رواية ظنها دمية بين أصابعه (الفصل الثالث والثمانون) بقلم سهام صادق

_ مش أنت بتحبهم يا سعيد.

أسرع بهز رأسه مُجيبًا بصدق.

_ وده سؤال يا “عايدة”، ده البيه غالي على قلبي أوي و “ليلى” ربنا وحده عالم من ساعت ما جات هنا وعاشت وسطينا وأنا بعتبرها بنتي.

ولأنها تعلم طبيعة شقيقها ،استمرت في مُهادَنته.

_ يبقى ما دام بنحبهم ندعلهم لحد ما يفرحونا بالخبر.

_ امتى يا عايدة” ؟
ضحكت رغمًا عنها.

_ أه لو تريح دماغك شوية يا” سعيد” ، هترتاح و تريحنا.
…

لقد صار يحفظ خلجات وجهها و ردود أفعالها حتى تلك الابتسامة التي ترسمها على شفتيها غصبًا و لا تعلم إنها أصبحت شفافة بالنسبة له… وآه منها ألف آه.

_ كان لازم تيجى أسوان يا” رغد” ، لازم أعرف مين قالك على مكان إقامتنا.

تمتم بها” صالح” حانقًا بعدما أخفض رأسه، فهو يشعر بضيقٍ شديد في صدره لكن ضيقه تلاشى سريعًا وهو يسمع صوتها الذي صدح نبرته بحماس وهي تُخبرهم إنها ستقص عليهم أسطورة إيزيس وأوزوريس.

تحمس زملائها ورغم أن البعض يعرف جزء من تلك الأسطورة الشهيرة إلا أنها كانت منها مختلفة.

توهجت عيناه بنظرة حانية التقطتها عيناها؛ فاصابتها برعشة خفيفة وكادت أن تتعثر في وقوفها.

وقفت بمنتصف المركب الشراعي الذي أخذ يتمايل بهم بخفة على نهر النيل وقد احاطت الجزر الخلابة ضفافه.

إنها يومًا بعد يوم تخطف فؤاده، تخطفه بصورة الطفلة والأنثى.
الجميع حول نظراته نحو ضفاف النيل إلا هو كانت عيناه عليها ومعها.

خفق قلبه عندما وجدها تنظر إليه بعد أن انتهت، هو وحده من أخذ يسمعها بإنصات.

انتهت من سرد القصة وكان هو أولهم من ارتفعت كفوف يديه وأخذ يصفق لها بحرارة.

انفرج ثغر السيدة “كاميليا” وأشارت برأسها إلى ابنتها التي تعد هي مرشدة الرحلة وقد دفعت “زينب” إلى القيام بدورها بعدما رأت طريقتها بالحديث وعلمت منها إنها محبة للتاريخ والأثار
كــ والدها رحمه الله.

_ “زينب” ديه بتفكرني بنفسي وأنا في شبابي.

قالتها السيدة “كاميليا” بهمس خافت ،فابتسمت ابنتها لها.

_ وبابا طبعًا يشبه الكابتن يا مامي.

ضحكت السيدة ” كاميليا” بخفة و هزت رأسها مؤكدة.

_ عارفه إنك حبيبت أبوكي بس مقدرش أنكر إنه ديما معايا وفي ضهري.

نهض “صالح” من مكانه حتى يلتقط يدها ويجتذبها إلى جواره بعدما هربت من مجاورته عند صعـ,ـودهم المركب وتحججت بأنها ترغب بالتحدث مع السيدة “كاميليا”.

_ أنا شايف إنك تقومي بدور المرشدة السياحية.

نظرتها إليه والتي لانت قليلًا شجعته حتى يسألها.

_ معقول تكوني شكيتي يا ” زينب” إن أنا دعيت “رغد” لرحلة أسوان وأخترت ليها نفس فندق إقامتنا.

عبست بشفتيها واشاحت وجهها عنه حرجًا ، فتنهد بثقل.

_ مش عارف هعمل أكتر من كده إيه يا “زينب” عشان تصدقي إني بحبك بجد وإنك الست الوحيدة اللي قدرت تملك قلبي.

خرج صوته بنبرة حزينة، فكُلما شعر بالأمل معها..اضاعته.

_ زي ما قولتلك القرار قرارك وعمري ما هغصبك على حاجة وخليكي متأكده إني هفضل أحبك لآخر يوم في عمري لأنك تتحبي بجد يا “زينب”.

تسللت كلماته إلى قلبها العطش، قلبها الذي عاد يرتوي من جديد معه لكنها تخاف أن تعود مُحلقة في سماء الحب ثم يسقطها مرة أخرى إلى الهاوية.

تلاقت عيناهم في نفس الوقت الذي توقف فيه المركب وتعالت وتيرة أنفاسهم معًا.

انتصب في وقفته أمامها ثم نظر إليها وهو يمدَّ يده وعلى ثغره انشقت ابتسامة خفيفة اخفى ورائها قهرته.

_ خلينا نستمتع بالرحلة وننسى كل حاجة.

وها هي جولتهم في معابد الفيلة تبدء ، انقسموا على شكل مجموعات صغيرة ولم تكن مجموعتها سوى من زميلاتها وأزواجهن حديثين الزواج مثلهم.

ابتلعت ريقها وهي ترى زميلاتها كيف يحتضنون ذراع أزواجهن بحب وقد ظنت أنه لن يفي بوعده لها ويجعلها رحلة سعيدة.

_ هاتي أيدك يا عنيده ، وسيبي نفسك ليا بقى.

ولن تستطيع إنكار أنها اليوم عاشت معه شعورًا مُختلفًا ،شعور لا تشعر به المرأة إلا في كنف من يحبها.

ضحكت وهللت كالأطفال والتقط معها كل لحظة يتمتعون بها من خلال كاميرته الحديثة.

_ “صالح” الصورة ديه وحشة، أمسحها.

قالتها بتذمر ثم حاولت التقاط الكاميرا منه لكنه رفع يده عاليًا رافضًا طلبها.

_ ولا صورة ولا مقطع هيتمسح.. كل حاجه هتفضل عشان نقعد نفتكرها سوا.

انكمشت ملامحها بتذمر لكن في داخلها كانت سعيدة وراغبة بكل لحظة معه.
…

تجهمت ملامح “عزيز” عندما وجدها تقف ورائه في غرفة مكتبه وقد انشغل في مكالمته الهاتفية ولم ينتبه على وجودها.

_ خير..

ابتلعت “كارولين” لعابها ،فهي أتت لتخبره بما رأته ليلة أمس لكن نظرته لها أرعبتها.

_ أنا مش قولت أي مكان أكون في لوحدي متكونيش موجوده في.

_ أنا لا أفهمك ؟

هذه العبارة دائمًا تُرددها له عندما يُرهبها بنظراته إليها.

– استغفر الله العظيم، اتفضلى بره.

_ أنا أردت أن أخبرك بشئ هام.

قالت عبارتها بعربية ركيكة ،فامتقعت ملامح “عزيز”.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *