كله بالحلال بقلم امل نصر ج٥

الفصل الخامس والعشرون

بأكتاف تهدلت بيأس، حتى ذهب عنها كبرياء الأمس، والأنف المتعالية، جلست على احدى مقاعد الانتظار في ركن منزوي الي حد ما بعيدًا عن الجميع .

تعجرفها المعتاد وثقتها التي تفوق الحدود بنفسها ، كل هذا لم يعد موجودًا، بعدما هزمت اخيرًا، هزمتها دمعة ساخنة من ابنتها،  هزمها انكسار الروح لعزيزتها، هزمها الألم مع كل طلة منها نحوها.

لقد باتت كالعدو في أعين اطفالها ، هي من كانت مصدر الهامهم، والمستشار الأول في كل خطوة لهم ، كيف أصبحت بهذا السوء في نظرهم؟ وهي التي تفعل المستحيل من أجل رفعتهم وتحسن احوالهم، كي يعيشون في الرغد والسعادة مع شريك تختاره بعناية ، شريك يقارب الكمال، فهم يستحقون الأفضل ولا ينقصهم شيء،

كبتت بصعوبة دمعة كادت ان تفر هاربة من مقلتيها، بتذكرها لحديثها لابنتها بعد يومين من الحادث،  بعدما استعادت طبيعتها بعض الشيء، ولكنها ظلت على حالها في تحميل الذنب لها بتجنبها، وتغير المعاملة معها،  حتى فاض بها وقررت ان تواجهها:

((.- ممكن بقى تردي عليا يا ست ريهام وتحطي عينك في عيني، بدل ما انتي بتهربي مني كدة ولا اكني عدوتك……..، بصي في عيني يا بنت.

صاحت بالاَخيرة حازمة حتى اجبرت الأخرى على الأنصياع لها والرد:
– نعم يا ماما؟ ادي عيني في عينك اهو، عايزة ايه بقى؟

– عايزة سلامتك يا حبيبتي
قالتها بتهكم لتستطرد بقوة ودفاعية:
– بتقصدي انك تتجنبي وتتجاهليني ، في نفس الوقت اللي بتضحكي فيه ، وتهزري مع اخواتك ولا اكن الشخصية اللي بتتعامل معايا هي نفسها اللي بتتعامل معاهم.
إيه اللي حصل لدا كله يعني؟ عشان جوزتك لفهد اللي اسم عيلته بس يهز الدنيا مديرية بحالها…. كان عريس لقطة من كل النواحي،  وانتي نفسك كنتي هتطيري بيه، وكل بنات العيلة كانت بتحسدك عليه، اتغير بعد الجواز ولعب بديله ، انا ايه ذنبي؟ تحمليني ليه نتيجة اللي حصل؟ هو انا كنت هجوزهولك واديكي معاه ضمان؟ اللي حصل حصل بقى بتحمليني ليه النتيجة؟

لم تتأثر ابنتها بكل ما سبق ، بل اظهرت جمودًا في توجيه السؤال لها:
– طب انا لو كنت طلبت منك اطلق منه من قبل دا كله ما يحصل، لسبب واحد، هو اني معدتش عايزاه، كنتي هتوافقي يا ماما ساعتها.

على الفور تجعدت ملامح منار ليرتسم عليها الرفض التام قائلة:
– يعني ايه معدتيش عايزاه؟ دا سبب بذمتك ينفع تطلبي الطلاق عليه؟ لا وكمان عايزاني اوافق! ازاي يعني؟ هو الجواز لعب عيال؟

– لا طبعًا الجواز مودة ورحمة وانا عارفة كدة كويس اوي…..
قالتها ريهام ثم توقفت برهة، قبل ان تتابع بصوت بح بما تحمله داخلها من ألم:
– بس انا مكنتش عايشاها ابدا المودة والرحمة دي يا ماما، انسان جامد كأنه الة ، مثالي في عيون الجميع،  ومع مراته تلاجة من غير احساس ولا شعور ، ايه فايدة ان يبقى عندي كل الرفاهيات اللي في الدنيا ومعنديش اللي يشاركني فيها،  جوز زي الطيف معايا في الشقة، طول الوقت مشغول، ميعرفنيش بذمة غير وقت ما يعوز الراجل مراته، وبعدها ولا اكنه يعرفني، برود برود ، تعرفي ايه انتي عن حسرة واحدة زيي بتحسد مراة البواب في كل مرة تبصلها وتشوف وشها المنور بحب جوزها ليها،  رغم ان حياتهم اقل من العادية، ومعظم الوقت بيتخانقوا واحيانا بيمد ايده عليها، لكنه بيرجع يصالحها بشوق ينسيها الاساءة، وينسيها الدنيا وما فيها……..

خرجت شهقة من جوفها في الأخيرة، ترفقها دمعة ساخنة شقت قلب والدتها، لتتابع بتحصر وبما يشبه الهذيان:
– انتي شوفتيها يا ماما صح، بذمتك هي الأحلى  ولا أنا؟
صاحت بها منار غاضبة:
– ايه الغباء ده يا ريهام؟ انتي سامعة نفسك بتقولي ايه؟ مين دي اللي بتقارني نفسك بيها؟ هو انتي مخك راح منك ولا ايه؟

– لا يا ماما مراحش مني، انا بس انسانة وعندي شعور، ست محتاجة لاحساس جوزها كان حارمها منه، احساس مفيش اي حاجة تعوضه، الراجل لما يحب مراته بيبان من نظرته ليها ، وانا كان نفسي اشوفها ولو مرة واحد  حتى في عيون جوزي،  ودا مالهوش دعوة ابدا بالاعجاب، دي حاجة تانية خالص، بتنعش القلب وتغذي الروح،  بتحسس الست انها ست وتستاهل تتحب…….

قطعت ببكاء مرير قطع نياط قلب الأخرى ، وهي تشاهدها بانكسار ، تردف:
– عارفة يا ماما بقى، ان طول الوقت مع حرماني من الحاجة دي، كنت بحس بالنقص، والنقص دا مفيش اي شيء يعوضه، عشان كدة بقى  انا مستغربتش أبدا لما شوفته بعيوني وهو بيخوني….

– ولما انتي بتعاني من دا كله،  متكلمتيش ليه وقولتي،  ليه سيبتيها لما توصل للخسارة انا كان لا يمكن اسكت……

قالتها منار بانفعال يعصف بها ، وكان رد ابنتها المفحم:
– اقولك ايه يا ماما، انتي ناسية انك جاوبتي ع السؤال من البداية،……انا لو كنت غنيتها ع الربابة معاكي مكنتيش هتصدقي، ولا هتوافقي تتطاوعبني ، الكسر اللي في رجلي ولا الطفل اللي كان هيروح مني ، دول اللمهم اقل بكتير من شيء انتي بتستهوني بيه، ومش عاملاله قيمة على الإطلاق،….. الحب والود يا ماما ما بين اي اتنين اهم من اي حسابات في الدنيا،  دا اللي انا عرفته اخيرا بعد تجربتي الفاشلة ))

اسنفاقت تعود من شرودها على صوت يسألها:
– انتي قاعدة هنا وبتعيطي يا خالتوا؟

رفعت رأسها اليه تمسح بطرف ابهامها اسفل عينيها،  تنكر نافية:
– لا يا حبيبي، دي عيوني بس اللي اطرفت….. انت كنت عايز حاجة يا سامج؟

سمع منها وانتفخت اوداجه يجيبها بعصبية :
– اه كنت عايزك يا خالتو تقفي معايا، ابنك معاملته ليا زي الزفت، والهاتم بنتك، بتعاملني بقرف ولا اكني كلب جربان خايفة تقرب منه، اقدر اسميه ايه دا بقى؟ هي صدقت نفسها وافتكرت انها ممكن تتجوز حد غيري ولا ايه؟

بحنق شديد كتمت منار بصعوبة ان تنفجر بهذا الأحمق،  والذي يأتي الاَن بغباءه يزيد عليها ، وهي لا ينقصها.

انتفضت فجأة متجاهلة الرد على حماقته ، لتخبره على مضض:
– معلش يا سامح تعالى على نفسك شوية وفوت، انا نفسي تعبانة دلوقتي ومليش نفس لأي كلام ولا خناق،.. وعن اذنك بقى رايحة اشوف بنت خالتك.

قالتها وتحركت على الفور تتركه بغيظه ليضرب بقدمه على الأرض مدمدمًا:
– ماشي يا خالتو، حتى انتي كمان مش معبراني، وانا بقى مش هسكت واما اشوف ايه أخرتها.

❈-❈-❈

وداخل غرفتها حيث كانت تساعد في رفع نفسها مع شقيقها الذي يجاهد في الا يؤلمها، وهو ينزلها من التخت بمساعدة ليلي وبعض الممرضات، حتى يضعنها على الكرسي المتحرك لنقلها:
– اه براحة يا عزبز
– يا قلبي ما انا بحاول معلش استحملي وسيبي نفسك ماشي.

اومأت بطاعة تضغط على عينيها لتكتم صوت الألم تصبر نفسها حتى اخرجت تنهيدة بصوت عالي ، فور ان جلست جيدا على كرسيها ، وقد استراحت قدمها المصابة اخيرا:

– الحمد لله ادينا خلصنا .
هتفت بها ليلى مهللة، وعبر عزيز عن ارتياحه، بأن قبل رأس شقيقته:
– حبيبة قلبي،  ربنا يتم شفاكي على خير يارب .

عبرت الأخرى عن امتنانها،  بنظرة حانية نحوه، وابتسامة تختصها له ولشقيقتها الصغرى، خبئت فور دلوف والدتها:
– ايه الحكاية؟ انتوا واخدين ريهام ورايحين بيها على فين؟

– هنروح بيها ، الدكتور كتبلها على خروج.
قالها عزبز وهو يعدل من وضع الكرسي كي يتحرك به، وخلفه ليلى ترفع حقيبة اليد، وبعض الأشياء الخاصة بها، امام دهشة منار التي هتفت بغضب:

– يعني مروحينها من غير ما تبلغوني،  كنتوا منتظرين ايه؟ انا عايز افهم، لما ارجع انا الاقي الأوضة فاضية والممرضة تبلغني.

ظلت ريهام على صمتها، ف استطرد عزيز بمهادنة:
– ليه يا ماما العصبية؟ وانا كنت هتصل بيكي وابلغك حالا اهو بس بعد ما اريح البنت ع الكرسي، وانتي معانا في المستشفى اهو مش بعيدة.

– والله،  كتر خيرك يا عزيز باشا، انك تفتكرني على اخر لحظة دا كرم بالغ منك.

تدخلت ليلى تلطف:
– يا ماما محدش فينا قصده والله ، دا انا بنفسي كنت خارجة اناديكي اهو على ما عزيز يريح ريري على الكرسي .

زمت شفتيها تطالعها بامتعاض قبل ان تتوجه بالسؤال نحو ابنتها الصامتة:
– ايه يا ريهام؟ وانتي كمان مفيش كلمة تخدعيني بيها زيهم؟ ولا انتي خلاص معدتش فارق معاكي.

خطفت ريهام نحوها نظرة سريعة قبل ان تجيبها بلهجة مبتئسة:
– انا مغلطتش في حاجة عشان احاول اخدعك، ولا هما كمان، ع العموم انا رايحة بيتي دلوقتى عشان ارتاح بالمرة واريحكم من تعبكم معايا في المستشفيات.

فكت منار ذراعيها، لتعقب بعدم استيعاب، للجملة المباغتة:
– بيتك فين؟ انتي بتتكلمي جد؟
حينما لم تجيبها صاحت غاضبة بها:
– وبعدين معاكي بقى في غبائك ده؟ انتي يا بت انتي عايزة تشليني ؟

– انا مش هسنريح غير في بيتي .
قالتها بدون ان ترفع عينيها اليها،  لتزبد من غضب والدتها التي همت بالانفجار بها، ولكن عزيز لحق عليها بتدخله:

– يا ماما احنا عملنا معاها المستحيل،  معلش خلينا نراضيها، وع العموم احنا مش هنسيبها وهنروح معاها وناوين انا وليلي نقعد معاها الكام يوم دول……

– اه ما انتوا لقيتوها حجة وجات لكم ع الطبطاب

صاحت بها بتهكم، لتغلب غضبها بعد ذلك، متوجهه بالخطاب نحو ابنتها:
– انا كمان جاية معاكم، ما انا مش هسيبها ولا هيجيني نوم بعيد عنها …

كالعادة لم تجد منها ما يسرها، او حتى يشعرها بالاهتمام، وكأنها لم تعتد تكترث ان كانت تأتي معها او لأ ، زفرت تطرد من صدرها دفعة مشحونة بالهواء المحمل بيأس يشويه الغضب، لتتغاضى عن عمد وتتحرك نحو حقيبتها تتناولها، وتردف بعملية:

– المهم دلوقتي احنا عايزين حد يساعدنا، من طقم المستشفى، وانت يا عزيز روح سخن العربية على ما نزلنا .

هم الاخير ان يرد ولكن سبقه صوت اخر :
– وليه تندهي حد يا خالتوا ، ما انا ممكن اوصلكم بعربيتي احسن.

– مش عايزين حاجة من خلفتك .
هتفت بها ليلى برفض سريع، ليرد عليها بسماجة ليست غريبة عنه:
– بطلي يا ليلى قلة زوق، عشان انا صابر عليكي.
– انا قليلة الزوق.
صرخت بها بعدم تحمل تنوي الهجوم عليه، قبل ان تفاجأ بمن يوقفها:

– خلاص يا ليلى .
التفت نحو شقيقها بصدمة لتجده يضيف بتحذير اثار دهشتها ضاغط على أحرف كلماته:
– الراجل مغلطش في حاجة، دا عايز يوصلنا وانا محتاجه عيب .

– عيب .
تمتمت بها بعدم استيعاب، لتصمت مجبرة، تتبعهم في الانضمام بسيارة هذه الأحمق، والذي ظن انه انتصر له، ليغبظها طول الطريق بالنظرات والتلميحات الموجهة نحوها، امام الصمت الغريب من شقيقها حتى اتضحت لها الرؤية بعد ذلك فور ان انتهوا من وضع ريهام داخل غرفتها بمنزلها، برعاية والدتها الحانقة بقوة لفعل ابناءها؛

– ببس كدة اخر تمام، عايزة حاجة تاني يا قمري .
قالها عزبز بحنان وهو يقبل رأس شقيقته بعد ان دثرها بغطائها،

طالعته بابتسامة ممتنة تنفي شاكرة
– لا يا قلبي ، تسلملي يارب من كل شر .

قبلها مرة أخرى بشكل ادخل الغيرة بقلب منار المتابعة حتى كادت ان تصرخ بهم ولكنها تمالكت بصعوبة لتلتزم الصمت حتى غادر عزيز يسحب ابن خالته السمج امام دهشة شقيقته والتي لم تقوى على الصبر لتركض خلفهما، بعدما سمعته يطلب من الاخر اللقاء معه على انفراد في حديقة الفناء الخلفي لمنزل ريهام .

وكانت المفاجأة حينما رأته قابضًا بشر على ياقتي سامح يهدر بفحيح وغليل:
– ايه ياض الكلام اللي بلغته لاهل رانيا عن بسمة؟ قولت عليها ايه يا كلب؟.

حاول سامح بنزع قبضتيه عنه صائحًا:
– يعني هكون قولت ايه يا حبيبي ، هو انا جيبت حاجة من عندي ، مش هي فعلا مشغلاك،  وسمعتها زي الطين،  يبقى تستاهل كل اللي يتقال عليها.

– يعني انت بتعترف يا سامج وجايلك قلب تقولها في وشي ؟
– وما اقولها في وشك يا حبيبي، هي تخصك في ايه اصلا؟ ولا انت فاكر خالتوا هتسمحلك تمشي على حل شعرك وتاخد بنت زي دي؟ لا يا حبيبي فوق لنفسك وافتكر وضعك قبل ما تبقي خاتم في ايد عيلة صغيرة زي دي ، جرالك ايه يا عزبز ؟

– عايز تعرف يا حبيبي جرالي ايه، انا هوربك دلوقتي جرالي ايه؟
صرخ بالاخير ثم انقض عليه يدفعه ارضًا، ويكيل له باللكمات بعد ذلك يفرغ طاقة الغضب التي كان يكبتها طوال الايام الفائتة في رعاية شقيقته في المشفى، اما الاَن فلا شيء سوف يثتيه عن اخذ حق محبوبته،

كان قويا وعنيفا، حتى انه لم يكن يعطي الفرصة للاخر لرد هجماته، وليلى من الجهة الأخرى تهلل بسعادة ، ان جاء اليوم الذي يشفي غليلها من هذا التيس الغبي ، الذي يفرض نفسه عليها وكأنه حق مكتسب، او دمية ليست لها الحق في رفض كائن مثله.

❈-❈-❈
في اليوم التالي

استيقظت متأخرًا عن ميعادها اليومي،  بفضل سهرها جوار ابنتها، حتى وهي جامدة معها لن تتخلى عنها حتى تصفح وتسامح ، هي الاَن تقدر حالتها فما حدث معها اقسى من اي شيء ، ألم نفسي اختلط بألم جسدي ، وزعر على جنينها المهدد بالسقوط، هذا اقوى على كاهل اي بشر. اذن عليها هي ان تتحلى بالصبر معها.

كانت في طريقها نحو الغرفة حينما اصطدمت اذنيها بسماع الضحك العالي يأتي منها، وتلك الضحكة المميزة لابنتها ، إذن عزيزتها تضحك

اسرعت بخطواتها لتدفع الباب وتدلف بدماثة وابتسامة تعلو ملامحها خبئت فور ان وقعت عينيها عليهما، ذلك الرجل اللئيم ومعه ابناءه الاثنان ……. تبًا.

– تعالي يا ماما سلمي على عمو شاكر .
هتفت بها ريهام بعدما رأتها واقفة محلها مستمرة وقد صعقتها المفاجأة،  هؤلاء المتطفلين ، يحتلون غرفة ابنتها التي اشرق وجهها معهم، كما وضحت السعادة على وجه ابنتها الأخرى التي تجلس بالقرب من هذا اللزج الذي رفضته سابقا،

والغبي الاَخر يجلس مقابلا لتلك الملعونة التي احكمت شباكها حول ابناءها وفرضت نفسها وعائلته عليهم

– ماما
صدرت من ريهام هذه المرة كصبحة لإفاقتها ، لتفاجأ بهذا المدعي يقترب منها بابتسامة متلاعبة يبادر هو بالترحيب بها:
– منار هانم، بسم الله ما شاء الله، انا في كل مرة بشوفك اصغر من التانية

كظمت غيظها بصعوبة لتقبل التحية منه، وتبتسم بمجاملة كاذبة، حتى لا تسوء من موقفها امام ابنتها صاحبة البيت ومن تقبلتهم به، فلا يحق لها هي الاعتراض،  تبدوا وكأنها خطة من ابناءها الثلاثة، تبا لهم من ملاعين .

– صافحته ثم اقتربت تصافح بعجالة هذا المدعو ممدوح:

– اهلا يااا ….. عامل ايه؟
ادعت نسيانها الأسم بقصد ثم اتجهت لبسمة تصافحها هي الأخرى بلؤم:

– ازيك يا حبيبتي عاملة ايه؟ كل يوم بتزيدي على حلاوة، امموواه امموواه
صوت قبلاتها على وجنتي بسمة المزهولة تناظرها باضطراب اسعد منار بالداخل،  قبل ان تلتف نحو ابنتها المريضة والتي رمقتها بنظرة الجمتها، لتعود لصوابها بعد ذلك وتجلس صامتة مجبرة، لتتجنب غضبها ، وتكتفت بذراعيها تتابع الجلسة الودية بصمت، اللعنة منذ متى اصلا يعرفونها ليتحدثوا معها بهذه الحميمية:

– شوفي يا روح قلبي، انتي بس تقومي على رجليكي، وانا ليكي عليا هعملك احلى رحلة تنسي فيها نفسك ، انا اصلا متخصص رحلات

قالها شاكر بزهو ليقارعه ممدوح قائلا ،
– لما انت متخصص،رحلات،  امال انا ابقى ايه بس يا والدي؟ السفر والرحلات دي لعبتي اصلا.

تدخل عزبز ايضا:
– لا يا باشا، معلش يعني برضوا مش قدي، دا انا لقيتها من شرقها لغربها .
– دا في مصر يا عمنا، اما انا بقى برا مصر شمال وجنوب، دول عربية واروبية ،

– وأفريقيا كمان .
قالتها ليلى تضيف على قول ممدوح بلهفة لفتت انظار الجميع اليها، وزادت من اشتعال والدتها،  لتكمل بسجيتها:
– ممدوح حكالي عن رحلاته في افريقيا، دا ليه مغامرات تهبل يا عزبز

تبسم لها الاخير بمغزى :
– اكيد مدام عجبتك يا قلبي، وبتحكي عنها بالأنبهار دا، انا كمان عايز اعرف عشان اجربها،

عقب شاكر :
– هذا الشبل من ذاك الاسد يا عم عزيز، عشان تعرف بس ان ابني مش جايبه من برا ، انا في شبابي كنت اجدع منه كمان .

قالها وانطلقت ضحكات الجميع الا هي ، وقد. كانت تراقب انبساطهم بسخط يفتك بها، ولكن ما كان يثير دهشتها بالفعل هو تجنب هذه الملعونة الصغيرة لها، وهذا الحرج الذي يكسو ملامحها، تبا لما تشعر وكأنها تبدلت لفتاة أخرى ناضجة،  فتاة رزينة حتى في ابتسامتها، رغم تلهف ابنها الأحمق لها..والذي تفضحه افعاله،  وكأنه لم يعرف امرأة قبلها قبل ذلك ذلك

…يتبع بالخاتمة

الفصل السادس والعشرون

– شوفت يا بابا الست اللي اسمها منار بتعاملنا ازاي؟ امال لو كنا في بيتها كانت طردتنا بقى على كدة

هتفت بسمة بكلماتها فور دلوفها المنزل خلف ابيها وشقيقها، بعد عودتهما من زيارة ريهام، ليضيف عليها ممدوح بمزاح:
– لا هو الطرد يعتبر حاجة بسيطة اوي بالنسبة للغضب اللي كان مرسوم على وشها، دي كان هاين عليها تولع فينا.

تبسمت بسمة لمزحته، اما شاكر فقد جلس على اقرب المقاعد، يتنهد بقنوط قبل ان يعقب على حوارهما؛
– دا شيء طبيعي بالنسبة لمنار، هي مكنتش متوقعة اصلا وجودنا واتفاجأت بينا مع بنتها في قلب بيتها ، دي كويس انها قعدت اساسًا.

– ايوة يا بابا قعدت، بس قعدت عشان تناكفنا بنظرات الكره والحقد اللي بتوجها ناحيتنا، شوفتها كانت بتبصلي ازاي؟

قالتها بسمة وهي تتخذ مقعدها بجواره، فكان رده لها:
– شوفت يا حبييتي وشوفت كمان اجتنابك انتي للنظر ناحيتها،  وكأنك بتحاولي تتفادي الاصطدام بيها، اللي عايز اعرفه بقى منك، مهما كان شعور الست دي ناحيتك، انتي بتبادليها نفس الشعور؟

ردت نافية على الفور:
– لا ابدا والله يا بابا، انا عمري ما كرهتها،  بالعكس انا كنت دايما معجبة بيها،  ست جميلة وشخصية قائدة، بتعرف تحتوي ولادها وتعرف ازاي تلمهم حواليها،  مهما كان اسلوبها معاهم، دا غير انها مهتمة بنفسها وبمظهرها، ودي حاجات نادر اوي تتجمع في واحدة ست.

– برافو يا بسمة، هو دا التفكير السليم، انك تفهمي اللي قدامك وتقدري مميزاته قبل عيوبه مهما كان اللي مابينكم

اردف بها شاكر قبل ان يتوجه نحو ابنه الاخر:.
– وانت يا ممدوح، معجب بيها زي اختك،  ولا مش قادر تنسالها رفضها ليك في الارتباط بليلي .

اومأ ابنه ببعض التفكير يجيبه:
– بصراحة لا بحبها ولا بكرها…. انا يمكن اكون مخنوق منها عشان موقفها مني، بس كمان مقدر انها ام وليها وجهة نظر ناحية مستقبل ولادها، حتى لو كانت وجهة النظر دي ضد رغبتنا احنا ، لكن طبعا الفرض وتعمد السيطرة هو أكبر عيوبها.

رد شاكر نحو الاثنين،
– ممتاز انكم فاهمين القضية من كل زواياها، انا بقى عايز اأكد عليكم كمان انها مش وحشة، كلنا فينا عيوب، وهي اكيد ليها اسبابها، لذلك انا بطلب منكم تاني  تصبروا عليها، ومهما قابلتوا منها، إوعوا ترودلها الاساءة،  اللين بيمهد لكل خير ، ومنار اكيد جواها خير بس محتاجة اللطف والمعاملة الحسنة،  حتى لو كانت شرسة وراكبها مية عفريت قدامنا ، لازم احنا نقدملها الحب،  ع الاقل عشان تزيد غلاوتكم في قلوب ولادها،  ما هو عمر المركب ما هتمشي من غير ما يبقى في حد بيرخي قصاد اللي بيشد ،

❈-❈-❈

قالت ريهام في مشاكسة لوالدتها الساخطة ، والتي كانت تفرك كفيها بغضب وتطلق نظراتها الحادة نحوها كل دقيقة، من وقت مغادرة شاكر وعائلته المنزل، يتبعهم ابناءها الاخران،  ليلى وعزيز:

– نعم يا ماما يا روح قلبي، اتكلمي ساكتة ليه؟ بقى منار هانم بحالها تاكل في نفسها كدة من غير ما تطلع اللي في قلبها

وكأنها كانت في انتظار الفرصة، صاحت بها تفرغ بها ما كبتته داخلها مرغمة منذ تفاجأها بحضور هذه العائلة التي تكرهها:
– نعم الله عليكي يا حبيبتي، هو انتي خليتي فيها منار هانم ولا زفت، ناس مش بطيقهم يا ريهام،  ورافضة وجودهم في حياة ولادي من الأساس، تجيبهم هنا البيت وتجمعيهم ليه؟ ولا اكنها جلسة عائلية، ثم تعالي هنا ، ايه التباسط والود دا كله ، يعرفوكي منين دول عشان ياخدوا عليكي بالشكل ده؟ يعنى مش كفاية لافوا على خواتك، تفتحليهم انتي كمان الباب؟

لحظة من الصمت مرت بينهما، قبل ان ترد ريهام :
– خلصتي كلامك يا ماما؟….. انا هقولك بقى عن سر التباسط والود اللي ما بيني وما بينهم، عمو شاكر اللي انتي مش طايقاه ده، هو  الوحيد اللي قدر يوقف فهد عن السفر والهروب لبرا مصر بعد اللى حصل،  استخدم علاقاته وقدر يجيب امر بمنعه من السفر، بعد القضية اللي رفعها المحامي بتاعنا عليه، من غيره انا كنت هبقى معلقة لا انا طايلة سما ولا ارض، روحي اسألي المحامى بتاعنا عن الاتفاق اللي قدر يعمله عمو شاكر مع فهد وعيلته لاجل ما يضمنلي كل حقوقي عندهم.

– كل دا حصل وانا مش دريانة
هتفت بها منار بصدمة ليعلوا صوتها وهي تتابع بعدم تصديق:
– انا كنت فين وكل دا بيتم ورا ضهري،  خليتي للراجل ده سلطة يتصرف بيها في أمر حساس زي ده ويخصك يا ريهام؟ ازاي المهزلة دي تتم من ورا ضهري؟…….

قاطعتها ريهام تنبهها:
– بعد كل اللي حصلي ده،  ولسه عندك امل يا ماما؟.

ابتعلت منار تستدرك ضعف موقفها امام ابنتها، لترقق من لهجتها ف مخاطبتها:.
– مش حكاية عندي امل ولا لأ، انا بس هامنني مستقبل الطفل اللي جاي يا بنتي، بصراحة اتمنى يتربي ما بينكم، مش طلاق وانفصال.

ظلت ريهام صامتة،  ترمقها بنظرات قوية اربكتها،  حتى تابعت لها بدفاعية:
– يا بنتي بلاش نظراتك دي، انا امك مش عدوتك .

– وعشان ما انتي أمي يبقى اكيد يهمك مصلحتي، وانا بقولك اهو يا ماما، اني لا يمكن ارجع للراجل اللي زاحني من قدامه ووقعني، قبل ما يمشي ويكمل بقلبه الجامد، من غير ما يكلف نفسه حتى يبص وراه عليا ولا يطمن بعد ما سمع صرختي.

بطلت حجتها، لتضطر مزعنة لغلق باب الجدال، فتوافقها الرأي، فهي ليست بالحجر حتى لا تتأثر ولا تعود في تفكيرها بعد ما حدث لابنتها، فقالت بتراجع، وقد  اوجعها النظرة المنكسرة والائمة من ابنتها :

– خلاص يا ريهام، دا كان مجرد رأي، وانتي طبعا معاكي كل الحق، المهم تبقي قوية بنفسك، مش لازم تحتاجي راجل، دي قاعدة انا عرفتها من زمان، وبرضوا متأكدة ان ربنا هيعوض عليكي بالاحسن، انتي فيكي كل المميزات…..

– تاااني يا ماما.
– ايوة تاني وتالت يا ريهام……. وانا طبعا لا يمكن هدخل ف اي قرار تاخديه بعد كدة دي حياتك، وانتي ادرى بيها.

قالت الأخيرة في ضعف اثر في ابنتها التي لاحت على ثغرها ابتسامة الإرتياح لهذا التغير المفاجئ، فقررت تستغل:

– خلاص مدام كدة يا ماما، يبقى توافقي ع الطلب اللي هطلبه منك .
– ايه هو الطلب اللي عايزة تطلبيه مني.
سألتها باستفهام، لتصلها الأجابة من قبل ان تنطق بها ابنتها:

– انتي عارفة يا ست الكل.
ردت برفض قاطع وقد فهمت عليها:

– لأ يا ريهام،  لا يمكن هقبل باللي في دماغك.
ردت الأخرى بمحايلة:
– وحياتي عندك لا تفكري يا ماما، فكرى ولو لمرة واحدة تسيبيلهم القرار من البداية، مش لازم يحصلهم مأساة زي اللي حصلتلي عشان توافقي؟

– يا بنتي مينفعش.
– لا ينفع .
نهضت بعدم تحمل تضرب الأرض بأقدامها تردد باحتجاج:
– انتوا ليه كلكم مُصرين تكسروا كلمتي، طول عمركم بتسمعوا الكلام،  والناس كلها بتحسدني عليكم،  ليه دلوقتي مصرين تخلوا حتة عيلة تهزمني.

– لأنها مش حرب يا ماما، وانتي نفسك عارفة انها مش كدة، بس روح العند جواكي هي اللي بتحركك، وافقي يا ماما عشان خاطري، تعالي مرة واحدة على نفسك، وفرحي اخواتي وفرحيني انا معاهم ، سبيهم يخوضوا التجربة، انتي كبيرة اوي في عيونا يا ماما، بلاش تخلي الموضوع ما بينك وما بينهم يتحول لتحدي، ادي لنفسك فرصة، عشان خاطري وافقي.

ظلت صامتة لبعض الوقت بتفكير وتشتت، حتى ظنت ابنتها بقرب الوصول، ثم اجفلتها تقول بإصرار:
– ابدًا يا ريهام، لا يمكن هقبل ان اوافقهم في الارتباط بالعيلة دي ، ان كان الولد او البنت ، بلغي أخواتك برفضي وان شالله حتى يضربوا راسهم في اجمد حيط.

❈-❈-❈

بعد مرور شهرين

كانت الأغنية الشهيرة تصدح عبر سماعات الدي جي المتمكن، وقد تجمع عدد من الشباب والشابات على منصة الرقص حول العريسان وزوجاتهما، بعد ان انعقد كتب الكتاب منذ دقائق وارتبطا كل عروسين بميثاق رسمي، بعد ترتيب وتريث من اجل قطع الطريق على أي محاولة للتراجع:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *