كله بالحلال بقلم امل نصر ج٢

أجفل ليستدير اليها بعد أن كان متوجهًا لخزانة ملابسه،   باستدراك متأخر للفخ الذي نصبته له والدته، وقد اسهب في الحديث معها بعدم انتباه،

أخفى اضطرابه ليجيبها بمزاح يدعيه:
– ايه يا ست الكل؟ انتي بتحققي معايا ولا ايه؟ دي واحدة صاحبة اختي شوفتها بالصدفة معاها في النادي، يعني عيلة هبلة قدها، دخلت المدرج تشجع زي كل البنات، عادي خالص يعني!.

رسمت منار على ثغرها ابتسامة صفراء تدعي إقتناع لم يصدقه عزيز، لتتابع بعدها بالسؤال:
– بس اختك مش عيلة يا روح قلبي، ولا اصحابها عيال كمان، ع العموم عادي يعني، المهم بقى هي اسمها ايه؟ صاحبة اختك اللي بتقول عليها عيلة دي؟ يمكن اكون عارفاها.

– لا يعني…. متهيألي متعرفيهاش، لاني بصراحة دي اول مرة اشوفها….. عن اذنك بقى يا ست الكل، اللحق اروح استحمي على ما سختني الاكل

قالها يلتقط منشفته ثم تحرك على الفور نحو وجهته إلى المرحاض،  تاركًا منار متسمرة محلها بتفكير عميق، لم تصدق إجابته، وهذا الارتباك المفاجئ برد فعله مهما حاول إخفاءه، زادها توجسًا وريبة

أما هو فلم يدري لم كان رده بالكذب عليها، ربما  لمعرفته مقدمًا برأيها في بسمة، أو ربما لم يرد فرض سيطرتها عليه في أمر كهذا، هو قدد حدد هدفه من البداية،  بقضاء وقت جميل مع الفتاة التي أثارت اهتمامه برودوها ليلة أمس.
لطالما اطاع والدته في انتقاء الفتاة المناسبة للزواج، إذن لا يحق لها بمعرفة الاسرار الأخرى عن عبثه ولهوه،
هذا ما أقنع به نفسه.

❈-❈-❈

عودة الى الفتيات
حيث دلف ممدوح يبحث بعيناه داخل الكافيه المشهور بمنطتقهم، بعد ان أخبرته شقيقته بقضاء وقت ممتع مع صديقتها العائدة بقوة هذه الأيام لحيز تفكيره، بعد أن اشعلته بسمة بتصريحها عن وجود شبه قبول من ليلى نحوه، لتحيي به امنية قديمة،  قد وأدها في مهدها منذ فترة انقاطعها عن زيارتهم، بتفرق الصديقتين واتجاه كل واحدة في مجالها الدراسي لمدة تقترب من العامين، وهي فترة كافية لأن ينسى بها المرء أي شيء، طالما لا يوجد وعود او حتى بذرة أمل صغيرة.

– ممدوح جه يا ليلى.
قالتها بسمة بعد أن أبصرته قادمًا، لتفاجأ بسعال مفاجئ  من الأخرى حتى بصقت من فمها العصير الذي بالصدفة كانت ترتشف منه، ليسقط على بلوزتها الخفيفة في الأعلى مخلفًا بقعة كبيرة من اللون الأصفر على القماش الأبيض، لتشهق بسمة بدورها مرددة:

– يخرب بيتك، ايه اللي هببتيه ده بقعتي البلوزة.
– ما انتي اللي خضتيني وانا بشرب العصير
صدرت من ليلى ويدها تلتقط في المحارم تجفف على قدر ما تستطيع، حتى نوت ان تكمل داخل المرحاض،  لتنهض فجأة امام استغراب بسمة التي تلجمت مع وصول شقيقها ليفاجأ الأخرى التي بمجرد ان استدارت وجدته أمامها.

– السلام عليكم، اَنسة ليلى؟
تجمدت عن الرد بوجه مخطوف تنقل بأنظارها كالفأر الذي علق بمصيدة، بمشهد كاد أن يضحك بسمة لولا انها استدركت فجأة لتلملم الموقف بتصرف ذكي.

– ممدوح اخويا، انت من امتى هنا؟
رد يجيبها باستغراب وعينيه لا تفارق ليلى:
– انا داخل دلوقتي حالا، لكن هي مالها، مبتردش ليه؟
قالها بمعزى نحو ليلى التي ما زالت على جمودها، للتكلف بسمة بالرد:

– معلش اصل انا كنت بهزر معاها وهي بتشرب العصير،  راح اتدلق جزء منه عليها، انا اسفة يا ليلى سامحيني.
تلقفت قولها لتردف به كحجة تخفي بها حرجها:
– ايوة صح، هي اللي دلقته عليا وخلت منظري زباله قدام الناس، وقدامك دلوقتي،  يرضيك يا ممدوح.

– لا طبعا ما يرضنيش.
قالها بغضب حقيقي ينقل بنظرة لائمة نحو شقيقته ليخاطبها بلوم:
– مش هتبطلي بقى عمايلك دي واستهبالك، حتى قدام الناس، انا اسف جدا يا اَنسة ليلى.

– يا لهوي على آنسة اللي طالعة من بقك زي العسل، امـ,ـوت انا واعيد السنة.
رددت بالكلمات داخلها، وقلبها يتراقص طربًا لقوله، وحمائيته عليها مما تسببت فيه شقيقته برعونتها لها، ليزيد بتناوله العديد من المحارم يعطيهم لها، ثم توجه بوجه عابس نحو بسمة يأمرها:

– قومي معاها ع الحمام خليها تنشف هدومها، اخلصي قومي بلاش لكاعة انا هقعد هنا مستنيكم،
كورت بسمة شفتيها تدعي غضبها منه، ثم تنهض مضطرة لتنفيذ رغبته، وما ان تحركت خطوتين مع ليلى التي كانت تناظرها بتشفى حتى وجدته يوقفها:

– استني عندك، خدوا حاجتكم معاكم، عشان انا هطلع مشوار دقيقة بس وراجع لكم .

– رايح فين؟
خرجت من ليلى بدون تفكير، لتثير ابتسامة خفيفة على ثغره قبل ان يجيبها برقة مهلكة:
– خمس دقايق بالكتير ومش هتأخر، ياريت تفضلوا في حمام السيدات تستنوني على ما ابعت لكم او اتصل بالزفتة دي.

لم تتأثر بسمة بالشتيمة، بل غمرها احساس بالفرح، تبتسم داخلها بفخر، وقد وصلها ما ينوي عليه شقيقها، مستبشرة بفعله خيرًا، تردد بحديث نفسها داخله:
– يا ألله، انه بالفعل يستحق فتاة ببرائة ليلى، رغم حمقها  وغباءها معظم الأوقات،

…. يتبع

الفصل التاسع

داخل المرحاض النسائي، وقد تبللت نصف بلوزتها في الأعلى، بعد محاولات يائسة في إصلاح البقعة الكبيرة التي تسبب فيها العصير، حتى اصبح الأمر مزريًا.
هتفت ليلى بيأس وقد نال منها الإحباط بشدة:
– يا نهار اسود عليا وعلى سنيني، مكان البقعة بتزيد مس بنتقص، اعمل ايه أكتر من كدة عشان تتنيل تتصلح؟

لم تجيبها الأخرى بل اكتفت بنظرة عادية نحوها ثم عادت لهاتفها الذي كانت مشغولة بالتصوير به امام المراَة بفعل تفعله كثيرًا من فتيات هذا العصر.

لم يُعجبها ليلى التجاهل، لتنتفض فجأة وتباغتها بضربة قوية على ذراعها صارخة بسخط:
– ما تبطلي تناحتك دي وبيصي للوقعة المهببة اللي انا فيها، إنتي إيه؟ معندكيش دم؟.

تفاجأت بفعلها لترد مقارعة لها:
– انا برضوا اللي معنديش دم؟ ولا انتي اللي هبلة وخيبة تقيلة، عايزاني اعملك إيه بعد ما بوظتي كل حاجة ودلقتي العصير عليكي، انا إيه ذنبي بذمتك؟ عشان اتحمل بهدلتلك دي ليا؟ كان لازم يعني تتلبخي وتشرقي في الوقت اللي ممدوح داخل فيه؟

سمعت منها لتنفجر فجأة بالبكاء بصوت عالي لفت ان١ظار باقي الرواد من النساء معهن في نفس المكان.
خجلت بسمة لتربت عليها وتحتضنها مهونة بالكلمات:
– يخرب بيتك، فرجتي علينا الناس، ايه يا ليلى؟ الموضوع مش مستاهل يعني؟

– مش مستاهل ازاي؟
صدرت من بين بكاءها، لتتابع معبرة عما يجيش بصدرها:
– دا أهم ميعاد في حياتي، من امبارح عمال اجهز وانقي في احلى حاجة عندي عشان ابقى قدامه جميلة، يمكن امحي من مخيلته صورتي القديمة، لما كنت هبلة مدعوكة في الدورس والمذاكرة، مكنتش اتخيل ابداً ان الميعاد اللي بتستناه اي بنت يتقلب لكارثة معايا ومن اولها، دا انا حتى ملحقتش اقعد ولا اخد فرصتي معاه، ولا حتى هو لحق يشوفني كويس.

أكملت ببكاءها،  لتتلقى المؤازرة من بسمة التي زادت من التشديد عليها بضمها، وابتسامة اعتلت على ملامحها، لتخاطبها بحنو:
– والله انتي عبيطة ومتخلفة، يا بنتي دا انتي عجباه من زمان والله، حتى وانتي مدهولة زي ما بتقولي، اللي بيحب بيشوف حبيبه على اي حال بصورة حلوة، وانتي والله قمر وهو عارف كدة كويس.

نزعت نفسها عنها لتسألها بتشكك:
– عارف ايه؟ ما تحاوليش تضحكي عليا انا عارفة  كويس هو دلوقتي شايفني ايه؟ وانا عاملة زي عملتها على نفسها.

بعظم استيعاب رددت بسمة من خلفها لتنطلق بموجة صاخبة من الضحك:
– عملتي إيه؟
اغتاظت ليلى من ضحكها المتواصل دون التأثر بحالتها، ولا تقدير الموقف المخزي الذي وضعت به، لتفرغ كبتها بتسديد الضربات بقبضتها عليها مرددة:

– اقفلي بوقك ده وخلي عندك دم، يا حيوانة يا حيوانة،
وعلى عكس المتوقع كانت بسمة مستمرة دون توقف، رغم تألمها من هذه الضربات التي تتلقاها من تلك الحانفة المتذمرة الساخطة، حتى اوقفها صوت الهاتف يجبرها للتوقف، رافعة كف يدها امام تحاكيها بلهاث:

– ممدوح بيرن، دقيقة بس هشوفه وبعدين نكمل، ممكن دقيقة؟
مع ذكر اسمه اضطرت ليلى مستجيبة لرغبتها، وابتعدت تتركها تجيب الاتصال، والذي تم بجملة مقتضبة وغير،  مفهومة:

– ماشي ثواني خارجالك اهو.
قالتها وتحركت مغادرة من المرحاض، تتركها في تخبطها وحيرتها عدة لحظات، حتى أتت عائدة تحمل بيدها كيس بلاستيكي باسم محل قريب، لتخرج منه كنزة رائعة، لترفعها أمام وجهها تسألها:

– ها يا قمري، ايه رأيك؟
زوت ما بيم حاجبيها لتسألها بعدم فهم:
– رأيي في ايه؟ ودي بتاعة مين اساسًا؟

بدا على وجه بسمة استنكار جلي، لتردف لها:
– هي ايه اللي بتاعة مين؟ وانا رافعاها قدامك ليه اساسًا؟ يا بت انتي عبيطة؟ ما تفهمي لوحدك، الحتة القمر دي جايبهالك ممدوح مخصوص عشان تغيري اللي نصها اتبل دي وبقت لازقة على جسمك، فهمتي بقى؟

توقفت ليلى عن التفكير، لتظل لفترة من الوقت تتطلع لها والكنزة التي تمسك بها بازبهلال تام،  لا تستوعب ماتراه أمامها، وما وتفوهت به بسمة حقيقة ام درب من الخيال؟ هذه عطية من ممدوح، ذهب ليبتاع لها كنزة كي ترتديها……
على خاطرها الاَخير، استفاقت ترفع رأسها لها باعتراض قوي:

– لأ يا بسمة، انا لا يمكن هقبل بحاجة زي دي، هو اخوكي فاكرني شحاتة…… اَه.
صدر التأوه الاخير، بعدما هجمت عليها بسمة لتردد لها بقبضة قوية على ذراعها، مسددة خلفها عدد من آخر وكأنها تاخذ دورها هي الأخرى، لتخاطبها بحنق:
– انتي متخلفة يا بنت انتي؟ هو مين اصلا اللي قال ان انك شحاتة ولا الهبل بتاعك دي؟ اخويا باصص على منظرك، يعني تطلعي بالبلوزة المبقعة، بعد المية ما زادت على بهدلتها ؟ ولا تغيري بحاجة نضيفة وناشفة؟ ما تردي يا بت .

– اااه .
صرخت هذه المرة لتوقفها لافتة انظار النساء الاتي توقفت عن أي شيء إلا عن متابعتهم، ليخرج صوت احداهن باحتجاج:
– ما كفاية بقى وخلصونا، هتلبسي البلوزة يا بنتي ولا تخرجي بالهلهلوة اللي لابساها؟ خلصونا بقى.

– هلهولة! انا لابسة هلهولة؟ انتي قد الكلام ده يا ست انتي؟
هتفت بها تتقدم نحو المرأة بتحفز، قبل ان توقفها بسمة مقيدة حركتها بذراعيها، لتهمس لها بجوار اذنها:
– وحياة اغلى ما عندك يا شيخة لتريحي قلبي بقى، بلاش العند اللي من غير فايدة ده؟ ما ترسي على حيلك بقى .

– وبتتهميني كمان بالعند !
قالتها ليلى لتتابع برفض قاطع:
– طب عشان تعرفي، أنا مش هنفذ غير اللي في دماغي، ومش خارجة غير بالهلهولة، ها ايه رأيك بقى؟

❈-❈-❈

بعد قليل
وقد انتظر لفترة من الوقت مرت عليه كالدهر، من وقت ان سلم شقيقته الكنزة الرقيقة ذات اللون الليموني المنعش، والتي انتقاها على عجالة، فور ان دلف محل الملابس النسائية  القريب من هنا،  من أجل ان ينقذ الموقف، حتى لا يرى حزنها، وقد لامس التوتر الذي بدا جليًا على ملامحها الشفافة فور ان أتى ليصدم بهيئتها المحرجة، يتمنى من الله ان تكن على مقاسها، والا يزيد الأمر سوءا بفعله.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *