مذكرات حائر بقلم هالة الشاعر ج٤

دخلت امل الي الغرفة وهي لا تشعر بساقيها , لما يحدث معها هذا ؟ لما انطفأ شعاع النور الذي يضيء حياتها بغير رجعه لما ؟….
لم يعد عقلها يستطيع فهم أي شيء , دخلت الي الغرفة وهي غير واعية لما يحدث وتسألت اين هي ؟ …. , اخذت تنظر للغرفة بغرابه شديدة وتتأمل الاشياء بوهن وهي تأخذ نفسها بصعوبة بالغه , ازدادت شهقاتها للغاية كانت الدموع متحجرة بعينها تأبي النزول , يبدوا ان دموعها قررت الاحتفاظ بكرامتها هنيئا لها بدلا من كرامتي الملقاة علي الارض .
اخذ الهواء ينفذ من رئتيها شيء فشيء تهاوت علي الارض وتوسط فستانها الغرفة بدأت شهقات بكاؤها في الظهور ” ليه , ليه انا ….” لم يعد هناك هواء مطلقا برئتيها امسكت برقبتها ولم تعد تستطع الصمود فسقطت وسط الغرفة بفستان زفافها والحسرة التي ملئت قلبها لم تمر علي عروس من قبل …… .
*** **** ****
اما ايه فقد فتحت عيناها وهي متألمة للغاية وجدت نفسها في غرفة غريبة وهي تقريبا ملقاة علي الارض نائمة علي بطنها وخدها الايسر علي السجادة دعت ربها سرا ” يا رب يكون كابوس ” والامل دب في اوصالها , جلست بصعوبة ولكن الامل انطفأ سريعا عندما نظرت الي الفستان الملقي علي الارض , اذا كل شيء حقيقي وحدث بالفعل شعرت بألم شديد في خدها الايسر وظهرها من هذه الليلة الغريبة التي مرت بها نظرت الي وجهها في المرآه ووجدت ان السجادة قد طبعت علامة حمراء كبيرة علي خدها , اخذت تحرك خدها كي تشعر بتحسن لكن هيهات أزاحت الطرحة وخرجت تبحث عن شيء بارد تضعه علي خدها عله يتحسن , ولم تتذكر وجود محمد الا عندما راته يجلس علي الارض امام الباب ويبدوا ان النوم جفاه وهو جالس هكذا ” ايه ! ” استيقظ وهو يتمتم باسمها , نظرت له بقرف وخطت من فوق قدمة الممددة وذهبت لتجد شيء بارد في الثلاجة تضعه علي خدها ” ايه مالك ؟ ايه اللي حصل ؟ انتي كويسه ! ” كان يسال بلهفه شديدة وحاول لمس وجنتها المحمرة وكانت عيناها وشفتاها محمرين ايضا من كثرة البكاء ” اياك تنجسني بأيدك انت فاهم ” نهرته بشدة ووجدت زجاجه عصير بارد وضعتها علي وجنتها وذهبت من امامه ” طب ايه اللي جرالك ؟ ايه اللي في وشك دة ! ” نظرت له شزرا ولم ترد علية ودخلت الي غرفتها ولم تغلق الباب فذهب وراءها واذا بها تركل حقيبته فاصطدمت بقدمة وتأوه وصفقت هي الباب بوجهه .
رجع محمد مرة اخري الي مكانة يجلس امام الباب ويمد ساقيه بآسي امامه , وتذكر ما حدث البارحة عندما قالت اية ما قالته , لما لم يدافع عن نفسه امامها ؟ لما لم يجبرها علي سماعه ؟ انه يعلم انه بريء وانه استقام ولا ينوي العودة ابدا الي ما كان عليه في يوم من الايام لكنة شعر بالخزي من مرارة ايه منه ومن أفعاله الشائنة .
فتح النافذة بهدوء واخذ ينظر الي القمر وظل هكذا يجيء ويذهب علي غرفه ايه عله يسمع شيء , سمع صوت بكاؤها ونحيبها كان يقطع في قلبه بسكين بارد ولكنه لا يستطيع فعل شيء , انه يشعر بذنب رهيب يثقل كاهله جلس امام غرفتها وتساقطت دموعه بآسي ” يا رب , ياااا رب ” كان يناجي ربه بحرقة ممزوجة بالدموع ” انا توبت ليك وانت اللي عالم بحالي وباللي في قلبي , الناس مش عاوزة تصدق مش مشكله المهم انا قلبي فيه إيه , انا افتكرت اني خلاص تبت وان الماضي أتنسى وراح لحاله , بس الظاهر كده اني نسيت حاجه مهمه اوي انك عزيز جبار وبتنتقم من كل ظالم وانا ظلمت كتير وجه دوري عشان اخلص اللي عليا الحمد لله اني بتعاقب في الدنيا بدل الاخرة , بس حكمتك ومشيئتك اختارات اعز حاجه عليا في الدنيا كلها , جه الوقت الي ادوق فيه اللي عملته في بنات الناس وسبتهم يبكوا ورايا ويعيطوا بحرقه ومهمنيش , جه وقتي عشان ادفع تمن كل دمعه نزلت من كل وحدة ظلمتها وضحكت عليها , دلوقتي بس عرفت طعم الدموع والمرارة اللي كانت علي وش كل واحدة فيهم وانا سبتها بكل ندالة ومشيت جه دوري اشرب من نفس الكاس اللي يا ما شربت منه غيري وانا بلعب وبهذر ” .
رفع راسه وسندها بآسي علي الحائط وراءه وأردف ” افتكرت ان الدنيا خلاص بقت ليا وهي معايا وف حضني واسمها مراتي علي اسمي , لكن بحكمتك خلتني افوق واعرف ان مفيش حاجه دايمه ابدا عمري ما كنت قريب وبعيد في نفس الوقت من النهاردة , صحيح مقفول علينا باب واحد بس بنا وبين بعض جبال وبلاد ” .
وضم ساقيه الي حضنه وبكي بحرقة اكبر وهو يهمس ” انا راضي يا رب خلص مني اللي عملته في بنات الناس بدل ما اتعذب بيه في الاخرة انا راضي بحكمتك وقضائك علي كل حال ” . ظل يبكي هكذا والمرارة والندم علي أفعاله السابقة تقطر منه وظل يستغفر الله الي ان حان وقت صلاة الفجر , صلي الفجر ورجع امام غرفتها علها تحتاج الي شيء ما الي ان غفي , بعد ان اتعبه البكاء ونواح الضمير امام الغرفة …… .
*** *** ***
_استيقظت فجاءه وكان النور يملئ الغرفة ليعلن عن مجيء الصباح وجدته يجلس علي كرسي قبالتها وهو يضع راسه بين كفيه وينظر الي الاسفل , نظرت الي نفسها فوجدت انه لا يوجد عليها الكثير من الملابس ونظرت نحو الفستان الملقي علي الارض , نظرت برعب نحوه ” ايه اللي حصل ؟ ” ورفعت الغطاء بشده عليها ,” امل كويس انك فوقتي ” قالها بلهفه معذبه , نظرت له برعب وتجمدت الدموع بعينيها وهي تنظر للفستان الملقي علي الارض ” اصل لقيتك مغمي عليكي ومش قادرة تتنفسي فقلعتك الفستان والطرحة عشان تعرفي تتنفسي كويس ” كان يتكلم بارتباك شديد ” امل . انا اسف …. ” ” انت ازاي تعمل كده ؟ ” صاحت به بشدة , ” امل … ” ” اطلع برة ” كانت صرختها معذبة , خرج وهو مطرق الراس واغلق الباب بهدوء فهو لا يلومها علي أي شيء وما ان خرج حتي اسند راسه الي الحائط وقال بهمس ” منك لله يا صافي ” .
تذكر ما حدث معه بالأمس , لقد ذهب الي الحمام من اجل غسل وجهه بالماء كي يشيح بشبح صافي الماثل امامه كل لحظه , ولكن ذلك الشبح جاء الي امام حمام الرجال ونظر لي والشوق يملئ عينيه وتكلم برقته المعهودة التي كانت ولازالت تذيبه عشقا لها , كانت ترتدي فستان زيتي ضيق يصل الي الركبة ومعها حقيبة يد صغيرها للغاية بالكاد تسع لهاتفها وترتدي الكعب العالي وجسدها الممشوق يتهادى امامي بكل دلال وعتب لطالما عشقت اناقتها .
اقتربت ووقفت الي قبالته مباشرة ظل ينظر اليها بدهشه , ولم يصدق انه من الممكن ان تكون هي وحدث نفسه بسخرية عندما استطاع ان يشعر بأنفاسها علي وجهه ” شبح 3D ” , انه العطر الذي يعشقه ورائحة انفاسها الحلوة التي لطالما ذاب بها , وضعت اصبعها علي شفتيه وتحدثت برقه ” خلاص دي اخر مرة ممكن ابوسك فيها ” وطبعت علي شفتيه قبله رقيقة , كان لايزال مدهوش اذا فهي حقيقة ! ، صحيح انه لم يحرك شفتيه الا انه يقسم بأن تلك القبلة حركت كل ذرة وشعرة ونبض وعرق بجسده , ونظرت نحوه نظرة معذبه وتركته في حيرته وضياعه .
انها هي التي لمحها عندما دلف مع امل واخوته , ولا يمكن ان يكون ما يشعر به الان من وحي خياله , انها هي زوجته السابقة التي لطالما عشقها واحبها ولكن لما اليوم ؟ بالكاد سحب نفسه من خيالته وذهب للعروس المخدوعة … .
كان حسام يشعر بذنب رهيب نحو امل فهذه ليست اول خيبه امل لها وهو يعلم تمام العلم كم تحبه وتعشقه , لذلك قرر الزواج بها , قرر الزواج بمن لن تجرحه , بمن لن تذيقه الويلات , بمن تريد انجاب الأولاد وتربيتهم وتسهر علي رعاية عائلتها .
وتذكر عندما تحدث مع عبد الرحمن لأول مرة بالأمر ” امل !! , انت بتقول ايه ؟ احنا اخوات يا بني ” كان مصدوم من مجرد الفكرة , ” حسام انت لو لفيت الدنيا كلها مش هتلاقي واحدة تحبك زيها , انا بتهيألي انها بتحبك من اول يوم شافتك فيه , من واحنا عند عم جرجس لما شافتك وسلمت عليك لقيت نظرتها غريبة , ويوم العيد لما عرفت انك مش معانا لو شوفت النور اطفي من وشها ازاي , ولما انت جيت ضحكت وكأن الدنيا كلها بين ايديها , يوميها عرفت هي كانت بتبصلك كده ليه واحنا عند عم جرجس , لا وكمان لما انقذتها من جوزها الاولاني زمنها عملاك بطل الابطال , امل بنت ناس وهتشيلك في عنيها وانت عارف ان نفسها في الاطفال زيك بالظبط ومش هتلاقي احسن منها ام لولادك , وكمان محمد اخوك اتفضح بحبه ل ايه خلاص يعني التلات بنات هيبقوا سلافات ” وابتسم بسخرية ” وهتريح دماغك من الغيرة والمشاكل , وعلي فكرة دة راي بابا وماما مش راي انا لوحدي , فكر كويس قدامك لحد الاسبوع الجاي عشان تتطلبها مع محمد وهو بيطلب ايه , وكمان ينوبك ثواب في عم شاكر الراجل الطيب من ساعة ما تعب وهو مورهوش غير هسيب البنات لمين ؟ ” .
وبعد كل ما سبق ذهب وهو مسلوب الارادة وطلبها مع محمد وكي يتأكد عبد الرحمن من عدم رجوعه في رايه اقترح عقد قران وليس خطبة فقط كي يتحمل حسام المسؤولية .
حدث نفسه بآسي ” اديني اتحملت المسؤولية يا عبد الرحمن , بس قلبي خني وراح للوجعني والمسكينة اللي جوا دي هي اللي هتدفع التمن ” .
وفي غرفة امل التي ضمت ساقيها الي حضنها وهي تبكي بحرقة علي حالها ” لسه بيحبها ! طب اتجوزني ليه ؟ انا عملت ايه في نفسي , الحب عماني ومشوفتش هو بيحبني ولا لاء , دلوقتي بس قدرت افهم ابتسامته المهذبة اللي علي طول بيبتسمها ليا ” وتذكرت وهي تنظر بآسي نحو فستانها الملقي علي الارض , لقد كانت هي وايه مع محمد وحسام يشترون فساتين الزفاف ودب شجار في المحل بين ايه ومحمد لأنها ارادت فستان غير محجب واقرت بانها سوف تترك شعرها وانها عروس وهذه ليلتها الكبرى وتريد ان تظهر بالمظهر التي تتمناه هي .
وعندما اخبرت البائع بأنني اريد طرحه اخري لأنني سوف ارتدي الحجاب ” لو عاوزة تسيبي شعرك انا معنديش مانع ” نظرت له هي بسرعه ” لاء انا عاوزة ابقي محجبة ” هز كتفيه بلامبالاه ” علي راحتك ” , استغربت كثيرا منه ” لما لا يغار علي مثل محمد الذي يغار بشده علي ايه ” ثم اوهمت نفسها بانه يحبها ويريد ان يجعلها سعيدة بليلتها الكبرى .
واثناء الحجز بمركز التجميل حذر محمد ايه الف مرة من وضع احمر شفاه ملفت للانتباه وتشاجروا مره اخري , اما حسام فلم يدلي بأي ملاحظه , ولم يخبرها بأي طلب معين وهي ارجعت ذلك بسذاجتها الي انه يثق بها وبذوقها وها هي الان تكتشف كل شيء , انه لا يهتم البتة بها وعقله مع زوجته الاولي .
كيف ذلك؟! وهي تكاد تنسي ملامح ” الحيوان الانوي ” وتمحيها بممحاة من ذاكرتها كلها , لما تزوجها؟ وما هذه الورطة التي اوقعت نفسها بها بسبب غبائها !!! .

” صباح الخير يا عروسة ” ” صباح النور يا سارا ” , ” عامله ايه يا قلبي مال صوتك ؟ ” ” ابدا … أصلي كنت نايمة ” ” اه نايمه قولتيلي ” وابتسمت سارا بخبث ” بس ده مش صوتك وانتي نايمة ” ” وبعدين معاكي يا سارا بطلي بقي ” ” طيب طيب يا ست يويو ماما بتسلم عليكي كتير , ها قوليلي بقي الجواز حلو ! ” كانت سارا تضحك بخبس ” والله يا سارا انتي رايقة وفايقه سلام ” نظرت سارا الي الهاتف الذي اغلق لتوه بوجهها وهي رافعه حاجبها ومستنكرة .
هاتفت امل هي الأخرى ” صبحيه مباركه يا عرورة , هههه عامله ايه يا قلبي ؟ ازيك وازي حسام ؟ ” ” الحمد لله ” ” مال صوتك ؟ ” ” ابدا .. اصل لسه صاحية ” ” ااااه طب روحي نامي يا عروره , سلمي علي حسام ” ” ان شاء الله ” , اغلقت سارا الهاتف وهي حائرة وتضع اصبعها بين اسنانها وتفكر ” لا دي صوتها وهي نايمه ولا دي صوتها بردو وهي نايمه ؟!! ” ” متشغليش بالك ب امل , بس لو منك اسال علي ايه كل شويا الواد محمد ده نمس ممكن يخطفها في الجبل ” ” التفتت سارا الي جوارها ” انت صاحي يا قرد ! ” , ” اها وسمعت كل حاجه ” ” هههه ماشي اصبر بقي لما اكلم ماما ” كان احمد نائم ويتوسد ذراعه بكسل نهض سريعا وتحسس طريقه وخطف منها الهاتف ” مش كفايه تليفونات بقي , اقفليه احنا من انهارده في شهر عسل ” , ضحكت سارا ” يا سلام وده من امتي بقي ؟ ” ” من دلوقتي يا ست سارا ” وجذبها اليه اسفل الغطاء وسارا تعانده بمرح , رن هاتف المنزل وجاء صوت سارا مكتوم من اسفل الغطاء ” احمد رد ” ” مش رادد ! ” ازاحت الغطاء وفتحت الهاتف ووضعته علي اذنه كي يضطر الي الرد ” ايوة !! ” ” تعالي افطر معانا انت وسارا بابا وماما مضايقين عشان حسام ومحمد سابوا البيت مرة واحده ” رد أحمد بسخط ” والله انا اللي هضايقكو كلكو الوقتي ! , انا واخد شهر عسل مع مراتي محدش يتصل هنا تاني وقول ل امك وابوك كده ” ثم سمعوا معاتبه سارا لأحمد وهي تضحك ” سلام يا عُبد عارف انك سامعني يا عم الحج انت والحجه اللي معاك , بس مش فاضي والله سلام ” احمر وجه عبد الرحمن من الحنق بينما ضحك السيد شهاب والسيدة نور ” ابنك ده مش هيجبها لبر ؟! ” .

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *