رواية مطلوب سواق خصوصي (الجزء الأخير من الفصول) بقلم يمنى عبدالمنعم
رواية مطلوب سواق خصوصي
الفصل الخمسون والأخير : الجزء الأول
وذات ليلة من أحد الليالي وجدت شذى نفسها وحيدة في منزلها ففاطمة تركتها بسبب أنها في أجازة لهذا اليوم .
فجلست في فراشها تتفحص أحد المجلات ، عندها إستمعت إلى صوت طرقات على الباب فاستغربت .
ونظرت في ساعتها فوجدتها الواحدة صباحا بعد منتصف الليل .
فخشيت على نفسها واضطربت وزاد الرعب بداخلها .
فأسرعت باللحاق إلى شرفتها فوجدت احد أفراد الأمن فاستغربت قائلة : معقوله يشوفوه وميمنعهوش .
فأسرعت ناحية الباب باضطراب وترقب قائلة بصوت مذعور : مين إللي بيخبط .
فقال لها صاحب الصوت : إفتحي بسرعة …… ففتحته بالفعل وخفقات قلبها تخنقها من كثرة دقاتها واختلاجها بين أضلعتها ؛ وفوجئت بمن يستند بكتفه إلى حافة الباب بقامته الطويلة ويرتدي نظارة شمسية في ذلك التوقيت وانتزعها عن عينيه بغرور وكبرياء … وهو يقول لها بخبث عابث وهو يتفحصها : شكلي وحشتك …… مش كده …….!!!!
تجمدت أطراف شذى في مكانها وهي تراه يقف أمامها يحدق بها بعبث وكبرياء .
امتقع وجهها من رؤيته وجف حلقها ، عند تعلق بصرها به ولم تستطع النطق .
أخرجها هو من هذا الصمت الثقيل بينهما قائلا لها بسخرية عابثة : بقى معقولة موحشتكيش ….. وهتسبيني واقف كده كتير على الباب ….. مفيش إتفضل إدخل جوه .
هرب الدم من وجهها وابتلعت ريقها بصعوبة عندما اقترب منها ، عدة خطوات بطيئة منذرة لما سيحدث بينهما فيما بعد .
عادت بخطواتها إلى الوراء ؛ وأخذت دقات قلبها تعلو من الخوف منه مع خطواته المهددة ناحيتها قائلة له بهلع : مين إللي قالك على مكاني ….!!
اقترب أكثر منها ، مغلقا باب المنزل وراءه ، بكل غروره وكبرياء .
قائلا لها بصوت ماكر : عايزة تعرفي ليه يعني …… مثلا مفكره نفسك هتهربي مني على طول
، ابتلعت ريقها بصعوبة قائلة له بصوت مرتجف : إنت عايز مني إيه تاني ….. إحنا مش هنطلق خلاص .
رمقها بخبث متعمد قائلا لها بمكر : تؤ تؤ تؤ تؤ …. لا لا لأ مش أنا منبهك بلاش الكلمة دي قبل كده ، لإن مش هطلقك وكمان مش في مصلحتك إنك تقولهالي .
شعرت بغصه في حلقها من التوتر والهلع الشديد الذي اعتراها بسببه قائلة له بارتباك : قول إنت عايز إيه على طول ….. وامشي بسرعة الوقت متأخر ….. ومش هينفع تتأخر عندي أكتر من كده .
إلتصق بها آسر فجأه متجاهلا ما تشعر به حياله قائلا لها بخفوت : عايزك إنتي ياشذى …… عايز مراتي ….. أم ولادي .
ما أن إلتصق بها حتى إرتعد جسدها بقوة وتعلقت عيناها ببصره الذي يخترق قلبها بقوة ، شعرت شذى بأنها تاهت في عينيه التي تتمعن في وجهها والتي حاولت أن تبدو ثابتة أمامه ، لكنه بجملته تلك أطاحت بآخر حصونها المنيعة أمامه .
قائلة له بألم : أرجوك ….. إمشي دلوقتي ….. وكفاية وجع وعذاب ليه لغاية كده .
شعر آسر بأن عينيها تقول عكس ما يقول فمها ، فتمعن في عينيها بقوة ، الذي فهم منها أنها تبادله نفس الشوق الذي يعتريه نحوها لذلك قال لها بخبث : لكن عينيكي …… مش بتقول كده ……!!!
أشاحت بعينيها بعيدا عنه وقلبها يخفق بشدة ، من مواجهة عيني من عشقته وكان هذا العشق سببا في شقاؤها وعذابها معه والذي تدفع ثمنه إلى الآن …
قائلة له بعذاب : أرجوك ……. إبعد عني بقى وكفاية عذاب وألم ….. طلقني خليني أرتاح من العذاب والتعب اللي أنا عيشت فيه بسببك .
أغمض آسر عينيه ليتمالك أعصابه بشدة من الغضب الذي يشعر به حيال كل حرف وكلمة تنطق به زوجته ؛ ولم يكن يتخيل أبدا أن تطلبها منه هكذا ، وتستطيع أن تتفوه بها أمامه .
فلهذا قرر آسر أن يكظم غيظه وانفعاله بداخله ، قائلا لها بهدوء ظاهري : وطبعا عايزه تطلقي وتبدأي حياتك من جديد مع إيهاب مش كده .
حدقت به شذى بغضب مفاجىء قائلة له بانفعال : والله ده شىء ما يخصكش في حاجه ….. حياتي ليه لوحدي وأنا حره فيها وأعمل فيها كل اللي أنا عايزاه ……. ومن فضلك بقى يالا إطلع بره علشان الوقت إتأخر وعايزة أنام .
شعر آسر بداخله بثورة عارمة من حديثها الذي استفذ هدؤه الظاهري كثيرا .
فها هي تطرده من حياتها ومنزلها دون أدنى رحمة لعذابه ، الذي عاشه طوال الفترة الماضية ؛ بسببها هي فقط .
لكن لا لن يتركها تنتصرعليه أبدا وسيفعل المستحيل ليجعلها تخضع له من جديد وكما كانت من قبل .
لكنه قبل كل شىء لابد من ضبط نفسه جيدا ، حتى لا يفسد الأمور بينهما أكثر من ذلك ؛ ويسهل ترويضها من جديد .
ابتعد عنها آسر وخلع سترته ببرود ، أمام عينيها المذهولتين ، وألقاها على مقعد قريب منه ، متجها ناحية الداخل .
أخذ يتفحص المكان حوله متجاهلا لها ، وهو يضع يديه في جيب بنطاله بغرور ، وكأنه فنان ينتقد لوحة فنية أمامه .
شعرت شذى بالغيظ منه ، قائلة له بسخط : ممكن أعرف إنت بتعمل إيه ….!!!
رمقها بالامبالاه ولم يرد عليها واتجه ناحية غرفة نومها متأملا لها من حافة باب الغرفة .
ضمت شذى قبضتيها بقوة من هذا التجاهل المتعمد من جانبه .
فحدقت به بعينين غاضبتين ، فترك آسر غرفة النوم واتجه إلى مطبخها ، باحثا له عن أي طعام في الثلاجة .
فوجد العديد من الأطعمة المعلبة فابتسم لنفسه بمكر ، فقام بوضع بعض منها في عدة أطباق ، ووضعها لنفسه على منضدة صغيرة .
ثم قام بجلب بعض الخبز بعد أن قام بتسخينه على موقد الغاز ووضعه مع الطعام ؛ ثم جلس آسر ليتناوله .
كان كل هذا يفعله آسر متعمدا ؛ إثارة غيظها منه أكثر وأكثر .
وقفت شذى بجواره ثائرة عليه من كثرة سخطها عليه .
قائلة له بحنق : آسرررر…….. قاطعها آسر باستخفاف قائلا لها : يا عيون آسر ….
ارتبكت شذى للحظة من كلمته تلك ، فهو منذ زمن بعيد ، لم يقول لها كلمات كهذه .
فابتسم بخبث قائلا لها : إيه ده يعني سكتي …. ما تتكلمي ….. ولا القطة أكلت لسانك .
حاولت أن تتمالك أعصابها أمامه أكثر من ذلك قائلة له بهدوء ظاهري : يالا خلص أكلك وإتفضل إمشي ، إنت أخرتني عن ميعاد نومي .
تفحصها بعينين عابثتين ، ساخرتين ، مستهترا بما تقوله ، فابتسم آسر بمكر ، عائدا بظهره إلى الوراء في مقعده قائلا لها بعبث : حضرتك يا مدام تقدري أوي تروحي تنامي براحتك .
حدقت به بغضب قائله له : إنت بتتكلم بتقول إيه …..!!!!
فابتسم متهكما قائلا لها : ليه ….. ماسمعتيش أنا بقول إيه ….. بقولك روحي نامي ، شعرت بالغيظ منه والضيق قائلة له بحنق : إزاي أروح أنام وحضرتك موجود هنا .
فهز رأسه ببرود قائلا لها بالامبالاه : يبقى خلاص متناميش ، وممكن بقى تسكتي علشان عايز أكمل أكل بهدوء .
قال ذلك دون أن ينتظر إلى ردها ، عائدا إلى تناول طعامه من جديد .
كانت شذى تريده أن ينصرف فهي خائفة من ضعفها أمامه ، وان تحن إلى مشاعرها وترتمي بين ذراعيه من جديد ، فهي هذه المرة تخشى على قلبها الجريح بسببه وان يفعل بها كما فعل من قبل .
شعر بأنها ساخطة عليه من نظراتها ؛ فقرر أن يزيد غضبها قائلا لها ببرود : شكلك مضايقة مني علشان معزمتش عليكي إنك تاكلي معايا مش كده ….. وعينك في الأكل وشكلي هيحصلي تسمم بسببك .
وضعت يدها أمام وجهه بلهفة قائلة له بتلقائية : بعد الشر عليك ….. إوعى تقول … إنتبهت شذى لنفسها فجأه فقطعت كلماتها سريعاً وأبعدت يدها وأشاحت بوجهها بعيدا عنه بسرعة .
فابتسم آسر لنفسه بسعادة من مشاعرها التي تحبسها داخل قلبها واتضحت الآن مثل وضوح الشمس .
فقال لها بخبث : إنتي بتقولي حاجه …. !!!
تهربت منه سريعاً قائلة له بضيق من نفسها : لأ مقولتش وبسرعة بقى خلص أكلك علشان تمشي من هنا بسرعة قبل ما أي حد يشوفك عندي .
ابتسم آسر متهكما قائلا لها : وفيها إيه يعني لما أي حد يشوفني عندك ….. انتي مش مراتي بردو ولا أنا راجل غريب .
هتفت به غاضبة : أيوة انت بالنسبة بالي راجل غريب ومن فضلك بقى كفاية أوي لغاية كده ، علشان عايزة أنام ، وكده شكلي هتأخر على شغلي بسببك .
صمت برهة حتى إنتهى من طعامه متجاهلاً إياها ، ثم هبّ واقفا تاركاً لها باقي الطعام ، دون أن يهتم بوضعه في الثلاجة .
فاغتاظت شذى منه بشدة حتى أنها صرخت به قائلة : انت يا بشمهندس إنت ….. مش المفروض تشيل باقي الأكل في التلاجة .
إلتفت إليها ببرود قائلا لها : إنتي مش صاحبة الشقة …. !!!!! يبقى خلاص شيليه إنتي ثم أنا حضرته وأكلته فيبقى عيب أوي في حقك وفي حقي لما أنا إللي أشيله ، أنا الراجل هنا .
تركها آسر تستشيط من الغضب ، الغيظ
واتجه إلى الأريكة متمددا فوقها مغمض العينين ، بكل هدوء بارد استفذها به ، مما جعلها تتجه ناحيته بكل ما تحمله من سخط من تصرفاته هذه
فقالت له متزمرة وسخط : إنت بتعمل إيه هنا ، حدق بها باستخفاف قائلا لها : إنتي شايفة إيه يعني … غير إني عايز أنام علشان عندي شغل الصبح .
صرخت به قائلة له : إنت …. إنت ناوي تجنني ….. مش هينفع تنام هنا .
قابل آسر صراخها قائلا لها بهدوء : وليه مينفعش …. !!!
فقالت له بضيق غاضب : علشان أنا خلاص منفصلة عنك …… يعني هطلق ….ومش هينفع تنام هنا وانا لوحدي في الشقة ، فاطلع بره يالا بسرعة .
حدق بها بأعين غامضة ثم أغمض عينيه مرة أخرى ، مفضلا الصمت .
فزاد هذا التجاهل من إثارة غضبها أكثر ، فاقتربت منه مزمجرة بانفعال ، قائلة له : آسرررر…… قطعت شذى كلماتها فجأه ، فقد بوغتت بيد قوية تتمسك بمعصمها بقوة ، جاذبا إياها به ناحية صدره .
انقطع نفس شذى فقد تفاجأت مما فعله آسر ، فقد جذبها ناحية صدره ، تتقابل أبصارهم مع أنفاسهم المخطلتة الغير منتظمة على صوت دقات قلوبهم .
ارتعدت شذى وهما يحدقان النظر في عينيهما ، فلم تستطع النطق ، فقال لها بهمس : كنتي عايزة تقوليلي حاجة ….!!!
هزت رأسها ببطء بالنفي ، فقد جف حلقها وهي تستمع إلى صوت نبضات قلبه الغير منتظمة والمتسارعة تحت أذنيها ولم تستطع النطق .
تأملها آسر بعبث ، عكس ما يشعر به الآن ، داخل قلبه ، فقد زاده قربها الشديد منه ، شوقه إليها مما جعله يود لو أخذها بين ذراعية ، لكنه حاول أن يتمالك أعصابه ، أمامها قائلا لها بصوت خافت : أمال ليه كنتي متعصبه ونطقتي إسمي وانتي عايزة تقولي حاجة ممكن أعرف ، كنتي عايزة تقولي إيه .
ارتبكت شذى وحاولت النهوض عن صدره لكن آسر قد وجدها فرصة ، فلم يتركها تبتعد عنه ، فقام بسجنها بين ذراعية .
مما جعل جسدها يرتجف بين ذراعية ؛ بعد ذهاب غضبها وعصبيتها أدراج الرياح .
فقد شعرت بأن قلبها سيخذلها هذه المرة ، وسيجعلها تستلم له ، فلا سبيل للهرب منه هذه المرة ، فهذين العينين منذ وأن رأتهما أول مرة كانت ومازالت تؤثران بها .
فنزلت ببصرها على قميصة من الأعلى ؛ متحاشية النظر إلى هذين العينين الوسعتين التي تؤثران عينيها .
فلما طال الصمت من جانبها ولم تتحدث في هذه اللحظات إلا صوت قلوبهما .
فوضع آسر أنامله برقة تحت أسفل ذقنها محدقا بعينيها قائلا لها بصوت هامس ماكر : راح فين صوتك …. مش كنتي بتطرديني دلوقتي ….. ولا يكون رجعتي في كلامك أخيراً……. وصعبت عليكي وعايزاني أنام في إوضة النوم معاكي بدل النوم هنا .
تورد وجهها من الخجل من أثر كلماته هذه بداخل قلبها الذي حاولت جاهدة أن تثبت أمامه فهمست له بهدوء ظاهري : آسر…… أرجوك سيبني بقى .
فهمس لها بمشاعر متلهفة : بس عينيكي وقلبك بتقول متسبينيش يا آسر ….!!!
قالت نور بضيق : إنت ليه قولتلة على الحقيقة ، زفر باستسلام قائلا لها بهدوء : ما هو كان لازم يعرف يا نور ، لأنه لقيته عرف عنوانها الجديد ، وكمان كان عارفه من فترة فعلشان كده كان لازم أقوله على الحقيقة كلها ، بس علشان متقلقيش هوه مش هيصارحها بأي حاجة إلا إذا اضطر لكده .
تنهدت بنفس الضيق قائلة له : شذى هتلاقيها زعلانة دلوقتى من عملتك دي ولا ممكن يكونوا بيتخانقوا هما الأتنين بسببك منا عارفاهم .
أمسك بمروان بيديها بين يديه قائلا بحنان : مش عايزك تقلقي يا عمري أنا إتكلمت معاه كتيير أوي ، ووصيته عليها كمان وخصوصا إنها تعبانة ولسه بتتعالج ، فاتفهم الموضوع بصراحة ومعترضش على ولا كلمة قولتها ليه .
استغربت نور قائلة له بدهشة : معترضش إزاي ….. ده بجد …… معقول متكلمش …..!!!
فقال لها بدهشة : أيوة ليه مستغربة أوي كده فقالت له بعدم تصديق : أصل إنت عارف طبعه بينفعل بسرعة علشان كده مستغربة من تصرفه.
فقال لها بارتياح : أنا قولتله ومخفتش عليها بصراحة خالص لأنه لقيته فعلاً بيعشقها مش بيحبها بس ، فسألته باستغراب : وعرفت منين بقى .
ابتسم بخبث قائلا لها بهمس : مش هقولك إلا بشرط ،، فعقدت حاجبيها بحيرة قائلة له بعدم إستيعاب : شرط إيه ده…..!!!
فقال لها بعبث : مش هقولك دلوقتي .
حدقت به بمكر قائلة له : فهمت …!!! فابتسم بمكر مماثل قائلاً لها : فهمتي إيه بقى …. فقالت له بغيظ : مش هقولك إلا لما تقولي الأول .
فجأه وجدت نفسها محملة بين ذراعيه فضربته بقبضتها على صدره وكتفه قائلة بضيق مصطنع : نزلني أنا مش هتكلم معاك تاني فابتسم بخبث قائلاً لها : يعني معقولة قلبك يقدر يزعلني أنا وقلبي ، ونهون عليه ببساطة كده .
حدقت به ساهمة قائلة بخجل : مين قال إن قلبي يقدر يزعل حبيبه أبدا …. ميقدرش دنا كنت أخاصمه .
فوضعها مروان برفق على الفراش ، محتضناً إياها بشوق وحب هامساً بجوار أذنها بقوله بهيام : وأنا كنت عارف إني مش ههون أبداً على قلبك .
فابتسمت نور بحياء وهي تضع رأسها على صدره وهي تستمع إلى صوت دقات قلبه قائلة له بحب: ربنا ما يحرمني منك أبداً .
انتفضت شذى وخشيت من قلبها ليخذلها له ، ثم جذبت نفسها سريعاً من بين ذراعىّ زوجها الذي تفاجىء بفعلتها بعد أن ظن أنها ستستسلم له الآن ، لكنها لم تفعل إنما فعلت العكس ، وركضت على غرفتها هاربة منه ومن قلبها الذي كان سيخذلها الآن .
أغمضت عينيها وهى تغلق الباب وتستند إليه بظهرها ، وخفقات قلبها تزداد بقوة وصدرها يعلو ويهبط من كثرة ضعفها أمامه وما لبثت أن لمعت عينيها بدموع العذاب التي تعذبتها على يديه .
هرول آسر خلفها طارقاً على باب الغرفة بقوة قائلاً لها برجاء: أرجوكي يا شذى إفتحي الباب ، كانت شذى مازالت تستند بظهرها إلى الباب جالسةً على الأرض تبكي وهي تثني قدميها وتضم ركبتيها بذراعيها إلى صدرها في حزن وألم شديد وازداد نحيبها عندما استمعت إلى صوت رجاءه لها .
فا أنصت آسر إليها جيداً وإلى صوت بكاؤها ونحيبها المتواصل ، فطرق عدة طرقات كثيرة متتالية على الباب قائلاً لها بجزع : شذى ……. أرجوكي افتحي الباب ….. مش هسيبك غير لما تفتحيه .
فقالت له من وسط دموعها : أرجوك يا آسر إمشي من هنا دلوقتي أنا تعبانة ….. تعبانة أوي…. وعايزة أرتاح بقى .
تهاوى آسر هو الآخر جالساً خلف الباب مستنداً إليه بكتفه الأيمن وجبهته قائلاً لها بألم وضعف : شذى ….. أرجوكي إفتحيلي الباب ….. لازم أتكلم معاكي ….. أنا خلاص مش قادرعلى بُعدك عني أكتر من كده ….. أنا كمان تعبان يا شذى.
هزت شذى رأسها بعنف رافضة وغير مصدقة لما يقول وأخذت تصرخ من الداخل وهي تطرق على الباب بيدها بجنون حاد قائلة له : مش هتكلم ….. مش هتكلم معاك في أي حاجة ……. وإمشي من هنا بسرعة يالا مش عايزة أسمع صوتك تاني .
أغمض آسر عينيه بقوة وألم وهو يستمع إلى صرخاتها من الداخل ، وكيف أوصلها هو إلى هذه الحالة من العذاب ، وشعر بالقلق عليها أكثر ، وحار قلبه كيف سيتركها هكذا وهي بمثل هذه الحالة التي تُعانيها .
هو يشعر أنها بحاجةً إليه أكثر من أي وقتٍ مضى ، بالرغم من رفضها التحدث معه ، فرفض قلبه الإستسلام لصرخاتها تلك ، فهتف بها بقلب موجوع قائلاً لها : شذى ….. أنا آسف علـــ …… قاطعته قائلة له بصراخ قوي : قلت مش عايزة أسمعك خلاص ….. أنا كرهت نفسي وحياتي علشانك …. كرهت نفسي علشان عرفتك…. إمشي بقى …. إمشي تعبت منك…. منيش عايزاك ….. سيبني بقى أعيش حياتي زي ما أنا عايزة .
وضع آسر كفيه على وجهه بانهيار تام ، ألهذه الحالة وصلت علاقتها به وشعر بأنها شذى أخرى غير الذي تزوجها من كثرة قسوته عليها .
فشعر أن كثيراً من الحواجز وضعت بينهما أكثر من ذي قبل ولابد من أن يتخطاها هو وبسرعة لكن دون أدنى خطأ من جانبه .
صمت حائراً ماذا عليه أن يفعل معها ، وكيف ستسامحه زوجته على ما عانته معه طوال كل هذه الفترة التي مرت بهما .
أخذته ذكرياته إلى ذلك اليوم في حفل زفاف شقيقته نور ، فها هي كانت بين ذراعيه لا يريد تركها بكل قوته وهي كانت تحاول جاهدة أن يتركها ويبتعد عنها ، لكنه فوجئ باستسلامها المفاجئ له ورضوخها بين ذراعيه ، فتأمل وجهها الغامض والغير مفهوم مقترباً من شفتيها ، التي كانت كأنها قد استسلمت له هي الأخرى .
فاقترب أكثر وأكثر حتى شعر بأنفاسها على وجهه وإلى أن لامست شفتيه ، شفتيها حتى فوجىء بدفعها له بكل قوتها من صدره والتي كانت بمثابة صدمة له .
فها قد عرفت أن توقعه بين براثن مشاعرها التي كانت تتظاهر بها عليه الآن ، ولكنه اتضح العكس حتى تفر منه هاربة .
وقفت شذى عند الباب تريد الهرب منه بكل سرعتها وتعدل من ثيابها ، بعد أن دفعته بعيداً عنها ، تريد الفرار بنفسها وبقلبها .
تألم آسر وقتها كثيراً في داخل قلبه وشعر بإهانة كبيرة في نفسه كرجل في كرامته التي تدهورت على يديها الآن ، فها هي قد تظاهرت بأنها تريده وصدّق مشاعرها المزيفة تلك ، لكن تظاهرها هذا لم يدوم كثيراً ، إنما الحقيقة أنها تريد الهرب منه وبسرعة إلى الأبد .
جاءت لتفر من الغرفة فناداها من وراءها قائلاً لها بقلب جريح : شـــــــذى ….. وقفت شذى مكانها دون حراك دون أن ترد عليه ، ولم تلتفت إليه حتى متجاهلةً تماماً ما يشعر به ، فاقترب هو منها أكثر ووضع يده على كتفها الأيسر متشبثاً بها بكل قوته .
قائلاً لها بقلبٍ مكسور : إنتي فعلاً مش شذى إللي إتجوزتها ، وعرفتها ….. أغمضت شذى عينيها بقلب حزين وكادت أن تتساقط العبرات من عينيها ، من الوجع عليه وعلى نفسها ، لكنها حبستها بقوة مانعة إياها من السقوط ، حتى لا يظهر ضعف قلبها حياله من جديد .
قائلة له بثبات انفعالي : فعلاً ….. أنا مش شذى الضعيفة إللي إتجوزتها واستسلامها لتحكماتك وتصرفاتك….. شذى القديمة ماتت بسببك …. وإنتهت خلاص ماعدش لا ليها مكان ولا وجود في حياتي .
تنهد آسر بأسى وأدارها أمامه لكي يواجه عينيها التي كثيراً ما تفضح كذبها عليه ، لكنه وجد عينيها هذه المرة لا تعبر إلا عن جحود مشاعرها حياله وعذرها معها في ذلك فهو السبب لكل ما يحدث لها .
فابتلع ريقه بصعوبةً قائلاً لها بخفوت حزين : بس أنا عايز شذى مراتي إللي عرفتها ….. عايز شذى بكل طيبتها وتسامحها معايا بكل تصرفاتي مهما عملت فيها .
زفرت وهي تتذكر عذابها معه وتسامحها معه كثيراً بالرغم من قسوته معها قائلة له بحدة : شذى إللي إنت عايزها مش موجوده خلاص….. بقولك ماتت ….. ماتت وإدفنت وسط الألم والعذاب إللي شافته منك .
أبعد آسر يده عن كتفها باستسلام ظاهري ، ووضعها بجانبه فحدقت به قائلة له بثبات : ممكن بقى تطلقني هنا كده بكل هدوء …… خلاص الفرح تم….. ومفيش مانع دلوقتي …. إنك تجيب المأذون حالاً ونطلق .
حدق بها آسر بصدمة بأعين متسعة متمعنا بوجهها ، ونزلت كلماتها على قلبه كالصاعقة وشعر أنه يعيش كابوساً مثلما كانت تقول له ، فها هو الآن يعيش نفس مشاعر الكابوس والعذاب والحرمان التي كانت تعيشها فيه من قبل بسببه .
فهو لم يستطع أن يعيش بدونها أبداً مهما فعلت معه ، فهمس لها قائلاً بعذاب شديد : شذى إنتي بتقولي إيه ….!!!! فقالت له بكبرياء : إيه …..!!!! غريبة دي يا بشمهندس …. عايزاك تطلقني ….. مش ده كان كلامك بردو ولا إيه …. ولا نسيت كلامك معايا في العربية .
جز آسر على أسنانه بغضب فهو لا يريد ذلك ، إنما فقط كان يهددها وبالرغم منه قد نطق ذلك وظناً منه لوهلة أنها تريد الأبتعاد عنه فأراد أن يتركها بحريتها ويبعدها عن قسوته وغيرته المميتة تلك ، لكنه لم يعرف أن كل هذا سيحدث معه وبأنه سيتعذب أكثر منها بسبب هذه الكلمة البغيضة الذي نطق بها في لحظة غضب وانفعال وندم عليها أشد الندم .
أمسكها من ذراعها بقوة وهو يقربها من صدره بعنف ، فارتطمت به بسرعة مباغتة ، حتى أن يدها تعلقت بالرغم منها على كتفه لتستند إليه خوفاً منها لتسقط أرضاً من حركته المفاجأة.
قائلاً لها بغضب : مش هطلقك يا شذى …. ونجوم السما أقربلك من طلاقك مني ولا البعد عني…. وإذا كنت هسيبك دلوقتي فاهسيبك بمزاجي ، إنتي عارفه إني أقدر أحبسك هنا ، ومتقدريش تطلعي منها زي زمان ، ومش هتقدري تتحركي منها مهما عملتي وصرختي إنتي مراتي ومحدش هيقدر يمنعني على اللي عايز أعمله فيكي ، لكن هسيبك دلوقتي لما أشوف هتقدري تعملي إيه معايا .
رمقته بنظرات لم يفمهما آسر قط وضمت شفتيها بعنف ، وانتزعت نفسها منه من بين ذراعيه بقوة غاضبة ، وهرولت من أمامه تفر منه ومن نفسها بعيداً عنه .
أفاق من شروده على تذكره أنه تركها وقتها تفعل ما يحلو لها ، فأغمض عينيه بضيق وهو يتذكر منظرها وهي ترحل أمامه مهرولة وتتركه دون أدنى كلمة من جانبها .
لقد تمنى أن تصرّ على وجودها في حياته وأن لا تتركه أبداً مهما حدث ، لكنها تركته في ذلك اليوم يتجرع مرارة العذاب والحرمان من جديد ، وبكل قسوة من جانبها تركته وحيداً من جديد يعاني بُعدها عنه .
ذكره ذلك الموقف بشىء ما ، فنهض من مكانه من جانب الباب ، متجهاً ناحية باب المنزل .
أما شذى حاولت جاهدة أن تمنع نفسها من الإنهيارها
فأجبرت شذى نفسها أن تمتنع عن البكاء وأغمضت عينيها بضعف ، فها هي تشعر بالتعب من جديد بعد أن عاد إليها بالرغم منها ، لكنها لا تريد ذلك ، فحاولت النهوض هي الأخرى من مكانها .
نهضت شذى بعد قليل ، واصتنتت إلى الباب جيداً لعلها تستكشف ماذا يفعل آسر بالخارج .
لكنها لم تكن تستمع إلى أي صوت ؛ لكن هناك أمراً ما استوقفها الآن ، مهلاً لقد استرعى انتباهها .
فاقتربت أكثر من الباب وفتحته بهدوء شديد ، فقد إستمعت إلى صوت باب المنزل يغلق .
تساءلت شذى بحذر ، هل تركها ورحل واستمع إلى رجاءها .
لكن مهلاً لقد وجدت قلبها يبكي على تركها ورحيله الذي لم يكن مفاجأه لكنه كان متوقعاً أن يحدث بسبب رجاءها له .
فانهارت باكية من جديد ، وجلست وراءها على المقعد بإنكسار قلبها التي تشعر به الآن ، ولم تكن لتنتبه لشىء ما تحتها .
فهمست من وسط بكاؤها قائلة لنفسها بحزن وألم : المرادي سابني بجد ، ليه يا آسر ليه ….. سبتني تاني …… كنت حسيت خلاص إنك استسلمت ليه ….. لكن لأ لسه بردو زي ما إنت ……. الغرور عميك عن حاجات كتيرة أوي ….. كتيرة أوي يا آسر .
ووضعت كفىّ يدها على وجهها ، وهي تجهش بالبكاء الشديد لفراقه لها قائلة لنفسها بعذاب : مش كفاية بقى كده يا آسر عذاب لقلبي ….. !!! أنا تعبت …. تعبت .
أنا آسف على كل لحظة عذاب وألم عيشتيها بسببي ….!!!
تساءلت شذى في نفسها قبل أن ترفع كفيّ يدها عن وجهها هل ما انصتت إليه الآن هل هو حقيقة أم من وحي الخيال .
شذى ….. صدّقتْ شذى هذه المرة ما تنصت إليه من جديد فرفعت يديها عن وجهها غير مصدقة ما رأته عيناها وهي ترى حبيب عمرها وزوجها يهمس لها بصوت عذب لم تسمعه منه من قبل بهذه الكلمات وبإسمها مرةً أخرى عندما إعتذر ولم تبادله الرد ..
فاتسعت مقلتيها وهي تحدق به غير مستوعبة ما يحدث معها منه .
فقد وجدت آسر أمامها قد أثنى ركبتيه وانحنى نحوها بحنان وحب في عينيه لم ترى مثله من قبل .
ويحمل بين يديه باقة من الورود الحمراء والصفراء والبيضاء مبتسماً لها وهو يقدمها إليها بسعادة .
قائلا لها بحب : أنا آسف ….. يا ……. وقطع كلماته …. عندما تفاجىء بنهوضها من مكانها ، وقد ألقت بنفسها عليه ودفعته إلى الوراء …… بكل قوتها وعذابها بسببه وانهالت عليه ضرباً مبرحاً بقبضتيها على صدره .
مما جعله يتفاجىء ويضحك مندهشاً مما تفعله ، أراد أن يتحدث لكن صوت ضرباتها كانت أعلى فتركها تفرغ ما بداخلها من عذاب وحرمان المجسد في صورة غضبها الآن منه .
لم يدافع عن نفسها وتركها تفعل ما يحلو لها ، محدقاً بها بكل ما يحمله قلبه من شوق ولهفه ، وكل ما يخبأه بداخله تفضحه به عيناه .
لم تتوقف شذى عن ضربه بيديها تفرغ ما في نفسها عليه ، إلى أن وقعا سوياً على الأرض وراء آسر .
وقع آسر على ظهره ووقعت هي على صدره أيضاً ، تستكمل ضربه ، تركها تفعل ما تريد ولم يبعد يديها عنه وكأنه فرح لما تفعله .
استمرت تضربه وهي تقول بعتاب مؤلم : ليه بتسيبني تاني ها ….. ليه بتتخلى عني وما صدقت أقولك إمشي ، فامشيت بسرعة …… ليه عايز تبعد عني كمان المرادي ….
قالت كل ذلك وهي تشعر أن قواها لم تعد تحتمل أكثر من ذلك .
فانهارت بين ذراعيه وعلى صدره باكية بانهيار شديد .
فانتفض قلب آسر من مكانه وصرخ بإسمها بلوعة وقلب موجوع قائلاً لها : لا يا شذى إوعي تنهاري أنا مستهلش ….. اضربيني كمان
إنهارت شذى بالفعل باكية بين ذراعية وعلى صدره فضمها آسر بقوة وضربته مرة أخرى بطريقة أضعف قائلة بصوت منتحب: ليه دايماً عايز تعذبني معاك …. مش كفاية كده ….. ولا عايز تعيشني عذاب فوق عذابي وحرمان فوق حرماني ، إنت خلاص قلبك بقى مبيعرفش غير القسوة وبس ، أنا تعبانة بسببك حرام عليك .
انتفض قلب آسر بسرعة جنونية لصوت بكاؤها وإنهيارها بهذا الشكل المذري على صدره فصرخ بها بلوعة قائلاً لها : كفاية يا شذى أرجوكي ….. كفاية …. إهدي الأول وبعدين إتكلمي بهدوء .
ارتعدت بين ذراعيه بضعف شديد قائلة له بقلب موجوع : كل ده إنت السبب فيه ، وفي الآخر عايز تسيبني تاني ….. كل مرة عايز تسيبني وتتخلى عني .
همس لها بجانب إذنها بحنان : عمري ما هتخلى عن روحىّ يا شذى …. قاطعته قائلة له بعتاب ولوعه : لأ إتخليت…. ومشيت دلوقتي وسيبتني …. وكمان هطلقني …. و… قاطعها وهي يقول لها بصوت خافت : بس قلبي ما طاوعنيش يعملها وإني أسيبك يا عمري ….. وأتخلى عنك …..ومش هطلقك أبداً مهما عملتي .
كانت تحدق به بعدم إستيعاب ودموعها تغرق وجهها ، فأحاط وجهها بين يديه بلهفة وحنان وهو يعتدل و يجلس معها على الأرض قائلاً لها بحب : أنا عارف إني السبب في كل عذابك وألمك ….. وآسف على كل دمعة نزلت من عينيكي …… وآسف على كل جرج سببته لقلبك ……. إضربيني تاني يا عمري أنا راضي بكل إللي هتعمليه فيه .
حدقت به بعدم تصديق وكأنها لم تكن تسمع ما يقوله غير مستوعبة لما يحدث ، وتلاقت أبصارهم فقرب وجهه من وجهها قائلاً بهمس : ها هتضربيني تاني …..ولا خلاص كفاية .
هزت رأسها بالرفض وألقت بنفسها بين ذراعية لتجيبه على سؤالة ، ولتفرغ آخر همومها على صدره فضمها إليه بقوة ليشعرها بالأمان التي تمنته منذ وقت طويل .
هامساً بجوار رقبتها قائلاً بحب : آسف يا شذى … آسف …. أنا عارف إن عُمر الكلمة دي ما هتعوضك أبداً عن القسوة والعذاب إللي شفتيهم مني من قبل جوازنا ، بس كل إللي أقدر أطلبه منك …..إنك إوعي إنتي إللي تسبيني تاني ، زي ما سيبتيني قبل كده ، أنا كنت بموت بالبطىء في بُعدك عني وكمان كل ما بشوفك مع إيهاب ، عمرك ما هتتخيلي حجم الجحيم إللي كنت عايش فيه وأنا بمجرد ما بلمحك بس معاه .
أغمضت عينيها بأمان بين ذراعيه ولم تستطيع الرد عليه ، بعد سماعها لما كان يعانيه بداخله هو الآخر في هذا الفراق الطويل بينهما ، فهي تتساءل بينها وبين نفسها على ما تعيشه الآن هل هو بالفعل حقيقة أم خيال أم هو حلم ولا تريد أن تستيقظ منه إلى الأبد ، لهذا تريد سماعه ولا تريد مقاطعته وهو يتحدث معها عن غيرته من إيهاب ويفرغ ما في قلبه من شوق لها .
فشذى تشتاق إليه كثيراً ولا تريد إلا أن تستمع إلى صوته الجذاب والمميز لدى قلبها فهذا هو حبيبها وزوجها بين ذراعيها ولا تريد شىء آخر سوى ذلك.
فلما طال صمتها بين ذراعيه حملها بين يديه ونهض بها من الأرض ، تعلقت شذى برقبته لا تريد سوى ذلك أن تكون معه ، تشعر بوجوده معها من جديد ، تشعر بحبه وبحنانه عليها التي تفتقدهما كثيراً ، تأمل آسر وجهها المجهد من كثرة البكاء.
شعر بغصة داخل قلبه لكونه السبب في حالتها تلك ، متجهاً بها إلى غرفتها ، ووضعها على الفراش برقة وهدوء وجلس بجانبها وهي مازالت بين يديه مثل الطفل المفتقد للحنان والحب من والديه فقال لها بخفوت : شذى ….. أرجوكي كلميني …. عايز أسمع صوتك إللي وحشني أوي .
فهزت رأسها رافضه أن تتحدث فشعر بأنها لم تسامحه بعد ، تأمل وجهها قائلاً لها برجاء : عاقبيني بأي حاجه إلا إنك تخاصميني .
شعرت شذى بأنه صادق في مشاعره هذه المرة ، فهمست له قائلة بتلقائية : بس أنا مش مخصماك …. أنا بس عايزة أسمع صوتك يا آسر .
شعر آسر بسعادة كبيرة بداخله ، فتلاقت أبصارهم بمشاعر مختلفة ، فضمها أكثر بين ذراعيه قائلاً لها بحب : يعني خلاص سامحتيني يا عمري …. بعد كل إللي عانتيه بسببي .
رمقته بعتاب حزين قائلة له : طب يعني خلاص إنت مش هتطلقني يا آسر ، أغمض آسر عينيه بندم شديد قائلاً لها : لا طبعاً …. أنا عمري ما هطلقك وأسيبك أبداً …… شذى إنتي أغلى حاجه في حياتي ، إنتي كل حياتي ومستقبلي إللي جاي .
حدقت به بقلب مرتجف غير مصدقة أنها تستمع إلى ما تريده منه ووضعت رأسها على صدره .
تمنت أن تظل هكذا إلى الأبد معه بعد أن إستمعت منه إلى ما كانت تريد سماعه دائماً ، أغمض آسر عينيه بإرتياح فكل مرة ينام وحيداً ، حزيناً في غرفته ، لكن اليوم فهي معه بين ذراعيه وسوف تظل معه ولن تكون لسواه بعد كل هذا الحرمان الذي عانه في بُعدها عنه .
في اليوم التالي إستيقظ آسر قبلها …. فتح عينيه ببطء وابتسم بحنان عندما رأى زوجته نائمة بين ذراعيه ، شاعرة بالأمان مثل الطفلة التي تعود إلى أحضان أبيها بعد غيابه الطويل بعيداً عنها .
أبعد شعرها عن وجهها بحب مقبلاً لها في جبهتها ، شعرت شذى بأنفاسه القريبة من عينيها ، ففتحتها بخجل وتورد وجهها فابتسم لها بشوق قائلاً لها : صباح الخير ….. من زمان وأنا نفسي في اللحظة دي .
فأشاحت ببصرها بعيداً عنه بحياء ،، فوضع يده تحت ذقنها لكي تواجهه ، مقترباً من وجهها فارتجفت شفتيها ، كلما جاء ليقترب منها ، هامساً أمام شفتيها قائلاً لها : وحشتيني يا شذى …. فأغمضت عينيها بقلب مرتجف من الحب هذه المرة .
شعرت به يقبلها بشفتيها بإشتياق وبمشاعر جياشه تجتاحه الآن ، وهو يحتضنها بقوة ولهفة ، فهو منذ زمن لم يفعلها إلا عندما رأته في حفل زفاف شقيقها مروان ، فكان هذا اليوم صدمةً كبيرةً له ، فضمها كما يفعل الآن ورغم غضبه وقتها إلا أنها شعرت بشوقه إليها .
ذابت شذى بين هاتين الذراعين القويين من جديد ، شعرت أنه بالفعل أتى ليبقى معها ولن يتركها كما كان سيفعل ، وإن شوقه هذا ما هو إلا حب ، عشق ، حتى إذا لم يكن سيعترف بذلك الآن لكن عينيه ودفء ذراعيه يدلان على ذلك ويبلغانها عن ما في داخل قلبه من مشاعر وهي راضية الآن وبالتأكيد أنه سيأتي يوماً ما وسيعترف لها بعشقه وحبه لها ، وبكل ما يحمله قلبه من أسرار لم تفهمها إلى الآن .
عادَ سوياً في المساء إلى الفيلا بسيارة آسر ، بعد أن إرتديت الثوب التي كانت قد اشترته قبيل موعد زفاف نور والتي كانت برفقتها عندما أتت به ولكنها لم ترتديه في يوم الزفاف ، إنما إرتديت ثوب زوجها الذي إبتاعه خصيصاً لها في هذه المناسبة وتمنى وقتها أن ترتديه وبالفعل لبت طلبه في ذلك .
هبطا سوياً من السيارة ثم نظرت شذى إلى زوجها الذي تأبطت بذراعه بسعادة طاغية ، والذي كان جذاباً في هذه الحلةُ الباهظة الثمن قائلة له بتساؤل : ممكن أعرف كانت فين البدلة دي .
ابتسم بخبث قائلاً لها : ليه هتتدفعيلي تمنها ، بدل البدلة اللي قعدتي عليها وكرمشتيها إللي كنت حاططها على الكرسي إمبارح فاكرة ، فاغتاظت منه قائلة له : لأ طبعاً …. هوه أنا أقدر على تمنها ثم أردفت بضيق : بدلتك أنا ما أخدتش بالي منها ومكنتش في وعيي أنا بعمل إيه ساعتها فعقدت على الكرسي بالغلط .
فانحنى عليها بجوار أذنها قائلاً مبتسماً بمكر : أمال فلوس شغلك دي كلها ودتيها فين ، فتركت ذراعه بسخط قائلة له بغيظ : دفعتها في الفستان ده ودفعت إيجار الشقة طبعاً ….. فابتسم ليستفذها فابتعدت عنه أكثر مردفة بسخط بقولها : آسر شكلك هتحاسبني ولا إيه ….. فلحق بها سريعاً قائلاً لها : تعالي هنا يا مجنونة إنتي رايحة فين .
تظاهرت بالضيق قائلة بحدة مصطنعة : إبعد عني ….. هدخل لوحدي , فأمسكها من ذراعها برفق قائلأ لها بصوت خفيض : هوه أنا قلتلك إنك ملكة النهاردة ، في الفستان ده , تخضب وجهها بحمرة الخجل قائلة له بإضطراب : لأ مقولتش إنت بس نازل فيه غيظ من ساعة ما ركبنا العربية .
فقال لها بعبث : هوه أنا أقدر أشوفك وما أغيظكيش يا عمري فقالت له بخبث : يبقى شكلي هرجع في كلامي تاني ، قال لها سريعاً : وأهون عليكي يا ملكة قلبي .
إرتبكت شذى ولم ترد وشعرت أن خفقات قلبها هي من تعبر عن ما بداخلها من مشاعر وكلمات تتمنى أن تبوح بها له .
ابتسم لها قائلاً بخبث : شكلنا كده مطولين في موضوع الخجل ده ، بس مش هسيبك بردو إلا لما ….. قاطعته بخجل قائلة له لتتهرب منه : آسر …… أرجوك بقى كفاية غيظ وإحراج فيه لغاية كده .
زفر باستسلام قائلاً لها بهدوء مصطنع : أمري لله مضطر إني أسكت دلوقتي بس ….. واقترب من وجهها قائلاً لها بصوت يكاد يكون مسموعاً : لكن بعد كده مش هسكت وإنتي عرفاني ساعة ما بصمم على أي حاجه ، وساعتها بقى هتتنفذ يعني هتتنفذ .
ابتلعت شذى ريقها بصعوبة ، تهربت منه قائلة له بصوت متحشرج : يالا ندخل علشان وحشني حازم وجلال أوي .
أمسك بيدها وجعلها تتأبط ذراعه من جديد قائلاً بخبث : مهما تهربي بردو مش هسيبك إلا لما تعترفي .
تظاهرت بأنها لم تفهم ما يقصده ومشيت بجواره وذراعها يرتجف بين ذراعه فحدق بها مبتسماً بمكر صامت .
ما أن وصلوا إلى الباب الداخلي للفيلا كانت هناك مفاجأة بانتظارهم وبالأخص شذى .
إذا بهم تقع على رؤوسهم عدة أنابيب وورود حمراء بمجرد أن تقدموا للداخل بخطوتين ، كانت قد أُعدت خصيصاً لهذه المفاجأة ، إرتجف قلبها بقوة حتى كادت أن تختنق من سرعة نبضاتها وحدقت بمن حولها بذهول وصدمة تامة ولفت ببصرها وهي متأبطة بذراع زوجها ، فقد وجدت أولادها مع زينب الخادمة ووالدتها فانهالت الدموع من عينيها بسعادة عندما رأتهم ورأت الجميع بانتظارهما حتى أولادها وكأنهم يعرفون بالأمر قبلها وابتسم لها الجميع بفرحة عندما رؤها تدخل إلى الفيلا .
فحدقت بآسر بعينين مليئتين بالدموع متساءلتين، فتأثر لرؤيتها هكذا قائلاً بهمس : ده أقل حاجه يا شذى أقدر اعبرلك بيها عن اللي جوايا وأعوضك فيها حتى ولو بجزء صغير من العذاب إللي شوفتيه مني طول كل الفترة اللي فاتت .
ألقت شذى بنفسها بين ذراعية تبكي بشدة من فرط سعادتها ؛ فحملها آسر من على الأرض دون خجل من الجميع ، صارخاً بأعلى صوت لديه وهو يدور بها بين كل الموجودين في المنتصف بقوله بجرأة واضحة وجنون : بعشقـــــــــــــك يا شذى …… بعشقـــــــــــــك …… ياقلبي …… ومش مكسوف وأنا بعترف بيها قدام الكل دلوقتي .
إنهالت دموعها أكثر وأكثر التي كانت آخر عذابها وهي تحتضنه بشدة إلى صدرها ، غير مصدقة أنه يحدث معها ذلك الآن وكأنها خارجة لتوها من أحد روايات القرون الوسطى عندما يخطفها أميرها ، على جواده ؛ ويعترف لها بحبه وعشقه لها بعيدا عن الجميع .
لقد نطق بها أخيراً فارس أحلامها وحبيبها وزوجها وسط الجميع ، نطق بكل كلمة كانت تحلم بها ، معترفاً لها بالعشق وبمشاعر قلبه التي تمنت دائماً أن تسمعها منه .
حدقت بوجهه وهي تحتضن رقبته شاعرة بأنفاسه العاشقة القريبة من وجهها ، تخضب وجهها بالحمرة قائلة له بهمس : إنت بتقول إيه …..!!!!
رمقها بنظرات عاشق ولهان قائلاً بخفوت : بقولك ….. بعشقك يا حب عمري كله ….. بعشقك يا أجمل قدر وصدفة عرفتها في حياتي …..بعشقك يا أجمل وردة في حياتي …… بعشقك بجنون يا أحسن حبيبة وزوجة وأم ….. حبيبتي إنتي قمر نورلي حياتي من جديد .
كاد أن يغشى عليها من كثرت ما يعبر به عن مشاعره وما تسمعه وغير مستوعبة لكل مشاعره الجنونية هذه .
رمقته بعينيها المغرورقة من الدموع قائلة له بهمس العاشقين : كل الكلام ده ليه أنا …. !!!
فأسند جبهته على جبهتها قائلا لها بعشق جنوني : كل الكلام ده يا قلبي مهما قلت أكتر منه ، ما يقدرش يعبر بلو بجزء بسيط عن اللي جوايا من عشق ليكي .
انسالت دموعها من جديد قائلة له بسعادة لا توصف : مش أد عشقي ليك يا حبيب عمري كله ؛ أنا عمري ما هعشق ولا هعشق حد تاني يا أجمل قدر قبلته في حياتي .
حدق بها غير مصدق ما يسمعه منها هذه المرة ، ها قد إعترفت بمشاعرها نحوه ولأول مرة فهي دائما ما يقرأ مشاعرها ؛ في عينيها الواسعتين تلك والذي تمني أن تعترف عن ما ينطق به قلبها وتجسد عينيها هذه الكلمات والمشاعر .
لكن اليوم هو يوم الإعتراف بما في داخل القلوب المعذبة ، التي عاشت كثيراً في شتى أنواع العذاب والحرمان .
فضمها بقوة بين يديه كأنه يجيبها وهو يدور بها مرة ثانية وسط الجميع بجنون ، والكل يصفق لهم مرة واحدة على مشاعرهم المتدفقة تلك نحو بعضهم .
هامسا لها آسر بقوله في أذنها : مش قلتلك إنك هتعترفي ….!!!
فضربته بيدها بحنان على كتفه قائلة له بخجل : آسر خلاص بقى كفاية وبطّل جنان ونزلني اللي حوالينا دول هيقولوا إيه علينا إيه ، هز رأسه رافضاً قائلا لها : مش هيقولوا أي حاجة وهما متوقعين مني أكتر من كده كمان.
فهمست له بقولها بإضطراب : علشان خاطري أنا محرجة الكل بيبص علينا .
فقال لها بصوت عالٍ فجأة وامتلاكية : بس أنا بقى مش محرج ولا مكسوف إنتي حبيبتي أنا وبس .
فارتجف قلبها مع دقات قلبه المتسارعة ورغم ذلك أنزلها ببطء على الأرض ولم يتركها ، متمعناً في وجهها المحرج قائلا لها : ها سامحتيني يا حبيبتي فهزت رأسها بسعادة قائلة له : طبعاً يا حبيبي أنا قلبي ميقدرش يزعل منك أبداً ، حدق بها وقد أمسك أعصابه جيداً حتى لا يقبلها أمام الجميع أو يحملها بين ذراعية ويصعد بها إلى غرفتهم لكنه بدلاً عن ذلك قبلها بجبهتها ببطء وشوق متمنياً أن تكون سامحته بالفعل ، فأغمضت شذى عيناها بخجل ودقات قلبها تسرع كالطبل .
فابتسم الجميع بسعادة لسعادتهم الواضحة ؛ انحنى مروان على أذن زوجته قائلا لها : تحبي أعمل كده
فهمست له بخجل : مروان إسكت أنت بتقول إيه
فقال بمكر : تحبي أوريكي .
فقالت له بسرعة : لا أرجوك اسكت إنت مجنون وتعملها عارفاك .
فهمس لها ليغيظها : يبقى ما دام أنا مجنون ؛ خلاص تعالي وأمسكها من يدها مهدداً ، سحبت يدها من يده بسرعة قائلة له : أنا آسفة إنت مش إنت أنا إللي مجنونة .
ابتسم بمكر قائلا لها : دلوقتي يعني رجعتي بكلامك ، فقالت له بغيظ : مروان أرجوك حد يسمعنا أنا عارفاك جرىء ، ضحك بخفوت قائلاً بخبث : فين الجراءة …. وبسرعة كان مقبلاً لها في جنتها مبتعداً عنها وهو يضحك مثيراً حنقها وخجلها قائلة بإحراج : إيه اللي إنت عملته ده …. كده تحرجني فابتسم لها بحب قائلاً لها : إحمدي ربنا إني عملت كده بس …. ثم إنتي إيه إللي يضايقك أوي كده …. ناسية إنك مراتي ومحدش يقدر يتكلم بنص كلمة.
حدقت به بضيق ظاهري ولم ترد عليه فقال لها بخبث : إذا كنتي لسه مضايقة مني أنا مستعد أصالحك ودلوقتي ….. فأسرعت تقول له بإرتباك : خلاص أنا مش مضايقة أنا كويسه أهوه .
فضحك مروان وهو يضمها بذراع واحدة من كتفيها إلى صدره ؛ فابتسمت بحب له وقلبها يرتجف وهي تتمنى أن تعيش معه بسعادة دائماً .
وقف آسر بجوار زوجته وهو يحيط خصرها بذراعه وكان يقف معهم نور ومروان ووالدة شذى التي كانت سعيدة من أجل أبناءها وخصوصاً شذى التي عادت الضحكة تنير وجهها بسعادة من جديد ، كانوا يتحدثون بسعادة مع بعضهم البعض .
مع مرور بعض الوقت وقف شخص ما بالقرب منهم محدقاً بهم ، وحاملاً معه بين يديه هديةً ثمنية ، لشذى …..!!!
قائلاً لهم بهدوء : شكلي كده جيت متأخر …… ولا إيه …..!!!!
