كبرياء الهواري مايا خالد

كبرياء الهواري. بقلم مايا خالد
الكلمة في الصعيد “عهد”، والدم مابينطفيش بن,,ار، بيطفي بصبار ووجع قلب.. ومصعب الهواري مكنش بس كبير النجع، ده كان “غول” الجبل اللي قلبه اتحجر من كتر ما شاف غدر ودم.
​السرادق كان منصوب، والرجالة واقفين صفين، السـ,ـلاح في الإيد بس القلوب هي اللي كانت مشحونة بارود. في النص كان واقف مصعب، لابس جلبابه الصوف الأسود، ماسك عصاية الأبنوس كأنها سيف، وعينيه بتقدح شرار وهو بيبص لـ “عيلة المحمدي” اللي قـ,ـتلوا أخوه غدر. الشيخ الكبير قرب منه بصوت مرعوش: “يا مصعب يا ولدي.. الصلح خير، والبنية صبا هي اللي هتكون الضمان.. جوازة حقن دما، ونقفل الدفاتر القديمة.” مصعب بص لبعيد، وحدف الكلمة زي رصاصة في نص الديوان: “أنا موافق.. بس م,,اتقولش جوازة. قول “أسيرة” داخلة بيت الهواري. هتدفع تمن كل نقطة دم سالت، واليوم اللي هتدخل فيه داري، هو اليوم اللي هتنسى فيه إن ليها أهل أصلاً!”
​في “المندرة” الكبيرة، كانت صبا واقفة. مكنتش بتعيط ولا منهارة زي ما مصعب كان راسم في خياله. كانت لابسة طرحة سودة تقيلة، ملامحها هادية بزيادة، عينها واسعة بس فيها لمعة ذكاء وتحدي مكتوم. دخل مصعب الأوضة، قفل الباب برجله بـ رزعة هزت الحيطان، قرب منها وهو بيفك شاله بغلظة: “منور يا وش البومة.. فاكرة إنك لما تدخلي هنا هتبقي ست الدار؟ أنتي هنا “خادمة” لتراب جزمة أصغر واحد في الهوارة، فاهمة ولا لاء؟”
​صبا فضلت مكانها، لا اترعشت ولا نزلت عينيها. بصت له بهدوء غريب، وبصوت ناعم بس “مسموم”: “الدار بتنور بأهلها يا ولد الهواري، وأنا داخلة هنا حق مش س,,رقة. وقسوتك دي خليها للي بيخافوا منك في النجع، أنا لا قـ,ـتلت أخوك ولا شلت سـ,ـلاح.. أنا صبا المحمدي، اللي أبوك جيه وباس يد أبويا عشان يوافق يستر الدم بالجوازة دي.”
​مصعب عينيه جحظت، قرب منها ولف إيده حوالين رقبتها بضغط خفيف: “انتي لسانك عايز القطع.. انتي بتعرفيني مين اللي طلب مين؟” صبا ابتسمت ببرود، وعينيها في عينيه: “أنا بعرفك إن اللي يكسر الناس بالقوة، بيبقى أضعف واحد لما يتحط في مواجهة مع “الحق”. اقطع لساني يا مصعب، بس ساعتها هتعيش عمرك كله في بيت أخرس، لا فيه ونيس ولا فيه حد يقولك إنك ظالم.”مايا خالد
​نزلوا المندرة الكبيرة عشان العشا قدام “الحاجة ونيسة” أم مصعب. مصعب كان عاوز يكسر صبا قدام الكل، حدف قدامها طبق الأكل بقلة ذوق: “كلي.. وانزلي من الصبح المطبخ، مفيش هوانم بتقعد في داري.” صبا بصت للطبق، وبعدين بصت للحاجة ونيسة وبمنتهى الأدب: “الأصول بتقول إن العروسة ضيفة تلات أيام يا حاجة، بس عشان خاطر هيبة ولدك اللي خايف عليها، أنا هقوم دلوقت أنضف المندرة كلها.. بس اللي يطلب يآمر بأدب، مش بحدف أكل.”
​مصعب خبط التربيزة بيده وصوته زلزل المكان: “صبااااا!”
​وقفت صبا، عدلت طرحتها بمنتهى الشموخ، وبصت له بصه خلت الكلمة تقف في زوره: “تصبح على خير يا ابن الأكابر.. وشيل حديد القسوة ده من صوتك، عشان الحيطان في البيت ده بتسمع، وأنا مش حابة حد يشفق عليك لما يلاقيك بتزعق لست وحيدة في دارك.”
​مشيت وسابته، وسابت ريحة بخور وعناد في المكان. مصعب قعد، إيده كانت بتترعش من الغيظ.. بس لأول مرة، كان حاسس إن في “ند” قصاده، مش مجرد عروسة جاية بكسرة نفس، حاسس بإن البنت دي هي الوحيدة اللي ممكن تخليه يخاف من نفسه.
​الشمس طلعت على “نجع الهوارة” وهي محملة بتقل ملوش آخر. صبا كانت صاحية من قبل الفجر، صلت وجهزت نفسها، ولبست خلقاتها الصعيدي الوقورة، ونزلت المطبخ. مكنتش خايفة، كانت عارفة إن المعركة الحقيقية مش مع مصعب وبس، دي مع دار كاملة شايفة إنها “دية” مش بني آدمة.
​في المطبخ، كانت “هنادي” و”سعدية” حريم إخوات مصعب واقفين، بيبصوا لها من فوق لتحت بغل وحقد. “هنادي” رمت السكي,,نة من إيدها وقالت بصوت مسموع:
— “يا مري.. هي العروسة نزلت من أول يوم؟ فاكرة إن الكحل والزينة هيخلونا ننسى إنك بت القاتل اللي شربنا المر؟”
​صبا مشيت ببرود، مسكت “الكنكة” وجهزت قهوتها، وردت وهي بتولع الن,,ار:
— “القاتل والمقتول عند ربنا يا هنادي.. وأنا هنا في داري، يعني اللي تقوله “ست الدار” هو اللي يمشي، والضيفة هي اللي تلم لسانها عشان متبقاش تقيلة على القلب والمكان.”
​في اللحظة دي، دخل مصعب بطلته اللي تهز الجبل. سمع كلمتها الأخيرة، وعينيه جت في عينيها. كان لابس لبسه الرسمي ونظراته حادة زي الموس. قرب من صبا، والكل سكت كأن على رؤوسهم الطير.مايا خالد
— “بتقولي إيه يا بت المحمدي؟ ست الدار؟ أنتي هنا “خداشة” للكل، والكلمة اللي قولتيها دي حسابها معايا بعدين.”
​صبا لفت له، ورفعت القهوة في إيدها بهدوء مستفز:
— “قهوتك يا ولد الهواري.. عشان تعدل دماغك قبل ما تخرج للناس بوشك العابس ده. الناس بره محتاجة “كبير” يحكم بالحق، مش “ديب” مبيعرفش غير العويل.”
​مصعب اتنرفز، مسك إيدها بقوة خلت القهوة تدلق على إيده وهو مش حاسس بالوجع من كتر الغيظ:
— “انتي فاكرة إنك بكلمتين هتكسري هيبتي قدام حريمي؟ اطلعي على فوق.. ومشوفش وشك في المطبخ ده تاني، أكلك وشربك هيجيلك لحد عندك، كأنك ميتة ومستنية الدفن.”
​صبا بصت لإيده اللي اتلسعت من القهوة، ملامحها اتغيرت للحظة، وبحركة مكنش متوقعها، سحبت إيده وبدأت تمسحها بطرف شالها وهي بتهس بصوت واطي مسمعوش غيره:
— “إيدك اتلسعت يا مصعب.. والوجع اللي في قلبك لسه مأثر عليك. اهدى، الن,,ار مابتح,,رقش غير اللي بيمسكها. أنا طالعة، بس مش عشان خايفة، عشان القهوة باظت.. ومرارة قلبك كفاية عليك الصبح.”
​سابت إيده وسابت الكل واقف في صدمة. مصعب فضل باصص لإيده، ريحة ريحتها (مسك وعنبر) لسه في الشال، وكلمتها رنت في ودنه. “هنادي” حاولت تتكلم:
— “شفت يا مصعب؟ شفت قلة الأدب؟”
​مصعب لف لها بعين حمرا، وزعق بصوت هز المطبخ:
— “حسكم عينكم حد يدخل بيني وبينها! دي “مراتي” وليا حساب معاها، اللي هتفتح بوقها بكلمة هقطع لسانها.. مفهوم؟”
​خرج مصعب للديوان، بس باله مكنش مع الناس. كان بيفكر في البنت دي.. إزاي قوية كده؟ إزاي عينيها فيها عزة نفس وهي “مكسورة” الجناح ووحيدة في وسطهم؟

ليل نجع الهوارة كان دايمًا هادي، بس في جناح مصعب كانت الن,,ار قايدة من غير حطب.
​دخل مصعب الجناح وهو شايل حمل الدنيا فوق كتافه، رمى شاله على الباب وهو ناوي يفرغ غله كله في صبا. بس أول ما خطى عتبة الأوضة، وقف مكانه. ريحة المكان اتغيرت.. مابقتش ريحة السجاير المكتومة والتراب، بقت ريحة “بخور عدني” وعطر هادي يخلي الأعص,,اب تسترخي غصب عنها.
​الأوضة اللي كانت عبارة عن “مخزن” لواحد عايش عشان يقتـ,ـل وبس، اتغيرت. السجاد مفروش بنظام، هدومه اللي كانت بتترمي بإهمال مترتبة فوق السرير، وصبا.. صبا كانت قاعدة على الكرسي الهزاز، ماسكة كتاب في إيدها، ولابسة جلابية بيت بيضا حرير، وساترة شعرها بطرحة خفيفة.
​مصعب بصلها وعيونه بتلمع بغض,,ب مكتوم:
— “مين اللي أذن لك تمدي يدك في حاجتي؟ ومين قالك إني عايز أشم الروائح دي هنا؟ أنا أوضتي تفضل زي ما هي، سامعة؟”
​صبا قفلت الكتاب بهدوء، وقامت وقفت قصاده. كانت أقصر منه بكتير، بس وقفتها كانت بتحسسه إنها هي اللي مالكة المكان:
— “حاجتك هي حاجتي يا ولد الهواري، والدار اللي مفيهاش ريحة ست، تبقى قب,,ر.. وأنا لسه حية، ومحبش أعيش في قبور.”
​قرب منها مصعب بخطوات سريعة لحد ما حاصرها بينه وبين الحيطة، حط إيديه الاتنين حواليها وسند على الحيطة، وهمس بصوت زي فحيح الأفاعي:
— “انتي بتلعبي بالن,,ار يا صبا.. فاكرة إنك لما ترتبي الأوضة وتفتحي البخور هنسى إنك بت المحمدي؟ هنسى إن دم أخوي في رقبة أهلك؟”
​صبا منزلتش عينها، بل بالعكس، قربت وشها منه أكتر لحد ما أنفاسهم اختلطت، وقالت بكلم,,ات تقطر ثقة:
— “مانسيتش.. وعمري ما هنسى. بس أنا هنا عشان أطفي الن,,ار دي، مش عشان أزودها. وبعدين يا مصعب.. أنت خايف من إيه؟ خايف ترتاح؟ خايف ريحة البخور تنسيك قسوتك وتفكرك إنك بني آدم؟”
​مصعب ق,,بض إيده على الحيطة بقوة لدرجة إن مفاصل صوابعه بيضت:
— “أنا مابخافش! واعرفي مقامك كويس.. أنتي هنا “سد خانة” وبس.”

​صبا رفعت إيدها وبمنتهى الجرأة حطتها على ص,,دره، ناحية قلبه، وقالت بصوت واطي ومبحوح:
— “لو كنت سد خانة، مكنش قلبك دق الدق ده كله أول ما شوفتني.. أنت “خايف” مني يا مصعب، خايف عشان أنا الوحيدة اللي قادرة أبص في عينك ومأغمضش، والوحيدة اللي قادرة تلمس الحتة اللي أنت حابسها جوه.”
​مصعب اتنفض كأن كهربا لمسته، مسك إيدها وبعدها عنه بعن,,ف، بس عينه كانت بتقول كلام تاني خالص.. كان فيها لمعة “رغبة” متخانقة مع “غل”.
​— “انزلي هاتيلي وكل (أكل).. وبلاش كتر حديد، ليلتك مش هتعدي لو فكرتي إنك ملكتيني.”
​صبا ابتسمت ابتسامة نصر خفيفة وهي ماشية ناحية الباب:
— “الوكل جاهز في المطبخ، ملوخية ناشفة بالتقلية اللي بتحبها.. أصل سألت أمك وعرفت إنك مابتاكلش غيرها لما تكون “مهموم”.”
​خبطت الباب وراها وسابته يغلي.. مصعب رمى نفسه على السرير، ودفن وشه في المخدة اللي كانت ريحتها “هي”.. ـ,ـضـ,ـرب السرير بإيده وهو بيشتم نفسه:
— “يا مري.. البت دي هتركبني وتدلدل رجليها ولا إيه؟ دي واكلة عقلي بلسانها!”
​الهدوء اللي كان في الجناح انقطع بصوت ضـ,ـرب ن,,ار حيّ زلزل أركان النجع. صرخات الرجالة بره وصوت الخيل وهي بتصهل خلى “مصعب” ينتفض من مكانه زي الفهد. سحب بندقيته الآلية من فوق الدولاب، وعمره ما كانت إيده بتترعش، بس المرة دي عينه جت على “صبا” اللي واقفة عند الباب.
​مصعب بصوت يرعب:
— “ادخلي جوه واقفلِي عليكي بالمفتاح.. “المطاريد” هجموا على النجع، ولو حد عتب عتبة الدار دي، اضـ,ـربي في المليان بالمسدس اللي في الدرج، سامعة يا صبا؟”
​صبا وشها شحب بس متهزتش، قربت منه ومسكت دراعه بقوة:
— “خلي بالك من نفسك يا ولد الهواري.. اللي يكسر القسوة بالحب، ملوش حق يمـ,ـوت دلوقت.”
​بصلها نظرة أخيرة، نظرة فيها وداع وخوف وحاجات كتير هو نفسه مش فاهمها، وجري لبره.
​المعركة كانت حامية، الرصاص زي المطر، ومصعب في نص الن,,ار بيضـ,ـرب بقلب ميت. فجأة، لمح خيال بيتحرك من ورا السور الداخلي للجنينة.. حد من المطاريد قدر يتسحب وعاوز يد

خل البيت من باب المطبخ.ماياخالد
​قلب مصعب سقط في رجله، ساب المعركة بره وجري بجنون ناحية البيت وهو بيصرخ:
— “صبااااااااااااا!”
​دخل المطبخ والدم بيغلي في عروقه، كان متوقع يشوفها مقتولة أو مخطوفة، بس اللي شافه خلاه يثبت مكانه من الذهول.
​صبا كانت واقفة ورا “التربيزة” الكبيرة، وفي إيدها سكي,,ن دبح كبيرة، والراجل اللي حاول يقتحم البيت واقع تحت رجليها بيصرخ وماسك رجله اللي غرقانة دم، وهي حاطة السكي,,نة على رقبته وبتقول بصوت واطي ومخيف:
— “اللي يدخل دار الهوارة من غير إذن، يخرج منها من غير روح.. قولتلك يا مصعب، أنا مش ضعيفة.”
​مصعب قرب منها وهو بينهج، شد السكي,,نة من إيدها وهو بيترعش.. لأول مرة “الغول” إيده تترعش. مسك كتافها وهزها بعن,,ف وهو بيزعق:
— “انتي مجنونة؟ كان ممكن يقتـ,ـلك! كان ممكن تروحي مني يا صبا!”
​صبا بصت له، ولأول مرة شافت “دموع” محبوسة في عين مصعب الهواري. رفعت إيدها ولمست وشه بهدوء:
— “خفت عليا يا مصعب؟ خفت على “الدية” اللي سددت دم أخوك؟”
​مصعب ساب البندقية تقع منه على الأرض، وشدها لحض,,نه بقوة كأنه بيحاول يخبيها جوه ضلوعه، ودفن راسه في رقبتها وهو بيقول بصوت مكتوم ومنكسر:
— “ملعون أبو الدم، وملعون أبو الثأر.. أنتي لو جرا لك حاجة كنت ح,,رقت النجع باللي فيه. أنتي مابقتيش دية يا صبا.. أنتي بقيتي النفس اللي طالع وداخل مني.”
​صبا في اللحظة دي عرفت إنها انتصرت. مش بالسـ,ـلاح، ولا باللسان.. انتصرت لما خلت الراجل اللي مبيخافش من المـ,ـوت، يترعب من فكرة غيابها.
​بعد ليلة المطاريد، النجع كله كان بيتحدث عن “بنت المحمدي” اللي وقفت وقفة رجالة، بس الخبر وصل لعيلتها بشكل تاني.. وصلهم إن مصعب الهواري بيذلها وأنه رماها في المطبخ تخدم، وده كان العذر اللي استناه “سلطان المحمدي”، أخو صبا الكبير، عشان يكسر الصلح ويرجع يفتح بحر الدم.
​الصبح كان لسه بيبدر، والضباب مغطي الزرع، لما لقى مصعب غفر النجع بيجروا عليه:
— “يا عمدة! رجالة المحمدي واقفين على حدود الأرض، وسلطان راكب خيله وبيصرخ عاوز “أخته”، ومعاهم سـ,ـلاح يكفي بلد!”
​مصعب غسل وشه ببرود، وبص لصبا اللي كانت واقفة ورا الشيش بتراقب بقلق. لبس شاله، وحط مسدسه في جيبه، وخرج لهم لوحده، من غير غفر، ومن غير سـ,ـلاح ظاهر.. وقف قدام سلطان والرجالة والشرار بيتطاير من عيونهم.
​سلطان صرخ وهو ماسك بندقيته:
— “سلمنا البنية يا ولد الهواري! الصلح انكسر، وإحنا مابنرميش بناتنا للخدمة والذل في دياركم. صبا هترجع معانا، والدم اللي بينا وبينكم يرجع يسيل تاني!”
​مصعب وقف بكل هيبة، ربع إيده وبص لسلطان بنظرة استهزاء:
— “البنية اللي بتتكلم عنها دي مابقتش “بت المحمدي”.. دي بقت “صبا الهواري”، يعني عرضي وناموسي. واللي بيفكر يمد يده على حاجة تخص مصعب، بيبقى بيحفر قب,,ره بيده.”
​سلطان نزل من على خيله وقرب من مصعب بغل:
— “أنت هتغصبها علينا؟ البنت داخلة دارك دية، يعني مكسورة.. واليوم جايين نرفع كسرها.”
​في اللحظة دي، الباب الكبير لبيت الهواري اتفتح، وخرجت صبا.. كانت ماشية بخطوات واثقة، لابسة عبايتها السودة وشالها الحرير، ووقفت جنب مصعب، لا، دي لفت إيدها ورا ضهره وتمسكت بجلابه بقوة قدام أخوها والكل.
​صبا بصوت عالي وواضح:
— “ارجع يا سلطان.. وقول لأبوك إن صبا لقت سندها. أنا مدخلتش الدار دي دية، أنا دخلتها “ست”، وخرجت منها “ملكة” بقلب الراجل اللي واقفين قصاده ده.”
​سلطان ذهل:ماياخالد
— “انتي بتقولي إيه يا واكلة ناسك؟ ده اللي قـ,ـتل أخوكي!”
​صبا ردت بحدة:
— “واللي قتـ,ـلوه كان في حرب، واليوم إحنا في سلم. مصعب الهواري صان كرامتي لما الكل كان عاوز يكسرها، ولو فكرت تاخدني منه، هتاخد ج,,ثتي يا سلطان.”
​مصعب في اللحظة دي، لف وبص لصبا بنظرة كلها فخر وشغف، وكأنه لأول مرة بيشوفها بجد. رجع بص لسلطان وقال بصوت زلزل الأرض:
— “سمعت؟ البنت اختارت.. والمرة دي مفيش صلح دم. المرة دي اللي هيقرب من حدود داري، هاكله بسناني. خد رجالتك وارجع، وقول لأبوك “صبا” مابقتش للبيع ولا للإيجار.. صبا هي “القلب” اللي بيحرك مصعب الهواري.”
​سلطان عرف إن المواجهة خسرانة، مش عشان السـ,ـلاح، عشان “روح” صبا اللي بقت ملك لمصعب. ركب خيله ومشي هو ورجالته والغل بياكل قلوبهم.
​مصعب لف لصبا، مسك وشها بين إيديه الخشنة، وهز راسه بذهول:
— “ليه عملتي كده يا صبا؟ كان ممكن ترجعي لاهلك وتخلصي من قسوتي.”
​صبا ابتسمت بدموع وقالت له:
— “عشان قسوتك دي يا مصعب، هي اللي خلتني أعرف إنك أكتر راجل بيعرف يحب في الدنيا.. بس كنت محتاج “بنت” تطلع الحب ده من تحت الصخر.”
​مصعب سحبها لحض,,نه قدام النجع كله، وهو بيهمى في ودنها:
— “من اليوم يا صبا.. مفيش كلمة تمشي في الدار دي غير كلمتك، ومفيش حد يخوفني في الدنيا دي غير “زعلك”.”النجع كله بات ليلته يتحدث عن “زل,,زال” الهواري.. إزاي “الغول” اللي مابيلينش، وقف يحامي لمراته قدام أهلها، وإزاي البنت اللي دخلت بكسرة نفس، بقت هي “الآمرة الناهية” في حياته.

​دخل مصعب وصبا الدار، والسكوت كان سيد المكان، بس المرة دي مكنش سكوت خوف، كان سكوت “هيبة”. مصعب قفل الباب الكبير وراه، ولف لصبا اللي كانت لسه واقفه وشها منور بنور النصر، بس عيونها مليانة تعب.
​قرب منها بخطوات بطيئة، سحب “الشال” من على كتافه ورماه بإهمال، وبص لها نظرة طويلة خلت قلبها يدق بعن,,ف. مد إيده ولمس طرف طرحتها، وهمس بصوت فيه “بحة” شوق مكتوم بقاله سنين:
— “قولتي لأخوكي إني صنت كرامتك.. وإني بقيت سندك. أنتي كنتي بتقولي كدة عشان تمشيه، ولا ده كلام طالع من جوه يا صبا؟”
​صبا خدت نفس طويل، وقربت منه لحد ما بقت المسافة بينهم معدومة، رفعت إيدها ولمست ذقنه الخشنة وقالت بصدق هز كيانه:
— “أنا مابقولش كلام عشان أمشي حد يا مصعب. أنا صبا المحمدي، والكلمة عندي ميزان. أنت قسيت عليا.. أيوه. وحاولت تكسرني.. كتير. بس في عز قسوتك، كنت بشوف في عينك “خوف” عليا أكتر من خوفي على نفسي. والست مالهاش غير الراجل اللي يخاف عليها حتى من نفسه.”
​مصعب ق,,بض على إيدها اللي على وشة، وباس كفها ببطء، وكأنه بيعتذر عن كل لحظة وجع سببهالها:
— “أنا متربي وسط ديابة يا صبا.. القسوة كانت درعي. بس أنتي جيتي وكسرتي الدرع ده، ودخلتي في حتة مفيش مخلوق داسها قبلك. أنا دلوقت “تايه”.. مابقتش عارف أكون الغول اللي الناس بتخاف منه، ولا أكون الراجل اللي “بيترعش” من نظرة عينك.”
​صبا ابتسمت بجمالها الهادي وقالت له:
— “خليك الاتنين.. غول على اللي يعاديك، وراجل حنين في حض,,ن مراته. هي دي الهيبة الحقيقية.”
​في اللحظة دي، مصعب شالها فجأة بين إيديه، صبا شهقت بخضة وحوطت رقبته بإيدها. ضحك مصعب لأول مرة من قلبه، ضحكة خلت الحيطان نفسها تستغرب:
— “دلوقت بقى.. مفيش صلح دم، ومفيش مطاريد، ومفيش أهل. دلوقت مفيش غير “مصعب وصبا” وبس. وعايز أشوف بقى، “الست اللي بتخوفني” دي، هتعرف تخوفني وأنا قافل علينا الباب ده؟”
​صبا دفنت راسها في ص,,دره وهي بتهمس بدلال:
— “الخوف مش بالصوت العالي يا ابن الهواري.. الخو..ف في إنك م,,اتقدرش تغيب عن عيني لحظة واحدة، وده اللي هيحصل.”
​طلع بيها الجناح، ومن الليلة دي، نجع الهوارة مابقاش يسمع صوت زعيق مصعب، بقى يسمع صوت “المواويل” اللي بتغنيها صبا، ويشوف “الغول” وهو ماشي في وسط الناس، وعينه دايمًا بتدور على شباك واحد بس.. الشباك اللي فيه “روحه”

​مرت سنة كاملة على نجع الهوارة، سنة اتغيرت فيها ملامح النجع زي ما اتغيرت ملامح “مصعب”. الجبروت اللي كان بيهز الأرض، بقى يلين تحت يد “صبا”، والبيت اللي كان صمت وقسوة، بقى فيه حياة بتدب في كل ركن.
​في جناحهم الواسع، كانت الشمس لسه بتبدأ تشق طريقها من ورا الستاير الحرير اللي صبا اختارتها. مصعب كان واقف قدام المراية، بيلف شاله بإتقان، بس عينه كانت مراقبة السرير من خلال المراية بابتسامة مخفية.
​صبا كانت نايمة، وفي حض,,نها حتة من قلب مصعب.. “يحيى”. عيل صغير مكملش شهرين، بس واخد سماره، وعروق جبهته، وحتى القفلة بتاعة إيده اللي بتدل إنه طالع “هواري” أصيل.
​مصعب قرب من السرير ببطء، خطواته اللي كانت بترج البيت بقت دلوقت حذرة كأنه بيمشي على قشر بيض. وطى وباس راس صبا بحنية، وبعدين باس يد ابنه الصغيرة.
​صبا فتحت عينها بهدوء، وابتسمت أول ما شافته:
— “صحينا يا بو يحيى؟ كل ده وقوف بتتأمل فينا؟”
​مصعب قعد على طرف السرير، وسحب إيدها باسها:
— “بتأمل في الرزق يا صبا.. السنين اللي فاتت كوم، والسنة اللي عشتها معاكي دي كوم تاني. كنت فاكر إن هيبتي في الخوف، طلعت هيبتي في إن الكل يشوفني وأنا ماشي جنبك وراسي مرفوعة بيكي.”
​صبا قامت نص قاعدة، وعدلت يحيى في حض,,نها:
— “الناس بره بتقول إن “الغول” بقى بيمشي يضحك في السوق، وإن صبا المحمدي سحرت لولد الهواري.”
​مصعب ضحك ضحكة رجولية واثقة:
— “وقوليلهم السحر ده هو اللي خلى الزرع يطرح، والد…م يبرد. النهاردة سلطان أخوكي جاي على الغدا.. وعاوزك تجهزي “الوليمة” اللي تليق بـ خالي ولدي.”
​صبا استغربت ورفعت حاجبها:
— “سلطان؟ أنت اللي عزمته يا مصعب؟”
​مصعب قام وقف بكل شموخ، ولبس عبايته:
— “أيوه.. اللي يصون عرضي، أصون أهله. والصلح اللي بدأ بدم، النهاردة بيثبت بـ “يحيى”. أنا مش عاوز ولدي يكبر وفي قلبه غل من حد، عاوزه يطلع زي أمه.. قوي بس قلبه أبيض.”
​صبا قامت ووقفت وراه، لفت إيدها حوالين خصره وسندت راسها على ظهره العريض:
— “تعرف يا مصعب.. أنا كنت بخاف منك أول ليلة دخلت فيها الدار دي، دلوقت بقيت بخاف “عليك” من نسمة الهواء. أنت بقيت الوحيد اللي يقدر يخليني أضعف، والوحيد اللي يخليني أهد الدنيا لو حد لمسه.”
​لف مصعب وحض,,نها هي وابنه بقوة، وغمض عينه وهو بيستنشق ريحتها اللي بقت هي “الأمان” بالنسبة له:
— “وأنا يا صبا، بقيت الوحيد اللي “يخاف” من ست.. بس الخوف ده هو اللي خلاني راجل بجد.”
​نزل مصعب للديوان، وصوت خطواته كان فيه نغمة جديدة.. نغمة راجل شبع حب، وست عرفت تروض الوحش بكرامتها وهدوئها. وانتهت قصة “مصعب وصبا” بإن الدم مابقاش يغسل الد.م، لكن “الحب” هو اللي بيغسل القلوب وبيبني البيوت.
​تمت. بقلم مايا خالد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *