نعيمي وجح,يمها بقلم امل نصر جزء 4

على سطح المركب النيلي كان الاحتفال الذي أعده لها ، وقد خصص لهم فقط مع الفرقة الموسيقة التي كانت تعزف وفرق النوادل لخدمتهم، محروس وزوجته وبناته على طاولة وحدهم ، كاد أن يفضحهم بفرط فرحته ، أو كلما تناول شيئًا جديدًا من ألأصناف التي كانت تقدم أمامه على الطاولة ، لولا نصائح الفتيات الصغيرات له ، وتذكيرهم الدائم له ، بأنه والد العروس فيعود لرشده وغضبه بعد أن ذهبت عنه وكالة العروس على اَخر لحظة ، وحل محله هذا المدعو خالد .
في الطاولة الاخرى جلست كاميليا مع غادة ووالدتها ، تنظر اليهم بتحدي وثقة، غير عابئة بنظرات إحسان لها ، ومشاعرها التي تغيرت ناحية غادة ، بعدما سمعت بما فعلته وأخبرت به عماد .
كانت الموسيقى تعلو وتشدوا بالأنغام الجميلة وخالد على طاولته مع خطيبته وعيناه تتنقل كل دقيقة نحو ابنة قلبه ، فيناغشها بعيناه ، ليثير غضب الاَخر.
– ما كفاية بقى يازهرة، بصيلي بقى وخلي عندك دم شوية .
هتف بها جاسر بغيظ نحوها فجعلها تحدق به فترفرف برموشها الصناعية غير مستوعبة الجملة التي صدرت منه :
– انا اخلي انا عندي دم ياجاسر؟
اقترب برأسها يرد بعتب:
– طب وعايزاني اقولك طيب وانا شايفك مش مركزة معايا خالص واكنك عايزة تقومي من جمبي وتروحي تقعدي مع خالك دا اللي سايب خطيبته وعمال يعاكسك عشان يغيظني .
– يغيظك ! طب ليه ؟
تفوهت بها ضاحكة بعدم تصديق ، اثارت السعادة به ليقول لها :
– معرفش بقى روحي اسأليه ، باينه كدة مضايق اني اخدتك منه، طب يعني مش يخليه في حاله هو مع عروسته ويسيبنا احنا الغلابة نفرح ببعض .
اندمجت في الحديث معه وقد استرعى اهتمامها ، فردت بابتسامتها التي تسلب لب قلبه :
– طب خلاص ياسيدي اديني انتبهتلك ومش هابص على خالي تاني عايز تقول ايه بقى ؟
رد بابتسامة متوسعة على وجهه:
– اقولك ياستي، بس في الأول بقى انا كنت عايز اسألك ، عجبتك السهرة .
أجابته بابتسامتها الجميلة :
– عجبتني ، بس بصراحة أجمل مافيها هي اني وسط عيلتي ، عشان من غيرهم لا يمكن كنت هاحس بطعم أي حاجة حلوة.
تناول كفها ويقبلها للمرة الألف غير عابئ بخجلها ولا اعتراضها .
وعلى طاولة خالد الذي كان يتأملها صامتًا ، سألته نوال :
– إيه بقى ياعم ؟ مش تفتكرني كدة ولا انت ماصدقت تشوف حبيبتك عشان تنساني .
تنهد خالد مطولًا قبل أن يجيبها بوجه ذهب عنه الهزل :
– قلقان عليها يانوال ، الدنيا اللي هي دخلاها على قد ماهي جميلة ومبهرة لكن في نفس الوقت كلها مشاكل وصعوبات ، موجة عالية بترفعها لفوق قوي ، خايف لمتقدرش عليها فتوقعها ولا لاسمح الله تكسرها.
نكزته بخفة بقبضتها على كفه الممدودة على الطاولة تردد :
– وتوقعها ليه ولا تكسرها كف الله الشر ياسيدي ؟ ما انت قاعد هو وبتراعيها، مش بتقول انك خلاص وافقت على عرض الراجل اللي قالك على الشغل في شركته هنا في البلد .
رد هو بتأكيد :
– ان شاء الله انا حسمت أمري وهقبل بالوظيفة، مش هاقدر ابعد تاني عنك ولا عن رقية ولا هاقدر اسيبها هي تواجه الموج ده لوحدها .
قالت نوال :
– حلو أوي ، بس على فكرة بقى ، جاسر بيحبها وباين في عيونه اللي فضحاه، انا شايفة انه يقدر يسعدها كمان، ماهو كان لازم يجي اليوم ده ياحبيبي ، وزهرة مش هاتفضل العمر كله بنوتك الرقيقة ، اللي بتخاف عليها من الهوا الطاير.
كشر بوجهه لها بطرقة فكاهية اثارت ابتسامتها كالعادة قبل أن ينهض فجأة قائلًا :
– بقولك ايه ؟ انا قايم اغير واشوف الناس اللي بتعزف عالفاضي دي ايه عندهم ايه تاني شعبي ، عشان انا حاسس نفسي هنا بالشكل دة .
ضحكت نوال وهي تراقبه يذهب نحو الفرقة الموسيقة والذي تحدث معهم قليلًا قبل أن تعزف الفرقة ألحانها الشعبية ارضاءًا له ، ليقوم بالرقص عليها لافتًا أنظار الجميع حوله ، حتى زهرة التي اندمجت قليلًا في حديثها مع جاسر ، عادت بأنظارها لتجده ينظر نحوها غامزًا وهو يميل يمينًا ويسارًا ويلوح بيداه في الهواء ، جعلها تضحك من قلبها والاَخر يراقبها ويضرب بقبصته
على سطح الطاولة، منتظر انتهاء هذا العرض الذي اشترك به صديقه طارق أيضًا بجنون رقصاته هو أيضًا، ليتبعه محروس والفتيات أشقاءها الصغار ليشاركن خالد الذي جاملهم قليلًا ثم ذهب إلى زهرة يسحبها وهي تعترض بضحك مرددة :
– معرفش ياخالي انت عارفني .
وهو مستمر بسحبها غير عابئ لجاسر الذي يتاَكل من الغيظ يحاول بصعوبة كبح شيطانه ، حتى وضعها في الوسط لتتمايل معه بخفة ، وهو يديرها بين يديه وشيققاتها يلتففن حولها بخفة بفرحة أسعدتها بينهم ، لتنضم اليهم غادة تشاركهم ، أما كاميليا فكانت تتابع صامتة بعد أن وقفت بزاوية وحدها ، حتى وجدت من يشاركها .
– مابترقصيش ليه معاهم ؟
– قول لنفسك ما انت كمان مابترقصش .
ابتسم على قولها يرد :
– انا بصراحة ماتعودتش ارقص .
– وانا بقى مابعرفش ارقص .
ازداد اتساع ابتسامته على ردودها الفورية ، فقال :
– بس انا اللي اعرفه بقى ، ان مافيش بنت في مصر ما بتعرفش ترقص .
قالت هي بتأكيد :
– لأ ياسيدي خديها مني قاعدة ، في بنات كتير في مصر مابتعرفش ترقص وانا منهم .
استند بظهره على السياج الحديدي يسألها :
– طب ليه بقى ؟ انتِ مابتحبيش ولا انتِ من هواة الرقص الغربي .
ارتفع حاجبيها وأخفضتهم فجأة فقالت باندهاش :
– الرقص الغربي ! ايه ياعم كارم ؟ هو انت فاكرني قريبة جاسر بيه، دا انا تربية الحارة ياعم ، يعني بقى اغاني شعبية ومهرجانات وهيصة بقى، بس انا برضوا مابعرفش ارقص .
– برضوا !
اردف بها ضاحكًا قبل أن ينتبه على صوت الموسيقى الذي تغير فقال مازحًا :
– إيه ده ؟ هما سمعونا ولا إيه ؟ دول جابوا موسيقى غربي فعلاً .
– اه بس دي هادية .
قالتها كاميليا وقد لفت نظرها جاسر الذي تحرك من جوار الفرقة الموسيقية ليخترق الدائرة وسط الجميع ، يحتضن زهرة المذهولة ليرقص بها رقصة رومانسية ، ضحكت من قلبها كاميليا وهي تتابع صديقتها التي كانت كالدمية بين يديه من صدمتها وهو يحركها ويميل بها ، امام انظار الجميع .
حتى وقعت عيناها على يقف في الوسط واضعًا كفيه في جيبي بنطاله يرمقها بغضب ، يبدوا انه توقف عن الرقص منذ فترة ، غمغمت داخلها من هيئته باستغراب :
– ودا ماله ده بيبصلي كدة ليه ؟
والى زهرة التي كانت لا تستوعب هذا القرب منه وجرأته في سحبها من بينهم ليلصقها بجسده ، يتمايل بها بنعومة وبيدٍ خبيرة يحركها بين يديه، ناظرًا اليها بتحدي على الأعتراض ، هي أو خالد الذي كانت خطيبته تحاول جاهدة بمزاحها لتلهيه عن مراقبتهم بتحفز .
استمرت الرقصة واستمر الحفل الصغير الجميل حتى انتهاءه ، وغادر الجميع الا خالد وخطيبته ومعهم كاميليا التي أصرت على مرافقتها .
………………………..

أمام منزلها الجديد قبلها خالد على جبينها يخاطبها بلهجة تفيض بالحب :
– وانت داخلة على دنيا جديدة خليكِ دايمًا حاطة في بالك اني في ضهرك ومش هاسيبك أبدًا ، وافتكري اتفاقي معاكي من زمان ، انك مهما غلطتي برضوا تيجي وتقوليلي، وانا هاصلح دا لو حصل يعني .
قال الاَخيرة بمرح جعلها تبتسم قائلة بارتياح :
– انا من أول ما شوفتك ياخالي وانا اطمنت، ما انتِ ضهري وسندي طول عمرك ، ربنا يخليك ليا يارب .
قبلها على جبينها مرة أخرى قبل أن يتركها لتسلم على جدتها التي كانت تنتظر في السيارة :
– يعني برضوا عملتي اللي في دماغك يارقية وماشية ، ماهنش عليكِ تباتي حتى الليلة .
انطلقت ضحكة مرحة من رقية وهي تجذبها نحوها لتقبلها من وجنتيها قائلة :
– ابات معاكي فين ياموكوسة؟! يابنت هو انتِ…..
قطعت جملتها لتقربها أكثر تهمس بأذنها بعض الكلمات التي جعلت زهرة وجهها يتغير …… فاستقامت عنها ترد بعبوس :
– ايه اللي انتِ بتقوليه دا بس ياستي ؟
قهقهت رقية بضحكتها الرنانة فقال خالد الذي انضم معهم بالسيارة في الكرسي الأمامي قائلًا :
– بتضحكي على إيه يارقية وخليت البت وشها يتقلب؟ يارب مايكون اللي في بالي .
– انت كمان ياخالي .
تفوهت بها زهرة وهي تستقيم بظهرها فاختل توازنها قليلًا ، لتجد يدٍ ناعمة تسندها من الخلف تخاطبها:
– حاسبي لا توقعي على السلم ورواكي .
استدارت اليها زهرة تقبلها وتحتضنها مرددة :
– الف شكر ليكِ ياكاميليا بجد.
– بتشكريني على إيه ياعبيطة دا انتِ أختي ، ياللا بقى سلام وروحي بقى لعريسك دا اللي مستنيكِ على نار .
قالت الاخيرة بإشارة إلى جاسر المنتظر بالقرب منهم ، يدعي التحدث مع رجاله وهو لا يطيق صبرًا .
نظرت اليه زهرة لتفاجأة بأنظاره المرتكزة نحوها ، التفت مرتبكة لتقترب مرة أخرى من سيارة جدتها وخالها تقول :
– طب انا هاسلم على ستي مرة أخيرة…
– لا تسلمي ولا تزفتي تاني ، امش يابت .
اردفت بها كاميليا وهي تدفعها بخفة للخلف ضاحكة قبل أن تنضم بداخل السيارة مع خالد وخطيبته ورقية ، وتتحرك بهم من أمامها .
رفعت كفها ملوحة حتى اختفاءها من أمامها ، لتلتف بعد ذلك وتجده أمامها يومى لها رأسه بابتسامة متسلية قائلًا :
– تحبي نجري ونحصلهم؟
اطرقت برأسها بابتسامة مستترة قبل أن يتناول كفها ليتحرك بها نحو المنزل
…………………

وفي الداخل وبعد أن أوصلها لغرفتها بالطابق الثاني ، هبط مرة أخرى لوداع عمته التي أسرت على الذهاب أيضًا :
– مش كنتِ قعدتي ليلتك معانا النهاردة معانا ياعمتي .
ردت علية بابتسامة ودودة :
– أبات فين ياجاسر ؟ انت عايزني ابقى عزول يابني، ياحبيبي ربنا يهنيك .
ردد بابتسامة واسعة :
– ربنا يخليكِ ياحبيبتي ويبارك فيك ، بس برضوا انا كنت عايزك تباتي ولا تقعدي يومين حتى ، البيت واسع وانا مصدقت اشوفك، بعد غياب،شهور .
صدحت ضحكة منها قبل أن ترد :
– ومين السبب بقى في الغياب؟ مش انت اللي مشغول دايمًا بشغلك ، انا ياحبيبي قاعدة في بيتي دايمًا ، بعد ما جوزت البنت والولد، انت بقى لو عندك أصل هات العروسة وتعالى زورني .
أومأ برأسه قائلًا :
– أن شاء الله ياعمتي ، هايحصل أكيد .
ابتسمت له ببشاشة وهمت أن تتحرك ولكنها توقفت فجأة تقول :
– جاسر ، مش هاوصيك ياحبيبي على عروستك الجديدة ، البنت باينها طيبة أوي وحساسة ، عكس اللي….. انت عارف بقى ؟
رد بضحكة مجلجلة :
– عارف والله ياعمتي عارف ، يارتني بس كنت سمعت نصيحتك زمان قبل ما اتورط …
– كل حاجة نصيب ياحبيبي وربنا يبارك في اللي جاي اسيبك بقى .
قالت الاَخيرة وهي تقبله على وجنتيه مودعة قبل أن تنصرف مغادرة .
…………………………
صعد مهرولًا الدرج لينضم الى عروسه ، بعد أن غاب عنها قرابة النصف ساعة ، لانشغاله بتوديع عمته ومكالمة لأحد الشركاء استغرقت وقتًا قبل أن ينهيها مع الرجل على مضص، ليصعد الى الطابق الثاني اَخيرًا ، يخطو نحو غرفته في هذا البهو الفسيح بخطواتِ سريعة ، توقفت فجأة وتسمرت خلفها أقدامه، وقد وقعت عيناه عليها بكامل جمالها ، واقفة بمنتصف الصالة تتلاعب بالهاتف غير منتبهة ، وقد خلعت عنها حجابها ، وظهرت معه رقبتها وجزء في ألاعلى من فتحة الفستان الذي انتقاه بنفسه ، متوقعًا أن يناسبها وقد فاقت بجمالها كل توقعاته ، شعرها الحريري؛ انساب بنعومته كالشلال بلونه الأسود ليصل ألى اخر ظهرها، في مشهد بديع سرق أنفاسه وعقد لسانه ، قبل أن ينطق اَخيرًا :
– بتعملي إيه؟
أجفلت رافعة له رأسها تجيبه :
– ولا حاجة يعني ، اصل بصراحة كنت هاتصل بخالي بس اتكسفت فقولت اقلب شوية في النت….
قطعت جملتها وقد وصل اليها بهيبته ليقف أمامها وكفيه حطت على جانبي رأسها ، تتغلغل أنامله في الخصلات الطويلة ، قبل أن تتركهم ويُحاوط وجهها ليرفعه اليها وأصابعه تتلمس نعومة وجنتيها مرددًا:
– من أول مرة شوفتك فيها وانا نظريتي مخيبتش ، كنت عارف انك ملكة جمال مخبية جمالها عن الجميع ، انوثة طاغية وباللبس الواسع بتحفظيها وتحفظي نفسك عن كل العيون، ان كانت غريبة أو قريبة حتى، انت رزقي الحقيقي يازهرة ، وانا الراجل المحظوظ بيكِ.
مزبهلة ، عيناها تنظر اليه ولا تجد من الكلمات ماترد بها على كلماته ، شعر هو بذلك فقال مداعبًا بابتسامة جانبية :
– كنتِ عايزة تتصلي بخالك دلوقتِ يازهرة ؟
– هممم
صدرت منها بتشتت ، قبل أن تردد بارتباك :
– لاااا مما انا ماتصلتش خلا……
قطعت جملتها هذه المرة مجبرة وقد حطت شفتيه على شفتيها ، يفصل عنها الكلام ويفصلها عن العالم أجمع ، وقد ألصقها به بحميمية أجفلتها ، ترتعش من المفاجأة فتزيد رغبته بها، ويزيد من ضمها إليه، ليُذيب مقاومتها ويُذهب عنها ارتجافها ، حينما فصل قبلته عنها اًخيرًا أطرقت برأسها عنه تلتقط انفاسها مخفضة عيناها عنه ، وهو ينظر لها من طرف أجفانه وانفاسه الحادة تلفح وجهها الذي اصطبغ بالحمرة ، جذبها من خلف رأسها ليرفع وجهها اليه وعيناها تلتقي بعيناه ، فقال بصوت متحشرج :
– ارفعي راسك وعينك تبقى في عيوني دايمًا ، انتِ مراتي ، مرات جاسر الريان ، فاهمة ولا لأ ؟
اومأت رأسها بطاعة صامتة وهو ينظر اليها ، قبل أن يرفعها من أسفل ركبتيها ، يحملها بين يديه صامتًا هو الاَخر ، ويذهب بها الى غرفتهم .

الفصل الثاني والعشرون

على كرسي والدته جلس بالشرفة كما كانت تجلس هي سابقًا، رغم برودة الجو في هذه الساعة المتأخرة من الليل ، يشعل سيجارته وينفث دخانها في هذه الظلمة والسكون الذي عم المنطقة بعد نوم معظم سكانها ، أما هو فقد جافى عينيه رغم محاولاته الكثيرة ورغم التعب الجسدي الذي أصابه من السفر والإنتقال ، لقد افتقدها منذ الاَن رغم سفره عنها وتغربه عن الوطن منذ شهور ، لكن عدم وجودها بالمنزل لهو من أصعب الأشياء التي مرت عليه، وقد كانت تشغل جزء كبير من عمره، كلما مر على ركنٍ في المنزل تذكرها به وتذكر مشاكساته لها ، وضحكاتها التي كانت تنطلق بحرية معه وحده دون قيود او خجل ، تذكر ضعفها وهشاشتها بعد وفاة والدتها والصدمة التي الجمت لسانها عن النطق وقد شهدت احتضار والدتها وهي تضمها بين ذراعيها ، محاولاته المستميتة بعد ذلك معها لتعود للنطق مرة أخرى وممارسة الحياة الطبيعية لها كطفلة مثل باقي الأطفال ، اول يوم لها في الدراسة ثم الجلسات الطويلة التي كان يقضيها معها في استذكار دروسها ، سنوات طفولتها ثم مراهقتها وهي تكبر أمام عيناه وتنشأ تحت ظله ورعايته حتى أصبحت زهرته الجميلة التي كان يفتخر بتربيته لها ، قبل أن يأتي هذا الجاسر بكل سهولة ويقتطفها .
– انت لسة صاحي ومانمتش ؟
وصلت لأسماعه من رقية التي أصرت على المبيت اليوم بالصالة ويبدوا انها شعرت بخطواته أو ربما هي الأخرى كانت مستيقظة ، رد هو من مكانه:
– نامي انتِ يامّا ومايهمكيش ، انا هاشرب السيجارة وبعدها ادخل انام .
– ياواد بدل الخايلة الكدابة دي ، تعالى ارغي معايا وونسني على مايجي النوم اللى رايح منك ده.
هتفت بها رقية من مكانها ، فاستجاب هو ناهضًا ليذهب عندها ويجلس على الكرسي المقابل لها مرددًا
– أديني جيت يارقية عشان تبطلي زن، ها ياستي، عندك ايه رغي بقى عشان نسلي بعض على ما الفجر يدن او يطل على علينا النوم اللي مفارقنا ده ؟
اجابته رقية بابتسامة جانبية:.
– اه بس انا النوم ما فارقنيش ياعنيا ، انا صحيت على حركتك وصوت رجليك ياغالي ، ايه اللي قاقلك بقى ومطير النوم منك وانت راجل راجع تعبان من السفر ؟
تأملها وهو يدخن بسيجارته صامتًا فاستطردت هي:
– انت قلقان على زهرة صح ؟ بس يعني ياحبيبي هي كانت هاتقعد العمر كله جمبك ، ما كل بنت اَخرتها الجواز يابني..
ضيق عيناه خالد قليلًا قبل أن يرد:
– عارف يامّا كل بنت أخرتها الجواز ، لكن اعمل ايه انا بقى؟ قلقان عليها وهي بعيد عني ، هاتقوليلي ما انت سيبتها وسافرت ، هاقولك كنت مطمن عليها معاكي عشان انتِ فاهماها زيي ، زهرة طول الوقت عايزة اللي يطبطب عليها وياخد باله منها عشان مابتتكلمش ولا بتبوح باللي جواها ، وانا بقى معرفش ان كان اللي اتجوزته دا هايبقى كويس معاها ولا يجي عليها .
ردت رقية بقلق :
– كف الله الشر يابني ، ليه بس بتقول كدة ؟ احنا ليه نقدم الوحشة ؟ والراجل ما شوفناش منه غير كل خير .
زفر خالد دخان سيجارته الكثيف قائلًا :
– بس مش مننا يامّا ، إحنا ناس غلابة ودا راجل واصل ، يعني لو حصل حاجة لقدر الله ، مش هانعرف نجيب منه حق ولا باطل، بس وربنا ؛ لو حصل للبت أي حاجة منه ، لكون واخد روحه وان شالله حتى اروح فيها .
هتفت رقية بتفكه رغم غضبها:
– يخرررب بيتك ، هو انت خلاص قدرت البلا قبل وقوعه ، واحنا يدوب مدخلين البنت النهاردة ، في إيه ياواد ؟ ماتهدي شوية براسك الكبيرة دي وسيب حمولها على الله .
– ونعم بالله .
تمتم به مبتسمًا وقد أخرجته رقية بخفة ظلها من دوامة التفكير.، واستطرد :
– ماشي يامّا هاسيبها على الله ، وخليني افكر بأسلوب ايجابي شوية يعني مثلًا، اهي البنت هاتعيش عيشة حلوة في عز جوزها، احسن بكتير من هنا برضوا ، دا كفاية الطقم الغالي ده اللي لبسهولها .
ردت رقية بابتسامة:
– انت هاتقولي ، دا إحسان وبنتها كانت عنيهم هاتبوظ منهم وهما بيبصوا عليه.
– ربنا يهديهم بقى.
غمغم بها خالد بشرود قبل أن يعود لوالدته قائلًا :
– من ضمن الإيجابيات كمان، أكيد الناس الغنية دي الكهربا مابتقطهش عندهم ؟
– أكيد ياحبيبي أكيد .
رددت بها رقية لابنها القلق وكأنها تخاطب نفسها وتطمئنها ، وقد ذكرها خالد بالعقدة الأزلية لحفيدتها
………………………

أخرجت من حقيبة الملابس التي أتت بها منامة قطنية ناعمة لترتديها ، بعد أن احتارت في البحث في صف الملابس العارية والتي ملأ بها الخزانة وانتقاها بنفسه لها ، ارتدتها سريعًا وعيناها مرتكزة على باب الحمام المرفق بالغرفة أو على الأصح الجناح الملكي ، جلست على التخت لتمسح بكفيها على شعرها ووجنتيها بتوتر ، تتدراك نفسها بعد أن استفاقت من الدوامة التي لفها بداخلها معه ، مازالت لا تستوعب حتى الاَن ما حدث منذ قليل، عواطفه الجامحة نحوها، رقته الشديدة في مهادنة عذريتها ، كلمات الغزل التي كان يلقيها على مسامعها ، فيمحو مقاومتها بسحر صوته الأجش فيأخذها لعالمه الجديد عليها ، عالم جاسر الريان ، عالمه وحده ، يقولها كل دقيقة وكأنه يذكر نفسه أو أنه يستمتع بوقع الجملة ، أنتِ زوجتي أنت زوجتي .
انتبهت على توقف صوت المياه بالحمام ، فزحفت للخلف سريعًا لتغطس تحت الفراش لتبدوا وكأنها نائمة .
بعد دقائق خرج هو من حمامه مرتديًا بنطال بيتي مريح وعليه فانلة سوداء محكمة على جسده العضلي ، كان ينشف بالمنشفة الصغيرة شعر رأسه حينما وقعت عيناه عليها على الفراش ، معطية له ظهرها ، ضيق عيناه قليلًا ليتحقق مما يرى جيدًا ، حتى جلس على طرف السرير ومال يتلمس المنامة القطنية التي ترتديها فهتف ضاحكًا :
– ههههه انتِ لابسة بيجامة بكم يازهرة هههههه ، زهرة يازهرة.
حينما لم ترد اقترب أكثر يميل عليها ويردد باسمها :
– زهرة يازهرة ، انتِ نمتي ؟
سأل قاطبًا حاجبيه وهو ينظر لها جيدًا مدعية النوم ، مغمضة عيناها بشكل كشف إدعائها ، ابتسم بمرح وقد علم بكذبها .
– كدة من أول يوم ماشي .
تمتم بها قبل أن يرتد بجسده ليسلتقي على التخت خلفها ويتركها ، صبرت قليلًا هي ثم فتحت عيناها لتفاجأ بالظلام الدامس ، فتحت واغلقت بأجفانها عدة مرات حتى سقط قلبها من الخوف فخرج صوتها بارتجاف:
– لو سمحت ممكن تولع النور .
ضحك بتسلية من خلفها قائلًا :
– ايه ده هو انتِ صاحية ؟ مش برضوا كنتِ نايمة من شوية ؟.
– ولع النور ياجاسر انا بجد بخاف من الضلمة .
رد باسترخاء وذراعيه التفت تحت رأسه على الوسادة :
– لا بصراحة انا ماقدرش انام غير في الضلمة
يتحدث بتسلية ولا يعلم بما يحدث لها، التفت اليه بجسدها وهي بالكاد تتحقق منه لتقول بهلع:
– ياجاسر ولع النور انا بخاف من الضلمة بجد .
على الفور التقطتها ذراعيه ليجذبها لأحضانه مرددًا بمرح:
– يعني كان لازم اطفي النور عشان تبطلي تمثيل .
شعر بارتجافها فقال ضاحكًا :
– إيه يابنتي لدرجادي بتخافي من الضلمة ؟ هو انتِ عيلة صغيرة يازهرة .
صمتت عن الرد مستسلمة لدفئه تغمض عيناها بقوة حتى تغفى ، ردد بتفكه :
– لابسالي بيجامة بكمام يازهرة ودي جيبتيها منين أساسًا؟
ردت بصوتِ يغلب عليه النعاس .
– خلاص والنبي ياجاسر عايزة انام .
قبلها هو أعلى رأسها مرددًا بحنان وقد أسكرته رأئحتها المسكية .
– ماشي ياقطتي ، نامي انتِ وتصبحي على.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *