جحر الشيطان شهندة

الشخصيات

مروان فياض..فى أواخر الثلاثينات من عمره..شعره أسود وعيونه سوداء .. ..يحمل ماض أثر على شخصيته ليجعل هدفه الأول والأخير …الانتقام.

زينة عبد الكريم ..فى اواخر العشرينات من عمرها..جميلة ..بريئة عيونها رمادية اللون.

ياسين تاج الدين..شاب وسيم..أسود الشعر والأعين..ذو لحية خفيفة.. فى أوائل الثلاثينات من عمره..هدفه بدوره الانتقام ممن كانوا سببا لعذابه.

فتون سلطان..فتاة جميلة جدا تمتلك ابتسامة ساحرة تظهر غمازتيها..وعيون بندقية اللون..قوية الشخصية..هدفها الأول والأخير الانتقام من قاتل أختها الوحيدة ميسون.

نبيل عزام..شاب وسيم جدا ذو عيون خضراء ..شريك فتون فى كل شئ.

دارين تاج الدين..أخت ياسين..فتاة جميلة جدا شعرها بني ناعم وعيونها عسلية اللون.

عدنان المسيرى..لقبه الشيطان،وهو لقب يليق به فأينما يوجد..يعم الخراب.

سوزى..زوجة سعيد فياض والد مروان..صغيرة السن بالنسبة إليه..فاتنة ولكنها ذات روح شريرة قبيحة من الداخل

 

 

الفصل الأول

وقفت زينة تتطلع من النافذة الى قائد الحرس هارون.. الذى يلقى تعليماته بسرعة على رجاله..كان قد زاد من أعدادهم فى المنزل اليوم..حتى أنها شعرت ان هذا المنزل يتحول الى ثكنة عسكرية .. لتسخر من نفسها وهى تدرك انها كانت تعد هذا المنزل دائما كسجن لها مشدد الحراسة..فماذا يكون الآن؟

انتفضت على تلك الأوامر الحادة و التى ألقاها هارون على مسامع حراسه فى عصبية..لتدرك أن هناك أمر ما سيحدث اليوم..عقدت حاجبيها فى حيرة تتساءل عن كنه هذا الأمر؟؟

دلفت فى نفس الوقت إلى المطبخ دادة نجاة فالتفتت إليها زينة على الفور واقتربت منها قائلة فى فضول:
هو فيه ايه يادادة ؟..البيت ماله قلب كدة وبقى عامل زى ما يكون فيه حرب هتقوم فيه النهاردة ..وماله هارون قاعد كدة زى المجنون يزعق فى الحراس؟؟..أنا مشفتوش بالشكل ده قبل كدة.

تلفتت دادة نجاة حولها قبل ان تقول لزينة بهمس:
شكل الموضوع كبير يازينة..كل اللى أعرفه ان فيه ضيف مهم جدا جاي النهاردة للباشا الكبير..والدنيا والعة برة..شكلهم خايفين منه..والله يابنتى انا مش مصدقة ان الباشا ورجالته ممكن يخافوا من حد بالشكل ده..بس كل اللى بيحصل برة بيقول كدة..تعرفى..أنا نفسى اشوف مين اللى قدر يعمل فيهم كدة ؟دول مش بس خايفين منه.. دول مرعوبين كمان.

هزت زينة كتفيها فى حيرة ثم استغرقت فى التفكير..تتساءل بدورها عن ذلك الضيف الذى أرسل الرعب فى أوصال ذلك القذر هارون ورجاله..لتتساءل ايضا.. مما يخشى عدنان؟ذلك الرجل الذى تدرك أنه بلا قلب من الأساس ليخشى شيئا؟..هزت كتفيها فى حيرة تبعد عن عقلها تلك الأفكار التى حيرتها ..لتلتمع فجأة عينيها وقد خطرت لها فكرة ..اذا كانوا يخشون ذلك الضيف بتلك الطريقة..اذا فلن يجرءوا على تفتيش سيارته عند ذهابه من هنا..نعم ..لن يجرءوا ،وبالتالى ان نجحت فكرتها المجنونة فربما وربما فقط تكون تلك هى فرصتها الوحيدة للهروب من ذلك المكان..لتعقد حاجبيها وهى تخشى تلك الفكرة ..فان كان ضيف عدنان بمثل قذارته فسيكون لديها ما تخشاه ..هي لا تخشى على نفسها قط بل تخشى على ابنها الذى لم يكمل الخمس سنوات بعد..لتعود وتطمأن قلبها أنها ستخرج من سيارته قبل أن يشعر بها وبإبنها الحبيب..هى مخاطرة كبيرة ولكن من اجل طفلها لابد وأن تقوم بها ..ربما وقتها استطاعت التحرر من ذلك السجن الذى أجبرت على العيش فيه.

أفاقت من افكارها على صوت دادة نجاة وهى تقول لها:
روحتى فين يابنتى..أنا قاعدة انادى عليكى ومبترديش.

ابتسمت زينة براحة قائلة:
انا هنا أهو يادادة..كنت بفكر بس فى الضيف اللى جاى النهاردة.

قالت الدادة نجاة بخوف:
ملكيش دعوة بيه يازينة يابنتى ومتخرجيش من أوضتك انتى وفارس خالص..خلينا فى حالنا وماشيين جنب الحيط..احنا مش أد الباشا ورجالته وانتى عارفة..أنا خايفة عليكى ياضنايا وعلى حبة عينى.. ابنك فارس ربنا يحميه.

ربتت زينة على يد نجاة قائلة فى حنان:
اطمنى يادادة متقلقيش .

ابتسمت دادة نجاة وهى تربت على يد زينة بدورها فى حنان لتتأملها زينة..تتأمل تلك السيدة الطيبة التى كانت الى جوارها فى كل لحظة منذ ان جاءت الى ذلك المنزل ..دعمتها بحنانها وعطفها وأصبحت سندا لها فى ذلك السجن الاجبارى..ولولا وجودها الى جوارها ما تحملت الحياة هنا ولو ليوم واحد..حقا ستفتقدها عندما تغادر ذلك المكان القذر..لتواسى نفسها بأن دادة نجاة ستكون بخير ..وأنها فى يوم من الأيام ربما إستطاعت اخراجها من هذا المكان الذى تكرهه من كل قلبها ..والذى يشبه بكل تأكيد جحر الشيطان.

*******************
لقيته يافتون هانم..أخيرا لقيته

نطق المحقق بتلك الجملة بارتياح..لتلتمع عيني فتون وتتبادل نظرات ذات مغزى مع نبيل لتعود بنظراتها إلى المحقق قائلة بنبرات ملهوفة:
لقيته فين ياسعيد؟

قال سعيد بابتسامة:
نقل من شرم للقاهرة ..هو وجدته وأخته..وفاتح شركة مع واحد صاحبه اسمه مروان.. بقالهم سنة تقريبا.. بس محققين شهرة ونجاح حلوين اوى فى السنة دى..واسم شركتهم بيتعملوا دلوقتى ألف حساب.. الشركة باسم صاحبه وعشان كدة مكناش قادرين نوصل لأى حاجة عنه..شاركه بفلوس ورثه اللى ورثها بعد ما إتوفى جده واللى سابله ثروة كبيرة اوى.

ثم ناولها ملف وهو يقول:
الملف ده فيه كل حاجة عنه وعن شركته ..وعن شريكه كمان..وبالتفصيل.

أومأت فتون برأسها وهى تمسك الملف قائلة بامتنان:
أنا مش عارفة أشكرك إزاى ياسعيد..أنا وظفت كتير عشان يجيبولى اى معلومة عنه بس انت الوحيد اللى قدرت توصله..ودى حاجة كبيرة اوى عندى ..صدقنى.

نظر سعيد الى ملامحها الجميلة وعينيها الزيتونيتين بإعجاب واضح ..ليتنحنح وهو يعدل وضع نظارته قائلا:
احمم..ده واجب علية يافتون هانم..أس..أستاذن أنا.

اومأت فتون برأسها قائلة:
اتفضل ،وياريت تعدى ع الحسابات هتلاقى شيك بإسمك..دول بقية أتعابك..ومتشكرة أوى ياسعيد.

أحس سعيد بأنه يذوب فى عمق عينيها وهو يقول:
انتى تؤمرينى ياهانم ولو احتجتينى فى أى وقت أنا موجود وفى الخدمة.

ابتسمت وهى تومئ برأسها لينهض سعيد ويغادر المكتب ليجلس نبيل مكانه قائلا:
خدى بالك.. سعيد معجب بيكى فياريت لما يكون موجود توقفى ابتسامات بغمازاتك دى..الراجل مش أدك يافتون.

ابتسمت فتون قائلة:
لو مكنتش أخويا..كنت قلت إنك غيران علية يانبيل.

ابتسم نبيل قائلا:
وهو الأخ مبيغيرش على أخته يافتون؟..انتى صحيح اختى فى الرضاعة.. بس بحسك من دمى..شقيقتى..وأكيد بحبك وبغير عليكى..بس الموضوع دلوقتى مش غيرة..سعيد متجوز..ولو اتعلق بيكى يبقى هنخرب بيته واحنا ملناش فى خراب البيوت يافتون ..كل واحد فينا جرب يعيش فى بيت انخرب بسبب واحدة تانية ولا ايه؟

أطرقت فتون برأسها تفكر قائلة:
معاك حق..خلاص..آخر مرة هطلب سعيد فى شغل مع انه شاطر أوى يانبيل وهو الوحيد اللى قدر يجيبلى المعلومات اللى أنا طالباها..بس انا مش هقدر أتحمل بيته يتهد بسببى وانا ملاحظة فعلا انه معجب بية.

قال نبيل بابتسامة:
هى دى فتون أختى..قوليلى بقى هنعمل ايه فى صاحبنا؟

قست عيناها الجميلتين وأصبحت فى برودة الثلج..ليدرك نبيل مدى كرهها لهذا الرجل حتى تتحول فتون الرقيقة الحنونة إلى تلك الذى يخشى غضبها الذى قد يحرق الأخضر واليابس وهى تقول :
هنتقم منه طبعا..هدمرله شغله وحياته..ومش بعيد أسجنه ..كان نفسى أقتله زى ما قتلها..أو أخليه يجرب احساس الحرمان من اخته زى ما حرمنى من أختى..بس للأسف انا عمرى ما هبقى زيه..سنين وأنا عايشة بألم قلبى..بدم أختى اللى راح ومقدرتش أنتقملها من اللى قتلها واختفى بعدها..
عايشة بحسرتى عليها..انت متعرفش كانت بتحبه أد ايه..اتصالاتها بية كانت كلها عليه..توصفلى أد إيه حنين وطيب..أد ايه راجل ويتحب..أد ايه بقى كل حياتها ومتقدرش تعيش من غيره..يوم الحادثة قالتلى انه جايلها البيت وانه عاملها مفاجأة..وكانت معايا ع التليفون وهى بتقولى انها متأكدة انه هيعرض عليها الجواز..وأول ما الجرس رن ..قالتلى هو يافتون ..قلبى هيقف يافتون من الفرحة..وأول ما فتحت الباب سمعت صرختها..وبعدين الخط انقطع..غدر بيها وقتلها مفاجأته فعلا وقفت قلبها بس للأبد يانبيل ..للأبد.

ربت نبيل على يدها ..وهو يراها تذرف الدموع ليقول بحنان:
اهدى يافتون..وعد منى هننتقم منه على جريمته فى حق ميسون..وان آخرته هتكون على إيدي.

مسحت فتون دموعها وعادت القسوة الى ملامحها وهى تقول:
لأ ..آخرته هتكون على إيدى أنا..ده تارى يانبيل وفتون سلطان مبتسيبش تارها أبدا.

لتفتح الملف وتنظر الى صورة كبيرة لرجل فى اوائل الثلاثينات من عمره..رغما عنها انتابتها قشعريرة فى جسدها نفضتها على الفور..فيجب ان تعترف أن ذلك الرجل الذى وأد حياة أختها ..وسيم ..بل جذاب للغاية..بتلك العينين السوداويتين واللتين تظللهما حواجب عريضة ورموش كحيلة..وفم جذاب.. تظلل ذقنه لحية خفيفة.. ذو وجه منحوت وشعر كثيف..نظرته أرسلت إلى جسدها مشاعر نفضتها على الفور..فقد أحست بها تتغلغل الى اعماقها..أحست بالتوتر..ولكنها ابعدته عن تفكيرها وهى تذكر نفسها بأن هذا الوسيم..هو قاتل اختها..من سلبها حياتها وسعادتها..لتقسو عينيها مجددا وهى تتوعد بالانتقام.

******************
طرق هارون الباب ليسمح له عدنان بالدخول..دلف هارون ليجد رب عمله يجلس على كرسيه يبدو عليه الثبات ولكن هارون يعلم أنه بعيد كل البعد عن ذلك الاحساس..يظهر توتره فى نقرته باصبعه على مكتبه وهو يتطلع إلى هارون بتساؤل..أغلق هارون الباب وهو يقول :
كل شئ جاهز لاستقباله ياعدنان باشا.

أومأ عدنان برأسه فى هدوء ليقول هارون:
انا نفسى اعرف ليه بس قلقان من زيارته؟

نظر اليه عدنان بنظرة حادة قائلا:
أنا مش قلقان ولا حاجة..أنا بس حابب آخد احتياطى ومش حابب أسيب حاجة للصدفة..انت متعرفش مروان فياض ياهارون..قبل ما أبعده عن سكتى من سنين كان زى الشوكة فى ضهرى..مكنش مخلينى عارف أشتغل فى السوق..مروان مش بس ذكى..لأ قلبه ميت ومبيخافش ودى تركيبة خطيرة لازم يتعملها حساب..ومينفعش تستهين بيها..أهو بعد ما ظهر تانى من سنة بقى ليه اسم كبير فى السوق.. وشوف خلى شركته وصلت لإيه فى وقت قصير..رجعت تنافسنا من تانى وبقوة..الحقيقة زيارته لية غريبة ومش متوقعة والمصيبة بقى لو كان عرف انى السبب فى اللى حصله زمان وجاى ينتقم..ساعتها بقى الدم هيبقى للركب..

رفع هارون احدى حاجبيه قائلا:
للدرجة دى؟

قال عدنان:
قلتلك انت متعرفش مروان..ده تركيبة لوحده..مسالم أوى فى العادة بس لو مسيت حاجة تخصه بيتحول لعقرب.. هى لدغة واحدة منه وقول على نفسك يارحمن يارحيم.. ياريتنى خلصت عليه زمان وارتحت.

قال هارون :
عموما احنا فيها ..طلقة واحدة ونخلص عليه ونرتاح.

نهض عدنان قائلا فى توتر:
لأ طبعا اوعى تعمل كدة ..مروان دلوقتى مش لوحده ..بقى معاه ياسين تاج الدين وده مش قليل أبدا ..ده غير اللى ساندينه من فوق ولو حصله حاجة هيتغضب علينا وانت عارف اللى فى مجال شغلنا لو اتغضب عليهم بيجرالهم ايه؟

فرك هارون رأسه قائلا :
طيب والحل؟ هنفضل متوترين كدة ومش عارفين هو ناوى على ايه ولا نتصرف معاه ازاى؟

جلس عدنان مجددا فى مقعده وهو يعود لينقر باصبعه على المكتب قائلا:
ياخبر بفلوس بعد شوية هيبقى ببلاش..ولو ناوى مروان ع الغدر..يبقى لسة ميعرفش مين هو عدنان المسيرى..ولا إيه؟

ارتسمت ابتسامة شيطانية على فم هارون بادله اياها عدنان لتتحول الى ضحكات مليئة بالشر..تماما مثلهما.

*******************

ابتسمت الجدة فى حنان وهى تقترب من حفيدتها التى يبدو على ملامحها الحزن مرتسما..والذى لم يقلل من جمالها بل زاده..جلست الى جوارها قائلة فى حنان:
مال القمرة حبيبة تيتة ؟مكلضمة ومكشرة وزى ما تكون اكتشفت ان الراجل اللى بتحبه مش من الأرض وانه طلع من كوكب المريخ.

أفاقت دارين من شرودها على كلمات جدتها قائلة بابتسامة:
عليكى تشبيهات ياتيتة..

لتطرق برأسها مجددا فى حزن قائلة:
بس هو فعلا مطلعش من كوكب الأرض ولا كوكب المريخ..ده طلع من كوكب جديد..اسمه كوكب التلج..أووووف..ايه البرود ده ..مش حاسس بية خالص وكأنى هوا أدامه..حاولت كتير ألفت انتباهه لية بس هو مش شايفنى ومش حاسس بية بيعاملنى زى ما ياسين بيعاملنى بالظبط..حاجة تنقط.

ابتسمت الجدة فى حنان وهى تربت على يدها قائلة:
اللى انتى متعلقة بيه ياحبيبتى مش نصيبك ومش عايزاكى تتعبى قلبك ع الفاضى.

نظرت اليها دارين فى حيرة قائلة:
قصدك ايه ياتيتة؟

نظرت اليها الجدة قائلة:
قصدى تنسيه ياحبة عين تيتة..مروان ده حكاية لوحده.. اخوكى حكالى عنه..قلبه مش ملكه ومستحيل هيدخل واحدة تانية فيه..ده رغم غدرها بيه لسة مش قادر ينساها ويحب غيرها وده ملوش غير معنى واحد.. ان قلبه اتقفل يادارين واللى قلبه اتقفل مستحيل يتفتح ولو اتفتح لواحدة تانية هيعذبها معاه..وانتى يابنتى أرق من النسمة ومتستحمليش عذاب القلب..

قالت دارين فى حيرة:
بس ياتيتة….

قاطعتها الجدة قائلة فى حزم:
من غير بس..أنا أدرى الناس بيكى وبمصلحتك ومادام قلتلك تنسيه يبقى تنسيه يادارين.

ترقرقت الدموع فى عينى دارين لترأف لحالها الجدة وتربت على يديها قائلة:
يابنتى ياحبيبتى..انتى غالية اوى عندى..وعايزة يوم ما تحبى ..تتحبى..الراجل اللى هيكون من نصيبك لازم يشيلك جوة عنيه..تبقى ليه النفس اللى بيتنفسه.

ابتسمت دارين فى حب وهى تمسح دموعها قائلة:
زيك انتى و جدو..مش كدة ياتيتة؟

ابتسمت الجدة فى حنان قائلة:
كدة ياقلب تيتة..الله يرحمه عشت معاه أجمل سنين حياتى..بحبه لية واهتمامه خلانى عايشة فى الجنة ياحبيبتى..أنا عايزاكى كمان تعيشى فى جنة الحب ومتجربيش ناره..فهمتينى يابنتى؟

أومأت دارين برأسها قائلة:
فهمتك ياتيتة.

تراجعت الجدة تستند بظهرها إلى مقعدها قائلة فى ارتياح:
ريحتينى ياحبيبتى..تعرفى بقى انتى عايزة تنسيه بجد ..تعملى ايه؟

عقدت دارين حاجبيها فى حيرة قائلة:
أعمل ايه؟

ابتسمت الجدة قائلة:
تشتغلى مع اخوكى فى الشركة.

نظرت اليها دارين باستنكار قائلة:
انتى بتقولى ايه ياتيتة..بقى عايزانى أنساه اقوم أروح اشتغل معاه ويفضل أدامى طول النهار؟مستحيل طبعا.

اتسعت ابتسامة الجدة قائلة:
مروان شغله برة الشركة علطول ونادر لما بيروح هناك..انتى محتاجة تشغلى وقتك فى الشغل عشان تشغلى تفكيرك ومش هكون مطمنة عليكى غير وانتى شغالة مع أخوكى..غير انك لما هتشوفيه أكتر هتعرفى انك محبيتهوش ولا حاجة ..انتى يمكن شدتك هالة الغموض بتاعته ..بس الحب..الحب حاجة تانية خالص مش هتعرفى الفرق بين الحب والاعجاب غير لما تحبى بجد.

قالت دارين بحيرة:
تفتكرى؟

أومأت الجدة برأسها قائلة :
أنا متأكدة..يلا ياحبيبتى قومى نتغدى ولما ياسين ييجى هنكلمه عن الشغل..اتفقنا؟

نظرت دارين الى ملامح جدتها الحبيية لتبتسم بارتياح قائلة:
اتفقنا.

 

 

الفصل الثانى

تعالى رنين هاتف هارون ليلتقطه مجيبا إياه بسرعة..استمع الى محدثه قليلا..ثم أغلق الهاتف والتفت الى عدنان الذى تعلقت عيونه بملامح هارون.. ليقول هارون بهدوء:
مروان وصل.

رغم ملامح عدنان الجامدة والتى لا تعكس انفعالا الا ان هارون أدرك توتره من خلال اختلاجة بسيطة فى فكه..قال عدنان ببرود:
فتشوه؟

هز هارون رأسه نافيا وهو يقول:
مرضاش زي ماقلت..بس الجهاز الجديد اللى عدا عليه مااكتشفش معاه أي سلاح..و كمان جاي لوحده ..مش غريبة دى؟

هز عدنان رأسه نفيا وهو يقول:
لأ مش غريبة..مروان ذكى وعارف انه مش هيقدر يمسنى فى بيتى..وانى كمان مش هقدر اعمله حاجة فى الوقت الحالى..اللى احنا بنعمله مجرد اجراءات أمن عشان الغدر مش أكتر.

اومأ هارون برأسه وكاد أن يتحدث لولا ان قاطعته طرقات على الباب ودخول الخادمة تعلن عن وصول ضيفهما..مروان فياض

لم يكن هارون قد رأى هذا المروان من قبل ولكن عندما رآه أدرك سر توتر عدنان..فمروان لديه..هيبة..و هالة من الغموض صاحباه عند دلوفه الى الحجرة.. يمشى بخطوات واثقة وعيون كالصقر ..يحدق بهما فى برود كالصقيع..ألقى التحية فى هدوء..فردها عدنان بدوره بهدوء ظاهري يخفى قلقا غريبا على نفسه..فلم يشعر بالقلق من أى منافس له من قبل..ولكنه يشعر بالقلق تجاه هذا المروان ..أشار عدنان لمروان بالجلوس..
فجلس مروان يضع قدما فوق الأخرى..بينما ظل هارون واقفا متأهبا ..نظر عدنان الى مروان قائلا:
خير يامروان..ممكن أعرف سبب زيارتك الغريبة دى؟

نقل مروان نظراته بين عدنان وهارون ثم استقرت نظراته على عدنان وهو يقول ببرود:
أنا عارف انك مستغرب زيارتى ليك..بس لما هتعرف السبب هتستغرب أكتر..أنا جاي النهاردة عشان أقدملك خدمة.

تبادل كل من هارون وعدنان النظرات قبل أن ينظر عدنان مجددا الى مروان قائلا:
خدمة ايه اللى جاي تقدمهالى دى؟

تراجع مروان بظهره الى المقعد وهو يقول:
خدمة كبيرة اوى هتنقذك من مصيبة أكبر.

نظر اليه عدنان مستفسرا ليستطرد مروان قائلا:
الشحنة اللى انت مسفرها لتركيا..وهتوصل بكرة .

ظهر التوتر على وجه عدنان وهو يقول:
شحنة ايه؟؟

ابتسم مروان فى سخرية قائلا:
انت عارف كويس الشحنة دى فيها ايه فبلاش تستعبط ياعدنان.

كاد هارون أن يتقدم باتجاه مروان ليمسك عدنان بيده ويخبره بعينيه أن لا يتهور..لتتسع ابتسامة مروان الساخرة..وعدنان يقول فى هدوء:
مالها الشحنة دى؟

قال مروان :
متبلغ عنها وأول ما هتوصل تركيا هيتقبض عليها وعلى كل طقم السفينة.

تبادل هارون مع عدنان نظرات متوترة..لينظر بعدها عدنان الى مروان قائلا:
وانت بقى يامروان جاي تقدملى خدمة ولا جاي تشمت فية ؟

قال مروان:
قلتلك جاي أقدملك خدمة ..جاي أقولك ازاى تنقذ شحنتك قبل ما يتقبض عليها..صحيح مفيش ورق يربطك بالصفقة ومفيش حاجة هتمسك..بس الخسارة برده مش قليلة.

رفع عدنان احدى حاجبيه قائلا :
وياترى ليه عايز تقدملى الخدمة دى يامروان؟

ظهرت ملامح السخرية على وجه مروان وهو يقول:
أكيد مش جاي أقدمها خدمة لوجه الله ياعدنان..دى مجرد عربون صداقة..حاجة أبين بيها حسن نيتى..لإنى جاي النهاردة أعرض عليك صفقة العمر .

أمسك عدنان غليونه وأشعله ليأخذ منه نفسا عميقا قبل أن يقول :
وايه هي بقى صفقة العمر دى؟

اتسعت ابتسامة مروان الساخرة وهو يقول:
واحدة واحدة ياعدنان ..هنخلص من موضوع شحنتك الأول وبعدين هقولك على الصفقة..متستعجلش..كل اللى اقدر اقولهولك دلوقتى ان بعد الصفقة اللى هقولك عليها مش هتحتاج تشتغل أبدا..هتعتزل الشغل للأبد.

تبادل عدنان وهارون النظرات ليومئ عدنان برأسه وهو ينظر الى مروان قائلا:
قول يامروان ..أنا سامعك.

ابتسم مروان بداخله فى انتصار ولكن ملامحه ظلت جامدة وهو يقص على مسامعهم خطته لتفادى ضبط شحنتهم..لتتسع عيونهم انبهارا بهذا العقل الجهنمى والذى يمتلكه هذا المدعو مروان.

********************

نظرت زينة يمنة ويسارا لتتأكد من خلو الساحة من أى حارس قد يعيق تقدمها ويفشل خطتها فلم تجد أحدا ..لتسمع صغيرها فارس يقول بتذمر:
ياماما انتى واخدانى بس على فين؟

التفتت زينة اليه وجلست على احدى ركبتيها لتكون فى مواجهته وهى تقول بحنان:
انا مش قلتلك ياحبيبى هنروح مشوار.

نظر فارس إليها بعيونه البريئة وهو يقول:
مشوار ايه ده ياماما؟..احنا عمرنا ما خرجنا برة البيت ده.

رفعت زينة يدها وهى تربت على رأس الصبى بحنان قائلة:
آن الأوان نخرج من البيت ده ياحبيبى..انا هفهمك كل حاجة بعدين بس أهم حاجة دلوقتى تعمل اللى قلتلك عليه..فاكره؟

أومأ الطفل برأسه قائلا:
أيوة ياماما..مش هسيب ايدك ومش هطلع أي صوت ..ولما نركب جوة العربية..هسكت خالص عشان محدش يعرف مكانا.

رفعت زينة يده التى تمسكها لتقبلها فى حنان ثم قالت :
برافو ياقلب ماما..يلا بقى نمشى قبل ما حد يحس بينا .

ثم نهضت تمشى وهى تمسك بيد الصغير تتوخى الحذر فى خطواتها..وتتجنب الكاميرات المنتشرة بالقلعة حتى وصلت الى تلك السيارة الغريبة..تنفست بارتياح فتلك السيارة فى مكان بعيد عن آخر كاميرا كان يجب أن تتفاداها وقد جاء هذا فى صالحها إلى جانب أنها كبيرة بما يكفى لتسعها هى وصغيرها دون ان يلاحظهما أحد..حمدت ربها على صغر حجمها هي وصغيرها والذى جاء بفائدة لها أخيرا .

ألقت نظرة أخيرة على الحراس لتتأكد من أن احدا لم يلاحظها ..ثم أمسكت مقبض الباب الخلفى للسيارة فى أمل وهي تدعوا فى سرها أن لا يكون مغلقا..وبالفعل فتح فى يدها لتحمد الله وتدرك أنه يساندها فيما تفعل..صعدت الى السيارة يتبعها فارس ثم اختبأت هي وصغيرها أسفل المقعد..لتغلق الباب بهدوء..وهى تنتظر انتهاء ذلك الضيف من اجتماعه مع عدنان وهارون ليذهب بسيارته من هنا ..لتهرب الى الأبد من هذا الجحيم الذى عاشت به لسنوات.

******************
ما ان رأت فتون نبيل يدلف من الباب حتى نهضت من مقعدها قائلة فى لهفة:
عملت ايه يانبيل؟

ابتسم نبيل قائلا:
طب قوليلى ازيك حتى.

قالت فتون بسرعة:
ازيك واخبارك..تمام..كويس..قوللى بقى عملت ايه؟

نظر اليها نبيل فى دهشة ثم ما لبث أن هز رأسه قائلا:
مفيش فايدة..فتون هتفضل فتون..خلاص ياستى..خلصت كل حاجة..حجزت ع أول طيارة نازلة مصر وحجزت الفندق اللى هننزل فيه..واتفقت مع شركتهم والميتنج بكرة بعد الضهر مع رئيس الشركة بنفسه..ياسين تاج الدين.

تنهدت فتون بعمق..ثم جلست فى مقعدها وقد التمعت عيناها الجميلتين بقسوة..ليجلس نبيل قبالتها وهو يقول بهدوء:
مالك..بتفكرى فى ايه؟

نظرت اليه فتون قائلة بهدوء:
مش قادرة أصدق انى خلاص هقابل اللى قتل أختى وأنتقملها منه..بس مش عارفة إزاى هقدر أخفى كرهى له واللى هيبان أكيد فى عينية وفى تصرفاتى.

أمسك نبيل بيدها قائلا:
فتون اللى أعرفها تقدر تعمل أى حاجة..ومفيش حاجة ممكن تقف قصادها عشان تحقق هدفها..ولاحتى مشاعرها.

نظرت فتون الى عيني نبيل لثوان لتهز رأسها وهى تبتسم قائلة:
معاك حق..مش ممكن حاجة هتوقفنى عن الانتقام لأختى..هخفى مشاعرى كويس..ومش هرتاح غير لما اخد تارى من اللى قتلها وحرمنى منها ولو هدفع حياتى تمن انتقامى مش هتردد ولو لثانية واحدة.

لتعود القسوة الى ملامحها الجميلة وقلبها القلق تغلفهم ببرودة ثلجية ..وصلت الى يدها الممسكة بيد نبيل لينتابه القلق فعلى الرغم من رغبته فى الانتقام والتى تماثل رغبة فتون الا أنه يخشى عليها من تلك الرغبة ..والتى قد تغرقها فى بحور الدم..ويخشى عليها أكثر من هذا القاتل الحر الطليق..والذى يدعى…..ياسين تاج الدين

*******************
كانت فتون جالسة على كرسيها تتأمل المكان من حولها..ذلك المكان الذى يحمل ذكريات طفولتها وشبابها..ذكرياتها مع أختها.. تلك التى ربما كانت تحمل بعض ملامحها ولكنها كانت تحمل العديد والعديد من سماتها..كروحها الطيبة وحب الخير للجميع إلى جانب الطموح والسعي للنجاح..ولكن كانت بينهما العديد من الاختلافات أيضا..مثل شخصية فتون القوية بينما تحمل ميسون شخصية رقيقة..و رفض فتون لأن تدخل فى أية علاقة تخص الرجال فقد رأت كم يستطيعون أن يكونوا بمنتهى الغباء ومنتهى الغدر أيضا بينما آمنت ميسون بأن هناك بعض الرجال الذين تستطيع أن تختار من بينهم من قد تستطيع منحه قلبها..لذا كانت تتنقل من علاقة لأخرى فاشلة ولكنها أبدا لم تيأس..لتنظر فتون حولها فى حزن تتساءل بصوت هامس مرير وكأنها تحادث روح أختها التى تشعر بها دائما حولها..قائلة:
ليه بس مقدرتيش تفهمى ان كل الرجالة غدارة ياميسون..ليه فضلتى تآمنى ليهم واحد ورا التانى..لغاية ما جالك اللى وراكى أد إيه ممكن يكونوا غدارين..لأول مرة فى حياتك ولآخر مرة..بس أوعدك زي ما غدر بيكى هغدر بيه ومش هسيبه غير وهو ميت..عشان أقدر آخد عزاكى وأقول إنى خدت بتارك وريحت قلبى وريحتك انتى كمان فى قبرك ياقلب أختك .

لترفع تلك الصورة فى يدها تتأملها لآخر مرة فى حقد قبل أن تمسك قداحة بجوارها وتشعل تلك الصورة بالنار..ثم تلقيها أمامها فى تلك المنفضة تراقب تحولها إلى رماد.

*******************
كان ياسين يتناول الطعام فى هدوء..تجاوره أخته دارين على يمينه بينما جدته على يساره..أنهى ياسين وجبته ثم امسك منديله ومسح فمه بهدوء وهو يرمق دارين وجدته اللتان تناولتا القليل من الطعام وتنظر كل منهما الآن للأخرى بقلق..قال ياسين فى هدوء:
هتتكلموا ولا أقوم أرتاح فى أوضتى أحسن؟

تبادلت الجدة مع دارين النظرات قبل أن تأخذ الجدة نفسا عميقا ثم تقول:
بصراحة ياياسين..أختك ملت من قعدة البيت واقترحت عليها تشتغل..وطبعا عشان مقلقش عليها قلتلها تشتغل معاك وأهى تبقى تحت عنيك..قلت إيه؟

نظر ياسين الى دارين قائلا:
انتى حابة تشتغلى بجد يادارين ولا عايزة تشغلى وقتك وخلاص؟

ابتلعت دارين ريقها قائلة:
لأ حابة طبعا أشتغل..واكيد هكون مبسوطة لو اشتغلت معاك يا ياسين.

رمقها ياسين متفحصا وهو يقول:
احنا الشغل عندنا مفيهوش هزار..ولا عشان انتى اختى هتتعاملى معاملة خاصة..هتقدرى تتحملى ضغط الشغل؟

أخذت دارين نفسا عميقا قبل أن تقول بثبات:
هقدر.

أومأ ياسين برأسه قائلا:
خلاص مفيش مشاكل..جهزى نفسك ومن الصبح هتنزلى معايا الشغل.

ابتسمت دارين فى فرحة وأسرعت بالنهوض لتقبل أخيها فى وجنته قائلة:
ربنا يخليك لية يا ياسين.

ابتسم ياسين فأسرعت دارين باتجاه حجرتها ليوقفها صوت ياسين قائلا:
رايحة فين ؟مش هتكملى أكلك؟

أرسلت له قبلة هوائية ثم قالت:
لأ شبعت ..هروح اجهز شوية حاجات عشان بكرة.

تابعها كل من الجدة وياسين بعيونهم..حتى اختفت ليلتفت ياسين الى الجدة قائلا:
انتى متأكدة ان فكرتك دى صح؟

ابتسمت الجدة قائلا:
أكيد متأكدة..بكرة تشوف انها لما هتشتغل هتنسى مروان خالص..غير انها لما هتشوفه وتعرفه من قريب هتكتشف انها محبتهوش أصلا وانه كان مجرد افتتان.

تنهد ياسين قائلا:
يارب ياتيتة يكون معاكى حق..والا كلنا هنضيع وأولنا دارين.

 

الفصل الثالث

اتجه مروان الى سيارته بخطوات واسعة يحمل داخله إبتسامة انتصار لم تظهر على ملامحه..لقد قام بالخطوة الأولى فى طريقه للانتقام ممن كانوا السبب فى عذابه..هؤلاء الذين كانوا السبب فى ابتعاده عن أبيه الحبيب..والذى توفي دون أن يراه ..ودون ان يخبره كم أحبه..سنوات يتعذب فى ذلك المعتقل الإجباري والذى فرض عليه ..لا يعلم السبب فى سجنه واعتقاله..يتخبط بين جنباته فقط..ولولا وجود ياسين معه.. لا يعلم كيف كان سيكمل أيامه فى ذلك المعتقل..نفض أفكاره التى أعادت اليه ذكريات مريرة وهو يفتح السيارة ويركبها ليقودها بسرعة خارجا من ذلك المكان المقيت الذى يشبه منزل الشيطان.. يضم بين جنباته الشيطان نفسه وأعوانه الكثر..حقا كم يكرههم ويكره تلك الحية التى ساعدت ذلك الشيطان عدنان على سجنه..ولكن مهلا..سينتقم منهم فردا فردا ..سيجعلهم يتمنون الموت..فقط عليه الصبر قليلا..لتحقيق انتقامه.

أفاق من أفكاره على ظهور قطة أمامه فحاول تفاديها بقوة ليعقد حاجبيه وهو يسمع تأوه ضعيف ..ليدرك أن هناك من يشاركه السيارة..ليوقف السيارة على جانب الطريق وهو يمد يده الى درج السيارة ليخرج سلاحه بهدوء ثم ترجل من السيارة بسرعة فاتحا الباب الخلفى وموجها سلاحه الى ذلك الدخيل..لتتسع عينيه بصدمة فهناك تحت المقعد الخلفى تقبع امرأة تضم طفل إليها بقوة وتنظر اليه برعب..امرأة يعرفها جيدا..يعشقها ويكرهها فى آن واحد..انها المرأة التى لم يحتل قلبه سواها، والذى أراد يوما أن ينزع قلبه من مكانه لأنه يرفض نسيانها..إنها الجميلة..الرقيقة….والمخادعة………………زينة.

****************

كانت فتون تجلس على مقعدها فى الطائرة المتجهة الى القاهرة يجاورها نبيل الذى أغمض عينيه يحاول أن يأخذ قسطا من النوم..أمسكت فتون هاتفها لتفتح ملف شخصى يحمل صور أختها الصغرى ميسون..تلمست الصور بحنان ..لقد افتقدتها حقا وافتقدت مزاحها وضحكاتها التى كانت تغمر كيانها بالسعادة..أغمضت عينيها ألما وهى تتذكر آخر مكالمة هاتفية بينهما..كم كانت سعيدة وهى تنتظر حبيبها الذى سيعرض عليها الزواج..وكم كانت ساذجة لأنها آمنت له..فقتلها..وأضاع روحها البريئة للأبد..لتفتح فتون عينيها وقد ارتسم فيهم التصميم..لقد اقسمت فى بيروت أنها ستقتله وها هي تجدد قسمها.. ان لم تستطع سجنه مدى الحياة..أو ان تجلب له حكما بالإعدام..ستقتله ..نعم ستقتله ولكن بعد ان تجعله يخسر أمواله وكل غال بحياته..لتمرر يدها على صورة أختها الحبيبة قائلة فى همس حزين :
ساعتها مش هيفرق معايا أموت او أعيش ياميسون..انتى كنتى كل حياتى..واللى عايشة بس عشانها..ورغم اننا مكناش اخوات شقايق..بس كنا زى التوأم..من يوم ما اتولدتى واحنا مفارقناش بعض..ولما ماما ماتت.. كنت ليكى أم وكنتى لية زي بنتى.. رغم فرق السن الصغير اللى بينا..ياريتك ما نزلتى شرم ..ياريتك ما شفتيه ياحبيبتى.

انتفضت على ربتة خفيفة على يدها لتنظر الى نبيل الذى فتح عينيه ينظر اليها متعاطفا ..مدت يدها الحرة لتمسح دموعها الخائنة، ليقول نبيل فى حزن:
كل شئ فى الدنيا قدر يافتون.. وقدرها كان انها تنزل شرم وتحبه وهو ميحبهاش..قدرها كان تموت على ايديه وقدرنا نتعذب وقلوبنا تبكى من حزننا عليها..بس قدره كمان انه يتعذب على ايدينا احنا..مش هنسيبه لحد ما يخسر كل حاجة فى حياته.

أومأت فتون برأسها وقد ارتسم فى عينيها التصميم..فأخاها نبيل لا يعلم نواياها تجاه هذا الياسين..نعم ستجعله يخسر كل شئ فى حياته ولكن ما لا يعرفه هو أنها ستجعله يخسر حياته نفسها..فقط على ياسين أن ينتظر مصيره القاتم.. فهى قادمة اليه….. وبقوة.

*******************
أفاق مروان من صدمته بسرعة قائلا فى غضب:
ممكن أعرف بتعملى ايه فى عربيتى ؟

ثم أشار الى فارس قائلا:
ومين ده؟

ضمت زينة الطفل اليها أكثر وهى تقول متلعثمة:
أنا…أنا….

قال مروان فى حدة:
انتى ايه؟ما تنطقى؟

افاقت زينة من صدمتها وارتباكها لإدراكها أن صاحب السيارة وضيف عدنان هو مروان ..ذلك الذى تخلى عنها قديما وتركها تعانى ..لم يهتم بمصيرها أبدا لتبيعها زوجة أبيه الى ذلك الشيطان عدنان.. وتذوق هي العذاب سنوات طوال..وفوق كل هذا يقف الآن بكل قسوة وجبروت يصرخ بها ويتساءل عنها وعن طفلها فارس..لتنظر الى فارس برعب تدرك الموقف الشائك والذى وجدت نفسها فيه..عليها أن تبتعد الآن عن فارس حتى لا يسمع ما سوف يقال ..ستتحدث مع مروان بكل هدوء..ستجبر نفسها على البرود حتى تحتفظ بحياتها وحياة طفلها ثم تبتعد وبكل قوة عن مروان..مروان ..أول من دق القلب له ….أول وآخر حبيب ..هو من علمها الحب ومن جعلها تنفر منه.

تحولت ملامحها الى البرود قائلة :
بعد اذنك نتكلم بعيد عن ابنى.

أحس مروان بغصة فى قلبه..وظهر على ملامحه الألم..اذا هذا الطفل هو ابنها..كان لابد وأن يعلم ذلك.. فملامح الطفل تشبه كثيرا ملامحها الجميلة..يحمل نفس عيونها الرمادية الخلابة..تساءل فى مرارة ..هل تزوجت وأنجبت وعاشت حياة سعيدة بينما كان هو يتعذب بين جدران سجنه؟

لم ترى زينة ملامح الألم المرتسمة على وجه مروان وهى تلتفت الى صغيرها لتتبدل ملامحها من البرود الى الحنان قائلة:
حبيبى انا هتكلم مع عمو كلمتين..خليك قاعد مكانك ومتخرجش من العربية..اتفقنا؟

نقل فارس نظراته القلقة ما بين مروان الذى أخفى ملامح الالم سريعا، وبين والدته ليقول بلهجة بدت اكبر من سنوات عمره الخمس:
هتبقى كويسة؟

رغما عنه أحس مروان بالاعجاب بذلك الصبى ..والذى يخشى على والدته منه ..بالتأكيد شعر بالتوتر وذبذبات الكره التى ملأت المكان..ليرى مشهدا أشعره بالألم فى كل كيانه وزينة تميل تقبل الصغير بحنان قائلة:
طول ما انت معايا هبقى كويسة ياحبيبى.

أخفى مروان مشاعره تحت قناع من الجمود وهو يراها تخرج من السيارة وتغلقها لتمر بجواره تكاد تلامسه ليدق قلبه بقوة وخصلات شعرها الحريرية تلامس وجهه تذكره بأيام كان يقضى فيها الكثير من الوقت يمرر اصابعه بين تلك الخصلات..لينفض أفكاره بقوة وهو يتبعها حتى توقفت على بعد مسافة من السيارة والتفتت اليه قائلة فى برود:
كنت بتسألنى عن سبب وجودى فى عربيتك..مش كدة؟

نظر اليها فى جمود فاستطردت قائلة:
لو كنت اعرف انها عربيتك أكيد مكنتش هركب فيها..انا أهون علية أعيش جوة جحر الشيطان ومكونش قريبة منك ولازم تعرف ان أسوأ يوم عندى هو النهاردة لإنى شفتك فيه من تانى.

لم يظهر على ملامح مروان أى تأثر بكلماتها..فقط اختلاجة بسيطة فى فكه ..وقبضة يده التى ضمها فى قوة قبل أن يقول:
الشعور متبادل على فكرة..بعد ما افتكرت ان النهاردة من أسعد ايام حياتى..شفتك وانقلب اليوم غم..بس برده عايز أعرف حضرتك بتعملى إيه فى عربيتى؟

نظرت فتون اليه تشعر بمرارة شديدة فى قلبها ..لتقول بصوت ظهرت فيه تلك المرارة رغما عنها:
كنت هربانة ..ارتحت؟

عقد مروان حاجبيه قائلا بصرامة :
هربانة؟من مين؟وليه؟

ابتسمت فى سخرية مريرة وهى تقول :
ويهمك فى إيه تعرف؟..احنا كل حاجة انتهت بينا من زمان..انت دلوقتى ليك حياتك وانا كمان لية حياتى..فخلى كل واحد فينا فى حياته اللى اكيد هيعيشها بعيد عن التانى.

مال مروان عليها ينظر الى عمق عينيها ببرود قائلا:
لو فاكرة ان حياتك تهمنى أو يهمنى أعرف حاجة عنها فتبقى غلطانة..كل الموضوع انى لقيتك فى عربيتى وده بيحتم علية انى لازم أعرف السبب قبل ما ارميكى براها.

أغمضت فتون عينيها لثوان وهى تشعر بأنفاسه الساخنة تلفحها على وجهها تثير فى قلبها رجفة ..تشعر بالشوق إليه خاصة وهو يقترب منها هكذا لتفتح عينيها وهى تبتعد خطوة..تبا لقد آلمها كثيرا ..ومازالت تشتاق اليه ..مازال يؤلمها بكلماته القاسية ومازالت ترغبه..أى جنون هذا؟..يجب أن تؤلمه مثلما يؤلمها ..يجب ان يبتعد عنها للأبد لذا قالت بهدوء:
كنت هربانة من عدنان..

تراجع مروان بدوره وهو يعقد حاجبيه بشدة قائلا:
عدنان؟؟

قالت زينة ببرود يخفى ألم قلبها:
أيوة عدنان..اللى عشت فى بيته المدة اللى فاتت دى كلها..يبيع ويشترى فية زى كل اللى البنات اللى شغالين معاه.

أغمض مروان عينيه وهو يدرك ما كانت تفعله فى منزل عدنان..وما أصبحت عليه زينة..المرأة الوحيدة التى أحبها.
فتح عينيه على كلماتها التى أدمت قلبه وهى تستطرد قائلة:
كنت كل يوم مع واحد ..غصب عنى ومش بإرادتى ..حاولت كتير اهرب..بس كانوا كل مرة بيمسكونى ويعذبونى بطريقتهم..طريقة متسيبش علامات فى جسمى ..طبعا..ما انا جسمى عندهم يساوى فلوس ..لغاية ما عرفت النهاردة انك ضيف مهم ولقيتهم خايفين منك..قلت مش هيفتشوا عربيتك وانت خارج..ركبت فيها وفعلا ده اللى حصل..مافتشوش العربية .. واخيرا وبعد سنين قدرت أخرج من الجحيم اللى كنت عايشة فيه.

غامت عيون مروان بنظرة سوداوية..تحمل عذابا يفوق الاحتمال وهو يتخيل زينة ..تخضع لكل هؤلاء الرجال الذين ذكرتهم ..يلمسونها ..ويقتربون منها بحميمية ليعطيها ظهره يخفى ألما انتشر بملامحه وأضعفها..يود لو قتل كل هؤلاء الرجال ثم قتلها لاستسلامها لهم..ليعود ويلتفت اليها يرمقها بغضب حارق وهو يمسك يدها بقوة قائلا فى حدة:
وايه اللى خلاكى تروحى لعدنان أصلا..مين اللى عرفك بيه..وايه اللى خلاكى تبقى بالشكل ده؟

ليتركها ناظرا اليها باشمئزاز وهو يشير إليها قائلا:
واحدة رخيصة بتبيع نفسها للى يدفع.

ابتسمت فى سخرية مريرة وترقرقت عينيها بالدموع وهى تقول:
النصيب يا مروان باشا..ما أنا بعت نفسى زمان وبالرخيص برده..مش هتفرق بقى.

عادت ملامح مروان يغمرها البرود وهو يتجاهل تأثير دموعها على قلبه.. ليقول بنبرات باردة تخفى المه:
وابنك ده يبقى ابن مين؟

أحست زينة بالخطر لتسرع قائلة بوقاحة:
وهعرف منين؟قلتلك كل يوم كنت مع واحد..إنت نسيت ولا إيه؟

قبض مروان على يديه بقوة كى لا يصفعها على وقاحتها..يتمنى من كل قلبه نعمة النسيان..تساءل فى صدمة..كيف أحب تلك المرأة وكيف لم يرى حقيقتها من قبل؟ تمالك نفسه..ليقول ببرود صقيعى:
من معرفتى بعدنان أقدر أقولك انه مش هيسيبك وانه اكيد وفى خلال يومين بالكتير هيلاقيكى..وهتاخدى جزاءك واللى تستاهله واحدة قذرة زيك..ومش بعيد يقتلوا ابنك معاكى وده اللى مستحيل ضميرى يسمح بيه..عشان كدة ..أنا هسيبك لقدرك، بس هاخد ابنك عشان يكون تحت حمايتى..اعتبرى حمايتى ليه مقابل الأيام اللى قضيتها معاكى زمان ..واعذرينى لو المقابل كان متأخر.. ما أنا مكنتش اعرف إنك هتاخديها مهنة تكسبى من وراها.

اصاب زينة الهلع ..لم تهتم بكلماته الجارحة ..فقط كل ما أدركته انه يريد إبعاد طفلها عنها..لقد تحملت كل ألوان العذاب من أجله فقط ليأتى بكل بساطة يريد إبعاده عنها..وهي تدرك أنه قادر على تنفيذ كلماته..فمن هي لكي تقف بوجهه؟سيسحقها بالتأكيد بماله ونفوذه..وسيبعدها فى النهاية عن طفلها..ابدا لن تسمح بذلك..حتى لو تذللت وداست على كرامتها وقلبها..لتقول له بتوسل:
أرجوك ..أتوسل اليك..بلاش تبعده عنى ..انا ممكن أعمل أى حاجة بس ابنى ما يبعدش عنى..خلينى جنبه ولو هشتغل خدامة عندك..أبوس ايدك خلينى جنبه.

وقرنت قولها بامساك احدى يديه وتقبيلها لينفض يده بعيدا عنها.. فهو لايطيق الآن تلك اللمسة ولا يستطيع تحملها..ولكن كلماتها الصادقة المتوسلة ودموعها استطاعوا أن يؤثروا فيه ..وجد نفسه متعاطفا مع أمومتها رغما عنه ليقول ببرود:
خلاص هاخدك معاه بس هتقعدى باحترامك وهتكونى خدامة ليه.. ولو غلطتى غلطة واحدة أو حاولتى تهربى بيه ..هتشوفى منى اللى عمرك ما شفتيه ..ولا حتى من عدنان ذات نفسه..مفهوم؟

أومأت برأسها وهى تمسح دموعها وأنفها بكمها كالأطفال..ليشعر مروان بقلبه يرق لها..يود لو اخذها الآن بين ضلوعه ليحتويها داخل طيات صدره..يمسح دموعها بشفتيه كما كان يفعل بالماضى..ولكن تخليها عنه منذ سنوات وكلماتها الآن والتى ترددت فى أذنيه..أخبرته أن عليه أن ينساها فلم يعد بامكانه الثقة بها ولم تعد تخصه وحده بل استباحها رجالا آخرون..عند تلك النقطة استشاط غضبا..الى جانب حيرة تملكته..لا يدرى كيف يريد أن ينساها وهو يحضرها بنفسه الى منزله؟ ليطمئن قلبه بأنه لن يراها كثيرا فهو غالبا ما يقضى وقته بمكتبه..إلى جانب افعالها التى غلفت قلبه الممزق بجدارا ثلجيا ليتقدمها الى السيارة تتبعه بخطوات منكسرة..تعلم أنها تخطوا الى المجهول ولكنه مهما كان سيكون أفضل مما كانت فيه وسيكون عليها فقط الانتظار حتى تحصل على الأمان ثم تبتعد نهائيا عن كل خطر يحيط بها..خاصة ذلك الخطر الذى يحيطها بقرب هذا الحبيب الخائن..مروان فياض.

 

الفصل الرابع

دلف هارون الى حجرة المكتب الخاصة بعدنان ليقول عدنان على الفور:
عملت ايه؟

قال هارون:
كل شئ تمام..مروان مطلعش سهل ابدا..دماغ شياطين.

زفر عدنان قائلا:
طمنتنى ..أنا كنت لآخر لحظة مقلق منه وحاسس بالغدر..كدة بقى أقدر أدخل معاه الصفقة وأنا مطمن.

ثم مالبث ان انتابه القلق وهو يرى ملامح هارون التى تخبره بأن هناك خطبا ما ليقول بتوجس:
فيه ايه ياهارون ..اتكلم؟

قال هارون بتردد:
البت اللى اسمها زينة دى.

وصمت ليستحثه عدنان قائلا :
مالها؟؟ ..منشفة راسها ومش راضية تروح زي كل مرة..

ليشير بيده بلا مبالاة قائلا:
بسيطة..هددوها بابنها.

هز هارون رأسه نفيا وهو يقول فى تردد :
مش هينفع..لإنها..لإنها هربت من البيت.

وقف عدنان وضرب المكتب بقبضته قائلا فى غضب:
انت بتقول ايه؟ازاى هربت ؟والحراس الحمير دول كانوا فين؟

قال هارون:
الحراس كان كل تركيزهم مع مروان فياض.. واكيد هى استغلت الوضع النهاردة وهربت.

قال عدنان فى غضب:
أغبيا…الحراس يتغيروا والبت دى تلاقيهالى ياهارون..مش عدنان المسيرى اللى بت زى دى تغفله وتهرب من بيته..مفهوم؟

اومأ هارون برأسه..ليتجه بعدها للخارج فى صمت يتابعه عدنان بعينين امتلأتا شرا لتليق ملامحه حقا باسمه والذى عرف به ..ملامح الشيطان.

********************
تأملت زينة حجرتها والتى منحها اياها مروان هي وصغيرها ثم ذهب بسرعة البرق دون كلمة ..كانت الحجرة صغيرة ولكنها رقيقة التصميم ودافئة ..أفضل بكثير من حجرتها فى جحر الشيطان عدنان..والتى كانت رطبة وباردة ..ولطالما سببت لها ولطفلها نزلات البرد..ضمت جسدها بيديها وهى تتذكر تلك الليالى التى كانت تضم فيها طفلها إليها بشدة وتدلك جسده بقوة كى تمنحه دفئا..الآن هو ينعم بالدفئ داخل تلك الحجرة الجميلة ..نظرت الى ملامحه النائمة بحنان واقتربت منه تجلس بجواره على السرير تمرر يدها فى خصلات شعره السوداء الناعمة..تتساءل حقا..هل استطاعت الهروب به من هذا الجحيم ؟وهل ستنعم يوما بالأمان؟فرغم هروبها لن تستطيع ان تقول أنها بأمان الآن..لا ليس بعد..لن تحصل على الأمان كاملا سوى بابتعادها عن مروان..فهو خطر كبير عليها..ربما أخطر من عدنان وهارون..فهى معهم تخاطر بالكثير ولكن مع مروان تخاطر بأغلى وأهم ما لديها ..ابنها ….وقلبها

ذلك القلب الخائن والذى مازال متعلقا به رغم تخليه عنها بالماضى..نهضت تقترب من النافذة لتفتحها وتأخذ نفسا عميقا..تتذكر ذلك الماضى البعيد حين كانت تلك الجميلة البريئة ..فبعد وفاة والدتها وطردها من منزلها لتأخرها فى دفع الإيجار أشفق عليها عم سالم البواب وقد كان جارهم بالسكن..و أحضرها الى عائلة فياض لتعمل عندهم كخادمة ..من اول يوم لها تعلق قلبها الغض بابن العائلة الوحيد..ذلك الشاب الوسيم القوى..و الحنون..لاحظت منه أيضا اعجابا متبادلا يظهر فى نظراته اليها..وتعاطفه معها ضد تصرفات زوجة أبيه القاسية تجاهها..ورغم الفرق الشاسع بينهما إلا ان ذلك الحب ولد بينهما ونما فى قلبيهما ..تظهر شراراته المشتعلة كلما اقتربا من بعضهما البعض..حتى كان ذلك اليوم الذى تشاجر فيه مع أبيه بسبب تصرفات زوجة أبيه الشريرة..ليخرج من المنزل غاضبا ويتأخر فى العودة..انتظرته زينة كثيرا وقد انتابها القلق عليه..ليعود مترنحا..يبدوا على غير عادته ..لتوقن انه أسرف بالشرب..أسرعت اليه تسنده ليبتسم لها ابتسامة أشعلت قلبها عشقا..فبادلته ابتسامته..كاد ان يتحدث لتشير له بالصمت حتى لا يوقظ احدا .. وصلا الى حجرة مروان لتضعه برفق على سريره ثم خلعت عنه حذائه و دثرته بحنان لتجده يمسك بذراعها يجبرها على الاستلقاء بجواره يخبرها بمكنون قلبه وعشق قاومه وأخفاه كثيرا ..لم تصدق أذنيها وهى تستمع الى كلمات لطالما انتظرتها..لتفيق على قبلاته المتناثرة على عنقها يقول مابين القبلة والقبلة كلمات عشق سحرتها..حاولت المقاومة ولكنها فى النهاية استسلمت لقبلته التى أعجزتها عن الكلام تماما تلاها العديد من القبلات التى غيبت عقلها وسحرت قلبها لتستسلم لعشق اجتاحها..وعندما أفاقت من ثورة مشاعرهم القوية..بكيت بشدة ليضمها اليه بندم على مافعله وهو تحت تأثير الشراب.. يخبرها بأنه سيتزوجها ..وبالفعل فى اليوم التالى..تزوجها ولكن عرفيا مخبرا إياها أنها مسألة وقت يمهد فيه لأباه رغبته بالزواج بها..بعيدا عن تلك العقربة سوزى..زوجة ابيه التى ستعارض ذلك الزواج وبشدة..كانت كل ليلة بعد نوم الجميع تتسلل الى حجرته لتقضى معه ليلة من العشق يحملها فيها مروان الى السماء لتعود بعد ذلك الى أرض الواقع..تعمل كخادمة لديهم..تنتظر اليوم الذى يخبر فيه مروان أباه بقصتهما لتكلل قصتهما بتلك النهاية السعيدة ويخرج زواجهما من الظلمات الى النور..كم كانت واهمة..فبين ليلة وضحاها اختفى مروان..علمت انه تشاجر مع والده مجددا وسافر للخارج دون وداع..دون كلمة..تركها لمصير مجهول..فوجدت نفسها فجأة تباع الى ذلك العدنان..تذوق العذاب كل يوم فى بيته..تباع كل فترة لرجل لليلة واحدة..وكأنها فتاة من فتيات الشوارع..وكل ذنبها أنها قد وقعت بالحب ..وياليتها لم تقع بالحب..بل ياليتها ما جاءت الى منزل عائلة فياض وياليتها لم ترى مروان ولم تعرفه مطلقا.

مدت يدها تمسح دموعها الخائنة المتساقطة على وجهها..ليبدو التصميم على عينيها وهى تقسم ان تكون تلك آخر دموعها ..فستكون قوية..قادرة على تخطى كل شئ..ليس من أجلها..بل من اجل الشئ الوحيد الذى عاشت من أجله.. طفلها الحبيب….فارس.

******************

قاد مروان سيارته بسرعة بإتجاه ذلك المطعم الذى اتفق فيه مع ياسين على اللقاء..تفادى سيارة كاد أن يصدمها بصعوبة..ليتجه بسيارته إلى جانب الطريق ويوقفها ..يحل رباط عنقه وهو يتنفس بصعوبة..ليفتح الزر الأول لقميصه ويأخذ نفسا عميقا..يدرك أن سر ضيقه وألم صدره هو إلتقائه مجددا بمن كانت السبب الأول فى تحوله إلى ذلك المروان الذى بات لا يعرفه..كم كان بالماضى طيب القلب..يؤمن بالحب..محبا للحياة.. وكم كان مخدوعا بها..أحبها منذ أن رآها لأول مرة وهي تحضر إليه فنجال القهوة ..وقع فى سحر نظرة عيونها الجميلة وملامحها البريئة..أحبها بكل ذرة فى كيانه..أرادها فى حياته وبقوة..منحها قلبه وعقله وروحه..لتأخذهم جميعا وتضرب بهم عرض الحائط..تتخلى عنه فى أول مشكلة مرت به..وتلجأ لغيره فأصبح لها بديلا عنه..ليفقد هو الثقة بالحب ..بالمشاعر..وبالنساء..ليظل كيانا هائما ليس له هدف فى الحياة سوى الانتقام..الانتقام فحسب ..رفع يده يضعه على قلبه الموجوع قائلا بألم:
أصبر ياقلبى..استحمل معايا شوية لغاية ماننتقم منهم كلهم..متتخلاش انت كمان عنى زي ما اتخلت هي عنى زمان..وأوعدك هاخد حقك..هاخد حقك من كل اللى ظلمك وجه عليك..وقريب أوى هترتاح..ترتاح للأبد.

لترتسم القسوة على ملامحه وهو يعيد تشغيل سيارته متجها إلى ياسين..صديقه الوحيد.

*******************

قال ياسين فى حدة:
انت بتقول ايه يامروان؟ازاى تعمل كدة؟

هز مروان رأسه وهو يمرر يده فى رأسه بيأس:
مقدرتش أعمل غير كدة.

ثم نظر الى عين ياسين قائلا:
لما شفتها من تانى صحت جوايا أحاسيس كتير افتكرتها ماتت..كنت فاكر انى مفيش غير الكره ليها فى قلبى..بس طلعت غلطان..جوايا متلخبط أوى ياياسين..مش عارف انا لسة بحبها ولا خلاص كرهتها ولا اللى جوايا ذكرياتى معاها..انت متعرفش انا كنت بحبها اد ايه..دى كانت روحى ياياسين..البنت الوحيدة اللى قدرت تدخل قلبى وتملكه..

ليزفر وهو يمرر يده فى شعره قائلا:
بص..أنا فعلا متلخبط ومش عارف جوايا ايه..بس كل اللى اعرفه دلوقتى هو إن بالرغم من انى مش ممكن هثق فيها تانى ولا هي بقت تنفع تكون لية ..لكنى مش هقدر أتخلى عنها زي ما هي اتخلت عنى زمان ..ومش هقدر أسيبها لعدنان يشغلها عنده تانى وانت عارف هو بيشغل البنات إزاي وفى إيه..حتى لو هي مش لية بس مش هقدر أتخيل إنها مع حد تانى ..كفاية انى بموت من ساعة ما عرفت هي كانت عايشة فين وبتعمل ايه..ومش هقدر برده اشوفه بيموتها..أو بيموت إبنها..مش هقدر.

ليبتسم قائلا فى سخرية مريرة:
تعرف ..ابنها ده ياما حلمت إنه يكون منى أنا..طفلى انا ..حتة منى ومنها..بس خلاص مبقاش ينفع.

أخرج مروان سيجارة من علبة سجائر ياسين واشعلها بقداحته ليأخذ منها نفسا عميقا ثم ينفثه ليسعل بقوة فأخذها منه ياسين وهو يطفئها فى منفضة السجائر أمامه مناولا إياه كوبا من الماء.. قائلا بعتاب:
احنا مش قايلين بلاش سجاير عشان صحتك.

تناول مروان جرعة ماء ثم قال فى مرارة:
غصب عنى ياياسين..جوايا مرارة محدش عارف أد إيه قاتلانى..انت لو شفته هتعذرنى..لو شفت أد ايه جميل.. ورغم سنه الصغير لكن جواه قوة غريبة مست قلبى.

أغمض ياسين عينيه ثم فتحهما قائلا:
كلامك كله قالقنى يامروان..إنت بتلعب بالنار وأنا خايف عليك تحرقك.

تراجع مروان بظهره الى مقعده وهو قائلا:
عارف بس مش قادر أخلينى بعيد.

ليزفر قائلا:
وعموما احنا كلنا بنلعب بالنار ياياسين بس أهم حاجة ناخد بالنا.

أومأ ياسين برأسه قائلا:
معاك حق..أهم حاجة ناخد بالنا.

ثم نظر اليه قائلا باستفهام:
صحيح مقولتليش عملت ايه النهاردة عند عدنان؟

قال مروان وقد قست عيناه لتزداد قتامة:
بلع الطعم وصدق إنى رايحله بالخير ..ميعرفش انى دقيت النهاردة اول مسمار فى نعشه..وإن نهايته قربت..قربت أوى يا ياسين.

زفر ياسين بارتياح قائلا:
طمنتنى ..كدة الخطوة الأولى تمام..إيه هي بقى خطوتنا الجاية؟

مال مروان الى الأمام مقتربا من ياسين قائلا:
هقولك ياياسين..هقولك.

 

الفصل الخامس

وقفت فتون تتطلع بعيون قاتمة الى مبنى تلك الشركة الذى يضم بين جنباته ألد أعدائها..قاتل أختها والسبب فى حرمانها منها..ياسين تاج الدين.
التفتت الى نبيل الذى وقف الى جوارها يتطلع بدوره الى مبنى الشركة لتقول بهدوء وهى تخلع نظارتها الشمسية والتى تخفى عيونها الجميلة:
خلاص يانبيل ..مبقاش فيه رجوع ..من وقت دخولنا الشركة خطتنا هتبدأ..أنا عارفة ان الخطر فيها كبير على حياتنا بس انا هكمل فيها للآخر..مش هتراجع ولو كان فيها موتى….معايا؟؟

التفت نبيل اليها وهو يبتسم غامزا لها بعينيه وهو يقول:
معاكى طبعا.

ابتسمت بدورها قائلة:
يبقى يلا بينا.

اومأ برأسه فتقدمته يتبعها بهدوء حتى دلفا الى الشركة ووصلا الى الاستعلامات يتساءلان عن مكتب رئيس الشركة لتخبرهم موظفة الاستعلامات أن مكتبه يقع بالدور الثانى،واصلا طريقهما تتابعهما بعض الأعين الفضولية مأخوذين بجمال هذا الثنائى..يظن أكثرهم أنهما على علاقة فيحسدهم البعض ويحقد عليهم البعض الآخر.. تلاحظ فتون تلك النظرات التى اعتادتها فتتجاهلها وهى تركز عيونها على ذلك المصعد الذى وصلت إليه..تشير علامته الحمراء أنه فى طريقه للنزول اليهم ليقول نبيل فجأة وهو يضرب رأسه بخفة:
نسيت اوراق الصفقة فى العربية.

قالت فتون بعصبية:
ودى حاجة تتنسى برده؟..ركز يانبيل والا هنروح فى داهية.

قال نبيل:
متقلقيش..ثوانى وأجيبهم ..اطلعى انتى واستنينى عند سكرتيرته ..مش هتأخر.

أومأت برأسها بينما ابتعد نبيل متجها الى خارج المبنى لاحضار الأوراق من السيارة..فتح باب المصعد ليظهر بعض موظفى الشركة الذين خرجوا منه بينما دلفت فتون وضغطت زر الطابق الثانى ليغلق الباب ويرتفع المصعد ثم يتوقف عند الدور المطلوب ويفتح الباب..أخذت فتون نفسا عميقا ثم اسرعت بالخروج قبل ان يغلق مجددا واتجهت بخطوات بطيئة الى حجرة كتب عليها بالخط العريض..مكتب رئيس مجلس الإدارة..طرقت الباب وما ان استمعت الى صوت أنثوى يسمح لها بالدخول حتى دلفت الى الحجرة فوجدت فتاة حسناء استقبلتها بابتسامة باردة لم تصل إلى عينيها وهى تتأملها قائلة بنبرة رغما عنها خرجت حادة بعض الشئ:
أفندم..أى خدمة؟؟

نظرت اليها فتون تتأملها بدورها تتساءل عن سبب تلك الشرارات غير المرحبة والتى تتناثر منها..ترى هل عرف ياسين من هي وما السبب وراء حضورها إليه؟شعرت بالقلق وبالأفكار تجتاحها ولكنها ما لبثت أن نحت أفكارها جانبا وهي تقول فى برود يخفى اضطرابا شديدا بقلبها :
عندى ميعاد مع أستاذ ياسين..أنا إسمى فتون..فتون سلطان.

*******************
كان نبيل يسرع بالخروج من المصعد حين ارتطم بفتاة تحمل أوراقا بيديها تناثرت على الفور نتيجة تصادمهما مع بعضهما البعض ..أسرعت الفتاة بالانحناء لتلملم أوراقها وأسرع بدوره يساعدها فتلامست ايديهم وهم يمسكون بنفس الورقة لترفع الفتاة عينيها اليه فى نفس اللحظة التى رفع فيها عينيه بدوره إليها ليتوقف الزمن للحظة.. وهو يتأمل تلك العيون العسلية الرقيقة الجذابة ..ظلا هكذا لثوان يغرق كل منهما فى عينى الآخر حتى قطعت الفتاة تلك اللحظة السحرية وهى تطرق برأسها تلملم باقى الأوراق وقد تخضبت وجنتاها خجلا ليتنحنح نبيل وهو يمنحها آخر الأوراق لتتمتم بكلمة شكرا ثم تنهض مسرعة وهي تختفى من أمامه نهض وهو يتابعها بعينيه ..ماتزال كلمتها الرقيقة ترن فى أذنيه..تمنحه شعورا غريبا بالسعادة..ضرب رأسه بخفة فلم يسألها حتى عن اسمها ولم تمنحه الفرصة ليفعل..ترى من تكون؟ وماعملها فى تلك الشركة؟
..نفض افكاره وهو يلتفت.. يسرع بخطواته متجها الى مكتب ياسين فلم يحضر الى هنا كي يعجب باحداهن بل جاء لينتقم ..لذا عليه أن يركز فى سبب مجيئه فقط وأن يدع كل ما قد يشغله عن تحقيق انتقامه جانبا.

*******************

استيقظت زينة تشعر بالفراغ من حولها، فتحت عينيها والتفتت جانبها لتلاحظ إختفاء طفلها ..انتفضت على الفور جالسة تتساءل الى أين ذهب ؟
نهضت من سريرها بسرعة تتوجه الى الحمام فربما يكون بداخله ..بحثت عنه فلم تجده..لتخرج بسرعة وتتوقف للخظة حين تناهى الى مسامعها صوت ضحكاته الآتية من الخارج..توجهت على الفور الى الشرفة لتتجمد مكانها وهى تنظر الى ذلك المشهد ..فهناك فى حمام السباحة المواجه لشرفة حجرتها.. يقف مروان فى تلك المنطقة الخاصة بالأطفال بقامته الفارهة ..لايرتدى سوى شورتا للسباحة لتظهر عضلاته البارزة جلية لعينيها بينما يحمل فارس فوق كتفيه ويتجه به الى تلك المنطقة العميقة من حمام السباحة ليختفى جسده تدريجيا داخله تنطلق ضحكات طفلها بينما يشعر بقدميه تغوص فى المياه،أصابها الهلع ..فطفلها لم ينزل الى المياه مطلقا من قبل..ورغم تلك الغصة التى أصابتها عندما رأتهما سويا.. الا أن مايسيطر على تفكيرها الآن هو الخوف الشديد على فارس.. رغم وجود مروان الى جواره وهى تعلم جيدا أنه بارع بالسباحة الا ان ذلك لم يمنع او يقلل من شعورها الغريزى بالخوف على طفلها وحمايته من أي شئ قد يؤذيه لذا اسرعت دون تفكير الى مغادرة الحجرة والتوجه الى حمام السباحة حتى وصلت اليه لاهثة لتصرخ قائلة فى هلع من بين أنفاسها المتقطعة:
فارس..تعالى..هنا..اطلع يافارس.. عشان خاطرى.

ما إن سمع مروان صراخها حتى اتجه صوبها وهو مازال يحمل فارس الذى نظر الى والدته بوجل..صعد مروان بهدوء اليها يتأمل مظهرها ببرود..فقد كانت تلبس قميصا قطنيا قصيرا ذو حمالات رفيعة يرتسم عليه رسمة كرتونية لملكة الثلج..بطلة ذلك الفيلم الكرتوني الشهير ، ورغم بساطة التصميم الا انه حدد معالم جسدها بوضوح وجعلها مثيرة الى حد جعل أنفاسه تتسارع وقلبه يتخبط داخل صدره،ألقى نظرة سريعة لمحيطه يتأكد من خلو المكان من أي مخلوق قد يراها..ورغم خصوصية المكان داخل الفيلا الا أنه تأكد بنفسه من خلو المكان بعينيه قبل أن يقترب منها ..وما ان أصبح أمامها حتى أسرعت تحمل منه فارس تضمه الى صدرها وكأنه جزء ثان منها تغمض عينيها بشدة ودموعها تتساقط بغزارة..بينما يربت فارس على ظهرها..شعر مروان بقلبه يتمزق ألما وهو يدرك ان تلك المرأة التى ظن أنها عديمة المشاعر وأنها بلا قلب يستطيع ان يحب ويمنح الحب بالمقابل..تعشق ذلك الطفل القابع فى حضنها..ربما بداخلها قلب ينبض رغم كل شئ ..هو فقط لم يستطع النبض بحبه..استمع الى فارس يقول ببراءة طفل صغير:
متعيطيش ياماما ..عشان خاطرى..احنا مش خلاص مشينا من البيت الوحش التانى اللى كنتى بتعيطى فيه كل يوم..وجينا هنا ..بتعيطى ليه بس دلوقتى؟

ليأخذ نفسا قبل أن يستطرد قائلا:
..وبعدين أنا قلتلك قبل كدة انى مبحبش أشوفك بتعيطى وانتى وعدتينى متعيطيش تانى.

عقد مروان حاجبيه من كلمات فارس التى جعلته يدرك انها كانت تبكى كثيرا..تساءل عن السبب..هل هو الندم بعد استسلامها لهؤلاء الرجال؟ أم أن هناك شيئا آخر أسوأ من ذلك جعلها تبكى كل ليلة كما قال الصبي؟حقا لم يعد يدرى فيم يفكر ؟وما الذى فعله بنفسه باحضارها الى بيته لتظل أمامه دائما تذكره بما كان بينهما ..والذى أضاعته بغدرها وبكل ما فعلته فى غيابه والذى ما ان يفكر فيه حتى تثور الدماء فى عروقه وتتولد لديه رغبة واحدة..القتل.

أفاق على صوتها وهى تبتعد عن فارس تتمسك به باحدى يديها بينما تمسح باليد الأخرى دموعها قائلة فى عتاب:
انت كمان وعدتنى متروحش فى حتة غير لما تقولى ..انت مش عارف انى بخاف عليك يافارس؟

قال فارس:
أنا صحيت ولقيتك نايمة قلت أخرج برة شوية أشوف المكان .

ثم نظر الى مروان قائلا فى تردد:
لقيت آنكل مروان هنا بيعوم.

نظر الى والدته مجددا وهو يستطرد قائلا:
ولما سألنى بعرف اعوم ولا لأ..قلتله لأ..فقاللى تعالى هعلمك..وافقت..مكنتش أعرف انك هتضايقى كدة.

أدركت فجأة وجود مروان لتنهض وهى تسترق النظرات الى مروان الواقف بجوارها يتابع ما يحدث فى صمت لتقول لطفلها بارتباك:
أنا مش متضايقة ياحبيبى..انا بس كنت خايفة عليك.

استمعت الى مروان الذى خرج عن صمته قائلا فى سخرية:
تخافى عليه وهو معايا؟..انتى نسيتى إنى بعوم كويس؟

نظرت الى عينيه لأول مرة لتنتابها رجفة فى قلبها عند التقاء نظراتهم..لتسرع باطراق رأسها مجددا بارتباك قائلة:
منستش بس ده ابنى اللى مش ممكن هطمن عليه غير معايا أنا وبس.

لترفع نظرها اليه فى تلك اللحظة وهى تقول بتصميم:
ومش ممكن هطمن عليه مع أي حد تانى..وخصوصا معاك انت.

مال ينظر الى عمق عينيها يقول بأنفاس باردة كلهجته الساخرة تماما:
تصدقى ان ده احساسى انا كمان بالظبط..من اول لحظة شوفته فيها وانا حاسس انى لازم أحميه وانى مش هآمن عليه غير معايا أنا وبس..وانتى بالذات مقدرش أثق فيكى عشان تحمى نفسك..مابالك بقى بطفل صغير زي ده؟

ليقترب من أذنها هامسا كي لا يسمعه فارس وهو يقول:
لو علية هرميكى فى الشارع لكلاب السكك يكملوا نهش فى لحمك .. بس اللى مانعنى عنك هو فارس يازينة..فخلى بالك من تصرفاتك..لإنى لو حسيت بلمحة غدر منك مش هتردد لثانية واحدة فى انى أرميكى برة بيتى ..واعتبرى كلامى ده انذار اخير ليكى..وياريت قبل ما تطلعى من أوضتك تانى تبقى تحطى روب عليكى ..مروان زمان مش زي مروان دلوقتى ..ومش ممكن هيتأثر بسهولة زي ما انتى فاكرة..مفهوم؟

قال كلماته الجارحة لها وابتعد سريعا فلم ينتبه الى دموعها التى تساقطت مجددا وهى تضم نفسها بيديها وكأنها تخفى جسدها عن عيون رحلت..لم تكن تدرك مظهرها وهى تهرع اليهما فخشيتها على فارس جعلتها تنسى أن تبدل ثيابها او حتى ان تضع دثارا عليها..ليظن مروان أنها تحاول اغرائه ..مازال يظلمها بأفعاله وكلماته فإلى متى تستطيع التحمل؟انتفضت على صوت فارس الذى امسك بقميصها يهزها قائلا:
بتعيطى ليه تانى ياماما..آنكل مروان قالك حاجة زعلتك؟

مسحت دموعها وهى تبتسم اليه قائلة بحنان:
لا ياحبيبى مقالش..أنا بس اللى حساسة النهاردة زيادة عن اللزوم وخوفى وقلقى عليك مخليينى بعيط كتير.

قال فارس:
خلاص ياماما أوعدك مش هعمل كدة تانى ..ومش هروح مكان غير لما اقولك عليه..بس متزعليش منى ومتعيطيش تانى.

هبطت زينة لتصبح فى مستوى فارس تمسح بيدها على وجهه بحنان وهي تقول:
انا مش زعلانة منك يافارس واوعدك انى معيطش تانى والمرة دى لازم كل واحد فينا يوفى بوعده ..أهم حاجة فى الدنيا دى لازم تتعلمها ..انك توفى بوعودك يافارس..اوعى تنسى ياحبيبى؟

ابتسم فارس قائلا:
مش هنسى ياماما..وعد.

ضمته زينة فى حنان ليحيطها فارس بيديه الصغيرتين..غافلين عن عيون تابعتهما من بعيد..ظهر بهما ألما شديدا..يلوم صاحبهما قلبه الذى تمنى فى تلك اللحظة ان تكون تلك هي عائلته الصغيرة..أن يكون بينهم الآن يضمهم اليه ويحميهم داخل صدره..ولكن طعنة الغدر الذى تلقاها من تلك الفتاة وقفت تضرب أمام عيونه انذارات حمراء كثيرة تأمره بأن يكف عن التمنى وأن يحارب ضعفه الذى بدأ يتسلل اليه ..يتمسك بجدار القسوة الذى أحاط به قلبه كى يستطيع أن يحمى نبضاته مجددا من الحب و…….الغدر.

 

الفصل السادس

دلف نبيل الى حجرة مكتب السكرتيرة الخاصة برئيس مجلس الادارة ليجد فتون تجلس فى برود وهي تضع قدما فوق الأخرى..تنصب نظرات ملؤها التحدى على تلك الفتاة الحسناء والتى تقبع خلف المكتب..بادلتها إياها الأخرى ليبتسم بداخله وهو يدرك أن وراء جلسة فتون تلك مشاعر ثائرة تعبث بكيانها..تقيدها بصعوبة كي لا تنفجر فى التو والحال.. وأن تلك الفتاة التى تظن أنها أهلا لتحدى فتون ..لو تعلم طبيعتها.. ما حاولت استفزازها بتلك النظرات قط ..حقا كم هي ساذجة.

ما إن رأته فتون حتى نهضت على الفور وكأنها كانت تعد الثوانى حتى عودته..ليقترب منها بهدوء وعينيه عليها..وما إن توقف أمامها حتى أمسك يدها مشجعا تمسكت بيده وقد استمدت القوة منه لينظران الى تلك السكرتيرة التى نظرت الى فتون نظرة حقودة ثم تجاهلتها تماما وهي تنظر لنبيل وهى تبتسم تلك المرة ابتسامة حقيقية ..تطالعه بعيون ظهر بهما الاعجاب جليا ..لتود فتون فى تلك اللحظة أن تقتلع قلبها..تلك الحرباء والتى يبدوا أنها لا تفضل سوى الرجال..قالت السكرتيرة برقة وصوت ناعم بعد ثوان من تأملها نبيل:
اتفضلوا..مستر ياسين فى انتظاركم.

أومأوا برءوسهما واتجهوا الى تلك الحجرة الجانبية ..ليطرق نبيل الباب وعند سماعهم لصوت رجولى يأمرهم بالدخول..نظروا الى بعضهما البعض ليومئ نبيل اليها مشجعا ثم يترك يدها فاتحا الباب ودالفا الى الحجرة بهدوء تتبعه فتون.

……………كانت المواجهة الأولى بينهما تحمل مشاعر شتى ومتناقضة..فبينما نهض ياسين مرحبا بنبيل..تأملت فتون ملامح ياسين عن قرب بعيون رغما عنها امتلأت بالكره ..تدرك الآن سبب وقوع أختها ضحية له فاذا كانت صورته قد أرسلت لها فكرة واضحة عن وسامته وجاذبيته الا أن رؤيته الآن قريبا منها جعلتها تدرك حضوره الطاغى والذى قد يسحر أي فتاة غيرها خاصة مع تلك الابتسامة الجذابة والتى ارتسمت على وجهه وهو يرحب بنبيل..أسرعت تخفى تلك النظرة حين التفت اليها ياسين لتتلاقى عيونهم فى تلك اللحظة..لاحظت صدمة طفيفة فى عينيه وجمودا فى ملامحه ثم مالبثت أن لانت ملامحه وهو يمد يده إليها مرحبا..ترددت للحظة لاتريد أن تضع يدها فى يد قاتل أختها ولكنها مالبثت أن تمالكت نفسها وهى تصافحه سريعا تبتعد بعيونها عن عيونه حتى لايرى فيهما أثر اشمئزازها من لمسته إياها..ترك يدها وهو يدعوهما للجلوس ثم جلس على مقعده..قائلا:
أهلا بيكم فى مصر..نورتونا.

قال نبيل بابتسامة:
البلد منورة بأهلها.

ابتسم ياسين قائلا وهو ينظر الى نبيل:
متشكر أوى يامستر نبيل…..

قاطعه نبيل بابتسامة مفتعلة وهو يقول:
ياريت نشيل الألقاب..احنا هيبقى بينا بيزنس كبير والألقاب هتبقى زي الطربوش على كلامنا ولا إيه؟

ابتسم ياسين قائلا:
تمام أوى.

ليتراجع فى مقعده قائلا:
..الموضوع باختصار إنك كلمت مدير مكتبى على اننا هنكون الوكيل الوحيد لمنتجاتكم هنا فى القاهرة..وإنت عارف طبعا ده معناه ايه؟

قال نبيل بتأكيد:
طبعا عارف..بس انت أكيد برده عارف ان منتجاتنا هي رقم واحد فى لبنان و عارف أد ايه مطلوبة هنا فى مصر ..يعنى اتفاق زي ده هينقل شركتكم لحتة تانية خالص.

أومأ ياسين برأسه بهدوء موافقا وهو يقول:
بالظبط وده يخلينى أسأل عن سبب اختياركم لشركة زي شركتنا مبقالهاش كتير فى السوق؟

أدركت فتون أن ياسين لديه بعض الشكوك تجاههم الى جانب تعجبها من تجاهله إياها وكلامه الموجه دائما الى نبيل لتدرك أن خطتها على وشك الفشل فأسرعت تقول:
وهو ده سبب اختيارنا لشركتكم .. فعلى الرغم من المدة القصيرة اللى بقالكم فيها موجودين فى السوق قدرتوا تكونوا اسم كبير وبقالكم مركز كويس اوى بين الشركات فى مجالكم وسمعة طيبة كمان وعشان كدة ومعانا هنقدر نحقق كل اللى عايزينه ..انتوا هتستفيدوا واحنا أكيد هنستفيد.

كان ياسين قد التفت اليها رغما عنه عندما تدخلت فى الحديث ..ملامحه جامدة ولكن عيونه تلمع ببريق تدركه فتون جيدا كأنثى..انه بريق الاعجاب والذى استطاعت أن تحصل عليه منه رغم محاولته ابداء العكس..أطرق ياسين برأسه يخفى تعبيرات وجهه قبل أن يرفع وجهه اليها قائلا:
والمطلوب؟

أحست فتون للحظة بالارتباك لاتدرى شيئا عن مقصده..انتابها الإدرك فجأة لتوقن من أن هذا الياسين هو رجل حاد الذكاء وهذا ما لم تضعه فى الحسبان عندما وضعت خطتها.. لذا عليها توخى الحذر أكثر فى كل تعاملاتها معه..ويجب أن تكون جريئة و مباشرة أيضا فمن الواضح أنه لا يحب اللف والدوران ويدخل مباشرة الى صلب الموضوع..لتنظر إلى عمق عينيه وتمتلئ عيونها بالتصميم لتشعر باختلاجة بسيطة فى ملامح ياسين ولكن مالبث أن عادت ملامحه باردة عندما قالت هي فى هدوء:
فى مقابل انكم هتكونوا وكيلنا الوحيد فى مصر عايزين نسبة فى شركتكم..والنسبة دى متقلش عن التلت.

لم تظهر الصدمة على وجه ياسين ..فقط تراجع فى مقعده يشبك أصابعه أمام وجهه قائلا:
ممكن أعرف انتوا مين؟

أشارت فتون الى نبيل قائلة:
نبيل عزام ..

ثم أشارت الى نفسها قائلة فى ثقة برزت فى كلماتها:
وفتون سلطان..والشركة اللى بتجمعنا أكيد..شركة السلطانة للعطور.

نظر ياسين الى نبيل الذى جلس صامتا ينظر اليه فقط، ثم عاد بعينيه الى فتون قائلا:
لو تسمحيلى طبعا ممكن أعرف ايه العلاقة اللى بتجمعكم..شراكة فى الشغل بس ولا….

وصمت تاركا جملته معلقة.. لتبتسم فتون بداخلها تدرك أن سؤاله لا يمت للعمل بصلة ولكنها قالت بهدوء:
رغم ان سؤالك ملوش دعوة بشغلنا بس هجاوبك..العلاقة اللى بتربطنى بنبيل هى علاقة عمل وبس..بس تقدر تقول ان احنا أكتر من إخوات.

قالت جملتها الأخيرة وهي تنظر الى نبيل تمنحه ابتسامة فاتنة ليبادلها اياها..نقل ياسين نظره بينهما..لا يدرى لما شعر بالغيرة لأنها خصت نبيل بابتسامتها التى لم يرى مثيلا لها ..فقد أشعت وجهها بجمالا زاد من جمالها..وأظهرت غمازتيها الرائعتين..لعن سؤاله الذى ألقاه عليها وتساءل عن سببه ..فقد أصابته إجابتها ونظرتهما بشعور يشبه الغيرة فعلا؟نفض أفكاره بقوة.. فلما يشعر بالغيرة على فتاة يراها لأول مرة؟..ربما لأنها تذكره بها ….بتلك الفتاة التى عشقها يوما ثم………

نفض أفكاره مجددا..فرغم أنها تمتلك نفس لون العينين الزيتونيتين ونفس الابتسامة وربما نفس الروح التى تشع بالجمال على من حولها..الا ان كل هذا لا يجعلها هي..ولكن يجعلها بالتأكيد خطرا كبيرا عليه ..لذا من الأفضل أن يرفض عرضهما قبل أن يتورط أكثر..رغم أنه عرضا لا يرفض، فشركة بحجم السلطانة ..ستجعل شركتهم أقوى شركة بالسوق.. لتستطيع أن تدمر شركة ذلك الشيطان عدنان وأعوانه ولكن تظل المخاطرة بسلامته قائمة..لذا فك تشابك أصابعه وهو يقول بهدوء:
الحقيقة قرار زي ده مقدرش أخده لوحدى..أنا لية شريك ولازم أرجعله.

نهضت فتون على الفور يتبعها نبيل ثم ياسين وهى تقول:
تمام أوى..

أشارت لنبيل بعينيها فأخرج لياسين كارتا منحه إياه وفتون تقول:
هتلاقى فى الكارت تليفوناتنا وعلى ضهره مكان نزولنا فى القاهرة..لو اتفقت مع شريكك ياريت تبلغنا..بس ياريت بسرعة عشان لو موافقتوش هنضطر ندور على حد تانى والحقيقة احنا مستعجلين أوى ..عن اذنك.

تجنبت تلك المرة مصافحته وهي تحييه برأسها قبل أن تغادر الحجرة يتبعها نبيل وخلفهما ياسين الذى تابعهما بعينيه حتى اختفيا ليرفع الكارت أمام ناظريه يقرأ اسمها بحروف مضغوطة:
فتون..فتون سلطان.

********************
قال عدنان بعصبية:
يعنى ايه ملقيتوهاش..هتروح فين يعنى؟

زفر هارون قائلا:
مفيش ليها أي أثر …دورنا فى كل الأماكن اللى ممكن تكون موجودة فيها ملقينهاش..حتى كاميرات المراقبة مبينتش هي هربت ازاي؟

ضرب عدنان كفا على كف وهو يقول:
أكيد مش هتلاقوا حاجة على الكاميرات..ما هي عارفة مكانهم واحدة واحدة..وأكيد عارفة ازاي تبعد عنهم..اللى هيجننى بقى هو ازاي عرفت تهرب من الحمير اللى برة دول؟

عقد هارون حاجبيه قائلا:
تفتكر ظبطت حد فيهم؟

جلس عدنان مكانه وقد ارتسمت على وجهه ملامح شيطانية ليقول بصوت كالفحيح:
مش بعيد..بس لو كان ده اللى حصل يبقى اللى ساعدها تهرب منهم هيبقى عبرة لأمثاله..عبرة لأي حد يخون عدنان المسيرى..ده أنا الشيطان ولا نسيت ياهارون؟

قال هارون فى توتر:
لأ طبعا منستش ولا حد يقدر ينسى ياباشا..ومتقلقش لو حد منهم طلع خاين أنا بإيدية دول اللى هقطع من لحمه، وأخليه عبرة لكل خاين.

زفر عدنان بقوة قائلا:
طب سيبنا من الموضوع ده دلوقتى وقوللى مروان اتصل؟

هز هارون رأسه نفيا قائلا:
لأ..لسة..أدينا مستنيين تليفونه عشان يحدد ميعاد يكلمنا فيه عن صفقة العمر زي ماقال.

قال عدنان:
مش عارف ليه مش قادر اطمنله رغم اللى عمله معانا ..طب قوللى ..مراقبينه كويس؟

اومأ هارون برأسه قائلا:
خليت واحد يراقبه من انبارح بس بلغنى ان مروان مخرجش من بيته خالص من اول ما بدأ يراقبه..تفتكر حس بحاجة؟

هز عدنان رأسه رفضا وهو يقول:
معتقدش..مروان مبيخرجش من بيته غير للضرورة وكل شغله بيقوم بيه من اوضة مكتبه..يعنى انه ميخرجش باليوم أو اليومين من بيته ..ده شئ طبيعى جدا.. وخصوصا انه سايب امور الشركة الادارية لشريكه..ياسين.

ليطرق برأسه يفكر لثوان قبل أن يرفعها مجددا وهو يقول:
تعرف احنا محتاجين ايه؟

عقد هارون حاجبيه وهو ينظر الى عدنان مستفسرا ليستطرد عدنان قائلا:
محتاجين نزرع حد فى بيت مروان..خدامة تجيبلنا أخباره مثلا او تصورلنا اوراقه الخاصة اللى فى مكتبه.

قال هارون :
بسيطة ..الموضوع ده سهل أوى يتنفذ.

صمت عدنان للحظة قبل أن يقول بغيظ:
لو كانت الزفتة زينة دى هنا ..كنا زرعناها عنده..كانت أنسب واحدة عندنا تقوم بالمهمة دى وخصوصا انها كانت شغالة فى بيت أبوه قبل كدة..يعنى تعتبر معرفة قديمة وأكيد مش طايقاهم عشان باعوها لينا ونفسها تنتقم منهم.

قال هارون بدهشة:
زينة كانت شغالة عند سعيد فياض؟

أومأ عدنان برأسه قائلا:
أيوة كانت شغالة عندهم قبل ما تجينى ..

لتلتمع عيناه وهو يستطرد قائلا:
تعرف الموضوع ده فكرنى بمين؟

نظر اليه هارون مستفسرا وهو يقول:
بمين؟

قال عدنان :
بسوزى ..مش يمكن تكون راحتلها؟

قال هارون :
أكيد طبعا ..ده المكان الوحيد اللى مدورناش عليها فيه.

نقر عدنان بيده على المكتب قائلا:
لأ مش أكيد ..انت متعرفش سوزى كانت بتعمل فيها ايه..ده هي اللى جابيتهالى بنفسها عشان أشغلها مع البنات..وعشان تبعدها عن جوزها بعد ما خانها معاها.

اتسعت عينا هارون بدهشة قائلا:
سعيد فياض خان سوزى هانم..مع البت زينة؟

أومأ عدنان برأسه قائلا:
مع الأسف بقى كان رمرام وغاوى خدامين مع ان البت زينة حلوة برده وتستاهل..بس طبعا جنب سوزى متساويش حاجة.

وغمز بعينيه وهو يقول بخبث:
وإسألنى أنا..سوزى دى ياما نامت فى حضنى وجوزها كان فى البيت نايم على ودانه..بس لما اتبادلوا الأدوار وخانها مقدرتش تستحمل الصدمة وباعتلى البنت علطول..

مسح على صدره وقد اتسعت ابتسامته الخبيثة مستطردا:
والله افتكرت دلوقتى أيامنا مع بعض وبفكر أكلمها أسألها على زينة وأهو بالمرة نتقابل ونرجع أيام زمان..مش كدة ياهارون؟

بادله هارون ابتسامته الخبيثة وهو يقول:
كدة ونص ياباشا.

قال عدنان بملامح شيطانية :
طب بسرعة ياهارون هاتلى رقمها لإنه راح منى.

اومأ هارون برأسه قائلا:
ثوانى ياباشا هجيبهولك وآجى.

والتفت مغادرا حجرة المكتب وعيون عدنان تتابعه وقد عاد بذاكرته الى الوراء ..يتذكر سوزى..يتساءل عن أحوالها الآن..يدرك أن أعماله والتوسعات التى قام بها فى شركته قد ألهته عنها ولكن حان الوقت ليستعيد تلك الأوقات الرائعة التى كان يقضيها مع تلك الفاتنة سوزى.

*******************

كان نبيل يعمل على اللاب توب الخاص به..ليتوقف عن العمل وقد شعر بالتعب..تراجع الى الوراء يستند بظهره على المقعد..يدرك ان الفترة القادمة لن تكون سهلة ..فقد أدرك هو وفتون اليوم أن ذلك الرجل ليس سهلا على الاطلاق وأنه يحتاج الى أن تكون خطتهما محكمة وليس بها أي ثغرات..لذا ومنذ رجوعه وهو يدقق فى الأوراق ..حتى يتأكد من عدم وجود أى هفوة قد تطيح بخطتهم..تمطى بجسده يغمض عينيه ليرى فجأة عيون تلك الفتاة التى اصطدم بها اليوم تبرز فجأة وسط الظلام ..فتح عينيه فلم يجد أحدا ..ليدرك أنها فقط فى خياله..كم هي رائعة تلك العيون العسلية..شفافة للغاية ورقيقة..جذبته بشدة..ولفتت انتباهه وهاهي صورتها لا تغادر عقله..تساءل مجددا ترى ماذا تعمل فى تلك الشركة وما هو اسمها؟ لينفض افكاره بقوة وهو يدرك أن تلك الغريبة كلية عنه تتسلل الى وجدانه..وهو فى وضع لن يكون به أي وقت للمشاعر..انتابه الحزن..فلم يشعر بتلك الاحاسيس تجاه فتاة من قبل وعندما انتابته تلك المشاعر كانت بالتأكيد فى الوقت الخاطئ..هز رأسه وهو ينظر الى شاشة اللاب توب..يبعد عن أفكاره تلك الفاتنة ويركز فقط على الأرقام والكلمات..لترتسم عيناها على الشاشة تنظران اليه بعشق..زفر بقوة وهو يغلق اللاب توب وقد أدرك أنه لن يستطيع العمل مطلقا الآن ونظرة عيونها تطارده وتجبره على الغرق بها.

 

الفصل السابع

اقتحمت زينة حجرة المكتب الخاصة بمروان دون استئذان مما جعله يعقد حاجبيه وهو يرفع إليها عينين متسائلتين..كادت من تلك النظرة المتجهمة والتى اعتلت ملامحه أن تتراجع عن الحديث وان تخرج على الفور من الغرفة..الا أنها صممت على إبلاغه بقرارها فلم تعد تحتمل هذا الفراغ الذى تشعر به ولم يمضى على وجودها فى هذا المكان يومان..لذا تقدمت باتجاهه وتوقفت أمام مكتبه قائلة فى تصميم:
أنا عايزة أشتغل.

نظر اليها لحظات يحدق بعينيها فى صمت وقد تجمدت ملامحه..أصابها القلق من صمته ولكنها تمسكت بذلك القناع الزائف من الثبات الذى تصدع تماما ما إن نهض مروان بهدوء والتف حول مكتبه ليقترب منها..حتى توقف أمامها تماما..ومال عليها قائلا بحروف كالصقيع:
للأسف الخدمات اللى بتقدميها مش محتاجينها هنا.

تغاضت زينة عن وجع قلبها الدامى من كلماته الجارحة وهى تنظر الى عمق عينيه قائلة فى برود:
وانا متعودتش أقعد كدة من غير ما أعمل حاجة..ولو خدماتى مش مطلوبة هنا أكيد هتكون مطلوبة فى حتة تانية.

ضم مروان قبضته بقوة وهو يجز على أسنانه حتى لا يتهور ويصفعها لوقاحتها ولكنه تمالك نفسه وهو يقترب بوجهه منها تضرب أنفاسه الغاضبة الساخنة صفحة وجهها وهو يقول بصوت كالفحيح:
مفيش شغل تانى يازينة ..و ياريت متستفزنيش ..انتى لسة متعرفيش أنا ممكن أعمل فيكى ايه؟

ابتسمت بسخرية قائلة:
صدقنى عارفة.

عقد حاجبيه من لهجتها الساخرة والتى تقطر بالمرارة دون أن تدرى ..كاد أن يسألها ماذا تقصد بكلماتها ..ولكن تاهت منه الكلمات وهو يرى شفتيها تنفرجان لتغيم عينيه وهو يتذكر مذاقهما الذى حرمه النوم لسنوات..شعرت بأنفاسها تضطرب من نظراته وقلبها تتسارع دقاته وهي تراه يقترب من شفتيها يكاد أن يقبلها..أغمضت عينيها رغما عنها تنتظر قبلة اشتاقت إليها..قبلة لطالما راودت ذكراها أحلامها ..لتشعر بالفعل بشفتيه تلامس شفتيها بتردد فى بادئ الأمر وكأن مروان يستكشفها لأول مرة.. أو ربما يخشى شيئا ما لتتعمق قبلته بعدها وتصبح متطلبة لتجد نفسها تمد يدها على طول ذراعيه حتى وصلت إلى رأسه لتضمه إليها تبادله قبلته بإشتياق عجزت عن كبحه..كادت أنفاسهم أن تزهق ليترك مروان شفتيها كي يتنفسا وهو يضع جبهته على جبهتها مغمض العينين بدوره..ابتعد بوجهه عنها يفتح عينيه ببطئ ينظر إلى عينيها التى انفلجتا ببطئ بدورهما تنظر إليه نظرات تائهة ليذوب فى عمق عينيها رافضا كل ما يدور برأسه يمنعه عن قبلة الحياة والتى أعادت إليه روحه..ومنحته شعورا افتقده بشدة ..ليقترب مجددا من شفتيها المنفلجتين ينوى أن يروى روحه الظمآنة إليها لكن نحنحة رجولية قاطعته ليلتفتا سويا الى باب المكتب ..وجدت زينة رجلا فى مثل عمر مروان تقريبا يقف على الباب ينقل نظراته بينهما فى فضول بينما تنحنح مروان وهو يبتعد عن زينة التى تركته على الفور وهي تشعر بالخجل ..اتجه مروان الى مقعد مكتبه قائلا :
تعالى ياياسين ..

ثم وجه حديثه إلى زينة التى مازالت واقفة مكانها لاتدرى ماذا تفعل؟ليقول بصوت رغما عنه خرج حادا وكأنه يشعر بالغضب من نفسه لاستسلامه لمشاعره:
اتفضلى انتى دلوقتى.. هنكمل كلامنا بعدين.

أحست زينة بأنها تود أن تدفن مكانها الآن لشدة خجلها.. فأسرعت بالمغادرة دون أن تنبت بحرف بينما تابعها ياسين حتى اختفت عن الأنظار ليدلف الى الغرفة قائلا:
هي دى بقى زينة؟

أومأ مروان برأسه فى هدوء..جلس ياسين قائلا:
مقلتليش يعنى انها حلوة أوى كدة.

زمجر مروان قائلا :
ياسين.

رفع ياسين يديه استسلاما وهو يقول فى مرح:
خلاص ياسيدى أنا آسف.

لتنقلب ملامحه المازحة الى الجدية وهو يميل قائلا:
بس لازم أحذرك يامروان، اللى انا شفته من شوية ده .. مش قصة حب منتهية زي ما فهمتنى..لأ..الموضوع أكبر من كدة ..كل الشرارات اللى كانت حواليكم بتقول عكس اللى قلتهولى..ده غير….

وترك جملته معلقة وهو ينظر إلى شفاه مروان المنتفخة لينظر اليه مروان قائلا فى استنكار:
ياسين..انت بتخرف بس بتقول ايه؟

قال ياسين بهدوء:
أنا بقول اللى أنا شايفه أدامى يامروان..عموما ..مش ده الموضوع اللى جاي أتكلم فيه معاك.

تراجع مروان فى مقعده قائلا فى حدة:
وايه هو الموضوع ده بقى ياسيدى؟

نظر ياسين اليه قائلا:
شركة السلطانة عايزة تدينا توكيل حصرى لمنتجاتها فى مصر.

أطرق مروان برأسه مفكرا للحظات قبل ان يرفع راسه قائلا:
اختيارهم لشركتنا غريب بس كدة حلو اوى ..تعرف لو ده حصل يبقى هنضرب عدنان فى مقتل ..انت عارف أد ايه كان نفسه ياخد التوكيل ده.

قال ياسين فى توتر:
عارف بس…

عقد مروان حاجبيه عندما صمت ياسين ليقول بهدوء:
بس ايه ياياسين..ما تتكلم؟

قال ياسين وهو ينظر الى مروان مباشرة :
عايزين يدخلوا شريك معانا بالتلت.

عقد مروان حاجبيه قائلا:
غريبة؟ليه عايزين يبقوا شركا معانا..هيستفيدوا ايه؟

قال ياسين:
لما سألتهم أصلا ليه اختاروا شركتنا بالذات قالوا عشان فى فترة قصيرة بقت من أكبر الشركات فى مجالنا..بصراحة رد مقنع وخصوصا لو شركة شريفة أكيد مش هتحب تتعامل مع عدنان لان سمعته معروفة..بس الشراكة ده اللى مش قادر ألاقيلها سببب مقنع أبدا.

قال مروان بعد لحظات من التفكير:
انا شايف ان الموضوع عادى وميستاهلش القلق ده ..شركة السلطانة مشهورة وليها اسمها الكبير ووضعها فى السوق..المفروض هم اللى يقلقوا مش احنا ..ياترى سبب المشكلة اللى حاسسها فى صوتك وملامحك دول بقى ايه؟

قال ياسين بعد لحظة تردد:
الشركة ليها شريكين زينا بالظبط.. نبيل عزام وده معنديش أي اعتراض عليه ..لكن الشريك التانى..فتون سلطان..دى بقى مش هقدر أتعامل معاها ابدا.

عقد مروان حاجبيه قائلا:
ليه ..مالها؟

قال ياسين وهو يطرق برأسه قائلا:
بتفكرنى بميسون يامروان..نفس الروح ..نفس العينين..نفس الابتسامة.

رفع رأسه لتلتقى نظراتهم وهو يستطرد قائلا:
انت عارف أد ايه أنا حاسس بالذنب من ناحية ميسون الله يرحمها..كل ما هشوفها هفتكر كل اللى حصل..هتعذب من جديد..الذنب هيقتلنى.

نقر مروان على المكتب قائلا:
الله يرحمها..بص ياياسين..أنا عايزك تنسى..اللى حصل زمان كان غلطة مش حابب تعيش عمرك تعذب نفسك عشانها..احنا اتفقنا على ايه؟ مش اتفقنا نرمى كل غلطات الماضى ونفكر بس فى الانتقام من اللى كانوا السبب فى كل حاجة وحشة حصلت لينا فى حياتنا..وان مفيش حاجة هتقف أدامنا فى سبيل تحقيق انتقامنا..مش ده كان اتفاقنا؟

قال ياسين فى تردد:
أيوة بس…

قاطعه مروان قائلا:
من غير بس..حياتنا الشخصية لازم تكون بعيدة عن شغلنا اللى هيساعدنا فى انتقامنا ياياسين..مفهوم؟

اومأ ياسين برأسه موافقا وهو يقول:
اللى تشوفه يامروان..انا هقوم امشى بقى عشان اتأخرت على تيتة ودارين.

اومأ مروان برأسه فنهض ياسين مغادرا ولكنه توقف ثم التفت الى مروان قائلا:
ياريت انت كمان تخلى حياتك الشخصية بعيدة عن شغلنا يامروان.

ثم ابتعد مغادرا ليظهر الألم على وجه مروان يدرك ما يلمح اليه ياسين ..فنصيحته لياسين كان أولى أن ينصح بها نفسه ..فهو ينصحه بتنحية مشاعره الشخصية جانبا عن خطتهم للانتقام..وقد آوى زينة وطفلها عنده وهو يعلم كم سيغضب ذلك عدنان إن علم به..وكيف سيؤدى ذلك الى فشل خطتهما..يدرك أن ياسين معه حق..فهما لا يستطيعان تنحية مشاعرهم جانبا فمشاعرهم هي ما أوصلتهم الى هنا..إنها نقطة ضعفهم التى من الممكن أن تودى بحياتهم ان أثرت على عقلهم وأفقدتهم التركيز..ولكن هل يستطيع أيا منهم أن يتخلى عن قلبه ومشاعره؟…….بالتأكيد لا.

********************
دلفت فتون الى حجرة نبيل بعد ان سمح لها بالدخول..وما ان رآها حتى أدرك على الفور ما يعتريها من قلق يظهر على كل ملامحها لينهض قائلا :
مالك بس يافتون؟ قلقانة كدة ليه بس؟

قالت فتون فى عصبية:
مش عارف قلقانة ليه يانبيل؟..الأستاذ مردش علينا لغاية دلوقتى..عارف ده معناه ايه؟

هز نبيل كتفيه فى لامبالاة قائلا:
عادى يافتون..ده طبيعى جدا على فكرة..هو قلق بس مننا ومحتاج ياخد وقته عشان يطمن..وبعدين مش هو قالك انه لازم ياخد رأي شريكه ولا نسيتى؟

قالت فتون فى ضيق:
لأ منستش طبعا..بس برده أخد وقت كبير.. احنا بقالنا يومين.

قال نبيل بهدوء وهو يقترب منها يمسكها من كتفيها قائلا وهو ينظر الى عينيها مباشرة:
قوليلى السبب الحقيقى اللى مخليكى متوترة بالشكل ده؟

حاولت فتون أن تتحاشى نظراته ليترك كتفيها ويمسك ذقنها بيده يجبرها على مواجهة عينيه وهو يقول :
قوليلى يافتون وافتحيلى قلبك.

تنهدت فتون قائلة:
قلقانة يانبيل..قلقانة من ياسين..قبل ما أشوفه مكنش عندى القلق ده ..بس بعد ما شفته قلقت منه ..ذكى أوى ومش سهل والأخطر من كدة بصته لية..لمسته.. معرفش..بتوترتى أوى..مبحسش بالراحة وانا معاه..فاهمنى؟

قال نبيل :
أكيد فاهمك..بس ده احساس طبيعى ..اللى أدامك وبتتعاملى معاه ده مش راجل عادى ..ده اللى قتل أختك وحرمك منها.

أطرقت فتون برأسها تخفى عنه عيونها فمن المفترض أن يكون ذلك بالفعل احساسها تجاهه فهى تمقته من أجل هذا ولكن هناك شعور غريب بالانجذاب تجاهه أيضا..شعور يقتحم قلبها تحاول أن توأده فى مهده ..أن تذكر نفسها بأن هذا الرجل هو قاتل أختها الحبيبة ..تستدعى كل ذكرى لها مع أختها والتى قد تجعلها تنفر منه أكثر..ويحدث ذلك بالفعل ولكن عندما تغمض عينيها ترى نظرات عينيه العميقة..تتسلل اليها نبرات صوته الرخيمة لتصيبها رغما عنها رعشة فى قلبها..لتنتفض وتفتح عينيها على مصراعيهما تمسح تلك النظرات وتضع يديها على أذنيها تكتم ذلك الصوت..يبدو انها على وشك الجنون..لا تدرى حقا..كل ما تعرفه الآن أنه لسلامتها.. وسلامتها العقلية فقط يجب أن تبتعد عن هذا الياسين والذى تحمل له مشاعر متناقضة للغاية..أفاقت من أفكارها على صوت رنين هاتف نبيل ليبتعد عنها نبيل وهو يبحث عن هاتفه فوجده على الطاولة ليقوم بالرد عليه..ظل يتمتم بكلمات الموافقة وعينيه تلتمعان لتدرك فتون أن هذه المكالمة تخص ياسين..انتظرته حتى أنهى المكالمة لينظر اليها قائلا فى سعادة:
ياسين وافق يافتون..وافق..وطالبنا بكرة فى مكتبه.

ابتسمت فتون تشاركه ظاهريا سعادته الجلية..ولكن قلبها يرتجف تلقائيا تخشى هذا اللقاء الذى يقربها خطوة من انتقامها ويغرقها أكثر فى تفاصيل ذلك الرجل.

 

الفصل الثامن

 

وقفت زينة أمام المرآة تتأمل شفتيها المنتفختين بشرود..مدت يدها تتلمسهما برقة..تتذكر كيف اجتاحهما مروان..والشعور الرائع الذى شعرت به يغمرها مع قبلته لتنفض أفكارها بعنف..ترفض مسارهم والذى يعيدها مجددا لقصة حب دمرت حياتها..فلم تعد قادرة على تحمل تبعات مشاعرها والتى ستودى بها إلى نهايتها..ولكن تلك المرة سيكون على فارس أن يواجه تلك النهاية معها..لذا يجب أن تقسى قلبها وأن لاتستسلم له مجددا..يجب ان تتعامل معه بكل برود..يجب أن تفعل ذلك..وإلا فلن تستطيع وقف طوفان مشاعرها والذى يهدد بالقضاء عليها تلك المرة نهائيا.

**************************

بحث ياسين بعينيه عن فتون فلم يجدها بين الحاضرين الى مكتبه تلبية لدعوته والذى دعا فيها رؤساء الشركة نبيل وفتون الى جانب محاميهم للاتفاق على البنود وتوقيع العقود ..انتبه نبيل لتلك النظرات فابتسم خفية يدرك أن قرار فتون فى اللحظة الأخيرة بعدم الحضور كان صائبا مائة بالمائة وأن عدم وجودها قد يدحض شكوك ياسين حول لهفتهم لإبرام ذلك العقد..ليسرع قائلا:
فتون بتعتذر عن عدم حضورها النهاردة، الحقيقة احنا كنا مرتبطين بميعاد تانى ولما حددت حضرتك الميعاد ده اضطر حد فينا يروح و يعتذر شخصيا عن عدم الحضور..عموما على ما نراجع البنود مع المحاميين ..هتكون هي على وصول عشان تمضى معانا العقد..

أومأ ياسين برأسه يقاوم ذلك الاحساس بالفضول تجاه من ذهبت اليه فتون لتعتذر منه شخصيا..من ياترى قد يكون بهذه الأهمية لديها لتفعل ذلك..أتراه يكون عدنان؟أحرقته النيران فهو يدرك أن عدنان ضعيفا جدا أمام السيدات الجميلات ذوات المكانة الهامة فى المجتمع ..ربما يحاول الآن أن يضمها لقائمة نسائه..ياالله فيم يفكر الآن؟أوهام نسجها عقله وكلها تدور حول فتون؟ماالذى يحدث له ؟لقد جن حتما خاصة وشعور بخيبة الأمل يجتاحه الآن لعدم وجودها فى ذلك الاجتماع وحضورها الذى سيكون لدقائق معدودة فى ختامه كي تمضى العقود..نعم بالتأكيد قد جن تماما.

********************

كان مروان يجلس على كرسي مكتبه يحاول التركيز على خطته الانتقامية والتى لم يفكر فيها منذ وطئت اقدام تلك المرأة منزله..فأصبح كل ما يفكر فيه هو ذكرياتهم سويا..ليس هذا فحسب بل وجودها حوله يفقده تركيزه تماما يجعله دائم التساؤل عما تفعل الآن؟وفيم تفكر ؟وحين يلمحها هنا أو هناك تتنازعه رغبتان ..احداهما الاستسلام لمشاعره الخائنة والهروع اليها يضمها بين ذراعيه يشبع ظمأه اليها..والأخرى رغبته فى الانتقام منها ليشفى غليله فمن المفترض أن تكون بالنسبة اليه كعدنان وسوزى تماما..ولكن فى الواقع هي ليست كذلك ..فهي الوحيدة من بين أعدائه من كان لها مكانة خاصة فى قلبه لم يصل اليها غيرها..
رفع يديه يتلمس شفتيه يتذكر قبلتهما سويا..مازال يشعر بها..يتذوقها.. يشتاق إلى تكرارها مرارا حتى يشعر بأنه اكتفى منها..وأنه شفي من ادمانها..نعم فهي كالإدمان بالنسبة إليه..يعلم أنها سامة..ضارة بالنسبة إليه حد الموت ولكنه لا يستطيع الابتعاد عنها..إلى جانب وجود ذلك الطفل..فارس..لا يدرى كيف احتل هذا الصغير قلبه بتلك السرعة..ربما لأنه طفل رائع حاد الذكاء ..أو ربما لأنه قطعة منها كان يتمنى أن تكون منه ايضا..أغمض عينيه ألما يتساءل ..ترى من أي الرجال فى حياتها أنجبت ذلك الصبي؟

فتح عينيه بسرعة يمسح دمعة تسللت منها حين تناهى الى مسامعه صوت طرقات على الباب..أمر الطارق بالدخول وهو يعتدل..ليتفاجأ بأنها زينة.. كانت تدلف الى الحجرة تمسك بصينية عليها فنجال قهوة تسللت اليه رائحتها على الفور لتذكره بتلك القهوة التى كانت تعدها له خصيصا ..تلك القهوة التى لم يعد يحتسيها بعد أن خرج من المعتقل فمذاق أي فنجال قهوة فى فمه لا يصل أبدا الى ذلك المذاق الذى اعتاد عليه من يديها..اقتربت منه تحت نظراته المتفحصة لها..كانت مطرقة الرأس هادئة على غير طبيعتها..وضعت الصينية على المكتب فى هدوء ثم التفتت تنوى المغادرة حين استوقفها صوته وهو يقول بصرامة:
ممكن أعرف هو ايه ده؟

التفتت اليه تنظر الى عينيه مباشرة فى دهشة قائلة:
هيكون ايه يعنى؟فنجال قهوة .

عقد حاجبيه قائلا فى حدة:
ما أنا عارف انه زفت فنجال قهوة..هو أنا أعمى مثلا؟..

ليأخذ نفسا عميقا يهدئ به انفعاله وهو يقول بهدوء:
أنا مبشربش قهوة ودادة تحية عارفة كدة..وبعدين تجيبيهالى انتى ليه..ها؟

نظرت اليه بارتباك قائلة:
أنا بدأت أساعد دادة تحية فى شغل البيت من النهاردة.. وهي نبهتنى فعلا انك مبتشربش قهوة بس اللى أنا أعرفه انك..يعنى.. كنت بتشربها..فلما طلبت منها شاي قلت من باب التغيير أعملك قهوة..إنت شربت شاي كتير النهاردة.

نهض مروان واقترب منها بملامح جامدة أثارت اضطرابها وما ان وقف أمامها تماما حتى قال فى برود:
محدش طلب منك تشتغلى فى البيت هنا أو تساعدى حد..ومحدش كان خلاكى وصية علية عشان تقوليلى أشرب ايه ومشربش ايه..منتيش مراتى ولا حتى عشيقتى..انتى يادوب واحدة جبتك بيتى عشان ابنك صعب علية يفضل هربان من عدنان وفى الآخر يلاقيه ويعاقبه بسبب واحدة أنانية زيك.

اطرقت برأسها لثوان تخفى أثر الألم الذى أصابها من جراء كلماته الجارحة ..لتعود وترفع اليه عينان جامدتان خاليتان من المشاعر وهي تقول:
متعودتش حد يكون ليه فضل علية وبما انك مرضيتش أقدملك خدماتى فى مقابل حمايتك لينا ..قلت أدور على حاجة تانية أدفعلك بيها تمن حمايتك..ملقتش أدامى غير الشغلانة اللى عرفتنى وأنا بشتغلها..الخدمة فى البيوت..ويا ترضى أساعد دادة تحية ياهخرج أشوفلى أي شغلانة برة.. واللى يحصل يحصل.

ثم اشارت الى جسدها وهى تستطرد قائلة:
وأظن انى هلاقى ألف مين يشغلنى.

ظهرت ملامح الغضب على وجه مروان وبرزت عروق رقبته من شدة انفعاله..ورفع يده ليصفعها فأغلقت عينيها بشدة تنتظر ألم تلك الصفعة ..ولكنها انتظرت وانتظرت ولم تأتى صفعته لها ..فتحت نصف عين تنظر اليه فوجدته قد عاد الى مكتبه يعطى لها ظهره ويستند بكلتا يديه على المكتب تبدو مفاصل أصابعه بيضاء من قوة ضغطه عليهم وكأنه يسيطر على نفسه بصعوبة..فتحت كلتا عينيها على صوته وهو يقول بصرامة:
روحى اشتغلى مع دادة تحية زي ما انتى عايزة بس ياريت متورنيش وشك اليومين دول والا صدقينى..هتندمى يازينة.

التفتت تغادر بسرعة تدرك مدى غضبه الذى تصلها ذبذباته رغم بعده عنها ولكنها ما لبثت ان توقفت بجمود حين سمعت صوته يقول بصرامة :
استنى.

التفتت ببطئ لتراه ينظر اليها وقد عاد اليه قناع الجمود مجددا وهو يمسك فنجال القهوة يسكب محتوياته فى سلة القمامة المجاورة للمكتب وهو يقول:
زي ما النهاردة برمى القهوة دى فى الزبالة.. فى يوم قريب هرميكى زيها..وده وعد منى يازينة.

أدمعت عيناها رغما عنها..فغامت تلك العينان الرماديتيان الجميلتان.. فتحت فمها لتقول بألم(لن تكون أول مرة تلقينى فى سلة مهملات حياتك ولكننى أعدك أنها ستكون الأخيرة)ولكنها أطبقت شفتيها بقوة والتفتت مغادرة المكان بسرعة ليغمض مروان عينيه بألم ليعود ويفتحهما مجددا ينظر الى فنجال قهوته بضعف..بحنين يغمره ..وجد نفسه رغما عنه يمد يده ويمسكه ..يقربه من أنفه ..يغمض عينيه وهو يشم رائحة القهوة الجميلة بشغف ..ليرفعه الى شفتيه يرتشف آخر رشفة ظلت به..يغلق فمه على مذاقه الذى أعاده سنوات الى الوراء..الى أول فنجال قهوة تذوقه من يديها وقتها استوقفها قبل أن تغادر قائلا:
انتى حطالى ايه فى القهوة دى؟

نظرت اليه ببراءة ودهشة قائلة:
محطيتش حاجة يا مروان بيه..القهوة والمية وبس.

قال بخبث:
يعنى محطتيش حاجة تانية غير القهوة والمية.

قالت فى نفي سريع:
آه والله..أنا عارفة انك بتشربها سادة .

ابتسم قائلا:
يعنى محطتيش صابعك فيه؟

قالت باستنكار :
لا طبعا..وأحطه ليه بس؟

اقترب منها ليمسك يدها يرفعها أمام ناظريه وهو يتأمل اصابعها الجميلة بعينيه يقول هامسا بشغف:
أصلها مسكرة اوى فقلت أكيد صوابعك الحلوة دى لمستها.

اتسعت عينا زينة وهي تنظر اليه بدهشة فقد كانت تلك هي المرة الأولى التى يعبر فيها مروان عن اعجابه بها ..لتفلت يدها من يده وتسرع مغادرة تتبعها ابتسامته التى اتسعت فى اعجاب.

فتح عينيه ينفض تلك الذكرى بعيدا يشعر بالغضب من نفسه لضعفه تجاهها ..مازالت تنفذ الى أعماقه ..مازالت فى كيانه تقبع..مازالت تؤثر فيه..قذف ذلك الفنجال ليرتطم بالحائط بقوة متحطما الى مئات الشظايا لينظر بحزن الى أجزائه المكسورة كروحه تماما.

******************

رن هاتف سوزى لتنظر الى شاشته فوجدته رقما غريبا ..عقدت حاجبيها المنمقين بتساؤل ثم ما لبثت أن أجابت الهاتف قائلة فى هدوء:
ألوو.

أجابها صوت رخيم يقول بشوق:
وحشتينى ياسوزى.

ازداد انعقاد حاجبيها وهي تقول:
مين معايا؟

قال صاحب الصوت فى هدوء:
تؤ تؤ ..مش معقول يا قطة..نسيتى صوتى؟

التمعت عينا سوزى وهي تقول:
عدنان..مش معقول؟

رنت ضحكاته ليقول من بينهم:
لأ معقول ياقطة..أخبارك ايه؟

ابتسمت سوزى قائلة:
أحسن منك..ايه اللى فكرك بية ياعدنان؟

التمعت عيناه اعجابا وهو يقول:
وأنا من امتى نسيتك بس؟

قالت سوزى فى عتاب:
لأ نسيتنى ياعدنان ..سنتين مشفتكش ولا رفعت التليفون وكلمتنى ..قطعت كل اتصال بينا..تبقى نسيتنى ولا لأ ؟

ابتسم عدنان قائلا:
وانتى مكلمتنيش ليه ياسوزى لما أنا قطعت زي ما بتقولى؟

وضعت سوزى قدما فوق الأخرى وهى تتراجع فى مقعدها قائلة بغرور:
مش سوزى المنشاوى اللى تتصل بحد ياعدنان..انت نسيت انا ابقى مين ولا ايه؟

تعالت ضحكات عدنان ليقول بعدها:
تعرفى اكتر حاجة بحبها فيكى ايه ياسوزى؟

صمتت سوزى ليستطرد هو قائلا:
غير انك حلوة أوى وذكية أوى.. بس ثقتك بنفسك أكتر حاجة بحبها فيكى.

زفرت سوزى قائلة:
عايز ايه ياعدنان؟قول وخلصنى.

ابتسم عدنان قائلا:
عايز أشوفك.

قالت سوزى فى برود:
طب ما تيجى.

اتسعت ابتسامة عدنان قائلا:
مش هينفع اخرج اليومين دول من البيت أصلى مستهدف ياقطة..تعالى انتى فى مكانى السرى .

قالت سوزى فى استنكار:
انت عايزنى آجى جحر الشيطان.

ضحك عدنان ثم قال:
انت عرفتى اسمه كمان.

قالت سوزى بثقة :
مش معنى انى بعيدة يبقى معرفش كل حاجة عن كل حبايبى..أنا برده سوزى ولا نسيت ياعدنان؟

ابتسم عدنان قائلا:
منسيتش ياسوزى بس انا مش واحد من حبايبك ..أنا كنت أعز الحبايب..يظهر انتى اللى نسيتى..عموما أنا مستنيكى ياسوزى عشان أفكرك.

قالت سوزى فى ملل:
خلاص ياعدنان..جاية..سلام

ثم أغلقت الهاتف وألقته على الطاولة لتنظر الى الأمام قائلة فى حيره

 

 

الفصل التاسع

دلفت فتون الى مبنى الشركة بخطوات تبدو لناظريها واثقة بل تكاد تصل الى الغرور ..ولكن لمن يعرفها جيدا سيلاحظ توترها الشديد من خلال احكامها غلق قبضتها على حقيبتها ..فلقد كانت تجلس فى سيارتها لمدة طويلة تنتظر اتصالا من نبيل ليجيئها هذا الاتصال منذ قليل..يخبرها أنهم قد اتفقوا على بنود العقد ولم يبقى سوى التوقيع وأن تحضر الى الشركة على الفور كي توقع العقود..وبالطبع هنأها نبيل على اقتراحها بعدم الحضور متعللين بذلك الميعاد الذى كانوا مضطرين لالغاءه فى اللحظة الأخيرة،فقد قضي ذلك على أي أثر لشك قد سكن فى قلب ياسين تجاههما..لا يعلم نبيل أنها ما لجأت لتلك الكذبة لدحض شكوك ياسين تجاههم ..بل على الأحرى لتستطيع تمالك مشاعرها فمنذ الصباح وهي قلقة للغاية من لقائها بياسين..لذا احتاجت فقط بعض الوقت لتعود السيطرة مجددا لتلك الفتاة التى أقسمت على أن لا يهدأ لها بال حتى تجعل قاتل أختها ذليلا لها ليتمنى الموت على يدها ولا يجده.. لتعود تلك التى لا تبغى شيئا فى الحياة سوى انتقاما مشتعلا يليق بمصابها.

دلفت الى المصعد متجهة الى مكتب ياسين وقد امتلأ قلبها عزما على المضي فى مخططها..طرقت الباب بهدوء ثم دلفت لتجد تلك الفتاة المتحذلقة والتى لا تطيقها جالسة على مقعدها خلف المكتب.. لم تنبت فتون بكلمة وهي تنظر اليها ببرود..لتنهض الفتاة ثم تتجه الى ذلك الباب الجانبى والخاص بياسين تطرق بابه بهدوء ثم تدلف معلنة عن وصول فتون ثم تتنحى لها جانبا وتدلف فتون الى الحجرة تتأمل فى هدوء أولئك الحاضرين و الذين وقفوا تحية لها..لتبتسم محيية إياهم برأسها حتى استقرت نظراتها على ياسين ..شعرت برجفة فى قلبها من تلك النظرات الباردة والتى حدقها بها ..رسمت ابتسامة على شفتيها وهي تقترب منه قائلة بأسف مصطنع:
آسفة لو اتأخرت عليكم..بس الطريق كان زحمة جدا فى وسط البلد.

أومأ ياسين برأسه متفهما وهو يقول:
محصلش حاجة يامدام فتون ..اتفضلى اقعدى.

شابت ابتسامتها بعض السخرية وهي تقول:
آنسة فتون..وبعدين احنا مش قلنا بلاش الألقاب ..احنا خلاص هنبقى شركا ..ولا ايه؟

اومأ برأسه موافقا دون أن ينطق بكلمة..وهو يتجنب النظر إليها..جلست على المقعد المواجه لمكتب ياسين بهدوء تضع قدما فوق الأخرى.. فاقترب منها محامى الشركة فى تلك اللحظة يتأملها فى اعجاب..ثم يمد يده اليها محييا وهو يقول:
ألف مبروك يافتون هانم..دى أول مرة أشوف حضرتك بس سمعت عنك كتير..احنا أكيد اتشرفنا بانضمامكم لينا.

ابتسمت فتون وهى تمد يدها بدورها تسلم عليه قائلة:
الشرف لينا أستاذ…..

وتركت جملتها معلقة ليسرع المحامى بالتعريف عن نفسه قائلا:
محمود شاكر محامى الشركة.

أخفت ابتسامة داخلية عندما سمعت صوت ياسين وهو يقول بحدة:
ياريت نمضى العقود بسرعة ومنضيعش وقت ياأساتذة.

نظر إليه الجميع بدهشة من حدته ليشعر بالارتباك..ويقول متلعثما:
أنا..أنا ..يعنى ورايا مواعيد تانية وبالشكل ده هتأخر عليهم.

التفتت اليه فتون تقول بنبرة آسفة مصطنعة:
آسفة لتانى مرة ع التأخير..وأكيد مش هنأخرك أكتر من كدة على مواعيدك ياياسين.

أغلق ياسين أهدابه يخفى نارا تأججت بعيونه..فحتى طريقة نطقها لإسمه تشبهها كثيرا..ياالله ..يبدوا أنه سيتعذب كثيرا، فلكي يستطيعوا تقوية مكانة شركتهم فى السوق.. حتى يستطيعوا التغلب بها على شركة الشيطان سيكون عليه أن يتعامل طويلا مع تلك الفتاة التى تذكره بها كثيرا..تذكره بحبيبته ومعذبته ميسون.

********************

تناهى الى مسامع مروان صوت ضحكات تأتى من الحديقة ..عقد حاجبيه وهو يميز صوت تلك الضحكات .. يدرك أنها لها لتتسارع دقات قلبه على نبراتها الضاحكة..نهض مقتربا من النافذة لينظر الى مشهد خلب لبه ووجد رغما عنه ابتسامة تسللت الى شفتيه..كان فارس يمسك يد زينة يحاول أن يقنعها بالنزول الى الماء ولكنها كانت ترفض ليميل فارس ويحمل بعض الماء بين يديه..يقذفه باتجاهها فتتعالى ضحكاتها..كانت اشارات فارس تنبأه بأنه يحاول اقناعها بالنزول الى الماء وإشاراتها ترفض رفضا قاطعا..يعلم تماما سبب رفضها فقد أخبرته فى احدى الليالى عن موت شقيقها غرقا وكم كانت مرتبطة بأخيها ..حتى أصبح لديها عقدة مرضية تجاه الماء ..لدرجة أنها عندما تستحم لا تغمر نفسها أبدا بالماء وتختنق بسرعة اذا سكبت الماء بكثرة على رأسها..ليقسم فى نفسه وقتها أنه يوما ما سيقضى على تلك العقدة لديها وسيعلمها بنفسه السباحة..ابتسم فى سخرية من نفسه ..كم كان ساذجا فى حينها.

أفاق من أفكاره فى هلع على مرأى فارس يجذب يد زينة بشدة فتقع فى الماء ليتعالى صريخها.. أسرع بالخروج من المكتب مهرولا..و متجها الى حمام السباحة بسرعة البرق.. ليقذف بنفسه فى الماء بملابسه دون تفكير يقترب منها بسرعة ويحملها من خصرها لتضع يديها حول رقبته تتمسك به بشدة ..هاله وجهها الذى تحول لونه الى الأزرق وشفتيها اللتان ترتعشان رغم أن المياه لم تكن عميقة ابدا ولكن لابد وأن يكون ذلك من تأثير خوفها المرضي..لم تنطق سوى اسمه بنبرة ضعيفة ليجد نفسه يضمها الى صدره بشدة..يغمض عينيه..وهو يمرر يده على شعرها المبتل بحنان يقول بهمس:
انتى كويسة يازينة..كويسة ياحبيبتى.

ليهدأ ارتجافها رويدا..حتى توقفت عن الارتجاف تماما وسكنت حركتها ليدرك أنها قد أغشي عليها.. حملها بين يديه بسرعة وهو يتجه الى السلم يصعد الى خارج المياه لتقع عيناه فى تلك اللحظة على فارس الذى شحب لونه وظهرت عليه الصدمة ليشعر بما يعانيه ذلك الطفل الرقيق المحب لوالدته والذى ربما يشعر الآن بالذنب لما تعانيه هي ..ليغير وضعية حملها ويحملها على كتفه وهو يمد يده الى فارس قائلا فى حنان:
تعالى معايا يافارس.

نظر فارس الى يد مروان الممدودة اليه بنظرات زائغة ليكرر مروان طلبه ولكن بنبرة أكثر صرامة لتستقر نظرات فارس على يد مروان ويمد يده اليه بدوره ليتمسك بها مروان وهو يأخذه معه الى خارج حمام السباحة يسرعان بخطواتهما الى داخل الفيلا لتقابلهم دادة تحية على الباب وقد اصابها الفزع من مظهرهم لتقول بقلق:
خير ياسى مروان ..مالها زينة.

قال مروان بسرعة :
تعالى معايا يادادة على أوضتها بسرعة.

اومأت تحية برأسها وهي تتبعهم بخطوات سريعة ليدلف مروان الى الحجرة ويترك يد فارس ثم يضعها على السرير برقة..أسرع الى طاولة الزينة وأحضر عطرا ونثره على يده ثم مرره على أنفها لتتململ زينة ويبدو انها على وشك الاستيقاظ ..أحس مروان بالارتياح وهو يراها تفتح عينيها الجميلتين تنظر إليه ببراءة وضعف لطالما سحراه.. أحس بضعفها يقتله..ليبعد ناظريه عنها يبتعد عن سحرها وهو يقول موجها حديثه لدادة تحية:
هاتيلى هدوم لفارس يادادة وساعديها عشان تغير هدومها.

أسرعت دادة تحية تنفذ اوامره بينما ألقى هو نظرة أخيرة عليها تأمل فيها ملامحها لثانية قبل أن يبتعد وهو يأخذ الملابس من يد دادة تحية ويمسك يد الصبي الناظر الى والدته بخوف..فمازالت الصدمة تعتريه ..ليتجه به مغادرا تلك الحجرة إلى حجرته و مغلقا الباب خلفه ولكن ليس قبل أن ينظر اليها ليجدها تتابعه بعينيها وقد ارتسمت فى عينيها نظرة حملت إليه مشاعر عديدة تمنى لو صدقها ..لو وثق بها ولكن للأسف ..ذهبت الثقة ولكنه اكتشف أن العشق لم يذهب معها.

******************
كانت سوزى تمشى بسيارتها فى ذلك الممر الطويل والذى ينتهى بتلك القلعة المحصنة .. يتناثر افراد الحراسة بها..لقد سمعت كثيرا عن تلك القلعة والتى يطلقون عليها جحر الشيطان..ولكن تلك هي المرة الأولى التى تراها فيها..أصابت جسدها قشعريرة وهى تدلف اليها ..توقن من أن اسمها حقا يليق بها..فهى قلعة قاتمة تليق بشيطان مثل عدنان..أوقفت سيارتها ليقوم أفراد الحراسة بالتأكد من هويتها ..لم يهمها اطلاقا نظرات الاعجاب التى رمقوها بها وهى تهبط من السيارة ليستقبلها هارون بنفسه بترحيب شديد..ابتسمت له قائلة:
ازيك ياهارون.

قال هارون باحترام:
أنا تمام ياهانم..نورتى القلعة.

ابتسمت قائلة:
ميرسيه.

أشاراليها بيده أن تتقدمه قائلا:
اتفضلى ياهانم ..عدنان باشا فى انتظارك.

تقدمته سوزى وهى تقول:
انت اشتغلت مع عدنان من إمتى ياهارون؟

قال هارون :
من سنتين ياهانم.

قالت سوزى:
وسبت شاكر منصور ليه؟

قال هارون:
الباشا طلبنى أشتغل معاه ..وأنا مقدرتش أرفض.

توقفت سوزى والتفتت لتنظر اليه قائلة:
فرصة عظيمة طبعا ..أنا اللى اعرفه ان شغلك ممتاز ياهارون بس مادام عدنان طلبك يبقى شغلك فوق الممتاز كمان.

ابتسم هارون قائلا:
دى شهادة كبيرة ياهانم..أشكرك عليها.

عادت سوزى لتتقدمه قائلة:
بس خلى بالك.. مع عدنان مينفعش تغلط..هيوديك ورا الشمس لو ده حصل واسألنى أنا.

قال هارون بهدوء:
عارف ياهانم ..عارف

ابتسمت سوزى فى نفسها وهى تقول بصوت خافت لا يسمع:
لأ متعرفش..لأن لو تعرف اللى أنا أعرفه مش هتشتغل معاه أصلا.

قال هارون:
بتقولى حاجة ياهانم؟

توقفت سوزى أمام باب غرفة المكتب الخاصة بعدنان والذى أشار اليها بيده أنها الحجرة المقصودة وهى تقول:
لأ مبقلش حاجة ياهارون..فرصة سعيدة..سلام.

أومأ هارون برأسه محييا وهو يراها تدلف الى الحجرة دون أن تطرق بابها ليدرك عمق العلاقة بينها وبين عدنان..التفت مغادر بابتسامة خبيثة وهو يقول بصوت خافت ساخر:
لو تعرفى انتى اللى أنا أعرفه مكنتش رجلك هتخطى عتبة جحر الشيطان ياسوزى هانم.

لتتسع ابتسامته الساخرة تدريجيا وهو يغادر تلك القلعة ليتفقد الحراس ويتأكد من أن كل شئ طلبه منه عدنان قد تم.. وأن كل شئ على مايرام وكما يريده سيده تماما.

 

الفصل العاشر

كان مروان يبدل ثياب فارس وبينما يغلق له سحاب سترته حتى شعر بيده تبتل فرفع عينيه بسرعة الى عيون فارس ليجد الدموع تغرقها ..شعر مروان بالألم لمرأى دموع ذلك الصبى الجميل وارتجافته التى ازدادت حدتها..ليضمه الى صدره على الفور ليفرغ فارس كل دموعه على صدر مروان..تتعالى شهقاته لتمزق نياط قلبه..قال مروان بحنان:
خلاص يافارس..ماما محصلهاش حاجة ..هي دلوقتى كويسة وبخير ياحبيبى.

قال فارس من بين دموعه بصوت متقطع النبرات:
بس كان ممكن …يحصلها ياآنكل….كان ممكن تموت….بسببى…أنا مش عارف هي خافت ليه…المية مكنتش غويطة… ومكنتش هتغرق.. هي خافت ليه ياآنكل؟

قال مروان وهو يربت على ظهر الصبى بحنان:
ماما وهي صغيرة حصلتلها حادثة صغيرة يافارس خليتها تخاف من المية ..بس متقلقش..لو حد ساعدها ممكن مع الأيام .. خوفها ده يقل وفى يوم هيروح خالص.

أحس مروان بالصبى تخف ارتجافته تدريجيا..وتتحول تلك الشهقات الى تنهيدات صغيرة ليبعده مروان عن صدره وينظر الى وجهه يمد يده بحنان يمسح تلك الدموع من وجه فارس..قائلا:
متقلقش قلتلك ..الموضوع مش صعب أوى.

نظر فارس الى عيون مروان قائلا:
طب ممكن تساعد ماما معايا ياآنكل عشان نخليها متخفش تانى من المية؟

نظر مروان الى عيون فارس بصدمة ..كاد أن يرفض رفضا قاطعا فهو لن يقطع هذا الوعد ولن يمد يده بالمساعدة الى تلك الفتاة مجددا ولكن تلك النظرة المتوسلة فى عيون فارس أجبرته على أن يهز رأسه موافقا بهدوء ليندفع الصبى الى حضنه يضمه بقوة وهو يقول:
شكر ياآنكل..أنا بحبك أوى أوى.

ضمه مروان بحنان وهو يغمض عينيه قائلا:
وأنا بحبك أوى ياقلب آنكل.

********************
نهض عدنان على الفور عندما رأى سوزى تدلف الى المكتب بتلك الهالة الساحرة والتى عهدها فيها ليبتسم وهو يقترب منها ويمد يده يمسك يدها ويرفعها الى فمه يقبلها قائلا:
أهلا أهلا بأميرتى.

ابتسمت سوزى قائلة :
أهلا بيك ياعدنان.

تأمل ملامحها بعيون يغمرها الاعجاب الواضح وهو يقول:
متغيرتيش ياسوزى.. بالعكس.. حلاوتك زادت..وكأن السنين اللى فاتت ممرتش عليكى.

ابتسمت سوزى وهى تقترب منه كثيرا ترفع يدها الحرة وتلمس فوديه اللذان خطهما الشيب بالتوالى وهي تقول:
بس انت اتغيرت ياعدنان..والسنين بانت عليك.

ابتسم عدنان قائلا:
يمكن بانت على شعرى….

ثم أشار الى جسده بأكمله مستطردا:
بس شكلى..معتقدش…

وضرب على قلبه بقوة قائلا:
والقلب لسة حديد …

ليغمز قائلا:
وأعجبك أوى.

أطلقت سوزى ضحكة عالية أطاحت بعقل عدنان وهي تقول:
لسة زي ما انت ياعدنان..حقيقى متغيرتش.

ابتسم عدنان وهو يتجه بها الى الأريكة الموجودة بالحجرة ليجلسها ويجلس بجوارها قائلا:
وأتغير ليه ياسوزى؟المهم.. سيبك منى وقوليلى أخبارك ايه؟

مطت سوزى شفتيها الجميلتين قائلة:
كله تمام ياعدنان..انا لسة زي ما انا.

قال عدنان بتساؤل:
يعنى مفيش حد فى حياتك دلوقتى؟مفيش ضحية جديدة لسوزى هانم؟

هزت سوزى رأسها نفيا وهي تقول:
لأ.. لسة ملقتش.

لتغمز قائلة:
بس بدور وأكيد هلاقى.

نظر عدنان الى عينيها قائلا:
ولو قلتلك انك مش محتاجة تدورى.

عقدت حاجبيها قائلة :
تقصد ايه ياعدنان؟

نظر عدنان الى عمق عينيها وهو يقول:
هقولك ياسوزى ..هقولك.

********************

أسرع الجميع بتهنئة بعضهم البعض لإمضاءهم العقود..وما ان صافح ياسين فتون حتى توقف الزمن لثوان فتلك الصاعقة التى أصابت كليهما جعلت كل منهما ينظر وفى نفس اللحظة الى عيون الآخر.. بداخلهما يرتجف ولكن ملامحهما لم تعبر عن صدمتهما ليترك ياسين يد فتون على الفور وهو يتجه الى كرسي مكتبه ليجلس عليه بينما أغمضت فتون عينيها لثانية قبل ان تفتحهما وقد عادت البرودة الى ملامحها..قال محمود المحامى:
أنا هقوم دلوقتى أروح لمروان بيه آخد امضاؤه على العقود وبعدين هروح أوثقها.

اومأ ياسين برأسه بينما قال محمود لنبيل:
فرصة سعيدة يانبيل بيه ..الحقيقة المحامى بتاعكم أستاذ كبير وأنا اتشرفت بمعرفته..وآسف إنه اضطر يمشى بسرعة كان نفسى أتعرف بيه أكتر.

ليبتسم نبيل مجاملا وهو يقول:
فرصة تانية بإذن الله.

ليبتسم محمود قائلا:
بإذن الله.

بينما اقترب من فتون قائلا:
فرصة سعيدة يافتون هانم.

ابتسمت فتون فظهرت غمازتيها..ليدق قلب ياسين بقوة ..يشتعل بالغيرة وهو يرى محمود تشتد نظراته اعجابا وهى تقول:
أكيد احنا الأسعد ياأستاذ محمود.

قال ياسين بصوت حاول جعله هادئ قدر المستطاع:
بسرعة ياأستاذ محمود ..عشان تلحق تاخد امضة مروان ..هو مستنيك دلوقتى.

نظر محمود الى عيون ياسين ليدرك من نظراتهم ان عليه التوجه حالا للخارج ليومئ برأسه متجها الى الخارج بسرعة بينما قال نبيل:
نستأذن احنا بقى دلوقتى ياياسين ومن بكرة الصبح هتلاقينا فى الشركة بإذن الله.

كاد ياسين ان يتحدث حين تناهى الى مسامعه صوت طرقات على الباب ليقول بصوت رخيم:
اتفضل.

دلفت الى الحجرة دارين تمسك بيدها بعض الأوراق تأملت الحاضرين بارتباك خاصة عندما وقعت عيناها على نبيل الذى تجمد فى مكانه تتركز نظراته عليها ..تلك النظرات التى تربك كيانها بأكمله..تحاشت نظراته وهي تنظر الى ياسين الذى قال بهدوء:
تعالى يادارين.

دق قلب نبيل على نغمات حروفها اسمها ..وظل يردد..دارين دارين دارين.

تقدمت دارين باتجاه ياسين وهي تقول باعتذار :
أنا آسفة والله انى بقاطع اجتماعكم ..بس الورق ده لازم تمضى عليه ياياسين عشان اوديه البنك حالا.

ابتسم ياسين لها قائلا:
ولا يهمك ياحبيبتى..هاتى الورق وأنا همضيه علطول.

دقت القلوب رعبا فى تلك اللحظة ..يتساءل نبيل هل دارين هي حبيبة ياسين ؟ هل هي خطيبته؟بينما شعرت فتون باليأس وأن خطتها على وشك الفشل..وهناك فى أعماقها احست بشعور غريب بالغيظ من تلك الفتاة التى تحوز على اهتمام ياسين وقبل أن تفسر ذلك الشعور..وجدت ياسين يقول بعد ان أنهى امضاء تلك الأوراق:
أحب اعرفكم بدارين أختى.

لينظر الى دارين قائلا:
نبيل وفتون ..الشركا الجداد معانا هنا فى الشركة.

ابتسمت قائلة:
أهلا وسهلا.

ابتسموا وهم يومأوا لها برءوسهم بينما تنفس نبيل الصعداء وهو يدرك أنها اخته وليست حبيبته ليعود وينتابه الضيق فكونها أخته يقضى على أي أمل كان لديه للتعرف إليها..ورغما عنه ظهر ذلك الضيق على ملامحه لتعقد دارين حاجبيها..بينما كادت فتون أن تضرب رأسها بخفة تتعجب كيف تاه عن بالها كونه لديه اخت تدعى دارين لتدرك أنها تفقد تركيزها بسهولة عندما تكون بجوار هذا الياسين مما يهدد خطتها كلها بالفشل..طال الصمت فشعرت دارين بالارتباك لتقول:
انا مضطرة أستاذن لإنى اتأخرت..فرصة سعيدة ياجماعة.

لم يجيبها نبيل بينما قالت فتون بهدوء:
احنا الأسعد.

نظرت دارين الى أخيها بابتسامة وهي تومئ له برأسها ثم غادرت تتبعها عيون نبيل فى ألم لتلتقط فتون تلك النظرة ولكنها لم تعقب وهي تقول موجهة حديثها الى ياسين:
احنا كمان مضطرين نمشى..بعد إذنك.

أومأ ياسين برأسه لتمسك فتون بيد نبيل الشارد وتتجه الى الخارج تتابع حركتها عيون ياسين لتشتعل داخله النيران وهو يراها تتعامل بتلك الأريحية مع نبيل..ليغمض عينيه بعد مغادرتهما يفكر فى تلك الورطة التى أوقع نفسه بها.

********************

نظر مروان إلى ذلك الملاك البرئ النائم بجواره بعد معاناة..يتأمل ملامحه بحنان..ليميل عليه يقبل رأسه برقة قبل أن يعتدل ويستند بظهره على وسادته يشرد فى ذلك الماضى الذى تعذبه ذكرياته..كانت تلك الليلة هي الليلة الأخيرة له فى منزله والتى جمعته بزينة فى حجرته..وقتها كانت زينة تنام على صدره تمرر يدها عليه برقة بينما يضمها إليه يمرر يده فى خصلات شعرها..ينعم بقربها..حين سمعها تقول بهمس:
مروان.

همهم قائلا:
امممممم.

اعتدلت تنظر إلى عينيه قائلة:
انت بتحب الأطفال؟

عقد حاجبيه وهو ينظر إليها قائلا:
اشمعنى؟

عقدت حاجبيها بدورها وهي تقول:
ايه هو اللى اشمعنى؟أنا بسألك بتحب الأطفال؟الاجابة بسيطة ياآاه يالأ.

اعتدل وهو حائر من سبب سؤالها..هل ترغب فى الأطفال أم تسأله سؤالا عاديا؟لم يدرى وقتها سبب سؤالها..ليصمت وهو يتأمل ملامحها يود لو يسبر أغوارها..لتتحول ملامح زينة إلى الجمود ثم تنهض بعصبية وهي تلبس فستانها بسرعة قائلة:
خلاص يامروان..اجابتك وصلتلى..عن اذنك.

ثم اتجهت إلى الباب لينهض بسرعة من السرير ويمسك بيدها يقربها منه لتواجهه بوجه خال من الانفعال غريب كلية عنها..ليقول هو بحدة:
هو إيه اللى اجابتك وصلتلى وعن اذنك..انتى اتجننتى يازينة..هو أنا لسة اتكلمت؟

نظرت إليه زينة تقول بحزن:
وسكوتك ده إيه..قوللى؟معناه ايه غير انك مبتحبنيش وانك مش عايز منى أطفال..مش عايز نكون عيلة..وان اللى بيجمعنى بيك مش اكتر من رغبة..وانى نزوة بالنسبة لك.

اتسعت عينيه بصدمة من كلماتها ليترك يدها موجها اصبعه إلى صدره قائلا:
أنا يازينة..أنا مبحبكيش ومش عايز يكون لية منك أطفال وانت بالنسبة لى نزوة وبس ..كل ده اكتشفتيه من سكاتى؟

نظرت إليه لاتدرى فيم تفكر وبماذا ترد عليه ليقول بألم:
أنا محبتش حد فى الدنيا دى أدك انتى.. ورغم انى كنت رافض أدخل أي حد فى حياتى دخلتك انتى..لانى لقيتنى غصب عنى بحبك..مهما قاومت مشاعرى..فى الآخر استسلمت..ولو حابب يكون لية أطفال مش هعوزهم غير منك انتى..بس انتى عارفة حالة قلبى..صحيح أنا حالتى أحسن من غيرى كتير بس برده بخاف..بخاف أجيب طفل للدنيا دى وبعدين أموت وأسيب….

وضعت زينة يدها على فمه قائلة بلهفة:
أبوس ايدك متقلش الكلام ده..انت زي ما قلت أحسن من غيرك كتير..وبإذن الله ربنا هيخليك لية عشان عارف بحبك أد إيه وانى من غيرك أموت يامروان.

ليضمها مروان بسرعة يغمض عينيه بقوة قائلا:
بلاش سيرة الموت ..كفاية وجع..كفاية يازينة..انا وانتى هنعيش ومع العلاج اكيد هكون أحسن وساعتها هطمن..و هنجيب الطفل اللى نفسك فيه.

قالت زينة فى ألم:
أنا المهم عندى انت..انك تكون معايا ياحبيبى ..وآسفة لو سيرة الأطفال قلبت عليك المواجع ..آسفة بجد..

ابتعد عنها ينظر الى عينيها الجميلتين وهو يقول بحزن:
أنا اللى آسف يازينة..حياتك معايا ملخبطة وأي حاجة بتتمنيها مش قادر أديهالك..مع ان لو بإيدى كنت حققتلك كل أحلامك من قبل حتى ما تحلميها.

نظرت إلى عينيه قائلة بعشق:
انت كل أحلامى يامروان..

لتتردد قليلا وهي تقول:
بس….

لتصمت فعقد مروان حاجبيه قائلا:
بس ايه يازينة؟

تجنبت النظر إلى عينيه وهي تقول:
كنت عايزة أقولك على حاجة مهمة.

قال بحيرة:
فيه ايه يازينة؟

ليسمعا صوت حركة بالخارج فانتفضت زينة قائلة:
شكل فيه حد صحى..أنا همشى دلوقتى ونكمل كلامنا بعدين.

لتتركه وتغادر بسرعة ليتابعها فى حيرة ويظل طوال الليل يتساءل عن ذلك الشئ المهم الذى كانت تود إخباره به..وفى اليوم التالى وجد نفسه بالمعتقل لتظل كلماتها ترن فى أذنه تحيره …..حتى عرف الحقيقة.

لينظر مجددا إلى فارس قائلا فى مرارة:
ياترى انت ابنه يافارس؟انت تقريبا عمرك من عمر السنين اللى بعدت فيها عن مامتك..بس تعرف حتى لو كنت ابنه فقلبى اللى اتعلق بيك مش ممكن يكرهك بسببه..أنا لو كنت حبيت يكون لية طفل مكنتش هتمنى غيرك..بس مع الأسف دلوقتى فات أوان التمنى ومبقتش حتى أحلم يكون لية طفل من زينة أو من غيرها..فياريت تعتبرنى زي باباك وتعوضنى عن حرمانى من الأطفال اللى باقى من عمرى.

لتنزل دمعة حزينة تنعى قلبه المتألم بشدة ليمد يده بحزن يمسحها ..ثم يعتدل على جانبه يضم فارس إلى حضنه وهو يغمض عينيه ينفض أفكاره الحزينة ويحاول أن يستسلم للنوم لعله يريحه من عذابه.

********************

نهضت سوزى وهي تقول فى عصبية :
انت اتجننت ياعدنان؟

تغاضى عدنان عن اهانتها له وهو يجز على اسنانه قبل أن يقول بهدوء:
اهدى بس ياسوزى واقعدى وأنا هفهمك.

قالت سوزى بحدة:
تفهمنى ايه بس؟انت ناسى مروان اللى بتكلمنى عنه ده كان مين؟كان ابن جوزى ياعدنان؟ابن سعيد فياض ولا نسيت؟

تراجع عدنان فى مقعده قائلا بهدوء:
لأ منستش ..وعشان كدة شايفك أنسب واحدة للمهمة دى..انتى لسة صغيرة وحلوة أوى كمان..يعنى بسهولة تقدرى توقعيه فى شباكك لو حبيتى.

قالت سوزى باستنكار:
أوقعه فى شباكى؟انت أكيد نسيت مروان ياعدنان؟مروان ده محدش يقدر يضحك عليه ..هو صحيح طيب بس مش ساذج ابدا ولا عبيط.. وبعدين حتى لو افترضنا ان ممكن واحدة تلعب عليه فأكيد مش أنا ولا نسيت المشاكل اللى بينا وورث باباه اللى خرج من المعتقل لاقانى آخداه.

ابتسم عدنان قائلا:
لأ منسنتش بس اللى انتى متعرفيهوش ان مروان بقى واحد تانى خالص..مبقاش الراجل بتاع القيم والأخلاق زي زمان ..ده هيدخل معايا صفقة لو أقولك عليها مش هتصدقى..صفقة العمر ياسوزى وبصراحة انا محتاج الصفقة دى بس لسة خايف منه وحابب يكون لية عين عليه من جوة بيته..ومش هآمن لحد غيرك يجيبلى أخباره ويوقعه فى الكلام.

أطرقت سوزى برأسها تفكر قليلا الا أنها نفضت افكارها وهي تهز رأسها نفيا قائلة:
لأ ياعدنان..صدقنى مش هينفع..مروان زي العقرب وأنا أخاف اقرب منه يلدعنى وأبقى ضعت للأبد.

نهض عدنان واقترب منها يمسك يدها قائلا:
متخافيش ياسوزى أنا جنبك..هتخافى وأنا جنبك؟

نظرت اليه سوزى قائلة:
ياعدنان افهمنى ..أنا مش مرتاحة للموضوع ده ..شوفلك واحدة غيرى.

ترك عدنان يدها وهو يزفر قائلا:
الوحيدة اللى كانت تنفع أزرعها جوة بيته وتجيبلى أخباره كانت زينة وزينة هربت.

اتسعت عينا سوزى فى صدمة قائلة:
هربت..هربت راحت فين ياعدنان؟..أنا مش قايلالك تخليها تحت عنيك..دى ممكن تودينى فى داهية لو وصلت لمروان.

عقد عدنان حاجبيه قائلا:
ازاي يعنى؟

قالت سوزى بارتباك:
يعنى ..انت..انت عارف.. انها عارفة العلاقة اللى بينى وبينك وانى كنت بخون باباه معاك.. وممكن تقوله وتقلبه علية اكتر .

قال عدنان بهدوء:
متقلقيش أنا و رجالتى بندور عليها وأكيد هنلاقيها قبل ما توصله.. مقلتليش بقى هتعملى ايه مع مروان؟ ..أنا عايز ادخل الصفقة بقلب جامد.

زفرت سوزى بقوة قائلة:
بقولك ايه ياعدنان..خلى شغلك بعيد عنى ..أنا مش هقدر أعمل اللى انت عايزه منى ..أنا مش أد مروان..يلا بقى أنا ماشية ..سلام.

لتبتعد مغادرة يتابعها عدنان بعينيه حتى ابتعدت عن مرمى بصره ليرفع سماعة الهاتف وما ان أجابه محدثه حتى قال بهدوء:
نفذ ياهارون..وحالا.

رواية جحر الشيطان.

بقلم شاهندة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *