رواية ظنها د……..مية بين أصابعه (الفصل السابع والتسعون إلى التاسع والتسعون) بقلم سهام صادق

الفصل السابع والتسعون (1)
🌻ظنها دمية بين أصابعه🌻
أخذها الحنين نحو ما مضى من العمر بحلوه ومره، نحو الأوجاع نحو الضحكات نحو فرحتها الحقيقية في ذلك اليوم الذي تَكَلَّلَ فيه زواجها بــ ولادة “صالح” ، الحفيد الصبي الذي أدخل البهجة المفقودة لقصرهم الواسع.
حياتها وأحلامها مُنْذُ ذلِكَ الحِيْن تغيرت وفتح لها السيد “شاكر” ذراعيه يدعوها بأبنته الحبيية الغالية وقد وقعت في فخ هذا الحب ودفعت ثمنه غاليًا وأصبح دورها في حياة طفلها مقتصر على ما يُحدده هو لها و لم تعهد في حياتها رجلًا مُتجبِّرًا ذو عقل صلد إلاَّ سِواهُ.
أنسابت دموع “حورية” مع حنينها لطفولة “صالح” التي لم تعيشها إلا بتلك الصور والتي كانت شغوفة بألتقاطها له لتكون ذكريات سعيدة لهم كعائلة يتذكروها كُلما مرت السنين.
والدموع التي أنسابت على خديها في صمت أصبحت مسموعة مع خروج صوت شهقاتها عاليًا وقد أخترق ذاكرتها ذكرى قريبة عندما رأى “صالح” تلك الصور ورمقها بنظرة ساخرة وكأنه يُخبرها أن هذا فقط ما صنعته له ، مجرد صور يظهروا فيها عائلة سعيدة مترابطة يحسدونه أقرانه عليها.
_ “حورية” هانم، دكتورة “حورية”، أفتحي الباب ، أعمل إيه أنا دلوقتي عشان تردي عليا.
هتفت بها الدادة “نعمات” بيأس، فهي الخادمة المُقربة منها وقد أصاب قلبها الفزع عليها.
_ يا دكتورة ردي عليا، ده أنتِ من صباح ربنا قفله على نفسك.
أستمرت “نعمات” بطرق الباب والنداء عليها.
_ سبيني يا دادة “نعمات” لوحدي…
كادت أن تُخبرها “نعمات” إنها لا تستطيع تركها خاصة بعد أن سمعت صوت بكائها.
_ من فضلك يا دادة …
ابتعدت “نعمات” عن باب الغرفة ثم أطرقت رأسها حزنًا ، فما عساها أن تفعل لسيدتها التي لم ترى منها إلا خيرًا.
_ أنا هكلم الدكتور “صفوان” تاني يمكن المرادي يرد عليا، لا لا أكلم “صالح” وأقوله إنها من الصبح منهارة وقفله على نفسها.
أسرعت برفع هاتفها أمام عينيها حتى تبحث عن رقمه لكن لا تعلم لِما يديها خانتها وأتجهت نحو أخر شخص أتى إلى ذهنها الآن.
…
زفرت “زينب” أنفاسها بضجر ثم ألقت القلم الذي بيدها داخل الدفتر الذي تُحضر به الدرس الذي عليها أن تُدرسه بالغد لطلابها بالمعهد وقد بدأت أخيرًا دورة جديدة لتعليم اللغة التي تقوم بتدريسها.
_ شوفتي أخر المرقعة إيه، اه أنا حاسه إن عقلي واقف، أقوم أشوف “يزيد” خلص الهوم ورك بتاعه ولا لسا، حتى هو مش عجبني الفترة ديه.
هتفت بها ثم لطمت طاولة المكتب الذي تضع عليه جهاز الحاسوب ودفترها وبعض الكتب التي تُساعدها على أستذكار اللغة الفرنسية وتعلم بعض المهارات التربوية التي تجعلها مميزة في مهنتها.
_ فوقي كده يا “زوزو” وبلاش دلع وأنتخه.
وعندما أقتحم ذهنها بعض الدلال الذي أصبحت تعيشه على يديه، تهاوت بجسدها مرة أخرى على المقعد الموجود ورائها.
_ يا ترى الدلع مجرد وقت وهينتهي ولا هيفضل طول عمره يدلعني زي ما وعدني.
وأنفلتت من شفتيها تنهيدة طويلة ثم أتسعت أبتسامتها.
_ هو يدلعني حبه وأنا أدلعه حبه والدنيا هتمشي حلو.
وخرجت من شفتيها ضحكة رقيعة لا تستوعب كيف ضحكتها.
_ لأ أنا أتغيرت خالص وبقيت أحب الأستعباط.
_ “زوزو” ، “زوزو”…
صاح الصغير باسمها مُندفعًا لداخل الغرفة دون طرق الباب لتنتفض من مكانها بفزع.
_ في حاجة حصلت ولا إيه، عملت إيه قولي..
نظر لها “يزيد” بأستغراب وأشار إلى هاتفه الذي يحمله.
_ معملتش حاجه يا “زوزو”، ديه ناني “نعمات” عايزاكي.
وضعت “زينب” يدها على موضع قلبها حتى هدء من خفقانه ونظرت إليه بنظرة تحمل دهشتها.
_ دادة “نعمات” عايزه تكلمني؟
أوْمأ الصغير برأسه وأقترب منها.
_ أيوة يا “زوزو” ، كلميها بسرعة.
لم تدع عقلها في تساؤلاته وألتقطت منه الهاتف ليأتيها صوت “نعمات” مع خروج أنفاسها بلهاث.
_ ست “زينب” ألحقيني.
….
أغلقت “عايدة” باب غرفتها،فنظرت إليها “ليلى” بحاجبين معقودين وغرابة.
_ مش عايزه “سعيد” يسمع كلامنا، أنتِ عارفاه مش هيسبنا في حالنا.
أسترخت ملامح “ليلى” وأنفكت عقدة حاجبيها وأبتسمت.
_ هو الموضوع سر أوي كده.
تساءلت بحيرة ، فهزت “عايدة” رأسها قائلة بنبرة صوت حانية.
_ تعالي أقعدي جانبي الأول وقوليلي من يومين كنتي عايزه تقوليلي على موضوع وأتحرجتي تتكلمي فيها حتى أمبارح حسيت إنك عايزة تتكلمي معايا في حاجة شغله بالك.
تنهدت “ليلى”بزفرة طويلة وجلست جوارها على الفراش.
_ أنا عملت أختبار حمل أمبارح…
لم تنتظر “عايدة” أنا تواصل كلامها وهتفت بلهفة وفرح.
_ فرحي قلبي وقوليلي إنك حامل..
أبتلعت “ليلى” لعابها ثم أخفضت رأسها ، فــ علمت “عايدة” الرد وأنطفأت لهفتها.
_ أنا عايزة أكشف وأشوف سبب التأخير.
وبصعوبة أردفت.
_ كنت مأجله موضوع الدكتور لأني خايفة يكون العيب عندي…
خرج الكلام منها بمرارة تجرعته هي أولًا لتتذكر “عايدة” رحلة علاجها هي و “عزيز” زوجها ثم أسرعت بألتقاط يديها.
_ إن شاء الله هيكون التأخير مجرد وقت يا حببتي وهشيل عيالك وأربيهم معاكي ويقولولي يا تيتة “عايدة”.
ودمعت عينين “عايدة” وقبل أن تُشاركها “ليلى” البكاء الذي هي بارعة فيه ، ضمتها “عايدة” إليها بحنان.
_ عايزين نتفائل بالخير يا “ليلى”.
…
أقتربت “نعمات” من “زينب” بأنفاس هادرة تُحاول إلتقاطها فور أن فتحت لها الخادمة الباب.
_ كويس إنك جيتي بسرعة يا ست “زينب”.
نظرت “زينب” نحو “يزيد” الذي ظهر على ملامح وجهه الخوف.
_ من فضلك خدي “يزيد” الجنينه يلعب فيها.
زمَّ “يزيد” شفتيه بعبوس ونظر نحو الخادمة التي فتحت لهم الباب.
_ لأ يا “زوزو” عايزه أطلع معاكي عند نانا حورية.
داعبت خده بيدها ونظرت إليه بنظرة صار يفهمها.
_ “يزيد” حبيبي أسمع الكلام وشوية صغيرين هننزل أنا ونانا حورية ليك.
_ حاضر.
سلوك الصغير وأعطاء يده ليد الخادمة جعل “نعمات” تنظر إليهم بفاه مفتوح.
_ قوليلي يا دادة مالها دكتورة “حورية” قلقتيني عليها.
أنتبهت “نعمات” على سؤالها وتنهدت بقلة حيلة.
_ والله يا بنتي ما عارفه فيها إيه، الدكتور “صفوان” مش بيرد على التلفيون وشكله عنده عملية والباشا الكبير خرج من ساعتين وهو والدكتورة الفترة ديه مش على وفاق وقولت لو اتصلت بـ “صالح” اكيد مش هيرد عليا كمان لانك عارفه مش بيهتم بالتليفون طول ما هو في الشغل.
سارت “زينب” أمامها بعدما طالت ثرثرتها وقد شعرت بأرتياح شديد لمعرفتها أن الجد “شاكر” غير موجود بالقصر.
_ خلاص يا دادة أنا طالعه ليها وهطمنك يا رب بس تفتح ليا الباب.
توقفت “حورية” عن التقليب بين الصور والتي أفترشت بهما أرضية الغرفة.
_ دكتورة “حورية”، أنا “زينب” من فضلك أفتحي ليا الباب عايزه أطمن عليكي ،دادة “نعمات” قالتلي إنك مش كويسة ، أرجوكي ردي عليا.
حدقت “حورية” نحو الباب لتستمر “زينب” في ندائها بأن تفتح لها الباب.
…
نهضت “ليلى” من جوار “عايدة” بعدما منحتها بعض الأمان.
_ كنت عايزه أقعد عشان أخلص الشغل اللي ورانا لكن “عزيز” موجود في الفيلا ولو أتأخرت شوية كمان هنلاقي قصادنا، ده بقى زي الأطفال أغيب شوية عن عينه يفضل يدور عليا ويسألني أختفيتي و روحتي فين.
وبشفتين مذمومتين أردفت.
_ هو أنا بروح مكان غير هنا أو لو خرجت معاكي نشتري حاجة.
ألتقطت “عايدة” يدها وأبتسمت.
_ معلش يا لولو أستحملي، بكره يبقى في طفل وتلهي نفسك معاه وهو غصب عنه هيتلهي عنك شوية.
رمقتها “ليلى” بنظرة تحمل الأمل نحو هذا اليوم ثم تنهدت.
_ نفسي يكون عندي صحاب، أنا قطعت علاقتي بـ “سلوى” و”عبير” بعد ما نصحتيني أخر مرة حتى مبقتش أرد عليهم ، تعرفي نفسي أتواصل مع “زينب” وجدها سيادة اللواء لكن يعني…
قطعت “عايدة” حديثها بعدما فهمت سبب توقفها عن الكلام.
_ “عزيز” بيه مش عايز دايرتك توسع مع الناس…
وبهدوء وحكمة أستطردت بنبرة لينة حتى لا تزيد عليها بؤسها.
_ لو “زينب” كانت قربت منك كنت قولتلك أتكلمي معاه لكن هي كمان بعدت يا حببتي.
أحتل الحزن ملامحها وبصوت خافت تمتمت.
_ عندك حق..
شعرت “عايدة” أنها تحتاج لحضن أخر منها لعلها تُخفف من شعور الوحدة داخلها.
_ أحنا أه عيلة واحدة وليكي عليا مع كل مشوار نروح فيه للدكتورة عشان متابعة الحمل أخدك ونتمشى شوية.
تقابلت عيناها بعينين “عايدة” وخفق قلبها بتوق.
_ يا رب الدكتورة تبشرنا بكره.
…
دمعت عينين” زينب” من شدة الضحك وهي تستمع لتلك الحكاية التي تخص “صالح” قبل إلتقاط إحدى الصور له.
_ مش قادرة أتخيل يا طنط إن “صالح” طفل متوحش.
أبتسمت “حورية” وهزت رأسها ثم تنهدت ببطء.
_ لأ خالص مكنش شقي ،حبيبي كان طفل هادي ومطيع وسابق سنه لكن المُصَوِّر فضل يشده من خدوده لحد ما لقى إنه يعاقبه بنفس الطريقه لكن بطريقة أشرس.
تجلجلت ضحكات “زينب” عاليًا ،فنظر إليها “يزيد” الذي شاركهم جلستهم وأخذ يتفحص صور والده معهم رغم إنه رأها من قبل مع جدته.
_ يقوم يعضه من خده لحد ما يجيب دم، لا “صالح” كان متوحش
_ لأ يا “زوزو” بابي مش متوحش ومش بيحب يعض لكن أنتِ بتعملي كده.
وبأجفان مسبلة ببراءة واصل كلامه ثم نظر إلى جدته.
_ حتى خربشتي بابي في ضهره.
جحظت عيناها عندما بدأت تفهم ما يقصده ليُسرع “يزيد” نحو جدته ضاحكًا.
_ “زوزو” بتخربش بابي في ضهره.
_ “يزيد”
صرخت “زينب” به حانقة ثم هربت بعينيها بعيدًا عن أنظار “حورية” التي داعبت شفتيها ابتسامة واسعة.
_ وأنت ليه أتهمت “زوزو” يا حبيبي وشيفها إنها خربشت ضهر بابي ، ما يمكن تكون قطة خربشته.
ألقت “حورية” كلامها ثم نظرت نحو “زينب” بعبث وتمالكت نفسها حتى لا تصدح صوت ضحكاتها وتزيد من حرجها.
_ “زوزو” بتنام جانب بابي مش القطة يا نانا.
أشتعل وجه “زينب” بالأحمرار، لتجذب “حورية” الصغير إلى حضنها.
_ أنا بقول تيجي تعيش معايا أنا وجدو “صفوان” الفترة ديه يا حبيبي لحد ما “زوزو” تجيب لينا نونو حلو شبهك كده.
أشاحت “زينب” وجهها عنهم بعد خرج صوت “يزيد” مُتذمرًا.
_ لأ أنا هفضل معاهم لحد ما يجيبوا ليا نونو وأجيبه معايا ونلعب هنا في الجنينة.
والأستحسان الذي رأته “حورية” اليوم على وجه “زينب” عندما ذكرت أمر الأطفال جعلها تتراجع عن كل ما فكرت فيه منذ الأمس.
….
كوب من العصير أخذته إليه وهي تصعد إلى غرفتهم التي يعمل بها بدلا من غرفة مكتبه.
_ عملتلك عصير بدل الشاي تشربه من غير جدال.
ضحك “عزيز” وألتقط منها كوب العصير وقال مازحًا.
_ هاتي يا ماما “ليلى” هشربه كله لأني بسمع الكلام.
بنظرة حانية رمقته ثم داعبت خصلات شعره.
_ “عزيز” هو إحنا ممكن نأجل سفرنا للمزرعة يومين كمان.
توقف “عزيز” عن إرتشاف العصير ونظر إليها بنظرة ثاقبة، فأسرعت بدفع الكوب نحو شفتيه برفق حتى يواصل أرتشاف ما به.
_ مرات عمي عندها ميعاد عند دكتور العظام بكره عايزه أروح معاها وأطمن عليها ، أنت عارف إن من ساعت وفاة عمي مش بتخرج لوحدها.
ضاقت حدقتيّ “عزيز” ،فداعبت هذه المرة خديه.
_ نأجلها يومين يا “عزيز”.
أبتلع “عزيز” بقية العصير ثم زفر أنفاسه بقوة.
_ والله شكلها هتتأجل خالص يا “ليلى”، عموما القرار قرارك لأن روحتنا للمزرعة عشان تغيري جو.
صدح صوتها بسعادة وأحتضنته ثم همست بجراءة بدأت تُثير دهشته.
_ الليلة هكون زي ما أنت عايز ومش هقولك مكسوفة.
و “ليلى” الخجولة صارت جريئة على يديه وأصبحت تدهشه في علاقتهم وقد أصبح الأمر يدفعه إلى الخوف.
…
فُوجئ “صالح” من وجود “زينب” في منزل عائلته حتى هذا الوقت بل ووافقت على دعوة جده لتناول طعام العشاء معهم.
بنظرة خاطفة دارت عيناه بينهم ، “زينب” و والدته يجلسن سويًا ويتحدثن و جده يُشارك يزيد باللعب ويُمازحه.
تحرك نحوهم دون أن ينطق بأي حديث ، فـ تقابلت عيناه بعينين جده الذي أنتبه على وصوله.
_ كده ننادي على “نعمات” عشان تبلغهم في المطبخ إنهم يحضروا السفرة.
أبتسمت “زينب” عندما رأته و أسرعت نحوه.
_ تشنج رقبتك خف.
تساءلت بقلق، فهي بالصباح أنتبهت على تمريره لـ يده على عنقه وظهور الآلم على وجهه لكن أخفى هذا عنها وغادر إلى عمله بعدما أكد لها مرارًا إنه بخير.
_ أه يا جبيبتي بقيت أحسن.
أمتقعت ملامح “شاكر” عندما أبصر تقاربهم ثم أشاح وجهه عنهم ونظر نحو “يزيد” الذي صار عقله مشغولًا مع تلك الطائرة التي يُصلحها.
_ أستعجليهم في المطبخ يا دكتورة.
أخفت “حورية” أبتسامتها عندما رأت حنق والد زوجها من المشهد الذي أسعد فؤادها كأم.
_ دقايق والأكل يكون جاهز.
أطبق” صالح” جفنيه للحظة ثم أتجه نحو والدته وأحتـ,ـضنها.
_ بقيتي أحسن دلوقتي…
ترقرقت الدموع في عينين “حورية” ورفعت رأسها إليه وعلى شفـ,ـتيها أبتسامة عريضة.
_ طول ما أنا شيفاك يا حبيبي أنت و مراتك وأبنك بخير ،فأكيد هكون بخير.
نبرة صوت والدته المتحشرجة دفعته لضمها إلى حضـ,ـنه بشدة وتقبيل رأسها.
_ أنا موجود جانبك وفي ضهرك.
عبارة جمعت كلمات منفردة لم تتوقع “حورية” أن تسمعها منه يومًا لترفع يدها و تُمررها على خده بأعين دامعة.
_ عارفة يا حبيبي ومتأكدة كمان.
والمشهد الجميل الذي ألتمعت فيه عينين “زينب” بالدموع دمره الصغير بصياحه.
_ بابي أنا كمان عايز حضن كبير زي نانا “حورية”.
….
أغلقت “شهد” باب غرفتها عليها بأحكام ونظرت إلى هاتفها الذي أضاء باسم “لميس” صديقتها.
فتحت المكالمه وتحركت نحو الفراش ، فـ أرتفع صوت “لميس” عاليًا عبر الهاتف.
_ أنا لسا شايفه رسالتك يا “شهد”، معقول عايزه نصيحتي في حاجة زي ديه.
ظنت “شهد” لوهلة أن “لميس” ستقف في صف والدتها وتدعم قرار رفضها لكن “لميس” أعطتها الرد الذي تُريده.
_ طبعًا وافقي على العرض، فيها إيه لم تأجلي الكلية سنه ، أه حتى تشوفي نفسك عايزة تدرسي إيه مش أهلك عايزين إيه.
خرجت زفرات “شهد” بتقطع ثم تساءلت بنبرة صوت أقرب للهمس.
_ ماما مصممه على رأيها يا “لميس” وهتكلم “عزيز” بيه يتدخل لو فضلت على رأي.
_ ديه حياتك أنتِ يا “شهد”، وديه فرصة ليكي عشان تطلعي لفوق… الشركة اللي بعتيلي أسمها ليها أسم كبير في السوق.
برقت عيناي “شهد” بنظرة حاقدة على حياتها خاصة بعدما أستطردت “لميس” في كلامها.
_ مامتك عايزاكي تفضلي طول عمرك عايشة تحت، شوفي بنت عمك بذكائها وصلت لفين لكن أنتِ سامحيني حتى الشخص اللي بتحبي مش شايفك ويوم ما هيتجوز بعد جوازه ما يفشل هيفكر في بنت صاحب شركة وسيدة أعمال ، أكيد شوفتي نظرته ليها يومها… عايزه أقولك إني حاسه إنهم على علاقه وقريب هينفصل عن مراته عشان يرتبط بيها وهتفضلي أنتِ يا “شهد” تتفرجي بس عليهم.
وحتى تجعل الحقد يتسلل داخلها أردفت بنبرة حزينة مصطنعة.
_ هتتوجعي أوي يا “شهد” المرادي، بنت عمك زوجة لـ
“عزيز الزهار” والبشمهندس الوسيم زوج لـ ليدي حلوه بنت ناس وأنتِ عايشة في حتت بيت صغير جوه جنينة الفيلا.
والأمر لم يكن يحتاج إلا للمزيد من الكلام لتُنهي “لميس” المكالمة معها وهي مبتسمة.
_ أما نشوف يا “شوشو” هتعملي إيه؟
…
بدأوا في تناول وجبتهم بصمت وقد أقتصرت مائدة الطعام عليهم ، شعرت “حورية” بالراحة لعدم وجود “رغد” التي لم تعد تُفضل وجودها بينهم.
_ تعرفوا يا ولاد جو المزرعة وحشني.
تمتم بها “شاكر” قاصدًا بعدما توقف عن مضغ الطعام ليقطب “صالح” جبينه ثم نظر إليه بنظرة متوجسة.
_ الجو هناك يرد الروح، بفكر أخد “نائل” ونرجع تاني هناك للهدوء.
ترك “صالح” بعنف كوب الماء الذي كاد أن يرتشف منه ،فاتجهت أنظار “زينب” و والدته إليه مُندهشين من حدة ملامحه.
لم يرفع “شاكر” عينيه عن طبقه وأستمر بحديثه ولم يخفى مبطنه عن “صالح” الذي زادت ملامح وجهه قتامة.
_ جدتك ليها ذكريات حلوه هناك ، هو “نائل” محكاش ليكي يا “زينب”.
أبتلعت “زينب” ما تناولته من خضار ونظرت إليه بنظرة جعلت “صالح” يتأكد أن جده لعبها معه الليلة بذكاء.
….
غادرت “مروة” تلك البناية التي لم تتخيل أن يكون لها شقة بها ، فهي حاولت فقط أستئجار شقه لبضعة أشهر حتى تستطيع أصطياد حصان رابح جديد لها ولن تجد أفضل من “صالح الزيني”.
_ الشقة يومين وتنقلي فيها يا هانم.
قالها المحامي الذي تولى دفع المال وتوقيع عقد البيع ، لتلتف “مروة” نحوه ثم غمزت له بطرف عينها.
_ مش هتقولي مين البيه بتاعك.
تحرك المحامي من أمامها متمتمًا.
_ أنا خلصت مهمتي، فرصة سعيدة يا هانم.
تتبعته “مروة” بنظرة فاحصة ثم ضحكت وهي تتبختر في مشيتها.
_ مسيره في يوم الراجل الخفي يظهر وحتى لو مظهرش مش فارق معايا، أهم حاجة بقيت قريبة من وريث عيلة الزيني.
….
أسترخت “سمية” في مقعدها وهي ترمق بأعين ثاقبة وماكرة ذلك الذي أتجه نحو باب الغرفة ثم ألتف ناحيتها قبل أن يفتح الباب وحرك رأسه إليها مؤكدًا على أتفاقهم الذي سينال من ورائه المال وعملًا في أحد الفروع التابعة للشركة بالخارج.
تجلجلت ضحكاتها بعد خروجه من غرفة مكتبها.
_ أما نشوف هتقدر تخلصني منها ولا هحتاج أتصرف بنفسي…
وبنبرة صوت يتخللها الوعيد.
_ بتلعبي على مين يا مرات أبني، آهو “عزيز” زود حقدي عليكي و فضيحة حلوة بقى أقدر أكـ,ـسر بيها نفس “عزيز” ومش مشكله أكـ,ـسر نفس أبني اللي أكيد عارف إنك في يوم هتخوني.
…
عادت “ليلى” من مشوارها والفرحة تملأ وجهها وقد أطمأن قلبها أخيرًا وأكدت لها الطبيبة أن لا شئ لديها يعيق أمر الأنجاب وحتى تزيل أي شك لديها ستفعل لها بعض الفحو….صات لكن لا شئ يدفعها للقلق.
أنتظرت عودته بفارغ الصبر لساعتين حتى تُصارحه بكذبتها في أمر مشوارها وتخبره بما أخبرتها به الطبيبة، فهو أيضًا عليه إجراء بعض الفحوصات لتزيد طمأنتهم.
دخل “عزيز” الغرفة بأرهاق، فأندفعت إليه وطوقت عنقه بذراعيها وخرج الكلام منها دون ترتيب.
_ “عزيز” أنا كذبت عليك لما قولتلك إني رايحة مع مرات عمي لدكتور العظام.
تجمدت ملامح “عزيز” وأحتدت نظرته عند أعترافها بكذبتها التي تراها بسيطة لكن بالنسبة له يجدها بداية لطريق من الكذب بينهم لا يُحبه.
_ قبل ما تتكلم وتزعق ليا خليني بس أقولك أنا ليه كذبت عليك في المشوار ده ، أنا روحت للدكتورة عشان أطمن…
تحولت حدة ملامحه للقلق مُتسائلًا.
_ تطمني على إيه يا “ليلى”، “ليلى” من فضلك قولي كلامك بسرعه لأن لو فضلتي بالتنقيط ده ردة فعلي مش هتعجبك.
تمايلت أمامه بدلال وخفة ، فعقد حاجبيه بغضب من تصرفها وهدوئها.
_ “ليلى” ، أنا على أخرى ….
أبتسمت بنعومة وأسرعت بوضع يدها على شفتيه.
_ روحت للدكتورة عشان أطمن ، مش أنت عايز طفل يا حبيبي.
توهجت عيناه وملامح وجهه وتمنى من كل قلبه أن ينال البُشْرَى التي ينتظرها.
_ الدكتورة طمنتني وقالتلي إن كل حاجه تمام معايا ولو مستعجلين أوي على موضوع الخلفة يعني …
أصابت خيبة الأمل ملامحه وأبتعد عنها قائلًا بفتور.
_ كملي كلامك…
أطرقت رأسها بعدما شعرت بضيقه، فـ لسانها أنعقد عن الكلام.
_ “ليلى”، قوليلي الدكتورة قالتلك إيه لو مستعجلين على موضوع الخلفة….
الفصل السابع والتسعون (2)
🌻ظنها د…..مية بين أصابعه🌻
يسألها ما الذي عليه فعله حتى يرزقون بطفلٍا ما دام لا شئ يعيق من ناحيتها ورغم أن الجواب واضحًا وقد رآه في نظرة عينيها له إلا إنه لا يستطيع إلا تكرار السؤال وأنتظار الرد منها ، وهل هي تملك الجرأة حتى تُخبره بحديث الطبيبة، فلِما لا يعفيها من اِستكمال بقية حديثها.
توترت “ليلى” وتحشرج صوتها ثم فركت يديها مُطأطأة الرأس.
_ قالتلي يعني، إنك لازم..
رفعت رأسها حتى ترى هل تواصل كلامها الذي ربما يفسره على نحو آخر لا تقصده بل هي تُريد إخباره بما أخبرتها به الطبيبة.
أسبلت جفونها وظلت تفرك يديها بتوتر بعدما رأت نظرته الثاقبة ووجهه الذي صار مُتصلبًا.
_ ده يعني كلام الدكتورة مش كلامي….
ولم تعد تسعفها الكلمات لتستمر في مواصلة كلامها الذي لم يزيده إلا سوءًا وغضبًا.
تلاقت عيناهم في نظرة سريعة أتبعها تنهيدة قوية خرجت من صدر “عزيز” ثم اِستدار بجسده وشرع في فك أزرار قميصه.
_ فهمت خلاص يا “ليلى”.
أنهى حديثهم بعبارة واحدة واضحة وحازمة ثم أغلق عينيه بقوة حتى يعود إلى ثباته ولا يهتز من حديثها الذي تغلغلت في نبرته الفرحة والراحة بعد أن صارت متأكده أن تأخر أنجاب طفل لن يكون إلا لسببين واضحين وربما هو أحد الأسباب.
فتح عينيه عندما شعر بألتفاف ذراعيها حول خصره وأسنادها برأسها إلى ظهره.
_ “عزيز” مش أنت ديمًا تقولي وقت ما ربنا يريد كل حاجة بتحصل وإن فرحة الإنسان مش بتتأخر إلا لحكمة يعني أكيد ربنا مخبي لينا فرحة كبيرة.
وضع يديه على يديها رابتًا عليهما ومبتسمًا ، فاردفت بنبرة صوت هادئة ثم أطلقت بعدها ضحكة قصيرة وناعمة.
_ أنا قلبي بيقولي إني هكون حامل قريب وهنجيب بنوته حلوة شبهي ولا أنت عايز ولد.
اِفتر عن ثغر “عزيز” أبتسامة لم تصل وهجها لعينيه ثم أبتلع لعابه حتى يَجْلِي حنجرته وتخرج نبرة صوته رخيمة.
_ الكلام في الموضوع ده سابق لآوانه يا “ليلى”.
ألتفت جهته سريعًا ونظرت إليه.
_ أنت كنت مستعجل على الموضوع أوي، حبيبي متخافش من حاجة ،إن شاء الله هتكون كل حاجة تمام والتأخير وقت مش أكتر بس نطمن…
أبتعد عنها بعد أن مرر يديه على خديها بلطف.
_ “ليلى”، أنا راجع مُرهق ممكن تحضريلي الحمام…
أسرعت نحو غرفة الملابس حتى تُحضر له قطع من ملابسه أولًا أمام نظرته الفاترة المصوبة على حركتها.
_ أسفه يا حبيبي مأخدتش بالي إنك راجع تعبان من مشوارك، بسرعة وتلاقي كل حاجة جهزه وهنزل أجيبلك العشا من تحت.
….
أبتعدت “أشرقت” عن الشرفة بعدما تأكدت من وجود الرجال التابعين لـ “عدنان الهتيمي” وقد تركهم لحمايتها بعدما أتى بها إلى هنا حتى يخفيها عن الأعين وتمضي المدة التي لا يشك بعدها أحدًا في شئ ولا تتعرض للقيل والقال ولا لحديث الصحافة التي تترصد للعائلات الكبيرة مثلهم كل ما يكون حدثً يُشعل الوسط ويثير الفضول وسينتهي كل هذا بأنهم سيكونوا على الألسنه وسيصبح الأمر فضيحة لعائلتها قبل عائلتهم لأنهم بمجتمع لا يُسقط الذنب إلا على المرأة.
«فضيحة!!» كلمة ترددت صداها في أذنيها ثم بعدها اِفتر ثغرها عن أبتسامة ساخرة لتتحول سريعًا لضحكات عالية أتبعها فيضان من الدموع.
_ ليه كسرتني ، عملت فيك إيه عشان تكـ,ـسر نفسي الكـ,ـسره ديه ، أنا مكنتش وحشة معاك أوي كده ، أنا حبيتك وسلمت نفسي ليك ، قولتلي إن ده حب وأنا كنت غبيه اوي.
وبصراخ أردفت.
_ إزاي كنت غبية ومحستش إنك بتمثل عليا وعايز تخدعني ، إزاي كنت عامية ومحستش بكذ………بك.
رَجَّ صوت صراخها جدران المكان لتنظر حولها بنظرة قهر، هي وحيدة هنا، وحيدة حتى تمر أيام زواجها الأولى ويعود الزوج المُخادع.
_ عمري ما هسامحك يا “مراد”، هكسـ,ـرك زي مكسـ,ـرتني.
وتحشرج صوتها من البكاء ونظرت نحو كفوف يديها.
_ كسرت نفس ماما وحرمتها من الفرحة وخلتنا نوطي رأسنا قصادك.
…
نظرت “لبنى” إلى هاتفها ثم سقطت دموعها تسأل نفسها ،
هل كانت قاسية عليها ؟ كيف طاوعها قلبها أن تُخبرها أنها لا تُريد سماع صوتها وألا تُعاود الأتصال بها وعندما تعود من المكان الذي تركوها فيه وحيدة لا ترغب برؤية وجهها.
_ طاوعك قلبك يا “لبنى” تقوليها ، آه يا حرقة قلبي ، حاسه بنار جوايا ، وطيتي رأسك ورأسنا وأهو تركينك لوحدك مستنيه البيه يرجع من السفر.
ثم لطمت على فخذيها.
_ الحقير أختار يوم الفرح وحطنا تحت رحمته ، آه يا قلبي آه ،كسرتي فرحتي ليه بيكي ومخلياني مش قادرة أنطق ولا اقول سبب تعبي ودموعي.
…
أندمج “هارون” في مُشاهدة التلفاز وجواره جلست “سمية” مُحدقة بهاتفها وحانقة ثم تأففت بضجر.
_ البيه مش بيرد عليا، أنا قولت هدف “عزيز” يبعده عني من تاني.
رمقها “هارون” بنظرة سريعة وأخفى سعادته من اِبتعاد “سيف” عن الشركة وعن أبنته التي عادت تميل له.
_ وجود “سيف” مع عمه فترة تعبه، حق من حقوق “عزيز” عليه يا “سمية” وبصراحة أبنك محتاج تربية “عزيز” له من تاني لأن أنا نفسي مكنش بدء يعجبني سلوكه.
أحتدت ملامح “سمية” ونظرت إليه بعدما عاد يُحدق بالتلفاز.
_ وأبني مبقاش عجبك ليه يا “هارون”، أبني تتشرف بي في أي مكان ، حاسب على كلامك. “سيف” ده تربية “عزيز الزهار”.
ضحك” هارون” رغمًا عنه ، فأزدادت ملامحها حدة ليُسرع في ألتقاط يدها قبل أن تنهض من جانبه.
_ أقعدي يا “سمية” مش هنتخانق على أخر الليل، أنا قولت إنه بدء ميعجبنيش لكن دلوقتي نظرتي له بدأت ترجع زي الأول وشايف إن تصرفه أثبت رجولته فيه ، الرجاله بتبان في المواقف ديه يا” سمية”.
تلاشت حدة “سمية” قليلًا ورمقته بنظرة متفرسة ثم عادت لجلوسها جواره مُتسائلة.
_ يعني أنت شايف إن تصرفه صح؟
تنهد “هارون” وأحتضن وجهها مُقربً أنفاسه منها.
_ بصراحة أنا أستجدعت أبنك لما قالي إنه هينسحب من الشغل معانا مؤقتً لأن عمه محتاجه.
داعبت ابتسامة واسعة شفتيّ “سمية” ، فعلى ما يبدو أن فعلة “عزيز” أتت في صالحها.
_ الرجاله مش بتبان غير وقت الأزمات يا “سمية”.
خرجت تنهيدة طويلة من شفتيها، هي الآن مُنشرحة الصدر.
_ أنا بتضايق لما “عزيز” بيحاول يبعده ، أنا ما بصدق يقرب مني.
أراد “هارون” أن يُسألها لِما لا تصب أهتمامها على “نيرة” أيضًا فهي تحتاجها أكثر منه لكنه تراجع وأشاح وجهه عنها قائلًا:
_ “نيرة” عاملة إيه في الحمل، هتولد هنا ولا فـ كندا.
ألقى “هارون” ما يُريد قوله بطريقة أخرى حتى تنتبه أن لها أبنة تعيش مُغتربة مع زوجها ولا تتلقىٰ منها أهتمامًا إلا ضئيلًا.
_ مش عارفة هي قررت إيه لكن أنا شايفة تولد في كندا أفضل.
أقتربت منهم “بيسان” وعلى وجهها أرتسمت الراحة والسعادة والتي كانت سببها تلك الصورة التى رأتها لـ “سيف” مع عُمال المعرض يتناولون طعام بسيط تشتهر به تلك المناطق التي لم تطأ قدميها فيها يومًا وقد عرضها على أحدى التطبيقات التي يمتلك عليها حساب إلكتروني خاص به وتُتابعه.
_ تسمحولي أشارككم القعدة الرومانسية ديه؟
هتفت بها بأبتسامة هادئة ، فأبتسم لها والدها وأتجهت” سمية” بأنظارها إليها.
_ تعالي يا حبيتي جانبي عشان عايز أبلغك بحاجة وأخد رأيك لأن “فارس” منتظر وبيقولي ديما بتتهربي منه وقت ما بتيجي سيرة تحديد ميعاد الفرح.
تجمدت ملامح “بيسان” ثم حدقت بوجه “سمية” ليقطب “هارون” حاجبيه وأحتدت نظرته مُتسائلًا.
_ شكل “فارس” كلامه صح.
أعتدلت “سمية” في جلوسها ونظرت إليه بعدما أشاحت عينيها عن “بيسان”.
_ تقصد إيه “هارون”؟
دارت عينين “هارون” بينهن ، فهو يعلم أن أسرار أبنته معها.
_ خطيبها شاكك إننا غصبناها على الخطوبة وإن في حد في حياتها.
انتفضت “سمية” من جانبه بعدما وجدت “بيسان” تنظر إليها وتستنجد بها ، فهي من دفعتها لقبول الخِطبة رغم أن “فارس” لا يستحق هذا منها لكن مهما حاولت لا تستطيع أن تُحبه.
_ أنت واعي لكلامك يا “هارون”، إزاي تسمح له يتهم البنت بكلام زي كده ومن أمتى وإحنا بنجبرها على حاجة.
رمق” هارون” أبنته بنظرة جعلتها تخفض رأسها سريعًا.
_ تحددي ميعاد الفرح مع خطيبك مش هنطلع عيال مع الناس.
….
صباحه صارت تنعشه برائحتها الطيبة وأهتمامها قبل ذهابه إلى العمل وقد حَظِيَ أخيرًا من حظ صغيره وجدها ولم يعد حاقدًا عليهم.
_ أخيرًا نولت من الدلع و الأهتمام ، ده أنا كنت بدأت أغير من أبني.
ثم استطرد ضاحكًا ،فتوقفت عن شم رائحة عطر تلك القنينة التي بيدها والتي سيضع منها.
_ جدك بقى غيرتي منه بدأت من بدري.
اقتربت منه وقد قررت أن تنثر له من عطر القنينة الهادئ.
_ بتغير من ابنك وجدو يا “صالح”.
زمَّ “صالح” شفتيه بأمتعاض.
_ سيادة اللواء أمره هين ، دلوقتي مشكلتي مع الأستاذ “يزيد” اللي بقى هادم عليا اللذات.
قهقهت “زينب” بقوة من تذمره.
_ فرحانة أنتِ ، أنا بسببه مش عارف أنول اللي في بالي.
ضمت حاجبيها ببعضهما وتساءلت بحيرة.
_ وإيه هو اللي في بالك ومش عارف تنوله؟
اتسعت أبتسامته وكاد أن يُحرك أصابعه لها ومن حركتهما ستفهم ما يُريد لكن “يزيد” أقتحم عليهم الغرفة صائحًا بعبوس.
_ “يزيد” مش هيلحق باص المدرسة وأنت السبب يا بابي.
زفر “صالح” أنفاسه ثم نظر إلى صغيره الذي ألتقط يد “زينب” ليسحبها ورائه.
_ بسرعة يا “زوزو”، سيبك من بابي دلوقتي…
ولم يكن أمامه إلا رفع ذراعيه عاليًا ثم الهبوط بهما على رأسه ليجذب بيديه خصلات شعره.
_ “صالح” أنا أخدت قراري خلاص هنعزم عيلتك مع عيلتي النهاردة و متقلقش من اللي أنت خايف منه يا حبيبي.
صاحت بها بعدما خرجت من الغرفة لتضيق حدقتاه لوهله ثم تنهد بقلة حيلة.
_ أتمنى تقدري تتعاملي مع “شاكر” باشا الفترة الجاية وأتمنى هو كمان يلعب معايا بشرف بدل ما أنا مبقتش فاهم هو عايز إيه المرادي.
خرج صوته في غَمْغَمَة خافتة ثم سحب نفسًا عميقًا وغادر الغرفة ورائهم.
…
تحرك “عزيز” بفتور بجانب أحد العاملين حتى يُطلعه على العيب الصغير بأحد غرف النوم وقد ألتقطته عين الزبون.
_ الزبون لفت نظرنا وهو بيتفرج وأنت معرفنا يا بيه أي عيب في أوضة حتى لو بسيط نبلغك لأننا مش بنغش الزبون بتاعنا.
تنهد “عزيز” رابتًا على ظهره.
_ مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا يا “صبحي”.
أبتسم العامل “صبحي” ببشاشة.
_ ربنا يزيدك من فضله يا بيه ، بجد ياريت كل الناس زيك.
خرج دعائه بمحبه لامست قلبه “عزيز” وجعلته يطرد من رأسه ما يشغل عقله ويخنق روحه.
_ وريني العيب فين في الأوضة عشان نرجعها الورشة تاني لو لزم الأمر لكن لو نقدر هنا نصلح العيب نصلحه.
أبتعد” صبحي” بخطواته إلى الوراء حتى يسمح لـ “عزيز” رؤية ما لفت انتباه الزبون وجعله يتراجع عن شراء الغرفة.
_ الغرفة ديه لازم ترجع الورشة ، العيب فيها مش بسيط.
خرج صوت “عزيز” بجدية ثم ألتف بجسده حتى يبحث عن أحد العاملين.
أسرع ذلك العامل الذي أتى له من قبل بتلك التحلية البسيطة من تلك الأطباق التي توزع أحتفالًا بولادة طفلًا.
_ بتشاور ليا يا “عزيز” بيه.
أرتعشت أجفان “عزيز” ثم أخفض رأسه مُبتَلِعًا لعابه وقد ذكره هذا العامل بفرحته عندما أتاه مكتبه مبتهجًا يُخبره أن الله رزقه بطفلٍا بعد عدة سنوات من الأنتظار والأمل.
…
من ليلة واحدة فقط جعلته تلك الصغيرة مُشتهيًا لها وراغبًا فيها بطريقة لا يُصدقها عقله لكن بعد ما حدث لها أمامه ولا يفهم أسبابه أو حتى ذلك الكلام الذي غمغمت به وأنكرته عندما أستيقظت وعادت لوعيها.
_ بقيت دادي على كبر يا سيادة المستشار، تقريبًا “عدنان” كان حارم بنته من حنان الأب فحبت تعوضه معايا.
تمتم بها “هشام” ساخرًا ثم أطلق زفيرًا طويلًا وألقى بنظرة أخيرة نحو الأمواج التي تضر……ب الصخور مُقررًا العودة إلى الفندق.
دلف من باب الفندق، فأتجهت أنظار الموظف إليه والذي يقوم بأعطاء الزبائن مفتاح غرفهم.
أطرق الموظف رأسه سريعًا بعد أن تقابلت عيناه بعينيه ولم يفهم “هشام” سبب نظرته.
فتح باب الغرفة مُستاءً لتُسرع “زينة” إليه بمظهرها الفاتن وثوب نومها الذي أخفى المئزر القصير ما تحته من شئ أتضح لونه وما أسفله.
_ أنا طلبت منهم يطلعوا لينا العشا وجهزت نفسي قولت نحتفل بآخر ليلة لينا هنا….
باغتها “هشام” بألتقاطها من خصلات شعرها، فصرخت بقوة وهي لا تفهم سببً لفعلته.
_ وطبعًا فتحتي الباب وأنتِ بالمنظر ده ، والله أعلم في غيابي حصل إيه…
خرج صوتها مُتقطعًا ومُتألمًا لكن لم يترك شعرها بل أجتذبه إلى أسفل حتى صارت رأسها مرفوعة لأعلى.
_ رأسي بتوجعني، آه.. سيب شعري أنا مش فاهمه حاجة.
_ مش فاهمة، حاضر هفهمك … أنا أتجوزتك بحتت ورقة عشان أمتع نفسي بيكي مش عشان أكون ليكي في صورة الأب يا بنت “عدنان”، حاولت أكون حنين ولطيف معاكي لكن اللي زيك دورهم معروف.
دفعها نحو الفراش مُحدقًا بما أظهره الثوب بعد أن أنفكت عقدة المئزر.
_ بكره هنرجع القاهرة وبعدها هقطع الورقة ومش عايز أشوف وشك تاني، مفهوم.
وقبل أن تستوعب شئ وتسأله ما الجرم الذي فعلته ليكون هذا عقابها… فهي أنتظرته حتى تعطيه جسدها برضى لكن ما تعيشه على يديه هذه اللحظة جعلها تطلق صرخة قوية كتمها بيده متمتمًا بتحذير.
_ صوتك مش عايز أسمعه، وأظن إنك بتحبي الحاجات ديه أوي.
….
صدحت الضحكات عاليًا وأندمجت العائلتين بالحديث والذكريات وكُلما تلاقت عيناه بعينيها تأكد أن سعادتها تأتي بأمور كهذه.
أبتسمت “زينب” ثم أسبلت جفنيها بخجل بعدما أتجه حديثهم عليها ، بأنها سيدة منزل مُنظمة وماهرة وقد أحسنت ضيافتهم.
_ بيتهيألي طالعه لجدتها شاطرة ولا إيه يا “نائل”؟
رفعت “زينب” عينيها التي تقابلت مع عينين عمتها “رحاب” والتي تلاشت أبتسامتها.
أختفت أبتسامته هو و والديه ،فهو كان متأكدًا أن جده لن ينهي الليلة بسلام دون أن يرمي بكلام يفهم مبطنه.
داعبت شفتيّ “نائل” أبتسامة عريضة ونظر نحو “زينب”.
_ “زوزو” طالعه في كل حاجة تشبه جدتها ، أومال هي غالية أوي عندي ليه.
أشاحت” رحاب” بوجهها عن والدها ولم تُعقب على حديثه.
دمعت عينين “زينب” ونهضت من مكانها سريعًا حتى تجلس بين عمتها وجدها.
_ أنت أكيد نسيت تقولهم يا سيادة اللواء إني كمان أشبه عمتو “رحاب” وطباعي تشبهها.
وفي لحظة كانت تنشرح ملامح “رحاب” مجددًا وهي ترى سعي أبنة شقيقها حتى تُظهر لها محبتها وتؤكد لها أن محبة جدها لـ جدتها لا ذنب لها فيه.
أخفض “شاكر” رأسه ها…..ربًا من نظرة “صالح” و “صفوان” له.
_ ياريت أطلع شاطرة زي تيتة “زوزو”.
قوس “شاكر” شفتيه مُستنكرًا بعدما فهم إنها توجه الكلام إليه ثم رفع رأسه.
_ وهي شطارة الست في بيتها تزعل ده أنا حتى أختارتك لـ حفيدي عشان إنك شاطرة.
ضر……..ب “صالح” بيديه على المقعد الجالس عليه ثم هتف.
_ جدي ممكن نغير كلامنا ونرجع لحديثنا الأول عن السياسية.
لم تُشجع العمة أقتراح “صالح” وقالت متذمرة.
_ لأ أنا كده أخد “زوزو” ودكتورة “حورية” و نروح نقعد بعيد عنكم.
رحبت “حورية” بأقتراحها ، فأسرع “شاكر” قائلًا:
_ إيه رأيكم نروح بكره المزرعة نقضي فيها اليوم كله، هي المزرعة موحشتكش يا “نائل”.
وللمرة الثانية يحرز جده هدف أخر ويلفت أنتباه” زينب” نحو المزرعة التي شهدت على حب جدها وجدتها.
….
توقف “عزيز” بسيارته عند البناية التي يوجد بها عيادة أحد الأطباء المشهورين في مجال تخصصهم.
أبتلع ريقه ثم أطبق جفنيه مُتنهدًا، فهو أتى اليوم حتى يُريح عقله وقلبه من ذلك الشك التي صار يلف حباله حول عنقه.
_ أنت قلقان كده ليه يا “عزيز” ، لازم أنت كمان تطمن على نفسك…
…
رفعت “سمية” أحد حاجبيها وعلى شفتيها أبتسامة ثم أستدارت بجسدها وتحركت نحو غرفة مكتبها.
_ لأ ده طلع شاطر وبدء في مهمته بسرعة، أما نشوف هيعرف يجرك لـ السرير ولا هتطلعي ناصحه يا “كارولين”.
ودلفت إلى غرفة مكتبها ومازالت تتحدث إلى نفسها إلى أن خرج صوتها بضيق.
_ أما نشوف بنت السواق هتقرر إيه، ما أنا لازم أجيبها تحت عيني وأحركها زي ما أنا عايزه.
…
ألقى “صالح” بالقلم الذي بيده متأففًا.
_ وماله يا “شاكر” باشا نلعبها مع بعض وأشوف أخرتها معاك إيه وعِند فيك هاخد المزرعة ومش هستنا لما “زينب” تجبلك حفيد وأتنازل ليها ، لااا هلعبها معاك زي ما لعبتها معايا.
…
غادر العيادة الثالثة لأشهر الأطباء وقد أكدوا له ما أخبره به زميل مهنتهم، يوجد أمل في حالته لكن يحتاج لوقت وصبر.
« وقت و صبر» وهل عمره يسمح لهذا ؟ وهل ستتحمل شابه صغيرة مثل “ليلى” الصبر معه ؟
تحرك نحو سيارته بخطواتٍ بطيئة وقد شعر برغبة عارمة في الصراخ ، فالحياة تضعه في أختبار آخر قاسي لكن من أين يأتي بهذا الصمود والقوة ليتردد صوت الطبيب داخل أذنيه.
” أهم حاجة في بداية مشوارنا مع العلاج.. إنك تكون متقبل كل حاجة و زوجتك تكون داعم ليك ، أكيد فهمني يا” عزيز” بيه”
وهل هو يستطيع إخبارها إنه ربما لا يكتب الله له ذرية على الأرض ؟
واليوم سقطت د….موعه بحرقة وبكى بكاء الأطفال وهو يرفع رأسه إلى السماء.
الفصل الثامن والتسعون
🌻ظنها دمية بين أصابعه🌻
يسير “عزيز” بسيارته شارِدًا و بأنفاس ثقيلة لا يستطيع إخراجها من صدره. توقف عن القيادة وأطبق جفنيه بقوة ثم أطلق زفرة طويلة تحمل معها ألمًا وعجزًا وقلة حيلة ، فما عساه أن يفعل أو يقول ؟
_ لا أعتراض على أمرك يا رب، لا أعتراض…
أنسابت دموعه مرة أخرى وهو يُرددها ثم نظر جهة المسجد وقد أرتفع صوت المُؤَذِّن عاليًا.
أسرع بمسح وجهه من الدموع وأسبل جفونه ثم ألتقط أنفاسه ؛ فمهما أثقلت الحياة كتفيه لا يترك فرضً.
غادر سيارته بخطواتٍ ثقيلة مُطرق الرأس ثم رفع رأسه عند دخوله المسجد.
…
قطب “صالح” جبينه وتمعن بالنظر نحو البند الذي يضعه جده مدسوسًا بين بنود أخرى.
_ هتفضل تدقق في العقد كتير مش هتمضي.
حرك “صالح” رأسه بيأس من أفعاله ثم أنفجر ضاحكًا.
_ أمضي على إيه ، أمضي على عقد حاطت فيه شروطك أنت.
ألقى “شاكر” نظرة سريعة عليه وتساءل.
_ مش عجبك إنك تقدر تنقل ملكية المزرعة بعد سنه من وقت توقيع عقد التنازل ، ده أنا كنت عايز أخلي نقل الملكية بعد ما تجيبوا ليا أول حفيد لكن قولت لنفسي بلاش أضغط عليهم أكتر في كده..
رمقه “صالح” بنظرة مُستهزءة، فأخفض “شاكر” رأسه وأردف بدهاء.
_ قولت يمكن من كتر ضغطي عليكم، مسبب ليكم توتر.. ما أصل الدنيا ما بينكم تمام أوي وفكرة تأجيل الخلفة عِند فيا مش أكتر ، حاكم أنا عارفك تعمل أي حاجة ضد رغبتي.
أحتدت نظرات “صالح” وأستشاط غضبًا.
_ هتفضل لحد أمتى كده ؟ ، كفاية يا جدي ،كفاية بجد متستغلش حبي ليك.
أنتفض قلب “شاكر” في لهفة ونهض من وراء طاولة مكتبه وأقترب منه.
_ لسا جدك غالي عندك يا “صالح” ، ريح قلب جدك يا “صالح”.
أشاح “صالح” وجهه عنه ثم زفر أنفاسه ببطء.
_ لو جدك غالي عندك، تعالا عيش معانا في القصر… كل حاجة من بعدي ليك أنت.
وأحتضن وجهه متوسلًا.
_ هتريح قلبي يا ابن “صفوان” ولا هتفضل تعاند معايا.
والضحكة التي خرجت منه منذ وقت قصير ،تجلجلت هذه المرة بقوة مع لطمه لكفوف يديه.
_ مش عجبك كلامي، مش عجبك كلام جدك.
توقف “صالح” عن الضحك وتقابلت عيناه بعينيه.
_ لأ إزاي ميعجبنيش كلام “شاكر” باشا ، “شاكر” باشا مكفهوش كل حاجه حصلت لينا بسبب هو؟؟؟سه بالعيلة و أمبراطورية الأجداد العريقة ، ما هو أسم عيلة “الزيني” لازم يفضل ديما فوق ومُخلَّد…
وبأبتسامه واسعة أردف وهو يدور حوله .
_ الحمدلله إن متكتبش نصيب لــ دكتورة “حورية” ودكتور “صفوان” إنهم يخلفوا غيري.
أرتجف قلب “شاكر” حينما حدق به “صالح”.
_ لأ ومن حظهم إنك تكون السبب ويمو……ت الطفل وبعدها تشيل الرحم، وميبقاش غيري أنا نسل ليك وليهم …
أغمض “شاكر” عينيه هربًا من ذكرى أليمة كان هو سببً فيها لذلك لم يفكر يومًا في إجبار” صفوان” على الزواج من أخرى حتى ينجب له أطفالًا آخرين.
_ تعرف نفسي أطفالي من “زينب” يكونوا بنات عشان تشوف اخر أمل ليك بيتدمر.
اكفهرَّ وجه “شاكر” وصدح صوته بأنفاس مُتقطعة.
_ متعندش معايا يا “صالح”، متستغلش حبي ليك…
داعبت أبتسامة عريضه شفتيه وألقى بنظزة ساخطة نحوه.
_ ومين قالك إني بعنِد معاك يا “شاكر” باشا ، أنا عايزك بس تلعب معايا لعبة واضحة وتكشف أوراقك ليا ، بلاش اللعب من تحت الترابيزة لأن المرادي هتشوف “صالح” واحد تاني خالص
وحتى يؤكد له كلامه أستطرد بوعيد.
_ زينب خط فاصل ما بينا ولا أنت تحطها في حياتي وتجوزنا لبعض وتخليني أشوف حياة عمري ما عيشتها غير معاها وبعدين تلعب معايا بيها، كفتك قصادها للأسف بقت خسرانه وعشان تتأكد إني بقيت نسخة منك فعلًا، شغلي هنا في الشركة مع أحتفاظي بشغلي في المطار قصاده تنفيذ لشروطي أنا …، أولًا “زينب” متعرفش إن أنا دفعت فلوس شقة والدها عشان تعرف تشتريها لأني متأكد إن كل تحركاتي عندك والشرط التاني بند التنازل عن المزرعة يتغير….
توحشت ملامح “شاكر”، فهل يُهدده حفيده ويُمْلي عليه شروطه وكاد أن يُقاطعه بعدما طرق بعصاه أرضًا إلا إنه لم يترك له فرصة للحديث.
_ ست شهور وبعدها يحق ليا التصرف في ملكية المزرعة وتتنازل ليا عن الأسهم اللي ليك في شركة الطيران كمان ما أنا مش هفضل طول عمري تحت رحمتك وتهددني بكل حاجة بحبها.
أظلمت عيناي “شاكر” وهو يراه ينسحب من أمامه وعلى شفتيه أبتسامة زهو.
_ مع عشان أنت حبتها أوي كده ، أنا مبقتش عايزها ليك ولازم أتخلص من وجودها قبل ما تربطنا بيها بطفل رغم إني كنت عايزه أوي لكن منها دلوقتي مبقتش عايز.
وبوعيد أردف بعدما أصبحت ملامحه أشد قسوة.
_ لازم أفكر فيها حلو وبذكاء عالي يا ابن “صفوان”.
….
أمام قبر أبيه وشقيقه وقف “عزيز” بوجه مُتعب وأعين أنطفأ من داخلهما وهج الحياة.
_ سيبتلي ولادك عشان أربيهم وكأنك كنت حاسس إني مش هخلف ويكون عندي عيل من صلبي…
وبصوت متحشرج تساءل.
_ حاسس بيا “سالم”، حاسس بوجع أخوك ، أخوك مكنش بيفكر يتجوز ولا يكون عنده ولاد وكان مكتفي بولادك…
وبنبرة صوت مكتومة ومهزوزة واصل كلامه بحرقة.
_ جات هي وجابت معها حياة مكنتش شايفها ولا حاسس بطعمها، دوقتني كل حاجة حلوة، ملكت قلبي، بقيت الهوا اللي بتنفسه، عرفت معاها يعني إيه ست تخليك ملهوف على حضنها ، أنا عشقتها يا “سالم”، عشقتها يا أخويا…
وبرجفة جسد ولسان ثقيل أستطرد بنفس الحرقة.
_ تفتكر ده عقابي من ربنا ، كنت عايز أشكلها على أيدي، أملكها وكأنها خاتم في صباعي.. أسيطر عليها وكل ده عملته، كنت عايز طفل منها عشان أربطها بيا أكتر ، فرق العمر ما بينا وجمالها بالأخص كانوا أكبر عدو ليا…
طأطأ رأسه وأبتلع ريقه بمرارة.
_ “ليلى” جميلة أوي يا “سالم” وكأنها خرجة ليك من عالم الأساطير، ده انا بقيت أغير عليها من أبنك تخيل يا “سالم”، “سيف” أبنك وأبني خوفت عليها منه ولولا إني عارف ومتأكد من تربيتي و متأكد من معدن مراتي وحبها ليا كان هوسي وخوفي زادوا ، أنا في قلبي نار يا أخويا، اقولها إيه قولي…
بَحَّ صوته وأرتعشت شفتيه كحال جسده.
_ أقولها إزاي إني ممكن مخلفش ، قولي يا أخويا ، أخوك في كل علاقة كان في دماغه يثبت ليها أد إيه هو راجل قوي وبيحس بعزة و رجولة وهو شايف أحتياجها له وقادر يخليها مكتفيه وهي بريئة أوي يا “سالم”، أنا علمتها كل حاجة على أيدي، علمتها إزاي تبسطني ولو زعلان تعملي المستحيل عشان تراضيني لكن والله ندمت وبقيت بحاول أخلي علاقتنا تمشي صح وكنت ناوي أخليها بعد ما نرزق بطفل تشوف إيه بتحبه وتعمله وأفهمها أمور شغلي وتعرف كل كبيرة وصغيرة عشان لو جرالي حاجة متضعش من بعدي هي و ولادي…
والآه هذه المرة خرجت قوية، آه اِرْتَجَّ معها صدره المُشتعل.
_ رد عليا يا “سالم” ، رد يا أخويا… قلبي وجعني أوي … أحرمها معايا ليه من الأمومة… مش كفاية حرمتها من حلاوة الحياة ، ياريتني مكنتش قبلتها ولا جات في طريقي….
أغرقت الدموع لحيته الخفيفة وجثا على ركبتيه مُمررًا بيده على قبر شقيقه.
_ حاسس بوجع أخوك وضياعه يا “سالم”، عشان كده بقيت تجيلي في أحلامي وأنت زعلان…
وتحول إلى طفلٍا صغير يسأل والده عن الأمل.
_ الدكاتره قالولي محتاجين وقت ورحلة علاج ، تفتكر العلاج هيطول ، طب هي هتستحمل وتصبر… طب أقولها إزاي وهي بقت ملهوفة على طفل بعد ما كان الموضوع مش في دماغها، تفتكر الست ممكن تصبر على حاجة زي ديه يا “سالم”…
ثم خرج صوته بوهن وهو يمسح دموعه التي تشبعت بها لحيته الخفيفة وهتف بقلب يُمزقه الوجع.
_ يا رب، ألهمني الحكمة والصواب.
….
أبتلعت “ليلى” ما قضمته من لقمة طعام ونظرت إلى زوجة عمها مفزوعة.
_ عرضت عليها شغل ومصممه تروح تشتغل عندها ، أنا كنت حاسه إن في حاجة مشيلاكي الهم.
أخذت “عايدة” نفسًا عميقًا وتركت تلك القطعة التي تُطرزها على يديها.
_ كنت فاكره هقدر عليها والموضوع يتقفل ويتنسي لكن حتى الكلية بتضحك عليا ، تقولي بروحها ومبتروحش تحضر محاضرات و النهاردة قالتها في وشي هتفضل مصممه على رأيها، أنا ضر….بتها بالقلم تاني يا “ليلى” ودعيت عليها بحرقة.
سقطت دموع “عايدة” بقلة حيلة عندما تذكرت دعائها عليها ، بأن لا يوفقها الله بحياتها إذا كذبت عليها بشئ وأستمرت في عِنادها.
_ عمك مات يا “ليلى”، أنا النهاردة صدقت إنه مات وضهري أتكسر من بعده…
رددتها “عايدة” وهي تلطم فخذيها ، فقاومت ” ليلى” الغصة التي اِنحشرت بحلقها وأسرعت إليها تحتضنها بكل قوتها ، فلا كلمات لديها تُخفف عنها شعور هي نفسها تجرعته لثلاث مرات.
_ أنا هدخل أتكلم معاها ، الست ديه أنا مبرتحش ليها.
ربتت “عايدة” على يديها وهتفت بصوت ضعيف.
_ ومين سمعك، أنا خدمت العيلة دين سنين طويلة وشوفت وسمعت حاجات كتير ، الست ديه زي الحيه بتتلون على كذا لون، أنا مش عارفه إيه اللي يخليها تعرض على بنتي شغل وهي عارفه إنها لسا بتدرس…
زمت “ليلى” شفتيها وقطبت حاجبيها مُفكرة في الأمر.
_ طب وعم “سعيد” رأيه إيه ، أنا عارفه إنه يطيق العما ولا يطيق سيرتها.
ردت “عايدة” وهي تلطم أحد فخذيها.
_قولتله نكلم “عزيز” بيه هو بيعرف يتعامل مع “شهد” وبتحترمه، قالي كفاية عليه همومه ومشاكله وفضل يلوم فيا و على تربيتي ودلعي ليها وطبعًا أنتِ عارفة “سعيد” مصدق…..
وأبتلعت “عايدة” ريقها بصعوبة نحو هذا الأعتراف المخزي.
_ وطلع عنده حق يا” ليلى” ، أنا دلعتها لحد ما غَصَنها أتعوج وكبرت عليا…
وبرجاءٍ هتفت وهي تنظر إلى “ليلى” بنظرة راجية.
_ “ليلى”، الله يسعدك يا بنتي ويكرمك …. أتكلمي مع “عزيز” بيه خليه يشد عليها ويمنعها، هو سند لينا بعد ربنا و أبوها الله يرحمه.
هزت “ليلى” رأسها سريعًا.
_ حاضر هكلمه النهاردة، الموضوع ميتسكتش عليه ولازم “عزيز” يتصرف بسرعة.
وكادت أن تتجه” ليلى” نحو غرفة “شهد” إلا أن يد “عايدة” منعتها.
_ لا متدخليش ليها يا” ليلى”، “عزيز” بيه أكتر واحد هيقدر عليها ويتصرف بحكمة.
تنهدت بفتور ، فأبتسمت “عايدة” وأجتذبتها لتجلس حتى يعودوا إلى عملهم.
_ أقعدي خلينا نكمل شغل قبل ما” عزيز” بيه يرجع…
أندمجت “ليلى” في عملها بكل حب، فأرخت “عايدة” أجفانها
وغمغمت في نفسها.
_ ربنا يهديكي يا “شهد” ويشيل الغشاوة من على عينيكي وترجعي تبصي لـ بنت عمك بنظرة طيبة، أنا مش فاهمة كرهتيها فجأة كده ليه إزاي.
….
وضعت “زينب” حاسوبها الشخصي ودفترها وأحد الكُتب الدراسية التي يسير المعهد في منهجه الدراسي عليها ثم زفرت أنفاسها بأرهاق.
_ لأ المرادي الطلاب الجداد متعبين وعايزين شغل جامد ومجهود.
تركت “نسمة” زميلتها بالمعهد كوب الينسون الساخن الذي ترتشف منه بتمهل ونظرت إليها بضجر.
_ أنا كنت بحب مهنة التدريس مع الأيام ومذاكرة ولادي كرهتها.
ضحكت “زينب” وجلست جانبها.
_ لأ أنا “يزيد” عندي ما شاء الله ذكي خالص و شاطر.
حدقتها “نسمة” بنظرة ثاقبة ، جذبت أنتباهها.
_ نظرتك فيها حاجة غريبة.
أسدلت “نسمة” أهدابها وألتقطت كوب الينسون.
_ أنتِ متأكدة إنك مرات أبوه، ده أنا عندي مرات أب مرتحتش منها غير لما أتجوزت.
خرجت تنهيدة طويلة من شفتيّ” زينب” و أخفضت رأسها.
_ صوابع أيدك مش زي بعضها يا “نسمه” والحمدلله إن ربنا حاطت في قلوبنا الرحمة والأحساس بشعور اليتيم وقهرته.
وبثغر داعبته أبتسامة دافئة أستطردت.
_ عارفه “يزيد” ده وش الخير عليا، أقوله بس ادعيلي الاقي الأمور بتتيسر، حبيبي ده جوه قلبي… تعرفي أني لما بكون عايزة نصيحة باخدها منه…
أرتفع كلا حاجبين “نسمة” بدهشة ، فصدح صوت “هدير” زميلتهن.
_ يا سيدي يا سيدي، يا بخت يا “يزيد” باشا… طب وأبوه الحليوة اللي لحد دلوقتي مش قادرة أصدق إنه إنتاج بلدنا…
استدارت “زينب” جهتها بوجه خجل ، فوَكَزَتها “نسمة” على ذراعها.
_ مكنتش عايزه أقولك لكن ما دام أقتحمت علينا المكان أقول بقى….
رمقتها “هدير” بنظرة مُحذرة، لتنظر زينب إليهن.
_ قوليلي قالت إيه لأحسن أنا عارفاها.
عبست “هدير” بشفتيها ، فأخرجت لها “نسمة” لسانها.
_ ماشي يا” نسمة”، عمر ما يتبل في بوقك فوله…
ضاقت حدقتيّ “زينب” وقبل أن تحث “نسمة” على مواصلة كلامها وألا تهتم بها ، أنطلقت “نسمة” بالكلام.
_ من وقت رجوعنا من رحلة أسوان بنقطع في فروتكم ومش عايزة أقولك باقي الحاجات المخجلة ولا أقولك قربي مني عشان أقولك.
أقتربت “زينب” منها، فتخضبت وجنتاها بحمرة شديدة لتجذبها “نسمة” إليها.
أنفلتت شهقة قوية من شفتيّ “زينب” ونظرت نحو “هدير” التي أستدارت بجسدها حتى تهرب من الغرفة.
_ أه يا قليلة الأدب، ماشي يا “هدير”… بقى كل تفكيرك معايا منحرف
رمقتها “هدير” بنظرة ممتعضة ثم أخذت تحرك شفتيها بطريقة مُضحكة.
_ مش عيب واحدة متجوزة تقول لواحدة متجوزة منحرفة.
أرتبكت “زينب” ،فهي ليست معتادة على تلك الثرثرة وأشاحت وجهها عنهن.
_ ده حتى رحلة أسوان بقت باينة عليكي يا “زوزو” … مين قدك ده أنتِ والكابتن كنتوا حديث الرحلة.
أطلقت “نسمة” ضحكة قوية ثم أسرعت بوضع يدها على شفتيها عندما أخفت “هدير” وجهها بيديها حتى لا ترطتم زجاجة المياة الفارغة بها.
_ قلبك أبيض يا “زوزو” ، أسكت يا لساني شويه عشان أقولكم على مشروعي الجديد ولازم تنفعوني بقى.
ظهر الحماس على وجه “نسمة” التي تسألت.
_ مشروع إيه ؟ بتعملي مشروع من ورانا.
وأقتربت “هدير” منهن وأخرجت هاتفها حتى تُطلعهم على محتويات مشروعها.
_ مشروعي كله دلع في دلع، أهم حاجة تنفعوني وقولت أبدء بيكم أنتوا الاتنين وخصوصا “زوزو” هانم عروسة جديدة بقى وجوزها حليوة بتخـ,ــ,ـطف خـ,ـطف.
لم تشعر “زينب” بنفسها إلا وهي تقرص “هدير” من خدها، فأتت على صرختها السيدة “كاميليا”.
…
مرر “قُصي” أصابعه على شاشة هاتفه ثم أبتسم.
_ طول عمرك قدامي يا “سما”، فجأة كده تقتحمي عقلي وأفكر فيكي ليل ونهار.
ثم أطرق رأسه وزفر أنفاسه.
_ يا ترى مشاعري ناحيتها أتحركت عشان كلام جدي ولا كانت موجوده جوايا و جدي بكلامه حركها.
والأبتسامة التي زينت شفتيه تحولت إلى أخرى عر….يضة حينما أقتحمت أحد مواقفهم الكثيرة معًا ذاكرته.
_ ديما كنت بحب أشدها من شعرها وأتريق على تصرفاتها ، و أقولها الشويش “سما”….
قال ذلك اللقب الذي أطلقه عليها منذ سنوات وجعل بقية أفراد العائلة يُنادونها به.
_ “قصي”، “قصي”… أنت يا بني العقيد “منتصر” عايزك في مكتبه..
تلاشت أبتسامة “قصي” وألتف نحو زميله الذي يحمل نفس رتبته.
_ سرحانك بقى غريب، عقلك راح فين يا قائد.
…
بالساعة العاشرة مساءً ، غادرت “زينب” المعهد الذي تعمل به لتجد “صالح” واقفًا بسيارته ومنتظرًا لها كما أخبرها.
صعدت السيارة ونظرت أولًا نحو “يزيد” المُنشغل مع جهازه اللوحي.
_ هات بوسة يا “يزيد” عشان وحشتني
رفع يزيد رأسه ونظر إليها ثم نظر إلى والده.
_ عيب يا “زوزو” إحنا مش في البيت
اتسعت عيناها ذهولًا من رده وأتجهت بأنظارها نحو صالح الذي رمقها بطرف عينه.
_ بتبصيلي كده ليه؛؟
حدقت به بنظرة مُتفرِّسة.
_ “صالح “.
أخفى أبتسامته وألتقط كيس الحلوىٰ التي أشتراها لها مثلما أشترى لصغيره.
_ ده نصيبك، “يزيد” أختارلك بنفسه الأنواع اللي بتحبيها من السوبر ماركت لو لقيتي حاجة مبتحبهاش عقبي هو…
أزاح الصغير عينيه عن شاشة الجهاز اللوحي مُندهشًا وأنتظر سماع بقية حديثه.
_ لكن أبوه ملهوش دعوة لأحسن أنا عارفك….
باغته “يزيد” بقطع حديثه، فقهقهت “زينب” بعلو صوتها وقد أعجبها ما قاله “يزيد”.
_ أنت نوتي خالص يا بابي.
أستدار “صالح” برأسه نحوه ، فرددت “زينب” كلامه.
_ نوتي خالص وقلبه قاسي.
ضحك “يزيد” على ردها ونظر إلى والده ببراءة.
_ “زوزو” هي اللي قالت عليك نوتي، شوفت أخرت دلعك فيها.
اتجهت “زينب” بعينيها سريعًا نحو “يزيد” وصاحت بتذمر.
_ بقى بتبعني يا “يزيد” وأنا ديما بدافع عنك…
دار “يزيد” بعينيه بينهم وعاد ينظر إلى ما كان يشاهده.
_ سوري يا” زوزو”، بابي طيب وبتعرفي تصالحي بسرعة.
والصغير أصبح لديه انتباه قوي نحو ما يراه منهم.
_ شوفتي بقيت نوتي وبتصالح بسرعة ، الولد بقى عارف إنك مسيطره عليا.
ألقى حديثه بتذمر لاحظته ،فأسرعت بوضع قـ,ـبلة على خده قبل أن ينطلق بالسيارة.
_ ده أنت السيطرة كلها يا سيد الرجالة.
ومع كلامها اِفتر ثغره عن أبتسامة خفيفة ثم أنفلتت قهقهته بمتعه.
_ فاضلي أربي شنبي وأعيش الدور بجد.
أبتعدت عنه حتى تستقر بأعتدال في مقعد السيارة وسرعان ما كانت تقطب جبينها بفزع عندما أجتذبها إليه.
_ أنتِ بتاكلي بعقلي حلاوة يا “زينب”.
وبخفة حررها من قبضة يده، فتشبثت بالمقعد.
_ من هنا ورايح مش عايزك تقوليلي غير سيد الرجالة.
وفي لحظة كانت تتحول دهشتها إلى ضحكة عالية بعدما رأته يُكرر الكلام مبهورًا ومذهولًا.
….
أعتصر الألم قلب “عزيز” وهو يراها تنام على ذراعها ومن طريقة نومها تأكد إنها أنتظرت عودته كحال اليومين السابقين.
وبخطوات حذره أقترب من الفراش ثم مدَّ يديه حتى يُحرك رأسها لتنتفض من غفوتها تهتف بلهفة.
_ “عزيز”، أتأخرت ليه تاني، لما كلمتك في التليفون قولتلي هترجع بدري.
أشاح عزيز بوجهه عنها ثم سار من أمامها.
_ عندنا طلبيات كتير عايزين ننتهي منها قبل الشهر ما يخلص.
فركت عينيها ثم نهضت وأتبعته.
_ وهو لازم تسهر لحد قبل الفجر.
ألتف جهتها ولم يُجيب عليها ، فتأكدت أن حديثها لم يعجبه… فتساءلت برقة.
_ أنزل أحضرلك حاجة تاكلها.
_ لأ ، أرجعي نامي تاني… لو أحتاجت حاجة هصحيكي.
أرادت الأعتراض لكن أبتلعت لعابها مع خروج لتلك التنهيدة الطويلة من شفتيه .
_هسمع كلامك وأرجع أنام لكن توعدني إن لما أصحا ألاقيك موجود ونفطر سوا زي ما إحنا بقينا متعودين.
أغمض عينيه لوهلة ثم أتجها نحو الحمام دون أن يُعطيها وعده.
وقد طال وقت أستحمامه إلى أن غلبها النُعاس على أمل إنها ستجده بالصباح جوارها.
وها هو صباح أخر تستيقظ فيه دون أن تشعر به وهو يغادر.
…
وقفت تتأنق بمظهر مُلفت ثم ضمت شفتيها وأقتربت من المرآة أكثر وحدجت بوجهها.
_ التجعيد رجعت تظهر في وشي المرادي بسرعة ، لازم أروح للدكتور بتاعي بسرعة.
وزفرت أنفاسها حانقة.
_ مينفعش أسافر الفترة ديه…
وسرعان ما كانت تعود إلى أفتنانها بنفسها.
_ زي القمر يا “ميرو” وأكيد هتلفتي نظرة ، أهم حاجة نعرف الثغرة اللي هندخل له منها.
صدح رنين هاتفها فجأة ، فتأففت بمقت.
_ مبحبش أخد أوامر كتير من حد.
قالتها قبل أن تفتح المكالمة التي صارت تُزعجها ليأتيها صوت المتصل.
_ مش قولنا ليكي مافيش أي خطوه تعمليها غير بأوامرنا إحنا ولا عايزانا نزعل منك.
أسرعت “مروة” بالرد وأخفت ضيقها.
_ هو أنا أقدر برضو يا باشا.
أبتسم المتصل ونظر نحو رئيسه ثم بدء يُخبرها بما عليها فعله والألتزام به.
شعرت “مروة” بعدم قدرتها على إستيعاب ما تسمعه.
_ مش فاهمه كلامك؟
هز المتصل رأسه وأعاد عليها ما يريدون منها تنفيذه.
رفرفت بأهدابها عدة مرات وتحولت ملامحها للدهشة ليخرج صوتها في حيرة وتساؤل.
_ أقرب من مراته وأخد حذري منها ؟
أرتسمت ابتسامة واسعة على شفتيّ ذلك الجالس وراء طاولة مكتبه بأسترخاء وأشار إلى الرجل الذي يعطيه مُهمة مهاتفتها وأعطائها الأوامر.
_ ملامح مراته مش غريبة عليكي؟
وبنبرة ساخرة تساءل.
_ هي الحادثة أثرت على ذاكرتك كمان لا مش معقول؟
ضاقت حدقتيّ “مروة” وطأطأت رأسها.
_ أنا فعلًا حاسة إنها مش غريبة عليا، هو أنا كنت أعرفها قبل ما أسيب مصر؟
نهض الجالس من مقعده و أومأ برأسه للواقف.
_ تعرفيها وعيشتي معاها كمان ولو أكتشفت هويتك هتاخد حق أبوها منك مش أنتِ برضو اللي دبرتي حا….دثة مو؟؟؟؟؟ت “أسامة”….
وأردف بنبرة جعلت جسدها يرتجف و أدركت أن جميع أوراق الماضي مكشوفة لهؤلاء.
_ بلاش تتفاخري أوي باسمك الحقيقي قدامهم ،خليكي باسم هويتك المزيفة أفضل ليكي يا “أنجي” ولا نقول “مروة” هانم سيدة الأعمال…
….
سارت “ليلى” نحو بوابة الفيلا التي أنغلقت للتو وقد تأكدت أن السيارة التي غادرت هي سيارة “عزيز” وليست سيارة “سيف”.
_ معقول رجع ومشي تاني بسرعة.
تسارعت دقات قلبها فجأة و اِستدارت بجسدها لتعود إلى الفيلا بعد أن قضت وقت الصباح حتى الظهيرة في مسكن عمها .
_ ليكون فعلا رجع والسواق هو اللي مشي بالعربية بعد ما وصله… أنا قولتله متضغطش على نفسك في الشغل هتتعب تاني ، أنا لازم أخده ونروح المزرعة ، بقالنا فترة بنخطط لكده لكن خلاص كفاية تأجيل…
تمتمت بما جال في خاطرها وهي تُسرع بخطواتها نحو الفيلا وقد سيطر الخوف عليها، أن يكون عاد مريضًا.
تقابلت مع العم “سعيد” الذي ظهر على وجهه الضيق.
_ فين “عزيز” يا عم “سعيد”، أنا شوفت عربيته خارجه من الفيلا وملحقتش أشوف مين فيها.
_ “عزيز” بيه ، سافر تركيا يا “ليلى”.
أرتعشت شفتيها، فنظر إليها العم “سعيد” بنظرة طويلة ثم أشاح بوجهه عنها.
_ سافر إزاي ، أنت بتقول إيه يا عم “سعيد” … إزاي سافر من غير ما أعرف.
وأسرعت بتمرير أصابع يدها على شاشة هاتفها حتى تُهاتفه لتضيق حدقتاها وتقترب من العم “سعيد”.
_ تليفونه مقفول ، هو في إيه أنا مش فاهمة حاجة…
….
نظرت “شهد” نحو بوابة الشركة التي يخرج ويدلف منها وإليها الموظفين.
_ هو أنا اللي بعمله صح يا “لميس”.
زفرت “لميس” أنفاسها بضجر ونظرت إليها.
_ أخرجي من دور الطفلة بقى يا “شهد”، وأه الحمدلله “عزيز” بيه مهتمش بموضوع شغلك يعني القرار قرارك مش قرارهم هما.
فركت “شهد” يديها ببعضهما ، فمدَّت “لميس” يدها نحو ذقنها حتى ترفع رأسها وتتلاقى نظراتهن.
_ “شهد” ديه فرصة كويسة ليكي ، وأهو أعتبريها تجربة.
أومأت “شهد” برأسها وألقت بنظرة أخيرة نحو الساحة الخارجية للشركة .
_ يلا بقى يا “شوشو” عشان أنا ورايا مشوار مهم وقولت أوصلك الأول.
دفعتها “لميس” برفق حتى تترجل من السيارة ثم قبضت على يدها وحركتها إلى الأمام حتى تعيد الحماس إليها.
_ متفكريش كتير، لازم تخوضي التجربة بنفسك… حظ سعيد يا “شوشو”.
وأنطلقت “لميس” بسيارتها وتركتها حائرة بين خوفها وبين رغبتها بالتمرد على والدتها.
_ “لميس” عندها حق لازم أخرج من دور الطفلة عشان أقدر أوصل لأحلامي…
وفي دقائق معدودة كانت تصل إلى الطابق الذي يوجد به مكتب “سمية”.
_ أهلًا وسهلًا بيكي ، مدام “سمية” مستنياكي… أتفضلى.
أشارت لها سكرتيرة “سمية” بالدخول بعد ترحيبها وقد بدء قلبها يرتاح قليلًا.
وأبتسامة سمية اليوم لا تترك شفتيها خاصة بعدما علمت بخبر سفر “عزيز” بالأمس ولم يُحدد وقت لعودته.
_ أهلًا يا “شهد” ، نورتي الشركة يا حببتي.
أبتسمت “شهد” بتوتر، فتحركت “سمية” نحوها وأحتضنت كفوف يديها.
_ متعرفش أد إيه أنا مبسوطة لأنك أخدتي القرار الصح.
ألتمعت عينين “شهد” ونظرت إلى “سمية” التي أجتذبتها من يدها نحو أحد المقاعد الموجودة أمام طاولة مكتبها.
طفلة ساذجة ومدللة، تَنقِمُ على حياتها وترى نفسها تستحق أن تنال كل ما هو يتلألأ كالنجوم ، هكذا حادثت “سمية” نفسها عندما لفت أنتباهها لمعة عينيها.
واللعبة هذه المرة أتت إليها دون سعي وهذه المرة ستقلب حياة “عزيز” رأسًا على عقب ولا حاجة لها بأبنها الذي أحكمت خيوطها حوله بعد أن جعلته عاشق لـ “بيسان” أبنة “هارون” زوجها.
الفصل التاسع والتسعون (1)
🌻ظنها د؟؟؟؟؟؟؟مية بين أصابعه🌻
أقترب “عزيز” من النافذة الكبيرة التي تعكس من خلالها جمال مدينة أسطنبول وأزدحامها أيضًا. ظل لدقائق واقفًا بثبات لا تتحرك إلا جفونه التي يطبقها كُلما أقتحم صوتها الحزين – في مكالمتهم ليلة أمس- رأسه وعتابها له لعدم معرفتها عن رحلة سفره وكأنها لا شئ بحياته.
تركها تتحدث وتُعاتب حتى أزاحت عن قلبها غضبها اللين الذي يضيع فور أن تجده صامتًا ومتقبلًا ثورتها عليه.
تنهد تنهيدة طويلة أخرج فيها ضيق صدره ثم أغلق عينيه هار……بًا من ضجيج الأفكار المُزدحمة برأسه والتي يَعْتصِر معها فؤاده آ؟؟؟؟؟؟لمًا وحزنًا ومشاعر أخرى تثقل كتفيه وتشتت عقله ولأول مره يُدرك أن صلابة الأنسان وقوة أيمانه تَتَزعْزع عند أول اختبار حقيقي يضع فيه كل آماله وأحلامه ويرغب في نيله بشدة.
أهتزت أجفانه مع فتحهما وعودته للتحديق بالسيارات التي تسير بأنتظام عبر الشارع كما يسير المارة.
_ أكون قاسي معاكي إزاي يا “ليلى”، إزاي أقولك إني ممكن مخلفش بعد ما خليتك نفسك يكون عندنا طفل، ده أنا شوفت الفرحة في عينك وأنتي بتقوليلي إنك أطمنتي على نفسك ومافيش حاجة تمنع…
وتوقف عن الكلام الذي يخرج ثقيلًا منه ثم أبتلع مرارة ريقه.
_ حركت غريزة الأمومة بألحاحي إن نفسي في طفل ودلوقتي جاي أطفيها وأقولك أتحملي معايا رحلة علاجي وأصبري…
ألتمعت الدموع في مقلتيه عندما تذكر تلك الليلة التي أخبرته فيها أن لا شئ بها يعيق الأنجاب وأنها بخير.
_ يمكن يكون في أمل بس ليه أظلمك معايا وأسرق عمرك في الأنتظار وأشوفك يوم بعد يوم بتنطفي قدامي…
وبحرقة ولَوَّع تمتم.
_ سامحيني يا “ليلى”، غصب عني أختارت الهروب ، مكنتش قادر أبص في عينك وأقولك إني مهزوم من الدنيا كلها ، كان نفسي أعيط في حضنك لكن إزاي أقدر أعملها وأنا عيشت عمري كله الأيد اللي بتطبطب وبتمسح دموع غيرها….
وبصعوبة واصل حديثه بعدما أخذ نفسًا عميقًا طرد معه ضعفه.
_ لازم أستمر في قسوتي وبعدي ، و زي ما خليتك تحبيني لازم أخليكي تكرهيني…
والدمعه التي حبسها في عينيه ، أنسابت بملوحتها وأرتجف قلب صاحبها معها.
_ مش هقدر أقولك أبعدي عني لكن هسيبك أنتي تختاري البعد يا “ليلى”..
أنفتح الباب فجأة ودخل “نيهان” الغرفة ضجرًا من أفعال زوجته الجنونية.
_ أشعر أن هذا الطفل عقاب لي، متى تلد حتى أرتاح لقد سئمت.
ثم وضع يديه على رأسه وأردف بتأفف.
_ يأتي هذا الطفل وبعدها سأشجعها على تحقيق ذاتها حتى لا تفكر في الأنجاب مرة أخرى.
وزفر أنفاسه وأستمر في تدليك جبينه.
_ “عزيز” أنصحك ألا تفكر في الأمر، عيش حياتك يا رجل… أنت صديقي وحقًا جميع التقلبات النسائية المزاجية لحضرتهن تأتي أثناء الحمل وكُلما عبرت عن ضيقك تخبرك أن تحمل الطفل عنها حتى تُجرب مدى تضحيتها العظيمة.
وبصياح اِستكمل “نيهان” حديثه وهو يتهاوىٰ بجسده على الأريكة القريبة من النافذة.
_ هذه حكمة رب العباد، هن يحملن الأطفال في رحمهن، ستجعلني أفقد عقلي ، أستغفر الله.
أخفض “عزيز” رأسه مُطبقًا شفتيه حتى لا تخرج منه تلك الآه التي مزقت روحه.
_ “عزيز” فيما أنت شارد ، لقد تعبت منك أنت أيضًا، أمرك يحيرني وأشعر أن بك شئ تخفيه عني.
تمالك عزيز” تخبطه وحزنه وأتجه نحو طاولة المكتب قائلًا دون أن ينظر إليه.
_ خلينا نشوف شغلنا يا” نيهان” ، وضع المصنع بدء يتحسن الحمدلله.
داعبت أبتسامة واسعة شفتيّ” نيهان” ولم ينتبه على تحشرج صوت” عزيز”.
_ أنت تعمل بجد منذ أن أتيت حتى تعيد للمصنع مكانته ،حقًا” عزيز” لم أجد رجلًا مخلصًا في عمله مثلك لذلك أخبرتك هذه المرة بضرورة حضورك.
هزَّ “عزيز” رأسه وهو ينظر إلى الأوراق التي أمامه وقد أراد الهرب منذ أن أتى بأنشغاله بالعمل وعدم الثرثرة نحو أمورهم الخاصة حتى لا يبدء “نيهان” في أسئلته وحديثه الذي يعرفه.
_ أمتى صفقة الأقمشة هنستلمها ، لازم تعرف التأخير جاي منين يا “نيهان”.
وهكذا يعيش “عزيز” أيامه الثقيلة ، ساعات طويلة يقضيها بالعمل وهلك جسده وذهنه حتى لا يُفكر في شئ ويعتاد على عدم وجودها بجانبه، ليكون الهجر سهلًا عند عودته.
تفرس “نيهان” وجهه قبل أن يُغادر الغرفة مغمغمًا مع نفسه.
_ بالتأكيد أمر “سيف” ما يشغل عقلك…
…
ألتقطت “ليلى” تلك القطعة التي تحتاج للتطريز مُتنهدة، فأسرعت “عايدة” برفع رأسها نحوها وتركت ما بيده مُتسائلة.
_ فيكي إيه يا “ليلى”؟
ولم تنتظرها لترد عليها وألتقطت من يديها ما تقوم بتطريزة قائلة بأمر:
_ قومي معايا كفاية شغل وتعالي نعمل حاجة نشربها وندردش.
نظرت “ليلى” نحو ما عليهن إنجازه من عمل لكن “عايدة” لم تتركها وجذبتها من ذراعها حتى تنهض.
_ مش عايزه أسمع كلمة، قومي خلينا نرتاح.
أستجابت “ليلى” لها وتحركت معها إلى المطبخ تتساءل.
_ طب هنعمل إيه نشربه ولا نبدء نحضر الأكل.
أبتسمت “عايدة” وأرادت المزاح معها حتى تُخرجها من تلك الحالة التي تفهم سببها.
_ تعرفي أحلى حاجة حصلت من سفر “عزيز” بيه إننا رجعنا نفطر ونتغدا ونتعشا سوا وتنامي كمان عندنا…
وأبتعلت “عايدة” غصتها حتى لا تأتي بذكرى “عزيز” زوجها الراحل وتزيد من أوجاعهن.
_ يا سلام لو” عزيز” بيه يطول أسبوع كمان بس نقول إيه في ناس مش قادرة على البعد…
توهج وجه “ليلى” بشوق وأخفضت رأسها.
_ وحشني أوي، وحاسه الأسبوع اللي عدى من غير وجوده كأنه سنه.
أنفرج ثغر “عايدة” بأبتسامة خفيفة ،فأردفت “ليلى” بنبرة صوت شجيّة.
_ أمبارح لما كلمني أتخنقت معاه وعتبته إنه سافر من غير ما يقولي…مقدرتش أفضل مخبيه زعلي منه وأنا بقول لنفسي بلاش تنكدي عليه وهو بعيد ولما يرجع أتعاتبوا براحتكم ، هو أنا كده غلطانة.
خفق قلب “عايدة” وهي ترى نظرتها البريئة إليها بعدما سألتها، هل أخطأت في تصرفها.
_ قوليلي لو أنا غلطانه مش هزعل منك…
أسرعت “عايدة” بأحتضانها بكل قوتها و حنانها.
_ لأ يا حببتي أنتِ مش غلطانه وحقك تقوليله كل حاجة وأي شعور جواكي هو جوزك وأقرب حد ليكي دلوقتي وعلى فكرة بقى هو ميلاقيش زي قلبك الحلو يا “لولو”.
دمعت عيناها ، فـ زوجة عمها دائمًا ما تلمس فؤادها بحديثها اللين الذي يغمرها بالأطمئنان وينفض عنها كل حزن.
_ بصي بقى يرجع من السفر وتقرصي ودنه قرصة خفيفه كده عشان سافر من غير ما يقولك.
أبتعدت “ليلى” عن حضنها و أومأت برأسها قائلة:
_ قالي إنه عنده مشاكل في شغله هناك يعني زي ما “سيف” فهمني…
تحركت “عايدة” نحو البراد وفتحته حتى تجلب الحليب منه.
_ ما قولنا ليكي الكلام ده في الأول لكن أنتِ لازم تسمعي من “عزيز” بيه عشان تصدقي…
أرتبكت وتذكرت معانتهم معاها الأيام الماضية وقد مر على غيابه أسبوعًا.
_ ما أنا أرتحت لما قولتله إني زعلانه منه وقلبي مش هيصفا له غير لما يرجع ويصالحني وكفايه عليه يومين زيادة على غيابه فوق الأسبوع.
تجلجلت ضحكات العم “سعيد” الذي دلف للتو المطبخ.
_ قلبك حنين يا “لولو” مش زي ناس كانت لما تقلب بتقلب بحق ، تعالي أما أحكيلك عن مواقف “عايدة” وجبروتها مع عمك.. يا ساتر كانت شرانية معاه وياما صالحتهم على بعض لكن ولا مرة كانوا بيقدروا حاكم عمك “سعيد” ديما بيوفق بين الناس… قلبي طيب زي طيبة قلبك كده…
فتحت “عايدة” فمها وهي ترى شقيقها يُلقي بكلامه الذي دائمًا ما يظهرها فيه سيئة لتكتم “ليلى” صوت ضحكتها.
_ هاتي أيدك وخلينا نقعد في الجنينة ونشوف الورد بتاعنا يا وردة بيتنا…
ورغم أستياء “عايدة” من أفعاله إلا أن الراحة غمرت قلبها وهي تستمع إلى صوت ضحكات “ليلى” .
….
أعتدلت “لبنى” في رقدتها على فراشها بعدما أستمعت إلى صوت والد زوجها وهو يتساءل، هل يستطيع الدخول.
_ تعالا يا جدي، تعالي يا “زينب” أتفضلوا.
دخل “علي” حفيده أولًا وأتبعه “نائل” وجواره “زينب”.
_ كده يا “لبنى” تخضينا عليكي ،مالك يا مرات أبني.. شكل جواز “أشرقت” أثر فيكي، لأ نرجعها ليكي من شهر العسل.
اِفتر ثغر “لبنى” عن ابتسامة مهزوزة وترقرقت الدموع في عينيها ،فتنهد “علي” قائلًا بسأم:
_ شوفت يا جدي ، أهو الواحد مش عارف يعمل إيه ليها والهانم أصلًا هي وجوزها قافلين تليفوناتهم ومش عارفين نوصل ليهم ونعرف هما في أنهي بلد دلوقتي.
نظر “نائل” إلى “لبنى” بنظرة ثاقبة ، فأشاحت وجهها وأبتعلت ريقها.
_ هي بتتصل بيا تطمني عليها وبعدين تقفل التليفون، أصل جوزها مش عايزها تشغل بالها بحد غيره….
تحرك “نائل” نحو الأريكة الموجودة بالغرفة وجلس عليها زافرًا أنفاسه وقد تلاعب الشك برأسه.
توترت “زينب” ونظرت نحو زوجة عمها التي أطرقت رأسها.
_ ألف سلامة عليكي يا طنط “لبنى”، هو “علي” بس بيقول كده من زعله عليكي ميعرفش إن ده شوية تعب وهيروحوا بسرعة أول ما تخدي أشرقت في حضنك.
ولأن الجميع يعلم أرتباطها الشديد بأبنتها ، فسّروا سبب مرضها نحو هذا…
أبتسمت “لبنى” بوهن وأتجهت بأنظارها نحوها.
_ تعالي يا “زينب” ساعديني أقوم من على السرير عايزة أحرك رجلي شوية.
ضاقت حدقتيَّ نائل” بدهشة ونظر” علي” نحو “زينب” التي لم تلقىٰ يومًا من والدته إلا معاملة جافة.
تقابلت عينين” زينب” بعينين جدها لها ثم أسرعت نحو” لبنى” وعلى شفتيها أبتسامة.
….
زفر” صالح” أنفاسه بضيق بعد أن غادرت سكرتيرته غرفة مكتبه ثم شَرَعَ بتحريك رابطة عنقه بحنق.
_ يومين وزهقت، دور رجل الأعمال مش حاسس نفسي فيه…
وبمقت أردف بعدما أزاح الأوراق التي أمامه.
_ قدرت تجر رجلي ليك يا جدي لكن أهم حاجة إنك نفذت شروطي وكده كده على رأي” زينب” مسيري هتجبر إني أمسك شغل العيلة كله ومش هيكون عندي رفاهية الأختيار.
وعندما أتى حديثها الذي لا يعكس شخصيتها، فهي تشعره إنه أمام أمرأة أفسدها دلال والدها وعليه كزوج أن يُكمل ما أفسده.
_ أنا عرفت دلوقتي أنا محتاج إيه، محتاج جرعة دلال منها…
أسرع بألتقاط هاتفه ونهض وعلى شفتيه أبتسامة عريضة متذكرًا الدلال الذي تلقاه منها هذا الصباح عندما أخبرها بضجره من هذا العمل الذي أجبره عليه جده بسبب ما تواجهه الشركة من أزمة مالية وأمور أخرى لا يستطيع الأفصاح عنها.
تنهد ثم أسبل جفنيه منتظرًا ردها عليه.
أتجهت أنظار “لبنى” نحو هاتف “زينب” الذي تركته على المنضدة الصغيرة التي أمامها، دققت بالأسم الذي تُدلل به “زينب” زوجها والصورة التي تجمعهم في رحلتهم بأسوان.
أستمر الهاتف بالرنين وقد لفت أنتباه الجد الذي عاد إلى حجرة الضيافه مستندًا على ذراع حفيده بعدما أنتهوا من صلاة الظُّهْر.
_ ده تليفون “زينب”…
أرتفع صوت الجد بالنداء على “زينب” التي أتت إليه مهرولة وهي تحمل في يديها صينية طعام لزوجة عمها التي صارت مؤخرًا لا تتناول إلا القليل من الطعام كما أخبرها “علي” وطلب منها أن تُحاول إطعامها ربما تنجح بالأمر كما نجحت من مساعدتها بالأستحمام وتمشيط شعرها والخروج من الغرفة والجلوس بينهم.
_ أيوة يا جدو، كنت بحضر صينية الأكل لـ طنط “لبنى” ، أكيد مش هتكسف أيدى.
رمقتها “لبنى” خلسة بعدما وضعت صينية الطعام أمامها.
_ جوزك كان بيرن عليكي…
قالتها “لبنى” بصوت خافت ، فأسرع الجد قائلاً:
_ خدي تليفونك وكلمي جوزك ، شوفي يا حببتي عايز إيه…
حركت “زينب” رأسها في اللحظة التي بدء فيها الهاتف بالرنين للمرة الثالثة.
_ يا بنتي ردي على الراجل بدل ما تتعلقي في البيت.
صاح بها “علي” بمشاكسة، فضحكت وخرجت سريعًا من غرفة الضيافة.
_ عندك حق، أصلًا “صالح” بيتقمص بسرعه زي الأطفال…
ضحك الجد وشاركه “علي” بالضحك ، فحدقت بهما لبنى بنظرة طويلة لم يقطعها إلا عودة “هشام” إلى المنزل.
_ مش معقول سيادة اللواء عندنا، أنا مصدقتش لما شوفت عربيتك تحت…
ربت “نائل” على كتفه وقال مُعاتبًا له.
_ إزاي تسيب مراتك بعد الفرح وتسافر، أنت مش شايفها محتاجة وجودك جانبها.
تلاقت عينين “هشام” بزوجته التي طأطأت رأسها بشرود يُحيره.
_ يا سيادة اللواء هما أربع أيام ورجعت بسرعة وقولتلها لو مش عايزاني اسافر قولي وأجل سافري لقيتها مش معترضة، ده غير “علي” موجود معاها
ثم هتف حانقًا.
_ وكمان أنا شايف زعلها من جواز “أشرقت” وبعدها عنها مبالغ فيه، مش كل أم تجوز بنتها بتزعل كده…
رفعت “لبنى” رأسها وتمنت لو خرجت صيحتها المحبوسة من صدرها وأخبرته بما تحمله عنه.
_ ماما بتدلع علينا يا بابا، يعني هي متستحقش دلعك…
تقابلت نظراتهم، فأبتسم “هشام” وأقترب منها مُحتضنًا كتفيها وفي داخله شعور الذنب على الجرم الذي فعله.
_ حقها طبعًا تدلع وعشان كده هاخدها يومين بورسعيد ،أنا عارف إنها بتحب تروحها….
ثم نظر حوله متسائلًا :
_ الخدامة قالتلي إن “زينب” جات معاك يا سيادة اللواء، راحت فين مش شايفها.
_ بتكلم “صالح” في التليفون، هتلاقيها داخله علينا دلوقتي بعد ما تخلص مكالمة العشاق.
خرج صوت “علي” بدعابة أسعدت قلب الجد ، حرك “هشام” رأسه غير مُعلقًا على الأمر، فهتفت لبنى” وهي تُقاوم رجفة قلبها.
_” هشام” دخلني أوضتنا ، عايزة أستريح مش قادرة أقعد أكتر من كده، عن أذنك يا بابا البيت بيتك طبعًا….
نفذ لها” هشام” طلبها دون تساؤل بعد أن رمقه والده بنظرة فهمها.
وقفت “زينب” مكانها مُندهشة وهي ترى عمها أمامها يسند زوجته ويسير بها خارج الغرفة ولم تمس صينية الطعام.
_ أزيك يا “زينب”….
تمتم بها “هشام” بلطف ليهتف “نائل” بها.
_ تعالي يا حببتي جانبي هنقعد شوية مع عمك ونمشي علطول.
…
في إحدى الملاهي الليلية في أثينا ، جلس “مراد” بجانب أحد أصدقائه.
_ مش عارف قدرت تعملها إزاي، تسيب عروستك وتيجي عشان تخلص صفقة أسلـ.ـحة.. يا سيدي كنت أتبسط معاها شوية يمكن تودع الدنيا.
ضحك “مراد” بمْلءِ شِدْقيهِ ودفع كأس الخمر نحو شفتيه مُرتشفًا ما تبقى منه.
_ أهي تكون أرتاحت مني ، ده أكيد مو؟؟؟؟؟؟تي أمنيتها الوحيدة في الحياة دلوقتي.
قطب الجالس حاجبيه ثم تساءل بشك.
_ تتمنى مو…….تك ، لا كده الموضوع كبير أوي..
وتذكر صفقة الآثار التي مرت بسلام ليلة عقد القران وأردف بجبين مقطب.
_ أوعىٰ تقولي إنها أكتشفت اللي عملته ليلة كتب الكتاب، ده إحنا بجد لعبناها صح يومها… بنت مستشار والحفلة مليانه ناس تقيله في البلد وبنسلم ونستلم العرايس..
قهقه “مراد” بعلو صوته ثم أشار لأحدى فتيات النادي الليلي أن تقترب منه وقام بتقبيلها.
_ إحنا هنا عشان نتسبط وناخد كام صوره حلوه يا “عماد” ، صور بقى صاحبك وهو بيستمتع بالجمال اللي في أيده…
….
جحظت عينين “أشرقت” وسقط الكوب الذي ترتشف منه الماء من يدها عندما رأت تلك الصورة التي أرسلها لها وقد أتت فور أن فتحت هاتفها حتى تُهاتف والدتها على أمل أن تُجيب عليها هذه المرة وتسمع صوتها.
_ أه يا ابن…
صرخت بعلو صوتها وهي تلعنه إلى أن أعلن هاتفها عن الرنين بالرقم الذي أرسل منه الرسالة.
تجمدت ملامح “مراد” عندما أستمع إلى تهديدها.
_ هخونك يا “مراد” وأول حد هخونك معاه واحد من رجالتك ، أنت كده كده ضيعتني وخلتني محرومة من أهلي ومرمية زي الكـ.ـلبة… هفضحك وأقول للناس كلها إنك مش راجل وهتشوف من النهاردة نسخة جديدة مني أنتِ اللي عملتها.
وبعينين دامعتين أستطردت.
_ هما خلوني واحدة أنانية وعايزة ديما اللي في أيد غيري وأنت حولتني لـ ست عاهـ. ـرة…
أنقطعت المكالمة التي أنهارت فيها جميع قواها وأحتضنت جسدها بذراعيها لا تُصدق ما قالته له حتى تثأر لكرامتها.
شعر “مراد” بفوران الدماء في رأسه ليدفع تلك التي تجلس على فخذيه عنه ونهض وهو يضع هاتفه على أذنه منتظرًا رد أحدهم.
….
توقف “سيف” مكانه مُترددًا قبل أن يتخذ قراره و يقترب منها وقد صار متأثرًا بحزنها على غياب عمه الذي أمتدت رحلة عمله أكثر من أسبوعين دون حتى أن يودعها.
_ على فكرة البيت بقى كئيب.
هتف بها “سيف” ثم جلس على المقعد المقابل لها ، فأسرعت “ليلى” بمسح دموعها.
أندهش “سيف من رؤية دموعها وتساءل بحيرة.
_ معقول بتعيطي يا” ليلى” عشان عمي غاب عنك كام يوم..
_ مكلمنيش من تلت أيام وكل ما أتصل عليه ألاقي تليفونه مقفول ، وأهو مر أكتر من أسبوعين ومقالش راجع أمتى… هو أنت متعرفش هو راجع أمتى يا” سيف”.
أرتجف قلب” سيف” ونظر إليها وهو لا يستوعب ما يسمعه ويراه بعينيه.
_ مش متعوده على غيابه المدة ديه كلها ، قلبي بيقولي “عزيز” في حاجة.
أصاب الهلع ملامح ‘سيف” ثم نفض عن رأسه الأمر،
فهو تحدث مع عمه بالصباح ليخبره بتفاصيل سير العمل بـ معارض الأثاث.
_ عمي بخير يا ليلى”، متقلقيش…
قطعت حديثه مُتسائلة بلهفة أزادت من حيرة “سيف”.
_ هو بيكلمك، لو بيكلمك… ليه مش بيكلمني؟
أرتبك “سيف” وأشاح بوجهه عنها.
_ لأ مبيكلمنيش من تلت أيام زيك، شكله مشغول أوي… إيه رأيك نتصل بي دلوقتي.
داعبت شفتيها أبتسامة واسعة و أسرعت بسحب مقعدها لتقترب منه.
_ أتصل من فضلك يا “سيف” يمكن يرد عليك.
ألتقط “سيف” فعلتها بطرف عينه وأبتسم بتوتر ثم خفق قلبه من رؤيتها تتلهف على سماع صوت عمه.
_ التليفون مقفول ، مش قولتلك شكله مشغول أوي.
أختفت اللهفة عن ملامحها وكادت أن تنهض لكن تفاجأت بألتقاطه لـذراعها.
_ تيجي نخرج بالعربية وأه تشمي شوية هوا.
أبتسمت “كارولين” وقبضت بيديها على سياج الشرفة وهي ترى سيارة “سيف” تُغادر المنزل بعدما أصطحب “ليلى” معه للخارج.
_ بالتأكيد هي محرومة من زوجها و زوجي أصبح له دور الآن، أتمنى أن تُفتن بك “سيف” وتخون عمك حتى يُصدق هذا الرجل الشريف أن زوجته مثل أغلب النساء تحركهن غرائزهن.
….
خرجت “شهد” من الغرفة التي تعمل بها ضمن عدد من الموظفين ثم بدأت تجذب تنورتها القصيرة إلى أسفل حتى تُداري عُري ساقيها.
ألتفت حولها ؛ فهي مازالت لم تعتاد على تلك الملابس المُتحررة والتي تختارها لها “لميس” عندما تذهب إلى منزلها بالصباح حتى تترك لديها كُتبها وتُبدل ثيابها.
شعرت بالخزي لأنها كذبت على والدتها وأوهمتها إنها لم تعد تُفكر بعرض العمل وستواصل دراسة الطب حتى تُحقق أمنية والدها.
_ سامحيني يا ماما أنتِ أضطرتيني أكذب عليكي، وأهو لحد دلوقتي محدش أكتشف موضوع شغلي…
سارت بتوتر نحو غرفة “سمية” حتى تعرف سبب أستدعائها لها.
أشارت لها السكرتيرة المنشغلة بعملها أن تدخل لتنهض “سمية” عند رؤيتها.
رفرفت “شهد” بأهدابها ثم تسارعت دقات قلبها حينما باغتتها “سمية” بأحتضانها ، تهتف بآسف وأعتذار.
_ “سيف” لازم يصلح غلطته ويتجوزك….
…
أغلقت “زينب” باب الشقة بعدما أخذت من عامل التوصيل ما قامت بشرائه.
حدقت بالعُلبة التي وضعتها أمامها وتساءلت.
_ معقول أسمع كلام “هدير” و “نسمة” وأشتري الحاجات ديه…
أشتعلت حرارة وجنتيها وحركت رأسها برفض.
_ لأ ،” صالح” هيفهمني غلط وهو ما بيصدق…أنا هرجع الحاجات ديه لـ “هدير” وحلال عليها الفلوس.
ثم دفعت العُلبة من أمامها وزفرت أنفاسها بتذمر.
_ ما تفتحي العلبة يا “زوزو” وأتفرجي وكده كده
” يزيد” مش هنا و “صالح” بقى يتأخر عن ميعاد رجوعه…
الفصل التاسع والتسعون (2)
🌻ظنها د….مية بين أصابعه🌻
كانت كعصفورًا صغيرًا تلمع الحياة بعينيه من وراء قفصه الواسع وحينَ أعطاه صاحبه حريته.. أنطلق مبتعدًا نحو الأضواء اللامعة التي أجتذبت عينيه عندما كان في قفصه الذي ظنه ضيقًا عليه ويستحق الأفضل.
« يتزوجها “سيف” حتى يُصلح ما أقترفه بحقها تلك الليلة ، يتزوجها لأنه فعل فعلة شنيعة وهي كأم لا تقـ,ـبلها لكن عليها الصبر إلى أن ينتهي من زواجه وأن تظل محتفظة بتلك الفضيحة كما أحتفظت بها حتى اليوم.»
أختنقت “شهد” عندما تردد صدى كلمة فضيحة وعليهم إصلاحها ، فهي نفضت تلك الليلة عن ذاكرتها حتى تعود لرفع رأسها أمام الجميع وأولهم هو دون أن تشعر بالخزي.
_ لأ محصلش حاجة بينا ، أنا معملتش حاجة غلط.
تقهقرت “سمية” إلى الوراء بعدما أنتفضت “شهد” مبتعدة عنها.
_ أنا معملتش حاجة وحشة ، معملتش حاجة.
رددتها ببكاء، فأجتذب الأمر لوهلة دهشة “سمية”.
_ هو كان سكران، مكنتش أعرف إنه بيشرب، هو قالي إنه مش فاكر حاجة وأنا كمان لازم مفتكرش وننسى الليله ديه…
قطبت “سمية” حاجبيها حينما بدأت تستوعب ما حدث تلك الليلة عكس ما صورته لها “كارولين”.
_ هو فعلا نسي ومبقاش يحبني زي زمان وأنا خلاص مبقتش أحبه ومش عايزاه…
تجهمت ملامح “سمية” وأنفكت عقدة حاجبيها ، فما الذي تخبرها به تلك الحمقاء التي صارت سـ.ـلاحها الأخير مع عزيز.
اشْتدَّ بكاء “شهد” ، فأشاحات “سمية” بوجهها عنها حتى تتدبر حالها وتجد ما يعيد الخيط لدميتها الصغيرة.
مسحت “شهد” دموعها و أسرعت بلهفة نحو “سمية” قائلة برجاء:
_ أرجوكي يا طنط “سمية” متقوليش حاجة لأبيه عزيز” ، أصلا مافيش حاجة حصلت بينا غير يعني…
أستدارت” سمية” نحوها وأجتذبتها من كتفيها تهزها برفق حتى تواصل حديثها.
_ قولي يا “شهد” حصل إيه بالظبط متخافيش سرك في أمان وهساعدك كمان توصلي لأبني لانه بيحبك…
_ بيحبني!!!
تمتمت بها “شهد” مع بريق تلألأ في بؤبؤين عينيها لتتسع أبتسامة “سمية” بمكر لم تُبصره تلك التي رفرف قلبها مع سماع كلمه لم تُصدقها.
_ أيوة بيحبك يا “شهد” ومن زمان كمان.
تسارعت أنفاسها وخرج صوتها مهزوزًا ومازالت لا تُصدق ما سمعته.
_ طب و “بيسان”.
حدجتها “سمية” بنظرة ثاقبة ثم ضحكت وأبتعدت عنها ، فأرتجف قلب “شهد” بوجِل.
_ فيكي مين يكتم السر يا “شهد”…
أومأت “شهد” برأسها دون أن يخرج صوت لها، فأطلقت “سمية” زفرة طويلة أتبعها دسَّ السيجارة بين شفتيها ثم أشعالها بقدَّاحتها.
_ بصراحة أنا اللي كنت بحاول أقرب “بيسان” منه ومن قبل كمان ما يتجوز “كارولين”…
وبنظرة حملت دهائها رمقت “شهد” التي توهجت عيناها.
_ هو يا حبيبي مكنش يقدر يقول إنه بيحبك لأنك لسا صغيرة والمستقبل لسا قدامك…
أزدادت دقات قلب “شهد” خفقانًا وهزت رأسها رافضة ، فهي لا تُريد أن تتعلق بسراب.
_ لكن هو قالي إنه بيحبني زي “نيرة” و عايزنى أحافظ على الصورة ديه في عينه…
قاطعتها “سمية” وأتجهت إليها حتى تتقابل نظراتهن وتزيد من جرعة حديثها المسموم.
_ بيقولك كده يا حببتي بسبب بنت عمك هو للأسف كرهكم بعد جواز “عزيز” منها…
وبأسف أردفت “سمية” بنبرة حزينة بعد أن حركت رأسها بأمتعاض.
_ بجد البنت ديه وشها وحش عليكم يا “شهد” مش هترتاحوا غير لما تخلصوا من وجودها وتبعد عنكم..
….
حدقت “زينب” بنظرة ذاهلة نحو أوراق اللعب التي أخبرتها “هدير” زميلاتها أنها مجرد لعبة ضمن مجموعة من الألعاب التي تكسر روتين الحياة الزوجية ما دام لا ترغب بشراء ملابس النوم منها لكثرة ما لديها.
أستمرت “زينب” بالتحديق بفاه مفتوح خاصة في لعبة الأوراق دون عن الأغراض الأخرى التي أشترتها من عطور وأشياء تناسب تلك الليالي التي ستُقرر فيها تدليل نفسها و زوجها الوسيم الذي يشبه فنانين الستينات بجماله الأستقراطي كما صاروا يشبهونه متسائلين دائمًا لها كيف حظيت بزوج مثله وكأنه كنز ثمين فازت به ورغمًا عنها أنطلقت ضحكة قوية وساخرة من شفتيها.
_ ده أنا كنت محظوظة حظ ، أه لو يعرفوا الصدمة إزاي أخدتها وأستوعبتها بعد ما قاومت كسرة قلبي.
وتحولت ضحكتها البائسة لأبتسامة باهتة ، فـ ذكرى ليلة عُرسها لن تنساها مهما مضى من العمر بحلوه ومره معه.
أسرعت بمسح الدمعة التي أنفلتت من طرف عينيها ثم رمقت هاتفها الذي بدء بالرنين ولم تكن سوى “نسمة” زميلتها.
تنهدت ثم جمعت سريعًا تلك الأوراق التي كانت على حجرها وأجابت عليها.
_ أستلمتي الحاجات يا “زوزو” ، أنا جوزي أول ما قولتله أدفع الفلوس لعامل التوصيل مش عايزه أقولك على ملامح وشه، الراجل بصيلي بصة اِستنكار وقالي أنتِ هتخيبي يا ست هانم ، ألعاب زوجية إيه اللي نلعبها عشان نجدد شغف حُبنا.
وببؤس أردفت بعدما القت بنظرة مستاءة نحو ما دفعت ثمنه من أموالها الخاصة.
_ وقالي مش دافع تمنه وقومي كملي الأكل ، “زينب” هي ردة فعل جوزك كانت إيه ولا لسا معرفش… بس أكيد مش هيكون زي سي “محمود” جوزي ما جوزك أبن ذوات وأكيد الحاجات ديه عندهم متفرقش معاهم فيها دفع الفلوس.
لم تشعر زينب بنفسها إلا وهي تقهقه بصوت عالي.
_ أنتِ بتضحكي ليه يا “زينب”، أوعي تقوليلي إنه عمل زي جوزي… معقول لأ كده كلهم نفس النوعية.
توقفت “زينب” عن الضحك ونظرت نحو ما أشترته بنظرة كئيبة.
_ لأ لسا معرفش يا “نسمة” ومش ناوية أطبق نصايح “هدير” وزيك بالظبط دفعت من فلوسي…
زمت “نسمة” شفتيها ثم أطلقت زفرة عميقة.
_ هو إحنا حظنا كده ليه يا “زوزو” حتى أبن الذوات طلع زيهم..
وكعادة “نسمة” تُحب الثرثرة نحو البُؤْس والحظ السيء إلا إنها طيبة القلب وتُذكرها ببعض خصال “سما” أبنة عمها والتي أبتعدت عنها مؤخرًا ولا تعرف سبب لهذا وفي أخر لقاء بينهن أخبرتها إنها تنتظر عودة صديقتها إليها.
_ ” زينب” متشجعيني بكام كلمة حلوين ناحية حنفي جوزي قصدي” محمود” جوزي وأهو أتجاوز عن كلامه السم وقلبي يصفاله ونطبق نصايح “هدير” يمكن يعرف فوايد الدلع ويتأكد إنه لازم من وقت لتاني ندور على نفسنا ونكسر روتين الحياة الزوجية شديدة الملل….
وهذه المرة دمعت عيناي” زينب” من شدة الضحك الذي شعرت معه بآلم في معدتها لتهتف بنبرة صوت متقطعة .
_ حاضر يا “نسمة” هشجعك عشان تدلعي سي “محمود” جوزك.
وتجلجلت منها ضحكة رقيعةٌ لو أستمع إليها “صالح” لجتذبها من خصلات شعرها.
…
أنسحب “صالح” من ذلك الاجتماع الذي أصابه بالسأْم وقد أقتصر على جده والسيد “إبراهيم” و “عدنان الهتيمي” ذلك الرجل الذي لا يرتاح له ولا يرتاح لأبنه.
تحركت عيناي “عدنان” معه ثم تساءل.
_ شكله مش مبسوط من كلامنا على الأستثمار في قطعة الأرض ديه.
تقابلت عيناي “شاكر” بعينين السيد “إبراهيم” أحد رجاله المخلصين ومن ضمن من يمنحهم صلاحيات في بعض قرارته ويدير بعض الأعمال معه.
_ هو لسا بس متعودتش على الشغل، أنت عارف طول عمره حياته في مجال الطيران وأكتر حاجة بيحبها مهنته.
قالها السيد “إبراهيم” بعدما سمح له “شاكر” بتولي مهمة الرد عنه.
هزَّ” عدنان” رأسه مُتفهمًا و ألتمعت عيناه بنظرة غامضة ،نظرة لم ينتبه إليها “شاكر”.
…
نظرت “زينب” إلى هاتفها الذي ألقته على الطاولة أمامها ثم أستندت بذقنها على كفّها وتساءلت بحيرة وهي تهز ساقيها.
_ أسمع كلام “نسمه” وأتدلع وأدلعك ولا أنكد عليك يا “صالح” زي ما نكدت عليا أول ليلة جوازنا وأنا عشان قلبي طيب سامحتك…
أخذتها أفكارها نحو أوجاعها القديمة من عائلتها ومنه وكادت أن تبكي إلا أن رنين هاتفها جعل جسدها ينتفض وتتوسع عيناها دهشة ثم تلفتت حول نفسها.
_ هو بيسمعني لما بتكلم عنه ولا إيه الحكاية؟
وعادت تتأكد من رنين هاتفها واسمه الظاهر على شاشة الهاتف والذي تدونه بزوجي العزيز.
ألتقطت هاتفها ولا تعلم لِما نبضات قلبها تسارعت هكذا وفور أن فتحت الخط تحدث.
_ بتعملي إيه دلوقتي، أحكيلي أي تفاصيل عن يومك من ساعت ما سيبتك.
عقدت حاجبيها ، فـ “صالح” منذ عمله مع جده تدهشها تصرفاته وكأنه طفلًا صغيرًا أجبر بالرضوخ على قرارت والديه.
_ “صالح” فيك إيه، صوتك مش عجبني.
أخبرها سريعًا عن ضيقه من شراكتهم مع “عدنان الهتيمي”.
_ أنا مبرتحش لـ “عدنان الهتيمي” ولا برتاح لأبنه ومش عارف ليه جدي عايز يبني المجمع السكني الجديد على أرضه.
نهضت “زينب” من مكان جلوسها وتناست وعيدها وذكرياتها المريرة معه قائلة:
_ ما هو يا حبيبي لازم يكون في أسباب لعدم أرتياحك له عشان تقدر تتكلم وتلاقي السبب مش مجرد شعور…
وبأبتسامة واسعة أستطردت.
_ أنت مش في المطار ماشي على قوانين وضوابط دولية ، انت بتدير بيزنس كبير ، هو في رجل أعمال بيمشي ورا أحساسه.
توقف عن تحركه بالغرفة وقوس شفتيه مُتذمرًا.
_ مش عارف ليه يا “زينب” بحس وأنتِ بتكلميني كأنك بتكلمي “يزيد” وبتاخديني على قد عقلي.
ضحكت بعلو صوتها ،فـ جعلت قلبه يخفق بجنون لكن عيناه أحتدت عندما ظن أنها ربما لا تكون بالمنزل.
_ عارفه لو بتضحكي الضحكة ديه بره البيت هعلقك على باب الاوضة وهسيب “يزيد” يلعب كرة السلة على رأسك
داعبت شفتيها أبتسامة عريضة وسارت بغنج نحو المطبخ.
_ قلبك قاسي يا سيد الرجاله..
أغلق “صالح” عينيه المتوهجتين، مُتنهدًا بأستمتاع.
_ “زوزو” ما تغمضي عينك وأتخيلي معايا وأنتِ…
وبالفعل أخذ يصف لها ما يرغب أن تتخيله معه لينفتح الباب فجأة وينظر الجد له وقد ألتقطت أذنيه أحدى الكلمات الوقحة التي خرجت من لسان حفيده.
أمتقعت ملامح “شاكر” واخذ يضر….ب بعصاه الأرض من شدة ضيقه ، فهل وصل الحال بحفيده أن لا يكون صبورًا ويتحدث مع زوجته في أمور كهذه بالعمل.
أنهى “صالح” مكالمتهم وأستدار نحو جده قاطبًا حاجبيه وقبل أن يتساءل عن سبب اقتحامه لغرفة مكتبه بتلك الطريقة الهوجاء ، صاح الجد بغضب.
_ وهي مش صابره حتى هنا، طب خليها تشهل وتجبلك حتت عيل ، صحيح تربية واحدة…
أظلمت ملامح “صالح” ، فأبتلع “شاكر” بقية حديثه حتى لا يخسره بتلك الفترة التي يحارب فيها بكل قوته لأستعادته لجدران قلعته.
_ كلمة زيادة عنها وأنت عارف أنا ممكن أعمل إيه ، “زينب” خط أحمر يا جدي.
وبتهكم أتبع حديثه.
_ هو مش من الأدب يا “شاكر” باشا إنك تستأذن قبل دخولك، أنا مفهم السكرتيرة محدش يدخل عليا، شكلي كده هغيرها ما دام أوامري مبتتسمعش.
أشتعل وجه “شاكر” قتامة ، قابضًا على عصاه بقوة.
_ شكلك نسيت نفسك يا ولد..
ألتوت شفتي” صالح” بأبتسامة خبيثة وهو يرى جده يُغادر الغرفة ممتقع الوجه.
…
ألقت “زينب” بنظرة سريعة نحو ما أعدته لهذه الليلة التي قررت فيها أن تُخفف عنه أعباء عمله الذي أستشعرت بخنقته منه في كل يوم يُحادثها فيه حتى تدفعه إلى المواصلة.
الطعام أتمت تجهيزه على الطاولة، جهزت له الحمام ووضعت حول حوض الأستحمام كل ما يحتاجه من زيوت عطرية تمنح جسده الأسترخاء وها هي الأن تُمرر يديها على ثوبها القصير مُبتسمة ومتوهجة الملامح ، فهي صارت عاشقة لرؤية لهفته عليها وهيامه بها.
أخذت نفسًا عميقًا وهي ترفع رأسها لتضيق حدقتاها وتُسرع في ألتقاط قنينة العطر وتنثر الكثير منها على جسدها.
_ “زينب”، “زينب”…
كرر ندائه عليها لمرات ، فـ ردت عليه بصوت ناعم.
_ أنا جايه، خليك واقف مكانك.
اِنكمشت ملامحه وألتف حول نفسه.
_ حاسس في دلع مستنيني…
قالها ثم أنفرج ثغره بأبتسامة ظهرت معها أسنانه ونادها مرة أخرى.
_ “زينب”…
تأكدت “زينب” للمرة الأخيرة من مظهرها الفاتن وأندفعت لخارج الغرفة قائلة:
_ أنا أهو…
جحظت عيناه على وسعهما وخفق قلبه بجنون وهو يتفرس هيئتها المُهلكة، فهل هذا بداية ما وعدته به من ليلة مميزة.
ترك حقيبة عمله تسقط من يده ثم أبتلع ريقه متسائلًا عن صغيره الذي تأكد من عدم وجوده لكنه يرغب بسماع هذا التأكيد منها حتى لا تضيع أحلامه.
_ “يزيد” فين؟
هربت بعينيها بعيدًا عنه حتى تستطيع إخراج صوتها.
_ طنط “حورية” قررت تاخده عندها كام يوم لأن وحشتها شقاوته وتنطيطه.
أومأ برأسه وأقترب منها بتمهل وكأنه يُعجبه توترها.
تلاقت عيناهم ، فأسرعت بإشاحة وجهها عنه لتُداعب شفيته أبتسامة مُتلاعبة.
_ أنا حضرت العشا…
خرج صوتها بخفوت وهي تقبض بيديها على قماش ثوب قميص نومها الناعم.
_ عشا إيه، أنا مش جعان…
أجابها وهو يلتهم تفاصيلها الأنثوية ،لتنظر إليه ثم تتجه بنظراتها نحو طاولة الطعام.
_ معقول مش جعان ، أنا عملتلك أصناف أكل بتحبها وحضرت ليك الحمام كمان….
لم تستطيع مواصلة كلامها وهي ترى نظرته التي ألتهمتها، تراجعت بخطواتها وقد فقدت جرائتها أمامه ، فأسرع بأجتذابها إليه.
_ هو أنتِ مش عملتي كل حاجة تبسطني، سبيني أنا بقى أبسط نفسي بطريقتي…
وقد كان له ما أراد، ليلة أطاحت بعقله وجعلته يبقى بجانبها حتى مساء اليوم التالي ولم يزيد هذا الأمر عند الجد إلا إشتعال غضبه وحقده عليها.
…
في الساعة الثالثة صباحًا، توقفت أحدى السيارات السوداء معتمة النوافذ و ورائها توقفت سيارة أخرى.
تأهب الرجال الواقفين بعدما تأكدوا من هوية السيارتين وطأطأوا رؤوسهم مُنتظرين ترجل رئيسهم من سيارته.
أطبق “مراد” شفتيه على سيجارته وفي عينيه أندلع الظلام والوعيد.
غادر السيارة مُلقيًا سيجارته ثم سحقها ،فأهتزت أجفان الواقفين خوفًا من بطشه.
_ مين فيكم دخل للمدام الفيلا.
تقدم أحدهم سريعًا وأخفض رأسه مُتمتمًا بخوف.
_ أنا يا باشا ، بلغتنا إن حنفية المطبخ مغرقة الفيلا…. كلمنا “عدنان” بيه قالنا واحد فيكم يدخل يشوف الوضع الأول وبعدين نكلم السباك لكن بصراحه….
أختفى صوت الواقف وأبتلع لعابه بعد أن اِنْهالت عليه صفعات “مراد”.
_ يا باشا أنا ماليش ذنب، أنا بحكيلك كان ممكن يحصل إيه…
صدح صياح “مراد” بعدما ألتقطه من قميصه، فهو حتى هذه اللحظة لا يستوعب ما أقدمت على فعله من تهديد ظنه هراء منها لكن بالفعل حاولت إغواء أحد رجاله.
_ صوتك مسمعوش وتختفي من قدامى خالص بدل ما أنت عارف أقدر أخفيك إزاي ولو كلمة طلعت من هنا هدفنك، مفهوم.
إرتعب الواقفين وهم يرون بطش سيدهم الذي رغم سخائه معهم بالمال إلا إنه لا يرحم.
_ متخافش يا باشا، هفضل طول عمري من رجالتك وولائي ليك…
ثم سقط على ركبتيه أمامه.
_ والله ما رفعت عيني فيها، مقدرش أعمل كده…
بصق “مراد” ما بفمه بعيدًا دون النظر إلى أعين رجاله الذين أستبدلهم بعد أن دفع رجال والده من هنا بعدما فهم نواياها الخبيثة والتي أستبعد محاولتها في تنفيذها.
سيطر على غضبه وأشار لأحد رجاله بأن يفعل ما أمره به ويستبدل رجال الحراسة بآخرين لم يشهدوا على فجور زوجته.
«زوجتك حاولت إغواء أحد رجالك» ترددت هذه العبارة في رأسه وقد أبلغه والده بفعلتها وضرورة عودته كما أن والد زوجته بدء يسأل عن سبب إغلاقهم لهواتفهم ومتى موعد عودتهم.
_ حاولتي تنفذي تهديدك يا “أشرقت” وأنا اللي كنت فاكر إنه مجرد تهديد، ماشي يا بنت المستشار يا صاحبة السمو والعفاف.
غمغم بها وأندفع لداخل المنزل الذي تُشعل جميع مصابيحه كل ليلة قبل أن تغفو.
توقف “مراد” بالطابق الأرضي ينظر حوله ثم أسرع بصعود الدرج صارخًا بأسمها.
_ “أشرقت”.
صوت صراخه أفزعها من نومتها وقد ظنت إنها أستيقظت على كابوسًا.
أحتضنت الوسادة التي كانت تنام عليها ليقف مدهوشًا عندما رأها ذابلة وباهتة الملامح.
أرتجفت شفتيها كحال يديها المحتضنه بهما وسادتها.
أقترب منها بملامح تحمل الشر والوعيد.
_ بتحاولي تغوي رجالتي ، فاكرة إنهم ممكن يخونوني…
أشاحت بوجهها عنه وهي تُبلل شفتيها بلسانها.
_ عشان أعرف أرجعك ، فضلت مستنية ترجع مرجعتش قولت أنفذ.
وعباءة التي كانت عليها أختفت بعدما بدأت تستوعب وجوده.
صرخت بألم عند أجتذبه لها من خصلات شعرها المشعثة.
_ تنفذي، ليه فكراني قرطاس.
وصرخة الألم تحولت لقهقهة عالية ثم أخذت تُردد كلمته.
_ قرطاس ، أيوة أنت قرطاس.
وبكل قوتها الواهية دفعته عنها.
_ أنت مش راجل وهنتقم منك يا “مراد”….
توقدت عيناه بالشر ورفع يده حتى ينهال عليه ضر….بًا لكن وقف مُتصلبًا عندما تجسدت أمامه صورة والدته.
….
غادر “سيف” المسجد بصحبة الحاج “عبدالرحمن” وبعض من العاملين بالمعرض والعاملين حولهم بالورش المُجاورة.
أطرق “سيف” رأسه بتأثر وأعين ترقرقت بهما الدموع ، فـ ربت الحاج “عبدالرحمن” على كتفه قائلًا بحنين وشوق.
_ من ساعت ماجيت الحي هنا وبقيت وسطينا بقيت أشم ريحة أبوك الله يرحمه في المكان.
بصوت متحشرج تمتم “سيف” بعدما رفع رأسه وقاوم حنينه لوالده الذي لم ينعم بحنانه سوى سنوات قليلة.
_ الله يرحمه يا حاج..
وأردف برجاء حتى يؤكد على قراره وما أبلغ به المسئول عن أمور المسجد.
_ وزي ما قولتلك أنا متكفل بتصليحات المسجد.
اِفتر ثغر الحاج “عبدالرحمن” عن أبتسامة خفيفة.
_ ربنا يجعله في ميزان حسناتك يا بني ويتقبل منك.
أطبق “سيف” جفنيه داعيًا الله داخله أن يتقبل منه ويعفو عنه ويرشده إلى طريق الصواب الذي مازال مذبذبًا فيه بين سوء النفس والصلاح.
_ يا رب يا حاج “عبدالرحمن”…
اِنشرحت ملامح الحاج” عبدالرحمن”، فـ “سيف” بدء يطلب الدعاء بعد أن كان يشعر بنفوره منه.
_ بدعيلك من قلبي يا أبن “سالم” ، ده أبن الغالي…
أبتسم “سيف” وتحرك نحو المعرض وبجانبه تحرك الحاج “عبدالرحمن” قاصدًا منزله.
_ “بيسان”.
هتف “سيف” اسمها بصوت خافت بعدما انتبه على وجودها. ضاقت حدقتيّ الحاج “عبدالرحمن” ورفع رأسه ليتساءل بعد أن ألتقط بعينيه تلك السيارة وأستمع إلى أسم صاحبتها.
_ أنت تعرف صاحبة العربية ديه يا “سيف”.
تنهد ونظر نحوها وقد وقفت جوار سيارتها مُرتبكة وتتلفت حولها.
_ أيوه يا حاج…
تمتم بها، فاندهش الحاج “عبدالرحمن” من رؤيته يتحرك نحو تلك الفتاة بخطوات سريعة تُعبر عن لهفته.
_ يا ترى مين “بيسان” ديه…
تساءل الحاج “عبدالرحمن” مع نفسه ورغم أنه أستمع لأسمها من قبل وأخبره “عزيز” عنها إلا إنه لم يلفت الأسم أنتباهه.
…
أشاحت وجهها عن هاتفها بعدما بدء بالرنين بذلك الرقم الذي لا تعرف إلا صوت صاحبه.
زفرت أنفاسها بضيق وأجابت حتى لا تتلقىٰ منهم تهديدًا بكشف سرها وزَجَّها في السجن.
_ لأ كده هتزعلينا منك، مش قولنا تقربي منها.
أمتقعت ملامح مروة ونظرت إلى ساقها الذي تلف حوله الجبيرة.
_ ما أنا قولتلك إن الدكتور قايلي متحركش غير بعد أسبوعين.
تعالت ضحكات المتصل وقد كشف لها ما تخشى حدوثه.
_ شكلك عايزة تهربي المهمة من ساعت ما عرفتي إنها بنت “أسامة”، “أسامة” اللي كنتي سبب في مو؟؟؟؟ته وضايع فلوسه.
…
أقتربت “ليلى” من غرفة “شهد” وهي تحمل الصينية التي وضعت عليها الطعام حتى تتناوله مع صديقتها “لميس”.
أختفت تلك الأبتسامة التي رسمتها “ليلى” بصعوبة على شفتيها حتى لا تظهر أمام صديقة أبنة عمها عابسة الوجه.
_ هي بنت عمك مالها بتبتسم في وشي من غير نفس كده، ده أنا بقول عليها ذوق..
تركت “شهد” هاتفها الذي تُركز في مطالعته ونظرت إليها متأففة.
_ من ساعت ما أبيه “عزيز” سافر تركيا وهي كده ، كأن أول واحدة جوزها يسافر.
رفعت “لميس” أحد حاجبيها ثم تمددت بجسدها على الفراش قائلة:
_ هو لسا مسافر، “شهد” ده شكله زهق منها و بيحاول يطفشها.
حدقت بها “شهد” ثم عادت تنظر إلى هاتفها.
_ مأظنش، أبيه “عزيز” ميعملش كده…
_ بكرة تشوفي وتقولي كلامي صح ، هو أه بنت عمك جميلة بس جمالها بارد ميخليش الراجل ديما عنده رغبة فيها خصوصا بعد ما يوصل للشبع منها…
وبضحكة كتمتها “لميس” سريعًا أردفت.
_ أكيد أنتِ فهماني أقصد إيه يا “شوشو”…
شحب وجه “ليلى” وأهتزت يديها التي تمسك بهما صينية الطعام التي أعدتها لهن.
أتجهت إلى المطبخ وهي ترتجف ثم تركت صينية الطعام ومن حسن حظها أن زوجة عمها كانت بغرفتها ولم تنتبه على مغادرتها والدموع تغرق وجهها.
دخلت غرفتها تنظر إلى كل ركن بها صار مُوحِش ويخنقها.
_” عزيز” أنت فين؟ معقول كلامهم صح… لا لا” عزيز” بيحبني.
هتفت بها مرارًا لنفسها حتى تطرد أصواتهن وتحركت نحو الفراش وتهاوت عليه باكية.
_ أرجع بقى يا “عزيز” ، أرجوك أرجع.
ظلت لبعض الوقت وهي مُحدقة بسقف الغرفة ثم أغلقت جفنيها لتفتحهما بنفضة خفيفة عندما أرتفع رنين هاتفها.
ظنته هو لكن أصاب الأحباط ملامحها عندما وجدت أحدى زبائنها من تُهاتفها.
قضت ليلتها تحترق من القهر والحيرة ومن وقت إلى آخر تُحاول مهاتفته والجواب كما أعتادت تلك الأيام ، الهاتف مُغلق.
فكرت بأن تُهاتف “نارفين” زوجة “نيهان” لكن شعرت بالحرج وقررت أن تكتب له رسالة على الهاتف تطلب فيها أن يعود لأنها تحتاج لوجوده.
بعد يومين من تلك الليلة الحزينة التي أصابت قلبها بالفتور وفقدان الشغف نحو كل ما تُحب وصارت مُنطفئة الوجه.
وقفت شاردة بالمطبخ وفي داخل رأسها يتردد حديثهن الذي قهرها.
_ حمدلله على السلامه يا “عزيز” بيه.
أرتفع صوت العم “سعيد” بتهليل وفرحة ثم صدح صوته بالنداء عليها حتى تخرج من المطبخ.
اِرتشعت يديها الممسكة بأناء الطهي الذي حملته للتو من على الموقد وألتفتت بجسدها يمينًا ويسارًا حتى تتأكد أن ما سمعته حقيقة وليس تَوهَّمًا.
نظرت إليها الخادمة التي تُعاونهم في شؤون المنزل وهتفت حتى تنبهها وتحمل عنها الأناء.
_ ست “ليلى”، هاتي عنك…
قاومت “ليلى” رعشة يديها وأبتعلت لعابها مُتسائلة.
_ هو “عزيز” رجع، أنا سامعه صوته صح يا “منار”…
أبتسمت الواقفة وهزت رأسها بسعادة لسعادتها.
_ أه رجع يا ست “ليلى” وعم “سعيد” صوته فرحان برجوعه… أخرجي له بسرعه اكيد أنتي وحشتيه زي ما هو وحشك.
اِفتر ثغر “ليلى” عن أبتسامة واسعة وأعطتها الأناء سريعًا.
_ أيوه هو “عزيز”.
هرولت “ليلى” لخارج المطبخ وهي تهتف باسمه غير مصدقه إنه استجاب لرجائها من أجل عودته بعد غياب دام شهرًا.
_ “عزيز”
أبتسم العم “سعيد” وهو يراها تندفع صوب سيده بلهفة ثم أحتضنته بشوق ، شوق جعل جسد “عزيز” يهتز وأهدابه ترجف بضعف.
_ وحشتني أوي يا “عزيز” ، كده تغيب عني كل ده..
أبتعد العم “سعيد” خجلًا من وقوفه بينهم وعاد أدراجه إلى المطبخ ، فرفعت رأسها إليه وأحتضنت وجهه هذه المرة.
_ البيت كان وحش أوي من غيرك ، كل حاجة كنت وحشه.
والصلابه التي غلف بها فؤاده الأيام الماضية أنهارت في لحظة، فأغلق عينيه بقوة متنهدًا وسرعان ما كان قلبه وجسده ينتفضان حينما بدأت توزع قبلاتها على وجهه.
أين هي قوتك ؟ أين هو هذا القرار الذي أتخذته… هكذا حدثه عقله ليفتح عينيه ويشيح وجهه عنها.
_ “ليلى” أنا ورايا شغل مهم ولازم أروح المصنع…
تلاشى ذلك البريق اللامع في عينيها عندما ألقيٰ عليها حديثه الخشن ثم وضع قبلة على رأسها وسار من أمامها هاربًا نحو غرفتهم حتى يبدل ملابسه ويذهب إلى المصنع….