كله بالحلال بقلم امل نصر ج٢

لتجيب على اتصاله بادعاء عدم معرفته.
– الوو السلام عليكم مين معايا؟
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، انتي معرفتنيش يا بسمة؟

استمرت على موقفها لتردف بحدة:
– حضرتك هتقول مين؟ ولا اقفل واعمل حظر على طول؟

وصلها صوت ضحكته الرنانة ليردد بمرح:
– انا عزيز يا مجنونة، معقول معرفتيش صوتي؟ في ايه يا بنتي؟
اخفت ابتسامتها لتجيبه بأسف مصطنع:
– أنا اسفة يا عزيز، مكدبش عليك صراحةً، انا شكيت في صوتك، بس برضوا خوفت ليكون واحد غريب بيعاكس، معلش بقى، ما هي دي كمان اول مرة تتصل بيا.

وكأنها كانت ترى ضحكته، رد بمزاج رائق:
– ومش هتبقى آخر مرة ان شاء الله، انتي عاملة ايه بقى؟
غمرها ابتهاج غير عادي، لتنقل بنظرها نحو شقيقها وليلى التي بدأت تندمج معه، بالإضافة لسماع صوته، بهذا الاتصال المفاجئ منه، أن يكن هو المبادر بالسؤال عنها، جعل شيء من ارتياح نسبي يتسلل اليها، يخبرها بقرب نجاح خطتهما، لتجيبه بكل صدق:

– الحمد لله انا كويسة، كويسة اوي، انت بقى جيبت نمرتي منين؟

….. يتبع

الفصل العاشر

بطاولة ضمتهما وحدهما هي وابنتها، بعيدًا عن كل معارفها في النادي العريق، من سيدات اصدقائها، أو اشخاص تربطها بهم علاقة قرابة أو عشرة قديمة، في هذا المكان المعروف، والمميز لمزاولة كافة الأنشطة الاجتماعية والرياضية لها ولأبنائها،

ولكن هذه المرة كانت على صفيح ساخن، كبركان خامل، تسير حممه ببطء شديد في انتظار الإذن لانفجاره، حتى يحرق الأخضر واليابس،

لقد فقدت سيطرتها على ابناءها، ليلى التي كانت كقطعة قماش بيضاء شفافة ترى كل ما بداخلها، أصبحت الاَن غامضة، تهاودها ولا ترفض لها طلبًا، سوى المطلب الذي تتمناه من قلبها وهو الزواج من ابن خالتها سامح، من يليق بها حقًا، ولكن الغبية، رأسها المتيبس لا يلين ابدا.

عزيز واه من عزيز، ابنها المفضل، والذي اصبح يكذب عليها طوال الوقت، في كل مرة اقتربت منه لتعرف سر هذا التغير بشخصيته، يدخلها في حوارات ودوائر عجيبة،  تنسيها الغرض الأساسي من نقاشها معه، وهي الاعلم بهذا الأسلوب حينما يتبعه معها، لا يصدر إلا حينما يكن خافيًا شيئًا ما عنها .

خاطبتها ريهام وهي تتناول من طبق المثلجات خاصتها:
– يا ماما خفي حرق في دمك شوية، اشربي حتى العصير اللي قدامك يمكن يهديكي، الموضوع مش مستاهل اوي يعني

زاد اشتعال عينيها،  ترمقها بغضب مرددة:
– هو ايه اللي مش مستاهل؟ يعني بعد كل اللي حكتهولك ده، ولسة برضوا يا ريهام الكلام مش داخل دماغك؟ بقولك الاتنين متغيرين وفي نفس الوقت، طول الوقت مبسوطين، الواحد فيهم ، يا اما برا في مشوار يا اما في الأوضة بتاعته وقافل عليه،  عزيز اللي كان طول الوقت بابه مفتوح، حتى لو بيكلم بنات،  دلوقتي بيفقل اوضته قدامي، ولا اختك اللي بقت زي العجينة في ايدي ما ترفضليش اي طلب، غير الطلب اياه

عادت ريهام لخلق تبربرات لهما، فما زالت غير مقتنعة لوجود المشكلة من الأساس:
– عادي يا ماما، لما عزيز يعمل خصوصية لنفسه، ما هو يمكن بيتفرج مثلا على حاجة كدة ولا كدة، برضوا هو شاب والحاجات دي عادي بالنسبة للشباب، انا اسفة يعني، وان كان على ليلى، فدي طاقة ومجنونة اصلا، تلاقيها بتتبع معاك الأسلوب الجديد ده، عشان تاخد رضاكي ومتغصبيش عليها في موضوع سامح، ما هي كمان مش طايقاه.

– عنها ما طاقت نفسها.
تفوهت بها بحدة، لتتابع بتصميم:
– دي مقصوفة رقبة ومش عارفة مصلحتها فين، اسيبها انا بقى تخيب نفسها ولا تخسر فرصة زي سامح، بس انا برضوا احساسي بيقول ان الحكاية فيها إن، في لعب بيحصل من ورايا،
اخوكي يا ريهام ميعرفش كسوف ولا خصوصية،  دا ابني وانا عارفاه.، لازم اعرف سر التغير اللي حاصل معاهم.

سألتها باهتمام شديد:
– ودا هتعرفيه ازاي؟ ما تفهميني يا ماما، انتي ايه في دماغك؟
طالعتها قليلًا بغموض قبل ان ترتفع بعينيها تبصر ما خلفها قائلة:

– اهو جه اللي مستنياه؟
التفت رأس ريهام تتسائل نحو ما تقصد:
– هو مين  يا ماما اللي جه……..

لم ترد منار، فقد وصل الجواب لابنتها فور رؤيتها لابن خالتها وهو يتقدم نحوهن، لتردف متسفسرة بفضول:

– سامح دا اللي جاي علينا؟ انتي عايزة سامح في ايه يا ماما؟

اشتدت ملامحها وعينيها ومضت بنظرة غامضة تجيبها:
– دلوقتي تعرفي.

❈-❈-❈

في داخل السيارة، وقد كانت تستقلها اليوم بجواره في الأمام، بعد ان اتي اليها إلى الجامعة ليُقلها بعد انتهاء محاضراتها.

صامتة بابتسامة تعلو قسماتها،  تستمتع بفرض دلالها عليه، بعد ان تخطت معه عدة مراحل لتطور علاقته به، حتى قاربت التعلق ، هذا ما يصلها الاَن، تخشى ان تتطرف بأحلامها لتظنه عشقًا وبعدها ينقلب السحر على الساحر، ويجفلها بفعل غير متوقع،

على الرغم من كل ما يقدمه لها من بوادر طيبة، ولكن ما الغريب في الأمر؟  فهو شخصية جذابة، له خبرة جيدة في التعامل مع الأنثى وفهم وأغوارها، بالإضافة لذكاء فطري ، ووسامة توقع اجمل النساء في شباكه، تبًا، انه بالفعل رائع .

– ها يا بسمة، وافقتي ع اللي بقوله ولا ليكي رأي تاني؟
– ها .
تفوهت بها بعدم تركيز، قبل أن تستدرك سائلة بتفسير:
– معلش يا عزيز،  ممكن تكرر كلامك تاني.

التف لها يشاكسها بابتسامة رائعة :
– الله بقى، دا الحلوة كانت سرحانة وانا اللي بقالي ساعة برغي، اكتشف دلوقتي اني كنت بكلم نفسي.

ضحكت بشقاوة لطالما أثارت انبهاره، ويدها تتلاعب بخصلة من شعرها ترد على قوله بغنج:
– يعني، مش لدرجة انك تكلم نفسك، بس هو شوية عدم تركيز مني، أصلي راجعة من محاضرتين مرهقين،   لاتنين دكاترة ارخم من بعض.
ظلت عينيه لعدد ليس هين من الوقت،  تتنقل من النظر اليها، والى الطريق الذي يقطعه بسيارته، قاصدًا يربكها بسحره، وهي بالفعل كذلك، ولكنها أصبحت تجيد التمثيل، كي تظهر عدم الاكتراث او مبادلته النظرة بتحدي،  كما كان يحدث الاَن، حتى أجفلته بقولها:

– خلي بالك من الطريق يا بشمهمندس، ولا انت عايز تعمل حادثة؟.

كان رده ابتسامة متكاسلة قبل أن يضغط على مكابح السيارة، ثم يتوقف بها فجأة على جانب الطريق، حتى خاطبته سائلة بدهشة:

– وقفت العربية ليه يا مجنون؟ وفي نص الطريق كمان.
تجاهل تذمرها ليلتف إليها قائلًا بقصد:
– طب اعملك ايه يعني؟ ما انا لازم اخد انتباهك، لتسرحي مني مرة تانية وانا بصراحة معنديش حيل لتكرار.

زاد اتساع ابتسامتها لتضرب كفًا بالاَخر مدمدة:
– عليا النعمة انت فيك ربع ضارب، طب سمعنا يا عم كلمتينك دول بسرعة،  قبل ما نتأخد مخالفة،  محدش ضامن.

اعتدل بجذعه حتى اصبح مقابلًا لها،  مستندًا بذراعه على عجلة القيادة،  يخاطبها بجدية:
– انا عايز منك ميعاد مظبوط نخرج فيه سوا مع بعض يا بسمة،  امور التهرب والحجج اللي بتعمليها دي في كل مرة متخيلش عليا.

– طب وعايزني اخرج معاك ليه؟ ما احنا بنتكلم في الشات بالساعات، دا غير انك بتيجي بقالك كام يوم تاخذني بالعربية من قدام الكلية عشان توصلني وانا مبعترضش، عايز ايه تاني؟.

– يعني انتي بتسمي كلام الشات وتوصيلك من الجامعة لحد البيت خروجة؟ في ايه يا بسمة؟ ما بلاش تحوري بقى، انتي فاهمة انا قصدي ايه؟

– قصدك ايه؟
التقطتها منه، لتضغط عليها تريد ان تسحب منه المزيد  حتى يطمئنها بحقيقة مشاعره نحوها، ولكنه وكعادته فضل الرد بمرواغة:

– قصدي انك تحترمي عقلي شوية، انا مش عيل صغير يضحك عليه بكلمتين، انا عايز نتعرف على بعض اكتر،  في جو جميل، نقضي وقت لطيف، ولا انتي ايه رأيك؟

لملمت ابتسامة ملحة داخلها، فهذا الأمر كانت تتوقعه من البداية، ولطالما تهربت منه بالفعل، ولكن الاَن امام تصميمه، لابد لها من حل سريع، ظلت لعدد من اللحظات تطالعه صامتة بتفكير، وهو يُشبع انظاره بالتطلع إليها، فهي بالفعل جميلة، بالإضافة لذكاء حاد علمه من واقع الفترة القصيرة التي عرفها بها، لقد خبر اعداد كثيرة من النساء لا يستطيع أن يحصي أعدادهن ، ولكنها هي بها شيء مميز، شيء مختلف عن الجميع، لم يحدده حتى الاَن، ولكن هذا الشيء يجعله ينتظر لقاءها على احر من الجمر ، يتحدث معها بالساعات عبر وسائل التواصل الاتصال العنكبوتية ولا يمل، داخله رغبة غير طبيعية، تدفعه للقرب منها أكثر وأكثر حتى …….

– انت كمان سرحت؟
قالتها ترد مشاكسته مرددة نفس كلماته:
– لا يا عم  انا مينفش ارغي بالساعة معاك، وفي الآخر اكتشف اني كنت بكلم نفسي….  انا بقول اقوم احسن .

– يا سلام.
تفوه بها، لينطلق ضاحكا وهي تشاركه، حتى توقف متابعًا:
– انتي مش ساهلة ابدا يا بسمة، برضوا بتلفي وتتهربي.

ردت بدفاعية:
– لا والنعمة ما بهرب، بس انا يعني شايفة حكاية الخروج والفسح دي أمر مش هين ان اتخذ قراري فيه كدة عادي اول ما تكلمني.

توقفت برهة ثم تابعت:
– انت راجل يا عزيز، وقرارك تاخده في ثانية، حتى لو خرجت مع مية بنت، لكن انا لأ، لازم افكر مية مرة قبل ما اخرج معاك، حتى لو مرتحالك او واثقة في رجولتك،  لكن برضوا…. مش عايزة ادخل مكان وبعدها اكره لو لا قدر الله بقى ليا فيه ذكرى سيئة.

مرر بأطراف اصابعه على طرف ذقنه يستوعب كلماتها، انها فعلا تثير اهتمامه، لها أراء اكبر من سنوات عمرها بمراحل، لا يدري كيف لهذه العقلية ان تندمج مع شقيقته ليلى، والتي لم تتخطى بعد مرحلة افلام الكرتون وديزني.

– طب وانتي اش عرفك انها تبقى وحشة مش يمكن تبقى لطيفة ولذيذة.

قالها بتساؤل وكان ردها:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *