نوفيلا الظن بقلم دفنا عمر كااااملة

#الفصل_الثالث
———–

منذ احتد عليها بشكل غير مفهوم حين حاولت ارتداء ” القرط” هدية أخيه وهي تتعامل معه بحذر متجنبة تقلباته وتصبر عليها..ويلتهم نشاطها حالة من الإعياء تطغى عليها والأكثر غرابة “عوفها” عن المياة.. تتقيأ حرفيًا إن ابتلعتها.. لا تدري ما يحدث معها.

رنين جعلها تنهض تتبين الطارق لتجد والدة زوجها تطل بوجهها البشوش حاملة طبق مسطح: ازيك يا سيدرا، فينك يابنتي من كام يوم مش بشوفك ولا بتسألي عليا؟

دعت بترحيب: يا أهلا ياطنط خطوة عزيزة، اتفضلي حضرتك وهنتكلم.
جلست وهي تضع أمامها الصحن: عملت الكنافة بالقشطة اللي بتحبيها انتي وفيصل، وقلت اجيبلكم نصيبكم واطمن عليكم.

نظرت بشهية للطبق وقالت بروح مرحة استعادتها برؤية والدة زوجها: الله ياطنط الريحة تهبل، أنا هروح اعمل كوبايتين شاي نشربهم مع الكنافة وبعدين نتكلم براحتنا.

غابت دقائق ثم عادت بصينية فضية يعلوها كاسات الشاي الساخن..لتبادر سيدرا: والله ياطنط افتقدتك اوي.
_ طب وليه مش بتنزلي بقالك كام يوم؟ أنا قلت اسيبك براحتك ومتقلش عليكي، بس معرفش ليه قلبي اتوغوش عليكم مع إن فيصل بيعدي عليا كل يوم واما بسأل عنك بيقولي انك نايمة او بطبخي وتروقي ولما تفضي هتنزلي.. انتوا كويسين يا بتني؟

شخصت عينيها وهي تطالع خيوط الحلوى الذهبية ولا تعلم ماذا تقول؟ هل يعقل ان تخبرها ان فيصل يمنعها النزول دونه، وحين يأتي يتعلل انه يريد النوم او السهر معها حدهما؟
_ مفيش يا طنط اطمني، انا بس كنت بنفض الشقة وأخدت مني مجهود، وعلي مابخلص بيجي فيصل وافضل معاه شويه وفي الأخر ننام احنا الاتنين بدري ( ثم ادعت كذبا) بس كنا هننزل نسهر معاكم الخميس اللي هو بكرة.

ربتت عليها: تنورا يابنتي، المهم انكم بخير، وقت ماتحبوا تنزلوا البيت بيتكم..ثم تفحصتها بعين خبيرة بغتة: بس انتي شكلك تعبان كده ليه ياسيدرا؟
_ معرفش ياطنط انا فعلا تعبانة اوي، وبتحصلي حاجة اغرب كمان.
_ ايه هي؟
_ تصوري ياطنط مش طايقة اشرب مية؟ واذا شربتها فورا برجع اللي في معدتي.. بقالي يومين تحديدا علي الحال ده.

تعجبت من الابتسامة التي ارتسمت علي وجه حماتها وقالت: طنط بقولك تعبانة و…
_ قومي البسي هدومك وانزلي معايا.
_ نعم؟ أنزل فين ياطنط وليه؟
_ بطلي أسئلة ونفذي كلامي يا سيدرا.
_ طب اعرف فيصل.
_ لأ.. لما نرجع.
_ طب افهم بس.
_ يابنتي بلاش وجع قلب واخلصي، وانا هنزل البس عباية غير دي واستناكي على السلم.. بس اسمعي.. تنزلي بالراحة فاهمة؟؟
نظرت لها ببلاهة: والله مافاهمة حاجة ياطنط بس حاضر.

رمقت ظهرها وهي تبتعد لتغمغم لذاتها بخفوت: يارب نرجع مجبورين الخاطر..
………… .

_ حامل؟؟؟
تتسائلت بذهول وفرحة وخوف.. مشاعرها متضاربة وغريبة لتؤكد لها الطبيبة: أيوة يا مدام سيدرا.. ألف مبروك.

التفت لوالدة زوجها فوجدتها تبكي، ضمتها بقوة وهي تصيح: أنا حامل ياطنط.. أنا هجيب بيبي لفيصل.. أنا هبقى أم.. أنا مش مصدقة نفسي.

من وسط دموع الفرحة ضحكت ضحكة قصيرة وهي تهنئها: ألف مبروك يابنتي، شكلك الصبح وكلامك عن المية شككني والحمد لله ظني طلع صح.. أخيرا هكون تيتة.

عانقتها سيدرا مجددا وهي تضحك وتبكي بآنٍ واحد والطبيبة تتابع ما يحدث دون تأثر لمن اعتاد ذات المواقف.. ورحلت وكل منهما تخطط كيف سيعلم فيصل الخبر.
_______

_ يعني انا هكون عمو أديب رسمي؟
_ رسمي فهمي نظمي.
مزحت سيدرا ليرد مزحتها: لا أرجوكي ارحميني من خفة دمك الأيام دي أحسن الواد يورثها منك تبقي مصيبة.
_ شايفة ياطنط؟ عايز يعصبني عشان ابني يطلع عصبي بسببه.
حذرته بقولها: أديب، لم تعابينك وامشي ومتضايقش مرات اخوك.. وخلينا نفكر ازاي هنوصل الخبر لحبيب قلبي فيصل.
سيدرا بحماس: أنا نفسي يعرف بطريقة مميزة.
اديب: طيب هتكلم بجد.. تحبي تعرفيه انتي بطريقتك بينك وبينه ولا عايزة المفاجأة تبقي وسطينا؟

أجابته دون تردد: بالعكس، فرحتنا هتكمل معاكم.
_ خلاص نفكر انا وانتي وبكرة الخميس هنعمله مفاجأة جامدة.. ولو جاتلك افكار قوليها وانا كذلك هعرفك.
_ اتفقنا.

فوجئت بمن تجبرها لتجلس فوق الأريكة:
ارتاحي ماتقفيش كده، وانهاردة هتفضلي عندي لحد ما فيصل يجي وتتغدوا وتطلعوا، إياكي تعملي مجهود، أديكي سمعتي كلام الدكتورة.
خجلت من هذا الدلال وهي تعترض بحياء: لا يا طنط مايصحش، مش عشان حامل حضرتك تخدميني.. انا بخير والله وهاخد بالي علي نفسي متقلقيش.

منعتها ثانيا من النهوض: اسمعي الكلام يابنت.. وانا هكلم فيصل اعرفه انه هيتغدي هنا.
_______

اتصال والدته أخبره أن غدائهم اليوم لديها، توقع تصرف كهذا بعد منعه لزوجته من النزول.. تنهد بضيق وهو يعلم أن المنحني الذي تنجرف له أفكاره لا يحوى عقل أو منطق او حتى دليل يدمغها.. فقط ظنون لعينة وأوهام تكبله..تمتم بأذكار تستغيث بربه أن يُشفيه من هواجـ,ــ,ـسه المخيفة.. هو يثق بشقيقه.. وزوجته.. ونفسه قبلهما.. لما الخوف؟
استقوى بتلك الكلمات التي ترددت في عقله وتوجه لمنزل والدته وهو عازم ألا يعكر صفو الأمسية شيء.. أي شيء.
________

جلس فيصل بعد فراغهم من الغداء وجواره زوجته وفي المقابل يجلس أديب قُبالة ” سيدرا” تماما، بينما والدته تحضر مشروبا ما في مطبخها..لاحظ نظرات زوجته وشقيقه فرغما عنه بدا له الأمر مريب وكلا منهما يستقبل رسائل ما على هاتفه، يتبادلا بعدها نظرات مختلسة وابتسامات يُطمسها كليهما سريعا كأنهما يخافوا أن يراهما..هل يتحدثان سويًا عبر الواتس آب؟ ما الداعي لحديث خفي وهما معا الآن؟! أشتعلت الظنون التي لم تهدأ من الأساس برأسه لكنه نفضها مستغفرًا من فداحتها..( أهدأ يا فيصل لا تكن أحمق، هذه زوجتك التي تعرفها، وهذا شقيقك ربيب يديك) هكذا صار يحبط أفكاره السيئة ويحاول التركيز بأحداث الفيلم الدائر أمامه، لكن صوت الرسائل لم تنقطع تماما كأفكاره..والنظرات المختلسة مازالت متبادلة بينهما فتحرقه نيران الغيرة العمياء. وكم يخاف بطشها.

_ بتكلمي مين يا سيدرا؟

أخيرًا سألها ليقطع سيل الشك داخله، فارتبكت بضع ثواني قبل أن تقول: عادي مفيش حد.
_طب وريني التليفون كده اشوف حاجة.
_ هتشوف ايه يا فيصل ما انت معاك تليفونك هتعمل ايه بتليفوني؟

حاول أن يبدو هادئًا مع قوله: عادي هشوف حاجة.

رآها تغلق برنامج الواتس و الهاتف بأكمله.
_ بعدين عشان هشحنه أحسن خلاص هيفصل مني.

لم يغب عن عينه استغاثتها الطفيفة التي نبعت من حدقتيها لأديب، لتهتف بثبات مهتز أدركته عيناه:
_ هحطه في الشاحن واروح اشوف طنط بتعمل ايه.

” سيبك من تليفون مراتك وركز بقا في الفيلم يا فيصل ده أحداثه تحفة”

تدخل أديب بعبارته الأخيرة ليلهيه عن حصاره لزوجته جعله يرتاب أكثر وتشعب شكه داخله لحدٍ مرعب لم يبلغه من قبل، فالتفت عنها متظاهرا بالعدول عن فكرته، وبعد دقائق استأذن ليصعد شقته.
لينتظر كليهما مفاجأة لم تكن بحسبان الأخر.
____________

_ أفتحي تليفون عايز اشوف الواتس بتاعك.

هذا أول ما قاله بعد أن أوصد باب شقتهما عليهما لتتعجب طلبه وتجيبه: مالك يا فيصل ليه مصمم الليلة دي تشوف الواتس بتاعي؟ أظن دي حاجة خاصة مايصحش تشوفها وماتخصش غيري.

_ ليه هو الواتس في حاجة فيه هتخافي اشوفها؟

بدأت ترمقه بقلق ثم ادعت التثائب والرغبة في النوم: حبيبي هخاف من ايه، طب خليها الصبح عشان هموت وأنام.

اتسعت عيناها بذهول وهو يلتقط هاتفها بقوة وبدون مقدمات أمسك ذراعها بعنـ,ــ,ـف صارخا عليها: بقولك افتحي الزفت ده أو هاتي الباسورد عايز اشوف كنتي بتكلمي مين يا سيدرا.

دهشة حقيقية لجمتها وهي ترى ثورته عليها وأصابعه تنغرز بلحم ذراعها فآلمتها لتصرخ عليه: سبني يافيصل انت اتجننت في عقلك؟
_ أيوة اتجننت، ولو معملتيش اللي بقولة وفتحتي تليفونك هتشوفي مني وش عمرك ما شوفتيه.

استفزها صياحه وشكه الواضح بها، فتلبستها روح عناد أكثر حماقة والشيطان يتلاعب بخيوطهما بين يديه گ الدُمى وهي تصرخ: طب والله ما فاتحاه وريني هتعمل ايه يا فيصل.

هنا فقد بقايا تعقله وهو يندفع يلطمها لطمة قوية دفعتها لتصطدم بالأريكة خلفها، وصراخها الهادر وصل لسمع شقيقه بالطابق الأسفل..ف التهم الدرج إليهما و اشتعل كفه طرقا على الباب مع صياحه: فيصل بتعمل ايه في مراتك افتح الباب.

لم يبدو عليه انه يسمع شيئًا وهو يضربها بقوة فاقدا إدراكه بما يفعل ليجد ذراع أديب تدفعة بعيدا عنها لاهثًا ينظر لما فعله بها وهو يصيح:
ايه اللي عملته ده يا فيصل في حد يضرب مراته كده؟ وعشان ايه؟

_ عشان خاينة!

انفلت زمام الأمر وتلبسته روح شيطان رجيم كما كان يخاف طيلة الفترة الماضية.. كثيرا ما صنع خياله مشهدا مشابه وهو يشاهد خيانة زوجته مع أخيه..وها هي تضافرت خيوط الخيال مع الواقع..

توقفت عن البكاء وهي محدقة به في صدمة.
خائنة؟ من؟ هي؟
كيف ظنها هكذا؟
كيف يُلصق بها شيء مخزي گهذا؟

تلقى أديب نصيبه من الصدمة باستطراد فيصل له: وأنت كمان خاين.. بتخنون اخوك اللي رباك يا.. .

صفعة قاسية هبطت علي وجهه من كف والدته التي صعدت إليهم وسمعت اتهامه المشين في حق شقيقه الأصغر و زوجة أخيه.

_ بتشك في اخوك ومراتك يا مخبول؟
شكلك اتجننت يا فيصل.

ثم التقطت الهاتف أمرة زوجته بفتحه، وبلحظات كان فيصل يقرأ المحادثة التي كانت بين أديب وسيدرا.. كانوا بالفعل يتحدثون سويا لكن فحوى حديثهما هو ما أورثه صدمه وجعل الغضب يتخلل وجهه وهو يتبين حقيقة الأمر.. سيدرا حامل ويبدو أنها علمت بهذا الخبر اليوم فقط، فكانت تخطط مع أخيه كيف سينظمان له مفاجأة مميزة في الغد ليعلم بقدوم طفله بعد أشهر.

صراخ والدته أجفله وهو يرى سيدرا تسقط أرضًا مغشيًا عليها..هرول يحملها وأرقدها فوق فراشها وبلمح البصر هبط ليحضر طبيبا بينما اختفى أديب من أمامه دون قول كلمة واحدة
___________

#نوفيلا_الظن
بقلم دفنا عمر

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *