قدر ووصال لهدير

“الفصل الأول”

يقولون كل شيء مسموح بالحب والحرب، وفي هذه المرة الحب تخطى كل حدود المنطق، فهو أقسم بأنها ستكون قدره، بينما هي كانت تتلاشى رويداً رويداً بسبب هذا لأنه كان هوس بالنسبة لها ، وتحاول الهرب بكل الطرق، فهل يتيسر طريقها وتنحج أم ستسقط في بئر الحياة الغادرة وتصبح أسيرة هذا الحب وتكون جسد بلا روح………

كانت بحجرتها، نائمة في سباتٍ عميق، غافلةٌ عن تلك الأعيُن التي تكاد تلتهمها، أعيُن مفعمة بالرغبة والجراءة، أقترب منها في تمهل وبطئ شديد، و وقف يتأملها بأعيُن مفترسة، بدأ يميل عليها ويديه راحت تتلمس جسدها، برغبة، وهمس من بين شفتيه أنتِ قدري ومش هتكوني لحد غيري، ففتحت الفتاة عينيها في فزع مستشعرة تلك اللمسات القذرة وما كادت أن تصرخ حتى كمم فمها بكفه الضخم، محاصرًا جسدها بجسده وهمس بنبرة غليظة بجانب أذنها أصابتها بالأشمئزاز :
-أشش.
و أغمض عينيه مستشعراً لحظاته معها، بينما سالت هي دموعها بقلة حيلة.
فأنفتح باب الغرفة على عاقبيه،لينتفض هو واقفاً
فتحدثت المرأة التي فتحت الباب قائله بإستغراب:- في إيه، سيد أنت بتعمل إيه في أوضة قدر.
المدعو “سيد” بتوتر شديد، والغرق بدأ يغزو جبينه :
-ولا حاجه، أنا بس سمعت صوت قدر بتصـ,ـرخ فجيت أشوفها وقالت أنها شافت كابوس فخافت بس، دي كل الحكاية

وتابع وهو ينقل بصره للفتاة بنظرة تحذير :
-مش كده ياقدر؟

اومأت قدر برأسها وهي تنظر له بخوف ومازالت دموعها على وجنتيها، فأقتربت منها والدتها و أزاحت دموعها وعانقتها وهي تربت على ظهرها، وتقول بنبرة تقطر حنانًا :
-قومي يلا يابنتي عشان تفطري وتنزلي الجامعة، “وقالت مازحة” ودقيقتين ونلاقي البنت وصال جات يلا بقا.

قالتها وهي تشدها من يدها فأزاحت قدر الغطاء وتوجهت إلي التواليت الملحق لغرفتها وملامحها يبدو عليها الذعر.

تنهدت الأم بضيق على حال أبنتها فتابعت حديثها قبل ان تغادر الغرفة: هشوف رهف جهزت ولا لأ عشان تخدوها في طريقكم للمدرسة.

آتاها صوت قدر المنخفض من خلف الباب: تمام يا ماما.

خرجت والدتها متوجهة إلى غرفة أخرى بجانبها، دلفت للداخل لترى أبنتها التي بعمر العاشرة أمام المرآه تمشط شعرها فأبتسمت وهي تتقدم منها و أبتسمت الطفلة في حين إنعكاس صورة والدتها بالمرآه فأخذت والدتها منها فرشاة الشعر وقالت: تسلملي بنتي اللي كبرت وجهزت نفسها من غير ما اقولها.

أبتسمت رهف قائلة بمزاح : طبعاً يا مُنمن أنا كبرت.

قالت منى “والدتها ” باسمة: روح مُنمن أنتي.

وضعت الفرشاه جانباً ولفت خصلات شعرها على هيئة كعكة قائلة: يلا روحي أفطري، وقدر هتيجي دلوقتي.

أجتمعوا جميعهم على طاولة الطعام وجلس سيد على رأسها ورهف ومنى من ناحية وقدر بالمقابل لهم.
قاطعت منى هذا الصمت قائلة: عمكم سيد الله يخليه، ويطولنا في عمره عطاني مصاريفكم وحطيتها فشنطة كل واحدة فيكم دلوقتي.

رهف: شكراً ياماما، شكراً ياعمو.

ابتسمت والدتها لها ووجهت نظرها إلي قدر قائلة: إيه ياقدر مفيش شكراً للراجل اللي بيصرف علينا وبيعاملكم زي بناته.

جاءهم صوت طرقات على الباب لتقف قدر من مكانها قائلة: وصال وصلت هقوم أنا، يلا يارهف.

حملت حقيبتها على كتفها وغادرت من أمامهم فأنتفضت والدتها واقفة وذهبت خلفها وهي تنادي عليها بصوت منخفض: قدر، انتي يابنت.

وقفت قدر مكانها قائلة : أيوة ياماما نعم.

غمغمت منى بضيق من أبنتها: في إيه يابنتي بتعاملي الراجل كده ليه هو أيوة جوز أمك بس عمره ما نقص عليكم حاجة عيب كده يابنتي.

تنهدت قدر بعمق قائلة: وصال بتخبط نبقا نتكلم بعدين.

وتوجهت إلى باب المنزل وفتحته بإبتسامة
لتفاجائها صديقتها بعناق ودود لتعبر لها عن مدى أشتياقها لها،وهي تقول بشوق : وحشتيني جداً جداً يا أجمل قدر

بدالتها قدر العناق بمحبة وإبتسامة قائلة:
أنتي اللي وحشتيني جداً ياحبيبتي.
انفصالا عن بعض لتنظر كل منهما للأخرى وإلى ثياب بعضهم، كانت قدر ترتدى دريس أزرق به بعض النقوش وخمار باللون الابيض بينما وصال كانت ثيابها عبارة عن بنطال وتيشرت قصير من نفس اللون .

وصال بضحكة مرحة : كما تخيلت تبدين جميلة بالأزرق.

تمتمت قدر بضيق : أنتي قولتيلي ألبس أزرق زيك ما توقعتش أنك تلبسي كده.

كادت وصال ان تتحدث لتقاطعها والدة قدر قائلة: وصال يابنتي أتفضلي أدخلي جوة.

قاطعتهم قدر قائلة بإمتعاض : لأ أحنا هنمشي عشان منتأخرش، وتابعت بصوتٍ عال قائلة
“يلا يارهف”
جاءت شقيقتها الصغيرة ركضاً من الداخل لتقول: وصال حبيبة قلبي عاملة ايه.

احتضنتها وصال قائلة: يابكاشة لما بكلم قدر مش بترضي تكلميني دلوقتي بقيت حبيبة قلبك.
رهف في أسف : لا هكلمك المرة الجاية، أنا هروح اقعد جمب الشباك من قدام.
أومأت وصال بإبتسامة: طب يلا يا قمري، وبدلت نظرها لقدر قائلة “وانتي ياقدر يلا”

صعدوا بالخلف و السيارة انطلقت بهم
تحدثت وصال بصوت منخفض إلي قدر قائلة: أول ما نوصل الجامعة أكيد هتحكيلي إيه اللي حصل.
أومأت قدر برأسها قائلة بضيق : تمام.
بعد قليل هبطت رهف من السيارة وتوجهت إلي مدرستها بعدما لوحت للفتيات بيدها ، ولم يمر الكثير أيضًا حتى هبطوا الفتيات ودلفوا إلي جامعتهم.

كانت نظرات الشباب تلاحق وصال وهم ينظرون إلي جسدها بسبب ضيق ملابسها، لاحظت هذا قدر ولم تتفوه بشيء.

لتقول وصال وهي تؤشر على باب الكافتيريا : قدر تعالي نروح الكافتيريا لسة فاضل نص ساعة وتبدأ المحاضرة وكمان هتحكيلي إيه اللي مدايقك.

قدر بأختصار: تمام.

توجهوا إلي كافتيريا الجامعة وجلسوا بمقابل بعضهم ووضعوا حقائبهم أمامهم أعلى الطاولة وتحدثت وصال بإنفعال:
-اكيد طبعاً سيد عمل حاجه صح.

غمغمت قدر بحنق : هحكيلك يا وصال بس الأول نحل مشكلتك.

وصال بإستغراب: مشكلتي، بس أنا معنديش مشاكل
نفت قدر قائلة : لا عندك، ومشكلتك أكبر من مشكلتي.
أمسكت قدر يد وصال قائلة: إن لم أرشدك وأحذرك فأنا لا أستحق ان أكون صديقة أحد، مش هقدر أشوف نظرات الشباب القذرة دي وهي بتبص على جسمك.
هزت وصال رأسها بتعجب : أنا بجد مش فاهمة!
أجابتها قدر في هدوء : الدنيا فانية ياغالية، وأصبح مو….ت الفجأة هو مرض العصر الذي ليس له دواء، ألا تخافي ربما تنامين فلا تستيقظين، وربما لا نعود للمنزل مرة أخرى، ربما ملك المو…..ت قريب منا بشدة ونحن بغفلة، لا أحد منا يعرف متى موعد رحيله فعلينا ان نكون مستعدين.

وصال بإبتسامة هادئة : فهمت انتي تقصدين لبسي الضيق صح.

قدر بإبتسامة : قال تعالى (يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا)«الأحزاب 59».
وقال تعالى: وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ «النور 31»

نكست وصال رأسها بخجل قائلة: فهمتك

قدر بإبتسامة: أرفعي راسك ياوصال إن لم يكن لديكِ صديقة ترشدك إلي الصواب فأنتي ما زالتِ تائهة وحيدة في هذه الحياة، فلا خير في ان لم أكن أنا تلك الصديقة.

وصال بإبتسامة وصدق: وأنا أوعدك أني هعمل بكلام ربنا ومن النهاردة هكون وصال تانية خالص
وأبتسمت قائلة بمحبة:
الحمدلله على نعمة أنك صديقتي
وتابعت بمزاح: بحبك لما تتكلمي فصحى كده.

أبتسمت قدر قائلة: مش عارفة بجد باجي فنص الكلام و اقلب كده بس بحب لغتنا جداً وبعتز بيها.

وصال في مودة: ودلوقتي نيجي لمشكلتك سيد ده عاملك حاجة.
أمتلأت أعين قدر بالدموع وهي تتذكر ماحدث معها في الصباح وهزت رأسها بنعم.

وصال بضيق: يابنتي حرام عليكي بقا قولتلك ميت مرة اشتكي عليه أو قولي لمامتك ليه ساكتة.
قدر بإنفعال: أقول لماما إيه بس، وحتى لو قولتلها تعرفي انه بيهددني ودايما يقولي لو جبتي سيرة لـ منى أنا هقـ,ــ,ـتلها وهعمل في رهف نفس اللي بعمله فيكي ياوصال أنا خايفة أفهمي.
وصال وهي تزفر في ضيق : أنتي اللي لازم تفهمي مش هيقدر يعمل حاجة أشتكي عليه في قسم الشرطة، وإلا اللي هيحصل أنه هيجي يوم وتلاقي نفسك ضعتي ياقدر، مش كل مرة هتفلتي من تحت أيده.
فرت دمعة من أعين قدر فهو أصبح كابوسها المخيف البيت الذي يعيش فيه الجميع بأمان أصبح سجنها وهي تريد الفرار منه.

أمسكت وصال بيد صديقتها قائلة: أوعدك أني مش هسيبك ياقدر وهفضل معاكي بس أنتي اللي لازم تاخدي الخطوة الأولي.

أزاحت قدر دموعها بيدها الأخرى، و افلتت يدها من يد وصال و أستقامت و اقفة وهي تحمل حقيبتها قائلة: يلا خلينا ندخل المحاضرة.

وقفت وصال هي الأخرى وقررت الصمت كي لا تزعج قدر.
سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم 🌼

*بمنزل قدر*
كان زوج والدتها يتحدث بالهاتف في غرفته
سيد: أسمعني كويس أنا عاوزك تلاقيلي شاري في أسرع وقت للهايبر والبيت
فرد الطرف الآخر : ولما أنت هتبيعهم هتعيش فين
سيد بغضب: وأنت مالك ياعمنا نفذ شغلك واستلم فلوسك وكل واحد يروح لحاله.

الجهة الأخرى: أهدى ياعم أنا بس بستفسر هتروح فين أنت ومراتك وعيالك مش قصدى يعني.
سيد بإبتسامة: لا، أنا ههرب أنا وحبيبتي، اما مراتي دي فمش فاضلها كتير على وش الدنيا أعمل أنت بس اللي قولتلك عليه، ومش عايز حد يحس أنت فاهم.

الجهة الأخرى: فاهم ياعم كام يوم كده وهتلاقي اللي يشتري متقلقش
سيد: تمام

واغلق المكالمة وفتح معرض الصور بهاتفه وجاء بصورة قدر وهو يقول: وأخيراً ياحبيبتي هنهرب وهتكوني ليا وبس.

الفصل الثاني
قدر ووصال
بقلم/ هدير ممدوح

إن تمكن مِنك الخوف وأصبحت أسيره، ستكون كـالعُبة يحركك الجميع كيفما يشاء.

أنتهت المحاضرات وكانوا بطريقهم للعودة إلى المنزل
كان كل مايدور في رأسها هو كيف ستخبر والدتها بذلك الشئ، هل ستصدقها، كيف للمرأة ان تصدق بأن زوجها من الممكن ان يفعل ذلك بفتاة أخرى، بالطبع ستثور وتغضب كثيراً ولكن بالتأكيد ستقف بجانب أبنتها عزمت على أخبار والدتها بكل ما حدث معها طيلة السنة الفائتة، أزدادت ضـ,ـربات قلبها هي خائفة كثيراً شعور غريب يغزو قلبها لا تعلم كيف تصفه.
أخرجتها وصال من شرودها الذي كاد يعصف بها وهي تقول:
-قدر أنا عارفة أنك بتفكري أزاي هتقولي لوالدتك، انا معاكي متقلقيش.

أومأت لها قدر بإبتسامة قائلة بتوتر : كل اللي مطمني أنِك معايا يا وصال.

في منزل أخر مظهره و أثاثه يدل على الثراء لممتلكيه كان ذلك الرجل على الأريكة واضعًا رأسه بين كفيه يستمع لزوجته التي كانت تجادله وكأنها والدته وهو مجبر على سماعها
وعلا صوتها وهي تتحدث في غضبٍ : أنت عاوز تفهمني ان فلوسك خسرتها كلها في المشروع اللي دخلته وكمان كنت مستلف مبلغ كبير من واحد وعشان تسدله الدين نقلت الأسهم اللي في الشِّركة ليه؟

تحدث الرجل بصوت متحشرج وهو مازال على وضعه : أفتكرت بكده إني هرتفع وهعلى أكتر، والراجل بعدها هددني لا روحي لا الأسهم لو فلوسه ما رجعتش !

فردت عليهِ بغضب وهي تشوح بكفها في عصبية: أنت فلست يا أيمن أحنا خلاص ضعنا بسببك، هنعمل إيه هنتصرف أزاي ؟

رفع المدعو أيمن رأسه قائلاً بتحذير : نجلاء أبعدي عن وشي دلوقتي مش عاوز أسمعلك صوت.

أجابته نجلاء بأقتضاب وأسلوب مستفز : لا وأنت دلوقتي بقالك صوت وبتتكلم، تقدر تقولي إيه اللي خلاك تعمل كده؟

أستقام هو واقفٍا وهتف فيها : عشان الطمع، طمعت أرتحتي كده، وبعدين أنتي اللي كنتي بتشجعيني على كده دول ناس ثقة أحمد أبن خالتي يعرفهم متقلقش حط فلوسك وأنت مرتاح وهتكسب، ولا نسيتي ياهانم.

زاغ بصرها وهي تحاول تبرير موقفها وقالت وهي تزدرد لُعابها : أيوة قولتلك شارك معاهم بس مش بكل فلوسك.

جلس أيمن بثقل مغمغمًا: أهو ده اللي حصل.
عم الصمت قليلاً ولم يلبثا إن صاحت نجلاء قائلة: وصال

رد عليها أيمن مضيقاً عنيه قائلاً بذهول: مالها وصال؟

جلست نجلاء بجانبه في تودد وقالت : الحل عند أختك وصال، خليها تنقلك الأسهم اللي ليها في الشركة ولما تزيد الأرباح بمجهودك تقدر ترد للراجل فلوسه ولأختك الأسهم بتاعتها.

نفي أيمن بجدية: وصال مش هتوافق أنتي عارفة أنها مستنية تخلص كلية وتستلم الشغل في شركة بابا ده حلمها مش هتقبل بكده أكيد.

تبسمت نجلاء بخبث وقالت : ومين قال ان أحنا هنقول لوصال أنت هتخليها توقع على الأوراق مين غير ما اتحس.

اتسعت عينا أيمن في دهشة مما قالت زوجته وسألها في صرامة: انتي عاوزاني أسرق أختي؟

أقتربت نجلاء منه في تمهل ووضعت يدها على كتفه وقالت بمودة: ياحبيبي أنت جهز الأوراق بس وسيب الباقي عليا وكلها سنة وكل حاجة ترجع زي ما كانت.

نزع أيمن يدها واستقام من مكانه قائلاً: لحد هنا وكفاية وصال أختي وأنا مستحيل أعمل فيها حاجة زي كده .

غادر المكان بعدما ألقي جملته تلك، و وقفت نجلاء وهي تشيعه بنظراتها في غيظ قائلة:
-وأنا مش هسيبك غير لما توافق يا أيمن.

سبحان الله وبحمده🌼سبحان الله العظيم

نزلت وصال وقدر من السيارة وهم ينظرون إلى ذلك الحشد الهائل من النسوة اللاتي تجمعن أمام منزل قدر أحدهن تضـ,ـرب كفٍ بكف وتحوقل، وأستمعوا إلى صوت واحدة أخرى تقول في حسرة:
– ربنا يصبر بناتك ياحبيبتي.
تراخت قدم قدر وهي تشعر بتخدر بهما وتقدمت بقلبٍ خائف مترقب ووصال بجانبها نظروا النسوة لها وقالت إحداهن : الله يصبرك يابنتي البقية في حياتك.

وقعت الجملة على سمعها كالصاعقة فَشلت حركتها ايُّ بقاء هذا، هل هي تحلم الآن ؟ ظلت واقفة مكانها لا تقو على الحراك تودُ تفسيرًا لما يحدث.

خرج سيد من الداخل وعلى حين غفلة عانقها بقوة وقال:
-خسرنا الحاجة الحلوة اللي في حياتنا ياقدر.

أزاحته وصال بكل قوة كي يفلت صديقتها الصامتة ونجحت في ذلك قائلة: أبعد عنها أنت مجنون.
وجه لها سيد نظرات حارقة وهو يتوعد لها بداخله .

فخرجت رهف راكضة من الداخل وهي تعانق أختها قائلة ببكاء: ماما ماتت يا وصال، ومش هنشوفها تاني زي بابا.

وقع الخبر كالصاعقة عليهم فأزاحت قدر يد شقيقتها ودلفت للداخل ركضًا وخلفها وصال
توجهت لغرفة والدتها، المستلقية على الفراش ملامحها باهتة خالية من الحياة تقدمت منها وأمسكت قدر بيدها تقبلها انزلتها برفق بجانبها لتنادي بأسمها وحاولت إيقاظها هزت كتفها ولكن بلا جدوى علا صوت بكاء رهف من خلفها واحتضنتها وصال تشبثت هي بها كالغريق، فصدر من قدر صرخة قوية تصم الاذان والدموع أخذت طريقها لوجنتيها كالشلال ، وقالت وهي تتمسك بيدها:
– قومي ياماما أرجوكي أنا ولا حاجه من غيرك، معقول هتسبيني خلاص هُنت عليكي قومي عشان خاطري أنا ورهف، قومي يا أمي نظرت خلفها عند أخر كلمة وتابعت وهي تنظر لوصال:
-أعملي حاجه ياوصال، أتصلي بالدكتور هي عايشة صح.

كانت بحاجة ولو لأملٍ كاذب، كم أشتهت المو….ت هي أيضا بتلك اللحظة مرارة الفقد تظل عالقة بالعقول ولا يمكن نسيانها أبداً .

أما عن وصال فالدمع من عينيها لا يتوقف كأن أحدهم قام بسكب نهر بداخلهم وهو الان لا يتوقف عن السريان،لا تعلم كيف تضمد جراح صديقتها هذه المرة فهذا الجرح لا يلتئم إلا بفراق الروح الجسد.

ولج سيد للداخل ملامحه خالية من الحزن صامد لا يأبه لشيء تقدم من قدر ووقف أمامها وهي جالسة على طرف الفراش متشبثة بيد والدتها وضع يده الاثنتان على كتفها يحاول ان يجذبها إليه ويعانقها بحجة المواساة.

فأزاحت وصال عنها رهف برفق وتقدمت منهم بغضب وهي تزيح يد سيد عن صديقتها التي تبدو بعالم أخر قائلة:
-قولتلك أبعد عنها يا قذر.

نظر سيد لها بغيظ وهو يصك على أسنانه قائلاً بتهديد : هيكون ليا حساب معاكي بعد ما أخلص من ده كله الأول.

حدجته بأشمئزاز لتقاطعهم أحد النسوة قائلة: أكرام الميت دفنه يا جماعة وأنت ياسيد روح خلص المطلوب وأنا هكلم المُغسلة.

نظر لها سيد قائلاً: ماشي يا ست محاسن، تقدم خطوتين للأمام حتى انه أقترب من وصال مال على أُذنها قائلاً:
-ألحقي أشبعي من صحبتك الكام يوم دول علشان هتوحشك الأيام الجاية.
ألقى تلك الكلمات المسمومة على مسامعها مغادرا الغرفة تاركاً وصال في صدمتها.

الفصل الثالث

ألم الفقد لا يشفى أبداً يظل هناك شرخ بالقلب لا يمكن شفاءه ولا يستطيع أحد رؤيته.

مر يومان دون أي أحداث جديدة واليوم هو الثالث تأتي الجيران وكل من سمع بخبر العزاء، تجلس قدر بينهن بملامح باهتة ومقلتين محمرتين من أثر الدموع، متشحة بالسوداء، تجلس على يمينها وصال التي لم تتركها طيلة هذه الأيام ومع آخر امرأة خرجت من المنزل احنت قدر رأسها على كتف وصال قائلة:
– الأيام دي تقيلة على قلبي أوي ياوصال
وراح دمعها يهوى في صمتٍ ثقيل على النفس، ثم أتبعت تقول:
-حاسة روحي بتنسحب مني بالبطيئ تلت أيام مرت وصوت أمي غايب حركتها واستقبالها لينا ضحكتها ومواقفنا الجميلة مابين يوم وليلة كل حاجة اتسرقت أحنا فعلاً مش بنعرف قيمة الحاجة دي غير لما تضيع من إيدنا.

أجابتها وصال وهي تضمها إليها، تؤزرها في محنتها العسيرة : مش هقولك أنسي.. لأنك مش هتقدري أهلي أتو…..فوا من سنين وقتها حسيت نفس الإحساس ده خسارتهم صعبة ووجع عمره ما بينتهي الكل بيشوفني سعيدة وبضحك بس محدش بيشوفني فنص الليل وانا ببكي كل يوم على خسارتهم.
ألقت عبارتها الأخيرة تلك وأجهشت بالبكـ,ـاء فأعـ,ـتدلت قدر بجلستها وعانقتها لعل يخف ألا؟؟؟؟؟لام الاثنان ونطقت بأيمان نابع من قلبها:
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، والله وحده قادر على ترميم هذا الأ؟؟؟لم.

قاطع عانقهم رنين هاتف وصال فأبتعدت عنها قدر قائلة:
-ردي يا وصال تلاقي أخوكي، أنا هطلع أشوف رهف.

قالت وصال برفق:
-متقلقيش على رهف هي نامت دلوقتي وأنتي خليكي.
أومأت قدر دون النطق ببنت شفة بينما ردت وصال على هاتفها قائلة:
-ألو يا أيمن
جاءها صوت شقيقها الحاد : وصال النهاردة اليوم التالت أظن كفاية كده أنتي عملتي الواجب وزيادة عاوزك النهاردة تكوني في البيت.

تحدثت وصال بصوت منخفض وهي تقف من مكانها مبتعدة عن صديقتها حتى لا تستمع لحديثها وقالت:
_ أيمن أنا مستحيل أسيب قدر ورهف غير أما أطمن عليهم عشان كده هفضل كام يوم تاني هنا.

أجابها أيمن في حنق مصحوب بالإمتعاض : يعني إيه كام يوم كمان، أنتي ناوية تفضلي هناك العمر كله.. أسمعي النهاردة تكوني في البيت.
أنهى أيمن المكالمة لتزفر وصال بغيظ من شقيقها، فكل ما يشغل بالها الآن هو حديث سيد
“الحقي أشبعي من صحبتك الكام يوم دول علشان هتوحشك الأيام الجاية”

لا تعلم ما المغزي مما قاله هي فقط خائفة أن يصيب صديقتها أي مكروه فكيف تتركها بمفردها بهذا المنزل.. ومع ذاك الرجل الذي لا ينوي خيرًا.

أحست بيد توضع على كتفها فأستدارت لتتفاجئ بقدر تهمس وهي تمسك بيدها واضعة إياها بين كفيها :
_وصال حبيبتي وأختي الغالية التي ولدت من رحم الحياة لتكن لي سند وملجأ، شكراً ليكي على وقفتك معايا،ودلوقتي أنتي لازم ترجعي بيتك.

ردت وصال بإبتسامة قائلة:
_ هو في بين الاخوات شكر ياقدر انا متأكدة لو الأدوار أتبدلت كنتي أنتي هتكوني بدالي، بخصوص رجوعي لأهلي لأ مش هرجع غير اما أطمن عليك…….
كادت ان تكمل كلمتها الأخيرة ليستمعوا لذلك الصوت المشمئز “سيد”:
-أنا بقول أن كفياكي كده يا حلوة شوفي طريقك بقا خلينا نعيش حياتنا.

هتفت وصال بتهديد:
_أوعى تفكر أننا ضُعاف أنا في ثواني من أتصال واحد مني أوديك في داهية.

تقدم سيد منها مبتسم بسخرية قائلاً في تهكم يثير الإشمئزاز: عال عال ياست وصال
أمسك ذراعها وثناه خلف ظهرها لتصرخ هي بألم فقال مزمجرًا :
_وداهية إيه بقا اللي هتوديني فيها؟ ها يا ست وصال عايز أعرف.

تحدثت قدر وهي تحاول إبعاده عن صديقتها هاتفة بغضب:
أبعد أيدك عنها أحسنلك وإلا قسماً بالله فوراً أروح على أقرب قسم وأبلغ عنك.

بدل سيد نظره إلى قدر تاركاً يد وصال وهو يقهقه بصوتٍ عال كأنما ألقى إليه احدهم نكتة قائلاً في سخرية: آنسة قدر بقا ليها صوت وتبدلت نبرة صوته متابعاً بشر:
– أحسنلك ترجعي القطة الهادية اللطيفة من تاني متنسيش أختك الجميلة اللي نايمة فوق، حطي عقلك في راسك

ولوح بسبابته أمام وجه وصال ومازال نظره معلقاً بقدر وهو يصيح: وأنتي عاوز أرجع ألاقيكي مشيتي.
تركهم وانصرف، لتلتفت وصال لقدر قائلة:
-قدر خلينا نروح نقدم بلاغ فيه وهما أكيد هيتصرفوا.

تراخى جسد قدر وأرتمت على أقرب أريكة منهم وقالت في إعياء: أنا تعبت يا وصال تعبت، دلوقتي المتحكم فيا هو الخوف وبس.

أقتربت وصال منها قائلة وهي تقف امامها:
_أنا معاكي وهوكل محامي كبير وهيتحبس

نظرت لها قدر قائلة بإحباط:
_ مش بالسهولة دي يا وصال انا مش معايا دليل يدينه حتى، هو هيكدب كل حاجه أنا هقولها مفيش حاجه هتحصل غير أني هتفضح وبس.

جثت وصال على ركبتيها أرضا وهمست بنبرة ودودة وهي تضم كف قدر بين راحتيها، علها تبث في قلبها الأمان، وتغير من رأيها :
_على الأقل نخوفه ويعمل حساب لأي حركة هيعملها.

أبتسمت قدر ساخرة، وقالت في مرارة :
_ أنا عارفة الشخص ده كويس هو عايزني ولو عملت زي كده هيأذي أقرب حد ليا.
وصال وهي تشد على يدها: أوعك تخلي الخوف يسيطر عليكِ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *