كله بالحلال بقلم امل نصر ج١ من الفصول
ردت بتردد وصل صداه الى الأخرى:
– يعني عايزاني اقولك ايه؟
فتور نبرتها في الرد كان دافعًا قويًا، ليستفز بسمة حتى تصيح بها:
– نعم يا ست ليلى؟ انتي عايزة تعملي نفسك ناسية، ولا دي بداية لحاجة مطمنش؟ اسمعي اما اقول ، انتي تقولي باللي حصل بينك وبين رانيا حالًا، نفذتي يا بت اللي اتفقنا عليه وفركشتي موضوعها مع عزيز ولا لأ؟
شرسة، هذا أقل ما يقال عنها، وهي الضعيفة التي دائمًا ما يوقعها حظها العسر، مع أناس على هذه الشاكلة، وخير دليل هو والدتها، تمنت داخلها، لو كانت هي محلها، بأن تكون هي ابنة منار، الأم والفتاة بنفس الجبروت، ترى كيف سيكون التعاون بينهم؟
– ليلى .
وصلها صرخة النداء من الأخرى، لتنزعها من شرودها، تداركت وضعها معها، وخرج ردها بتلجلج:
– ما هو… ما هو.
دمدمت بسمة بغيظ :
– ماهو إيه يا غالية ؟ جيبي اللي في بطنك وخلصيني يا ليلى، شكلك كدة ما نفذتيش أي حاجة من اللي اتفقنا عليها ؟
خرج ردها سريعًا بتبرير:
– لا والله يا بسمة انا حاولت….. بس بصراحة بقة وعشان اجيبلك من الاَخر، بس اسمعيني كويس في الأول وبلاش نرفزة
صمتت تعطيها المجال مفتوحًا للدفاع، فتابعت لها:
– شوفي بقى انا روحت وقابلتها النهاردة وكنت هكرها في إسم اخويا نفسه، بس اللي حصل بقى، إني اتفاجأت باللي عملته ماما ؟
سألتها بهدوء ما يسبق العاصفة،
– امك عملت إيه ؟
ردت ليلى شارحة:
– أمي ظبطت والدتها يا ليلى بكلام حلو عن عزيز، يعني اعتبري كدة قالت فيه شعر، نيمت الست وبنتها، وجعلتهم يتعلقوا بيه؟
– ننننعم! يعني افهم من كدة انها وافقت ؟
– ايوة بس انا مابلغتش والدتي ولا اخويا، وقولت ابلغك انت الاول عشان تشوفي حل؟
صمتت مرة أخرى بسمة، ولكن هذه المرة بتفكير عميق ومتريث، كانت تعلم من البداية أن منار، هي أكبر عقبة تواجها، امرأة قوية وشديد الذكاء، وبنفس الوقت مسيطرة على أبنائها، حتى عزيز نفسه، بكل هيمنته، المرأة المحنكة تستطيع ترويض جنونه، ليصب في مصلحتها، هي الداعم الأساسي لرانيا الفتاة الخجول عديمة الشخصية، والتي تضمن ولاءها من قبل حتى خطبتها، ولكنها لن تجعلها تنتصر عليها ، وستفوز به، رغم كل شيء
بعد وقت ليس بقليل، خرج قولها لصديقتها التي اصابها التوتر من رد فعلها الغير محسوب:
– تمام يا ليلى، انتي كدة عملتي اللي عليكي، وانا بقى هتصرف؟
سألتها بتوجس وقد ارعبها هذا الهدوء المفاجئ:
– يعني هتعملي إيه؟
تبسمت بثقة زادت من دهشتها مرددة:
– ما قولتلك هتصرف يا بنتي، خلاص بقى .
❈-❈-❈
بعد انتهاء المكالمة المريبة، اضطرت راضخة للخروج ألى تحية سامح ابن خالتها والذي كان جالسًا بأريحية يتحدث مع شقيقها، قبل أن ينتبه لها وينهض عن مقعده بدماثة مستفزة، ليصافحها بعد أن القت بتحيتها
على الجميع:
– اهلا برنسس ليلى، عاملة ايه؟
تمالكت حتى لا تتلفظ بشيء تحاسب عليه بعد ذلك، فهذه الرسمية المبالغ فيها، دائمًا ما تثير غضبها.
القت بنظرة نحو منار التي تتوعدها بعينيها، لتجامله بابتسامة صفراء:
– كويسة يا سامح والحمد لله، اتفضل اقعد.
قالتها لتنزع كفها بعنف لم يخفى عنه، وتوجهت لأبعد مقعد تحتله، متكتفة الذراعين، علق شقيقها ساخرًا:
– ما تخلي بالك لا البت تتصدق، ايه برنسيسة والكلام الفاضي ده؟ احنا معندناش الكلام ده يا عم الحج، لا تتمرع علينا واحنا مش ناقصين.
ضحك ثلاثتهم بمزاح قابلته بنفس الابتسامة السمجة، قبل أن يلتف نحوها مرددًا بغزل لم يروق لها كالعادة، خصوصًا مع هذه النظرات المقيمة منه لها:
– لا أزاي طبعًا؟ ليلى مولودة برنسس، دي كفايه انها بنت خالتوا منار، أجمل ست في العيلة، وهي أكيد متفرقش عنها، غير بس في الحجم واللبس اللي مع شوية تطوير، هتبقى ولا عارضات الأزياء بس القصيرين.
– هاها.
تمتمت بها بتهكم ردًا على استظرافه الذي تقبلته منار بضحكة عالية وعزيز ايضًا، عكسها التي زاد على عبوس وجهها،
سمج ولا يطاق، نظرته المتعالية دائمًا كانت تبغضها، لا يرى من البشر سوى طبقتهم المخملية، فوالده طبيب شهير، ذو مواصفات جسمانية قد يراها البعض مميزات ، كالطول الفارع، والجسد المتناسق، وهذه البشرة البيضاء بشدة، والأناقة المبالغ فيها، قد يكون مقارب لشقيقها ولكن لا .
فعزيز ذو طلة ساحرة تجذب النساء إليه، من اول نظرة،
بالإضافة لطرافته رغم تسليته الدائمة باستفزازها معظم الأوفات، لكنها لا تنكر انها يضحكها معظم الاوقات بمشاكساته، وحينما يدللها بقطته الصغيرة،
متواضع في التعامل مع الجميع ، ولا يفرق بين صديق مهندس ولا عامل أجرة، لقد رأت بنفسها والتمست ذلك، عيبه الأكبر هو النساء، لا يثبت على علاقة واحدة مع أحداهن ابدا، وهذا ما اضطر والدتهم الاَن، لحسم هذه المرحلة بتزويجه ، رغم أنها تسمع دائمًا ان الانسان الهوائي، لا يكتفي بمرأة مهما مر عليه من عمره.
استفاقت من شرودها على صوت منار وهي تستأذن:
– طب انا هروح اجيب كام طبق حلو.
تبرعت بتلهف عارضة الدعم للهرب من هذه الجلسة الثقيلة:
– اقوم انا يا ماما، وخليكي انتي قاعدة.
– خليكي مرزوعة مكانك انا جاية حالا.
هتفت بها بأمر جعل ليلى تنصاع على غير ارادتها، وذهبت منار إلى المطبخ، لتعود هي لتتكتف بيديها تنتظر انتهاء هذا الجلسة الثقيلة، حتى تفاجأت بصوت ورود رسالة على هاتف شقيقها الذي ذوى ما بين حاجبيه باستغراب وهو يقرأ نصها حتى نهض بوجه متغير مستئذنًا:
– طب معلش يا سامح، دقيقة بس وراجعلك
– استنى هنا رايح فين؟
صاحت بها ليلى وقد نهضت عن مقعدها، فتطلع إليها بحنق، قبل ان يخطف نظرة نحو جهة المطبخ، ليأمرها بحزم:
– لازم اقولك زي ماما يعني؟ ثواني وراجع، مش هتأخر
قالها وتحركت أقدامه بوجه متجهم، وكأنه ذاهب على غير ارادته، ليتركها مع هذا المتحذلق، والذي التف لها بابتسامة واثقة يحدثها:
– ايه يا ليلى؟ هو انتي مكسوفة مني ولا ايه؟
برقت نحوه بنظرة عدائية لملمتها سريعًا ، لتحجم نفسها عن ضربه، تدمدم داخلها:
– الصبر من عندك يارب
…..يتبع
الفصل الرابع
دلف الى داخل المطبخ على غير ارادته، بعد الرسالة الغريبة التي أرسلتها أليه، تطلبه في أمر هام على الفور، حتى جاء معربًا عن اعتراضه:
– ايه يا ست ماما الجو الغريب ده والرسالة الاغرب؟ وايه الأمر الضروي اوي دا اللي عايزاني فيه؟
ردت وهي ترص أطباق الحلوى الجاهزة على صنية فاخرة لا تخرج الا في المناسبات المهمة:
– وايه الغريب يا سي عزيز؟ دا انا قولت هتفهما لوحدك، خلي ابن خالتك ياخد راحته مع المزغودة اختك، خليها تفك شوية بقى بدل التقفيلة دي
عبست ملامحه، بعد استنباطه لما ترنو إليه من خلف طلبها، ليخرج صوته بحدة محتجًا:
– ايه اللي بتقوليه دا يا ماما؟ انتي ازاي تفكري في كدة اصلًا؟ ليلى دي عيلة صغيرة، بلاش تفتحي عينها على الحاجات دي؟
ضحكت تترك ما بيدها لتلتف إليه قائلة:
– عيلة ايه يا عزيز؟ يعني انت شايف كدة اختك اللي مقفلة العشرين من شهرين عيلة؟ طب ما هي رانيا في سنها يا حبيبي مفتكرتش ليه انها عيلة هي كمان؟
تلجم لسانه بنظرة ساهمة كان يرمقها بها قبل أن يجد الرد المناسب :
– اولًا بقى، رانيا انتي اللي اخترتيهالي، ثم كمان هي تفرق كتير عن لولو، دي قطتي الصغيرة، مينفعش تتجوز، لسة بدري اوي عليها.
استمرت بضحكاتها حتى اتجهت مرة أخرى للبراد لتتناول زجاجات المشروبات الباردة، وخرج ردها وهي منشغلة في التنظيم:
– انت بتقول كدة عشان مربيها، ومش عايز تشوفها غير العيلة اللي كنت بتشيلها على ايدك، مش قادر تستوعب ان الصغير بيكبر يا حبيبي، وع العموم يا سيدي، احنا مش هنجوزها بكرة، انا بس عايزها تدي فرصة للولد عشان يقرب منها، ابن خالتك لقطة وحرام بصراحة يضيع منها .
لم يعجبه الأمر وما تفعله والدته، ولكنه اضطر راضخًا أن يصمت حتى لا يفتعل مشكلة من الهواء، ولكنه لم يمنع نفسه من السؤال:
– على كدة بقى مجية الاستاذ سامح النهاردة، تمت بناءًا على اتفاق مسبق مع حضرتك؟
اومات برأسها دون أن تلتف اليه، فقد بدا انها تفكر في شيء ما، فتابع يسألها بنزق:
– طب ما كفاية كدة بقى، مستنية ايه تاني؟
تحركت من جواره للناحية الأخرى تجيبه بخطوات متأنية وقد وجدت حجة أخرى للتأخير:
– هجيبلي طبقين يكون شكلهم حلو، ينفع يترص عليه قطع الفاكهة بمنظر جمالي،
فاكهة كمان ولسة عايزة تقطعيها، في ايه يا ماما؟
هتف بها عزيز بنزق لم يؤثر بها، بل قابلته بقولها الحازم:
– في كل خير يا ولد، اصبر دقيقتين بس اكون مخلصة كل حاجة، هي طارت يعني؟
❈-❈-❈
على كرسيها الذي كانت تجلس عليه بتململ واضح، وحركاتها العصبية في هز الأرجل أو الفرك بيدها على وجهها، او الكفين ببعضهما، عينيها نحو المطبخ وقد طال غياب الاثنان به، شقيقها ووالدتها، تستمع مجبرة لهذه الأحاديث التي تحفظها منه على ظهر قلب:
– الفيلا اللي اشترناها جديد، استلمناها من عشر تيام تقريبَا، مهندس الديكور بيقول، انها محتاجة شهور على ما تجهز، بس بقى المبلغ الخيالي اللي طالبه، مش ممكن يا ليلى ، والجماعة الصناعية كمان، دول مستغلين اوي، فاكرينا عشان اغنيا، هنبقى أغبيا بقى وندي من غير حساب، ناس بيئة في معاملتهم بجد.
تقلصت ملامحها، حتى اعتلى تعابيرها الحنق لترد بنفاذ صبر:
– وافرض بيئة، مدي عيشتهم واللي اتربوا عليه، يعني مش هيجوا قصادك ويغيروا اسلوبهم، انت بقى اللي اتقبل ان في مخاليق غيرك وليهم طريقتهم اللي انت لازم تحترمها، ولا انت فاكر ان كل حاجة هتمشي على هواك
اجفل عائدًا برأسه للخلف من حدتها الغير مبررة بالنسبة له، وارتفع حاجبه بعدم تقبل لقولها:
– ليه العصبية دي يا ليلى، هو انتي لقيتني بيتخانق معاهم، انا بس بعرفك طبيعة الأشكال اللي بقو حوالينا، يعني مطلبتش منك نصيحة، ثم كمان متنسيش فرق العمر ما بينا خمس سنين، يعني لازم تاخدي بالك منها دي.
افتر فاهاها بنية التلفظ بالكلمات التي يستحقها، لكن سرعان ما اغلقته، بعدما عادت لوعيها، وتذكر تهديد والدتها والتي بدأت تشك في نيتها هذه الأيام، فاستبدلت على الفور لتقابل رده بابتسامة صفراء، كي تكمل جلستها على خير:
– انا أسفة، معلش نسيت نفسي واتعصبت عليك، متاخدتش في بالك.
تبسم بانتشاء طفل صغير، وقد اسعده اعتذارها، ليقول:
– خلاص كمان وانا مش هزعل منك، عشان عارفك طيبة ورقيقة، بس عيبك الوحيد هو انك مدب ودبش.
برقت عينيها باشتعال الغابات الخضراء بها، وقد افقدها البقية الباقية من تعقلها، تنتوي هذه المرة بالرد حتى لو بالسباب وليحدث ما يحدث، لكن ظهور شقيقها في الوقت المناسب وقد عاد بخطوات مسرعة إليهم، هو من أنقذ الموقف.
جلس عزيز يربت بكفه على فخذ الاَخر مرددًا بترحيب، وعينيه انتقلت نحو شقيقته التي امتقع وجهها بغضب حقيقي لم يخفى عنه:
– منور يا سامح، عامل ايه بقى؟
اجابه بزهو:
– دا نورك يا حبيبي، خالتو فين بقى؟
– خالتك اهي خارجة بصينية وجاية حالا!
قالها واتجهت انظاره مرة أخرى نحو شقيقته التي كانت تزفر بضيق متعاظم جعله يتفهم وضعها ليلملم الموقف سريعًا بفطنته، ويأخذ انتباه الاخر بأسئلته:
– ها يا عم سامح، ما قولتليش بقى، خالتو لسة ممنوع عنها التليفون؟ ولا اتحسنت؟
❈-❈-❈
على تختها ليلًا، وبعد ان استراحت اخيرًا من هذه الزيارة الثقيلة لابن خالتها المتغطرس، صاحب الدم الاثقل في العالم، كانت تعد نفسها للنوم، بعد ان ارتدت منامتها وتدثرت بالغطاء، ولكن عقلها النشط، تيقظ فجأة ، بسؤال ملح عن رد فعل بسمة بعدما اخبرتها عن لقاء بسمة، وقد زحف بداخلها شعور غير مريح لمعرفتها بجنون الأخرى، مما اضطرها لتناول الهاتف كي تتصل بها ، وتسألها، وكانت اجابتها بحدة
– قولتلك هتصرف يا ليلى، ايه لزوم السؤال؟
– وانا بسألك عشان اعرف هتعملي إيه؟
صاحت بها بضيق:
– ما تصدعنيش يا بنت الناس عشان انا معنديش دماغ ليكي، سيبني في اللي شاغلني دلوقتي
لم تكترث لقولها، بل عادت بإصرار سائلة:
– لا بقى انا مش هسيبك غير لما اعرف هتعملي إيه؟ عشان بصراحة كدة لهجتك مش مطمناني واخاف تتهوري بفعل تندمي عليه ؟
– لا اطمني يا حبيبتي وما تخافيش عليا ولا على نفسك، عشان انا هخلص!
قولها الهادئ وجملتها الغريبة جعلت ليلى تصيح بها بخوف:
– تخلصي يعني ايه؟ نهار اسود لتكوني ناوية ؟ لا يا بسمة كله إلا ده .
– مين يا متخلفة انتي؟ هو انا عبيطة عشان اعمل حاجة زي دي؟
– طب إيه؟
– روحي نامي يا ليلى وانا بقى من هنا للصبح كدة اكون مخمخت لفكرة حلوة تحل كل الإشكال ده.
ودت لو تستمر بجدالها حتى تعلم ما بهذا الرأس المتصلب، ولكن الأخرى لن تعطيها سوى القليل، هي تعلم ذلك جيدًا، لذلك خرج قولها باستسلام اخيرًا
– ماشي يا بسمة واما اشوف اخرتها إيه؟ بس بجد بقى، اي حركة فيها أذية انا هرفض وبشدة عشان تبقي عارفة.
اجابتها ببساطة أذهلهتها:
– تمام يا ليلى زي ما تحبي، تصبحي على خير.
– وانتي من أهله.
غمغمت بها بعد انتهاء المكالمة، وقد زاد بداخلها الشعور بالتوجس، خوفًا من تهور بسمة أو فعلها لشئ قد يضر الفتاة، فما ذنبها هي؛ إن كان وقع عليها الاخيتار من والدتها المتسلطة المتجبرة، والتي لايقف بوجهها شئ،
ظلت لمدة طويلة في التفكير والسهر، حتى تمكن منها
التعب، وغفت نائمة كالجثة حتى استيقظت صباحًا، على لكز قوي، وصوت والدتها الحاد يهدر بها
❈-❈-❈
اصحي يا ليلى، اصحي يا زفتة .
انتفضت مستقيظة تبرق عينيها لها بهلع، ازداد مع رؤيتها للوجه الغاضب، فخرج صوتها متحشرج
– إيه في إيه؟ عايزة إيه يا ماما؟
تابعت لها بحدة:
– اصحي كدة وفوقي، عايزة اتكلم معاكي.
تقلصت عضلات وجهها برفض تام وهي تعود برأسها للوسادة متمتمة:
– يا ماما سيبيني عايزة انام، انا ماعنديش محاضرات في الجامعة النهاردة.
لكزته بقوة أفاقتها على الفور:
– فوقي يا بت واتعدلي بدل ما اعدلك.
– أهو يا ماما صحيت الله في إيه بقى؟ هو في حد يصحي حد كدة على اول الصبح؟
خرجت منها الكلمات باحتجاج ولوم لهذا العنف الغير مقبول، قبل أن تباغتها بسؤالها:
– انتي عملتي ايه مع رانيا امبارح؟
ذوت ما بين حاجبيها سائلة باستفهام رغم ارتيابها:
– مالها رانيا يا ماما ؟
ردت بشراسة تكز على أسنانها:
– هببتي قولتيلها إيه امبارح عن اخوكي؟
بقلب يرتجف توجسًا من حدث الأسوء، ردت بدفاعية واستفسار:
– ما قولتش حاجة والله يا ماما.. هو في إيه بالظبط؟
– في انهم رفضوا اخوكي يا ختي.
هتفت لها منار لتجفل تلك التي صعقت بذهول مرددة:
– معقول؟ ليه يعني؟
ضربت منار بكفها على فخذها تردد بتحسر:
– ما هو دا اللي مجنني وهيطير عقلي مني، ام رانيا اللي كانت طايرة من الفرح امبارح .. اتصلت بيا النهاردة تبلغني برفضها ورفض بنتها بحجج فارغة.. وانا اموت واعرف إيه أللي قلب الولية كدة فجأة؟! أكيد في سبب قوي يخليهم في يوم وليلة يرفضوا، انا متأكدة ان في حد اتدخل عشان يخربها.
هكذا بمسافة مرور الليل ينقلب الحال من النقيض للنقيض، بعد ان لمست بنفسها موافقة رانيا وسعادتها، تنقلب فجأة للرفض في هذا الوقت القصير، لماذا لديها شعور قوي أن بسمة لها يد في الموضوع.
– ساكتة ليه؟ ما تتكلمي يا بت وردي عليا؟
صدر الصوت من منار بحدة تنزعها من أفكارها، فقالت بعفويتها المعتادة:
– يعني هاقول إيه بس يا ماما؟ واحدة ورفضت الخطوبة من اخويا، اعجوبة يعني؟ ما هو دا العادي .
– عادي إيه؟ هو انت ليكي يد في اللي حصل؟
هتفت بها وهي تنتفض محلها مندفعة نحوها بهجوم جعل ليلى تصيح برعب:
– يا نهار اسود، سيبى كتف البيجامة يا ماما، انت ها تضربيني ولا إيه؟
– واكسر دماغك كمان لو عرفت ان ليكي يد في رفض اخوكي.
استفزها القول حتى أكملت بتقليل:
– ويعني هي اللي خلقها مخلقش غيرها؟ هو انتي ليه محسساني ان الدنيا وقفت على كدة؟
– لأ يا ختي ما وقفتش وربنا خلق غيرها كتير يا حبيبتي، بس انا مش كل يوم هلاقي واحدة فيها المواصفات المظبوطة دي، البنات على قفا من يشيل، لكن اللي زي رانيا دي بتبقى زي ابرة في كوم قش، يعني كدة هادور واتعب من تاني وانا كنت ماصدقت
لم يعجبها هذه التهويل المبالغ فيه، بالإضافة لهذا الخوف من هيئتها، فتمتمت مع محاولة لإبعادها عنها:
– طب سيبي كتف البجامة الاول، ولا انتي هتضربي بجد .
تركتها لتهدر بها بتهديد صريح؛
– اهو كتف البيجامة، بس وديني يا ليلى ما اعرف ولا احس بس ان ليكي دخل برفض رانيا لاكون مورياكي غضبي بجد .
ابتلعت ريقها واقشعر جلدها متذكرًا الضربات التي كانت تتلقاها منها وهي صغيرة حينما تخطء، أو تفعل أمر لا يعجبها، تأثرت حتى شعر جلدها بالحكة لمجرد الذكرى، تتمنى الا يأتي هذا اليوم الذي تستعيد به منار امجادها في ضربها، تتسائل داخلها:
– ترى ماذا فعلتِ يا بسمة حتى تستطيعي الخلاص من الفتاة بهذه السرعة؟
❈-❈-❈
– عملت الصح واللي كان لازم اعمله من زمان!
قالتها بثقة أذهلت الأخرى، لتردف بسؤالها الملح:
– ااه، يعني عملتي إيه بالظبط؟
– رسيت البنت على حقيقة أخوكي واللي بتخبيها والدتك عن اهل البنت .
ارتدت برأسها تمتم بتفكير مخمنة:
– يعني عرفتيها انه بتاع بنات؟ وهي صدقتك بقى؟
رددت خلفها بضحكة ساخرة:
– صدقتني ازاي يا عبيطة انتي ِ؟ انا مكالمتهاش من الأساس، انا زقيت عليها واحدة صاحبتنا انا وهي ووصيتها ماتجبش سيرتي نهائي.
– والبنت بقى شاطرة وعرفت تقنعها؟
– أقنعتها بالأدلة والأثبتات يا حبيبتي، ماهي لولا كدة مكنتش هاتقتنع .
– يعني إيه ؟
– يعني البنت شافت صور عزيز وهو بيضحك ويهز مع البنات، دا غير مقطع فيديو ليه وهو بيرقص مع الرقاصة في فرح واحد صاحبه .
شهقت بعدم تصديق، وقد ذهب ظنها للسوء:
– وانتي عرفتي تجيبي الصور دي منين يا بسمة؟ اوعي تكوني فبركتيها؟
نهضت واقفة بثقة تشرح لها:
– افبرك دا إيه يا هبلة انتي وفي الوقت القصير دا كمان؟ انا يا حبيبتي خدت الصورة من حساب واحد صاحبه .
– تاني اصحاب يا بسمة! انت مش قولتي انك بطلتلي تكلمي ياولاد؟
نفت على الفور بدفاعية:
– ما انا فعلًا بطلت اكلم ولاد والله، انا هكمل دلوقتي اربع شهور من ساعة ما بطلت.. بس يا حبيبتي الصور دي عثرت عليها بالشطارة، يعني لما دخلت على اكونت اخوكي لقيت صفحته فلة؛ ادعية دينية وكلها حاجات منتهى الإحترام.
– ما دي خطة ماما واؤامرها ، عشان اهل العروسة ينخدعوا في عزيز ويوافقوا على الجواز .
