حب خلق بداية
الفصل الاول
كان يعلم جيدًا عندما غدر بها أنها سترد له الطعنة، كان يريد وريث يأمن له ثروته من الضياع نظرًا للمرض الذي تفاجئ به، وهي لم تكن تدرك أنها ستوضع في وضع المجبرة على قبول امرأة أخرى في حياته يومًا ما، ولا يمكنها حق الاعتراض والرفض خاصة إذا كان السبب هو عدم الإنجاب، لكن تشاء الأقدار أن يلتقوا مرة أخرى لعودته لأراضيها من جديد بعد أن تركته الزوجة الثانية، وبعد أن قام بدور الدامي لقلبها، لعنته ولعنت الأيام التي أحبته فيها، وعندما رأته مرة أخرى في وضعه المزري رفضته ورفضت كل ما معه، فكرت أن تنتقم لسحقه لها وهدر كرامته، وأنانيته.
(فلاش باك)
في مدينة الجمال عروس البحر المتوسط (الإسكندرية)
كانت تجلس في فراشها، ثريا الجميلة ذات الجمال الاغريقي، يونانية المنشأ حيث جاءت إلى الإسكندرية هي وأهلها، ليقع نصيبها في سراج القاهري، الذي أتى إلى الإسكندرية في مصيف ومن أجل البحث عن عمل أيضًا، رآها وأعجب بها وتزوجها وأصبح هو الأب والأخ والصديق والعائلة لها، خاصة بعد رحيل أهلها إلى اليونان مرة أخرى، كانت تنتحب بعد أن قام بإخبارها بقراره الأخير بعد زواج دام لسبع سنوات دون إنجاب.
هتفت ثريا بصوت مبحوح قليل الحيلة قائلة:
– برضو مُصر تتجوز يا سراج ؟
اقترب منها سراج وربت على كتفيها يحنو عليها، فهي عشقه الأول والأخير، ولكن ما باليد حيلة، ليتحدث بأسف قائلًا:
– علشان خاطري بلاش تعيطي، دموعك دي غالية عليَّ، بصي ليَّ يا ثريا.
لكنها رفضت النظر إليه، فامتدت أنامله إلى أسفل ذقنها ليحركها صوبه قائلًا بأسف:
– أنا أسف يا حبيبتي، كان لازم أقولها ليكي بطريقة أحسن من كدا، أو أخبي عليكي علشان أنا كدا جرحتك، انتي هتفضلي مراتي وحبيبتي اللي لا يمكن أستغنى عنها أبدًا.
ثم ترك ذقنها وأشار إليها بقلة حيلة قائلًا:
– بس زي ما انتي شايفة، الفلوس دي كلها هتروح لمين؟ كل اللي حواليا -وأولهم خطاب ابن عمي- طمعانين فيَّ، ومبسوطين إن ماعنديش عيال علشان يورثوني.
نهضت ثريا بحزن قائلة:
– طب وأنا إيه ذنبي؟ أعمل إيه أكتر من اللي عملته؟علاج وأخدت و….
ثم انفجرت باكية وأكملت:
– حتى العملية آخر مرة فشلت، وساعتها الدكتورة وصفت علاج جديد، وقالت يمكن يحصل حمل بالعلاج، مش قادر تصبر كمان مرة عليَّ؟
ثم لوت شفتيها بامتعاض قائلة:
– ولا خلاص مش قادر على جمال السنيورة؟
هز سراج رأسه ينفي ما تقوله قائلًا:
– أنا؟! وهو أنا شفتها غير مرة واحدة؟ دا حتى مش فاكر شكلها إيه.
ثم أمسكها من كتفيها ونظر إلى عينيها بحنان قائلًا:
• هو أنا بتاع الحاجات دي؟ أنا اختارتها لما عرفت إنها مطلقة وسبق إنها خلفت قبل كدا وابنها مات.
أغمضت ثريا عينيها بمرارة قائلة:
• انت بتضحك عليَّ، اتعلمت تكدب ودا أنا شفته في عينيك، دا انت من ساعة ما شفتها أخدت القرار وكأنه الموضوع مش موضوع خلفة.
ثم هزت رأسها وتنهدت قائلة:
• انت مش بتعرف تكدب على فكرة.
تغيرت ملامح وجهه وارتبك قائلًا:
• لااااا، مش بكدب، وبعدين دي غلبانة وتستحق تعيش، أما انتي عندك كل حاجة.
ثم أشار إلى المنزل قائلًا:
– بصي وشوفي الفرق اللي بينك وبينها، وبعدين انتي هتبقي أم الطفل اللي هيجي برضو.
ثم احتضنها أكثر ليقنعها قائلًا:
– أنا متأكد إنك هتاخدي بالك منه أكثر مننا، وهي طول اليوم بتشتغل وانتي هنا الأم للأولاد، وعمرك ما هتبعدي عني مهما كان.
ضمها أكثر لقلبه وهتف بحنو قائلًا:
– هتفضلي أقرب واحدة لقلبي، انتي لو بعدتي عني أتجنن، هي عمرها ما هتكون قريبة مني زيك كدا.
همست بصوت حزين قائلة:
• أومال هي هتكون إيه بالنسبة ليك؟
ابتلع ريقه بخوف قائلًا:
– زوجة عادية، أهو في ناس كتير بتتجوز لمجرد الجواز، بس احنا مش كدا يا حبيبتي.
أخرجها من أحضانه ونظر إلى عينيها قائلًا:
• انتي الوحيدة اللي في قلبي وهتفضلي في قلبي لحد ما أموت، وصدقيني مش هيحصل زي ما بتشوفي في الجوازات التانية، مش هضعف ولا هتخلى عنك.
وهز رأسه يوعدها قائلًا:
– وعمرك ما هتندمي على القرار دا، وعارف إنك هتقتنعي بيه لأنك بتحبيني زي ما بحبك، بس مابقتش قادر أتحمل مايبقاش عندي أولاد، العمر بيجري بيَّ.
ثم وضع يده موضع قلبه قائلًا:
– انتي ماتعرفيش أنا حاسس قد إيه إن أجلي قرب.
خرجت من أحضانه مقتنعة بعض الشيء لحديثه قائلة:
• متأكد إني مش هندم؟ متأكد إني لو بعدت عنك هتتجنن؟ ولا كلام بتقوله علشان أقتنع وخلاص؟
وبعد تلك الأسئلة رأت ارتباكه وتردده في الرد عليها فاستكملت حديثها بابتسامة قائلة:
• أنا الحاجة الوحيدة اللي متأكدة منها إنك بتحبني وبتعشقني أكتر من أي حد، .بس انت هتتجنن على الخلفة أكتر، تعرف إن أنا كمان نفسي؟
شعر بالراحة لأنها تتمنى ذلك هي الأخرى، فاندفع قائلًا:
– عارف، وعارف إنك عملتي البدع علشان يحصل، بس ربنا مش رايد.
تنهدت قائلة:
– كنا نعمل كمان عملية، أنا كنت خلاص كلمت بابا يبعتلي فلوس، هااا إيه رأيك؟ أقوله يستعجل في التحويل؟
توتر سراج وفرك يده قائلًا:
– بتقولي إيه هو أنا محتاج؟
هزت رأسها بحزن قائلة:
– للأسف لا؟ بس علشان صرفت على العملية الأولى قبل كدا، فأكيد زهقت من المصاريف، فقلت أساعد في الجزء اللي يخصني.
ثم نظرت إليه بحب قائلة:
– سراج أنا بحبك قوي ونفسي أجيب منك أولاد.
ابتسم سراج قائلًا:
– وأنا كمان بحبك قوي يا ثريا، بحبك أكتر ما بتحبيني، بس الحب مش كل حاجة.
ثم هتف بخبث ليقنعها قائلًا:
– انتي لو بتحبيني وافقي وتفضلي جمبي لغاية ما ربنا يحقق حلمي.
هزت رأسها بانصياع وتركت الأمر للأيام.
أما عنه فكان يتقابل مع ولاء لشراء مستلزمات عرسهما، وفي يوم من هذه الأيام تذمر سراج من متطلباتها وهتف قائلًا:
– يا ولاء احنا مش محتاجين دا كله في بيتنا، والبيت أصلًا مليان عفش، وكدا ولا كدا مش هنقعد هنا كتير.
تضايقت من رفضه للأشياء الجديدة، ولكنها اقتربت منه بدلع قائلة:
– كدا يا سراج! اخص عليك، بتعمل فيَّ كدا ليه؟ ولا علشان أنا جوازة للخلفة وبس؟ لو كدا نفضها سيرة يا ابن الناس.
انتفض سراج وتحدث بلهفة قائلًا:
– حقك عليَّ يا لولي، أنا بس كان قصدي….
قاطعته ولمست بأناملها على شفتيها بإغراء قائلة:
– مش عايزة أعرف قصدك، وعلشان نكمل بلاش تعارضني في أي حاجة عايزاها.
زفر بتعب قائلًا:
– يعني مصممة يا ولاء؟
ابتسمت بمكر وهزت رأسها بتصميم قائلة:
– أيوه يا سراج.
رفع كتفيه بقلة حيلة قائلًا:
– خلاص مفيش مشكلة.
لتنظر إليه بخبث لأنها نجحت في شراء ما تريد، ترى لمَ أصرت على رأيها وما هو هدفها؟
وبعد مرور خمسة أيام، كانت ثريا تضع الفطار وتجلس بجوار سراج كعادتها، تطعمه وهو يتصنع الحزن منها قائلًا:
– حبيبتي انتي مش ناوية تيجي كتب الكتاب؟ انتي وعدتيني هتفضلي جمبي دايمًا، انتي عزوتي وأهلي وهما عارفين إنك راضية عن جوازتي.
رفعت عينيها ونظرت إليه بحزن قائلة:
• أنا فعلا وعدتك، بس مش قادرة، وكدا ولا كدا انت هتتجوز، يبقى ماليش لازمة أحضر.
ثم هزت رأسها بضيق قائلة:
– بجد مش هقدر.
ربت على وجهها قائلًا:
– أنا عارف يا حبيبتي ومقدر مشاعرك، حبيت بس تبيني ليهم إنك المسيطرة، وموافقة على الجواز، خصوصًا بعد ما شافتك في المكتب وانتي زعلانة.
ثم اقترب منها بحب قائلًا:
– شوفتي بحبك دايمًا تبقي قوية ازاي؟عايزها تعرف إني لا يمكن أستغنى عنك، يعني دا يقويك عليها.
واستطرد يحنو عليها قائلًا:
– مش بضعفك، بس انتي وراحتك في الأخر.
حاولت كتمان دموعها، لكن هبطت بعض الدمعات دون إرادة منها، تحدثت بصوت مختنق قائلة:
– أنا راحتي إني ماروحش ليهم، ليه مش قادر تفهمني؟
مسح دموعها بيده قائلًا:
– انتي بتقولي إيه؟ أنا فاهمك كويس، ثريا اعملي كل اللي نفسك فيه، واعتبريني ماتكلمتش، لا هي ولا غيرها هيبقوا أحسن عندي منك.
ثم مط شفتيه قائلًا:
– دي مجرد رحم هيجيلي منه أولاد وخلاص.
سخرت منه قائلة:
– يا ترى هتفضل تقول الكلام ده لحد إمتى؟
هز رأسه باعتراض قائلًا:
– لا ماتقوليش كدا، لآخر العمر هفضل أقول الكلام دا.
ابتسمت بسخرية قائلة:
– هنشوف، وأوعدك إني مش هقول كدا تاني، دا اللي أقدر عليه.
ابتسم سراج قائلًا:
– هتشوفي، انتي أحلى حاجة حصلت في حياتي، قوليلي بقى تحبي أسكنها هنا معانا في الدور اللي تحت؟
ثم ابتلع ريقه بتوتر وقال:
– ولا أتجوزها في شقة القاهرة؟ ولا نسألها؟
لمعت فكرة في رأس ثريا فعرضت عليه قائلة:
– أنا غيرت رأيي، هعملها زيارة واخد وأدي معاها في الكلام ونشوف هي نفسها في إيه، بس ما تقولهاش إني هروح ليها، خليها مفاجئة يا سراج.
قطب سراج جبينه مندهشًا من تغيير ثريا لرأيها، بدأ يلعب الشيطان بمخيلته أنها حتمًا ستقوم بإفساد الزيجة، هكذا كان يسمع عن حرب الزوجة الأولى للزوجة الثانية، ولكن تلك الصفات لم تكن يومًا بثريا، فانتفض قائلًا:
• هو ينفع تفاجئيهم؟ دا انتي كدا بتحرجيهم بالزيارة دي، هو دخول بيوت الناس في أي وقت بقى عادي؟
ثم أشار إلى نفسه قائلًا بغضب:
• أنا نفسي لما بكون رايح عندهم لازم أتصل بيهم الأول وأعرفهم إني جاي.
ابتسمت ثريا بخبث قائلة:
– أووه، ربنا يعينك، دا انت كنت بتجيلي في أي ميعاد وناقص تبات، لا ماتخافش أنا مش هروح لها البيت.
واستطردت وهي تغمض عينيها نصف غمضة قائلة:
– أنا هروح لها المكتب، حرام برضو أروح أخضهم في البيت من غير ميعاد، لو مش عايز أو خايف مني مش
مهم.
ثم أكملت:
– انت اللي طلبت مني، أنا ماكنش ليَّ نية.
ابتسم سراج ابتسامة مرتبكة قائلًا:
– انتي تعملي اللي نفسك فيه يا حبيبتي، ولا تشيلي هم أي حد، لا أنا ولا هي ولا أهلها.
ثم لجأ إلى اصطناع القوة قائلًا:
– إن شاء الله تطيني عيشتها، أنا بس استغربت إنك غيرتي رأيك.
ابتسمت ثريا بخبث قائلة:
– أنا اقترحت إني أقابلها لأني ست زيها، أكيد مش هتتكسف تطلب مني لو عايزة سكن خاص بيها لوحدها.
تنهد سراج براحة قائلًا:
– أنا كدا فهمت، كنت مفكر عايزة تعملي ليهم زيارة في البيت، بس برضو الكلام دا ماينفعش في المكتب، كان على الأقل في بيتهم أحسن.
ثم تذكر والد ولاء وهتف قائلًا:
– ولا أقولك؟ بلاش البيت، المكتب أحسن، بعيد عن أبوها السمج.
ثم ابتسم لها قائلًا:
– ثريا انتي جميلة قوي، بس بتزعلي قوي، انتي حتى بتفكري فيها وفي رغبتها تسكن فين.
واستطرد بنبرة صادقة وقال:
– صدقيني أنا لو عشت عمري كله مش هقدر أفهم حنان قلبك، يعني فيكي اللي فيكي و بتدي اللي حواليك كل الحب، دي نعمة صعب تكون عند أي حد.
ابتسمت ثريا قائلة:
– ربنا يقدرني وأسعد كل إنسان.
رد عليها بحنان قائلًا:
– لا يا ثريا كفاية سعادة، انتي ست عطتني كل حاجة، لو يرجع بيا الزمن هختارك انتي برضو.
واستطرد بابتسامة كلها امتنان لها قائلًا:
– دا غير موافقتك على طلبي، وصبرك إني أكون لواحدة تانية، بس صدقيني والله ربنا هيعوضك.
ابتسمت ثريا قائلة:
– إن شاء الله، كل دا إرادة ربنا، انت كمان اتحملتني سبع سنين.
واستطردت وهي تهتف بقلة حيلة قائلة:
– ربنا رايد يكون ليك أولاد من واحدة تانية.
ثم ابتلعت غصة بحلقها واستطردت قائلة:
– بس أنا هكون أم أولادك برضو، مع الأسف شكليًا بس، عارفة إني هتعب في الأول بس مسيري أتعود.
ابتسم بمرارة قائلًا:
– بس يا ثريا كفاية كدا، بجد كلامي معاكي المرة دي ممكن يخليني أتراجع، عادي يا ثريا أنا ممكن أخل باتفاقي معاهم.
واستطرد بحزن قائلًا:
– الكام يوم دول من ساعة ما قولتلك وأنا شايفك بتدبلي قدامي، وأنا مش مستحمل أشوفك كدا.
أيعقل أن يتراجع من أجلها؟ علم أنها لم تصدقه، فابتسم بخفوت قائلًا:
– إيه ماصدقتنيش صح؟
زفرت ثريا قائلة:
– فات الوقت يا سراج، واللي بيديني كلمة استحالة يرجع فيها، ولو رجع فيها مش بثق تاني، كلامك معاهم هيتم.
ثم نظرت إليه بجدية قائلة:
– انت لازم تلتزم، وكل شيء يبقى في ميعاده؛ علشان ماحدش يقول عليك إنك مش قد كلمتك.
ثم ابتسمت بسخرية قائلة:
– ولا أنا ليَّ سلطة عليك؟
تنهد سراج قائلًا:
– ياريتني أخدت برأيك قبل اتفاقي معاهم.
أغمضت ثريا عينيها قائلة:
– كل شيء قسمة ونصيب.
هز سراج رأسه قائلًا:
– هي لو طلبت بيت تاني يا ريت ماتزعليش.
رفعت ثريا كتفيها غير مبالية قائلة:
– وأنا إيه اللي يزعلني؟
تنهد سراج قائلًا:
– عارف إن مخك كبير، انتي طبعًا عارفة الواحدة بتبقى مش عايزة حد معاها، خصوصًا في الأول، بس والله لو عايزانا معاكي من الأول مفيش أي مشكلة.
واستطرد بعزيمة قائلًا:
– أقولها إن دي رغبتي، وهي أكيد مش هتعترض.
ابتسمت ثريا قائلة:
– هي حرة وانت جوزها.
لوى شفتيه قائلًا:
– آه بس حقك تقولي رأيك، وبعدين البيت بتاعنا واسع هنا، ممكن تاخد دور بحاله.
كتمت ثريا غيظها منه قائلة:
– ماحدش يقدر يضرب حد على إيده يا سراج، وأنا مليش دعوة، ما أملكش غير زي ما قُلتلك إني أقعد وأتناقش معاها.
واستطردت وهي تنظر إليه بشك قائلة:
– وبعدين مالك يا سراج؟ احنا مش لسه متفقين إني هقعد معاها؟ ولا هي أخدت قرار؟
هز رأسه بنفي، يخشى أن يتضح أمره، ثم رد عليها بتوتر قائلًا:
– لا بصي، أنا قلت أقولك الأول.
وأشار إلى المنزل بتوتر قائلًا:
– دا بيتك يمكن تكوني مش عايزاها، وكمان ما هو أنا قُلتلك تعالي نروح لهم سوا.
واستطرد وهو يرفع أكتافه بخوف قائلًا:
– مش انتي اعترضتي و رجعتي وافقتي؟ أنا بفترض لو هي طلبت حاجة ممكن انتي تزعلي لأن الحاجة مش على هواكي.
نهضت ثريا بغيظ قائلة:
– ماتقلقش، أنا هفضل كاتمة في قلبي وساكتة.
حزن سراج قائلًا:
– يا ثريا، هو ده حل؟ يا ثريا ربنا يهديكي.
ثم حثها على الحديث قائلًا:
– قولي عايزة إيه وأنا تحت أمرك.
بكت ثريا قائلة:
– أنا مش عايزة حاجة، ابعد عني انت وهي.
جذبها وأودعها بداخل أحضانه قائلًا:
– لا يا ثريا أرجوكي يا حبيبتي، موتيني ولا إنك تعيطي.
ثريا بحزن:
– ربنا هيجبر بخاطري وأنا عارفة، بس أنا خلاص تعبت.
ربت على ظهرها قائلًا:
– ما دام مش عايزة تعرفي عننا أي حاجة، أنا هسكت علشان راحتك بس.
ثم أخرجها من أحضانه وأخذ يمسح دموعها قائلًا:
– بعد كتب الكتاب هاخدها وأبعد، وانتي اعتبريني مسافر في شغل، علشان أنا مش ناوي أتعبك تاني معايا، يعني تعتبريني مش متجوز.
ابتلع غصة في حلقه قائلًا:
– لأني أصلًا كنت مستحيل أعملها وأتجوز عليكي، بس دا قدري.
هزت ثريا رأسها قائلة:
– هو دا الصح، أنا هتخيل إنك ماعملتهاش.
ابتسم سراج قائلًا:
– أيوه انسي كل اللي قُلناه، وطولي بالك.
ثم استطرد برجاء قائلًا:
– واصبري الفترة دي.
ابتسمت بسخرية قائلة:
– وتصدق لو قُلتلك إني مش مصدقة أساسًا، مش متخيلة إن دا حصل ولا هيحصل، انت هتفضل ليا لوحدي.
قبلها في جبهتها قائلًا:
– طب ممكن يا حبيبتي تحضر ليَّ شنطتي كأني مسافر وبس، انتي أحسن واحدة بتجهزي شنط، وإن شاء الله هيجي اليوم اللي هتجهزي فيه شنطة ابنك قبل ما يتولد.
ثم ربت على يدها قائلًا:
– أعمل إيه، ما أنا استحالة أخلف عيل و مايكونش ابنك.
ثم استطرد قائلًا:
– بس اوعديني يا ثريا، لو جرالي حاجة، اوعي تسيبي ابني أو بنتي.
واستطرد بخوف قائلًا:
– مهما كان الخلاف ما بينا، وحياتك لتخلي أولادي حياتك.
تنهدت ثريا من كلماته، وتعجبت من شعوره بأن نهايته اقتربت، فابتسمت قائلة:
– حياتي! لا دول حبي اللي منك.
ثم ضحكت قائلة:
– هما مش مني، بس كفاية إنهم منك، وكفاية بقى كل شوية تقعد تتكلم عن موت.
ابتسم سراج قائلًا:
– ماتزعليش عليَّ يا ثريا.
بكت ثريا من تخيل الموقف قائلة من بين شهقاتها:
– لا، أنا ممكن أموت من بعدك سراج.
احتضنها بقوة قائلًا:
– بعد الشر عنك يا حبيبة عمري.
خرجت من أحضانه قائلة:
– وانت كمان، عارف أنا ممكن ما أموتش بعدك لو في حاجة خلتني قوية، وانت الحياة من غيرك ضعف.
ابتسم سراج قائلًا:
– طب مش ضعيفة وانتي باعدة نفسك عني خمس أيام؟ إيه للدرجة دي أنا ما وحشتكيش؟
عضت على شفتيها بخجل قائلة:
• وحشتني طبعًا.
حملها سراج وصعد بها قائلًا:
– مش قدي يا حبيبتي، اوعي تبعدي عني تاني، أنا وانتي مهما حصل لازم نفضل مع بعض.
ثم أنزلها على الأرض و احتضنها بشوق قائلًا:
– وحشتيني قوي يا ثريا، أنا مش عارف صبرت الخمس أيام دول ازاي من غيرك.
وبعد ليلة شوق وحنين بينهما خرج إلى النافذة يدخن سيجارة، وهو ينظر إليها قائلًا في نفسه:
– دي الوعود اللي وعدتها ليها يا سراج؟ حبيبتي كان نفسي أكون ليكي لوحدك.
ثم هتف بأسف قائلًا:
– بس للأسف مش هقدر أكمل، لازم أخلف علشان اللي عايزين يورثوني ومستنين موتي، اللي حاسس إنه قرب قوي.
ثم نظر إليها بحسرة وألم قائلًا:
• سامحيني يا ثريا.
كيف لها أن تسامحه وهي ممزقة من الداخل، خاصة بعد مقابلة ولاء اللعوب لها، حيث تجرأت وذهبت إليها وجلست أمامها لتسألها ثريا بتوجس قائلة:
• سراج اللي بعتك يا ولاء؟
ابتسمت ولاء بخبث قائلة:
– آه بصراحة هو مش عارف يجبها ليكي ازاي، فأنا قُلتله ريح نفسك أنا ست ونعرف أنا وهي نتكلم مع بعض.
لم تفهم ثريا مقصدها ورددت ببلادة قائلة:
– مش فاهمة.
تعالت ضحكات ولاء قائلة:
– معقولة مفيش إحساس عندك للدرجة دي؟! هما الأجانب غيرنا مش حاميين ليه زينا؟ مش قادرة تستوعبي إن سراج عريس وعايز يبقى على راحته معايا في شقة القاهرة.
انتفضت ثريا ليس من تجهيز الشقة التي قامت بتجهيزها بنفسها، ولكن من لفظ أن سراج يريد الراحة مع ولاء، وبالرغم من ذلك هدأت نفسها وهتفت بكبرياء قائلة:
– تمام يا ولاء، مبروك، ربنا يتمم على خير.
لوت ولاء شفتيها بسخرية قائلة:
– مش باين، فيه ناس بصت في الليلة خلاص.
تضايقت ثريا أكثر، ولكنها عادت لكبريائها عندما نهضت وأشارت نحو باب المنزل قائلة:
– ممكن تمشي بقى، لأن ورايا مشاوير مهمة، وانتي خلصتي مهمتك، مع السلامة.
(عودة)
هو حقًا رجل رائع، حيث عند رحيله ترك لها ثروة عظيمة لا تقدر بثمن، بكل هدوء كانت الجميلة ثريا تجلس في غرفتها وهي نفس الغرفة التي ذبحها فيها سراج بقراره، تستمع إلى نقاشات ولديها حليم ونور لتنظر إلى السماء وعدالتها وتشعر أن هذا هو الجبر، فالطيبون أمثالها يستحقون التعويض، خرجت من شرودها و ابتسمت على صوت أحدهما، فلديها ولد ثائر و الآخر هادئ، حاولت مرارًا وتكرارًا جعلهما يحملان صفات واحدة، ولكن دون جدوى، رغم كل ما فعلته، ولكنها نجحت في شيء منذ 25 عامًا، نجحت أنها أنقذت واحدًا منهما من الضياع هو وشقيقته التؤام.
كان حليم شخصية ثائرة، أما نور كان هادئ الطباع، كان دائمًا يحاول إقناعه بأشياء بشتى الطرق، وحليم دائمًا يرفض.
نور بهدوء:
– يلا بقى يا حليم نشوف ورانا إيه.
زفر حليم قائلًا:
– يعني أنا عايش كل الفترة دي ومفكرها أمي, وفي يوم وليلة أكتشف إن كل دا وهم ؟
هز نور رأسه بنفي قائلًا:
– لا مش وهم يا حليم، هو انت في مرة حسيت إنها بتعاملك وحش؟ وبعدين هي ماحبتش تقول وسابت الأمور تظهر بالصدفة.
تنهد حليم بضيق قائلًا:
– بس للأسف كانت صدفة وحشة قوي، وبعدين فين الست دي اللي اتنيلت رمتني أنا وأختي من يوم ما اتولدنا؟ على فكرة أنا عملت كل اتصالاتي علشان أوصلها ماعرفتش.
ثم تعالى غضبه قائلًا:
– المفروض ماما تقولي بابا عرفها منين.
تنهد نور قائلًا:
– ممكن تهدى؟ ماما مش حابة تتكلم عنها ودا حقها، انت بقى كبر مخك، هتستفيد إيه لما تعرف؟ بالعكس انت كدا ممكن تزعل ماما.
ثم شرد بحزن قائلًا:
– ومش بس ماما، أختك كمان، إلا لو هي برضو عايزة توصل لمامتها علشان تعرفوا حاجة ملهاش لازمة.
تنهد حليم قائلًا:
– أنا عارف إنها حاجة ملهاش لازمة، خصوصًا إن أنا ماحستش في يوم من الأيام إن ملناش أم، بس أنا عايز أشوف الست دي، وأعرف منها هي ليه عملت كدا.
تنهد نور قائلًا:
– صدقني انت ممكن تتعب أكتر، المهم يلا بينا نشوف ورانا إيه، الواد زياد عمال يرن عليَّ من صباحية ربنا، زمانه أكل كل الأكل اللي في المطعم.
نهض حليم وهو ما زال عابسًا بوجهه وقال:
– ماشي هاخد شاور وجاي معاك.
لوى نور شفتيه يغيظ حليم قائلًا:
– يا كئيب يا عدو الفرحة افرد بوقك، إيه العكننة دي؟
ابتسم حليم بمرح قائلًا:
– انت فظيع قوي يا نور، أنا برضو قلت ازاي أنا وانت تؤام! بس أنا كان لازم أخد بالي، انت شبه جدك اليوناني حتى بتعاكس البنات زيه.
ثم لوى شفتيه قائلًا:
– وأنا باين عليَّ طالع لأبويا، بحب مرة واحدة بس، يا خوفي لأتجوز مرتين.
تعالت ضحكات نور قائلًا:
– حلوة، ما تديني واحدة منهم يا حُلم.
رفع حليم حاجبيه يغيظ نور قائلًا:
– بعينك، أنا هتجوز لاتنين وأحبسهم.
دلفا إلى إحدى سلاسل المطاعم التي تمتلكها السيدة ثريا، ليقهقه نور من الضحك عندما رأى زياد يلتهم الطعام، فقال:
– قابل يا عم حليم، الواد زياد أكل أكل الزبائن هنتفضح قريب.
نظر حليم إليه بغضب قائلًا:
– أنا اللي غلطان إني سايبه في المطعم دا، اللي ماخلتوش عبرة مابقاش حليم، هو مش كان متفق معانا إنه هيسد مكانا الفترة اللي فاتت؟ والله أنا سيبته يشتغل لأنه صعب عليَّ.
ثم توعد قائلًا:
– بس هيشوف هعمل فيه إيه.
قال نور محدثًا نفسه:
– وأنا ماليش فيه، أنا لا شغلته ولا ليَّ في طرده، ابنك يا ثريا محتاس، تعالي بقى خلينا نخلص، أنا همشي قبل ما تولع.
حليم كان يمتلك حاسة سمع خارقة، أو لنقول ذكاء اكتسبه من ثريا، رغم أنها ليست أمه، حيث نظر إلى نور بخبث قائلًا:
– رغم إنك اتكلمت في سرك، بس أنا عرفت انت ناوي على إيه.
نظر إليه نور بخوف مصطنع قائلًا:
– انت يا ابني مخاوي جن لازق في هدومي؟! انت كل حاجة بفكر فيها بتعرفها وكأنك عارف كل حاجة جوايا؟
ثم زفر قائلًا:
– حتى لما ببقى زعلان بتعرف، بجد انت المفروض تكون ابن ماما ثريا، هي كمان كانت تعرف العملة قبل ما أعملها.
تعالت ضحكات حليم والتي يطلقها قليلًا، فضحكاته عزيزة ونادرة، حيث قال:
– وليه ماتقولش إن الصفات بالاكتساب أكثر من الجينات؟ أنا درست كدا في علم النفس.
تعالت ضحكات نور هو الأخر قائلًا:
– أهو علم النفس دا اللي مجننك انت وماما، لا يا أخويا أنا علاقتي بيه الامتحان وبس، بحس إنه علم المجانين.
ثم عبث برأسه كالمجنون قائلًا:
– دا أنا لو كنت ذاكرته هو والفلسفة في أوضة لواحدي كان زماني لسعت، دا أنا بقعد أذاكر فيه كتير ومش بفهم، وشكلها أختك زيي.
ابتسم حليم قائلًا:
– فعلًا، أختي قالت كدا أيام الثانوية.
ثم استهزأ واستكمل حديثه قائلًا:
– وأختك كمان، تقريبًا محدش تفكيره راقي غير أنا وماما.
ابتسم نور بمرح قائلًا:
– انت هتقول لي! دي بتخلص كتاب تشتري الأعمق منه.
هز حليم رأسه وتعالت ضحكته مرة أخرى قائلًا:
– صح، المهم هنعمل إيه في سي زياد؟ هي ماما اللي بتقدر تتصرف معاه، أنا خايف أطرده هي تزعل.
ضحك نور بمرح قائلًا:
– أقسم بالله دا ولا اللي داخل مسابقة، إيه دا مش بيفصل! هي ماما كان عقلها فين وهي بتوصينا عليه؟كل الأكل دا ومش بيتخن.
نظر إليه حليم باتهام قائلًا:
– ما انت كمان ساعدت في شغله هنا، ودلوقتي عايز تمشيه! خلي ماما بقى اللي تمشيه.
ثم أشار بإصبعه على رأس نور قائلًا:
– اعمل اللي كنت بتفكر فيه من شوية.
زفر نور بحنق قائلًا:
– يا باااي يا حليم عليك، أنا كنت هتصل بيها تيجي في حالة لو انت طردته، وبعدين انت غيرت رأيك، ليه صعب عليك؟
واستطردت قائلًا:
– وعايز تلزقها فيَّ.
فجأة وجدا زياد يأتي إليهما مهرولًا ويمسح فمه من أثار الطعام قائلًا:
– إيه يا جماعة جيتوا إمتى؟ تحبوا أعملكم فطار؟ بس بسم الله ما شاء الله شكلكم شبعانين.
لوى حليم شفتيه بامتعاض قائلًا:
– ومنين عرفت إننا شبعانين؟ أنا مش بفطر يا زياد، وبعدين تعالى هنا انت جيت من إمتى؟ من بدري طبعًا، من ساعتها في المطبخ بتهبب إيه؟
ثم أشار نحو الاستقبال بسخرية قائلًا:
– دا الاستقبال فاضي، والشغل كدا بقى سايب.
ارتبك زياد قائلًا:
– أنا كنت في المطبخ بشرف على الأكل، وكنت لسه داخل من ربع ساعة، أصل جالي صداع علشان مفطرتش، فكنت باكل حاجة تظبط الضغط.
حاول أن يُشعرهم بمسؤوليته نحو المطعم وقال بفخر:
– أنا ماسك الشغل في غيابك بقالي فترة، وملتزم بتعاليم والدي علشان خالتي ثريا.
هنا اغتاظ نور من نعته لثريا بالخالة، فهي ليست خالته، هو ابن خطاب ابن عم زوجها، رد نور بحنق قائلًا:
– ربنا يبارك فيك وفي تعاليم والدك، بس بالله عليك بلاش حوار خالتي دا، لأنه بيقفلني منك، ممكن تقول مدام ثريا، الشيف ثريا، ثريا هانم.
واستطرد يأمره قائلًا:
– واتعدل كدا في شغلك وخد بالك منه، وربنا يعينك.
هز زياد رأسه قائلًا:
– عنيا ليكم.
ابتسم نور قائلًا:
– بص يا زياد انت بتعتبر أخونا التالت، اوعي تكون زعلت لما قُلتلك بلاش خالتي دي، هي حاجة تشرف طبعًا، بس انت هنا المفروض تتكلم عنها بوقار.
ثم أشار على نفسه قائلًا:
– أنا نفسي بقول ليها الشيف ثريا، ما تجيش انت تقول لها خالتي، علشان تنبسط منك، وتبقى عندها حاجة كبيرة وتحبك.
ابتسم زياد قائلًا:
– هعمل كدا فعلًا، ماعدتش هقول لها يا خالتي تاني، بس ينفع أقول لها حاجة تانية؟ أنا نفسي أقول لها يا حماتي، أوعدكم مش هتندموا.
هنا حدق نور بعينيه، وحليم صامت لا يستوعب ما قيل، دفع نور زياد قائلًا:
– وأنا ماسمعتش انت بتقول إيه، انت ولا كأنك قلت حاجة دا هيكون أفضل، الناس بدأت تهل في المطعم هنا، ولسه هشوف بقية المطاعم.
هم نور يتحرك ليستوقفه حليم قائلًا:
– استنى يا نور، أنا عايز أفهم هو كان قصده إيه.
ليتحدث زياد ببلادة قائلًا:
– مش فاهم حاجة، انتو عايزني أتكلم ولا لأ؟ طيب أروح الشغل أهم؟ بس والله لو عايزين تعرفوا مش هتندموا.
شدد نور على رأسه بغيظ قائلًا:
– الصبر من عندك يارب، أقول تور يقول احلبوه، ينفع كدا؟ انت إيه مش بتفهم؟
استكمل زياد بلاهته قائلًا:
– خلاص مش عايزين تسمعوني أخلي أبويا يكلم الشيف ثريا، وهروح أكمل شغلي، سلام يا شباب.
بعد رحيل زياد تعالت ضحكات حليم مرة أخرى قائلًا لنور:
– هو انت خفت عليه قوي كدا ليه؟ يا ابني أنا كنت عايز أعرف هو كان عايز مين فيهم، مش يمكن يبقى فيه قبول، كل شيء قسمة ونصيب.
ثم مط شفتيه قائلًا:
– هو برغم هطله بس دمه خفيف، مش وحش يعني.
زفر نور براحة قائلًا:
– تعرف أنا كنت خايف منك، خفت لما تعرف إنه عايز يتجوز واحدة من إخواتنا تضربه، حليم انت ممكن توافق عليه؟ بس انت حتى لو وافقت ماما ممكن ترفضه.
واستطرد براحة قائلًا:
– مش عارف أنا في لحظة خفت تحصل مصيبة، زياد شخص كويس بس ماحيلتوش غير مرتبه، عمره ما هيقدر يعيش واحدة فيهم في نفس المستوى.
ثم هز رأسه بتأكيد قائلًا:
– ولا واحدة فيهم تقدر تعيش في مستواه، إخواتنا دايمًا شايفين نفسهم، دا لو حصل هبقى مش مصدق.
تنهد حليم قائلًا:
– لا صدق، أنا ماعنديش أي اعتراض عليه، وبعدين يا نور احنا ماكناش كدا في الأول، وهو وعيلته كانوا أحسن مننا ماديًا، وبعدين احنا حتى عايشين في نفس البيت.
واستطرد وهو يرفع سبابته بتأكيد قائلًا:
– ودا يأكد ليك إن ماما مش بتاعت مظاهر، احنا مش وحشين يا نور، احنا ولاد ثريا اليونانية، كمان إخواتنا مش مغرورين قوي، لا بالعكس متواضعين.
ثم ابتسم بهدوء قائلًا:
– دا لاتنين عندهم عربية واحدة، وعرضنا على كل واحدة يبقى ليها عربيتها الخاصة لكن رفضوا، لغاية لما ميارا اقتنعت وراحت تطلع رخصة واكتشفت من شهادة ميلادها إن ماما ثريا مش مامتها.
واستطرد بحزن قائلًا:
– لأن هي عمرها ما قدمت ورق لنفسها، أنا اللي كنت بعملها كل الاجراءات، بس المرة دي فلتت مني، حتى لو كانت هتتجوز كنت برضو هبقى حريص.
ثم تنهد قائلًا:
– بس قسمتها كدا، كان لازم تعرف، ورغم إني عارف من أيام ما طلعت بطاقتي، بس ماحاولتش أستفسر إلا لما عرفت هي، لأن خلاص لازم نعرف كل حاجة.
ثم شرد بحزن قائلًا:
– تسع سنين ماما ثريا مستنية سؤالي عن أمي وأنا كاتم علشان ميارا، لغاية ما القدر سمح وكل حاجة انكشفت.
تنهد نور براحة قائلًا:
– الله عليك يا حليم، ياريتني أفكر زيك، نفسي بقى تشيل الموضوع التاني من دماغك.
ابتسم حليم قائلًا:
– لازم أعرفها، ولما أعرفها وأعرف هي سابتني ليه، ليه ترميني لضرتها وتمشي من غير ما تسأل خمسة وعشرين سنة؟ اوعى تقول لماما إني بدور عليها.
واستطرد بحب قائلًا:
– لأني مش ناوي أخسرها.
انتهى اليوم، ومن المفترض عودتهما إلى المنزل، ولكن ذهب حليم إلى مكان يعشقه ومنذ فترة لم يدخله، وقف من خلف الأسوار يبحث عنها، يريد رؤيتها من بعيد فقط، ولكن حدث ما لم يتوقعه، بينما هو يقف كانت تقف خلفه، شعر بها من صوت تنهيداتها فالتفت إليها وارتبك قائلًا:
– أهلا يا وئام، ازيك؟
ردت عليه بحزن قائلة:
– مش كويسة.
خشي أن يكون أصابها مكروهًا فسألها بلهفة:
– مالك يا حبيبتي؟
تنهدت ودمعت عيناها قائلة:
– أنا لو حبيبتك كنت جيت وقابلتني، مش بتبص عليَّ من بره السور.
تماسك أعصابه وهتف بضيق قائلًا:
– أنا مش جاي أشوفك، أنا جيت أخد ميارا وهاجر، بس واضح إنهم روحوا، عن إذنك.
أمسكته من ذراعيه بارتعاش قائلة:
– بتعمل فيَّ كدا ليه؟ أنا غلطت معاك في حاجة؟ ولا كنت بتلعب بيَّ؟
لم يستطع الرد عليها، شعر أنه لو أطال وقفته سيطوقها بأحضانه، فتركها دون أن يريحها ورحل.
عادا إلى المنزل، ليدلف حليم أولًا فيجد ثريا تجلس في التراز المطل على البحر ليقبل رأسها قائلًا:
– مساء الورد والفل والياسمين.
التفتت تنظر إليه بحب قائلة:
– وحشني الكلام الحلو منك يا حليم.
ابتسامته ذكرتها بالماضي، لتعود إلى الخلف عندما علمت بخبر حملها واستدعت سراج إلى الإسكندرية وفي نفس ذات المكان لتخبره بسعادة:
– فرحانة يا سراج قوي، أنا عاوز أقولك.
ثم صمتت وأقبلت عليه قائلة:
– هات بوسة الأول وبعدين أقولك.
حينها جذبت رأسه لتقبله هي، لكنه أزاح يدها قائلًا بعبوس:
– قولي اللي عندك، وبعدين ماكنتيش قادرة تصبري لما أجيلك يوم الجمعة؟ على طول تليفونات، مفيش صبر؟ وبعدين أنا ماعدتش هعرف أجيلك زي الأول.
تراجعت بظهرها إلى الخلف، نظرت إليه بتدقيق لتتفهم ما وصل إليه من جفائه معها، كتمت فرحتها في حلقها وابتلعت ريقها قائلة:
– وهو النهاردا يفرق عن الجمعة يا سراج؟ أنا كنت عاوزة أشوفك علشان….
ثم استوقفت نفسها وتراجعت قائلة:
– علشان هسافر، وكان نفسي أشوفك قبلها.
رفع سراج أكتافه بلا مبالاة قائلًا:
– وهو أنا أصلًا منعتك تسافري لأهلك يا ثريا؟ وجيباني على ملى وشي علشان تقول لي الكلام دا؟ سافري براحتك وخليكي هناك أنا مش فاضي الفترة دي .
صدمتها فيه حطمت فرحتها بخبر حملها.
كانت شاردة تفكر في تلك الذكريات السوداء ونظرها متوجهًا ناحية حليم، فدلف نور ورأها هكذا ليقطب جبينه مستفهمًا من حليم، ليمط حليم شفتيه بعدم فهم قائلًا:
– مسيت عليها كالعادة، ردت عليَّ وسرحت، جرب معاها انت.
– هبط نور إلى مستواها مداعبًا لها وهو يقول:
– إيه يا ثريا؟ أنا بدأت أشك فيكي…
أشاحت بوجهها إلى الجانب الأخر معلنة لهما أن يتركاها بمفردها، فغمز حليم إلى نور وأخذه إلى الأعلى، ظل حليم شاردًا في أمر واحد وهو أنها تتذكر والده به، وبدأ يتسائل هل كان قاسيًا عليها لهذه الدرجة؟ تبتسم له تارة ثم تعود لأحزانها مرة أخرى, هنا تأكد له أنه قبل أن يبحث عن المرأة التي تركته يجب أن يبحث في البداية عن سراج، من هو؟ وكيف تزوج من هذه الجميلة؟ كيف تسبب يومًا في أحزانها؟
الفصل الثاني
(فلاش باك)
تذكرت عندما كانوا يوقفون السيارة أمام هذا المنزل ويفتحون الباب الخلفي، ليخرجوه منها جثة هامدة، لتستوعب بكل حواسها وتنتفض من داخلها وهي غير مستوعبة ما تراه أمامها، وكأنها صفعت على وجهها صفعة أخرستها، لتهبط على الفور إلى الأسفل وتتأكد أن الممدود أمامها هو زوجها سراج، وتنظر إلى الرجال تجدهم ينكسون رؤوسهم للأسفل بحزن، ثم تذهب إليه مسرعة تنتظر سير أنفاسه، أتراه منقطع النفس؟ وجروح متناثرة في مقدمة رأسه، ثم تنظر حولها لتجد خطاب -ابن عمه- ويدلف معه رجل يبدو من المواد التي يحملها معه أنها أدوات التغسيل والتكفين، لتتأكد من حقيقة الأمر، أن سراج مات فعليًا، رجعت بظهرها إلى الخلف وصعدت إلى أبنائها لتنتحب متذكرة ما صار بينهم منذ يومين.
حيث قامت زوجته الثانية بإنجاب صبي وفتاة، وفي هذه الأثناء وقبل الولادة بيومين قام بسحب كل أرصدته من البنوك ليقوم بمناقصة ثمنها مليونين، لتلمع الفكرة الخبيثة برأس الزوجة الثانية عندما رأتهم، فتنهض بعد الولادة بيومين وتترك أبناءها بالحضانة وتهرب مع عشيقها، أخذت كل أموال سراج، فوجد نفسه مع أبنائه دون أم ودون مال، ليعود إلى ثريا، فهو يعلم طيبة قلبها المطلقة، ويعلم جيدًا أنها ما زالت بالإسكندرية، ولم يفكر يومًا في الذهاب إليها ومراضاتها، والآن يذهب إليها بالطفلين، هي الأخرى أنجبت صبي وفتاة تؤام، وكانت نائمة بجوارهما، وما إن رن الجرس حتى انتفضت تفتح للطارق بسرعة حتى لا يستيقظ صغارها، وجدته أمامها حاملًا طفليه، لتنظر أعلاها بخوف، هو أيضًا كان خائفًا من ردة فعلها، فدلف قائلًا بخوف:
– ثريا ازيك؟ وحشتيني، انتي مش كنتي قلتي ليَّ إنك هتسافري؟
تعصبت من داخلها حتى ألمها الجرح ولكنها تحملت على نفسها قائلة:
– ماعرفتش أسافر يا سراج، حصل ظروف منعت السفر، بس مسافرة قريب جدًا، ويمكن ما أرجعش تاني إسكندرية.
ثم ابتسمت بسخرية وهي تنظر إلى الطفلين قائلة:
– ماعدش ليَّ لازمة، انت مش محتاجني.
رأى أنها تسلط بصرها على الطفلين وعتابًا كبيرًا ينتابها، أعليهما؟ أم على عدم تواجده بجانبها؟ فرد قائلًا:
– حقك عليَّ يا ثريا، أنا آخر مرة جرحتك كنت فكرت نفسي خلاص ربنا حقق حلمي.
وتابع حديثه بمرارة قائلًا:
– بس ربنا عاقبني، أولادي أمهم ولدتهم وأخذت اللي ورايا واللي قدامي وهربت، تعالي نبدأ من جديد يا ثريا.
هزت ثريا رأسها بأسف قائلة:
– مع الأسف يا سراج، فات الأوان.
اندهش سراج من قوتها ورفضها له ولأبنائه فرد قائلًا:
– ليه كدا بس يا ثريا؟ طيب بلاش علشاني، شوفي الواد القمر دا كأنه شبهك، سميته حليم زي ما كنتي عايزة.
ثم حاول استعطافها قائلًا:
– مش كان نفسك تسميه على اسم عبد الحليم حافظ؟
سألته قائلة:
– هي اللي سابتك يا سراج؟ مش هي خلتك تسيبني عشان الأولاد دول؟
ثم سألته باستهجان قائلة:
– ليه انت دلوقت عايز ترجع وبتفرض عليَّ أربي أولاد غيري؟ أنا مش هرجع ليك ولا هربيهم.
أغمض عينيه بمرارة قائلًا:
– وأنا أعمل إيه بيهم يا ثريا؟ طيب بلاش ترجعي ليَّ أنا، خديهم هما الأهم، مش دول حلم حياتك؟ خليهم هنا وأنا هبعد.
واستطرد يلوم نفسه قائلًا:
– ياريتني سمعت كلامك وماضيعتش نفسي.
ليستمع في تلك اللحظة إلى صراخ الطفلين وينظر إلى أطفاله يجدهم صامتين ويحدق في وجه ثريا فتبتسم بنصر قائلة:
– أنا قلت ليك يا سراج، ربنا هيجبر بخاطري وهخلف ويبقى عندي أولاد.
صعد إلى الأعلى ووضع يده على مقبض الباب الذي يوجد به صوت الصغيرين، ثم دلف لينظر إليهما بدهشة، فهما اثنان مثل اللذين معه، لينظر إليها ببلادة قائلًا:
– أنا استغربت انتي جبتي القوة دي منين، وازاي بترفضي حاجة كان نفسك فيها من زمان وانتي طيبة وقلبك كبير.
ثم هز رأسه بضياع قائلًا:
– كنت عارف إن ربنا هيعاقبني وهو فعلًا عاقبني، لما هي أخدت فلوسي ورمتلي العيال، بس ربنا زود عليَّ العقاب.
ثم أشار باصبعيه نحو قلبها قائلًا بضعف:
زود العقاب لما قسى قلبك عليَّ أكتر، ثريا بلاش قسوة أرجوكي ياثريا.
كان لديها إحساس جيد أنه سيعود، لا تعلم من أين أتاها هذا الإحساس، يبدو أنه بسبب الحوار الذي كان بينها وبين خطاب عندما هتف لها بكل رغبة قائلًا:
– ثريا اطلبي منه الطلاق وصدقيني أنا هعوضك انتي وأولادك عنه، دا مايستحقش دمعة ولا تفكير منك، تعالي نتجوز يا ثريا وتبقى ضربة له.
هزت ثريا رأسها برفض قائلة:
– أنا مش خاينة يا خطاب، لا يمكن أخد زوج صحبتي اللي فتحت ليَّ بيتها وراعتني أحسن رعاية، وثانيًا: أنا مش حابة أنتقم منه، ربنا موجود.
عرض عليها فكرة الخبيث قائلًا:
– طيب إيه رأيك انتي وذكرى أصحاب، أعتقد مش هتمانع، أنا هقول لها إنك علشان من غير راجل وأنا بحميكي وبحمي أولادك.
ابتسمت ثريا باستهزاء قائلة:
– أنا أقدر أحمي نفسي من أي راجل يا خطاب.
زفر خطاب بحنق قائلًا:
– صدقيني انتي هتفضلي طول عمرك ذليلة له، ويرجع لك بأولاده ويضحك عليكي،ولاء ملهاش أمان، عادي تخونه زي ما اتبلت عليَّ.
تعالى صوت ثريا بغضب قائلة:
– خطاب، تحب أتصل بسراج وأقوله على عمايلك دي؟ وأخبره يجي يصفي حسابه معاك؟
لوى خطاب فمه بسخرية قائلًا:
– قريب هتلاقيه جاي زاحف.
(عودة)
بالأعلى عند نور وحليم، ظل نور يسأل حليم قائلًا:
– أيوه يعني هي قالتلك وحشتني وبعدين سرحت.
هز حليم رأسه ليستطرد نور حديثه قائلًا:
– وقالت لك يا حبيبي كمان رغم خلافكم! يبقى أكيد افتكرت بابا لأنها دايمًا تقول إنك شبهه.
زفر حليم بغضب قائلًا:
– أوف، شكل أبويا دا هيعملي عقدة.
شرد نور قائلًا:
– وإيه اللي زود الموضوع دا؟ ولا علشان زعلانة من مواجهتك ليها؟ انت برضو زودتها يا حليم.
غضب حليم قائلًا:
– عارف إني زودتها، بس أبوك عمل إيه خلاها تفتكرني بيه لما اتعصبت عليها؟ هو دا اللي مش فاهمه.
مط نور شفتيه قائلًا:
– ولا أنا عارف.
حليم بنفس نبرة الغضب:
– يبقى أنا وانت لازم نعرف يا نور، لأن أكيد الموضوع يخصك انت كمان.
فرك نور جبهتة قائلًا:
– دي مخلفاني أنا وأختي قبلكم بأربعين يوم، يعني هو ماتجوزش مامتك بدافع الخلفة.
ثم استطرد قائلًا:
– إيه هيكون سبب جوازه التاني؟
ثم ضحك قائلًا:
– يكونش واحد بحري والتاني قبلي؟!
اقترب منه حليم ليخنقه على مرحه، ليتراجع نور بخوف قائلًا:
– إيه؟ عيب كدا يا حليم أنا أكبر منك.
رد عليه حليم بغضب قائلًا:
– زيي زيك، يمكن المفروض أكون أنا الأكبر، انت واخد جينات خالك وجدك يوناني أصيل، أنا بقى طالبة معايا نكد زي أبوك.
تعالت ضحكات نور قائلًا:
– يا ريتك يوناني زينا.
ابتسم حليم بسخرية قائلًا:
– انت على فكرة بتحاول تضحك علشان تخليني أفك بس، لكن من جواك زعلان أكتر مني.
احتضنه نور قائلًا:
– طب ممكن فعلًا تفك، وأنا أوعدك إني هدور معاك، بس من غير ما ماما تحس.
ثم شرد بحزن قائلًا:
– أنا أحيانًا بلاقيها بتكلم نفسها ومفيش على لسانها غير سراج.
تحدث حليم بحزن قائلًا:
– دي الحاجة اللي مزعلاني عليها، ازاي كل السنين دي ماتكلمتش عنه وفجأة طيفه بيجي في بالها؟ نفسي ربنا يريح قلبها.
ثم استطرد بعزيمه قائلًا:
– والله لازم أعرف اللي حصل زمان علشان بس أعوضها، لأني واثق إنها اتظلمت.
جاء اتصال لنور من حنان، الفتاة المشاغبة صديقة شقيقته، فابتسم وابتعد عن حليم، ليبتسم حليم بسخرية، لكن سرعان ما تحولت ابتسامته إلى حزن بسبب تذكره لوئام.
هتف نور قائلًا:
– وحشتيني يا حنون.
زفرت حنان بحنق قائلة:
– ماتشفش وحش.
تعالت ضحكات نور قائلًا:
– مالك يا نون داخلة شمال فيَّ كدا ليه؟
تنهدت حنان بضيق قائلة:
– استنيت ساعة في النادي وسيادتك ولا على بالك.
عض على شفتيه بخبث قائلًا:
– ماكنتش أعرف، وبعدين أنا ماروحتش النادي النهاردا.
صرخت حنان بغضب قائلة:
– بتكدب عليَّ يا نور؟ أنا شفتك مع بنت تانية بره النادي، لما أخوك كان بيكلم وئام، انت هتتظبط وتعقل إمتى؟ لو عايز نفركش أوك، إنما كدا لااااا.
ابتسم نور ابتسامة حبور قائلًا:
– أنا كنت جعان يا نون وعايز أروح لثريا تغديني، والبنت دي مسح زور، إنما انتي الدسم كله، أوعدك أقابلك بكرة وبعد بكرة، بس طريها يا نون.
في الأسفل قاموا بإعداد الطعام، ليهبط حليم ينظر إليها وهي تعد السفرة بكل احترافية، فتقرب منها وقبل يدها قائلًا:
– الإيدين الحلوة دي ماعدتش تعمل حاجة، وبعدين فين البنات؟ اوعي تكوني طفشتيهم علشان تستفردي بيَّ.
ضحكت ثريا قائلة:
– لا دا انت اتغيرت قوي.
غمزها حليم قائلًا:
– ما هو مش معقول واحد أمه بالحلاوة دي ومايبقاش لسانه حلو، ما تيجي نرقص يوناني سوا، انتي محترفة.
وضعت يدها على ذقته قائلة:
– بعد الغدا نرقص سوا.
هبط نور بمرح قائلًا:
– انت بتتحرش بأمي يا ولد؟ وانتي يا ثريا كدا عيب، هو البيت دا مافهوش راجل؟ ما تاخدي الواد وتهربوا بالمرة.
ثم نظر إلى الطعام بشراهة قائلًا:
– ولا أقولكم أكلوني الأول، لأحسن الواد زياد أكل كل الأكل.
ليرن جرس الباب ويدلف زياد ومعه دفتر الحسابات، ينظر زياد إلى الطعام بشراهة هو الآخر، كأنه لم يتناول الطعام طوال اليوم، ليهلل قائلًا:
– مش ممكن أكل! وكمان من إيد الشيف ثريا، يا سلام، دا الواحد على لحم بطنه من الصبح.
ثم نظر إلى نور يسأله بعتاب قائلًا:
– انت مش قُلتلي يا نور إنكم مش طابخين النهارده؟
لتتعالى ضحكات ثريا وحليم، أما نور فنظر إليه بسخرية قائلًا:
– لا ما هو احنا طبخنا على آخر لحظة، انت بركة، كُل براحتك، أنا هخليهم يعملوا عشا تاني، وبعدين فين الحسابات؟ ومد إليه يده بغضب قائلًا:
-ما تجيبهم كدا نشوفهم.
لتهبط الجميلات ميارا وهاجر، تبتسم ميارا لزياد قائلة:
– يا زياد انت مش لسه قايل في التليفون إنك متغدي؟ نفسي أعرف الأكل دا بيروح فين؟ دا مش بعيد تاكل أكل أولادك لما تتجوز.
تعالت ضحكات هاجر قائلة:
– ولا مراته اللي ربنا يكون في عونها، يمكن تصحى تلاقي دراعات متاكلة منها.
قطب نور جبينه قائلًا:
– والله كدا أنا ابتديت أفهم يا حليم هي مين، بالذات بعد كلام هاجر، انت هتخلص أكل إمتى يا زياد؟
نهض زياد ونفض ملابسه ومسح فمه قائلًا:
– خلصت، دا حتى الواحد مش عارف ياخد راحته في الأكل، اكمنه مش في بيته.
تحدث حليم باستهجان قائلًا:
– لا والله كل دا مأخدتش راحتك؟! أومال لو بقى بيتكم هتعمل فينا إيه؟ قوم يا أخويا لما نشوف هببت إيه النهارده.
ابتسم زياد ببلادة قائلًا:
– أيوه بقى، حسسوني إني ابنكم ودا بيتنا، والله نفسي أصحى من نومي ألاقيكم حواليا.
ضرب نور كفًا على كف قائلًا:
– لا دا انت لسعت، على فكرة لو انت عايز اللي في بالك مش هتقعد هنا.
نظر إليها زياد فأخفضت وجهها ليتحدث قائلًا:
– ازاي؟ لا أنا عايز أعيش معاكم.
جز نور على أسنانه قائلًا:
– طيب والله ما هيحصل.
ليعود زياد من جديد فيوقفه حليم قائلًا:
– خلاص بقى نشوف شغلنا لأنه الأهم، أما الحاجة التانية يا زياد لا أنا ولا انتم لينا دخل فيها.
ثم نظر إلى ثريا وابتسم إليها قائلًا:
– ماما ثريا هي اللي تقول مفهوم؟ كل اللي بيحصل دا كلام فاضي ولا إيه؟
زفر نور بحنق قائلًا:
– ما هي ماما ثريا هتيجي في صفه يا حليم.
ابتسمت ثريا بفخر لحليم على تعظيمه لها قائلة:
– على فكرة يا نور حليم معاه حق، أنا هنا اللي أقول ودا بعد رأي أختك ورغبتها، دي اللي هتتجوز مش احنا.
وشوشة صدرت من ميارا لهاجر تستفهم منها قائلة:
– هو ا الجواز تم؟
ابتسمت لها هاجر وهزت رأسها، ثم نظر إليها زياد لتتحدث ولكنها ظلت صامتة ليغيظها قائلًا:
– دا حتى السكوت علامة الرضا.
وضعت ميارا يدها في خصرها قائلة:
– نعم! هي بنات الناس لعبة؟ دي حياة هنعيشها مع بعض وتبقى طويلة مش سلق بيض.
ابتسم زياد قائلًا:
– أفهم من كدا إنك موافقة عليَّ يا ميارا؟ والله أوعدك هعيشك عيشة حلوة.
ابتسمت ميارا رغمًا عنها قائلة:
– هنشوف، مش المفروض تجيب عيلتك وتيجي تخطبني.
هز زياد رأسه قائلًا:
– آه طبعًا هجيبهم، بس قلت الأول أخد الموافقة منكم، بصراحة كنت خايف ترفضوني ومش عايز أهلي يتحرجوا.
ابتسمت ميارا قائلة:
– وأنا قلتلك، لا ماما ولا إخواتي هيعترضوا عليك.
فرح زياد قائلًا:
– حيث كدا بقى خير البر عاجله.
تعالت ضحكات ميارا قائلة:
– لا بالراحة يا زياد بالراحة، كل شيء بأوان.
ابتسم زياد قائلًا:
– تعبت يا ميارا، وبعدين ما صدقت إنكم وافقتوا عليَّ، دا أنا كنت مرعوب.
رد عليه نور بضيق قائلًا:
– ما خلاص بقى، كل شوية “ما صدقت إنكم وافقتوا عليَّ” بلاش النبر دا، لأحسن نرجع في كلامنا وتقعد تولول زي الستات.
نظر إليه زياد برعب قائلًا:
– أنا والله ما هتكلم تاني، أسف اعتبرني واحد أهبل متاخدش على كلامي.
لوى نور شفتيه بضيق قائلًا:
– لا أنا أساسًا شايفك مجنون.
تنهدت ثريا قائلة:
– مش نقعد ناكل بقى، وبعدين يا زياد مشكلتك اتحلت، عايزة تركيز في الشغل.
واستطردت ترفع رأسها بكل عزيمة قائلة:
– احنا عايزين نكبر سلسلة المطاعم في الفترة الجاية، وعايزاك يا نور تهدى شوية على زياد.
ابتسم نور قائلًا:
– أوامرك سنيورة ثريا، أحسن شيف في إسكندرية.
رفعت ثريا حاجبيها بفخر قائلة:
– الله أكبر عليَّ.
صفق حليم قائلًا:
– أيوه بقى، إيه الجمال دا يا ثريا؟ ولا أجدعها ست مصرية.
ربت نور على كتفي حليم ممتنًا له، حيث يواصل مغازلاتها رغم علمه أنها ليست والدته، فهمس في أذنه قائلًا:
– حليم شكرًا ليك، انت كلامك بيخلي مزاجها في السحاب.
التفت إليه حليم قائلًا:
– انت مفكر إني هعاملها وحش علشان هي مش أمي؟ يا نور ثريا أمي و هتفضل أمي حتى لو كانت سارقاني من أمي الحقيقية.
تدخلت ثريا تريد أن تعلم ما يقولان، فنظرت لهما بخبث قائلة:
– بتقولوا إيه؟ بتتكلموا عليَّ صح؟
ابتسم لها حليم قائلًا:
– وعرفتي منين؟
زم نور شفتيه بضيق مصطنع قائلًا:
– قلب الأم يا أخويا، المهم أنا وإخواتك البنات بنتوشوش كتير عمرها ما حست بينا، لكن انت غيرنا، ليك وضع خاص.
احتضنها حليم وأغمض عينيه قائلًا:
– وأنا كمان أكثر واحد بحس بيها.
دلفوا إلى مكتبهم بعد العشاء وتحدث نور إلى حليم قائلًا:
– أيوه هي سابتكم بعد يومين من ولادتكم وسافرت بره مصر، بس أهلها هنا اللي هما خالك وخالتك.
ثم أسدل رأسه بحزن قائلًا:
– لأن أبوها وأمها بعد ما عرفوا إنها سابتكم ومشيت ماتوا بحسرتهم، ودا اللي خلى بابا يجيبكم إسكندرية لماما.
تنهد حليم بضيق قائلًا:
– كان عندي إحساس إن دا الحوار كله.
حزن نور على وضع شقيقه قائلًا:
– حليم احمد ربنا إن بابا جابك هنا لماما ثريا.
ابتسم حليم بسخرية قائلًا:
– وانت كنت عايزه يعمل فينا إيه؟
تنهد نور قائلًا:
– انت لو عرفت مكانها هتحاول توصل لها؟ انت لو عملت كدا وماما ثريا عرفت هتزعل يا حليم؟
وضع حليم يده على رأسه من التفكير قائلًا:
– دا اللي أنا شايل همه، مش عايزها تفهمني غلط، نفسي تفهم أنا عايز أوصلها ليه، نفسي أنتقم منها يا أخي.
واستطرد وهو يجز على أسنانه قائلًا:
– انتقام ما بعده انتقام، ولازم أوصل ليها.
دلفت إليهما ثريا وهي تشعر فيما يتحدثان، فنظرت إلى حليم قائلة:
– الصبر طيب يا حليم، أنا هجبهالك لحد عندك.
ابتلع حليم ريقه قائلًا:
– تجيبي مين؟ انتي عارفة احنا بنتكلم عن مين؟ ولا دا تخمين مش أكثر؟ وبعدين أيًا كان مين، أنا مش عايز أتعبك.
ابتسمت ثريا قائلة:
– أنا عارفة إنك بتدور على مامتك، بس أنا عايزة أقولك حاجه، انت ابني أنا، وأنا سبب بداية مشوارك انت وأختك.
ثم وضعت يدها على صدرها بتملك و بقوة قائلة:
– انتم أولادي، يمكن تشوفني إني طماعة، بس انتم حقي أنا.
ابتسم لها حليم قائلًا:
– وأنا مش شايفك طماعة، أنا شايف إن من نعمة ربنا علينا إن اتربينا على إيدك.
اقتربت منه قائلة:
– الله ينور عليك، مش بمزاجك دي إرادة ربنا، أنا قُلتها لباباك زمان، قلت إن ربنا هيسجيب دعاي ويجبر بخاطري.
واستطردت مبتسمة بامتنان لربها قائلة:
– مش جبر بخاطري في أولادي بس، لا جبر بخاطري بيك انت وأختك، أنا تعبت كتير يا حليم.
ثم أغمضت عينيها واستسلمت لدموعها قائلة:
– تعبت قبل ما أشوفك انت وإخواتك التلاتة، لكن لما شفتكم كبرتوا قدامي راح كل تعبي يا حليم، انت ابني وكلكم أولادي.
ثم ضغطت على كتفيه قائلة بإصرار:
– غصبن عنكم هتفضلوا معايا لحد ما أموت.
احتضنها حليم قائلًا:
– صدقيني لو كانت رجعت في يوم من الأيام تاخدنا كنا رفضنا، أنا عايز أرجعها علشان أعرفها احنا بقينا إيه.
ثم مط شفتيه بلا مبالاة قائلًا:
– لكن رجوعها مش هغير حاجة.
تنهد نور قائلًا:
– أنا كمان رأيي من رأي حليم.
لتعود بذكرياتها حيث رأت في الشابان الإصرار على الفعل مثل والداهما.
(فلاش باك)
والد زياد (خطاب) وهو يحاول فض الاشتباك بينهما قائلًا:
– بقولك إيه يا سراج، انت تسافر تسوي أمورك هناك، وتسيب الأولاد عندي، وبعدين لما ترجع كل شيء هيتحل .
ثم أمال على أذنه بخبث قائلًا:
– قربك منها هيخليها ترجع تحن عليك.
نظر إليها سراج باستعطاف أخير قائلًا:
– علشان خاطري يا ثريا خليهم معاكي.
انتفضت ثريا وصرخت قائلة:
– أنا عندي أولاد يا سراج، عاوزني كمان أخد دول؟ مش انت بعدت عني وحرمتني منهم؟
ثم أشارت نحو خطاب بغضب وضيق قائلة:
– ماتفكرش إن كلامه هينفع، حتى لو بقيت ليل نهار معايا مش هرجع ليك، أنا هلتزم بتربية أولادي وهصرف عليهم.
ليتعالى صريخ الطفل حليم لتنتفض إليه قائلة:
– حليم مش شبعان حبيبي، انت مش بتشربه لبن في ببرونه يا سراج؟!
نظر إلى طفليه بحزن لتأخذهم منه ذكرى وترحل مع خطاب، لتبدأ ذكرى في الشك اليقيني نحو خطاب، خاصة عندما هتف بخبث قائلًا:
– اهتمي بيهم يا ذكرى كأنهم زياد، علشان ميلجأش لثريا، هي فيها اللي مكفيها، مش ناقصة عيال غيرها، علشان هو يتربي ويعرف إن الله حق.
عقدت ذكرى ما بين حاجبيها قائلة:
– أنا مش هقدر يا خطاب، وبعدين أنا مش شايفة فيها مشكلة لما ثريا توافق ترجعله ويربوا الأولاد الأربعة في وسطهم.
انتفض خطاب بغضب قائلًا:
– إيه الجنان دا؟ انتي نسيتي هو رماها ازاي وكان عارف انها حامل؟ وافرضي التانية رجعت، موقف ثريا هيبقى إيه؟ مش هيرميها تاني؟
زفرت ذكرى قائلة:
– حرام عليك هو ماكنش يعرف، ساعدهم يرجعوا لبعض ينوبك ثواب.
هتف خطاب بإصرار قائلًا:
– مستحيل.
سألته بتوجس قائلة:
– ليه مستحيل؟ للدرجة دي صعبانة عليك؟
توتر خطاب وارتبك قائلًا:
– أنا بحاول أنتقم منه علشان صدق ولاء لما قالتله إني اعتديت عليها.
هزت ذكرى رأسها وتنهدت بتعب وهي تنظر إلى الطفلين متمنية حدوث معجزة لرجوع سراج وثريا.
هي كأوراق الشجر ضعيفة وهشة، رغم رفضها للطفلين إلا أنها رقت لحال الطفل حليم وهو يبكي، ليبتسم وينظر إليها ويوقف بكاءه للحظة عندما لمسته، وقعت في حبه منذ تلك النظرة، وكأن برؤيته تحقق حلمها في الإنجاب، ولكن عندما عاودت النظر إلى سراج الذي حطم فرحتها، تألم قلبها على هذا الحلم الذي قام بتضييع فرحته، سراج هو العائق بينها وبين أطفاله، ما إن رحل تقبلتهم وبسعة صدر منها، إنها لم تتخيل يومًا أنهما ليسا أشقاءً لأبنائها.
بعد رحيله بيوم كانت تبكي عليه رغم أفعاله، لتأتيها ذكرى صديقتها ووالدة زياد، والتي أخذت عندها الطفلين لحين عودته، لكنه لم يعد، عادت جثته فقط، كانت ثريا تبكي بحرقة على فقدانه وتسأل ذكرى قائلة:
– انتي عندك الأولاد صح يا ذكرى؟ ليه ماجبتيهمش معاكي؟
ربتت ذكرى على يدها قائلة:
– هو ينفع يجوا في الظروف دي؟! انتي في إيه ولا إيه؟ دا كفاية إنهم جابوه يتغسل عندك في قلب البيت.
ثم نظرت إلى الطفلين (نور وهاجر) بحسرة قائلة:
– وولادك اللي كل حد فيهم على صرخة واحدة من ساعتها، زي ما يكونوا حاسين بموت أبوهم، وبعدين انتي هتقدري على الأربعة يا ثريا؟
ثم أشاحت بوجهها قائلة:
– انتي وأبوهم عايش رفضتيهم.
ردت ثريا بغضب قائلة:
– انتي اللي بتقولي الكلام دا يا ذكرى؟! كنتي عايزاني بعد اللي عمله أسامحه وأخدهم منه؟ أنا انجرحت منه يوم فرحتي.
ثم استطردت بإصرار قائلة:
– بس أنا اللي هربي الأولاد، انتي بس هاتيهم، وليَّ طلب مش عايزة الأولاد يكبروا ويعرفوا اللي حصل، تمام ذكرى؟
هزت ذكرى رأسها بالموافقة ولم تنكر أنها فرحت بأمر رجوع الطفلان لثريا، ولكن هذا فتح مجال آخر لخطاب لكي يتلاعب بثريا، خاصة عندما أخذت الطفلين حدثها قائلًا:
– كنتي عايزاها تربيهم، أهو هتربيهم أهو.
نظرت إليهما ذكرى بحزن قائلة:
– بس من غير أب.
ابتسم بخبث قائلًا:
– مش يمكن تتجوز وتلاقي أب لأولادها؟
نظرت إليه ذكرى بضيق قائلة:
– يمكن.
ردها زاده سرورًا فرد قائلًا:
– بس المفروض ماتتجوزش أي حد زي سراج.
لوت ذكرى ثغرها بسخرية قائلة:
– أومال تتجوز زيك؟
توتر خطاب قائلًا:
– يا ريت تلاقي حد زيي.
.
(عودة من الذكريات)
هزها حليم ليخرجها من شرودها قائلًا:
– إيه يا ثريا، هتفضلي في حضني كدا كتير؟ انتي كدا مش هتخليني أرتبط بأي واحدة لتطلع بتغير من حركاتك دي.
خرجت ثريا من أحضانه تبتسم بمرح قائلة:
– يبقى اللي يغير مننا يعمل زينا، وانت لازم تطلع راجل مذوق وتغازل السنيورة بتاعتك حتى لو قدامي.
ثم رفعت ذقنه بأناملها قائلة:
– بص يا حليم الحب أحلى شيء في الوجود، بس اللي يفهمه صح، أنا عايزاك تفهمه صح، الحب جنون.
نظر إليها حليم بإعجاب قائلًا:
– طيب نتعلم منك بقى انتي وبابا، هو اللي كان مجنون بيكي.
ثم استطرد وهو يراقص حاجبيه قائلًا:
– ولا نقول إن ثريا اليونانية هي اللي اتجننت بسراج المصري.
فاجأها بالسؤال فلمعت الدموع في عينيها قائلة:
– انت ابن أبوك بصحيح، بتقول زي ما بيقول، بص باباك كان مغروم بيَّ كتير وأنا كمان، بس مين أكتر مش هقول.
هز رأسه بمرح من ذكائها وعقلها الصارم، الذي يرفض إعطائه أي أدلة وبراهين.
ليعود بذاكراته مع عشقه وئام، وهو يهاتفها في إحدى الليالي قائلًا:
– أنا بحبك أكتر ما بتحبيني يا ويمي.
لتتحدث وئام برقة قائلة:
– لا يا حليم مستحيل.
ليسألها قائلًا:
– ليه بتقولي كدا؟
تنهدت وئام قائلة:
– حاسة إن من كتر حبنا لبعض، الناس هتحسدنا وهيحصل حاجة ما بينا، بس انت اللي هتسيبني.
رد عليها بوعود العالم قائلًا:
– ماقدرش يا وئام.
ابتسمت قائلة:
– يعني دا وعد؟
رد بتأكيد قائلًا:
– أكيد.
ليعض على أنامله يلوم نفسه على تضييعها من بين يديه، لا يعلم هل ما اقترفه في حقها عدلًا أم ظلمًا.
بالأعلى كانت ميارا تحادث زياد، وكانت تبكي، ليأتيها صوته يهون عليها قائلًا:
– يا ميارا أنا شايف إن مفيش فرق ما بينكم، انتي عند ماما ثريا كأنك بنتها اللي جابتها من بطنها.
ميارا لديها القناعة بكل هذا، ولكن عند معرفتها أن ثريا ليست والدتها تولد لديها الخوف أن تأتي والدتها الحقيقية يومًا ما وتأخذها، خاصةً عندما علمت من هاجر إن حليم مُصر على التعرف عليها، فتحدثت بخوف إلى زياد قائلة:
– نفسي أرتاح يا زياد من كتر التفكير، من ساعة ما عرفت وأنا مرعوبة، خايفة تظهر لينا من تحت الأرض.
واستطردت بقلق قائلة:
– بخاف لما بيكون فيه حفلة وماما ثريا تُصر إن صور الحفلة تنزل في الجرايد والمجلات.
واستطردت قائلة:
– زياد أنا خليتك تتقل العيار معاهم علشان أبقى مراتك، أحسن ما تظهر أمي الحقيقية في يوم وتنيل الدنيا.
زفر زياد بحنق قائلًا:
– هي هترجع هترجع مفيش مفر يا ميارا، أنا كمان حسيت إن ماما ثريا وحليم وافقوا على جوازنا لنفس الخوف اللي جواكي.
ثم استطرد بحنق قائلًا:
– بس نور أجارك الله.
أنهت المكالمة لدلوف شقيقتها هاجر، والتي ما إن شاهدت أعينها تدمع حتى ركضت إليها تطمئن عليها قائلة:
– مالك يا ميارا؟ بتعيطي ليه؟
مسحت ميارا دموعها الرقيقة بطرف أصابعها قائلة:
– هي دي دموع الفرحة يا هاجر، عقبالك انتي كمان من فرحتك تعيطي.
ابتسمت لها هاجر ابتسامة خفيفة، ولكن نظراتها تحمل الشك نحو ميارا، لماذا تبكي؟ وعليها معرفة السبب الرئيسي لذلك.
أما عن هاجر فقد كانت تأتيها رسائل من حبيب مجهول لا يقول لها إلا شيء واحد:
– بحبك، وطمعان أنك تكوني ليَّ.
لتبتسم هاجر بسخرية قائلة:
– أنا مش لحد يا اسطا.
ليرد عليها ذات يوم قائلًا:
– عندك حبيب؟
تغيظه قائلة:
– أيوه عندي حبيب، وهنتخطب قريب وهعزمك.
ليعبس بوجهه ويبعث لها (إيموشن) بذلك قائلًا:
– لو مش عن حب بلاش، أنا بحبك جدًا.
لترد عليه باستهزاء:
– انت عبيط؟ حب إيه بالرسايل دي؟ ليه مش بتظهر؟انت عفريت مثلا؟
ليرد قائلًا:
– قريب هظهر، أنا أصلًا قريب منك، بس انتي اللي مش حاسة بيا.
صعد حليم إلى نور، الذي سبقه إلى غرفته ليجده يجوب الغرفة بعصبية قائلًا:
– أظن اللي سمعته من ماما يا حليم يخليك تعدل عن تفكيرك؟
نظر إليه حليم بذهول قائلًا:
– لا والله، انت يا ابني بتتحول؟ مش لسه قايل تحت إن دا حقي؟ هي نفسها قالت لي إنها هتجيبها لحد عندي، بس ازاي؟ مش عارف.
رد عليه نور بضيق قائلًا:
– هي سمعتنا يا حليم وعلشان كدا ماقدرتش تقولك لا.
زفر حليم قائلًا:
– طب أعمل إيه أنا دلوقتي؟
رد عليه نور بغضب:
– أنا اللي هقولك برضو؟ ما تشوف حالة ميارا، لأول مرة في حياتها مهزوزة وخايفة.
ثم اقترب منه قائلًا:
– عايزة تتجوز؛ علشان لما ترجع أمك تبقى ملهاش كلمه عليها.
تنهد حليم قائلًا:
– حقكم عليَّ، بس أنا وافقت على زياد فعلًا لأني مقتنع بيه، وعارف إنه بيحب ميارا وميارا بتحبه.
واستطرد وهو يهز رأسه بعدم تصديق قائلًا:
– مش في دماغي إني كدا خايف عليها، أصلًا ماحدش يقدر يقرب منها.
زفر نور بحنق قائلًا:
– النتيجة واحدة، هي خايفة.
تنهد حليم قائلًا:
– خلاص أنا هحلها، بس مش دا اللي معصبك يا نور.
أشاح نور وجهه إلى الجانب الأخر ليغتاظ حليم قائلًا:
– هو مفيش فايدة من العادة بتاعتك دي؟ أنا ميت مرة قلت ليك بلاش الهروب بتاعك دا، واجهني.
رد نور بضيق:
– مش وقته يا حليم.
هز حليم رأسه بيأس قائلًا:
– برضو يا نور؟ هو انت هتفضل طول عمرك كدا؟
التفت إليه نور قائلًا:
– كل شيء في وقته حلو.
زفر حليم بقلة حيلة قائلًا:
– تمام براحتك، بس كنت أتمنى أعرف.
زفر نور بحنق قائلًا:
– تمام هقولك.
ابتسم حليم بسخرية قائلًا:
– يا ترى هيطلع اللي بفكر فيه؟
نظر إليه نور بحزن قائلًا:
– أنا خايف أقولك إنها احتمال كبير تكون قربت توصل ليكم.
ثم هتف بضيق قائلًا:
– هي تقريبًا جمعت معلومات عنكم من الحفلات والصور اللي اتعمدت ماما تنزلها في المجلات.
عقد حليم ما بين حاجبيه قائلًا:
– بس احنا على طول بينزل لينا صور، احنا ولا المشاهير.
تنهد نور قائلًا:
– انت شايف الموضوع عادي، بس أخر مجلة ماما نزلت فيها أسامينا وتواريخ ميلادنا.
ثم ابتسم بسخرية قائلًا:
– طبعًا بالإضافة لدا، كل واحد خريج إيه و هوايته إيه ووظيفته، هي قصدت تذكر تواريخ ميلادنا.
جحظ حليم بعينيه قائلًا:
– علشان كدا بتقول لي اصبر هي جاية جاية، احنا داخلين على منعطف تاريخي بقى.
ثم وضع يده على حافة مرآة الزينة ينظر إلى انعكاس صورته قائلًا:
– لو خطة ماما ثريا فعلًا نجحت يبقى الست دي بلعت الطُعم، بس يمكن يكون حالها معدوم ولا بتقرا مجلات ولا حاجة.
ثم التفت إلى نور قائلًا:
– بس ماما ثريا مش عبيطة، يا ترى الست دي هتيجي إمتى؟
انتفض نور بقلق قائلًا:
– ربنا يستر، الوضع مش مطمن، ولا حتى نظرات ماما ليك انت بالذات مش مريحاني، الموضوع كله مقلق.
ابتسم حليم يطمئنه قائلًا:
– إيه اللي انت بتقوله دا؟ مش أنا يا نور اللي يتخاف مني، نظرات ماما ليَّ كلها حب ودا شيء يريحك.
ثم هز رأسه بعزيمة قائلًا:
– وأنا هقدر أجتاز خوفها اللي في عينيها، بس الخوف فعلًا على ميارا.
تنهد نور بضيق قائلًا:
– فعلًا البنت عايزة تهرب من هنا، مش حابة تواجه حد.
ابتسم حليم قائلًا:
– انت عبيط؟ مين قال إن ميارا مابتعرفش تواجه؟ تعرف إني متوقع إنها هتواجه الست دي أكتر مني.
واستطرد بخبث قائلًا:
– وهترجعها من مطرح ما جات ندمانة، أنا واثق من أختي جدًا، لأنها قوية من صغرها.
ثم ابتسم بفخر قائلًا:
– وطبعًا الفضل كله يرجع لماما ثريا، كانت دايمًا تقول لها “ارفعي راسك يا ميارا انتي بنت ثريا اليونانية” وعلشان كدا ميارا زعلت إنها مش بنتها فعلًا.
ثم استطرد بحزن:
– ومن يوم ما عرفت لغاية النهارده حاسة إنها في كابوس، وأنا كمان.
ابتسم نور وربت على كتف حليم قائلًا:
– أنا عارف إن ماما ثريا عندك انت بالذات حاجة تانية، دي دايمًا تقول إنك متسمي على اسم عبد الحليم حافظ.
ثم لوى ثغره قائلًا:
– تبقى مزعلها وأول ما تقولها ازيك تبقى طايرة من السعادة، المهم أنا معاك لغاية ما ربنا يريح قلبك.
تنهد حليم قائلًا:
– يا ريت يا نور، نفسي فعلًا أرتاح.
كان يراود نور القلق، لكنه رد عليه ليطمئنه:
– إن شاء الله قريب.
(فلاش باك)
عندما حملت ثريا حليم نظر سراج إليها وإلى حليم باندهاش، فقد صمت حليم في أحضانها، تحدث سراج حينهاقائلًا:
– سكت في إيدك.
نظرت إليه ثريا وأدمعت أعينها قائلة:
– هتعمل إيه يا سراج كل مرة علشان تسكته؟
تنهد سراج قائلًا:
– ممكن يفضل معاكي هو وميارا؟
أعطته الطفل مرة أخرى قائلة:
– بلاش تستغل عاطفتي ناحيته يا سراج، أنا هربي أولادي بس.
أغمض سراج عينيه بمرارة قائلًا:
– يا ثريا علشان خاطري، وبعدين ما أنا كمان المفروض أبقى جمب أولادي التانيين، احنا مهمين في حياة بعض.
حاول أن يفهمها أنها لن تستطيع تربيتهما بمفردها، حاول أن يشعرها بالعجز قائلًا:
– فيه حاجات انتي لوحدك مش هتقدري عليها، لكن وأنا معاكي هنقدر سوا.
جاهدت ألا تنزل دموعها ولكن دون جدوى وانتحبت قائلة:
– ولو هي رجعت ظهرت وطلبت أولادها؟ ولو انت جيت قلت ليَّ لا مؤاخذة يا ثريا دول أولادها، هتاخدهم مني؟
ثم استطردت بوجع قائلة:
– وانت عارف كويس أنا ببقى ازاي لما بتعلق بحد، ولا هتفكر في نفسك وبس ساعتها وتقول دول حقها؟
تنهد سراج بتعب قائلًا:
– استحالة، أنا ممكن أعمل أي حاجة تريحك، أنا ممكن أكتبهم باسمك، والله أقدر.
رفعت ثريا سبابتها قائلة:
– سراج اوعى تعمل كدا، دا حرام، لو خالفت شرع ربنا والقانون أنا مش هخالفه علشانك، حتى ولو هشهد ضدك.
نظر إليها سراج بقلة حيلة قائلًا:
– أنا نفسي أضمن ليكي وليهم عيشة بعيدة عنها، علشان لما أموت وهي تظهر ماتبقيش في صراع معاها.
ثم وضع يده على صدره قائلًا بحسرة:
– زي ما أنا بقيت في صراع بين حبي ليكي وحملها، خيرتني بينها وبينك من لحظة ما حملت.
ثم هز رأسه بضياع قائلًا:
– ومارضيتش إن الأولاد يبقوا بينك وبينها، أنا غبي وقلت حقها.
ثم ضم حليم يقبله قائلًا بحزن:
– فهمت غلط يا ثريا، أنا كنت مفكر إن لما هشيل عيل مني هرتاح ومش هتعب وأدفع تمن غلطي معاكي.
وانسابت دموعه قائلًا:
– نفسي أعرف ازاي قدرت تكون بالجبروت دا وتهرب بعد ما ولدتهم.
استكملت ثريا بكاءها قائلة:
– انت السبب يا سراج، لما كانت قالت الكلام دا وخيرتك بينها وبيني كان ممكن ماتسيبنيش وتجيني من وراها، بس انت ما صدقت تخلص مني.
واستطردت بحزن قائلة:
– لما جيت هنا آخر مرة أنا كنت طايرة من السعادة، وكان نفسي أقولك إن أخرة صبري جبر.
تحدث سراج بأسف قائلًا:
– آسف، آسف يا ثريا، لو رجع بيَّ الزمن همسك فيكي بإيديا واسناني.
ردت ثريا تؤنبه قائلة:
– انت أناني يا سراج.
هز رأسه يوافقها الكلام قائلًا:
– معاكي حق، مافكرتش غير في نفسي، بس اديني فرصة تانية أرجوكي، دول طفلين يا ثريا.
نظرت إليه ثريا ثم نظرت إلى الأطفال وقد رق قلبها قائلة:
– اديني وقت، جايز أنا بنفسي أطلب منك كدا، بس ماتضغطش عليَّ الفترة دي.
تنهد سراج قائلًا:
– حاضر، بس خديهم عندك على بال ما أروح أجيب كل اللي يخصني في القاهرة وأظبط حياتي هنا.
هزت رأسها برفض، فهي تعتقد أنها حيلة منه لتلزيق الأطفال لها والهروب، فاعترضت قائلة:
– لا يا سراج مش هقدر، انت ممكن تفضل هنا وبعدين تجيب الحاجات من القاهرة .
ابتسم سراج بسخرية قائلًا:
– مش عايزة تاخديهم أسبوع عندك؟ ويا ترى مش هتحبيهم زي أولادنا؟
نظرت إليه بلوم وعتاب قائلة:
– يا ريتك يومها اديتني فرصة للكلام زي ما بتسمعني دلوقتي، يا ريتني أنا وقفت وقلت إني حامل، يمكن كنت فضلت في حياتك وكانت اتغيرت حاجات كتير.
ثم نظرت إلى الأطفال قائلة:
– لو شاء القدر وبقيت أنا الماما بتاعتهم هيكونوا عندي زى أولادي وأكتر، بس لغاية اليوم دا سيبني على راحتي يا سراج.
و تنهدت بتعب قائلة:
– أنا تعبانة جدًا.
تنهد سراج بهدوء قائلًا:
– خلاص يا ثريا، بس علشان خاطري متتأخريش عليَّ، انتي قلبك كبير، وقُلتيلي قبل كدا إنك مش بتحبي تزعلي حد منك كتير.
واستكمل قائلًا بنبرة استعطاف تتملكه:
– يا ريت مايهونش عليكي الأولاد، ماينفعش تاخديهم بذنبي، أيوة يا ثريا أنا فيَّ عيوب، بس أنا وأولادي محتاجين ليكي.
واستطرد قائلًا:
– لكن لو عايزة الأولاد وأنا بلاش مش مشكلة، أنا بعتك ودا حقك، ثريا خلي بالك من أولادنا كلهم، أنا حاسس إن أجلي قرب.
وتنهد بتعب قائلًا:
– أنا عايز أموت مرتاح، اللي جبتيهم واللي غيرك جابتهم انتي هتربيهم كلهم، ودا أنا واثق منه، احنا حقك يا ثريا..
و ابتسم قائلًا:
– وبعدين هما محظوظين إن انتي اللي هتربيهم.
تنهدت ثريا قائلة:
– أيوه كل مرة نفس الكلام مش بتتغير يا سراج، قلت من سنة إنك خايف تموت.
حزن سراج وتضايق من ردها قائلًا:
– عايز أقولك حاجة يا ثريا، يمكن مارضيتش أحرجك بيها، انتي لما طلبتي من والدك يحول فلوس العملية التانية كلمني وهزقني.
ابتلع غصة في حلقه قائلًا:
– عارفة كان إيه إحساسي ساعتها؟
قطبت ثريا جبينها قائلة:
– إيه اللي بتقوله دا يا سراج؟
زفر سراج بحنق قائلًا:
– قال لي انت هتكبرني يا سراج أنا مش عايز أبقى جد، وإن كان على نفسية ثريا، هناخدها عندنا سنة ترتاح.
ثم ابتسم بسخرية قائلًا:
– بس أنا اتمسكت بيكي، وفي نفس الوقت كرامتي وجعتني، كانوا مفكريني بشحت منهم، مسكت نفسي بالعافية، بس صممت أرجع كرامتي قدامه.
وحملها الذنب قائلًا:
– ولما جيتلك وقلتي ليَّ إنك هتسافري عند والدك، حسيت زي ما يكون بتصدقي على كلامه.
نظرت له ثريا بلوم وعتاب قائلة:
– لا يا سراج، انت كنت جاي حاسم قرارك، أنا سهلت عليك الموضوع، وأنا غلطانة إني طلبت من بابا فلوس.
و أتبعت حديثها بحب قائلة:
– بس كنت بحبك وعايز منك أولاد.
ابتسم سراج بسخرية قائلًا:
– كنتي! فين الجنون في الحب اللي اتفقنا عليه؟
حاول أن يقترب منها ولكنها بعدت عنه.
– أوعدك إن سراج يرجعك لنقطة الجنون تاني.
زمت شفتيها قائلة:
– انت متفائل قوي، قول يا رب.
تنهد بحنان قائلًا:
– بقول والله، مش بكل ولا بمل.
أغمضت عينيها بمرارة قائلة:
– امشي بقى يا سراج.
تنهد سراج قائلًا:
– حاضر رغم إني مش قادر، من أول ما شفتك واطمنت إنك ما سافرتيش وأنا مرتاح، كأني هنام النومة الأخيرة.
ثريا كانت تسترجع ذكريات هذا اليوم وهي بغرفتها، كانت ينتابها الخوف وتعتقد أنها آخر مرة ستراه فيها، وبالفعل حدث ما توقعته، وقبل ما يحدث عزمت أمرها أنه إن عاد بالطفلين كانت ستأخذهما منه، بل فكرت أن تذهب إلى ذكرى لأخذهما ورعايتهما.
الفصل الثالث
بعقل يشغله التفكير، وقف يتابع شقيقه من خلال نافذة المكتب، وهو يحاول إنهاك نفسه في العمل حتى لا ينشغل تفكيره بتلك المرأة، لدرجة أنه لم ينتبه لزياد وهو يطلب منه التوقيع على وصول مواد الطعام التي يستخدمونها في المصنع، ولكن عادة زياد المرحة أخرجته من شروده عندما قال:
– لو قلتلك إني هروح أكل في المطعم تاني هتاخد بالك إني بتكلم ولا لأ؟
انتبه ونظر إلى زياد جيدًا، ليرتجف زياد قائلًا بخفة:
– ولا كأني قلت حاجة، أنا بس لاقيتك سرحان، قلت أنكشك علشان تمضي على الأكل اللي جالنا.
نظر إلى الأوراق الموضوعة على سطح المكتب، ثم أخرج القلم من جيبه ودون النظر إلى الأوراق قام بالتوقيع عليها، ثم عاود الشرود من جديد في شقيقه وما يمر به، وفي وسط شروده انتبه إلى زياد الذي لم يرحل فنظر إليه، ليتحدث زياد قائلًا:
– فيه حاجة يا نور؟ يمكن أنا ماليش الحق أتدخل في خصوصياتك، بس ماينفعش أسيبك كدا.
نظر إليه نور قائلًا:
– ماشي هقولك، بس توعدني انت كمان لو تعرف حاجه تقولها.
حاول أن يسأله عن ماضي والدة حليم الحقيقية، فرفع زياد أكتافه بعدم معرفة ليزفر نور بحنق قائلًا:
– انت والدتك ووالدك يعرفوا كل حاجة.
تذكر زياد عندما سأل والده خطاب يومًا ما عن تلك المرأة فكان رده:
– ماعرفش غير إنها سابت أولادها وهربت.
ثم استطرد زياد يسأل نور بتوجس:
– انت عايز منها إيه؟ هي مش طلعت أم حليم مش أمك؟
زفر نور بغيظ قائلًا:
– أنا سألتك تعرف إيه عنها، ما تفتحش معايا تحقيق، ويا ريت ماتروحش تحكي إني سألتك، انت اللي عليك حاول تجيبلي معلومات عنها.
تنهد زياد قائلًا:
– والله قُلتلك أبويا نفسه مايعرفش، حتى قال لي إنه فضل مايعرفش حاجة عن أبوكم طول فترة حملها .
هز نور رأسه بإصرار قائلًا:
– لا، هو يعرف، بس أكيد ماما ثريا مأكدة عليه مايقولناش حاجة.
انتبه زياد لتحذير ثريا، فهو يتذكر بعض الشيء فردد قائلًا:
– في بيتنا، تقريبًا قالت إنها سافرت.
وضع نور يده على وجهه بيأس قائلًا:
– يا حبيبي ما احنا عارفين إنها سافرت، المهم سافرت فين ومع مين؟
مط زياد شفتيه بعدم معرفة قائلًا:
– الله أعلم.
شدد نور على شعره بعصبية قائلًا:
– طيب بلاش أبوك، اسأل أمك، اعرف منها كمان إيه اللي خلى أبويا يتجوز على أمي ما دام هي بتخلف ومخلفانا قبل إخواتنا.
ثم هدأ من عصبيته قائلًا:
– ولو ماما ثريا عارفة مكانها ليه مابعتتش الأولاد ليها؟
خرج زياد عن أعصابه قائلًا:
– نعم! كنت عايز إخواتك يفتحوا عينهم على واحدة زي دي ويبقوا أولادها؟!
ثم انتبه لما يقوله وقال:
– أنا إيه اللي بقوله دا؟!
ابتسم نور بخبث وأجلسه قائلًا:
– يلا يا زياد قول كل اللي تعرفه.
عاد زياد إلى والدته وسرد لها ما دار بينه وبين نور، لتشهق وهي تشرب قهوتها مفزوعة، فيحاول تهدءتها قائلًا:
– ماكنش قصدي أقسم بالله يا ماما.
عاتبته ذكرى قائلة:
– انت عارف أبوك لو عرف اللي قلته دا هيعمل فينا إيه؟نور نفسه تفتكر هيرضى يجوزك ميارا بعد اللي انت حكيته؟! ولا لو عرف حليم.
زفر زياد بحنق قائلًا:
– عارف، بس كله حصل بدون قصد.
هزت ذكرى رأسها بيأس قائلة:
– مش قادرة أطلعك على حق يا زياد، ومش عارفة ردة فعل ثريا لما تعرف إنك حكيت.
ابتلع زياد ريقه وسألها بتوجس قائلًا:
– تفتكري ممكن ترفض تجوزني ميارا؟
أشفقت عليه ذكرى، ولكنها ردت بحزم:
– انت لازم تقول لأبوك.
(فلاش باك)
شهقت فزعًا عندما علمت أن غريمتها هربت مع عشيقها، ثم نظرت إلى الطفلين غير مستوعبة أمر أنهما سيصبحان أبناء لها، وتحدثت بخوف قائلة:
– أولادها، أولادها يا سراج، دول أولادها.
تنهد سراج قائلًا:
– فاهم قصدك، للدرجة دي اتضايقتي يا ثريا عليهم؟
حزنت لكونهما أولاد ضرتها، فرددت قائلة:
– طبعا يا سراج أولادي كمان هيكونوا إخوات ليهم، عندي إحساس إنهم هيكبروا وهي هتيجي، وانت هتقلب وتاخدهم مني وتلوث حياتهم.
ثم شردت قائلة:
– أنا دايمًا عندي خيال للمستقبل، أولادي كمان هيزعلوا كتير لو ماقولتش الحقيقة يا سراج.
نظر لها ييأس قائلًا:
– خلاص يا ثريا أنا هبعدهم عنك، خليكي مع أولادك، لأن لو أحساسك إنهم هيعروا أولادك يبقى كدا بلاش.
واستطرد قائلًا:
– أنا بس مش هقدر أربيهم، هبعتهم بقى لذكرى مرات خطاب تاخدهم.
ثم تنهد بتعب قائلًا:
– آه يا وجع قلبي، يا مين يجيبها ليَّ.
بعد خروجه من عند ثريا أتاه اتصال من رقم مجهول، استشعر أن تكون أم صغيريه ولم يشأ الرد عليها، هو توقف بحياته معها إلى هذا الحد، ولكن تعددت الاتصالات ليرد بغضب:
– أنا عارف إن دي انتي يا ولاء، ومش عايز أشوف خلقتك تاني.
ضحكت بخلاعة قائلة:
– دا إيه الثقة دي؟ هي السنيورة رضيت عليك؟
رد عليها بثقة زائفة:
– طبعًا، دي حب عمري.
ابتسمت ولاء بخبث قائلة:
– والفلوس اللي أخدتها ماتسواش حاجة جمب حب عمرك يا عمري.
تنفس سراج بصعوبة قائلًا:
– طيب والضنا يا ولاء؟ إيه رأيك فيه؟ يستاهل يترمي بالساهل علشان فلوس؟
زفرت ولاء بحنق قائلة:
– دول ملايين يا سراج، وبعدين أنا سبتهم ليها وليك، انت فهمتها كدا من الأول، إني مجرد رحم، خلينا بقى نعيشها بنفس التفكير، ومين عارف يمكن أرجع أخدهم.
عليك أن تختار أن تقول الحقيقة وتكسر بها قلوب، أو تكبتها وتعتبرها مخفية في قلبك حتى لا تؤلم أحدهم، أهذا يعتبر نفاق؟ عند قول أي شيء مُنافٍ للواقع بهدف الرأفة بحال أحدهم، في الواقع أنا أعتبره ليس نفاقًا، لأن هدفه الرحمة، ماذا سأجني بإيلام الناس بالأشياء الواقعية؟ ما سيفرحني وأنا أقذف بمن أمامي في بحر الطغيان؟
سرد زياد لوالده خطاب ما حدث بينه وبين نور، لينظر خطاب أمامه بحقد دفين لسنين مضت قائلًا:
– كل اللي حصل دا بسبب سراج، إنه كان نفسه في حتة عيل وماقدرش يصبر.
عقد زياد ما بين حاجبيه قائلًا:
– ازاي ونور وهاجر اتولدوا وكان لسه حليم وميارا ماجوش الدنيا؟
ثم استكمل حديثه بحسرة قائلًا:
– أول ما ميارا طلعت رخصة العربية عرفت إنها مش بنت ثريا، فثارت وهاجمت الكل لغاية ما حليم هداها وطمنها إنه كمان معاها في نفس القصة.
جز خطاب على أسنانه قائلًا:
– يا مين يلايمني عليها الواطية، أقسم بالله لأدفعها تمن اللي عملته في ثريا وفيَّ وفي سراج، المفروض ترجع بأي وسيلة.
ثم زاد غضبه قائلًا:
– علشان تدفع تمن القديم والجديد.
اندهش زياد لحقد والده عليها فسأله قائلًا:
– وهي عملت فيك إيه لدا كله؟ الموضوع مايخصكش خالص.
ابتسم خطاب بمرارة قائلًا:
– دي اتبلت عليًّ، اللي زعلني إن سراج صاحب عمري متأكد إني ماعملتهاش، كان نفسي ينصرني عليها، ومن يوم ما اتبلت عليَّ وأنا في طريق وهو في طريق.
وتابع وهو يتباهى بمساعدته قائلًا:
– وبالرغم من اللي حصل، لما رجع منهزم صممت أساعده لغاية ما مات، ويومها صممت إنه يخرج من بيته في جنازة وأكرمته ودفنته بإيدي.
واستطردت بألم زائف قائلًا:
– بس اللي قهرني أولاده، ومع إن الأربعة مش أولاده من التانية إلا إن كلهم بقوا زي بعض، كنت بسمع صرختهم زي ما يكون قلبهم حاسس بموت أبوهم.
جحظ زياد بعينيه قائلًا:
– أنا كدا فهمت انتم ليه مش عايزين تقولوا حقيقتها لأولادها.
جاءتهم ذكرى تنظر إلى خطاب بلوم وعتاب قائلة:
– خطاب ليه كدا بس؟
ابتسم خطاب بسخرية قائلًا:
– إيه يا ذكرى؟ ماكنتيش عايزة حتى ابنك يعرف؟
زفرت ذكرى بحنق قائلة:
– ابنك أهبل يا خطاب، ممكن يروح يقول لميارا، والبنت حساسة ممكن تنجرح.
تنهد خطاب قائلًا:
– ما هو ابنك وتربيته زينا، مابيقدرش يمسك نفسه زيك، مش انتي قُلتي زمان لثريا على اللي عملته فيَّ التانية؟
ثم نظر إلى زياد يحذره قائلًا:
– زياد، انت لو عملتها بجد هتخليهم بكدا يكرهوني ويكرهوك، كفاية إنك قلت لنور إن أم حليم هربت مع واحد.
هز زياد رأسه بانصياع لما طلبه منه والده.
فجأة رن جرس الباب ليأتيهم حليم مبتسمًا، زيارة تبدو عادية، ولكن يبدو أن بداخله أسئلة، لذلك طلب من زياد أن يتركهم، نظر خطاب إلى حليم بتوجس قائلًا:
– يا ريت ماتكونش جاي علشان تسأل على الماضي يا حليم.
تنهد حليم ونظر إلى الفراغ أمامه، فيربت خطاب على ركبتيه قائلًا:
– انت بتتعصب قوي ليه كدا يا حليم؟
التفت حليم بوجهه إلى خطاب وتحدث قائلًا:
– دا أصلي يا عم خطاب، مش يمكن يطلع زبالة وماكنش لا أنا ولا أختي أولاد الراجل اللي مات دا.
واستطرد باشمئزاز قائلًا:
– دي ست سابتنا ومشيت وماحترمتش الراجل اللي كانت متجوزاه، لو احنا أولاده أكيد ماكنتش هربت.
ابتسم خطاب ببهوت قائلًا:
– كلامك ممكن يكون صح، هو ممكن تدعبس في الموضوع دا لو انت لوحدك، لكن انت معاك ميارا، حرام تتبهدل في المواضيع دي.
زفر حليم بحنق قائلًا:
– أنا دلوقتي متأكد إنها أمنا لكن مش متأكد إنه أبونا، آه واضح من ملامحها إنها بنته، وأنا كمان شخصيتي فيها كتير منه.
هز خطاب رأسه بتفهم قائلًا:
– أنا عارف إن كل كلامك صح، بس والله العظيم لو أقدر أقولك حاجة كنت قُلتها.
نظر إليه حليم بغيظ قائلًا:
– وأنا عارف إنك تقدر، بس ماما ثريا موصياك ماتقولش حاجة.
ابتسم خطاب بسخرية قائلًا:
– بخاف منها يعني؟ لا، أنا مش بخاف يا حليم، بطل تدور عليها، دي مش أمك، أمك هي ثريا.
رد عليه حليم بقوة:
– أنا فعلًا ماليش غير أم واحدة هي ثريا، بس حابب أعرف ثريا نفسها مكسورة ليه، علشان لو بسبب الست التانية أجبلها حقها.
واستطرد بحقد:
– هندمها الندم اللي أكيد أبويا كان نفسه يندمه ليها، علشان كدا نفسي أطلع ابن سراج الخشاب، ساعتها هوريها ألوان من العذاب.
رد عليه خطاب قائلًا:
– انت ابنه فعلًا، نفس قوته وشجاعته، ماينفعش تكون ابن حد تاني.
واستطرد ليريحه قائلًا:
– بس أنا عندي حل لكل الحيرة دي، اعمل تحليل d.n.a وانت تعرف.
جحظ حليم بعينيه قائلًا:
– ودا نعمله ازاي وأبويا ميت، استحالة هفتح قبره، أنا مش ناقص وجع قلب.
رد عليه خطاب بكل ثقة:
– استنى، زياد كان فرجني على حاجة على النت، مشكلة بنت وماذكرش اسمها، وربنا حسيت إنها ميارا، هخليه يفرجها ليك، يا زياد.
آتاهما زياد في لهفة قلقًا ألا يكون علم حليم بماضي والدته، وسأل والده بتوجس قائلًا:
– أيوه يا بابا فيه حاجة؟
نظر خطاب إلى الهاتف الذي بيد زياد قائلًا بلهفة:
– هات يا زياد مشكلة البنت اللي كانت عايزة تعمل تحليل اثبات النسب.
عقد زياد ما بين حاجبيه ليذكره خطاب قائلًا:
– البت دي اللي كانت عايزة تعمل التحليل مع أخوها، لأن أبوها ميت وهي من أم تانية.
هز زياد رأسه متفهمًا، ثم فتح الهاتف وبحث عنها ووجدها قائلًا:
– أهو يا بابا، الرد أهو.
انتزع حليم الهاتف من يد زياد وتمعن النظر في المشكلة وحلها الذي كان نصه:
“أما في مثل حالتك -أختي الكريمة- فيتم أخذ عينة الحمض النووي من كليكما -أنتِ و أخيك-، فإذا تطابقت العينتان تمام التطابق يعني ذلك أنكما أخوين من الأب والأم، وإن تطابقت في شق واحد واختلفت في الشق الآخر معنى ذلك أنكما أخوين ولكن لستما أشقاء، وفي حالة عدم التطابق في أي شق معني ذلك أنكما لم تكوناا أخوة”
نظر إليهما حليم قائلًا:
– تمام.
ولكن زياد كان في حالة اندهاش، فسأل حليم:
– انت عايز تعرف الليلة فيها إيه؟ صح؟
ابتسم حليم بسخرية قائلًا:
– ها يا زياد؟ مستغرب إني عايز أتأكد من أصلي؟ بس أنا مش محرج ولا مستصعب الموضوع، لأني بدور على حقي.
انصرف حليم، ثم دلف خطاب إلى غرفته، فوجد ذكرى شاردة ولم تنم، فابتسم بخبث قائلًا:
– مش عوايدك يا ذكرى.
انتبهت ذكرى إليه قائلة:
– ليه كدبت عليه يا خطاب؟
زفر خطاب بحنق قائلًا:
– أنا قلت كل الحقيقة يا ذكرى.
هزت رأسها برفض قائلة:
– مش دي الحقيقة يا خطاب.
اقترب منها خطاب قائلًا:
– انتي ليه مش عايزة تنسي الماضي؟ إذا كانت صاحبة عمرك نسيت.
ابتسمت ذكرى بحزن وضعف قائلة:
– أصل أنا ذكرى يا خطاب، وهفضل طول عمري فاكرة كل حاجة لغاية ما ربنا يجبلي حقي منك.
عاد حليم إلى منزله، وجد الجميع نائم حتى نور، ليتنهد براحة ويذهب إلى غرفة مغلقة تفتح للتنظيف فقط، وليست ممنوعة على أحد، لأن بها يوجد ذكريات والده، دلف إليها وقام بأخذ صورة واحتضنها وغط في ثبات عميق، ليأتيه صاحب الصورة في منامه قائلًا بجمود وكأنه حزين منه:
– ارفع راسك لفوق يا حليم، مش علشان انت ابني، لكن علشان ثريا هي اللي ربتك، بص لكل الناس وانت فخور، اوعى تحط راسك في الأرض، انسى اليوم اللي اكتشفت فيه إنك مش ابنها، خليك دايمًا مركز إن ثريا هي أمك وبس.
زفر حليم بحنق ليتضايق سراج قائلًا:
– مفيش فايدة فيك يا حليم بقيت زيي، أنا لو كنت سمعت كلام ثريا وصبرنا ماكنش دا بقى حالي، بس برضو لو كان دا حصل ماكناش شوفناكم انت وأختك.
واستطرد سراج بمرارة قائلًا:
– أنا ضعفت قدام رغبة، وأنا مفكر إني متجوزها علشان….
ثم صمت وأضاف قائلًا:
– يلا اللي حصل حصل، أنا عايزك قوي، اتعامل مع الكل عادي على إنك ابن ثريا، وهترتاح صدقني.
ثم ابتسم بمرارة وأكمل:
– طبعًا انتم شايفين إني وحش، بس زي أي راجل مش بيعجبني اللي في إيدي.
عقد حليم ما بين حاجبيه قائلًا:
– هو انت اتجوزتها علشان تخلفنا؟
أغمض سراج عينيه قائلًا:
– أيوه.
عقد حليم ما بين حاجبيه قائلًا:
– بس أنا وأختي أصغر من نور وهاجر، يعني انت ماكنتش محتاج للخلفة.
ابتسم سراج بمرارة قائلًا:
– لا كنت محتاج، أنا اتجوزتها بعد محاولات كتيرة لثريا للخلف بس ربنا ماكنش رايد، لكن إرادة ربنا فوق كل شيء.
سأله حليم قائلًا:
– هو انت ماكنتش تعرف إن ماما ثريا حامل في إخواتي؟ أصل بصراحة جدي اللي هو بابا ماما ثريا قال لي كدا.
تنهد سراج قائلًا:
– لا ماكنتش أعرف، بس عمك خطاب كان عارف وخبى عليَّ، هو احترم رغبتها.
ابتسم حليم بمرارة قائلًا:
– وأنا اللي كنت مفكر إنه إحساس سلبي عندي، أنا كنت حاسس بدا كله مش عارف ليه؟
احتضنه والده في الحلم قائلًا:
– حليم كل إحساسك في محله ما عدا إنك مش ابني، عايزك ماتعملش التحليل، وتخلي بالك من أختك ومن نور وهاجر ومن ثريا..
واعتصره قائلًا:
– مهما حصل اثبت ووقف العيلة اللي تعبت فيها ثريا، طول عمرها كان نفسها يبقى عندها أولاد وربنا جبرها، حتى لما ظلمتها سابتني لربنا اللي أخد لها حقها.
و حذره قائلًا:
– اوعى تزعلها في يوم، خليها ترفع راسها بيكم، أي حاجة في الدنيا مش هتعوضك حضنها، هتلاقي نفسك بتلف لفتك وبترجع ليها.
وابتسم ابتسامة تقطرت فيها دموعه قائلًا:
– هي عملت ليكم بداية ووصلتكم لنهاية أجمل، بس أحلى بداية، انت حقك تفتخر إن الست دي ربتك انت وأختك.
ابتسم حليم بثقة قائلًا:
– ثريا ربت راجلين وبنتين، ما حدش يقدر يوفيها حقها.
ابتسم سراج مفتخرًا به وقال:
– دايمًا عايزك تقول الكلام دا.
هز حليم راسه قائلًا:
– حاضر، وأكيد أنا بقوله دايمًا علشان كدا كنت حابب أعمل التحليل علشان لو ماطلعتش ابنها على الأقل أبقى ابن جوزها.
ووعده قائلًا:
– وأول ما هطلع ابنك صدقني هطير من الفرحة.
ابتسم سراج بقلة حيلة قائلًا:
– كنت عارف إن زيارتي ليك دي ملهاش لازمة، انت حر، بس حاسب وانت بتعمل كدا تضرب حد في قلبه.
هز حليم رأسه خوفًا ألا يعاود زيارته مرة أخرى وانتفض قائلًا:
– طيب قول انت عايز إيه وأنا أعمله؟ بس اوعى ماتجيش تاني، مجيتك دي ريحتني.
ابتسم سراج قائلًا:
– اعمل اللي نفسك فيه، ولو حللت أول ما النتيجة تطلع اكتمها في قلبك سواء بالخير أو بالشر، دا اللي طالبه منك، وحاسب وانت بتعمل كدا تضرب حد في قلبه.
انتهى الحلم، أحلامنا جزء من الواقع الذي يحاربنا طوال يومنا، استفاق حليم من حلمه وهو ما زال محتضنًا لصورة والده، تنهد بقوة قائلًا للصورة:
– حاضر هعمل كل اللي قلت ليَّ عليه، بس ابقى تعالى تاني، انت بتوحشني قوي.
تفحص هاتفه ليجد رسائل عديدة من وئام رغم جرحه لها، فتذكر كلمة والده، تذكر أنه جرحها، ثم ودون تردد ضغط على زر الاتصال لتجيبه على الفور، كما لو كانت تنتظره، ولمَ لا؟ وهي دائمًا بانتظاره، حتى في لحظات إهماله لها، توتر عند سماع صوتها وارتبك قائلًا:
– مش قصدي، رنيت على الرقم بالغلط.
أغمضت عيناها، فهي تعلم جيدًا أنه يكذب، لأن حليم ليس بالشخص اللعوب الذي يهاتف الناس بتلك الساعات المتأخرة، ولكنها تحاملت على نفسها وسألته قائلة:
– انت بتكدب عليَّ ولا على نفسك؟
تنهد بتعب قائلًا:
– كنت بتصل بصاحبتي ونسيت أحذف رقمك.
ابتسمت وئام بمرارة قائلة:
– بلاش تحذفه يا حليم، مسيرك تحتاجه، وأهو فرصة أرد الضربة اللي في قلبي منك ليك.
دون تردد سألها قائلًا:
– لسه بتحبيني؟
شهقت بوجع قائلة:
– آه مع الأسف، انت علمت علامة كبيرة وضربتك كانت زي الحفرة، تصبح على جنة يا أحلى حب حسيته في حياتي.
كان جميع من بالمنزل نائم عدا ثريا التي شاهدته وهو يدلف إلى حجرة والده، لتذهب هي الأخرى إلى حجرتها هي وسراج، وتجلس على فراشها وتعود بذكريات هذا اليوم إلى الخلف، إلى يوم عرسه عندما تنهدت بحزن قائلة:
– خلاص يا سراج هتتجوز؟
ابتسم سراج ابتسامة مرتعشة قائلًا:
– آه يا ثريا، بس والله أنا ممكن أتراجع علشان ماتبقيش موجوعة.
حاولت إيقاف سيل الدموع، يعلم بوجع قلبها ومع ذلك يتمادى ليحتضنها قائلًا:
– احنا العمر قدامنا كتير يا ثريا وأنا ليكي، بس دا جواز لسبب مش جواز عن حب زيك، نفسي في حتة عيل، خايف أموت وأهلي ياخدوا اللي ورايا واللي قدامي.
ثم وضع يده على قلبه قائلًا:
– أنا حاسس إن أجلي قرب مش عارف ليه، نفسي أجيب ولد وأسميه حليم على اسم الفنان عبد الحليم اللي بتحبيه، علشان خاطري ماتزعليش مني.
شددت ثريا على أحضانه قائلة:
– انت راجع ليَّ يا سراج، وإن شاء الله تجيب حليم وتجيب ولاد حلوة كتير، بس اوعى هي ترفض اسم حليم، علشان خاطري.
هز سراج رأسه برفض قائلًا:
– ماتقدرش، أنا اللي هكتب اسمه، آه يا ثريا لو أطول أكتبك في خانة الأم.
ابتسمت ثريا بمرارة قائلة:
– اوعى يا سراج، أنا فاكرة حكاية الست اللي جوزها عمل كدا وقهرها، اوعى تقهر حد علشاني.
أخرجها من أحضانه ينظر إليها بافتخار قائلًا:
– أي واحدة في مكانك هتطلبها لكن انتي لا، بس أوعدك إن أولادي هيقولوا لك يا ماما، أول ما يتولدوا انتي أول حد هيشلهم..
وزاد بثقة قائلًا:
– قبل أمهم.
ثم احتضن يدها وقبلها قائلًا:
– وقبلي أنا كمان.
ابتسمت ثريا قائلة:
– كل دا يا سراج عشاني؟ هو انت هتبقى مركز ساعتها؟
تنهد سراج قائلًا:
– هركز علشانك، أنا لو أقدر أعملك يومها أكتر من كدا هعمل، بس انتي ماترفضيش تيجي زي ما انتي عاملة النهارده.
واستطرد يترجاها:
– كمان عايزك تبقي تنزلي القاهرة وتقعدي معانا، ولو حملت اعملي حسابك هتقعدي معانا طول فترة الحمل.
قامت بعدل رباطة عنقه قائلة:
– ابقى هاتها هنا يا سراج، مش بحب القاهرة، أنا بحب إسكندرية.
ثم ابتسمت قائلة:
– أنا عاملة زي السمك لو طلع من الميه يموت.
ابتسم سراج قائلًا:
– تعرفي إني زيك، ما تتصوريش أنا مش بحب أسافر هناك ازاي.
ثم ابتلع ريقه قائلًا:
– قلبي هنا معاكي يا ثريا، ربنا ما يفرقني عنك أبدًا.
هزت ثريا رأسها قائلًا:
– يا رب يا سراج، بس دا متوقف عليك انت.
نظر إليها بحزن وبإحساس أنه لم يوفِ بعهده لها وردد قائلًا:
– ماتخافيش يا ثريا، أنا هفضل على عهدي ليكي، خلي عندك ثقة إني مهما لفيت هرجع ليكي.
وأضاف قائلًا:
– حتى لو جابتلي دستة عيال، انتي الأساس مش هي.
نظرت له بلوم وعتاب قائلة:
– حرام يا سراج، أنا مش هبقى مرتاحة وانت مش بتعدل، بلاش توجع حد فينا أفضل.
تنهد سراج قائلًا:
– والله يا ثريا لولا النصيب ماكنتش عملتها، أنا زي ما يكون ماشي وسايب قلبي معاكي، اصبري عليَّ أرجوكي.
واستطرد بوجع:
– وكفاية وجع قلبي عليكي.
نظرت له ثريا برجاء قائلة:
– ينفع تاكل معايا يا سراج قبل ما تمشي؟
استصعب سراج الموقف قائلًا:
– ينفع، بس أنا كدا مش هقدر أسيبك، هفضل متبت فيكي أكتر.
وضعت يدها على صدرها تترجاه أكتر قائلة:
– علشان خاطري، نفسي أكل معاك، مش هاكل اليوم كله لو مأكلتش معاك.
هز رأسه بايجاب قائلًا:
– حاضر، بس أبوس إيدك يا ثريا اهتمي بنفسك وأنا مش موجود، علشان خاطري أنا، لو ليَّ خاطر عندك.
ثم هز رأسه بضعف قائلًا:
– ماتخلنيش أندم إني سايبك وماشي، حلفتك باللي خلقك.
فاقت من شرودها وابتسمت بمرارة تريد توقيف الزمن عند تلك اللحظة.
أتاها اتصال من خطاب فعقدت حاجبيها بقلق ثم ردت عليه، ليجيبها قائلًا:
– ماتزعليش مني يا ثريا، النهارده نور عرف جزء من حقيقة ولاء.
شهقت ثريا وقالت:
– ازاي دا حصل؟
رد عليها بشماتة قائلًا:
– نور ضغط على زياد، وزياد ماقالش غير إنها هربت مع عشيقها بس.
تنهدت ثريا براحة، ولكن ما زال يروادها القلق فحذرته قائلة:
– مش مهم، دي غلطتك انت لأنك حكيت لابنك، المهم حكايتك معاها ممنوع ابنك يعرفها.
ضيق عينيه يسألها قائلًا:
– ولو عرفها إيه اللي هيحصل؟ انتي ناسية الموضوع في صالح مين؟
زفرت بحنق قائلة:
– فاكرة، بس العيار اللي مايصيبش يدوش يا خطاب.
أغلقت هاتفها في وجهه بغضب، فقد حذرته مرارًا وتكرارًا من الاتصال بها في أوقات متأخرة، لأنها لن تنسى يومًا أنه كان يريدها وبشدة.
في الصباح استيقظت هاجر ونظرت إلى ميارا تتأملها قائلة:
– مش عارفة لما تتجوزي هفتح عيني على مين؟ ياريتك ترضي تتجوزي عندنا هنا في البيت، ولا بلاش لأحسن زياد ياكلنا.
ثم ضحكت قائلة:
– يا خوفي لترجعي لينا ناقصة دراع.
استيقظت ميارا ونظرت إليها بنصف عين وقامت بقذف الوسادة عليها قائلة بمرح:
– خدي بالك من كلامك يا بايرة، دا زياد دا هيزودني حتة مش هينقص، كفاية إني أصحى على شكله الحليوة المسمسم.
طارت هاجر من فراشها ووقعت فوق شقيقتها ميارا تكيل لها الضربات بمرح قائلة:
– ربنا على المفتري، إلهي يا رب أتجوز قبلك، وواحد أحلى منه كمان.
قامت ميارا بدغدغتها قائلة:
– وربنا ما هسيبك إلا لما تفطسي في إيدي يا هاجر وتقولي حقي برقبتي.
أخذت تتعالى ضحكات هاجر وميارا تدغدغها، ولكن فجأة ميارا تركتها، لتعقد هاجر ما بين حاجبيها قائلة:
– مالك يا ميارا وقفتي ليه؟
نظرت ميارا إلى الفراغ أمامها متذكرة حلم حلمت به، لتنظر إلى هاجر قائلة:
– أنا حلمت ببابا امبارح.
ابتسمت هاجر وحثتها على الحديث قائلة:
– هااا، احكي.
قضبت ميار وجهها قائلة:
– قال لي كفاية تدوير في الماضي، ولو خلفتي ولد سميه سراج.
تعالت ضحكات هاجر قائلة:
– إيه الحلم الأهبل دا.
نظرت إليها ميارا بحزن قائلة:
– لا يا هاجر دا مش حلم أهبل، انتي مأخدتيش بالك من أول كلامه.
ثم شردت قائلة:
– بس كان بنفس شكله اللي في الصورة، هو الميتين مش بيكبروا؟ عارفة كان نفسي أسأله هي ليه سابتنا.
رفعت هاجر حاجبيها قائلة:
– ومسألتهوش ليه؟
ردت عليها ميارا وهي تحتضن نفسها قائلة:
– أول ما حضني زي ما أكون فقدت الذاكرة، ضمته وجعتني على قد ما أنا فرحت بيها، قال لي وهو بيحضني “أنا بحبك وبحب إخواتك جدًا”.
ثم ضمت قلبها قائلة:
– وقال قلبي معاكم، وسلمتك لأم عظيمة، فبلاش بقى تزعلوها، وقال لي إنه آسف لينا كلنا، زي ما قالها لماما ثريا زمان.
واستطردت ببكاء قائلة:
– وقال لي إخواتك هيقدروني، بس انتي وضعك تاعبني قوي، وبعدين خرجني من حضنه وقال لي ماتتغريش في نفسك، ولازم تعرفي إن ثريا هي اللي خلقت بدايتك.
تابعت حديثها بقلق قائلة:
– وكمان قال لي إن أمي الحقيقة أكيد هتحاول ترجع تاخدني، وإنه ياما شاف منها.
ثم أغمضت عينيها قائلة:
– ربنا يسامحها على اللي عملته فينا.
كادت هاجر أن ترد عليها لولا اتصال زياد، لتتركها هاجر تنعم بالمرح، ردت عليه ليأتيها صوت المرح قائلًا:
– صباح الخيار على أحلى ميار، ما هو أنا مش لاقي أحلى من كدا نغمة على اسمك.
ابتسمت ميارا ابتسامة خافتة وقالت:
– مش وقتك خالص يا زياد، علشان خاطري خف شوية عليَّ، أنا تعبانة.
عقد زياد ما بين حاجبيه قائلًا:
– وانتي إيه اللي تعبك يا حبيبتي؟ حد ضايقك احكي وفضفضي، أنا حبيبك يا ميمو.
تنهدت ميارا قائلة:
– هحكيلك.
وبالفعل سردت عليه الحلم كاملًا وليس الجزء الذي سردته لهاجر فقط، ليرد عليها زياد قائلًا:
– ماتتضايقيش يا ميارا، وبعدين العربية اللي خلاكي تركبيها في الحلم سكة السلامة، لو طيارة يبقى هتقعي من الشباك.
ثم ضحك قائلًا:
– حبيبي يا عمو سراج حاسس بيَّ وبماديتي، أنا على قدي، كفاية عليَّ عربية ماليش في الطيارات.
تعالت ضحكات ميارا قائلة:
– ماشي يا بتاع العربية، والله لأقتلك على هزارك دا، المهم بدأت تجهز حاجتنا ولا لسه؟
ابتسم زياد قائلًا:
– طبعًا، أنا جبت المروحة امبارح، أنا بتحر بسرعة.
لم تتمالك ميارا نفسها من الضحك قائلة:
– وربنا انت مسخرة، وهتفضل طول عمرك كدا.
ابتسم زياد بسعادة وارتياح، لأنه نجح في إضفاء الضحكة على وجهها وتحدث قائلًا:
– أنا مستعد أعمل أي حاجة علشان أسمع ضحكتك يا ميارا، و عايزك تسمعي كلام أبوكي، اوعي تنبشي في الماضي.
ابتسمت ميارا قائلة:
– حاضر يا حبيبي، بس اللي مزعلني ماقاليش ليه، كان نفسي يقول لي الحقيقة اللي ماما ثريا مخبياها عننا.
واستطردت بتساؤل قائلة:
– وكمان ليه اتجوز على ماما ثريا مع إنها بتخلف، كل دي أسئلة شاغلة بالي، انت تعرف حاجة يا زياد أنا معرفهاش؟
ضحك زياد ليخبأ ما يعرفه بضحكاته وردد قائلًا:
– ماعرفش طبعًا، هعرف ازاي وأخبي عنك يا ميورة؟ ما تشغليش بالك.
دلفت والدته إليه لينهي اتصاله مع ميارا ويبتسم لوالدته قائلًا:
– بلاش تتعبي نفسك، فطرت وحليت بالسكر ميورتي.
ابتسمت ذكرى بسعادة وسألته قائلة:
– للدرجة دي بتحبها؟
تنهد زياد بسعادة قائلًا:
– فوق ما تتصوري.
ابتسمت ذكرى بشرود قائلة:
– رينا ما يحرمك منها.
عقد ما بين حاجبيه لشرودها قائلًا:
– مالك يا زوزو سرحانة في إيه؟
توترت ذكرى قائلة:
– في فرحتك انت وميارا.
ثم نهضت وخرجت من غرفته متمنية له السعادة، تخشى عليه من أن الظروف تقف عائقًا بينه وبين ارتباطه بميارا.
استيقظ نور وقطب جبينه لعدم وجود حليم معه بالغرفة، فنهض سريعًا وهبط للأسفل ولم يجده أيضًا، وجد ثريا تحتسي قهوتها وهي تشرد بحزن فأخرجها من شرودها بطبع قبلة على جبينها قائلًا:
– صباح الخير يا حبيتي.
وضعت فنجان قهوتها على المنضدة واحتضنته حضن أمومي وهي تقول:
– صباح النور يا نوري، كنت لسه هبعت هاجر تصحيك.
ربت نور على يدها بحنان قائلًا:
– وأنا صحيت من نفسي النهاردا لأول مرة، دا حليم منامش معايا امبارح.
ثم نظر إليها وغمزها قائلًا:
– وبعدين ما دام كنتي هتخلي هاجر تصحيني، يبقى عايزاني في موضوع مهم.
نظرت إليه بخبث قائلة:
– لسه بتدور انت كمان في موضوع حليم وميارا؟
ابتسم نور بخبث قائلًا:
– انتي شايفه إيه؟
ابتسمت ثريا بسخرية قائلة:
– لا أنا مش شايفة، أنا عرفت يا نور.
زفر نور بحنق قائلًا:
– كنت عارف إن زياد وأبوه هيقولوا لك، بس على فكرة ماتقلقيش خالص، أصلًا بابا جالي امبارح في الحلم ووصاني أشيل إيدي من الموضوع دا.
لترفع حاجبيها مندهشة، فيستطرد هو بحزم قائلًا:
– علشان كدا أنا هكبر دماغي، الغريبة إنه وصاني عليكي وعلى ميارا وهاجر.
في تلك اللحظة كان كلًا من حليم وميارا وهاجر يهبطون إلى الأسفل، ليجحظ حليم بعينيه بعدما سمع أن والده أتى لنور في الحلم أيضًا، حدقت ميارا في وجه هاجر لأنها هي الأخرى حلمت بوالدها، لينتاب هاجر شعور بالغيرة، لماذا هم؟ أهو يختار من كل تؤام واحد فقط أم ماذا؟ أيكون نور ابن المرأة الأخرى وحدث خطأ في التسجيل بينهما، لذلك ظهر لنور وميارا فقط؟ ولها الحق في هذا الشك لأنها لا تعلم أنه ظهر لحليم أيضًا، ولو علمت ذلك سوف يقودها الشك إلى سبل أخرى، من المحتمل عدم ظهوره لدى هاجر لأن هاجر لم تعطي للموضوع أهمية، فهي فقط تريد أن تحيا اليوم كما هو دون أفكار سوداوية، وتحلم بيوم أخر أفضل منه.
استكمل نور حديثه قائلًا:
• أنا هسمع كلامه وهحترم رغبتك، مع إني كنت قربت أوصل لبداية الخيط، بس ماعدش ينفع، لأني عطيته وعد للأسف.
الفصل الرابع
في عدم وجود هذا الحلم لدى حليم كان سيقوم بإجراء التحليل الخاص به، كان يريد اكتشاف المجهول، لكن ظهور والده في الحلم غير قوانين اللعبة، وأحلامنا جزء من واقعنا، حيث تلعب ذاكرة اليوم على مستوى الإحساس وإما أن تتحول إلى أحلام يقظة أو أحلام نوم، كان يأمل أن يكون له ذكرى لطيفة في صغره، الذكرى الأفضل له أنه تربى على يد امرأة زاهدة في الرجال رغم صغر سنها وجمالها، ولنقل أن بحلم أمس قد تحرر من بعض الشكوك التي تثاوره، وأدار ظهره لشيء لو تمادى فيه لكان سببًا في دمار قلوب، وهو لا يريد خسارة تلك القلوب، ولكن هل الموتى يشعرون بنا وبأوجاعنا؟ هم رحلوا وارتاحت أجسادهم وتركوا العبث في الدنيا، ولكن لديهم حب لنا أكثر من الأحياء، نحن نشعر أننا نعيش في نعيم وترف، لكن يبدو أن الموتى في نعيم وراحة أكثر منا، خاصة لو كانوا صالحين.
هاتف حليم زياد لأنه من المفروض أن يذهب معه إلى معمل التحاليل، لأن المعمل يخص صديق له ليكون العمل في منتهى السرية، وأيضًا ليضمن ألا يسرد لميارا شيئًا، أبلغ حليم زياد في الهاتف أنه عدل عن الأمر، حتى أن زياد لم يصدقه، شك أنه يبعده حتى لا تعرف ميارا شيئًا.
تنهد حليم بتعب قائلًا:
– أيوه يا زياد، كل الاتفاق اللي حصل امبارح انساه.
جحظ زياد بعينيه قائلًا:
– معقولة كدا مرة واحدة! يعني خلاص انت كدا عندك يقين إن عمي سراج والدك؟
زفر حليم قائلًا:
– سراج أبويا فعلًا، كفاية إنه جالي في الحلم امبارح وأكد ليَّ الكلام دا.
حدق زياد أمامه ببلاهة قائلًا بتسرع:
– قصدك جه لميارا مش ليك صح؟ وميارا أكيد حكت لك، مع إني نبهت عليها وقُلتلها كفاية هاجر.
ثم استطرد بفرحة قائلًا:
– عمومًا عين العقل يا حليم، أنا كدا ارتحت.
عقد حليم ما بين حاجبيه، وبالخطأ أغلق الهاتف وجلس على مكتبه غير مستوعب ما يحدث، أجاءه في الحلم هو وميارا ونور في يوم واحد؟ ولكن لمَ لم يأتِ لهاجر؟ أيعقل أن هاجر هي فقط ابنة ثريا، وأرادت ثريا أن تستأثر بنور لأنه يبدو شبيهًا لها؟ أم أنه أتى لهاجر ولأنها شخصية كتومة لا تريد الافصاح عن حلمها؟ أخذت الأفكار تعصف برأس حليم لتحوله إلى نقطة الصفر من جديد، ولنقطة أخرى تدل على البلاهة والسطحية، وهي أن سراج تزوج لإنجاب الذكور، تفكير حليم بهذه السطحية كاد يقوده إلى الجنون.
أما عن زياد أخذ يتحدث ثم تفاجئ بأن الخط فصل، ليقطب خطاب جبينه قائلًا:
– إيه مش هتروحوا؟ ومين دا اللي جه لميارا؟ حد من قرايب أمها؟
هز زياد رأسه غير مستوعب ما يحدث قائلًا:
– ميار جالها عمي سراج في الحلم امبارح وقال ليها بلاش تنبش في الماضي، بس فيه حاجة أنا مافهمتهاش.
ارتفعت أنظاره إلى والده قائلًا بدهشة:
– في الأول حليم رفض يعمل التحليل، وقال إن أبوه جاله في الحلم، وأنا ادلقت وقُلتله قصدك ميارا، فمش عارف أنا دلوقتي هو جاله هو كمان ولا جه لميارا بس.
تعجب خطاب، ثم ضرب كفًا على كف قائلًا:
– لااااااا، دا جنان رسمي، انت هتفضل طول عمرك مسحوب من لسانك كدا؟! البنت أمنتك على سر تقوم تقوله لأخوها؟
ثم استطرد وهو يضيق عينيه قائلًا:
– بس حليم مش من النوع اللي لو عرف إن أخته حلمت حلم هيعدل عن اللي في دماغه، ومع ذلك ثريا لازم تعرف باللي بيحصل دا.
ثم أشار إليه بتسرع قائلًا:
– قوم بينا نروحلها.
ابتسم زياد ببلاهة قائلًا:
– منور يا حاج خطاب، عايز أولادها يقرقشوني؟
تعالى صوت خطاب بغضب:
– انجر قدامي البس وتعالى معايا.
انزعج زياد ثم دلف إلى غرفته وهو يتمتم بغضب قائلًا:
– دا أنا هتنفخ، دي هتسألني عن حلم ميارا بالتفصيل.
ثم جحظ أمامه فجأة قائلًا لنفسه:
– هي مش قالت لهاجر تبقى ميارا تشك فيها بقى، بس هو عمي سراج ازاي جه للاتنين في الحلم؟!
ثم نظر حوله بخوف قائلًا:
– دي عيلة شكلها ملبوسة وأنا وقعت فيها.
ثم ابتسم بحب قائلًا:
– عادي ملبوسة ملبوسة، المهم أتجوز ميارا حبيبتي.
أثناء تبديل زياد لملابسه، جاءت ذكرى ونظرت لزوجها خطاب بازدراء، فتنحنح هو قائلًا:
– لازم طبعًا ثريا تعرف بكل اللي بيدور في راس أولادها.
زمت ذكرى شفتيها قائلة:
– بس حليم وميارا مش أولادها يا خطاب.
عقد ما بين حاجبيه قائلًا:
– كلام إيه اللي بتقوليه دا يا ذكرى؟ من إمتى احنا بنفكر في الكلام دا؟
ابتسمت بسخرية قائلة:
– دا كلامك امبارح لثريا يا خطاب، حكيت على نور بس.
هز رأسه معارضًا لها وقال:
– لأن ماكنش ينفع أتكلم عن حليم إلا لما يتطمن.
سألته بخبث قائلة:
– ولا كنت ناوي تلعب في التحاليل وتطلعه ابن زنا؟
نظر إليها بحدة وانقض عليها بشراسة قائلًا:
– اخرصي بدل ما أدفنك مكانك.
ولولا نداء زياد لكان سحقها، لينهض من فوقها وهي تغمض عينيها من الأسى والحزن.
وصلا زياد وخطاب إلى ثريا في المطعم الخاص بها، حيث لا يعمل به أبناءها، بل يعمل به خطاب معها، دلفا إلى غرفتها فاستغربت وجودهما، خاصة وجود زياد، فأحذت تحدق فيهما إلى أن ابتسم خطاب ابتسامة خفيفة قائلًا:
– ازيك يا ثريا؟ احنا جايين علشان نقولك حاجة كانت هتحصل وماحصلتش.
ثم صب الخبر عليها دفعة واحدة ليصدمها قائلًا:
– مش حليم كان هيعمل تحليل إثبات النسب النهاردا، بس اتصل بزياد ولغى الميعاد.
عقدت ثريا ما بين حاجبيها، ليأتيها الرد السريع من زياد قائلًا:
– لغى الميعاد وقال إن عمي سراج جاله في الحلم ومنعه، وأنا طول المكالمة كنت مفكر إنه بيحكي عن ميارا.
قطبت ثريا جبينها قائلة:
– إيه دا؟ هو خلاص بقى بيطارد الولدين في حلمهم؟ بس معلش إيه علاقة ميارا بالموضوع؟
ثم أشارت لهما بالجلوس قائلة:
– احكولي بالمختصر لأن أنا دماغي لفت من ساعة ما شفته امبارح داخل أوضة سراج.
جلس خطاب قائلًا:
– اهدي يا ثريا، انتي كمان لخبطيني دلوقتي، هو جه في أحلام حليم، إيه علاقة نور بالموضوع؟
ثم زفر بحنق قائلَا:
– ما هو مش معقول جه في حلم حليم وميارا ونور في وقت واحد!
أرجعت ثريا ظهرها إلى الخلف ونظرت إلى سقف الغرفة قائلة:
– كل دا من الحية اللي اتجوزها عليَّ يا خطاب، انت جربتها بنفسك، وأنا غلطانة إني ماسمعتش كلام سراج وسجلتهم الأربعة باسمي.
ثم أغمضت عينيها بتعب قائلة:
– بقى كلهم تعبانين وبيخافوا علشان عارفين إن الحقيقة عنده لواحده؟ كل واحد فيهم بيحمل نفسه فوق طاقتها علشان يشوف الحقيقة اللي مفصلة في دماغه.
واستطردت تهز رأسها بيأس قائلة:
– وأنا مابقتش ملاحقة، سواء من نور اللي خايف الست دي تظهر وتدمر ميارا، ولا من ميارا اللي عايزة تتجوز وتهرب، ولا من حليم اللي شاكك إن سراج مش أبوه أصلًا، بسبب إن أمهم هربت مع راجل تاني.
ثم استطردت وهي تضع يدها على رأسها:
– سراج كان نفسه ينتقم منها وانت كمان، بس أنا بقول دلوقتي يا مين يعترني فيها، وأنا هعذبها على اللي عملته في أولادي، مش علشان اللي عملته فيَّ وفيك وفي سراج.
ثم نظرت إليه باستهزاء وهي مسلطة عينيها على زياد، تود إخباره أنها علمت بسرد تلك القصة لزياد رغم تحذيرها له، فتحدثت قائلة:
– انت زمان فشلت تدافع عن حقك، ومش انت لواحدك أنا كمان، بس دلوقتي ماعدش حقي وحقك، دا حق أولادي، أنا بعمل البدع علشان بس هي تظهر.
واستطردت بحقد قائلة:
– ومش هرتاح إلا لما ألاقيها.
رفعت يدها من على رأسها تنظر إلى خطاب برجاء قائلة:
– ساعدني يا خطاب نلاقيها بس بطريقة نخليها هي اللي تجي لحد عندنا، ومن غير ما الأولاد يحسوا، ماشي يا خطاب؟
أشاح خطاب وجهه إلى الجانب الأخر دلالة على رفضه المساعدة، لتغضب منه قائلة:
– خلاص مش عايزة منك حاجة.
واستطردت بحزن:
– هو لو كان عايش كان عرف يجيبها تحت رجليا، أنا كمان هقدر لواحدي، بس من هنا ورايح ماعدش ليك علاقة بينا، حليم عايزها وأنا هساعده يلاقيها.
ثم جزت على أسنانها قائلة:
– أنا مش هرتاح إلا لما هو يرتاح، وانت متشكرة ليك قوي كدا.
ثم نهضت لتتجاهله هو وزياد تمامًا، لينظر زياد إلى خطاب برجاء، حتى لا تقوم بفسخ خطوبته بميارا، فنهض خطاب قائلًا:
– انتي قوية قوي يا ثريا، بس أنا مش هتخلى عنك زي ما انتي فاهمة، وعلشان الأولاد مش علشاني، لأني بجد صعبان عليَّ الحالة اللي وصلوا ليها.
واستطرد بخبث قائلًا:
– الأولاد اتربوا في وسطنا وعمرهم ما حسوا بتفرقة في المعاملة، بس بدأوا يحسوا بالتعب بعد ما عرفوا، والنتيجة محتاجين دكاترة نفسيين.
ثم هتف بيأس مصطنع قائلًا:
– أول مرة في حياتي أحس إن سراج مات، بس انتي مش خايفة يا ثريا؟ مش يمكن ساعتها تألف حكاية إنها أخدت الفلوس مجبورة، وإن هي كانت مجرد واحدة جايا تحمل وتخلف وتمشي، وكمان الوضع اللي فيه الأولاد دلوقتي هيزغلل عينيها؟ تخيلي كدا لو صدقوها.
و فجأة صمت عندما استشعر قلقها، ثم أكمل:
– يبقى اللي عملتيه السنين اللي فاتت هيروح هدر، لا وكمان ممكن تفقدي ثقة أولادك الحقيقيين، انتي مدركة إنك ممكن تخسري كله.
واستطرد بمكر قائلًا:
– أول حاجة أولادها، وبعدها أولادك، بس فيه احتمال كبير تكسبي وتشوفيها مذلولة قدامك.
ردت ثريا بثقة قائلة:
– انت قُلتها يا خطاب، دي هتبص للوضع بتاع الأولاد وهتيجي بسببه، هتيجي في دماغها تقتل فرحتي، بس مش هتقدر لأنها باعت أولادها بالرخيص.
واستطردت بازدراء قائلة:
– وخانت سراج، بس هتحاول تثبت إنها مظلومة، وأنا هنتصر عليها في الآخر، لأن عندي ثقة في ربنا كبيرة، وانت وذكرى هتساعدوني.
وابتسمت بخبث قائلة:
– ومش هتسيبوني لواحدي أصارع معاها، بس ممكن تكون ماتت، أنا ممكن أحكي للأولاد كل شيء، بس صعبان عليَّ أقول ليهم إنها خاينة.
ثم بصقت على الأرض قائلة:
– هي حقيرة خلت الأولاد يشكوا في نسبهم.
تنهد خطاب بحقد قائلًا:
– تعرفي إني كمان شاكك زيهم بعد اللي حاولت تعمله معايا، طبعًا ذكرى حكت ليكي، ولما رفضت هددتني، كل دا علشان تبعدني عنه لأنها عارفة إني مشاركه والرابط اللي بينك وبينه.
ثم تعالت نيران صدره قائلًا:
– وخيرته ما بينك وما بينها بعد ما حملت، ولو كان عرف منك إنك حامل يمكن كانت الأوضاع اتغيرت، بس انتي فضلتي إنه مايعرفش.
واستطرد بحقد قائلًا:
– كل اللي حصل دا بسببها، أنا وذكري شفناكي وانتي بتضحكي ومن جواكي حزينة، حتى بعد ما بقى معاكي الأربعة ضحيتي بكل حاجة علشانهم.
تنهدت ثريا بتعب قائلة:
– اسمها علشان أولادي يا خطاب، أنا نفسي أشوفهم مرتاحين.
ابتسم لها خطاب قائلًا:
– أخدوا منك كل حاجة يا ثريا، شبابك وصحتك وجمالك.
تعالت ضحكات ثريا قائلة:
– شبابي وصحتي وجمالي فدا أولادي .
ابتسم لها بفخر قائلًا:
– كل تعبك دا مش هيضيع.
ثم استطرد حديثه وهو ينظر إلى زياد، الذي بدا مبهورًا بثريا، فضحك قائلًا:
– شايف حماتك قوية ازاي؟
ابتسم زياد قائلًا:
– بس وربنا لسه حلوة، يا رب أولادي يبقوا شبهك يا حماتي.
تعالت ضحكات ثريا ورجت كل الأركان، ليرد خطاب عليه بمرح قائلًا:
– يا رب يا أخويا، بس عارفك فقري هتجيبهم شبهك، جهز بس بقية حاجتك ماتفضحناش.
انتهى لقائهما بثريا ليخرجا من غرفتها في لحظة دلوف حليم إلى المطعم، جاء يود التوقيع منها على بعض الأوراق، ليتفاجئ بهما، ولكنه اختبأ خلف الجدار ودلف من بعد خروجهما إلى غرفتها.
دخل إليها مبتسمًا وهي شاردة، ليهبط بجسده على سطح المكتب قائلًا:
– سرحانة في إيه يا ثريا؟
خرجت من شرودها وابتسمت قائلة:
– سرحانه في حليمو حبيبي.
أغمض عينيه بسعادة قائلًا:
– أنا في قمة انبساطي لما ثريا تسرح فيَّ، انتي فتاة أحلامي.
تعالت ضحكات ثريا قائلة:
– أيوه بقى يا عم البكاش انت، قول لي جاي ليه؟ أنا قلقت عليك امبارح لما شفتك داخل تنام في أوضة باباك، في حد ينام في وسط الذكريات؟
ثم وضعت يدها واحتضنت وجهه قائلة بحب:
– نفسي يا حليم تقول اللي في قلبك ليَّ زي زمان، ونفسي ترجع ل(ويمي) حبيبتك.
رفع حليم أكتافه بلا مبالاة قائلًا:
– مفيش حاجة أقولها، ماتشغليش بالك انتي بس وتسرحي كتير، وويمي موضوع وراح لحاله.
ابتسمت ثريا بخبث قائلة:
– أنا عارفة مالك يا حليم، عايز تعرف وتتأكد إن سراج باباك، بس مش قادر تستنى، عايز هي ترجع وتتحاسبوا.
تنهد حليم قائلًا:
– أنا حلمت ببابا امبارح زي نور، سمعته بيحكي ليكي حلمه، ماما تفتكري ليه حلمنا أنا ونور بيه؟ هو انت خلفتك بنات؟
وضعت ثريا يدها على وجهها لتتعالى ضحكاتها بصخب، وهو ينظر إلى الحالة الهيستيرية التي وصلت لها ويعاتب نفسه على سؤاله الذي يحمل البلاهة، لتقول من بين ضحكاتها:
– أيوه أنا عندي بنت يا حليم، هاجر انت نسيتها ولا إيه؟ بس فاكر دا معناه إيه في علم النفس؟
عقد ما بين حاجبيه قائلًا:
– هي وصلت لعلم النفس! ليه اتجننا؟
ابتسمت ثريا قائلة:
– دي روحانيات، مجرد إنك بتربط أحداث اليوم وتحطها في دماغك هتحلم بيها يقظة أو نوم.
ثم أضافت بحزن:
– والفترة الأخيرة كنتم بتفكروا فيه كتير، علشان كدا انتو التلاته حلمتوا بيه.
قطب جبينه قائلًا:
– روحانيات معقول! كان جه لهاجر كمان، يا ترى ليه مجاش لهاجر؟ علشان هاجر شبهك مثلًا؟ ما هو شكله مش راضي يزورك.
أغمضت ثريا عينيها قائلة:
– هيزورني ليه وهو على طول قدامي وشريط الذكريات بينا طويل؟ اوعى تحس في يوم إن باباك مش بيحبني، انت ماتعرفش إننا اتجوزنا عن حب؟
ثم ابتسمت بحب قائلة:
– وأنا كنت بحبه كتير، كفاية إني أنا كان نفسي أسمي ابني حليم وهو سماك على الاسم دا.
واستطردت قائلة:
– بالنسبة لهاجر، هاجر عايشة حياتها ومش بتفكر كتير زيكم يا حليم.
هز رأسه بتفهم قائلًا:
– عارف، بس يا ماما هي سمعت زيي إن نور حلم بيه وأكيد ميارا حكت ليها.
هزت ثريا رأسها بلا مبالاة قائلة:
– ماتخافش يا حبيبي، هي هتفكر وقتها بس وهتنسى بعدها، قولي بقى ناوي على إيه؟ ولا مش حابب تتكلم؟
ثم رفعت أكتافها بلا مبالاة قائلة:
– لو مش حابب هسيبك على راحتك.
ابتسم حليم قائلًا:
– يا واد انت ياللي عايز تسيبني على راحتي، وانتي من جواكي عايزة تعرفي في دماغي إيه، أنا هقولك يا ماما.
ثم نظر إليها بخبث قائلًا:
– لأن شكلك مش هترتاحي إلا لما تعرفي.
ابتسمت ثريا بخبث ورفعت أكتافها قائلة:
– براحتك، أنا مرتاحة طول ما انت مرتاح.
سرد لها حليم ما كان يود فعله بخصوص تحليل إثبات النسب، تناقشا سويًا ووصلا لحلول ترضي كل الأطراف، ليخرج من عندها ويراه خطاب ليحدث نفسه قائلًا:
– إيه الحكاية؟ بقاله فترة مش بيجي المطعم الرئيسي، ربنا يستر.
تنهدت ثريا بسعادة بعد خروج حليم، وكل هذا بسبب مصارحته لها بما في قلبه.
أثناء جلستها مع حليم كانت تشعر أنها بطلة هذه الجلسة، يعطيها حضور واحترام وتقدير كأنها ملكة، اللحظات معه تقدر بأعوام، جلستها مع نور تختلف كثيرًا، نور عملي للغاية، تستشعر أنه يقوم بمهامه تجاهها كأم، لا تستشعر مدى عظمتها معه، تتعجب له هل سيحل به مكروهًا لو عاملها بحنو زائد مثل حليم؟! رغم أنها لن تنكر عليه أنه يضيف البهجة على وجهها، ولكن ليس مثل حليم أو أنها تريدها من حليم أكثر.
قام خطاب بمهاتفة زياد سريعًا، ليستعلم منه متى أتى حليم إلى المطعم الرئيسي.
– انت يا زفت، لما جيت عندك كان حليم موجود؟ ولا هو هنا من بدري ى لما خرجنا؟ بس هو عرف منين إننا جوا؟
رد عليه زياد بخيبة أمل قائلًا:
– طيب مش أنا قلتلك يا حاج بلاش تاخدني معاك؟ دي فتانة وهتقول له وهتقول لميارا، وميارا هتعند عليَّ وماعدتش هتقول لي اللي جواها.
زفر خطاب بحنق قائلًا:
– لا هي مش هتقول لميارا بالذات، ولما يحصل ابقى راضيها بكلمتين، المهم أنا مبسوط والله يا زياد وأنا شايف حليم خارج من عندها بيضحك.
ثم استطرد بقلق قائلًا:
– النهاردا وهي مصممة ترجع البومة ولاء قلقتني، لو الست دي ظهرت في حياتهم تاني هتبوظ الدنيا، وأولادها أكتر ناس هيتعذبوا من وجودها.
ثم أضاف بقوة قائلًا:
– دي حاولت تقتلهم وهما في بطنها، والله أعلم، على رأي حليم هما أولادها ولا لأ، عمري ما هقدر أنسى اليوم اللي حاولت فيه معايا.
تنهد زياد قائلًا:
– ياااه، علشان كدا مش حابب ظهورها؟
خطاب بحقد ردد قائلًا:
– جدًا وبتمنى تكون ماتت، المهم احنا عايزين نكتب كتابك على ميارا، أنا عايز لو الست دي رجعت ميارا تكون على ذمتك.
ثم ردد بكره قائلًا:
– دا هيخليها ماتقربش منها.
هز زياد رأسه بانصياع قائلًا:
– صح، حتى دا كمان رأي ميارا، هيحصل ماتشغلش بالك.
قطب خطاب جبينه قائلًا:
– هي ميارا حتى بعد الحلم لسه مستعجلة؟
تنهد زياد بتعب قائلًا:
– ميارا مش راجل يا بابا علشان تبقى قوية، وبعدين دماغها بتدور فيها سؤال مهم، اللي هو ليه عمي سراج ساب ثريا الجميلة اللي بتخلف وراح اتجوز غيرها؟
واستطرد بحزن قائلًا:
– كمان ليه هي سابتهم بعد ما ولدتهم؟
هز خطاب رأسه قائلًا:
– يا ترى لو عرفت السبب هترتاح؟ بس فعلًا الخوف لتقول لهم إنها كانت مجرد زوجة تخلف وتمشي.
وبعد إغلاقه للخط جاءه الاتصال المنتظر، فرد بخبث قائلًا:
– أخيرًا يا لولي.
ضحكت ضحكتها الرنانة وقالت:
– أومال انت فاكر إيه يا خطاب؟ ولاء مابتخلصش.
سألها بتوجس قائلًا:
– ناوية على إيه؟
رد بخبث قائلة:
– كل خير يا خطاب، هاخد حقي تالت ومتلت.
زفر بحنق قائلًا:
– بس دا مش حقك يا ولاء.
لوت شفتيها قائلة:
– ولما تعلي نفسها عليَّ قدام أولادي مايبقاش حقي؟ ولا انت مش ناوي تساعد يا خطاب؟
رد عليها بخبث قائلًا:
– هساعد في اللي فيه مصلحتي وبس يا ولاء.
ثم أغلق الهاتف في وجهها، ليشتعل لهيب الحقد والكره لديها، لأنها تأكدت أن خطاب ينتظر رضاء ثريا عليه، ومن ثم سينقلب سحر ولاء عليها.
بعد عودة حليم إلى نور زفر نور بحنق قائلًا:
– ممكن أعرف ليه وقفت استيراد شحنة دقيق البسبوسة؟
اندهش حليم من محاسبة نور له، ورد قائلًا:
– علشان الشحنة دي مش سليمة، آه هناك اتقفلت وهي سليمة قدام المندوب بتاعنا، بس بعد ما مشي اتبدلت.
عقد نور ما بين حاجبيه قائلًا:
– وانت عرفت منين إنها اتبدلت؟
رد عليه حليم بثقة قائلًا:
– زي ما فيه مندوب بيتابع، فيه واحد بيراقب.
حدق نور في وجهه قائلًا:
– انت كمان باعت واحد يراقب؟
تنهد حليم قائلًا:
– طبعًا مش أحسن ما نتضرب في السوق.
ابتسم نور بفخر قائلًا:
– والدماغ العالية دي وصلتلها ازاي؟
ابتسم حليم بسخرية قائلًا:
– أيوه بقى دا قر ولا حسد؟ يا ابني لما تلاقي دماغي شغالة كدا يبقى تتأكد إني ابن ثريا.
لوى نور شفتيه قائلًا:
– وليه لا؟ مش يمكن أنا اللي أطلع ابن الست التانية؟
تعالت ضحكات حليم قائلًا:
– دا بقى اللي استنتجته من حلم امبارح؟ طيب بص بقى هو جالي وجه لميارا وأتحداك إنه جه لهاجر هي كمان.
واستطرد قائلًا:
– بس أنا وانت وميارا استسلمنا وسمعنا له وهاجر لأ.
قطب نور جبينه قائلًا:
– بتقول إيه؟ جالك وجه لميار؟
ابتسم حليم قائلًا:
– معلم والله كان عامل حلم حصري امبارح، الحكاية يا نور إن احنا التلاتة دماغنا شغالة أسئلة.
زفر نور بحنق قائلًا:
– أنا مشغول بيك انت وميارا، انت من ساعة ما ميار عرفت وانت مش حليم بتاع زمان، حتى وئام ضيعتها من إيدك.
هز حليم رأسه بيأس قائلًا:
– انت مش حاسس بيَّ، وأنا بس اللي شايل هم أيام ماحدش يعرفها، أنا خايف يا نور.
وتحدث بثقة قائلًا:
– خايف أرتبط بوئام، أقولها إيه وأقول لأولادي إيه؟ ومش هقدر أكدب وأقول لهم ثريا تبقى أمي.
تنهد نور قائلًا:
– أنا حاسس بيك والله يا حليم، بس وئام ملهاش ذنب.
زفر حليم قائلًا:
– يا نور تقدر تقول لي ميارا موافقة ليه على زياد رغم إنها أكتر واحدة فينا بتتريق عليه؟ أتمنى مايكنش هروب.
ربت نور على يده قائلًا:
– اسمعني يا حليم، اسألها وهي هتقول ليك الحقيقة، وانت بعدها هترتاح، واحكي لوئام وهي تختار.
قطب حليم جبينه قائلًا:
– وانت عارف؟
هز نور رأسه بالإيجاب قائلًا:
– أيوه وهقول لك يا حليم.
ابتسم حليم بسخرية قائلًا:
– شفت الموضوع برجلني ازاي لدرجة إني ماحاولتش أعرف زيك، وكل اللي في دماغي شكوك وبس، رغم إن ميارا بعاملها زي بنتي مش أختي.
ثم أشار إليه يؤيده قائلًا:
– انت طلعت صح، الموضوع دا أخد أكبر من حجمه.
رد عليه نور بقلق قائلًا:
– أنا أهم حاجة عندي ماما ثريا، لو في يوم أمك رجعت وانت اختارتها حتمًا هتتقهر، ولو اختارت ماما ثريا احتمال أمك تتقهر أو تقول حاجات من الماضي ترجعك بيها.
واستطرد بحكمة قائلًا:
– كتير بسمع إن الأم مش اللي بتخلف، الأم هي اللي بتربي، بس أنا لو في مكانك وماما ثريا طلبت مني إيه هعمله، لأن حضنها ليَّ أكبر حضن في العالم.
وهز رأسه بثقة قائلًا:
– ومفيش حاجة تغنيني عنه.
تنهد حليم بضيق قائلًا:
– مش أكتر مني، أيوه أنا بدور على التانية، وهفضل أدور عليها، لو انتو مش حابين دا عادي انسوني.
هز نور رأسه متفهمًا وقال:
– براحتك.
قطب حليم جبينه قائلًا:
– يعني إيه هتنساني؟
تنهد نور بتعب قائلًا:
– لا، ما تحلمش، أنا وراك والزمن طويل.
تعالت ضحكات حليم قائلًا:
– حبيبي يا نور ما انت الضهر بتاعي برضو، المهم تعالى أقولك سر.
اندهش نور قائلًا:
– سر إيه؟ لقيتها صح؟ آه علشان كدا واثق وانت بتتكلم.
هز حليم رأسه بإيجاب قائلًا:
– حليت اللغز.
هز نور رأسه ببلاهة، ليبتسم حليم بخبث قائلًا:
– بابا اتجوز أمي علشان يخلف، طبعًا انت هتستغرب ازاي.
ابتسم نور ببلاهة قائلًا:
– لا، يلعن أبو دا حلم حلمته وهتطلعه علينا، أنا يا أخويا ماليش في فك الألغاز بتاعتك دي.
تعالت ضحكات حليم ومسح على وجهه قائلًا:
– أبوك فعلًا اتجوز علشان يخلف، أنا نفسي استغربت زيك، لأن ماما ثريا كانت قصة إنها تخلف صعبة، وهو كان مستعجل وخايف عمك خطاب يورثه.
ثم اقترب منه ونور شاردًا في الأمر ليسأله قائلًا:
– ها؟ فهمتني كدا؟
صمت نور ولم يفهم ما قاله حليم، لم يفهم أيضًا من أين جاءت تلك الأسرار له، هل من الحلم؟ أم أنها حقائق حصل عليها من خطاب؟ أم مجرد إحساس؟
فزفر حليم بسبب صمته وردد قائلًا:
– يا ابني هو أنا بتكلم هندي؟
نظر إليه نور بشك قائلًا:
– عمي خطاب اللي قال لك كدا، صح؟
هز حليم رأسه بالسلب قائلًا:
– والله لو كان قال لي ماكنتش صدقته.
رد نور بثقة قائلًا:
– معاك حق، بس برضو عرفت منين؟
مسح حليم على وجهه قائلًا:
– أنا روحت لماما ثريا المطعم الرئيسي، وشفت عمك خطاب وزياد خارجين من عندها، فعرفت إن الليلة فيها إنَّ، وإنهم رايحين يفتنوا عليَّ أنا وميارا.
ثم ابتسم بثقة قائلًا:
– دخلت وقعدت معاها وقالت لي كل الحقيقة.
ابتسم نور بحب قائلًا:
– كنت متأكد إنك أول واحد فينا هتعرف الحقيقة.
تنهد حليم قائلًا:
– بس الحقيقة وجعتني قوي يا نور.
استصعب نور موقف حليم وسأله قائلًا:
– ليه بتقول كدا يا حليم؟ هي يعني كانت قتلتكم؟ مش دي الحقيقة اللي نفسك تعرفها؟
هز حليم رأسه بمرارة قائلًا:
– الظاهر إني غلطت.
حاول نور إخراجه من تلك الحالة قائلًا:
– بس عمك خطاب وزياد مش هيبطلوا عادتهم دي، وربنا أروح أطربقها فوق دماغهم.
علم حليم أن نور يحاول تشويشه فابتسم قائلًا:
– اسمع بقى بقية الحقيقة، أنا أمي سرقت أبويا وهربت مع عشيقها.
خجل نور من الموقف وردد بصوت منخفض:
– عشيق إيه؟
أخرج حليم من جيبه صور لوالدته بعد وفاة والده ورد قائلًا:
– صورها النهارده ماما ثريا اضطرت تديهم ليَّ، الصور دي خلتني عايزاها تبقى قدامي بأي شكل، كنت فاكر إنها مظلومة.
أشاح نور بوجهه لا يريد مشاهدة الصور ورد عليه قائلًا:
– الطبيعي إنكم تفكروا إنها مظلومة، خلاص يا حليم فكك منها بقى.
نظر حليم أمامه بحقد قائلًا:
– لسه بدري أنا وراها والزمن طويل.
حدق نور في وجهه قائلًا:
– كدا انت بتفتح على نفسك طاقة جهنم.
ابتسم حليم بخبث قائلًا:
– أيوه أنا بقيت عامل زي المحارب اللي قرب من عدوه.
انتهى الحوار بينهما، وبعد أيام وتجهيزات لعقد قران ميارا وزياد انتهزها حليم فرصة ليطلب وئام للحضور، هاتفها ولكن لم تجب عليه، كانت تقوم بغلق الهاتف في وجهه ليشعر أن مشاعرها من ناحيته تجمدت، قرر الذهاب إلى النادي فلم يجدها، رابط يومًا ما تحت منزلها وانتظرها وهي تخرج من مبنى العمارة واستوقفها قائلًا:
– وئام استني، دا كارت كتب كتاب ميارا حبيت أجيبه بنفسي.
نظرت إليه وإلى الكارت شذرًا وردت بجفاء قائلة:
– آسفة مش هقدر أحضر.
قطب جبينه قائلًا:
– ليه؟ تحبي ميارا تعزمك بنفسها؟
ردت عليه بجمود:
– فيه واحد جاي يزور أهلي في نفس اليوم علشان هتخطب.
صُدم وردد بعدم استيعاب قائلًا:
– مستحيل!
سألته بسخرية:
– ليه مستحيل؟ حرام عليَّ أتخطب وأتجوز زي بقية الناس؟ ولا هفضل مربوطة بسيادتك يوم حلو معايا ويوم تقلب عليَّ من غير أسباب؟
فاق من ذهولة على كلماتها ولملم مشاعره التي بُعثرت ورد قائلًا:
– بتمنالك السعادة من كل قلبي، عن إذنك.
انصرف وعند انصرافه سلب منها شيئًا مهمًا قد سلبه من قبل، ألا وهو قلبها، ولكن هذه المرة سلبه ممزقًا في هواه.
جاء يوم عقد قران ميار وزياد، نظر خطاب إلى زياد وجده متوترًا فلوى شفتيه بامتعاض قائلًا:
– إيه يا بني مالك؟ دا كتب كتاب مش جواز؟
ابتسم زياد ببلاهة قائلًا:
– في حاجة بتقول لي إن ولاء البومة هتيجي وتظهر النهارده، الظاهر كدا إني نحس.
نهض خطاب يعدل له من رباطة عنقه قائلًا:
– كنت زيك كدا يوم كتب كتابي على أمك، المهم دلوقتي عايزك تحط ميارا في عينيك، نسيها اللي مرت بيه الأيام اللي فاتت.
وحثه قائلًا:
– واتكلم معاها دايمًا عن مستقبلك.
هز زياد رأسه بتفهم قائلًا:
– ماشي هيحصل والله.
ذهب زياد إلى ثريا يبتسم لها قائلًا:
– مش كنتي تيجي معانا نسهر بعد كتب الكتاب يا حماتي.
ولكن ثريا كانت في عالم أخر، تسأل عن شخص واحد وتردد قائلة:
– هو حليم فين؟
رفع زياد كتفيه بعدم معرفة قائلًا:
– مش عارف.
التفت يد نور حول كتفيها لتطمئنها قائلًا:
– اطمني هو بس بينقي هدية شيك لأخته وجاي فورًا.
زفر زياد بحنق قائلًا:
– أيوه، بس كدا المأذون هيزهق ويمشي.
لوى نور شفتيه قائلًا:
– طيب هي فين العروسة؟ ما هي لسه ماجتش من الكوافير.
زفر زياد بغيظ:
– لزومه إيه تلطش وشها؟ كل دي عطلة، بس يلا علشان ماتزعلش.
لوى نور شفتيه قائلًا:
– وانت ازاي ماروحتش معاها زي بقية العرسان؟ أو على الأقل تجيبها.
رد زياد بعصبية:
– اتحايلت عليها قالت لي إنها حابة تروح مع هاجر.
كاد أن يرد نور ولكن لفت نظره صمت ثريا وشرودها وتركيز بصرها نحو خطاب، فهزها برقة قائلًا:
– مالك يا ماما بتبصي ناحية عمي خطاب جامد كدا ليه؟
على الجانب الآخر انتبه خطاب لنظراتها وحدث نفسه بخوف قائلًا:
– ارجعي عن اللي في دماغك يا ثريا وحطي إيدك في إيدي بدل ما تيجي فوق دماغك.
انتظر نور ردها ولكن لا رد، فحدث نفسه قائلًا:
– آه، الحكاية فيها عمي خطاب، كنت حاسس إن عينه منك يا ثريا، بس وحش قوي لما يبقى راجل متجوز ويحب مرات ابن عمه الأرملة.
واستطرد بكره قائلًا:
– ووحش كمان إن مراته صاحبتك.
رفعت ثريا رأسها إلى نور كأنها استمعت له، فرددت قائلة:
– مفيش حاجة وحشة من اللي في دماغك يا نور، أنا عمري ما أبص لجوز صاحبتي.
تنهد نور براحة قائلًا:
– ريحتي قلبي يا ماما، دا أنا طول عمري حاسس بالحكاية دي.
ثم أحاط وجهها بكفيه قائلًا:
– حبيبتي انتي لسه بتحبي بابا؟ أنا فخور إنك أمي.
تذكرت ثريا رفضها لسراج وردت قائلة:
– بحبه بس علشان هو السبب في وجود أولادي، خصوصًا حليم.
زم شفتيه باصطناع قائلًا:
– أيوه يا عم حليم قلبك، الوحيد اللي شكله بيرجع ذكرياتك مع بابا.
ضربه حليم بخفة من خلف رأسه قائلًا:
– عنك بقى وانت مستولي على المزة من أول الحفلة، دا اليوم دا بتاعي بس.
لم يجبه نور وتعمد إغاظته بمرح واحتضنها لينظر إليه حليم بغيظ قائلًا:
– انت بتعاندني؟
ثم جذبها بخفة من بين أحضانه وهي كالفراشة بينهما مستمتعة بما يدور بينهما لتسمعه يقول:
– أنا بزعل لما حد بياخدها مني.
خرجت ثريا من بين أحضان حليم تراقب انفعالات نور وهو يغني قائلًا:
= لا يا ثريا، تخونوه! وعمره ما باعكم ولا اشتكي منكم، قلبي ليه تخونوه؟
ثم أوقف غنائه قائلًا:
– عارف يا حليم أنا مبسوط قوي إنك بتحبها أكتر مني.
أغاظه بخفة حليم قائلًا:
– طيب انبسط كمان وكمان يا عم نور.
هز نور رأسه مبتسمًا وقال:
– انت مش واخد بالك إن دا كتب كتاب أختك، وعارف طبعًا إنك وكيلها، أنا ممكن أنتهز الفرصة وأخد مكانك.
ثم رفع يده ممازحًا وقال:
– أنا ما هصدق أصلًا، ولا تسيب المزة بما يرضي الله وتروح تتوكل للبت.
وبالفعل جاءهم خطاب ليطلب منهم قائلًا:
– المأذون بدأ يضايق، بلاش نأخره أكتر من كدا، لسه وراه مشاغل.
ضحك حليم قائلًا:
– إيه يا عم خطاب؟ هو كتب كتابك؟ انت مالك مستعجل كدا ليه؟ ولا كأن عايز تخلص من حمل، دا انت بتجوز ابنك مش بنتك.
ثم استطرد باستهزاء قائلًا:
– زي ما يكون بتخلص منه، والناس اللي من نوعية زياد خفيفة محدش يقدر يستغنى عنها.
علم خطاب أن حليم يقوم بالاستهزاء به فتركهم وابتعد عنهم، لتنظر ثريا إلى حليم وتعاتبه قائلة:
– ليه عملت كدا يا حليم؟
وجدته صامتًا ينظر نحو خطاب بحقد وغل لتهزه قائلة:
– حليم ساكت ليه يا حليم؟
رد عليها حليم بكل ثقة قائلًا:
– انتي عارفة أنا ساكت ليه.
هزت رأسها بعدم فهم قائلة:
– لا مش فاهمة.
علم نور أن الشجار ابتدأ، فحاول الخروج من هذا الشجار قائلًا:
– ماما بصي هناك على البت حنان كدا، إيه رأيك فيها تنفعني ولا هتتأمري؟
ابتسمت ثريا بخفوت قائلة:
– حلوة زيك يا نور، وزي وئام اللي هتبقى إن شاء الله مرات حليم.
انتبه حليم لذكر اسم وئام وتنحى عن شجاره مع ثريا قائلًا بنبرة حزن:
– وئام مش هتبقى مراتي، وئام خطوبتها النهاردا.
ابتسمت ثريا وهي تنظر نحو الباب قائلة بخبث:
– ودا خطيبها اللي معاها؟
التفت حليم نحو الباب ليصدم من رؤيتها وحضورها الطاغي، تدلف هي وقدري يسيران كتفًا بكتف، يبدو عليهما الارتباط، ليتحطم قلب حليم
رواية حب خلق بداية.
بقلم مروة البطراوي.
