة تستند بضعف الى الحائط خلفها وتابع بابتسامة:
– تقريبا آنسة منة ليها الفضل بعد ربنا سبحانه وتعالى في تحسّن حالته الواضح دا، واضح جدا انه بيحبها أوي وتقريبا كلامها معاه الدقايق دي كان له مفعول السحر، اللي مقدرتش كل أدويتنا أو مُعدّاتنا تعمله هي بفضل الله عملته وفي اقل من عشر دقايق!!
نظر سيف الى منة بشكر وقال:
– أصل حضرتك متعرفش غلاوتها عندنا كلنا قد إيه، وهي بالذات ليها عند الحاج معزة خاصة جدا…
أومأ الطبيب موافقا وقال:
– واضح جدا، عموما تقدروا كلكم تروّحوا دلوقتي، مالوش لزوم قعدتكم كدا، وان شاء الله من هنا للصبح يكون مؤشراته الحيوية اتحسنت أكتر ونقدر ننقله أودة خاصة لغاية ما نحدد معاد القسطرة….
ثم استأذن منصرفا، في حين اقترب سيف من منة وهمس لها وهو يقف على مقربة منها مستندا بيده على الحائط بجوار رأسها:
– مش عارف أشكرك ازاي يا منة، انا معرفش انتي قولتيله ايه جوّه، بس اكيد حاجه خلّيت معنوياته ترتفع بالشكل دا، بجد أنا معرفش من غيرك كنت اعمل ايه!..
أشاحت منة بنظرها بعيدا وأجابت بهدوء:
– انت عارف ان عمي غالي عندي أوي، وعلى قد ما أقدر لازم أساعده انه يقوم بالسلامة، وفي الاول والآخر الشفا دا بإيد ربنا سبحانه وتعالى، واحنا كلنا أسباب…
همّ سيف بالكلام عندما قاطعه صوت والدته التي وقفت بجوارهم مستندة الى ذراع سميحة ابنتها من جهة وسمية من الجهة الأخرى تستفسر عن حالة زوجها ولماذا لم يدعها تدخل اليه كما فعلت منة، ليجيبها سيف أن حالة والده الصحية قد استقرت وأن الفضل في ذلك يعود الى منّة بعد الله سبحانه وتعالى، وأخبرها بضرورة عودتهم، وعدم جدوى بقائهم بالمشفى أكثر من ذلك، فوافقت بعد عناء كبير، ولكنها قبل ان تهم بالسير منصرفة، تركت يد ابنتها سميحة وأشارت الى منة قائلة بابتسامة حانية مترددة:
– ممكن أتسند عليكي يا بتِّي؟!!…
نظرت منة بدهشة الى حماتها تلك السيدة التي كانت حانية عليها أول الأمر ثم ما لبثت أن تبدّلت قليلا بسبب تأخر حملها أول الزواج، لتعود وتنقلب عليها ما ان رزقها الله ببنتيْن ولم تنجب ذكورا كما لم يحدث حمل آخر من وقتها، استغربت من هذه السيدة قوية الشكيمة والتي لم تكن تمتنع عنها الا بأمر من زوجها، هو الوحيد الذي كان يدافع عنها بل ويزجرها إن سمعها وهي تلقي اليها بكلمات جارحة، لم تكن منة أبدا تشتكي سواءا له أو لزوجها، بل كانت تلجأ في شكواها الى الله وحده، لم تكن تفصح عمّا يحزنها حتى لأقرب المقرّبين منها، ولا حتى لوالدتها نفسها !!…
ابتسمت منة وتناولت يد حماتها قائلة:
– انت تؤمري يا حاجّه، وإن شاء الله الحاج هيقوم لنا بألف سلامة….
امسكت حماتها بيدها وقالت لسيف:
– سيف يا وَلَديْ، بناتك هيرجعوا معانا في عربية فضل زوج أختك سميحة، وانت هات معاك سمية وسلمى وحصّلنا، بس لَوّل مشّي الرجّالة مالوش عازة وجفتهم إهنِه….
قطب سيف معترضا:
– طب ما أروحّكم أنا يا أمي وسمية وسلمى يركبوا مع فضل؟
نظرت اليه والدته قائلة بصوت منخفض ولكن بجدية تامة:
– البنات خلاص ركبوا مع فضل، وبعدين أنا عاوزة مَرَتَكْ معايْ أتسند عليها، اعمل زيْ ما جولتلكْ !!، وانصرفت زينب محاطة ببناتها تحت أنظار سيف المندهشة !!…
**************************************************
جلست زينب فوق فراشها تساعدها منة، كانت زينب قد صرفت بناتها كل واحده الى منزلها فيما عدا سلمى بالبطبع التي رافقت بنات أخيها تحت إلحاح من زينب لغرفتهما في الجناح المخصص لسيف، حيث تقوم بالاشراف على اغتسالهما تساعدها مهجة الخادمة، وقد أمرتها زينب بأن تهتم بإطعامهما فمنة متعبة ويجب عليها الخلود الى الراحة، اعترضت منة باديء الأمر ولكنها سرعان ما أذعنت تحت إصرار كبير من حماتها…
جلست زينب الى الفراش وهى تتنهد وطالعت منة التي وقفت بجانبها لترى إن كانت تريد مساعدتها في شيء آخر قبل أن تنصرف للاهتمام ببناتها فهي لم تعتد على أن يراعي شؤون بناتها غيرها…
ربتت زينب بيدها على الفراش بجوارها قائلة:
– تعالي يا بنيْتيْ، إجعُدي جاري إهنِهْ…
جلست منة حيث أشارت زينب التي نظرت اليها بابتسامة حانية قبل ان تتحدث قائلة:
– جَبْلْ أي حاجِّه أني عاوزة أشكرك و…أتأسف لكْ!..
شهقت منة معترضة:
– تتأسفي لي على إيه يا حاجة، ما فيش أم بتتأسف لبنتها، وبعدين أنا معملتش حاجه تستحق الشّكر!!..
ترقرقت الدموع في عيْنيْ زينب وهي تقول:
– كلامك دِهْ أكبر دليل إنك تستحجي الواحد يشيلك فوج راسه شيل….
اعترضت منة بشدة:
– حاجة لو سمحتيلي لو حضرتك فضلتي مصممة على حكاية الأسف والأعتذار دي أنا هقوم !..
ابتسمت زينب وقالت وهي تمسكها ما إن همّت بالنهوض بالفعل:
– استني بس، إصْبُريّ، ما تُبْجيشْ حنبليّة إكدِهْ……
انتظرت حتى جلست منة ثانية قبل ان تواصل حديثها وهى تلتفت اليها بكليّتها:
– يا بتّي اللي غُلط لازمن يعترف بغلطه، وما تجاطعنيش، سيبيني أجول اللي في نفسي..، قالت هذا عندما شاهدتها تحاول مقاطعتها، أذعنت منة بالموافقة مومئة بصمت فأكملت زينب حديثها:
– أولا.. أنا سمعت الدَّكتور وهو بيجول أن الحاج صحته اتحسّنت بعد ما دخلتي عنديه، علشان إكده لازمن أشكرك، أنا متوكدة إنك جولتيله حاجه عن اللي حوصل وكان السبب في اللي جراله، دي حاجِّه، الحاجّه التانية اللي لازمن أجولها، إني غلطت في حجّك لما كنت بلجّحْ عليكي بالكلام في الرايحة والجاية، وانت عمرك ما رديت عليّا بحرف واحد، حتى عمرك ما حكيتي لجوزك، لأنك لو كنت جولتيله كان لازمن هيفاتحني ويعاتبني، ولدي وأنا عارفاه زين، ميعرفش يداري اللي في جلبُه، الوحيد اللي كان بيسمعنا بالصدفة كان عمك الحاج، وهو اللي كان ياما بيزعل منّي ويجولِّلي بكرة تندمي يا زينب على حديتك الماسخ دِيه مع بنت االناس، لما تعرفي معدنها صُوح تمام زي ما أني جَريتْها من أول مرة شوفناها هي وأهلها فيها، ربّك والحاجْ أنا كنت بغير منِّيكي !!..، طالعتها منة بدهشة وتساؤل فتابعت زينب اعترافها بخجل:
– ما هو أصلي حاسيت إنك أخدتي ولدي منّي، ومش بس إكده لا وزوجي كُمَانْ !!، لما كنت بتكلم مع سيف على انكو إتأخرتوا في الخلفة كان بيجفِل الكلام في ساعتها ويجوللي أنا مبسوط معها وان ربنا راد عطانا من فضله، دِيه كرم ربنا سبحانه وتعالى، ما رادشْ يبجى ديِه نصيبنا من الدنيا وأني راضي بيه، أي حاجه تهون إلا أن منة تبعد عنّي !!، عارفة وجتها كنت بحس بنار بتجيد فيّا ، جَدْ إكدِهْ وَلَدِيْ بيحبك وبيخاف على زعلك وكل مرة لازمن يأكد عليّا ماجبلكيش سيرة الموضوع دِيه واصل!، ولما الحاج سمعني في مرة بعد ما ربنا عوّضك بهَنا وفرح وأني بجولك أنك لازمن تخاويهم بولد علشان يشيل اسم العيلة من بعد أبوهم بعد عمر طويل يا رب، سَمَّعني كلام جامد جوي، كان بيجول الولاد دول عطيّة ربنا، انتي هتدخلي في رزج ربنا لولدك؟!، ولما جولت له أن الشرع محلل للراجل مش بس واحده لاه… أربعة كمان، جالي تجدري تتوكدي كيف إنه برضيك هيجيب ولاد؟، ما يمكن خلفته تكون كلاتها بنات !!، وجتها كنت بسمع من ودن وأطلع من التانية، لغاية ما عرفنا بحكاية سيف وإنه أتزوج عليكي ، وجتها أني مافهمتش هو ليه الحاج إتعصب جوي إكده، وجولت له حجُّه يتزوج علشان الوِلد!!، وجْتها صرخ فيّا جامد وجالي ابنك جاب لنا العار وحط راسنا في التراب، يا ريتني ما خلفته، يا ريت خلفتي كانت كلاتها بنات، هوّ دِيه الوِلد اللي أنت عاوزاه لولدك؟، الوِلد اللي يجيب لأهله العار يُبجى جلِّتُه أحسن !!، و….وِجِعْ في لحظتها، جريت عليه ابكي وأنوح وخصوصي كمان لمان سلمى جات لنا.. الناجِص منعم زوجها طردها بعيالها من البيت، هو ديِه كمان اللي خلاه يتعصب ويتنرفز بزيادة وجِه كلامي معاه غطّى ووطّى، بصي يا بتّي أنا معرفاش إنتي جولتي إيه للحاج، ومافهماش ايه اللي حوصل بالظبط من سيف ولديْ، لكن اللي حاسّاه إنه عمل حاجه وعرة جوي، صوح ولا لاه؟…
لم تستطع منة الانكار، والتزمت الصمت بينما بدأت عيناها تسبح بالدموع، ربتت زينب على يدها الموضوعه في حضنها وقالت بلهجة حانية:
– منة يا بتّي.. يشهد ربنا إن غلاوتك زادت في جلبي، وانك بجيتي كيف بناتي الاربع وأكتر، أني عاوزاكي تصارحيني بكل حاجه، واطمني الحديت اللي بيننا دلوكيت مش هيطلع لحد واصل ولا للحاج ذات نفسيه، بس لازمن أعرف ابني عمل إيه؟!، يمكن الكلام اللي جولتيه للحاج صدّجُه، لكن انا ستّ يا بتّي، والست ما تفهمهاش غير ستّ زيّيها، واني إحساسي بيجولي إنك موجوعه من جواتك!، علشان إكده لازمن أعرف كل حاجه…
لم تستطع منة التزام الصمت أكثر من ذلك أمام حنان حماتها، فهي لم تتحدث مع أيّ كان في هذا الأمر حتى والديْها إكتفت بما علموه من شقيقها، ولكنهم لم يفاتحوها في هذا الأمر خوفا عليها من تذكيرها بما لن تنسَه يوما !!، نظرت الى زينب وقالت ودموعها بدأت تسيل بصمت :
– هحكيلك يا حاجة، لأني بجد تعبت أوي، وفعلا أنا موجوعه أوي أوي… قلبي وجعني أوي يا حاجه، أوي….
وطفقت منة تروي لحماتها كلّما حدث منذ لحظة اكتشافها خيانة سيف لها حتى وقتها هذا….
احتضنت زينب منة بين ذراعيها والتي انخرطت ببكاء حار بعد انتهائها من سرد حكايتها، ربتت على ظهرها وهي تقول بحزن:
– إبكي يا بتّي، لو البُكا هيريّحك إبكي…
منة من بين دموعها المنهمرة كالشلال وشهقات بكائها الحار بصوت متقطع من شدة البكاء:
– مش.. مش عارفة .. أعمل… أعمل إيه؟، تعبت… تعبت والله..، لا أنا قادرة أنسى ولا أنا قادرة أسامح وأصفى ، وبردو مش عارفة أعمل ايه، بناتى صعبانين عليّا ونفسي صعبانة عليّا أكتر!!، أعمل ايه .. شوري عليا أعمل ايه؟!!..
قالت زينب وهي تشاطر منة بكائها رغما عنها:
– بس يا بتّي بس، كفاياكي بُكا يا ضنايا، جومي إغسلي وشِّك بشويَّة مايَّة إهنه في الحمام اللي جصادك ديه وبعدين تعالي وأني هجولك نعمل ايه…، ورغبة منها في التخفيف عن منة قالت بمزح خفيف:
– عمك الحاج واحنا بنجدد الصرايا، صمم إنه يعمل زيْ حداكو في البندر، حط في كل دار حمام ، وجالي – وضخّمت صوتها مقلّدة زوجها – هُمّا بتوع البندر يا زينب أحسن منينا في إيه…، جومي يا بتِّي جومي …
ابتسمت منة من وسط دموعها وقامت لتغسل وجهها، ثم عادت ثانية وجلست بجوار حماتها التي تحدثت بهدوء:
– لوّلْ انتي لساتك رايدة سيف ولدي ولا لاه؟، وجبل ما تجاوبي، انسي أي حاجه تانية، جلبك لسّاته رايده؟!…، نظرت منة الى أسفل وأجابت بألم:
– لو كان قلبي كرهه ما كنتش اتوجعت منه أوي كده، ما كنتش لسه على ذمته…
ابتسمت حماتها وأجابت :
– حلو جوي، ثم تابعت بهدوء:
– اسمعي منّي بجه وشوفي هنعمل فيه ايه…، اعترضت منة قائلة:
– أنا مش عاوزة أعمل ولا أسوي، أنا عاوزاه يسيبني أنا وبناتي في حالنا، يا حاجه اللي سيف عمله مش شويّة !!…
قالت زينب بجدية:
– منة يا بتي… اللي هجولهولك ديه مش علشان مَرَتْ ولديْ، لاه.. لو كان اللي حُصلّكْ ديه حُصُل لحدا من بناتي كنت هجولها نفس الكلام ، ما تخربيش بيتك يا بتّي، ما تسيبيش واحده ولا تسوى في سوج الحريم معدن تخطف زوجك منّك، بالعكس إنت تمسكي في زوجك بإيديكي وسنانك وفي نفس الوجت تاخدي بحجّك منه تالت ومتلّت !!..’، بس لوّل في حاجه مش فاهماها!!..
تطلعت منة اليها وهى تمسح وجهها براحتيها وسألتها:
– حاجة إيه دي؟..
أجابت زينب في حيرة:
– الكلام اللي طلع عنْدِنا إهنِه أنه مشي مع واحده متزوجة، لكن إنتي بتجولي انه عرفها عن طريج السوخام اللي اسمه البت ولا النت ديه، يُبجى اتزوجها كيف طالما هو عمره ما شفهاش ولا جعد معاها؟، ايه زواج بالمراسلة؟!!..
ابتسمت منة بكآبة وقالت:
– تمام يا حاجه، هو دا، زواج بالمراسلة!!..
تساءلت زينب في حيرة أكبر:
– معلهش يا بتّي ما تواخذنيش، يُبجى خانك كيف وهو بالمراسلة؟، ازاي اتجوزها ؟..
سكتت منة ولم تعلّق في حين تابعت زينب متمتمة بحيرة كأنها تخاطب نفسها:
– الله، اتزوجها كيف وكيف خانك، ومنين بيجولوا انه لهم تصاوير على المخروب ديه؟، تاجّي إزايْ ديْ؟!!..
وطالعت منة في حيرة التي أشاحت بنظرها بعيدا ولم تُحر جوابا فهي لا تعلم كيف تشرح لها خيانة ابنها لها وما فعله بـ…..المراسلة، كما سبق وقالت!!…
قالت زينب عندما لم تجيبها منة على تساؤلها:
– عموما، ديه مش موضوعنا، انت تجومي دلوكْ تروحي دارك وتتسبحي، وأني هخلي سلمى تبعت لك الوكل مع مُهجة، أما بجه الباشي مهندز… فأني هعرفك ازاي تربيه من أول وجديد…، وارتسمت ابتسامة مكر على شفتيها ومالت على أذن منة تهمس لها بخطتها مما جعل منة تحمر خجلا و…..حماساً!!..
**************************************************

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *