رواية مطلوب سواق خصوصي (الجزء الأخير من الفصول) بقلم يمنى عبدالمنعم

الفصل التاسع والأربعون : الجزء الأول
ما أن نطقت شذى بإسمه ، قائلة له بصدمة : آسرر ….. حتى تفاجىء آسر بوجودها وهي تطالعه بعينيها ، فهو لا يدري أنها تعمل هنا .
تيبست شذى في مقعدها وهي تحدق بعينيه ساهمه ،اتسعت عينيه بأعين متقدة مشتعلة بنظرات مثل الجمر ، ثم اقترب منها آسر بغضب ، بخطوات مهددة ، جف حلقها في توتر وشعرت أن المواجهة هي السبيل الوحيد لكي تتخلص من هذا الموقف .
وقف أمامها كالمارد الذي سيهجم على عدوه في أي لحظة قائلاً بغضب : ممكن أعرف إنتي بتعملي إيه هنا بالظبط .
حاولت أن تتماسك وأشاحت بوجهها بعيداً عنه قائلة له بثبات إنفعالي : ده مكتبي يا آسر بيه .
حاول آسر تمالك أعصابه لكنه لم يستطع ونسي أنه في مكتب عمل وأمسكها من رسغها بغضب قائلاً لها : ما أنا عارف إنه زفت مكتبك إيه اللي خلاكي تشتغلي هنا من ورايا …. ها ردي .
جذبت ذراعها بقوة قائلة بضيق : أنا بشتغل في شركة محترمة وخلاص إحنا منفصلين يبقى متدخلش في حياتي تاني ، ثم “إنه الشركة مش شركتك ” لما تبقى شركتك إبقى إتكلم .
ظهر الأنفعال جلياً على وجهه قائلاً لها بقسوة غاضبة : شذذذذى ….. شكلك إتعديتي كل حدودك المرادي ومش هسكتلك ، فهتفت به قائلة : هتعملي “إيه يعني ” ها ….. إنطق ….. طالما مش شركتك ، كانت شذى منفعلة ومن شدة تأثيرها بوجوده المفاجىء نسيت أنه رئيسها في الشركة من كلماته لها .
فهتف بها بصوت هادر قائلا لها : إذا كان على العمايل هقدر أعمل كتير أوى وهتشوفي , اقترب من الزر الموجود على مكتبها وضغط عليه بعنف .. .
فقالت له غاضبة : إنت نسيت نفسك ولا إيه …… إنت فاكرها شركتك هيه كمان ، ولا إيه .
رمقها بنظرات نارية مهددة قائلاً لها بسخط : هتشوفي دلوقتي مين صاحبها ، جاءه يهرول إلى مكتب شذى رجل في العقد الثالث من عمره قائلاً له بأدب : تحت أمرك يا بشمهندس .
رمقها آسر بسخرية غاضبة ثم جلس على مقعدها خلف مكتبها واضعاً قدم فوق الأخرى ، وقال للرجل بلهجة آمره : قول للمدام يا إبراهيم أنا أبقى مين .
تلجلج الرجل لدقيقة فحدق به آسر بنظرة قاسية فأسرع إبراهيم يقول له بتوتر : حضرتك البشمهندس آسر صاحب الشركة ورئيس مجلس الإدارة .
شعرت شذى بأن الأرض تمددت تحت قدميها وكادت أن تتهاوى عليها لكنها حاولت أن تتمالك نفسها .
ورغم صدمتها تجاهلت هذا الخبر ، وتذكرت لتوها الأوراق المطلوبة بالأجتماع ، وجهت حديثها لإبراهيم قائلة له بهدوء ظاهري : كنت طلبت من حضرتك إمبارح بعض معلومات عن حسابات الصفقة الجديدة ، جبتهم ولا لسه .,
حدق إبراهيم بـآسر بنظرات متسائلة ثم التفت إليها قائلاً لها : آه جبتهم ثواني وهيكونوا عندك .
رفع آسر حاجه بغموض قائلاً لإبراهيم بصرامة : لا مفيش داعي يا إبراهيم تجيبلها حاجه لأن المدام من دلوقتي تعتبر مرفودة .
دُهش إبراهيم وصدمت شذى من كلمات آسر وجف حلقها ولم تستطيع النطق ، فقال له إبراهيم بتردد : بس يا آسر بيه ليه كده ….. المدام شذى مأثرتش في أي حاجة ومن ساعة ما جات وهيه ماسكة كل حسابات الشركة هنا ومعتمدين عليها بعد ربنا فليه ترفدها .
ذم آسر شفتيه في غضب قائلاً له بحزم : إبراهيم إللي أأقوله يتنفذ مفهوم …. من غير مناقشة .
حدق به إبراهيم قائلاً له : بس يا بشمهندس مينفعش الشركة لسه صغيرة و…… طرق آسر بيده أمامه على المكتب ، بكل قوته قائلاً له : ده قرار وأخدته ومش عايز أي حد يناقشني فيه .
شعر الرجل بالحرج وانصرف من المكتب دون أن يتفوه بأي كلمة ، ابتسم آسر بخبث ليرمق زوجته بنظرات ماكرة ، عابثه قائلاً لها بغموض : ها ….. يا مدام شذى سمعتي قراري .
شعرت شذى في هذه اللحظة بأن كل ما فعلته وستفعله سيضيع سُدى لكن لا لن تتوانى عن ، الدفاع عن حقوقها الذي سلبها منها دون رحمة .
فلهذا قررت أنه مهما يحاول إحباطها ستدافع عن نفسها ولن تكون ضعيفةً أمامه ، فقالت له بهدوء إستفذه كرجل : لأ مسمعتش وميهمنيش قرارك ، أنا جيت هنا من فترة وبشتغل ومش هسيب شغلي أبدا …… مهما عملت معايا .
فضم شفتيه بغضب قائلاً : لها : يعني إيه يعني ….. الكلام ده ….. هتعصي أوامري ، وهتشتغلي غصب عني .
حدقت به بثقة وعقدت ذراعيها أمام صدرها قائلة ببرود أزعجه : حضرتك بالنسبة بالي ما لكش أي حكم عليه ، إنت خلاص هطلقني ، وبعتبر نفسي …. مطلقة منك من ساعة ما حضرتك أخدت قرارك بطلاقي ومن غير ما أعرف ، وعلشان كده بقى ، ما لكش أي حق أوحكم عليه في أي حاجه بتقولها ولا بتعملها وهتعملها معايا ….. عن إذنك …… كانت ستتركه وترحل ….. لكنها توقفت وإلتفتت إليه وأخذت حقيبة يدها من على مكتبها ….. قائلة بجمود مضحك : آه قبل ما أنسى صحيح ….. أنا ماشية وإبقى متنساش تخلص باقي شغلي وخده معاك في الأجتماع .
تركته تركض من أمامه ، حدق بها آسر وهي تتركه بأعين مشتعلة من تصرفاتها الغيرمسئولة وهتف بقوة قائلا لها : ماشي يا شذى شكلك بتحني لعذابك من تاني .
أسرعت شذى من الأنصراف من عملها ، قبل أن يلحق ، وكانت قد قامت بالأتصال على إيهاب .
أوقف إيهاب سيارته أمامها ، وركبت بجواره وهي تشعر بأنها إنتصرت عليه بتصرفها هذا ، فقال لها إيهاب : أنا مفاجأه ليه كل الي سمعته منك دلوقتي في التليفون .
فردت قائلة له بضيق : أنا كمان كانت مفاجأه إنه هوه صاحب الشركة ومتخيلتش أبداً ، إللي شفته دلوقتي .
لم تعرف شذى أن آسر كان يراقبها بأعين كالجمروعينيه عليها وهي تركب بجوار إيهاب غير عابئة بما تفعله من نافذة غرفة مكتبه ، الذي كان بانتظار الأجتماع الذي لن يستطيع اللحاق بها بسببه ، فلقد تأجل من قبل ولن يستطيع أن يعتذر عنه هذه المرة ؛ لكنه تصرف بأمر آخر وهو مازال الغضب يعمي عينيه ولن يتركها هكذا تعبث معه وبمثل هذه الحرية التي تعيشها وهي مازالت زوجته ……
كانت الدادة في إستقبالها عندما دلفت إلى الداخل ، فسألتها بحنان : ها يا بنتي مالك كده ….. يعني جيتي بدري من شغلك عن كل يوم .
فقالت لها بضيق : غصب عني يا داده سيبت شغلي بدري النهاردة ، من فضلك إعمليلي فنجان قهوة …. بسرعة حإسة إني تعبانة شويه .
فقالت لها بعطف : حاضر يا بنتي ….. ثواني وهتكون معمولة …
تمددت شذى في فراشها بعد أن تناولت دواءها ، الذي مازالت تأخذه إلى الآن كما أخبرها طبيبها النفسي .
قالت لها بهدوء : لا يا دادة شكرا .
أغلقت شذى رموش عينيها وهي ترى خياله كأنه موجود أمامها .
تنهدت بقلب موجوع وهي تتذكر ما دار بينهما في يوم زفاف مروان .
انحنى آسر على وجهها وكاد أن يقبلها بقلب متلهف لهذه اللحظة فحدقت به بقلق وقد حبست أنفاسها وهو يقترب من شفتيها .
فصدته بيديها فجأة من صدره ، مشيحة بوجهها بعيدا عنه ، شعر آسر بالغضب من فعلتها وزاد شعوره هذا مع الإهانة لكرامته كرجل .
وهبت شذى واقفة من على الأرض مسرعة ، أسرعت في تعديل ثيابها .
باغتها آسر من وراء ظهرها ، بحملها بين ذراعيه بسخط غاضب .
حاولت أن تبتعد عنه وتهبط من بين ذراعيه لكن ذراعيه كانت أقوى منها .
فتمسك بها بكل قوته ، وملامحه الشرسة تنطق بالوعيد والتهديد .
خفق قلبها بشدة فقالت له : ابعد عني …. انت عايز مني إيه تاني …. ابعد ….. لم يحدثها آسر إنما ألقى بها على الفراش بعنف .
حدقت به بهلع وذكرها ذلك الموقف ، عندما كان يريد الاعتداء عليها .
فأصابها الرعب وهو يقترب منها كالأسد الجائع ، وكأنه مغيب عن الوعي فيما سيفعله بها .
ابتعدت عنه إلى الوراء مدعية الثبات ، متظاهرة بالهدوء ، اقترب منها آسر أكثر قائلا بغضب جارف : إنتي شكلك نسيتي أنا أبقى مين…… مش كده …..!!!
هتفت به بقوة قائلة له : لا مش ناسية إنت مين ……. إنت البشمهندس آسر …… جوزي السابق …… اللي من قبل ما أتجوزه وهوه معذبني معاه ……. ولغاية دلوقتي …… وأنا عايشة في عذاب …. وحرمتني من ولادي الصغيرين …… إللي ملهمش ذنب ….. ده غير الجحيم اللي عيشتني فيه بسبب قسوتك ….. وجه وقت عليه وقلت إنك بطلت تعذب فيه خلاص وبدأت تقرب مني …… لكن كل ده كان كدب ……. كدب ….. وتمثيل عليه أنا ……. وكنت وقتها أنا زي الغبية ….. صدقتك وصدقت مشاعرك المزيفة ناحيتي …… لكن كل ده ….. طلع كان وهم كبير وزيف ، وحلم جميل عيشتني فيه…. ورمتني للجحيم من تاني …… ده غير خيانتك ليه مع ناني وسفرك معاها اليونان والغردقة ….. ها تحب أقول كمان …… ولا كفاية عليك كده …..
كانت ملامح آسر غامضة ، جامدة …. لا تعرف بأي شيء تشعر به حياله ولا بأي شىء يفكر …
بعد مرور وقت من الصمت المبهم بينهما وأبصارهم تتلاقى في عذاب وحرمان قال لها بضيق غاضب : ومين قال إني جوزك السابق …. هوه أنا كنت طلقتك ….. فقاطعته قائلة بقلب موجوع : أمال ليه طلعتني بره حياتك فجأة ….. وبكل قسوة وتحرمني من ولادي الأتنين وبدون ضمير ….و اللي لسه حتى ملحقوش يشبعوا من حضني ولا من حناني ….
قولي ليه ….. تعمل فيه أنا كده ليه …..
لم يرد آسر على تساؤلاتها ولا على قلبها الموجوع ؛ ظل محدقا بها بجمود غاضب قائلا لها بسخط : وطبعا حضرتك ما صدقتي ورحتي تجري عليه ……. مش كده ……وتشتكيله مني …… واللي هوه بالنسبه بالك رجل غريب …… يا هانم وباعتالي معاه خاتم جوازنا ……. إللي نبهتك مليون مرة إنك متخلعهوش من إيدك …….وفي الآخر جاي يقولي إنه هيتجوزك بعد ما أطلقك ……. ده بعينكم إنتم الإتنين ……. نجوم السما أقربلكم …… إنتي مراتي أنا وبس …… فاهمة …..
هتفت به بغضب قائلة له : لا خلاص أنا مش مراتك ….. إنت ….. هطلقني يا آسر يعني هطلقني …….. لأن خلاص تعبت من الحرب معاك ….. ومفيش فايدة من كلامك دلوقتي ….. وإنت إللي قلت كده يبقى خلاص …… سيبني أعيش حياتي زي ما أنا عايزة …..
شعر آسر بأن الغضب يثور بداخله ؛ فازدادت عصبيته أكثر ولم يعي لنفسه بما يفعله كلما يتخيلها مع إيهاب ؛ فاقترب منها بسرعة واحتضنها بكل عنفه وقوته بين ذراعيه قائلا لها بصوت هادر : لا مش هسيبك …… عارفه يعني إيه ……. مش هسيبك أبدا …….. إنتي ليه لوحدي أنا ….. إنتي مراتي أنا وبس …….. ومش هتقدري تعيشي من غيري ….. قلبك ده ليه لوحدي ….. أنا ….. ومش هيبقى لحد …… تاني غيري …… أنا .
أيقظها من شرودها صوت طرقات على الباب فقالت بشرود : إدخل
دلفت عليها فاطمة بفنجان القهوة قائلة له : إتفضلي يا بنتي تؤمري بحاجه تانية ، فقالت لها بهدوء : لا يا دادة متشكرة أوي .
هتفت شذى بداخل نفسها قائلة بغضب : مش هسيبك تعمل إللي إنت عايزه فيه يا آسر .
في اليوم التالي إستعدت شذى للذهاب إلى عملها وأوصلها إيهاب إلى هناك متعمداً ذلك ، حتى يثير غيرة آسر أكثر من ذلك ويتمسك بشذى أكثر من ذلك
أصرت شذى على الذهاب قبل موعد زوجها إلى الشركة ، حتى لا تصطدم به ، أكثر من ذلك .
وكان التحدي يملئ قلبها ، لعلها تعذبه مثل ما عذبها من قبل ، دلفت إلى مكتبها وطلبت لنفسها من نادل الشركة فنجان من القهوة .
دلفت إلى مكتبها بكل هدوء لكن ، هذا الهدوء زال وأصبح مثل الرماد عندما وجدت عينين ، حادتين ، متقدتين غضبا ، من ما يشعر به حيالها في هذه اللحظة .
جالساً فوق مقعد مكتبها ، محدقاً بها بتلك النظرات القاتلة ، تجمدت أطراف شذى في مكانها ، وهرب الدم من وجهها فهي لم تكن تتخيل أنها ستجده الآن أمامها في مكتبها .
بلعت شذى ريقها لكي تتحدث لكنها فشلت في التحدث وكأنه علم بالأمر قائلاً لها بغضب : ممكن أعرف إيه إللي جابك هنا .
شعرت شذى بأن تحديها ذهب أدراج الرياح ، لكنها تمالكت نفسها بالرغم منها قائلة بصوت متحشرج : والله أنا جاية شغلي واللي بقبض عليه فلوس وعايشه منه .
ضغط آسر على شفتيه بغضب وإنفعال جامح ، حتى أنه أدماها قائلاً لها بسخط : وإنتي مرفودة من إمبارح مش كده ، ومش هرجع في قراري تاني .
فقالت له بغضب : أنا مش عارفة إنت ليه مصرّ على إنك تدخل في حياتي ، ما تسيبني أعيش حياتي زي ما أنا عايزة .
ما إن إنتهت من جملتها حتى وجدته يقف أمامها ويواجهها ويمسكها من ذراعيها بقوة قائلاً بصوت هادر : إخرسي خالص يا مجرمة ,, إنتي حياتك هيه حياتي أنا ، إنتي عايزة تطلقي مني علشان تتجوزي إيهاب ، إللي خلعتي خاتم جوازنا علشانه ….. مش كده ….. ودايره معاه من مكان لمكان لوحدكم مش كده ….. وإنتي واحدة متجوزة …. ومش متجوزة من أي حد وخلاص ، إنتي متجوزة آسر جلال الدين ؛ تألمت من إهانته لها بهذه الطريقة المهينة بهذا الشكل ، جذبت نفسها من بين يديه ودموعها تنهمر على وجنتيها قائلة له : أنا نفسي أعرف هتفضل تشك فيه لغاية إمتى ….. لغاية إمتى هتهني ….. لغاية إمتى …. هتفضل قسوتك معايا طول الوقت وبتعاملني بيها على طول .
حدجها بجمود وكان وجهه بدون تعبير لأي نوع من المشاعر ، فأخذت تضربه في صدره بكل قوتها قائلة : رد عليه ….. مبتردش ليه …. رد …. إتكلم …. لإمتى هتعاملني كده ….. أنا مش عبده عندك علشان تعاملني كده .
أمسك بيديها التي تضربه بها وأخذ يتفحص وجهها المجهد قائلاً لها بغضب مكتوم : إنتي مش لسه جاية معاه دلوقتي وإمبارح كمان جه وأخدك من قدام الشركة ….. مش كده يا مدام …. ما تنطقي وتقولي إذا كنت غلطان .
جذبت يديها من قبضتيه بقوة وشعرت بأن قلبها سيختنق من الغضب الداخلي لها ، فأسرعت نحو حقيبتها وفتحتها وتناولت منه حبه من حبات الدواء المقرره لها .
وأخذت تبتلعها بقوة ورشفت بعدها ، القليل من الماء الموجود فوق مكتبها ، فأسرع نحوها آسر مصدوماً وأخذ يتساءل أي نوع من الدواء هذا الذي ترتشفه الآن .
وقف بقربها قلقاً قائلاً لها بجزع : إيه البرشام إللي أخدتيه دلوقتي ….. إنطقي .

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *