رهينة القصر
رهينة القصر الأسود مايا خالد حصري تسللت تيا إلى الغرفة بخطوات مرتجفة، أنفاسها متوترة تلاحق دقات قلبها التي قرعت ص.درها كطبول الحرب. استغلت خلوّ المكان من الحراس ومنه، لتقوم بمهمة ظنتها بسيطة: إعادة معطفه الثقيل الذي طوق كتفيها به في ليلة باردة، وكأنه يطوق حريتها بملكيته. وضعت المعطف على طرف الفراش الفاخر بلمسة مرتجفة، وهمت بالالتفاف للفرار، لكن الباب لم يعد مخرجاً، بل صار إطاراً لقامة قاسم الطويلة التي سدت النور عن الغرفة. كان يستند بكتفه على الإطار، وعيناه الصقريتان تخترقان ارتباكها ببرود مرعب. ساد الصمت لثوانٍ، قبل أن يكسره صوته الأجش وهو يتقدم نحوها ببطء مدروس: — قاسم: “إيه اللي بتعمله رهينتي المتجولة في أوضتي؟ مش غريبة شوية إنك تدخلي وكر الديب برجليكي يا تيا؟” — تيا: “كنت… كنت برجعلك الجاكيت بتاعك، مكنتش عايزة حاجة تفكرني بيك أكتر من كدة.” ضحكة خافتة، خالية من أي مرح، ص.درت عنه وهو يحاصرها بين جسده وبين جدار الغرفة البارد. رفع يده ليزيح خصلة تمردت على وجهها، فلامست أصابعه بشرتها كقطعة جمر. — قاسم: “تفكري فيا؟ إنتي شكلك نسيتي إنك ملكي، يعني مفيش سم في جسمك ولا فكرة في دماغك متبقاش تخصني. وبعدين.. اللي بيدخل هنا بمزاجه، مبيخرجش غير بإذني.” — تيا: “أنا مش ملك حد يا قاسم! أنت قولت إنك هتحميني، مش هتحبسني!” — قاسم: “والحماية في عالمي يعني السجــ,,ـن في حضــ,,ـني. المعطف ده رجع مكان ما كان، بس إنتي.. إنتي لسه مدفعتيش تمن الزيارة دي.” تحركت يده من ذقنها ببطء شديد، لتستقر أصابعه الباردة على عنقها، لم يكن يضغط، لكن ملمس يده كان كافياً لتعطيل تفكيرها. ارتجفت شفتها السفلى وهي تحاول استجما.ع شتات نفسها، بينما كان قاسم يستمتع بانهيار حصونها الواهنة أمام عينيه. مال برأسه أكثر حتى اختلطت أنفاسه بأنفاسها المتهدجة، وهمس بنبرة هادئة مرعبة: — قاسم: “خايفة ليه؟ مش إنتي اللي دخلتي برجليكي؟ الرهينة اللي بتلعب بالناــ,,ـر لازم تستحمل لسعتها.. وإنتي النهاردة اتخطيتي حدودك أوي.” — تيا: “أنا مش خايفة منك.. أنا بس قرفانة من الطريقة اللي بتعاملني بيها كأني جماد ملكك!” ضحك بصوت منخفض، ضحكة رجولية هزت ص.دره القريب منها، ثم اقترب من أذنها لدرجة أنها شعرت بحرارة أنفاسه تحرــ,,ـق جلدها. — قاسم: “قرفانة؟ تمام.. خلينى أشوف هتقدري تقاومي الريحة اللي بتخنقك دي لحد فين.” فجأة، وبحركة خاطفة لم تتوقعها، قبــ,,ـض على رسغيها بيد واحدة ورفعهما فوق رأسها، ليلصق ظهرها بالحائط تماماً، فشهقت بصدمة وقد تجمدت أطرافها. — قاسم: “الليلة دي مفيش رجوع لأوضتك يا حلوة. هتقعدي هنا، قدام عيني، عشان تتعلمي إن مفيش خطوة بتخطيها في البيت ده إلا وأنا عارفها قبل ما تفكري فيها.” — تيا: “إنت مجنون! سيب إيدي.. إنت عايز مني إيه؟” ثبت نظراته في عينيها بعمق، وتغيرت نبرة صوته لتصبح أكثر ظلــ,,ـمة وتملكاً: — قاسم: “عايزك تعرفي إنك حتى وإنتي نايمة، ملكي. والجاكيت اللي رجعتيه ده؟ هلبسهولك تاني غصب عنك لو فكرتي تهربي.. بس المرة دي هربطك بيه عشان متتحركيش من مكاني.” ترك رسغيها فجأة، لكنه لم يبتعد، بل ظل يراقبها وهي تتنفس بصعوبة، وكأنه يراقب فريسة تحاول استيعاب حجم الفخ الذي وقعت فيه. ثم أشار بيده نحو أريكة جلدية في ركن الغرفة المظلــ,,ـم. — قاسم: “اتفضلي اقعدي.. الليلة لسه طويلة، وأنا عندي أسئلة كتير محتاجة إجابات، وإنتي شكلك عندك طاقة للكلام.” ظلت تيا واقفة في مكانها، أنفاسها تتسارع وكأنها تركض في مضمار لا ينتهي. نظرت إلى الأريكة ثم إليه، وشعرت بمرارة العجز تملأ حلقها. لم تتحرك، بل ظلت متمسكة بمكانها خلف الجدار وكأنه درعها الأخير. خطا قاسم نحوها ببطء، وانتزع سيجارة من علبة معدنية على الطاولة، أشعلها بهدوء وهو يراقب ارتعاش يديها، ثم نفث الدخان بعيداً عنها لكن عينيه لم تفارق وجهها. — قاسم: “قربي يا تيا.. مش بحب أعيد كلامي مرتين. الكرسي مريح، والكلام لسه مدخلش في الجد.” — تيا: (بصوت يرتجف) “مش هقعد.. أنا عايزة أمشي. إنت قولت إنك هتحميني من أهلي ومن اللي كانوا بيطاردوني، محستش إن الحماية دي معناها إني أتحول لدمية في إيدك.” رمى قاسم السيجارة في المنفضة قبل أن ينهيها، واقترب منها مجدداً، لكن هذه المرة لم يحاصرها، بل وقف أمامها مباشرة بص.دره العريض، وعيناه تحملان لمعة غامضة تجمع بين الغضب والحزن المكبوت. — قاسم: “أهلك اللي بتسألي عليهم هما اللي باعوكي يا تيا. قبــ,,ـضوا تمن حريتك كاش.. وأنا اللي دفعت. يعني إنتي دلوقتِ استثمار، وأنا مبهملش في استثماراتي.” — تيا: (بصدمة) “إنت كداب! أهلي مستحيل يعملوا كدة.. إنت اللي خطفتني وعامل المسرحية دي عشان تكسرني!” بسرعة البرق، أمسك بفكها وضغط عليه برفق جعلها تنظر لعينيه مباشرة، وقال بنبرة تقطر قسوة: — قاسم: “لو كنت عايز أكسرك كنت عملت ده من أول ليلة دخلتي فيها البيت هنا. بس أنا لسه صابر.. صابر عشان عايزك تعرفي إن مفيش حد في الدنيا دي باقيلك غيري. الريحة اللي بتقولي إنها بتخنقك؟ هي دي اللي هتحسسك بالأمان لما الكل يبيعك.” ترك وجهها فجأة وابتعد خطوتين، ثم أردف ببرود: — قاسم: “اقعدي بقا.. عشان أوريكي الورق اللي أهلك وقعوا عليه وهم بيسلموكي ليا.. وعشان تقرري الليلة دي، هتفضلي رهينة خايفة، ولا هتكوني شريكة في اللي جاي.” تجمدت تيا في مكانها، الكلمات وقعت عليها كالصاعقة. هل فعلاً باعها أهلها؟ هل هذا الوحش الواقف أمامها هو المنقذ الوحيد المتبقي لها في هذا العالم المظلــ,,ـم؟ سقطت الكلمات على مسامع تيا كأنها شظايا زجاج مزقت ما تبقى من ثباتها. تراجعت خطوة للخلف، واصطدمت بحافة الطاولة، بينما كان قاسم يراقب انهيار عالمها ببرود يشوبه تملك مرعب. لم يتحرك لمواساتها، بل ظل واقفاً كتمثال رخامي، يستمتع برؤية الحقيقة وهي تلتهم روحها. — تيا: (بهمس مشروخ) “أوراق إيه؟ إنت أكيد بتضحك عليا.. هما مستحيل.. مستحيل يبيعوني ليك!” — قاسم: (بصوت هادئ كهدوء ما قبل العاصفة) “المستحيل ده كلمة الضعفاء اللي زيك يا تيا. في عالمي، كل حاجة ليها تمن.. وأهلك كانوا مديونين ليا بمبالغ مش هيقدروا يسددوها في عشر سنين. الحل كان بسيط.. إنتي.” مشى بخطوات واثقة نحو مكتبه الصغير في زاوية الغرفة، وفتح درجاّ سرياً ليخرج منه ملفاً جلدياً أسود. ألقاه على الطاولة أمامها بقوة أحدثت صوتاً جافاً.
— قاسم: “افتحي.. وشوفي إمضاء أبوكي اللي كنتي فاكرة إنه هيمــ,,ـوت عشان يحميكي. شوفي هو قبــ,,ـض كام عشان يرميكي في حضــ,,ـني ويقفل الباب وراه.” اقتربت تيا من الطاولة وكأنها تقترب من حبل مشنقتها. مدت يدها المرتجفة وفتحت الملف. تجمدت عيناها على السطور، والتواريخ، وتلك التوقيعات التي تعرفها جيداً. شعرت ببرودة تسري في أطرافها، وكأن الغرفة بدأت تدور بها. — تيا: (بصرخة مكتومة وهي تغلق الملف) “ليه؟ ليه يعملوا فيا كدة؟ أنا عملت لهم إيه؟” في لمح البصر، كان قاسم خلفها مباشرة. وضع يديه على كتفيها، وضغط عليهما برفق يوحي بالقوة، ثم مال برأسه ليهمس بجانب أذنها: — قاسم: “عملتي إنك غالية أوي يا تيا.. غالية لدرجة إنهم خافوا يفضلوا شايلين مسؤوليتك. بس أنا مش خايف.. أنا اشتريت غلاكِ ده عشان يبقالي لوحدي.” — تيا: (وهي تلتفت لتمسك بقميصه بانهيار) “إنت وحش.. إنت استغليت ظروفهم! إنت اللي خططت لكل ده عشان تخليني ملكك!” لم ينفِ التهمة، بل ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة المظلــ,,ـمة التي تثير رعبها وجاذبيتها في آن واحد. قبــ,,ـض على يديها اللتين تمسكان بقميصه، وقربهما من ص.دره حيث ينبض قلبه بهدوء مستفز. — قاسم: “ومين قال إني أنكر؟ أنا فعلًا خططت.. وصبرت.. ودفعت. ودلوقتي، مفيش قوة في الأرض تقدر تاخدك مني. الليلة دي يا تيا، إنتي مش رهينة.. إنتي “حقيقة” في حياتي. ومحدش هيخرج من الأوضة دي غير لما تستوعبي إنك من النهاردة ملك لقاسم وبس.” رفع يدها وقبل باطن كفها ببطء وهو يثبت عينيه في عينيها الباكيتين، وكأنه يختم ملكيته عليها للأبد. — قاسم: “ودلوقتي.. بطلي عياط وقومي البسي الجاكيت اللي رجعتيه ده.. عشان الجو هيبرد أوي، وإنتي محتاجة تتعودي على ريحتي اللي بتقولي إنها بتخنقك.” سحبت تيا يدها من قبــ,,ـضته بعنف وكأن لمسته أحرــ,,ـقتها، وتراجعت للخلف وهي تلهث، وعيناها تلمعان ببريق لم يره قاسم فيها من قبل؛ لم يكن بريق انكسار، بل كان شرارة غضب ولدت من رحم الصدمة. نظر إليها قاسم ببرود، واضعاً يديه في جيبي بنطاله، وراقب تحول ملامحها من الضحية المستسلمة إلى القطة الشرــ,,ـسة التي حوصرت في الزاوية. — تيا: (بصوت حاد يرتجف من القهر) “اشتريتني؟ فاكر إن شوية ورق وإمضاءات ل ناس باعت ضميرها تخليك تملكني؟ إنت اشتريت جــ,,ـثتي يا قاسم.. لكن روحي دي مش هتقدر تلمسها ولو حرــ,,ـقت البيت ده كله بينا!” — قاسم: (يتقدم نحوها بخطوات واثقة وهادئة) “صوتك عالي.. وده بيعجبني، بس مبيغيرش الحقيقة. الحقيقة إن برا الباب ده، إنتي ملكيش حد.. مفيش بيت يلمك، ولا أب يسأل عليكي. أنا النهاردة بقيت أهلك، وناسك، وسجانك.” توقفت تيا أمام المعطف الملقى على الكرسي، وبدلاً من أن ترتديه كما أمرها، أمسكت به وقذفته في وجهه بكل قوتها، لكنه التقطه بيد واحدة بمنتهى السهولة قبل أن يلمسه. — تيا: “أنا أفضل أمــ,,ـوت جوع في الشارع ولا إني أكون ‘استثمار’ لواحد زيك! افتح الباب ده وخليني أمشي.. كفاية قذارة لحد كدة!” اقترب قاسم منها حتى حشرها بينه وبين الطاولة التي تحمل ملف بيعها، انحنى لمستواها وهمس بنبرة فحيح الأفاعي: — قاسم: “تمشي تروحي فين؟ للي قبــ,,ـضوا تمنك؟ ولا للديابة اللي مستنيينك برا وعارفين إنك مبقاش ليكي ضهر؟ إسمعي يا تيا.. أنا الوحيد اللي يقدر يحميكي من اللي جاي. وأي محاولة منك للهرب، هتخليني أتعامل معاكي بأسلوب مش هيعجبك.. والمرة دي مفيش ‘جاكيت’ يدفيكي، فيه حديد يربطك.” مد يده وأمسك بخصلة من شعرها، لفها حول إصبعه ببطء تملكي مستفز، بينما كانت هي تنظر إليه بعينين تشتعلان كراهية. — قاسم: “دلوقتي.. هتقعدي هنا، وهتاكلي، وهتنامي في السرير ده. وأنا هبقى قاعد هناك على الكرسي ده، بقرأ ملفات شغلي وأنا بتفرج عليكي وإنتي بتتعودي على سجــ,,ـنك الجديد. مفيش خروج يا تيا.. لا النهاردة، ولا بكرة، ولا طول ما أنا لسه عايزك.” ارتمت تيا على الأريكة بانهيار، ودفــ,,ـنت وجهها بين يديها وهي تئن بصمت، بينما توجه قاسم بكل برود إلى كرسيه الهزاز، وأشعل إضاءة خافتة وبدأ يقلب في أوراقه وكأن شيئاً لم يكن، تاركاً إياها تغرق في جحيمها الخاص تحت نظراته التي تلاحقها حتى في الظلام. ساد صمت ثقيل في الغرفة، لا يقطعه إلا صوت تقليب أوراق قاسم الهادئ، وصوت أنفاس تيا التي بدأت تهدأ تدريجياً، ليس استسلاماً، بل لأن بركاناً من الغل بدأ يتشكل داخلها. كانت تراقب انعكاس صورته على زجاج النافذة المظلــ,,ـمة؛ بدا وكأنه يملك كل شيء، حتى الوقت نفسه. رفعت تيا رأسها ببطء، ومسحت دموعها بطرف كمها بحركة عدوانية. لم تكن تنظر إليه بخوف هذه المرة، بل كانت عيناها تجوبان الغرفة بحثاً عن أي ثغرة، أي سلاح، أي شيء يكسر هذا الحصار. وقعت عيناها على الملف الأسود الذي لا يزال مفتوحاً على الطاولة بجانبها. — تيا: (بصوت هادئ ومنخفض، يختلف تماماً عن صراخها السابق) “إنت فاكر إنك كسبت يا قاسم؟” رفع قاسم عينيه عن أوراقه ببطء، وسند ظهره إلى الكرسي، مشبكاً أصابعه أمام وجهه، وارتسمت على وجهه نظرة اهتمام فضولية. — قاسم: “أنا مبلعبش عشان أخسر يا تيا. اللعبة انتهت من لحظة ما رجلك عتبت البيت ده.” — تيا: “اللعبة لسه بتبدأ.. إنت اشتريت واحدة مكسورة، بس نسيت إن المكسور ده بيبقى زي الزجاج.. جرحه بيبقى غائر ومبيلمش.” وقفت ببطء، وتحركت نحو الطاولة، وبدأت تتصفح الأوراق مرة أخرى بتركيز، وكأنها تبحث عن شيء فاتها. فجأة، توقفت أصابعها عند بند معين في نهاية إحدى الصفحات، واتسعت عيناها قليلاً، لكنها سرعان ما أخفت رد فعلها. — قاسم: (بلهجة ساخرة) “بتدوري على ثغرة قانونية؟ متبتعديش نفسك، أنا اللي كاتب العقود دي بنفسي.” — تيا: (وهي تغلق الملف ببطء وتلتفت إليه بابتسامة غامضة) “لا.. أنا بس كنت بتأكد من حاجة. إنت قولت إنك دفعت كتير.. كتير أوي عشان أكون هنا. وده معناه إنك محتاجني ‘سليمة’، مش كدة؟” نهض قاسم من مكانه، وخطا نحوها بهدوء، يقلص المسافة بينهما وهو يشعر بأن القطة التي أمامه بدأت تخرج مخالبها بطريقة لم يتوقعها. وقف أمامها مباشرة، لدرجة أنها اضطرت لرفع رأسها لتنظر في عينيه. — قاسم: “محتاجك سليمة؟ أنا محتاجك ‘خاضعة’.. والوسيلة مش مهمة.” — تيا: (ببرود لم يعهده فيها) “لو فكرت تلمسني غصب عني، أو لو الحديد اللي قولت عليه لمس إيدي، أنا مش هتردد ثانية واحدة إني أنهي ‘الاستثمار’ بتاعك ده بيدي. أنا معنديش حاجة أخسرها يا قاسم.. أهلي وباعوني، وحياتي ودمرتها.. إنت بقى، عندك استعداد تخسر الفلوس اللي دفعتها والوقت اللي ضيعته في التخطيط عشان جــ,,ـثة؟” تغيرت نظرة قاسم، وتقلصت عيناه بغضب مكتوم. وضع يده على الطاولة خلفها، وحاصرها مرة أخرى، لكن هذه المرة كانت تيا هي من تبتسم. — قاسم: “بتهدديني بالمــ,,ـوت يا تيا؟ فاكرة إن ده هيخوفني؟” — تيا: “مش بهددك بالمــ,,ـوت.. أنا بعرفك تمن ‘امتلاكي’. إنت قولت إن مفيش حاجة مجانية في عالمك.. وأنا بقولك إن خضوعي تمنه غالي أوي، وإنت لسه مدفعتش منه ولا مليم.”
— مراد: “إيه ده؟ القطة بقت بتخربش؟ نزل البتاع ده يا حلوة، اللعب ده للكبار.” — تيا: (بصوت ثابت كالرخام) “الكبير هو اللي بيعرف يحمي نفسه، مش اللي بيستقوى على ناس غلابة عشان يوجع أخوه. إنت مش عايزني يا مراد.. إنت عايز تكسر قاسم، بس نسيت إن قاسم كسرني فعلاً، ومبقاش فيه حاجة تكسرها.” التفت مراد نحو قاسم وضحك بصوت عالٍ: — مراد: “شايف يا أخويا؟ البضاعة اللي اشتريتها بقيت بتنطق وبتقول حكم. قولي يا قاسم، هتفضل واقف كدة ولا هتمضي على التنازل عن شركات السيوفي عشان أخرجك إنت وهي عايشين؟” قاسم ببرود قاتل، وضع يده في جيب بنطاله وأخرج ولاعته، أشعلها ونظر للهب بهدوء. — قاسم: “التنازل انكتب فعلاً يا مراد.. بس مش ليك.” في تلك اللحظة، وبإشارة غير مرئية، انطفأت أنوار القصر تماماً. ساد الهرج والمرج، وصوت سحب الأجزاء في المسدسات ملأ المكان. صرخة مراد دوت في الظلام وهو يأمر رجاله بإطلاق الناــ,,ـر، لكن قاسم كان قد جذب تيا خلف عمود رخامي ضخم. — قاسم: (بهمس في أذنها وسط الفوضى) “دلوقتي يا تيا.. مراد في الركن اليمين. لو عايزة حريتك بجد، لازم تنهي الخوف اللي جواه.” انطلقت رصاصة من مسدس تيا، لم تكن طائشة، بل كانت موجهة بدقة نحو الكتف الذي يحمل به مراد سلاحه. سقط المسدس من يد مراد وصرخ من الألم، بينما تحرك رجال قاسم الذين كانوا يختبئون في الظل ليطبقوا على رجال مراد في ثوانٍ. عادت الأنوار فجأة، ليتضح المشهد: مراد ملقى على الأرض ينزف، ورجاله مجردون من السلاح، وقاسم يقف فوق رأسه كملك استعاد عرشه. — قاسم: “كنت فاكر إني ضعفت يا مراد؟ أنا سيبت تيا تمشي عشان أعرف مين اللي هيحاول يصطادها.. وكنت عارف إنك أول واحد هيبان. أنا ضحيت بشهوري اللي فاتت في ناــ,,ـر البعد عشان أحطك في المكان ده.” التفت قاسم نحو تيا، التي كانت لا تزال تصوب مسدسها نحو رأس مراد. كانت يدها ثابتة، لكن عينيها كانتا تفيضان بالدموع. — قاسم: “خلصي يا تيا.. الرصاصة اللي جاية هي اللي هتفصل بين حياتك القديمة وحياتك الجديدة.” نظرت تيا إلى مراد المرتعب، ثم إلى قاسم الذي كان يراقبها بترقب. وفجأة، أنزلت المسدس وأفرغت الخزنة من الرصاص على الأرض. — تيا: “مش ه.ه.. مش هخلي دمه يلوثني زي ما دمك لوث حياتي. إنت وهو واحد.. اتنين بيصارعوا على ملكية جــ,,ـثة. أنا النهاردة مش ملك حد.” رمت المسدس الفارغ عند قدمي قاسم، ونظرت إليه بنظرة أخيرة جمعت كل الحب والكره والندم. — تيا: “مراد هيروح للسجــ,,ـن اللي يستحقه.. وإنت يا قاسم، هتعيش في سجــ,,ـنك الكبير ده لوحدك. أنا خدت حقي بيدي، ومش محتاجة حماية من حد.” خرجت تيا من القصر بخطوات واثقة، لم تلتفت خلفها هذه المرة، ولم يكن معها مفتاح ذهبي ولا وعود كاذبة. قاسم ظل واقفاً يراقبها وهي ترحل، لكنه لم يحاول منعها؛ فقد أدرك أخيراً أن الحب الحقيقي ليس في الامتلاك، بل في تركها ترحل وهي “قوية” بما يكفي لكي لا تحتاجه أبداً. انتهت قصة “السيوفي وتيا”، وبقي القصر صامداً، يحكي قصة رجل دمر كل شيء ليمتلك امرأة.. فامتلك ذكراها فقط.
بعد مرور خمس سنوات.. في مدينة هادئة على أطراف إيطاليا، حيث تتداخل رائحة البحر مع عبق ألوان الزيت في المرسم الصغير، كانت تيا تقف أمام لوحة ضخمة. لم تعد ترتدي الأبيض ولا الأسود؛ بل كانت مكسوة بألوان الحياة التي اختارتها بنفسها. نظرتها التي كانت يكسرها الخوف يوماً ما، أصبحت الآن صلبة، عميقة، ونقية كأنها صُقلت في الناــ,,ـر. دخلت طفلة صغيرة لا تتجاوز الرابعة من عمرها، تركض بشعرها الغجري وتضحك وهي تمسك بيديها “طائرة ورقية”. خلفها، ظهرت امرأة عجوز تساعد تيا في إدارة شؤونها. — الطفلة: “ماما.. شوفي الطيارة طارت عالي أوي، زي ما قولتِلي!” مايا خالد قصص الحياة — تيا: (بابتسامة حقيقية وهي تضمها) “طارت عشان هي حرة يا “نور”.. وعشان مفيش خيوط تقدر تربطها بالأرض طول ما فيه ريح قوية.” في تلك اللحظة، توقفت سيارة سوداء مألوفة عند زاوية الشارع. لم ترتجف تيا، ولم يهرب الدم من عروقها. وضعت ابنتها جانباً وخرجت لتقف أمام باب المرسم. ترجل رجل من السيارة، لم يكن قاسم، بل كان محاميه العجوز الذي رافقه طوال حياته. تقدم المحامي بوقار، وسلمها مظروــ,,ـفاً جلدياً فاخراً، وقال بصوت خفيض: — المحامي: “قاسم بيه طلب مني أسلمك دي في يوم ميلادك الخامس بعيداً عنه. قالي إن الأمانة دلوقتي لازم ترجع لصاحبتها.” فتحت تيا المظروف، لتجد بداخله أوراق ملكية القصر القديم، وكل شركات السيوفي، موثقة باسمها وباسم ابنتها “نور قاسم السيوفي”. وتحت الأوراق، وجدت رسالة صغيرة مكتوبة بخط يد مهتز، لكنه لا يزال يحمل جبروت صاحبه: ”تيا.. العالم كان أوحش مما تخيلت، بس إنتي كنتِ أقوى مما حلمت. أنا سيبتلك كل حاجة مش عشان أشتريكي تاني، بس عشان بنتنا متضطرش في يوم إنها تكون ‘رهينة’ ل حد عشان تعيش. أنا دلوقتي بعيد.. بعيد لدرجة إني مش هقدر ألمس حياتك بضلي. عيشي حرة.. وعلمي نور إن السيوفي مكنش بس وحش، كان راجل حبك لدرجة إنه اختار يختفي عشان إنتي تظهري.” نظرت تيا نحو السيارة، رأت طيفاً خلف الزجاج المظلل يراقبها للحظة أخيرة قبل أن تنطلق السيارة وتختفي وسط الضباب. لم تلاحقه، ولم تبكِ. أمسكت بالأوراق، ونظرت إلى ابنتها التي كانت تلعب في الشمس، ثم عادت إلى لوحتها ورسمت خطاً أخيراً مشرقاً. مايا خالد لقد انتهت الحكاية بانتصار لم يتوقعه أحد؛ قاسم كسب غفرانه بالغياب، وتيا كسبت حياتها بالنسيان.. وبينهما بقيت “نور”، الطفلة التي تحمل اسم السيوفي، لكنها تمتلك روح تيا الحرة. النهاية.