سقطت الأقنعة4
الجزء الأخير
(45) الفصل الخامس والأربعون
وقفت تتأمل فستان زفافها المعلق في دولابها وهي لا تُصدق أن طارق قد بعثه لها .. ونظرت الي أعين والدتها واخواتها وهم يُطالعونها بسعاده .. مفاجأة قد فعلها لها مع أحدي اخواتها .. ولم تكن تعلم بشئ .. وسقطت دموعها وهي تُلامسه بسعاده .. سعاده لا تستطع وصفها ..وكأن بياضه يجعل الروح والقلب مثله .. وأتسعت أبتسامتها وهبطت معها دموعها ..فأخيرا سيتحقق حلمها الذي فقدته في محنتها التي أرتضيت بها
ومسحت دموعها وهبطت بجسدها نحو حقيبتها .. كي تبحث عن هاتفها وعندما وجدته ..بدء يدق بأسم من عادت للحياه لأجله وسمعت صوته الدافئ : تعرفي مش قادر استني اللحظه اللي هشوفك فيها بيه .. يارب الايام اللي باقيه تمر بسرعه ..
وتنهد بحب : نفسي أحضنك وأقولك اني بحبك وهفضل عمري كله أحبك ياسهيله
……………………………………………………….
جلسوا ثلاثتهم وكل منهما تشكوا بؤسها للاخري
لتزفر خديجه أنفاسها وهي تقزقز حبات اللب : لأما عمتي تموت او عمه يموت
وتنهدت وهي تُطالع صديقاتها : انا نحس مش كده
لتُحرك كل من حنين وزينب رأسها .. وانفجروا ضاحكين
وكادت ان تقف وتضربهم بحقيبتها الا ان نظرات الناس المحيطه بهم بالمطعم جعلتها تجلس وتُطالعهم بشر
وصمتوا قليلا … ونظرت زينب الي كأس عصيرها ثم بدأت ترتشف منه بحنق : انا قررت أسيب الشغل
وفجأه وجدت فاهين مفتوحين من الصدمه :
انا مش هستحمل اكتر من كده ..
وتابعت وهي تتذكر نظراته وتصرفاته الغريبه التي تظن بأنها غيره ثم يُخبرها هو بكل وقاحه انها مجرد صديقه يخشي عليها
ومدّت يدها نحو الطبق الموضوع به حبات اللب .. وبدأت تأكل به بغل : هو شايف نفسه عليا ليه .. مش عشان حلو شويه يبقي هيشوف نفسه
ونظرت الي حنين التي علي معرفة بشكل فادي : شويه
وتذمرت بحنق : شويتين مش شويه كده عجبك
فضحكت حنين .. لتجذب خديجة منها الطبق الذي أحتار بينهم وضحكت : بيغير يابنتي عليكي .. بس بيداري مشاعره
النوع ده انا عرفاه اكرم كان كده
وتسألت وهي تعود لتقزقز مره أخري : هو مش فادي ده نصه لبناني ونصه مصري
فحركت زينب رأسها بيأس .. لتُتابع خديجه : بس اظاهر ان النص المصري غطي علي النص اللبناني
فتنهدت زينب وهي تتأملهم : قولولي حل أعمله معاه قبل ماأتشل
وبدئوا يفكرون .. لتنطق حنين بسرعه : قوليله انك هتتخطبي
فتسألت وقد أعجبتها الفكره : ازاي
لتُطالعهم خديجه : فكره عبيطه .. متسمعيش كلامها
ولمعت عين زينب عندما بدأت تفهم كيف تفعل ذلك
وتنفست بخوف : لو بيحبني اكيد هيظهر مشاعره … غير كده مش هفرق معاه .. انا مش هفضل متعلقه بين الامل والخوف
وساد الصمت بينهم وكل منهم تفكر في حياتها .. حتي نظرت حنين الي كأس المثلجات خاصتها وبدأت تأكلها بشراهة وهتفت : انا عايزه أشتغل .. وزين مش راضي
فطالعتها كل من خديجه وزينب ضاحكين ..وكل منهم يري حكايته البائسه تنتهي بالضحك دون حلول
………………………………………………………….
نظر الي الورقه التي امامه وهو لا يُصدق بأنه قد رسمها
فهي أصبحت تشغل عقله بقوه في الأوان الاخيره ..
اصبح يري فيها امرأته .. وتنهد بأرهاق وهو يفرك عينيه :
عملتي فيا ايه يازينب ..
وأمسك هاتفه .. لينظر الي بعض الصور التي جمعتهم في باريس وأبتسم عندما تأمل ابتسامتها الجذابه ..
ومدّ بأناملها نحو شاشة هاتفها وبدء يُلامس وجهها وهو يتخيل لو كانت الان امامها يُلامسها
وبدء عقلها يسبح في هيئتها وتصرفاتها .. وكلما فكر بها كان يري فيها ….
وحرك رأسه دون هواده ويأس وهو يصرف عن ذهنه ما يتخيله
………………………………………………………….
تأمل رسالتها النصيه وهي تخبره برحيلها .. رحيلها الذي جعله يُسافر لدولة اخري من أجل مؤتمر طبي كان من الممكن ان يعتذر عنه .. ويظل معها هذه الأيام قبل عودتها
ولكن هو قرر ان يبقي بعيدا ..
ونظر الي الرساله بألم وهو يري كلماتها :
الظاهر كل اللي عشته معاك كان مجرد حلم جميل وانتهي ..
انا مش هكون ضعيفه زيك واخبي مشاعري … انا حبيتك بجد ياعمر .. أقصد يادكتور
فأغمض عيناه بقوه وهو يري لحظاتهم الجميله معاً ..
وقبض علي يديه بقوه وقلبه يُصارعه .. يُخبره أنه احبها ولن تعود حياته مجددا كما أراد وخطط
…………………………………………………………
هبطت الطائره في الظلام وعادت هي بقلب تائه من حب لو علمت انها ستذهب اليه ما ذهبت …
وأبتسمت وهي تري كيف الحياه صغيره .. ذهبت لتشفي أوجاعها وعادت بوجعاً جديد تُريد أن تُشفي منه
وسارت بجسد متهالك ووجه لا يُعبر عن الحياه وهي تجر حقيبتها خلفها وسقطت دموعها خلف نظارتها فلم تعد تقوي علي حجبها
وتنفست بأنفاس ضائعه بعد ان غادرت المطار ووقفت تتأمل حركة الناس حولها وقلبها يُخبرها انه ضاع معها
وسمعت صوت يُناديها ..فقد كان سائق زين
واتجهت نحو السياره واردفت داخلها وهي تزيل نظارتها
ولا تعلم ما عاشته الشهور الماضيه أكانت مجرد خدعه ام حقيقه ستكتمل ؟
…………………….
ترجل من سيارته بخطوات متثاقله وبخطي بطيئه منهكه بدء يصعد الدرجات الرخاميه القليله .. ووقف يتنهد وهو يلتف نحو سائقه بعدما هتف بأسمه .. واقترب منه السائق يُخبره عن مجئ رحمه اليوم وانه أصطحبها لشقتها منذ ساعات بعدما أخبرته هي بموعد رحلتها كي ينتظرها .. فطالعه بنظرات هادئه وزفر أنفاسه وهو يفكر لما لم تخبره عن موعد قدومها
وأكمل طريقه بعد أن أشار لسائقه بالانصراف وصرف ذهنه عن هذا الأمر .. فاليوم كان حافلا لديه من أعمال ومقابلات عدة وقد أصبحت قواه لا تحتمل مزيد من الأرهاق والتفكيروكاد ان يصعد للأعلي الا انه لمح طيفها تجلس بحجرة الجلوس بأسترخاء وامامها العديد من الأطباق .. وعندما سار نحوها تبين وضوح ما رأي .. فهي تأكل بنهم شرائح التفاح .. وأمامها طبق أخر يحمل قطع من الكعك وتشاهد التلفاز بأستمتاع .. رؤيته لها في تلك الحاله جعلته لا يعلم ايضحك علي هذا الهم أم يستمتع .. فبعد يوم طويل مرهق يعود لمنزله وبدلا من أن يجد زوجته تنتظهره بكامل زينتها واناقتها يراها علي تلك الهاله المبعثره … بل وكل تركيزها علي التلفاز وسمع صوتها اخيرا : زين انت جيت
فضحك ساخرا وهو يُطالعها : بيتهيألي
فعقدت حاجبيها وزمت شفتيها وهي تستمع لبنرته المتهكمه .. واقترب منها وهو يتأمل المكان متسائلا :
ايه اللي مصحيكي لحد دلوقتي
فنظرت للساعه فوجدتها قد اقتربت من منتصف الليل .. وهمست بتعب من كم الطعام الذي أكلته : كنت مستنياك .. انت اتأخرت كده ليه
وكاد ان يُجيب علي سؤالها الا ان أصوات عجيبه صدرت من التلفاز جعلته ينتبه لما تشاهده ..
وحدق بصدمه لما تراه هي :بتتفرجي علي عالم الحيوان … وكمان قرود ياحنين
ونظر بأسف علي حاله : قرود .. ناويه تخلفيلي قرد شكلك
فتعالت ضحكاتها .. وتركت الطبق الذي كان بيدها واقتربت منه تداعب وجهه بيديها وتُحرك أنفها بأنفه .. حركه ناعمه هادئه جعلته ينسي حنقه منها وينسي أرهاقه وكأن لمساتها كالمخدر .. وهمست بحب وهي تتأمل صفحات وجهه التي تعشقها : لاء هخلف راجل جميل وحلو زي باباه
فأبتسم بمشاغبه وهو يُحاوط وجهها بكفيه : قعدت البيت طلعت مفيده وخليتك تقولي كلام حلو .. ونظر للمكان حوله ثم تابع : بصرف النظر عن اللي انا شايفه دلوقتي
ونهض من أمامها وهو يتأمل ما يعرض علي التلفاز ساخطا : هتطلعي معايا تنامي ولا هتفضلي هنا مع القرود
فضحكت بقوه وهي تري نظراته المتذمره وتنهدت وهي تغلق التلفاز : لاء كفايه كده .. انا كنت قاعده بتسلي لحد متيجي
ورفعت عيناها نحوه وتلك الفكره تلح في عقلها .. فهي لا تتذكر يوماً طلبت منه هذا الشئ ولكن اليوم قررت أن تطلبه منه دون ان يفعله هو من تلقاء نفسه : شيلني يازين
وكان قد ألتف بجسده كي يسبقها لأعلي وينعش جسده بحمام دافئ ثم يسترخي ولكن طلبها اوقفه وعاد يُطالعها متسائلا : نعم
وضحك وهو يري ملامحها التي تغيرت سريعا واصبحت حانقه وتسأل : وايه المناسبه
رده الفظ جعلها تشتعل غيظاً وهتفت بحنق قبل ان تنصرف من امامه لاعنة نفسها وما شاهدته في احدي المسلسلات : هو لازم يكون في مناسبه ..
وتابعت وهي تتحرك من أمامه : مش عايزه أتشال خلاص
فتمالك ضحكاته وهو يري تصرفاتها .. وألتقط ذراعها قبل ان تتحرك خطوه اخري : لاء وعلي ايه وتفضلي فكرهالي طول العمر ..
وحملها بخفه بعد اعتراضها الطفولي لما فعله في البدايه ولمح نظرة سعاده في عينيها وبدء يصعد الدرجات متسائلا وهي يضحك : فرحانه
فعانقته وهي تشعر بسعاده ممتعه … وأقترب من أذنها وظنت انه سيهمس لها بكلمات عاشقه الا انه :
وزنك زاد ولا انا اللي كبرت
فحدقت به بعبوس : انت اللي كبرت
وما كان منه الا انه انفجر ضاحكا ووضعها علي الفراش برفق : انا اللي كبرت ولا انتي اللي وزنك زاد ..
وقبل ان يُكمل باقي سخريته وجدها تنهض من فوق الفراش وتذهب نحو المرآه تتأمل هيئتها بحزن
وتركها وأتجه نحو غرفة الملابس ثم بعدها للمرحاض وهي مازالت واقفه تنظر لجسدها الذي امتلئ بعض الشئ
وعاد اليها يحتويها بذراعيه هامسا لها بكلمات دافئه أسرتها
………………………………………………………….
وضعت أمامه أستقالتها وقد عزمت عليها بشده .. فقلبها بدء يخونها برسم عالم وردي لن تتحمل نتائجه عندما تتلقي صدمة انه لا يراها ولا يُحبها .. وتذكرت ما خططت له مع حنين ولكن تلك الحيله اشعرتها بأنها أمرأة ضعيفه وهي لم تكن يوما بذلك الضعف … فأذا كان حبه نصيبها فسيأتي لها دون خطط واذا كان لا .. فالبعد هو أفضل طريق كي تنقذ قلبها قبل أن يسقط صريع حب بائس
فتأمل فادي تلك الورقه … ثم نظر اليها بغضب : ايه ده
فتنهدت وهي تطالعه بهدوء يقتلها : استقالتي .
ظلت الكلمه تدور بعقله وهو يشعر بأنه لا يُريدها ان ترحل من أمام عينيه .. بها شئ عجيب يجذبه يوماً بعد يوم ولولا شجارهم في رحلة باريس لكانت الامور أختلفت تماماً
فالشجار لم يكن سوي غيرة وغضب صبهم عليها بعدما رأي اهتمامها ب” عمر” ولكن بدل ان يصلح الامر ويعتذر اخبرها ان الامر لا يعنيه
لا يعلم لما أصبح فظاً هكذا وهو دوما ما كان الا رجلا يتعامل مع النساء بكل فنون الذوق ولكنه قد تغير واصبح شخصا لا يعرفه حتي اليوم يشعر وكأنه رجلا أخر
وألتقط قلمه وبدء يسطر الورقه بكلمتان .. قد ظنتهم امضائه علي طلب استقالتها ولكن عندما ألتقطت الورقه وجدت
” طلبك مرفوض ”
فحدقت به بخليط من السعاده والغضب .. غضب أظهرته كي تحمي قلبها وتخبر عقلها بقوتها وسعاده أرادت ان تشعر بها داخلها وأبتسم وهو يتأملها بنظرات جامده : أرجعي علي شغلك وبلاش لعب عيال
واكمل وهو يطالع بعض التصميمات التي أمامه وقد تركها تغلي من القهر : احنا حاليا في موسم مهم والاصدار الجديد قرب عرضه يبدء .. نبقي نتكلم في موضوع الاستقاله ده بعد ما العرض ينتهي
وخرجت الكلمه دون قصد منها وهي تُغادر : غليظ
وأنصرفت من أمامه ..وهي تضرب الأرض بكعب حذائها بقوه .. لتتسع أبتسامته وهو يُطالع طيفها وحروف الحب تسطر داخل قلبه وهو لا يشعر بأنه بدء يرفع حصونه ويسقط قناعه الذي وضعه بعد فشل اول حب قد ظنه حباً
………………………………………………………….
جلست ليلي في عالمها الذي تعشقه وسط سطور الكتب .. فقد أصبحت مكتبته هي عالمها حقاً عالم يجعلها تري في سطوره فلسفه لم تعهدها .. لم تكن من قبل تهوي تلك الفلسفه
كان كل ما تهواه رواية بها الكثير من مشاعر الحب التي تفقدها .. مشاعر يبحث عنها
القلب كالمحروم ولكن اليوم أصبحت حياتها كروايه .. روايه بها كل شئ ألم وسعاده حزن وحب وامومه تنتظرها من رجل احبته وأغلقت الكتاب الذي كان بيدها وبدأت تسرح في حياتها وابتسمت وهي تتذكر ذلك النعيم الذي أصبحت فيه وقد عوضها الله به
وفجأة دلفت امرأة حسناء وقد فزعت عندما رأتها وبدأت تعتذر : انا أسفه .. مكنتش اعرف ان في حد هنا
وتابعت بلهجه سريعه : انا سكرتيرة دكتور اياد .. وجيت اخد ملف نسيه علي المكتب
فنهضت ليلي من مقعدها واقتربت منها وظلت تتأملها وهي لا تُصدق ان هذه هي سكرتيرة زوجها .. وبدأت تتفحصها من قدميها الي شعرها المصفف بعنايه ..وهي تشعر بمزيج من الغيره والغضب .. زوجها يجلس ساعات طويله مع تلك المرأة وتسألت دون وعي : اسمك ايه
فتعلثمت رانيا في الحديث وفركت يديها بتوتر وخرج صوتها الرقيق الناعم : رانيا يافندم
وبدأت تعدل من خصلات شعرها التي سقطت علي وجهها وعين ليلي تتسع بشده وهي تتسأل داخلها
هل تفعل ذلك امامه؟ .. كيف يراها ؟
ودلف سليم للحجره راكضا نحو ليلي يخبرها بقدومه من مدرسته وعندما رأي رانيا طالعها بأستغراب .. ولكن هي لم تستعجب فهي تعلم بأنه لديه طفل
وتسأل وهو يتأملها : انتي مين
فأبتسمت رانيا بهدوء وهي تطالعه : انا رانيا
وتابع الصغير : رانيا مين
فأنحنت نحوه تداعب خديه بود وتتذكر حديث معتز اخيها عنه دوما عندما كان يذهب لزيارتها من حين لأخر : السكرتيره
وشعرت بالخجل عندما بدأت تري نظراتهم تحاوطها .. وأقتربت من الملفات الموضوعه علي سطح المكتب واخذت الملف الذي أتت من اجله وهمست برقه : عن أذنك يافندم
وانصرفت من امامهم سريعا وهي تشعر بالتوتر ..
وفاقت ليلي من تأملها علي صفير سليم : حلوه اووي ياليلي
كلمات الصغير كانت كصافرة التنبيه بالنسبه لها وابتلعت ريقها .. فأكمل الصغير : احلي من سكرتيرة بابا القديمه اللي كانت بتجبلي شيكولاته
وانصرف الصغير سريعا بعدما تذكر شيئاً سيفعله
وبدأت هي تُردد اسمها : رانيا .. ودون شعور منها اكملت :
رانيا الحلوه
وهزت رأسها بيأس وغيره : لاء انا لازم اعرف كل حاجه عنها
وتذكرت حسنيه وذهبت اليها تسألها عنها فضحكت حسنيه وهي تتأملها : ياستي ديه رانيا اخت معتز
وبدأت تسرد لها حكايتها منذ زواجها من رجلا لا يعرف معاني الرجوله الي طلاقها منه بصعوبه ..
وتنهدت حسنيه : بس ياستي ومعتز وصي اياد عليها قبل ما يسافر سنة الاعاره اللي جاتله .. واياد شغلها سكرتيرته
وعندما رأت حسنيه شحوب وجهها تسألت : مالك ياليلي ياحببتي
ومسكت بيدها كي تجلسها علي احد المقاعد : تعالي اقعدي يابنتي لحد اما اعملك كوباية لبن دافيه
وانصرفت حسنيه لتتركها في دوامة ماتشعر به
………………………………………………………….
يومان تجلس هكذا لا تخرج ولا تُحادث احداً ..تجلس شارده في حياة ذهبت اليها كي تعود قويه ولكن هيهات عادت اضعف مما كانت ..عادت بخيبة أمل جديده عادت بقلب دامي يعيش علي الذكريات وظهرت أبتسامه طفيفه علي محياها وهي تتذكر وسامته وابتسامته وبعض المواقف التي كانت بينهم
ذكريات ومشاهد تقتلها .. وما أقبح ما تعيشه ثم يكون كمجرد ذكري عالقه في قلبك وعقلك
وخرجت آه ضعيفه من فاها وأخفضت رأسها أرضا واحتوت وجهها بكفيها وهمست بأنين : رجعتي ضعيفه يارحمه .. رجعتي أضعف ما كنتي
وتابعت بألم : ليه ياعمر .. ليه دخلت حياتي وانت لسا عايش في الماضي
وسقطت دمعه من عينيها وألتقطت هاتفها لعلها تجد أتصالا منه او رساله ولكن لا شئ .. لا شئ منه وكأنها كانت طيفاً
وما أصعب ان يكون وجودك مثل عدمه عند من تظنهم هم هوائك
وابتسمت بأسي وتذكرت زين .. تذكرت من تُريد ان تذهب اليه لعله يُداوي جرحها .. زين الرجل الذي اليوم اكتشفت ان حبها وتعلقها به المرضي ما كان الا شعور بالامان والسند وكأنه ابيها … كم انت عجيب ايها القدر محطاتك دوما تجعلنا نري الحقيقه .. نري ان الحب الذي كنا نظنه حب ماكان الا شعور لا نعلمه .. وان الخير الذي كنا نظنه بشئ ما كان الا شراً لا ندركه … وان الشر الذي أرهبنا ماكان الا خيرا عظيما كنا نجهله
وبدأت تتفحص هاتفها.. تتمني لو ان تجد له شئ تعرف من خلاله أخباره
ووجدت صوره حديثه يبدو انها وضعت اليوم تجمعه مع فريق طبي .. فتأملت وجه الشاحب وابتسامته الجامده وقلبها يشتاق اليه وهي تتمني لو ان الفراق لم يكن نهاية حكايتهم
………………………………………………………….
وقفت ليلي تتأمل هيئتها بالمرآه وهي تبتسم لما أصبحت عليه .. ليردف لداخل الحجره بأنهاك دون النظر اليها .. فأقتربت بدلال ليس من طباعها وعانقته بشوق : وحشتني
فأبتعد عنها بصدمه وقد شعر بغرابة الامر .. ولكن الصدمه الحقيقيه رؤيتها بهذه الهيئه الجميله المنمقه تسأل بدهشه :
ليلي انتي طبيعيه ياحببتي النهارده
فطالعته بعبوس وتابعت : انا عارفه اني بقالي مده مش بهتم بيك ..
وعادت تُعانقه ثانية وعضت علي شفتيها بقوه من شدة خجلها لما ستخبره به : الدروس وحشتني علي فكره
وأبتعدت عنه تخفض رأسها أرضا وقد تورد وجهها من الخجل .. فوقف يعيد الكلمات علي عقله الي ان انفجر ضاحكا وهو لا يُصدق بما تفوهت به .. ليلي زوجته الخجوله تخبره عن اشتياقها له وللمساته
وانحني نحوها ووضع جبينه علي جبينها : يااا اخيرا ياليلي
فنظرت اليه بأعين هاربه وهي تتمني ان لو لم تتفوه بتلك الكلمات ولكن بعدما رأت النساء اللاتي تُحاوط زوجها .. فلا بد ان تصبح أمرأه كامله .. امرأه تعلم فنون الدلال أمرأه تتقن فنون الخجل والجرئه معا
………………………………………………………….
تقلب علي فراشه وهو يطلب من سلطان النوم ان يرحمه ويفرض ظلامه عليه من تلك الذكريات… ذكريات تجمعه بزوجته القديمه وذكريات تجمعه بتلك التي أقتحمت حياته
وهمس بأنفاس مرهقه وهو يتذكر زوجته الراحله :
” آه ياعمر منك .. نسيت عهدك القديم ليها .. نسيت انك وعدتها انها هتكون اول واخر ست في حياتك ”
وظل يتقلب لساعه ولكن لا النوم أتي ولا الذكريات رحلت
ونهض من فراشه ليسير نحو شرفته لعله يجد هواء الليل تخفيف لما يدور داخله
ووقف يتأمل الأنوار البعيده التي تلمع في الظلام وهو يري حياته مثلها .. حياة كانت تتراقص حولها الورود ثم فجأة ذبلت وسقطت وما بقي منها أخذته الرياح حتي أنتهت
ولكن الرياح عادت مجددا تحمل اليه ورود جديده .. ورود أشتاق الي رائحتها القديمه التي رحلت وتركته يعاني لسنين
وزفر انفاسه بقوه وهو يتذكرها … يتذكر المزيج العجيب الذي تجمعه … وتمتم اسمها بعذوبه وشوق ” رحمه”
رحمه المرأه الناعمه القويه ..
وتذكر هاتفه والصور التي تجمعه بها هو وهي وطفلته .. وتناوله من مكانه بلهفه وبدء يتأمل الصور بشغف وعيناه تلمع بوميض لا يعرفه الا المحبين
…………………………………………………………
تأملها بندم ورغم انها تبتسم له ولا تظهر اليه شعورها الحقيقي الا انه كان يعلم ما يدور داخلها .. يعلم انه لم يحقق لها حلمها بل حلم كل فتاه … فحفل زفاف الخديجه اليوم قد اعاد اليها الذكريات واعاد اليه هو ايضا ذكريات زواجه منها .. زواجهم الذي لم يكن الا اجباراً ليس به اختيار ..وكلما جاء طيف نظراتها منذ ساعات عندما كانوا في حفل الزفاف شعر بألمها وتنهد بأرهاق وهو يري النادل يضع لهم مشروباتهم بعد ان انتهوا من تناول العشاء .. فأبتسمت وهي تنظر لكأس المثلجات خاصتها ثم اشارت اليه بمعلقتها: تاخد تدوق
فأقترب منها .. ومدّ بكفه يُلامس وجهها بنعومه : لاء ياحببتي انا ماليش في الحاجات ديه
وضحكت بخفوت وهي تنظر لفنجان قهوته : ليك بس في شرب القهوه والشاي
ثم تابعت بدعابه : يازين يانصار
فما كان منه سوي أن أتسعت أبتسامته وفي داخله قرار يُفكر به .. وهمس بعشق : ياروح وعقل وقلب زين نصار
وبعدما كانت حزينه داخلها علي ليلة عرسها الا ان كلماته أذابتها وأنستها تلك الذكري … فكل شئ يُمحي بالكلمه
وما أجمل الكلمات حينما تكون كالماء تروي القلوب العطشه
…………
ضحكت زينب بسعاده مصطعنه وهي تُحادث احد زملائها ..وبدأت تمزح بخفتها المعتاده وهي تراه يقترب منهما ونظراته تخترقهما بملامح جامده .. ملامح قد رأتها من قبل حينما كانت تمزح مع عمر ولكن هو بفظاظة حديثه جعلها تعلم ان الامر لم يكن غيره كما ظنتها انما مجرد شئ عادي .. ولكن اليوم تري النيران تشتعل بعينيه وخاصة ان تلك الايام يلعبون دومان لعبة القط والفأر وما اجملها من لعبه بدأت تشعر بتلذذها معه… رغم الألم الذي يقتحمها ليلا ولكن ستستمر في أشعال غيرته حتي تجعله أما يبوح بما داخله او يتركها تُلملم ماتبقي لها .. واقترب منهما وهتف بجمود :
اظن وقت الراحه خلص خلاص