كله بالحلال بقلم امل نصر ج٥
داخل أروقة مجمع محل البقالة الضخم ، كانت تتفتل بعربتها الصغيرة تتنقي من الأرفف ما تحتاجه للمنزل من اطعمة ومستلزمات المطبخ، وغيرها من الأشياء التي لا تستغنى عنها، وفي غمرة انهماكها اصطدمت فجأة بعربة أخرى لأحد الأشخاص لترتد غريزيًا للخلف، رفعت رأسها بحدة تهم أن تقرع صاحب العربة بما يليق به، ولكنه سبقها باعتذاره:
– اسف بجد مخدتش بالي و….
توقف برهة ليرفع النظارة عن عيناه ويردف بمبالغة في ادعاء الاندهاش :
– ايه ده معقول؟ منار هانم، دا ايه الصدفة الجميلة دي؟
رمقته بنظرة متشككة فهم عليها ولكنه واصل بمكره:
– دا انا كدة بقى اتفائل بيومي النهاردة.
ابتسامة جانبية ساخرة لاحت على جانب فمها، لتردف ردًا له:
– حضرتك زوق اوي يا استاذ شاكر، بتوزع كلام حلو وإعجاب ع الفاضي وع المليان لأي حد تقابله في وشك.
ضحك بمرح حتى مالت رأسه للخلف، ومناكفتها أصبحت تروق له، ليزيد من دهشتها قبل ان يرد:
– لا والله مش مع اي حد، انا قولتلك قبل كدة اني ضعيف قدام الجمال، وضيفي عليها اني احب اقدره، لأنه يستاهل التقدير.
بشعور الأنثى، تغلغلت الكلمات داخلها، تحدث ارباكًا حاولت على الفور اخماده لتعبس بوجهها امامه، تظهر غضبًا:
– خلي بالك يا استاذ شاكر، لان كلامك بقى في تجاوز انا مقبلوش حتى لو كانت نيتك بريئة، انا مش عيلة صغيرة وهقبل اني اعدي
قالتها وتحركت بعربتها لتتابع التبضع والانتقاء من الأرفف، لتغزو ملامحه ابتسامة بتسلية وهو يتابعها تتجاوزه، مبدية خشونة لا تليق بها حتى برغم شراستها تلك.
تحرك ليلتف بعربيته حتى يلحق بها، يُسمعها اعتذاره:
– انا اسف اكيد يا منار هانم لو فهمتيني غلط، بصراحة دي طبيعني، سهل في التعامل مع كل الناس، حتى لو ابان دوغري ، لكن حضرتك تتقدري وتنشالي ع العين والراس طبعا
التفت له بعلبة الطعام المعلب التي كانت على وشك القاءها في العربة، لتتوقف ناظرة له بشفتين مزموتين، مضيقة حدقيتها وكأنها تكشفه بفراستها، ولا تعلم انها بذلك تزيد من اصراره، بعدما أشعلت برأسه تحديًا بشغف غير مسبوق،
تبسم يبادلها النظر ببراءة وهدوء يستفزها، حتى زفرت لتقطع الصمت بسؤالها الملح:
– صحيح يا استاذ شاكر، دي اول مرة اشوفك هنا، وحسب اللي اعرفه برضوا، حضرتك ساكن بعيد هنا.
تبسم باتساع لذكائها في تغير دفة الحديث لصالحها، ولكنه ايضا ليس بالهين حتى يغلب في الرد :
– لا طبعا بعيد عن سكني وبعيد عن شغلي كمان، بس انا بقى عندي صداقة قوية مع صاحب الماركت هنا، بيجيب احلى انواع للأكل المعلب والمستورد، دا غير الشيكولاتة اللي بتيجي مخصوص من يلد المنشأ وانا بحب اجيبها لبنتي بيبو، اصلها بتحبها اوي.
بامتعاض لم تخفيه بعد سماع الاسم، ردت بكلمات مقصودة وهي تعود لرف البضائع مرة أخرى:
– ربنا يخليهالك وتفرح بيها، انا كمان ناوية اخدلي كام علبة مخصوص ، هدية لخطيبة ابني، اصلها بتحبها هي كمان ، وعزيز بيجيهالها من هنا مخصوص برضو،
قالتها والتفت اليه بغرض التقاط رد فعل منه يريحها، وقد رسم ابتسامة صفراء عارضًا عليها:
– وماله يا هانم، ما هي زي بنتك طبعا، تحبي انقي معاكي الاصناف اللي انتي عايزاها
برقت بإجفال، شاعرة برأسها على وشك الانفجار من هذا الرجل الذي يتعامل معها ببرود يكاد ان يجلطها، همت للرد بفظاظة كالعادة، ولكن دوي الهاتف جعلها تأجل حتى تنتهي من الرد على المكالمة، وقد تفاجأت بهوية المتصلة، لتشعر انها قد جاءت في الوقت المناسب:
– الوو يا رانيا يا حبيبة قلبي، عاملة ايه يا بنتي؟
ردت بنعومة، وابتسامة مفتعلة، اختفت بعدها لتتحول بعد ذلك الى العكس ، مع متابعة الانصات للجهة الأخرى، حتى أصبحت تردد في الرد لها بفزع وعدم تصديق:
– دا اكيد بيهزر معاكي يا بنتي ومش قاصد اللي انتي فاهماه……… يا بنتي اسمعي
……. يا نهار اسود…… لا طبعا متاخديش على كلامه…… رانيا…. رانيا .
حينما انهت المكاملة، سألها شاكر بقلق حقيقي:
– ايه اللي حصل، يارب يكون خير ان شاء الله.
قالها ليلفت انتباهاها اليه، فتحدجه بنظرة حارقة تردف بغيظ، وكأنه المتسبب في كل ما حدث:
– خير برضوا؟ هو انتوا اللي يشوفوكم يلاقي الخير؟ البنت بتبلغني ان عزيز فسخ خطوبته معاها، عملتها بنتك يا شاكر باشا، فضلت تحرب لحد ما قعدت على تلها .
– لو سمحتي يا هانم انا مسمحلكيش
صدرت منه بحمائية، غير متقبلا لفعلها امام البشر التي التفت نحوهم نتيجة الصوت، ليتابع بحدة:
– زي انتي ما بتدافعي عن ولادك، انا كمان لا يمكن هسمح ان حد يمس بنتي ولو بكلمة واحدة، ولو عن مشكلة ابنك مع خطيبته، فدي حاجة تحلوها مع بعضكم، اما انا ولادي فدول خط احمر عندي ، ومن غير عن اذنك.
قالها وتحرك ذاهبا بعربته من أمامها، يتركها بغليلها، بعدما كشف لها عن وجهه الاخر، في الدفاع عن أبناءه ، وعدم السماح لأي كان في المساس بأحد منهم ولو بكلمة،
فتحركت هي ابضا، متخذة طريقها نحو الخروج على الفور، والمغادرة نحو هؤلاء الملاعين ابناءها، حتى تنقذ ما يمكن انقاذه.
❈-❈-❈
اما عن شاكر، فكان اول رد فعل منه، بأن اتصل بابنته فور استقلاله لسيارته :
– بسمة انتي فين دلوقتي؟
بادرها بالسؤال فور ان وصله صوتها، لتجيبه على الفور :
– انا برا البيت يا بابا، هو انت عايزاني ف حاجة،
– برا فين يعني بالظبط؟ عزيز معاكي،
أجفلها بعصبيته حتى خرج ردها باستهجان لا تخلو من قلق
– اللي جاب سيرة عزيز يا بابا؟ انا في جامعتي اصلا.
بانفاس متلاحقة لفرط غضبه، عاد مشددًا عليها:
– متأكدة يا بسمة من كلامك ده؟ يعني ما شفتيهوش النهاردة خالص؟.
– يا بابا والله ما شوفته، هو ايه اللي حصل؟
انا مش فاهمة حاجة.
رد يجيبها مباشرة وبدون مواربة:
– اللي حصل ان قابلت الست والدته وعرفت منها ان الباشا فركش خطوبته……
قاطعته بلهفة وعدم تصديق:
– ايه؟ فركش خطوبته؟ انت بتتكلم جد يا بابا
رفض شاكر تلك الفرحة التي تخللت نبرتها، ليهدر حازما بها:
– بسمة…… انا بكلمك، يعني تسعمي الكلام وتردي عليا بالحرف الواحد، ليكي اي صلة بالخطوبة اللي اتفركشت دي .
نفت على الفور تقسم:
– اقسم بالله لا يا بابا، ما انت عارف الموضوع من اوله زي ما حكيالك عنه، لا اعرف بالخطوبة اللي اتفركشت ولا بأي شيء يخص الاتنين، إنت عارفني وعارف صراحتي معاك ، انت عودتني على كدة
– عارفك يا بيبة، عارفك يا قلب بابا، انا بس كنت بطمن مش اكتر .
خرجت منه ببعض الارتياح، لمعرفته الأكيدة بصدق ابتته، التي لا تخجل من فعلها ولو أخطأت ، وحتى يتحدث بعد ذلك عن ثقة لو قابل هذه المرة الأخرى باتهاماتها .
❈-❈-❈
وفي المنزل
كانت ليلى جالسة بنصف نومة على تختها وهي تتحدث مع ممدوح على الهاتف، جاهلة عمن دلفت الى المنزل بغضبها ، تريد شحنة افراغ غليلها فيمن تقابله الاَن:
– يا حبيبي متشغلش نفسك انت، هي شوية خنقة وهيروحوا لحالهم .
– ما انتي بتقولي خنقه، يبقى ازاي مشغلش نفسي بس، دا انا مش قادر انام من امبارح يا ليلى، نفسي بقى الايام دي تعدي ونتجوز.
ضحكت في الرد عليه”
– يا سيدي اتحمل بقى واصبر، او الأحسن تدعي ماما ربنا يهديها وترضى عن الجوازة،
– مامتك ترضى عن الجوازو، تصدقي بقى انا عندي احساس ان الدعوة بتحرير فلسطين هي الاقرب من موافقة والدتك،
ضحكت ليلى على الدعابة، توقن بصحة العبارة ، مفضله الضحك عن الحزن، حتى انها همت لتبادله المزاح ، ولكن قطع اندفاع والدتها التي دخلت كالإعصار، تدفع الباب بخشونة على الجدار، حتى اصدرت صوتا عاليا مزعج، ،وتجفله بهذه الهيئة الغاضبة:.
-‘مالك يا ماما؟ داخلة كدة ليه؟ حصل حاجة؟
تجاهلت منار الرد ، لتندفع مباشرة نحوها، وبدون استئذان خطفت الهاتف منها، لتوجه الكلام للاخر امام دهشة ابنتها :
– اسمع ياللي اسمك ممدوح ، احنا معندناش بنات للجوز ولا رجالة كمان سامعني؟ فهم اختك بقى لو وصلك القصد.
شهقت امام صدمة الاخر، تهتف معبرة عن اعتراضها:
– ايه اللي انتي بتقوليه دا يا ماما؟ سيبي هاتي التليفون
– مفيش تليفون
رفضت منار لتعود مشددة بالصياح:
– سمعتني بقول ايه؟ ليلى مخطوبة لابن خالتها، يعني انت تخلي عندك دم ومتكلمهاش تاني، حلو عننا بقى انت وعيلتك، مش عايزة اشوف حد فيكم ، لا انت ولا اختك ولا ابوك، سيبونا في حالنا بقى.
– يا ماما حرام عليكي، سيبي التليفون بقى؟
صرخت ليلى بها تحاول منعها باستمامتة، حتى انهت منار المكالمة، لترمي الهاتف بطول ذراعها نحو الحائط حتى نزل على الأرض متهشمًا لقطع، مما زاد على ليلى لتصرخ :
– يا نهار اسود، انتي بتعملي كدة ليه؟ اللي انت عمليته ده؟
ضاعفت منار من حدتها، لتقبض على رسغ ابنتها تهدر بتهديد ووعيد:
– اللي عملته هو الصح، من هنا ورايح مفيش تليفونات، ولا في االصحاب، انا مش هسمح لبنت هبلة زيك، تبوظ كل اللي عملته وبنيته في حياتي، الولد هتقطعي علاقتك نهائي بيه، لا هو ولا اخته هيبقى ليهم صلة بيكي.، هتتجوزي ابن خالتك ، واخوكي المتخلف غصب عنه هيرجع للبنت لخطيبته رانيا ، فاهماني .
– وايه اللي يغصبني بقى يا ماما؟
هدر بالصوت من خلفها ، لتترك ابنتها، معطيه كل انتباهاها له، وتجيبه بتحدي:
– انا اللي هغصبك يا روح قلبي ، ما دمت انت سفيه ومبتقدرش كلمتك مع الناس، بتفسخ البنت من غير سبب يا عزيز بتتحدى والدتك وتكسر قلب بنت بريئة ملهاش اي ذنب؟
– بلاش منه الكلام ده يا ماما.
صرخ بها يوقفها متابعًا:
– انا عايز افهمك بس ان انا عرفت كل حاجة، وعرفت الكلام الوسخ اللي اتقال في ضهر بسمة من ابن اختك الواطي عشان ينفذ امرك، ترضي الكلام ده يتقال على بنتك يا ماما .
صرخت بدورها به:
– اخرص يا ولد، متقارنش اختك بالبنت دي؟ جاي تتشملل وتدافع عن البنت دي بأي حق، صفتها ايه دي عندك؟ عشان تخرب حياتك وتدافع عنها كدا؟ مين دي عشان تديلها قيمة متستحقهاش؟
رد بلهجة لا تقبل النقاش:
صفتها حبيبتي وخطيبتى يا ماما!، انا مش هتجوز غير بسمة ، ولو مفيش في الدنيا غيرها، يبقى مفيش جواز اصلا
….. يتبع
الفصل الرابع والعشرون
متطلعًا في الفراغ بوجوم مصدومًا، وكلمات المرأة ورفضها بما يقارب الإهانة الموجهة له ولأسرته، فعل لم يتوقعه منها على الإطلاق، انه حتى الاَن لا يستوعب جرأتها وحدتها في الرد عليه، تبا….
انها حتى لم تعطيه فرصة للنقاش او الاستفسار فيما جعلها بهذه الشراسة معه .
– بابا وصل يا ممدوح؟
هتفت شقيقته تنبهه بعودتها من الجامعة، ثم اقتربت امام جموده وتطلعه لها بهذا الصمت المريب:
– ايه مالك انت كمان؟ ساكت ومبلم كدة ليه؟ حد بلغك بخبر وحش في التليفون اللي ماسكه بإيدك ده؟
اجابها بتششتت :
– منار رفضتني يا بسمة، كنت بكلم ليلى وفجأة لقيتها دخلت في الخط ، تقريبًا هزقتني ، انا مش فاهم هي عملت كدة ازاي لحد دلوقتى، دي زي ما اكون في طار بايت بيني وما بينها .
سمعت منه لتهتف معبرة عما يجيش به صدرها من حنق تجاه هذه المرأة:
– رفضتك! يخرب عقلها ، هي الست دي ما بتضيعش ةقت، لحقت كدة بسرعة تتخذ القرار وتنفذ؟ دي اكيد عند فينا يا ممدوح بعد ابنها ما فسخ خطوبته مع اللي اسمها رانيا دي، طب هي بتعاندك انت وليلى ليه؟ ايه ذنبكم تتاخدوا في الرجلين، بسبب حرب اثبات الارادة اللي ما بينها وما بين ابنها.
سألها مستفسرًا:
– وانتي اش عرفك ان عزيز فسخ خطوبته؟ اذا كان ليلى نفسها كنت بكلمها من شوية ومكنتش تعرف….
توقف يرمقها بنظرة عاتبة ، فهمتها على الفور، لتدافع موضحة:
– بابا هو اللي قالي يا ممدوح، انت كمان ميروحش فكرك لبعيد.
– بابا!
تمتم قاطبًا بعدم فهم، حتى دلف الآخر عائدا من الخارج، بهيئة واجمة، يضع علاقة المفاتيح بجيب سترته، ثم يلقي التحية بروتينيه خالية من ابتسامته المعهودة، ساخرا دون مرح:
– مساء الخير ، مالكم انتوا الجوز مبلمين ولا تماثيل المحطة، ايه؟ زرعتوها بطيخ طلعت فجل.
رد ممدوح يبادره الحديث:
– طلعت منار يا بابا .
– مالها منار؟
سأله بارتياب وهو يجلس مقابلا لهما، فجاء الرد من بسمة:
– الست المفترية بلغت رفضها لممدوح يا بابا، رافضة اي ارتباط بعيلتنا، بتنتقم من عزيز فينا
ازداد عبوس الرجل وتلك الخطوط الطولية برزت بحدة على الملامح المشتدة ليزفر بتعب قائلًا:
– هي دلوقتي عاملة زي المجنونه، وعايزة تخبط في اي حد قدامها، انا كنت معاها لما جالها الخبر وبلغتها البنت في التليفون ، وشوفت حالتها كانت ازاي؟
منار شخصية عنيدة وصعبة، أكيد الحرب مع ولادها هتبقى طاحنة، لأنها ببساطة حرب تواجد، كل واحد عايز ينفذ اراداته ضد رغبة التاني، هي قوية وبتعرف تستخدم اسلحتها كويس، وعزيز مش هين عشان يرضخ لها ولا يستسلم……..
قاطعه ممدوح يقول بجزع:
– طب وليلى يا بابا؟ دي رقيقة ومش حمل الاتنين، انا كدة مش هقدر انام من الخوف عليها، لا الست المجنونه دي تزيد في عنادها وتجوزها للمتخلف ابن خالتها، عليا النعمة ساعتها اروح فيه في داهية، واللي يحصل يحصل.
– اصبر يا حبيبي، الموضوع ميتاخدتش كدة.
– امال يتاخد ازاي بس يا بابا؟ ما انت بتقول انها ست قوية.
عقبت بها بسمة بتساؤل، اجاب عنه شاكر بعقلانية:
– هي قوية وهما حقهم يدافعوا عن حقهم، بس كمان مش لدرجة انهم يكسروها، دي ام وشايفة انها ضحت
بعمرها اللي افنته عليهم، بعد وفاة جوزها، الولاد لازم ياخدوا بالهم منها الحتة دي، وانتوا كمان اكتر منهم ، منار مش شيطان، هي بس محتاجة اللي يراوضها.
انتفض ممدوح مرددًا خلفه باستنكار:
– يا نهار اسود، يراواض مين يا بايا بس؟ بقولك بلغتني رفضها وهي بتزعق وتشخط فيا عشان ابعد عنها انا وعيلتي، تصور استنى ايه منها دي؟
– ملكش حل غير انك تستنى على ما تهدى الدنيا شوية بين الست وابنها، لازم يبقى عندك صبر، الايام دي بالذات لازم يبقى عندنا زوق ونراعي صدمتها بعد مفاجأة عزبز لها بفسخ الخطوبة، ولما نشوف دا كمان هيعرف يتصرف كويس ولا هيعك ويزود الطين بله
قال الأخيرة بنظرة مفهومة نحو بسمة التي اطرقت رأسها بتفكير وهم، بعد ان استدركت لتعقد الامر أكثر مما يجب، وهي التي ظنت ألسعادة والفرح، وقت ما علمت بفسخ الخطبة، متذكرة قوله عن تصليح الخطأ عما قريب ، ولكن يبدوا انها اخطأت بالفعل،
❈-❈-❈
صاحت منار باستهانة مررد بتهمكم:
– الله عليك يا استاذ عزيز، عاجبني اوي الوصف بتاع خطبتشي وحبيبتشي، سيادتك قررت وحددت هدفك كمان، فسخت خطوبتك والهانم اللي دايرة على حل شعرها واقفة في انتظارك مستنية حضرتك تاخد الخطوة اللي تثبت انتصارها على والدتك يا سبع الرجال، يا مدوخ البنات ، يا للي حتة بنت ولا تسوى خليتك خاتم في ايدها
سمع منها ليعقب مصدومًا:
– يااا يا ماما، كل ده شايلاه في قلبك على بسمة، دي عيلة قد اصغر بناتك دي اللي انتي واخداها تحدي معاها، عملت ايه معاكي عشان تكرهيها بالشكل ده؟
صرخت به هادرة:
– عملت اللي معملتوش اي واحدة قبلها، خطفتك مني ، خليتك تقف في وشي وتهاجمني، دي لو بنت محترمة زي رانيا كانت فضلت مكانها ولا كنت انت بصيت لها ساعتها، بس هي عشان لافة ودايرة عرفت توقعك.
– كفاية بقى يا ماما كلامك ده عليها، انا ضاغط على نفسي بصعوبة عشان ما بجحش في الرد عليكي،
قالها عزبز وتوقعت عيناها مرددة خلفه بعدم تصديق؛
– تبجح فيا انا يا عزيز ، انا امك تستاهل منك كدة ؟
تدخلت ليلى الصامتة منذ بداية الشجار :
– يا ماما احتا مفيش حد فينا يقدر يتعدى حدوده معاكي، بس انتي خفي من ضغطك علينا شوية، قدري ان احنا كبرنا ومينفعش معانا المعاملة دي، كتر الضغط بيولد الانفجار .
حدجتها بنظرة نارية بعدم تقبل ، فقال عزيز مضيفًا:
– ليلى بتقول الحق يا ست ماما، دا غير اني عايز ارد على كلامك في حكاية انها مش كويسة دي، اولا انا عارف اني مش هتجوز ملاك لان انا نفسي مش بالأخلاق اللي تخليني اطمع في كدة ، بس ع الاقل انا وهي واضحين قدام نفسنا ، هي بتقول وما بتتكشفش من اي غلط تعمله وبنفس الوقت بتحاول تصلح من نفسها، في الوقت اللي انا كنت قابل امشي ورا كلامك واتجوز واحدة واغشها بصورة بعيدة عن طبيعتي، دا قبل ما اكتشف حقيقتها هي كمان، شخصية مهتزة بتمشي مع اي توجه يتفرض عليها، دا غير ان معندهاش ولاء ولا حتى ضمير ينبهها عن سمعة بنت زيها تخوض في سيرتها بدون رادع، انا عندي الاولى احسن من التانية حتى لو ما كنتش هي حبيبتي اللي قلبي بالفعل اتعلق بيها.
توقف اخيرا يلهث من فرط انفعله امام صمتها الذي دام لحظات قبل ان يصدر ردها بصلف وتعجرف:
– امممم……. خلصت كلامك يا عم الحلو؟ اقولك انا ردي بقى يا باشا، جوازاك من البنت دي يا عزيز يبقى على جثتي، لاني انا لا يمكن هسمح ان البنت دي تنتصر عليا ، وانتي يا ست ليلى.
هتفت بقوة تسرق انتباه الأخيرة نحوها، والتي بدت بحالة يرثى لها، ولكن منار لم تكترث في توجيه القول لها:
– لو مفكرة يا حلوة انك هتخرجي عن طوعي واخوكي هيقدر يمشي عليا ويجوزك حد غير ابن خالتك، خصوصا اللي اسمه ممدوح ده، يبقى بتحلمي
– لا مش بتحلم يا ماما، وابن اختك عديم الاخلاق، انا مستعد اروح فيه في داهية ولا انه يبقى جوز اختي
هتف بها عزيز بعند جعل والدته تهدر بغضب ، تلوح بسبابتها بتهديد وشر ، وكأن شيطان ما تلبسها:
– طب وريني ان كنت تقدر تعملها يا عزبز، انا محدش يقدر يكسرني يا ولد ، ولو عايزني اثبتلك ، مستعدة من بكرة اخليه يكتب عليها، مش بس يخطبها.
– ماما حرام عليكي.
صرخت بها ليلى، والتي بدأ يكتنفها دوار شاعرة بالضياع وسط قوتبن متناحرتين، وهي الأضحية بينهم،
هم عزيز ان يتابع برد اقوى ، ولكن صوت الهاتف بالنغمة المخصصة لشقيقته ريهام، والتي لا تفعلها كثيرا في مهاتفته الا للضرورة مما جعله يرد على الفور، مؤجلا متابعة الشجار قليلًا:
– الوو يا حبيبتي………. انتي مين؟……، مرات اسامة البواب، طب انتي بتردي ليه بدال …… ايييه؟ انتي بتقولي ايه………
صيحته الأخيرة خرجت بقوة جعلت والدته تطالبه
بارتياع :
– مالها ريهام يا عزيز، ايه اللي حصل لبتتي؟
❈-❈-❈
داخل الردهة التي يوجد بها غرفة العمليات، كان الرعب يسطير على حال الثلاثة في انتظار اي خبر يطمئنهم، وكل فرد منهم بطريقته
عزبز كان يقطع الردهة ذهابا وأبًا بلا توقف، يكاد ان يقتلع شعر رأسه من فرط جذبه بعصبية، يتوجه بأسئلة كل دقيقة نحو حارس العقار وزوجته:
– يعني انتوا متأكدين انك محدش دخل ولا خرج من عندها غير جوزها؟
– يا بيه والله ما في، انا واعي من الصبح، حتى الخدامة النهاردة مجاتش،
قالها حارس العمارة وأضافت زوجته ولكن على تردد:.
– البيه جوزها كان ماسك شنطته الكبيرة بتاعة السقر وبيمد في مشيه بسرعة، حتى لما ركب عربيته، طلع بيها هوا
هدر بشك اصبح يتزابد داخله امام مراقبة الاثنان :
– بعني ايه؟ معقول يكون فهد شافها وهي بتقع وسابها، ولا يمكن يكون هو…….
قاطعته منار بحزم :
– خلاص يا عزيز ، بلاها منها التحقيقات دلوقتى، المهم نطمن على اختك دلوقتى، انتظر يا بني وكل حاجة هتبان لما هي تفوق.
زفر يطرد كما من الهواء المشحون بغضب يسري بداخله ، ليصمت مجبرا نفسه على التريث للاطمئنان على شقيقته، ليرتد بأقدامه حتى استند بظهره على الجدار من خلفه، يغمض عينيه بإرهاق متعب، ثم ما لبث ان يفتحهما بإجفال عقب سماعه، لتعقيب شقيقته:
– اختي بقالها فترة طويلة متغيرة ومحدش عارف باللي حاصل معاها، اكيد جوزها ليه يد في اللي حصل لها، دا احساسى.
توسعت عينيه بحنق متعاظم، قبل ان ينقل بنظره نحو والدته التي ابتعلت بتوتر وارباك، ليست قادرة على تكذيبها، وفي نفس الوقت تنتظر دليلا يثبت عكس الفكرة ، بعد استفاقة طفلتها، والتي طال امتكاثها لساعات أخرى حتى خرج اليهم الطبيب المختص يخبرهم عن حالتها :
– طمنا يا دكتور، هي ايه اللي حصل لها بالظبط؟
سألته منار بلوعة الام ، أثارت اشفاق الطبيب، ليجيبها ببعض اللطف:
– اطمني ان شاء هي هتبقى كويسة ، بس الموضوع عايز صبر ورعاية كبيرة لها هنا في المستشفى.
تدخل عزبز بالسؤال:
– ليه يا دكتور تحتاج رعاية كبيرة في المستشفى؟ هي حالتها اجهاض ولا ايه بالظبط؟ البواب بيقول انهم دخلوا على صرختها وبعدها كان مغمى عليها
اومأ الطبيب مستشعرًا الحرج في قوله:
– ما هي للأسف كانت فعلا هتجهض بس احنا الحمد لله انقذنا الجنين .
– طب الحمد ، وهي اكيد كويسة دلوقتى صح.
خرجت من ليلى بعفوية وعدم انتباه ، حتى استدركت لوجوم الثلاثة قبل ان يحسم الطبيب :
– مدام ريهام جات لنا متأثرة بوقعة شديدة ، اثرت على بعض أعضاء الجسم، عملت رضوض وكسر في الرجل اليمنى مع نزيف حاد، وقفناه بصعوبة، عشان ننقذ الجنين وحياة الام اللي كانت هي الأهم بالنسبالنا
صدر صوت شهقة الارتياع من ليلى لفتت نظر الطبيب، لتكتم بكفها على فمها، وصوت منار دوى بألم لحال طفلتها:
– يا حبيتي يا بنتي .
عزيز الذي تماسك بصعوبة امامهم، تابع استفساره ، يريد مزيدًا من التوضيح:
– طب احنا عايزين نشوفها ونطمن عليها، ع الاقل نعرف منها ازاي حصل كدة ، امتى هنشوفها..
ربت الطبيب بخفة على ذراعه، يطمئنه بدعم، قبل ان يتحرك ويتركه:
-تفوق من البنج بس وان شاء الله تقدر تتكلم معاكم وتطمنكم بنفسها، وان شاء الله خير.
ذهب من امامهم، تاركًا الثلاث في حالة يرثى لها، وملامح الصدمة اعتلت تعابيرهم، لا أحد يستوعب كيف حدث هذا؟
❈-❈-❈
هبطت بسمة الدرج راكضة بصورة ازعجت والدها وشقيقها الذي كانا يتبادلان الحديث فيما بينهما حتى عقب أحدهما بغيظ نحوها:
– ايه يا بنتي الغباء ده؟ مش خايفة لا تتكسري،
تجاهلت الرد على شقيقها ، لتجفلهما بقولها:
– انا لسة مكلمة ليلي ع الوتس، ريهام اختها ياعينى في المستشفى دلوقتي في حالة خطرة هي والجنين اللي بطنها
– يا نهار اسود، مين يا بت اللي قالك الكلام ده؟
هتف بها شاكر لها، ليعقب ممدوح هو الاخر بقلق:.
– انا مرديتش اتصل بليلي بعد اللي حصل مع والدتها، وقولت استني شوية، لكن انتي متعرفيش دا حصل ازاي ؟
– محدش عارف حصل ازاي لسة؟ لانها كانت وحدها على حسب ما سمعت، واللي انفذها هو البواب ومراته، بس الغريب هو اختفاء جوزها.
– يعني ايه؟ قصدك ان جوزها ليه يد في اللي حصل؟
قالها شاكر بتخمين وكان ردها ايماءة بمط شفتيها بعدم معرفة، وتدخل ممدوح معبرًا عن ارتبابه:
– بايا ، انا قلبي مش مطمن ، واللي اسمه فهد دا انا اعرف ان عيلته ناس واصلة اوي في البلد……
رد شاكر بتعقل يذكره:
– وافرض يا ابني، لسة مفيش حاجة ظهرت ولا اثبتت انه هو السبب .
– طب واحنا يا بابا، هنفضل كدة بعاد عنهم، من غير ما نطمن ولا نعرف باللي حاصل،
قالتها بسمة بعفوية لمست قلبه، ليطالعها شاكر بصمت، حتى اضاف ممدوح هو الاخر؛
– برغم اني الست دي مجنونة وهزقتني تقريبا، لكن انا برضوا، حاسس ان يهمني اوي امر العيلة دي بكل افرادها، حتى منار المجنونة.
قالها لتبزغ الابتسامة على ملامح الاثنان رغم استيائهم من كل ما يحدث
❈-❈-❈
التف الثلاثة حولها بعدما استفاقت ، ليطمأنوا عليها، وقد بدأت في استعادة وعيها جيدًا كي تجيب عن الأسئلة الموجهة لها، رغم الوهن الذي ألم بجميع جسدها، قبلتها ليلى على جبهتها بحنو تخاطبها :
– كدة برضوا يا ريري، تقلقينا عليكي، انا قلبي كان هيوفف من الخضة وربنا
كان ردها بابتسامة ضعيفة، ليعلق عزبز هو الاخر :
– بس احنا لازم نفهم قبل كل شيء ، انتي قولتي في تحقيق المستشفى انها وقعة عادية بس احنا بقى مش مصدقين ، جوزك راح فين وسابك كدة، ليكون الزفت ده ليه يد؟
زمت منار شفتيها بعدم تقبل تخالفه:
– بتقولك وقعة عادية، يعني اكيد جوزها مالوش دخل .
– لا ليه دخل!
قالتها ريهام لينتبه عليها الثلاثة، فجاء الرد من عزيز بحمائية:
– ليه دخل ، الكلب الحيوان، يعني هو اللي زقك؟
ردت بضعف:
– مش هو اللي زقني، بس هو السبب.
هتفت منار بنفاذ صبر:
– هو السبب ازاي يعني؟ ما توضحي يا بنتي بقى؟
صمتت ريهام لبعض الوقت ترمقها بنظرة غريبة لم تفهمها ، قبل ان تجيب قاطعة الشك:
– ظبطتو بيخوني
…..يتبع