كله بالحلال بقلم امل نصر ج٢
كانت هذه مجموعة من الأفكار التي تدور برأسه، قبل ان ينتبه على حضورها، تقترب بجوار شقيقته ، مرتدية الكنزة التي ابتاعها، وقد لاقت عليها، لينعكس اللون الرائع على بشرتها، يضيف عليها مزيدًا من النضارة، والشعر الأصفر المموج زادها سحرًا، لتبدوا كجنية صغيرة تسلب العقول بروعتها.
اقتربت وقد تخضب وجهها بحمرة قانية، تخجل ان تقابل عينيها خاصتيه، لتقدمها امامه بسمة قائلة بتفكه؛
– حقك تديني جايزة يا عم ممدوح، على تعبي معاها، بعد ما اقنعتها بالعافية تلبسها، بدل البلوزة اللي اتبلت من العصير.
لم يستجيب لمزاح شقيقته، بل ظلت انظاره مسطلة عليها ، حتى خرج صوتها بصعوبة أمامه:
– انا اسفة يا استاذ ممدوح اني كلفتك، بس اكيد هرد تمنها ان شاءالله،
عقبت بسمة ضاربة كف بالاَخر مرددة باستهجان:
– يخرب عقلك، دا برضو كلام؟
اضاف هو الاَخر بصوته الرزين عاتبًا لها:
– عندها حق بصراحة، طب انني ترضهالي يا ليلى؟ لو شايفاني انسان ناقص، يبقى عادي خالص هقبل منك .
سارعت بالنفي مصححة:
– لا والله ما قصدي كدة، بل العكس……
توقفت لتتابع بمزيد من الحياء، مسبلة اهدابها عنه بخفر
– انت انسان محترم جدا، وتستاهل كل خير.
ارتخت ملامحه ليخاطبها بلهجة عزبة:
– طب يا ستي الله يعزك، ممكن بقى تقعدي، شكلنا واحنا واقفين كدة لافت النظر ناحيتنا، ولا ايه؟
– من غير ايه هنقعد طبعا.
تفوهت بها بسمة بالنيابة عنها، قبل ان تسحبها لتجلسها على المقعد المقابل له، ثم جلست هي بجوارها، لتردف بمرح:
– لا بقى اطلب لينا حاجة حلوة، بس بلاش عصير وحياتك، احنا مش ناقصين مأساة تانية.
اغتاظت ليلى لتلكزها بمرفقها، ليخرج صوت بسمة باعتراض:
– ما كفاية يا بت بقى، انا تعبت من كتر الضرب، هو انتي واخداني مقاولة النهاردة؟
برقت ليلى عينيها، ضاغطة على شفتيها لها بتهديد صريح حتى تتوقف، فهذه الملعونة لا تترد في إحراجها،
اثار فعلها المرح بقلبه ليُضحك ملئ فاهه، قبل يردد لشقيقته بتشفي:
– احسن، خليها تطلع عليكي القديم والجديد، انتي اساسًا تستاهلي.
قالها لتبادله ليلى ابتسامة مضطربة على استيحاء اسعدته، لتستند بسمة بمرفقها على سطح الطاولة مغمغمة بصوت ضعيف لا يصل اليهم:
– الله، والله وجه اليوم عليكي يا بسمة اللي تاخدي فيه دور المتفرج انتي كمان
❈-❈-❈
في منزل عزيز
و قد كان يتناول الطعام بوجبة الغداء، بصحبة والدته التي لم تتوقف عن اهدائه ابتساماتها الصفراء، وعقلها يدور بلا هوادة في عدة أنحاء، وتفكير مستمر في أمر الفتاة المجهولة، وهذا الإصرار العجيب من ابنائها الاثنان في عدم اخبارها باسمها،
– الحمد لله، تسلم ايدك يا ست الكل، الأكل تحفة ما شاء الله، نفسك لا يعلى عليه.
قالها عزيز بمجاملة اعتاد عليها لها، فتلقفت هي قوله لتوجهه ناحية الجهة التي تريدها:
– يسلم قلبك وعنيك يا حبيبي، بكرة لما تيجي بنت الحلال هتنسيك اكل مامتك والدنيا كلها.
نهض عن مقعده مرددًا لها بتقليل:
– لا طبعا ازاي الكلام.، مفيش واحدة في الدنيا تغنيني عنك ولا عن أكلك.
اوففته منار فور أن تحرك بخطوتين قبل أن بتعد عنها:
– بس انا شايفة ان احنا مقصرين اليومين دول في الموضوع ده يا عزيز.
التف اليها سائلًا بعدم تركيز:
– موضوع ايه يا ماما اللي احنا مقصرين فيه؟
نهضت تقابله في وقفته، لتجيبه بلوم:
– هو انت لحقت تنسى يا عزيز؟ انا قصدي على موضوع الجواز يا حبيبي، اوعي تقولي ان دماغك مشغولة بواحدة لافة عقلك، ازعلك منك .
قالتها بتهديد وتوعد جعله يستدرك جديتها، والدته لا تردف بنصف كلمة هباءُا، هي ترمي كلماتها جيدًا، لذا فما كان منه الا أن يسارع بالنفي:
– لا طبعا يا ست الكل، دا انتي بنفسك داخلة على حسابي وحاذفة على كيفك، انا من بعدها صاغ سليم، مفيش صنف انثى أثرت فيا .
تبسمت تدعي انها تصدقه، لتردف بعدها:
– شطور يا حبيب مامي، بس كدة بقى لازم تشد حيلك تدور معايا على بنت الحلال، ما هو مش معقول يعني مصادفتش أي واحدة وعجبتك؟ لكن طبعا لازم تبقى بنت أصول يا عزيز.
تابعت تشدد على كلماتها بقصد:
– الجمال شيء مفروغ منه، لكن انا الأهم عندي، هي انها تبقى محترمة، ومؤدبة….. عنيها مبترفعش عن الأرض، زي مواصفات رانيا كدة، اكيد طبعا انت ملحقتش تنسى البنت.
تقلصت ملامحه باحتقان وسخط، يجيبها:
– وافتكرها ليه يا ست الكل؟ هي اللي خلقها مخلقش غيرها؟ دا انا حتى كنت راضي بيها عشان خاطرك وبس، رغم اني مكنتش فاهم شخصيتها ولا عارف هتوافق شخصيتي ولا لأ، لكن برضوا اللي جاي أحلى، عن اذنك بقى.
قالها ليُحرك اقدامه ذاهبًا من أمامها دون انتظار، بعد أن استفزه حديثها، يعلم انها تفتعل كل هذا الأمر بقصد، ولكنه لن يستلم لإلحاحها، وهذا الحصار الذي تفرضه عليه، يراعي جيدا رضائها، ولكنه ايضا لن يتخلى عن حريته مهما كان الأمر.
دلف لغرفته متوجهُا نحو الكمود ليستل الهاتف بعد ان نزع عنه الشاحن الكهربائي، ليضغط الرقم الذي أتى برإسه على الفور!
❈-❈-❈
عودة الى جلسة الفتيات وممدوح الذي لم يتوقف عن الحديث مع ليلى في شتى الموضوعات، وهي تستمع اليه دون كلل او ملل، أمام انظار شقيقته، والتي كانت تطالعه بتعجب، نظرًا لمعرفتها الأصيلة برازانته، وكلماته القليلة مع الغرباء، لكن يبدوا ان صديقتها لم تكن أبدًا من الغراباء، وقد كان هو في انتظار الفرصة فقط، وها هي اتت اليه:
– عارفة يا ليلى، وانا في سنكم كدة مكنتش برسى على حيلي في اي مكان، معظم الاَنشطة في الجامعة كننت بحضرها، ندوات، مسرح، رحلات استكشافية، بس دي على فكرة انا لسة موقفاش عنها، بل ولسة مستمر فيها، حتى اسألي البت العبيطة دي، ما بصدق اخد اجازة من الشغل واروح شايل شنطنتي ومسافر في أي حتة، جوا مصر، او براها في اي دولة، حتى لو في أدغال افريقيا مبفرقش.
سمعت بسمة لتضيف بلهفة نحو صديقتها:
– ايوة صح يا بت يا ليلى، دا انا عندي صور من اخر رحلة راحها لقبيلة غريبة كدة في تنزانيا، استني هخليكي تشوفي .
قالتها لترفع شاشة الهاتف امام التي كانت تشاهد بذهول الصور العديدة له، مع أصناف من البشر بأزياء غريبة، تقارب البدائية، فخرج صوتها على الفور بتساؤل:
– يا نهار ابيض، طب انت ما بتخفش؟ انا اسمع ان في جماعات منهم، بياكلوا لحمة البشر، هو الكلام ده بجد؟
ضحك يجيبها بتباسط:
– هما فعلا فيهم قبائل لسة عندهم العادات دي ، وقبائل تانية عندهم تقاليد اغرب، بس انا طبعا مش بنزل على اي حاجة وخلاص، انا بنزل على اماكن محددة، وعارف بطبايعهم، العمر مش بعزقة.
اومأت له بهز رأسها لتضيف إلى قائمتها مزيدا من الصفات الرائعة عنه، يبدوا انه لن يكف عن ابهارها.
تابعت بسمة بفخر، لتريها المزيد من الصور، حتى تفاجأتا الاثنتان بالاتصال الوارد.
رفعت ليلى رأسها لها، تبصرها بانشداه، لم يقل عن الأخرى التي ابتلعت ريقها بحرج يتبادلن النظرات المتسائلة في صمت، حتى حسمت بسمة قبل ان ينتقل الشك لشقيقها، لتنهض سريعًا باستئذان:
– طب انا قايمة ارد ع التلفون اللي بيرن ده.
أومأ لها شقيقها، وليلى التي انتابها الخجل من الانفراد معه لتردف لها قبل أن تبتعد:
– ما تتأخريش يا بسمة، انا عايز اللحق اروح اساسًا.
أومأت لها على عجالة بالموافقة، ليعقب هو في أثرها:
– متخافيش يا ليلى، ولا انتي هتتكسفي من قعدتك معايا .
– صراحة اه.
تمتمت بها داخلها قبل ان يخرج صوتها اليه:
– لا ازاي، انا بس براعي اوي حكاية المواعيد في الخروج، محبش ماما تزعل مني لو اتأخرت.
– لا ان شاء الله مفيش تأخير
قصد أن يطمئنها بجملته، وعينيه تزاد إعجابًا بها، حتى فاجئها بقوله:
– ليلى هو انا ممكن اكلمك ع الشات وابعتلك صور الرحلات الغريبة اللي قومت بيها، أو اشرحلك عن ظروف البلاد اللي روحتها؟
– انت لسة هتستأذن؟
صدر الصوت المتلهف داخلها قبل تظهر رد فعلها بأن أومأت له موافقة بهز رأسها، ليشرق وجهه بابتسامة رأئعة، اضاءت العالم من حولها،
والى بسمة التي توقفت في ركن بعيد خلف لوح زجاجي، يظهر معظم المطعم، بالطاولات والبشر التي تملأه من عمال به أو رواد.