حتى ارى بسمة تمردك
الحلقة “1” :
كان الحمام معبأ بالبخار المائي عندما خطت “داليا” بقدمها في الوسط تجاه المرآة التي أخذت مكانا صغيرا لا بأس به بقاعة الحمام البسيط ..
وقفت “داليا” أمام المرآة تنظر إلي نفسها و تتأمل تفاصيلها ، فكرت لم تعط مظهرها الخارجي أي إهتمام من قبل قط !
و لكنها فاجأت نفسها اليوم و في تلك اللحظة بالأخص و راحت تدرس بدقة تقاطيع وجهها و جسدها البض المائل إلي الأحمرار و الذي تناثرت عليه قطرات الماء أثر إستحمامها ..
مدت يدها إلي وجه المرآة و نزحت ذلك التشويب البخاري الذي كان يحجب عنها رؤية نفسها بوضوح ، ثم حدقت بوجهها جيدا ، كان لون بشرتها عسليا و لون عينيها الواسعتين يتموج وفقا لمزاجها فمن الأخضر يوما إلي لون ضبابي كلون الدخان يوما أخر ، تملك عيناها قوة ساحرة تجهل”داليا” وجودها حتي الأن ، و كان شعرها كستنائيا طويلا حريريا و كثيفا عقصته”داليا”في تلك اللحظة إلي الوراء بعيدا عن جانبي وجهها كي تتمعن ملامحها أكثر ..
وجدت أن مظهرها برئ يدل علي الضعف فتسرب القلق إلي قلبها ، عليها أن تقوم بإنقاذ الموقف فإن لم تتصرف سريعا ستخسر كل شيء لأن تلك الوظيفة التي سوف تتقدم لها غدا تعني لها و لعائلتها الصغيرة كل شيء و لو خسرتها ستتحطم آمالهم ..
تناولت”داليا”منشفتها الكبيرة و لفت بها جسدها ثم هرعت سريعا إلي غرفتها .. وقفت “داليا”أمام خزانتها تتأمل محتوياتها و ملابسها في عدم رضا ، شعرت بإنها تحتاج لشراء ملابس اذا تم قبولها في تلك الوظيفة .. ذكرت نفسها أن مدخراتها القليلة التي وضعتها جانبا لمصروفات المنزل و علاج والدتها التي أصابها الشلل الرباعي و أيضا مصروفات شقيقتها التي إلتحقت منذ عامين إلي كلية الطب ..
وجدت أنه لا يجب أن تهدر تلك المدخرات البسيطة علي شراء الملابس .. لذا أقفلت خزانتها بيأس و إستسلام ثم جلست علي فراشها متخاذلة
سمعت في تلك اللحظة طرقات علي باب غرفتها فأذنت بالدخول قائلة:
-ادخلي يا ياسمين.
دلفت الشقيقة الشابة بمرح إلي غرفة”داليا”وقد علت وجهها إبتسامة خفيفة فيما تطلعت إليها”داليا”بتساؤل قائلة حينما شاهدت دفاتر الدراسة بكلتا يديها:
-إيه ده ! .. انتي لسا جاية دلوقتي ؟ اتأخرتي كده ليه أنا كنت بحسبك وصلتي من بدري.
-أه أه يا أختي لو تعرفي إللي حصلي انهاردة يا دودو.
قالت”ياسمين”ذلك و هي تنزع معطفها الأحمر الصغير المصنوع من الجلد و تلقيه تعبة علي فراش أختها بينما سألتها”داليا”بقلق:
-إيه حصلك إيه ؟ اتكلمي قوليلي في إيه حد عملك حاجة ؟؟
قهقهت”ياسمين”بمرح و هي تلهو بسلسلة مفاتيحها قائلة:
-ماتقلقيش كده يا دودو اطمني محدش عملي حاجة و محدش يقدر يعملي حاجة اساسا.
-اومال إيه اللي حصل طيب و اتأخرتي ليه ؟؟
قالت”داليا”بنفاذ صبر بينما فسرت”ياسمين”:
-ما أنا هقولك بس اهدي انتي الاول.
-طيب هديت .. اتكلمي بقي !
تنهدت”ياسمين”ثم عادت تقص عليها الأتي:
بعد إنتهاء محاضراتها الجامعية ذهبت برفقة صديقاتها إلي وسط ساحة الحرم الجامعي ، و ما أن خطت برقة أمام تلك السيارة الفارهة التي إستند إليها شاب ذو وجه شرقي جذاب و عينان بنيتان حجبتهما تلك النظارة الشمسية الأنيقة حتي جذبت إنتباهه ليس لجمالها ، فهي ليست صاخبة أجمل إطلالة بالجامعة و لكن كان تجاهلها سبب إهتمامه بها ، فنظرة”ياسمين”إليه كانت تختلف عن بقية الفتيات اللواتي ما أن يتجمعن حوله حتي يتملقونه و يمتدحونه من جميع الجهات و كأنه نجم مشهور ..
-حاسس ان القمر نزل من السما في عز الضهر و عدا من جانبي دلوقتي.
لم ترد”ياسمين”علي إطرأه و لا علي إبتسامته الجذابة الدافئة بالمثل بل وجهت إليه نظرة عادية لا بل باردة ..
لأنه يعرف من ملابسها و هيئتها أنها فتاة بسيطة من الطبقة الوسطي و ربما أعتقد إنه قادر علي إستمالتها بسهولة ، كان يتأملها بتفحص بالغ مع إنها كانت تمثل البساطة بعينيها فيما لو قيست بالفتيات الأخريات ..
عند أخر نظرة وجهتها إليه أبتسم لها رافعا حاجبه بطريقة توحي بإنه لم يلق طوال حياته مقاومة من أي فتاة و لذلك أسرع إلي القول بوقاحة هذة المرة و هو ينظر أسفل قدمها:
-ما هو انا معذور بردو يا قمر انتي .. مستحيل اشوف الجمال ده كله و اسكت.
تجاهلته للمرة الثانية فعاد يقول:
-يا عيني يا عيني .. علي الخلخال إللي بيرن بين رجلك ياريتني كنت مكانه.
عندها فقط إلتفتت إليه و قالت بحدة و قد إرتفع صوتها بقدر جذب إنتباه الحاضريين و البعديين:
-طب خد بالك بقي يا حلو و فتح .. في نفس الرجل دي تحت الخلخال في جذمة تقوم بالواجب معاك.
إتسعت حدقتاه بذهول فقال:
-انتي ! .. الكلام ده ليا ؟!
-و مين غيرك هنا سافل و مش متربي ؟؟
-عمر !
قالتها فتاة جاءت لتوها ما أن لاحظت ذلك النزاع ثم تابعت:
-تاني ؟ انت مش هتبطل تصرفاتك دي اللي بتجبلك الاهانات كل شوية ايه مش هتتغير ابدا ؟!
رمقتها”ياسمين”بإزدراء .. كانت أنيقة في كل شيء و لكن ملابسها … !
بينما هتف الشاب بإنفعال حازم:
-يارا ! .. اسكتي انتي خالص.
-لأ.
صرخت الفتاة ثم تابعت:
-لأ مش هسكت المشهد ده تقريبا بيتكرر كل يوم و انت مابتحسش و لا بيهمك مشاعري.
ثم توجهت بالحديث إلي”ياسمين”فقالت ببحدةو انتي يا حلوة ياللي فرحانة بصوتك العالي .. خلاص خلصنا كفاية دراما.
ثم أكملت بنظرة إعتلاء ساخرة:
-هو اكيد مش مركز في حاجة انهاردة عشان يبصلك و يغازلك انتي .. ده غير انه دايما بيلازمني انا و بيرمي الباقيين اللي زيك .. خليكي متاكدة انه ماكنش يقصد و خليكي متاكدة بردو اني مش ممكن اسمحله يقصد .. انا مابحبش حد ياخد مني حاجة.
و قبل أن ترد”ياسمين”لتلك الشعثاء الصاع صاعين قبض الشاب علي معصمها و قال بصوت أجش:
-حاجة ايه يا بت هو انا كيس شيبسي ؟ .. و بعدين قلتلك اخرسي انتي.
و قبل أن يتوجه بحرف أخر لـ “ياسمين” تجمع رجال الأمن و بعض الشباب من حوله ..
حدث شد و جذب بينه و ببنهم حتي تطور الأمر بهم فتحولت ساحة الحرم الجامعي إلي ميدان من العراك … !
-يا نهار اسود ! .. و الولد ده حصله ايه ؟!
هتفت”داليا”بذعر متسائلة بينما جلجلت ضحكة شقيقتها بمرح فقالت:
-بيقولوا كان مبتسم و هما بيغسلوه ههههههه و انا مالي يا ستي بيهم انا سيبتهم يعجنوا في بعض بس بما انه كان لوحده ممكن اقولك انهم سكعوه علقة محترمة يستاهل بني ادم حيوان ههههه.
-بتهزري حضرتك ؟! .. بتهزري و انتي اساسا اللي غلطانة .. لابسة خلخال يا ياسمين ؟!
-و ماله يا داليا عادي دي موضة.
-موضة ! .. اولا احنا ناس علي اد حالنا عمرنا ما مشينا علي الموضة اللي بتتكلمي عليها دي لان ظروفنا ماتسمحش ثانيا حتي لو كانت ظروفنا تسمح فأخلاقنا عمرها ما كانت هتسمح .. اوكيه تمام انتي جربتي و شفتي النتيجة حصلت خناقة انهاردة في الجامعة بسببك .. لو كنتي محترمة ماكنش حصل اللي حصل ده يا ياسمين.
هتفت”داليا”أخر كلماتها بإنفعال حانق فإمتصت”ياسمين”حنقها عندما قالت بلطف:
-طيب يا داليا .. انا اسفة يا ستي و الله انتي عندك حق و انا غلطانة بس احيانا الانسان بيتغلب عليه فضوله و يجرب حاجات مش معتادة.
-و جربتي ؟ .. ادي نتيجة تجربتك.
-يووه .. خلاص بقي يا دودو قلت اسفة.
أجبرتها شقيقتها علي الإبتسام عندما نظرت إليها بإستكانة و ضعف مصطنع فقالت:
-طيب .. خلاص .. يلا روحي غيري هدومك و شوفي ماما و اديها الدوا علي ما احضر الغدا.
-ماشي يا عسل انت .. بس اه قوليلي صحيح .. عملتي ايه في موضوع الوظيفة اياها ؟؟
-اهو .. عندي بكرة انترفيو ادعيلي بقي.
-ان شاء الله ربنا هيوفقك يا دودو.
ثم ربتت علي كتفها و غادرت الغرفة .. فتنهدت”داليا”بضيق و ألقت بنفسها علي الفراش ، شعرت برغبة قوية في البكاء ، منذ وفاة والدها و هي تكد و تتعب من أجل إعالة أسرتها الصغيرة .. و قد أثقل الحمل كاهلها و أتعبها ..
ثم فجأة لم تستطع أن تري شيئا ، إذ غمرت الدموع عينيها فأغمضتهما بشدة لتتخلص من دموعها لكن الدموع جرت علي خديها سريعة غزيرة و حارة … !
*****************************************************************************
كان ظهرا حارا تحت سماء إحدي المدن الأوروبية عندما دلف”عز الدين”إلي الغرفة التي حجزها بأحد الفنادق لإقامة حفل إفتتاح إحدي فروع مجموعة شركاته ..
أسرع”عز الدين”إلي غرفته ثم دلف إلي الحمام مباشرة بعدما خلع سترته و فك ربطة عنقه و الأزرار الثلاث العليا من قميصه بحيث بدا صدره القوي الصلب النامي العضلات ، ثم فتح صنبور المياه أخذا بكفه بعض القطرات الساخنة و مسح بها علي وجهه و شعره .. ثم فجأة سمع صوت رنين هاتفهه يتعالي بنغمته الصاخبة ، تجاهله للحظات إلي أن ينتهي حتي إنقطع تماما فعاد إلي الغرفة لامع البشرة و لا يزال شعره مبللا ..
وضع المنشفة علي ظهر الكرسي ثم شرع بلبس ساعة يده ثم إتجه نحو هاتفهه ليجد شقيقه يعاود الإتصال مرة أخري فأجاب بصوت حازم قوي:
-اهلا يا باشا .. اخيرا حنيت علينا !
ثم سأله بصوت أجش:
-كنت فين يا عمر ؟؟
فأجاب شقيقه ببرود و ضجر:
-ايه يا عز مالك ؟.. ما تهدي عليا كده في ايه ؟؟
-و الله ! .. مش عارف في ايه يا استاذ ؟.. بكلمك بقالي يومين و حضرتك يا إما قافل موبايلك أو مابتردش .. و الهانم اختك فين هي كمان ؟ بقي دي تعليماتي اللي قلت عليها تتنفذ في غيابي ؟ يعني لما احب اطمن علي سيادتكوا اتصرف ازاي مثلا ؟ .. ما ترد ياخويا ساكت ليه ؟؟
-يوووه يا عز و انا مالي انا يا اخي متعصب عليا انا ليه ؟ ماتكلمها هي و تطمن عليها ماتركزش معايا انا بقي مابقتش طفل يعني.
-تصدق انك بني ادم عديم الفايدة و المسؤولية .. و رحمة ابوك لما ارجعلك .. هظبتك يا عمر.
-ايه هظبتك دي شايفني اريال و بعد …
و قبل أن ينبس بحرف أخر أغلق الخط بوجهه و هو يسب و يلعن و يتوعد له فيما كان يبحث عن رقم شقيقته بقائمة الإتصالات حتي وجده ..
فأجري الإتصال بها .. ليأتي صوتها بعد لحظات:
-الووو.
قالتها بغنج و قد بدا علي صوتها أثار النعاس فأعادها صوت أخيها الغاضب إلي رشدها:
-مساء الخير يا هانم .. و لا نقول صباح الخير بما ان حضرتك لسا نايمة لحد دلوقتي ؟؟
أجابته متعلثمة:
-أاا .. ع عع عز عز الدين .. صصباح الخير يا حبيبي ازيك؟؟
-صباح الخير ! .. احنا بقينا العصر يا حبيبتي .. و الله دي بقت حاجة كويسة خالص يا ست عبير .. اغيب عن البيت كام يوم فتاخدي راحتك اوي كده انتي و البيه التاني .. ماشي.
لفظ أخر كلماته بتوعد فبدا التوتر علي صوت شقيقته:
-يا عز اهدي بس مافيش حاجة حصلت تستاهل كل ده.
-لما ارجع اكيد هاشوفلي حل معاكوا .. سلام يا هانم و ماتنسيش تكملي نومك.
قال كلماته الأخيرة ساخرا و هو يغلق الخط بوجهها ثم إستلقي علي الفراش بثقله واضعا يديه خلف رأسه ثم أغمض عيناه بكسل و إرهاق ليقفظ الماضي كله أمام عينيه ، ليمر كل ما حدث بحياته في ومضات سريعة بمخيلته .. هجر أمه ، وفاة أبيه ، نضوجه المبكر ، و كل شيء .. منذ ستة عشر عام عندما رحلت عنهم والدته النجمة السينيمائية “كاميليا فهمي”و تركت المنزل الزوجي بعدما تعرفت إلي رجلا ذا قيمة في عالم السينيما صانع أفلام .. فأسلمته نفسها من أجل تحقيق الشهرة و لم تكتفي بل و ذهبت معه ضاربة بمصير أبنائها الثلاث عرض الحائط
فكان جزائها هو الطلاق من زوجها والد أبنائها”فريد نصار” .. كان “عز الدين”في السادسة عشر عندما إنفصلا والديه و كان له شقيق يصغره بخمس سنوات و شقيقة أخري كانت طفلة وقتما ذهبت أمهم من حياتهم بلا رجعة فيما كانت تسعي إلي الشهرة و إثارة دهشة الرجال متكئة بذلك علي جمالها الأخاذ و الذي هو كل ما تملكه ميراثها الوحيد ..
و لم يمر وقت طويل أيضا حتي توفي”فريد نصار” .. فكان نصيب”عز الدين”بإعتباره الوريث الأكبر أن يظل إلي جانب أشقائه يرعاهم و يستكمل مسيرة والده في العمل مما جعله ينضجسرع مما يجب .. و حتي الأن لم يغفر لأمه فعلتها رغم توسلاتها و مراسلاتها المتواصلة بالسماح لها برؤيته و أشقائه ، لم يغفر لها أبدا بل يمقتها و يرفضها ، يكن لها كره عظيم و كأنه لم يولد من رحمها .. بسببها أصبح يمقت إلي جانبها كل أصناف النساء ، إن كل ذرة من كيانه ترفض العطف علي أي أنثي
أصبح مستبد قاس للغاية .. من جهته يعتقد أن النساء يستخدمن جمالهن لإدارة الرجال حسب أهوائهن كما فعلت أمه ، فإمرأة جميلة مثلها قادرة علي تحويل رجل جبار إلي صبي بلا إرادة .. لذا إنعدمت ثقته في النساء و لكن حياته لم تكن خالية من وجودهن فيها طوال هذه السنوات فهو بلغ منذ أشهر إثنان و ثلاثون عاما .. و لكنه مفرط الذكاء ، بالطبع أنه يتمتع بصحبتهن كثيرا في بعض الأحيان إلا أنه لا يستسلم لأية إمرأة بل إنه يبتسم لهن بإزدراء بعينيه الذهبتين البراقتين ما أن ينتهي منهن ثم يدير ظهره و يرحل ..
هو لا يحب النساء .. بل يمتع نفسه بهن عندما يحلو له ، فهو ذو براعة مشهورة في إصطيادهن و لكنه لا يحترمهن أبدا متذكرا دائما أمه اللعوب و الجذابه إلي حد كبير التي تخلت عن زوجها و أبنائها من أجل أغراض وضيعة
افاق من شروده حينما سمع طرق عنيف علي باب غرفته ، قفز من موضعه بغضب و خطي بعصبية نحو الباب حتي وصل إليه و جذب مقبض الباب بقوة ليزداد غضبا عندما وقف وجها لوجه أمام”خالد”إبن عمه ..
-ايه يا عز انت كنت نايم و لا ايه ؟ هو ده ينفع بردو انت مش عارف ان ورانا طيارة بعد ساعتين؟؟
قال ذلك و هو يتمطي بتعب و كأنه كان واقفا هناك منذ مدة طويلة بينما رمقه”عز الدين”بغيظ ثم قال بحنق:
-عارف لو كان حد غيرك خبط عليا بالطريقة دي كنت عملت فيه ايه ؟ .. فزعتني يا بني ادم.
ثم إستدار و عاد إلي الغرفة تتآكله عصبيته ، ببنما أغلق”خالد”الباب و تبعه إلي الداخل قائلا:
-مالك يا عز الدين ؟.. عصبي كده ليه في حاجة حصلت ؟؟
ألقي”عز الدين”بنفسه فوق الأريكة بتعب ثم تنهد بثقل و هو ينظر إليه قائلا:
-تعبان .. تعبان يا خالد و اخواتي تعبني اكتر مش عارف اعمل معاهم ايه ؟؟
جلس”خالد”بجانبه ثم سأله بلطف:
-مالهم بس ؟ مضايقينك في ايه ؟؟
-البيه .. الباشا .. المحروس.
-مين ده ؟ عمر ؟؟
-هو في غيره !
-ماله طيب ؟؟
-الدكتور بتاعه اللي في الجامعة اتصل بيا من شوية و بلغني بخبر رفده من الكلية.
-يا نهار اسود .. اترفد ! ليه عمل ايه ؟؟
-اتعرض لبنت في الجامعة و ضرب شلة صايعة كمان و لما جه الأمن يتدخل مسك فيهم هما كمان و نزل في واحد منهم ضرب لحد ما كان هيخلص في إيده .. عملي فتوة حضرته.
قال جملته الأخير بإنفعال غاضب فهدئه”خالد”قائلا:
-طيب بس بس اهدا .. اهدا كلها كام ساعة و هنرجع مصر .. المهم انت كلمته يعني ؟؟
-اه كلمته من شوية بس ماقولتلوش اني عرفت حاجة.
صمت لثوان ثم تابع بتوعد:
-و رحمة ابويا لهفرجه .. مش هسيبه و لو فضل علي كده و ديني لكون طرده من البيت و مالوش عندي حاجة و يبقي يوريني شطارته.
-خلاص بقي يا عز قلتلك اهدا و هنتصرف معاه
ثم تابع متسائلا:
-هو ده بقي كل اللي مضايقك ؟ حوار عمر ؟؟
إبتسم بسخرية ثم قال:
-و هو مافيش غيره بيغلط ؟ .. و الهانم الصغيرة.
-عبير ! .. عملت ايه هي كمان ؟؟
حدق”عز الدين”به في غضب ثم قال:
-ما هو حضرتك لو راجل ..
قاطعه”خالد”مسرعا:
-ال ال ال طب ليه الغلط ده بس ؟؟
-بس اسكت خالص شكلي كنت غلطان لما وافقت علي خطوبتكوا.
-ليه بس انا عملت ايه طيب ؟؟
تنهد”عز الدين”بضيق ثم قال:
-شوف يا خالد .. انا لما وافقت اجوزك اختي مافكرتش الا في حاجة واحدة بس.
فسأله”خالد”بإصغاء:
-ايه هي دي ؟؟
-اولا انت ابن عمها يعني هتحافظ عليها و عمرك ما هتفرط فيها.
-و ثانيا ؟؟
-ثانيا بقي عشان انا خلاص تعبت من و هي طفلة لحد انهاردة شايل همها و كل يوم بيزيد قلقي عليها الشغل باعدني عنها و مش عارف اتابعها كويس لا عارف هي بتقضي نهارها ازاي و لا حتي ليلها ازاي و سبع البرومبة اللي معاها في البيت بني ادم عديم المسؤولية و مابعتمدش عليه في حاجة .. كنت فاكرك انت بقي اللي ممكن تشيل عني حملها شوية بس واضح اني كنت غلطان.
-يا عز بتقول كده ليه بس ؟ ربنا يعلم انا بحبها و بخاف عليها اد ايه و انت شخصيا عارف انا بحب عبير ازاي .. بس اختك راسها ناشفة و عنيدة و انا لو شديت عليها هتزعل مني و انا مابحبش ازعلها فبسيبها براحتها و اهو كلها سنة تخلص كليتها و هنتجوز و هتكون من وقتها يا سيدي مسؤوليتي انا لوحدي.
-انت حمار يا خالد ! .. ايه اللي انت بتقوله ده ؟ .. ايه راسها ناشفة و مابحبش ازعلها و بسيبها براحتها دي ؟ انت مش راجل يابني و لا ايه ؟!
-لأ راجل طبعا.
-مش باين .. شوق مش انا اخوها ؟.. انا بقي بقولك شد عليها براحتك انشالله تعقدها في عيشتها احسن ما تبوظ مننا و هي مدلعة و انت عارف و والله دي لو عيارها فلت مش هيبقالها عندي دية و انا بقولك نا بعمل اللي عليا و بحافظلها علي فلوسها هي و الافندي التاني فمش هتكون غلطتي نهائي لو حصلها حاجة هتبقي انت و هي المسؤولين قدامي.
إندفع الكلام من فم”خالد”بعصبية فقال:
-ليه يعني كل ده يا عز ؟ .. اختك متربية علي فكرة و كل اللي انت بتفكر فيه ده مالوش وجود الا في دماغك و بس .. و كل ده بسبب عقدتك القديمة بس لازم تفهم يا عز الدين عبير مش طنط كاميليا سامع ؟؟
كان وجه “عز الدين”متجهم هادئ بينما كان يتأجج غضبا في صمت بداخله فيما إنتبه”خالد”إلي ما قاله فكبت إنفعاله و قد صدمته أقواله فأسرع يعتذر منه حيث قال بلطف مرتبك:
-أاا .. أنا .. أنا اسف يا عز .. ماكنش قصدي اقول اي حاجة من دي بس ..
قاطعه”عز الدين”في حزم بحركة من يده ثم قال:
-بتعتذر علي ايه ؟.. ماتعتذرش خالص انت ماقولتش حاجة غلط .. كلامك كله صخ و الناس كلها لسا فاكرة فضيحتنا.
ثم صمت قليلا و تابع بعنف شرس:
-اد ايه بلوم بابا انه طلقها و بس .. لو ماكنتش صغير وقتها كنت اتصرفت انا و عملت اللي كان لازم يتعمل.
لانت نبرة”خالد”كثيرا و هو يحدثه:
-انا مقدر صدمتك يا عز .. و عارف انها لسا معلمة جواك و هتفضل معلمة .. لكن ده مش مبرر يخليك شكاك اوي كده.
ساد الصمت قليلا فقطعه”خالد”:
-طيب .. انا نازل اعمل check out و هستتاك تحت في اللوبي متتأخرش بقي.
أومأ”عز الدين”رأسه في هدوء و هو يحدق أمامه في اللاشيء بينما غادر”خالد”الغرفة تاركا أياه وحده مع ظنونه و أفكاره .. !
***************************************************************************************************
وقفت أمام مرآتها .. ألقت نظرة أخيرة علي نفسها فتنهدت بسعادة راضية عن مظهرها المثير و ملابسها الفادحة التي و لابد و أن تدير رؤوس معظم الرجال لها ثم خرجت من غرفتها ..
إجتازت مسافة قصيرة بالرواق العلوي و قبل أن تهبط الدرج سمعت صوت غريب آت من داخل حجرة شقيقها ، توقفت للحظة ثم إستدارت و ذهبت لتتفقد الأمر بنفسها و من دون إستأذان فتحت باب الحجرة و طلت برأسها لللامام ثم جالت بنظرها بإرجاء المكان حتي شاهدت أخيها مستلقي علي فراشه غارقا في النوم ، وجهه شاحب اللون به كدمات بسيطة ، شهقت من الصدمة و توجهت مسرعة نحو النوافذ لتزيح الستائر جانبا ليغمر ضؤ الشمس الغرفة و ينيرها بينما أزعجه الضؤ الخافت الذي سرت آشعته إلي الغرفة فتململ في فراشه بضيق قبل أن يفتح عينيه و عندما رآها أمامه حملق فيها بغضب ثم صاح بعصبية:
-انتي ! .. بت انتي انا مش قلتلك مليون مرة تخبطي قبل ما تدخلي عليا اوضتي ثم دخلتي ليه اصلا و كمان بتضايقيني اكتر و بتفتحي الستاير ؟! و ربنا لولا اني تعبان كنت قمت كسرتك.
إعتادت شقيقته علي تلك الوقاحة التي دائما ما تبدر منه فتجاهلت إهانته قائلة:
-اولا انا مادخلتش الا لما سمعتك بتقول آه او حاجة زي كده دخلت اطمن عليك مش اكتر بس شكلي كنت غلطانة اصلا .. ثانيا بقي انا لو كنت خبطت علي حضرتك عمرك ما كنت هتقوم و لا حتي كنت هترد كالعادة بس بما انك رديت عليا باسلوبك المعتاد ده خلاص انا اطمنت كده انك قرد مافكش حاجة .. بس ايه اللي في وشك ده يا عموري ؟ مين اللي روقك كده ؟؟
إرتفع”عمر”بجذعه ساندا ظهره إلي حائط فراشه و إرتكز علي مرفقه فسقطت الأغطية حتي وسطه حيث بدا صدره العاري فيما قال لها بإستنكار متهكم:
-مين ده يا بت اللي يعرف يروقني ؟! .. دي اصابات خفيفة زي ما انتي شايفة مجرد خرابيش عايزة تشوفي اللي اتروقوا بجد كنتي تيجي الحامعة انهاردة الصبح.
-و ايه اللي حصل في الجامعة انهاردة الصبح ؟؟
-ابدا و لا حاجة .. اتخانقت مع شلة عيال كده و واحد من الامن حب يتدخل فأخد نصيبه هو كمان.
جلجلت بإذنه ضحكة شقيقته المرحة الصاخبة بينما سألته:
-و بعدين يعني ؟ .. بعد كل ده ايه اللي حصل ؟؟
-مافيش .. روحنا علي مكتب العميد فكتبلي جواب فصل قمت مقطعه قدامه و مشيت ماعرفش بقي عمل إيه مع الباقي.
شهقت”عبير”بصدمة قائلة:
-يا نهار اسود .. اترفدت يا عمر ! .. دي هتبقي ليلة سودة لو اخوك عرف.
-مايعرف يعني هيعملي ايه انتي فاكراني عيل صغير هيحرمني من المصروف و لا هيعلقني من رجلي في السقف.
-يابني الصياعة دي مش هتنفعك قدامه ابقي استلقي وعدك بقي .. شفت اخرت تصرفاتك الطايشة ؟؟
تأفف قائلا:
-بقولك ايه يا بت .. غوري من قدامي دلوقتي مش عايز اسمع حرف زيادة يلا امشي.
أومأت رأسها قائلة:
-ماشي ياخويا ماشية .. استمتع بقي بوقتك او باللي فاضل من وقتك قبل ما يرجع عز الدين.
ثم إلتفتت و قبل أن تذهب إستوقفها قائلا:
-استني هنا يا بت .. رايحة فين كده بالهدوم دي ؟؟
إستدارت مرة أخري لتكون في مواجهته ثم قالت:
-رايحة party في بيت لينا صحبتي ايه ؟؟
برقت عيناه بإبتسامة خبيثة ثم قال:
-لينا ! .. البت الشقرا ام شعر كيرلي دي ؟؟
-ايوه ياخويا هي.
-طيب ما تاخديني معاكي .. من زمان و انا نفسي اتعرف.
ضحكت بقوة قائلة:
-ياخويا اقعد علي جنب .. هتيجي معايا ازاي و هتتعرف ازاي و انت مشلفط كده هههههه ؟؟
في ثانية إختفت إبتسامته بينما إستمرت تضحك فأمسك بوسادته و قذفها بها فصرخت راكضة إلي الخارج … !
*********************************************************************************************************
أسدل الليل ستاره حين إنقضت الطائرة ذات اللون الفضي في مدرج مطار القاهرة الدولي .. وصل”عز الدين”أخيرا إلي الأراضي المصرية ..
بعد أن أنهي كافة الأجراءات بالمطار غادر برفقة”خالد” .. إستقلا السيارة معا قام بتوصيل “خالد”أولا ثم توجه إلي منزله .. علي بوابتا ذلك القصر الفاخر توقف”عز الدين”بسيارته الفارهة حتي إنفتحت له الأبواب فإنخرف بالسيارة إلي اليسار و سار مسافة قصيرة حتي توقف تماما ، دخل”عز الدين” منزله إجتاز بهو طويل أرضه رخامية بيضاء مضاء بمصابيح و ثريات برونزية مصقولة بإناقة بين الركائز و الأعمدة الفخمة التي تتوسطها مرايا كبيرة محفورة بداخل الحائط موضوعة علي الأثاث العاجي الضخم ، و في وسط القاعة الكبيرة التي تكفي للإستضافة حشد عظيم وقف و هتف بإسم أحد الخدم .. لم تمر لحظات حتي أتت بنت متوسطة في العمر ترتدي يذلة العمل البيضاء .. إنحنت أمام”عز الدين”لتحييه ثم قالت:
-حمدلله علي السلامة يا بيه.
إبتسم”عز الدين” إبتسامة لم تصل إلي عينيه ثم قال:
-الله يسلمك يا فاطمة .. عاملة ايه ؟؟
-الحمدلله يا بيه بخير.
-طيب كويس .. اومال فين عمر و عبير ؟؟
-عمر بيه رجع من الضهر و لسا في اوضته و باين نايم .. و الست عبير خرجت من بدري و لسا مارجعتش.
ثم صمتت قليلا و سألته:
-تخب احضرلك العشا ؟؟
-لالا يا فاطمة .. روحي انتي نامي انا اكلت في الطيارة.
أومأن الفتاة برأسها ثم إنسحبت بهدوء .. بينما شعر”عز الدين”بألم في رأسه كان يود أن ينتظر أخته و لكن غلبه الألم كثيرا فصعد إلي غرفته ليستريح … !
****************************************************************************************************
أستيقظت”داليا”في الصباح التالي متأخرة .. قامت منتفضة من فراشها تركض إلي حجرة الجلوس لتنظر في الساعة المعلقة هناك .. لقد تأخرت في النوم كثيرا أسرعت إلي غرفتها و بدلت ملابسها بسرعة غادرت المنزل علي عجل و سارعت بإستيقاف سيارة أجرة ، أخبرت السائق بالمكان الذي تقصده .. دقائق و كانت أمام مقر الشركة ، أعجبها المكان كثيرا لرقيه و تأثيثه الأكثر رقيا ، عندما دخلت إلي الشركة كانت السماعات المنتشرة في جوانب السقف تبث موسيقي هادئة متناغمة متوافقة مع الديكور الداخلي .. ساعدتها تلك الأجواء في إستعادت حيويتها ..
كانت هناك فتاة ذات مظهر أنيق خلف مكتب الإستقبال ، حدثتها بصوت خافت و أعطتها إستمارة لتملأها ..
لم تكن”داليا”متأخرة كثيرا .. يوجد ثلاث أو أربع فتيات في إنتظار المقابلة الشخصية ، أخذت”داليا”الإستمارة و جلست علي أحد المقاعد الوثيرة الموزعة في قاعة الإستقبال ، أسندتها إلي منضدة صغيرة بجوارها و بحثت في حقيبة يدها عن قلم و عيناها علي الأخربات .. واحدة فقط لفتت نظرها بملابسها الأنيقة الأخريات لم تري فيهن منافسا محتملا ، كن إما صغيرات جدا أو كبيرات جدا ..
نظرت إلي الإستمارة فوجدتها مليئة بعشرات الأسئلة عن مؤهلاتها و خبراتها و عن بياناتها الشخصية و كذلك عن أحلامها و أفكارها و طموحاتها و نظرتها للمستقبل و مدي رغبتها في الإستقلال و إنشاء عمل يخصها .. لم نكن قد رأت شيئا كهذا من قبل .. لم تملأ أساسا إستمارة سيرة ذاتية كهذه في أي عمل تقدمت له من قبل ، و في ذروة تركيزها سمعت صوتا يقول:
-……… !!
رواية حتى أقتل بسمة تمردك.
بقلم مريم غريب.
الحلقة (2):
-يا انسة .. ممنوع تسيبي اي سؤال فاضي حتي لو عن شيء صغير او حاجة مش في الـ CV بتاعك.
كان هذا صوت موظفة الإستقبال التي هتفت لتنبه”داليا”بينما سارعت”داليا”و نظرت إلي تلك الإستمارة ، وجدت أن خانات الأسئلة لا تزال فارغة ، ثم فجأة تذكرت كلام”فاتن”زميلتها في العمل السابق عن أن قليل من الكذب لا يضر و إنما يجمل ، لم يكن هذا رأيها و برغم أن بعض الأسئلة حيرتها كثيرا لكنها قررت أن تقول الصدق و ليساعدها الله ..
ملأت الإستمارة بتمهل و هي تراقب بين الحين و الأخر الفتيات و هن يدخلن و يخرجن .. جاءت فتاتان بعدها فأحست براحة لذلك ، فهي لا تحب أن تكون أخر من جاء .. أعادت الإستمارة للفتاة المسؤولة عن الإستقبال ثم عادت إلي مكانها مرة أخري و تساءلت في نفسها ، هل يقرءون تلك الإستمارات فعلا ؟
و بعد قليل بدأت”داليا”توتر .. كانت ماهرة في عملها السابق حيث كانت تعمل لدي مكتب صرافة و لكنها لم تكن متحدثة لبقة و لهذا تم إستبعادها من الوظيفة ، تمنت في تلك اللحظة أن يكون هناك إختبار للقدرات في هذا المكان و عندها سيتحدث عنها عملها ، أما هي فلن تستطيع التحدث عن نفسها ..
فكرت”داليا”في أن تسأل إحدي الفتيات عند خروجها من المقابلة ، لكنهن كن يذهبن خارج المكان بمجرد خروجهن من الحجرة المخصصة للمقابلة الشخصية
كانت تحتاج إلي العمل ، لكنها لم تكن واثقة من الحصول عليه تماما و لكنها أيضا لم ترد أن تفقد الأمل .. توقعت أن دورها سيحين علي الفور لكن هذا لم يحدث فقد أخذت كل فتاة وقتا طويلا جدا في إجراء المقابلة مما زاد من توترها ، فشعرت بالعرق يملأ راحتي يديها فأخرجت منديلا قطنيا و فردته في هدوء ثم جففت به يديها في بطء و عادت تطويه و تضعه في حقيبة يدها
مرت دقائق أخري خالتها”داليا”دهرا ،و في هذه اللحظة إقتربت منها موظفة أخري نحيلة ذات مظهر طيب و طبيعة حسنة ترتدي زي العمل الرسمي ثم قالت لها:
-اتفضلي معايا يا انسة دور حضرتك.
نهضت”داليا”و هي تشعر بعدم الثقة بنفسها رغم أنها كانت تبتسم مما ضاعف عصبيتها و إرتباكها ، كانت تعلم قدرتها علي العمل ، لكنها شكت في قدرتها علي توصيل ذلك لهم .. و لكنها أخيرا أخذت نفسا عميقا ثم تبعت الموظفة عبر الممر الطويل المغطاة أرضه بالسجاد الأحمر
كانت أعصابها مشدودة كالوتر و لم تكن تعرف ماذا تتوقع فهي علي بعد خطوات من حجرة المقابلة حيث يجلس رب العمل ، فتحت الموظفة أبوابا بيضاء مزدوجة و أشارت لها بالدخول .. دخلت”داليا”إلي الحجرة المخصصة للمقابلة الشخصية ، حدقت إلي تلك السجادة السميكة ذات اللون الرمادي التي وضعت علي أرض بيضاء رخامية و إلي ذلك الأثاث الفاخر .. شعرت و كأنها خارج نفسها بصورة يائسة ، تفحصت المكان في ذهول لم يحدث لها أن رأت مثل ذلك الترف في حياتها أبدا ، مقاعد بيضاء جلدية و ستائر قرمزية ، حشب أسوجي و طاولات تكسوها مفروشات حريرية .. وقفت في ملابسها المتواضعة البسيطة و كأنها بمكتب ملكي و ليس مكتب عادي لإجراء مقابلة عمل إتضح لها أن تلك المقابلات كانت تتم هنا ، بمكتب رب العمل ..
أفاقت من تآملاتها و خيلاتها علي صوت الموظفة:
-يا انسة .. ده مستر عز الدين نصار صاحب الشركة و رئيس مجلس الإدارة.
سرت بأوصالها قشعريرة خفيفة فيما كان يجلس”عز الدين”خلف مكتبه بهدوء محدقا فيها ، ألتقتت نظراتهما للحظة وجيزة قبل أن يتوجه بالحديث إلي الموظفة:
-تقدري تتفضلي انتي يا انجي .. مش جبتي إستمارة الأسئلة إللي مليتها الانسة ؟؟
-ايوه يافندم الاستمارة و الـ CV اهم الاتنين.
قالت الموظفة ذلك و هي تضع الملفات علي المكتب بينما أذن لها”عز الدين”بالإنصراف فأنسحبت بهدوء ..
ثم حول نظره إلي”داليا”و قبل أن يتفوه بكلمة تناول علبة بلاتين أنيقة و أخرج سيكارا وضعه بين أسنانه و أشعله .. شعرت”داليا”في تلك اللحظة كإنما ركبتاها ستبدآن بطرق الواحدة الأخري ، فيما كانت عيناه تتفحصانها بجرآة ساخرة إلي أن نطق أخيرا حيث قال بهدوء آمر مشيرا إليها بالجلوس في أحد المقاعد الجلدية قرب مكتبه:
-اتفضلي اقعدي يا انسة.
تقدمت”داليا”و جلست ببطء في المقعد قبالة المكتب ، كانت خجولة من مواجهته وجها لوجه فأخذت تحدق بالأرض حتي إنتفضت لدي سماعها صوته:
-انتي خريجة ايه يا انسة ؟؟
كان يحدق فيها من خلال نصف عينيه المقفلتين حيث بدا غير مبالي بها فتعلثمت و هي تقول:
-تجارة انجلش حضرتك .. و بعدين كل المعلومات اللي هتعوز تعرفها عن مؤهلاتي موجودة في الاستمارة اللي مليتها قبل ما ادخل.
رفع حاجبه و هو يهز رأسه ساخرا ثم قال:
-بس اعلان الوظيفة طالب موظفة دارسة ادارة اعمال يا انسة .. لان بجانب ب
وظيفة تخصصك هتكوني سكيرتيرة عام للشركة.
أجابت”داليا”في إنزعاج أمام نظرته المتهكمة الثاقبة:
-انا عارفة حضرتك الاعلان طالب ايه و جاهزة للوظبفة و الا ماكنتش جيت .. انا بعد ما خلصت كليتي عملت دراسات علية في ادارة الاعمال و الكمبيوتر ده غير اني بعرف انجليزي و فرنساوي و اسباني.
هز رأسه مرارا بسخرية ثم تناول إستمارتها بينما جفلت عيناها بتوتر ، فيما كان يقرأ بلا إكتراث و سيكاره يميل علي جانب فمه ، عينيه تستشعران أثر الدخان كجسدها المتوتر ..
إنتهي من القراءة سريعا ثم ألقي بالأوراق علي المكتب ثم نظر إليها بإمعان قبل أن يقول:
-إيدك .. كانت بتترعش و إنتي بتكتبي !
لم تجب .. فقط صمتت و هي تعض بقوة علي شفتها بينما تنهد و هو يطفيء سيكارته بعد أن أمتص عبقها الأخير بعمق ، كم يستلذ بذلك النفس الأخير منها ثم تناول الـ CV و تصفحه سريعا ثم ألقاه فوق الإستمترة:
-طب عندي سؤال.
قال ذلك بإرتقاب بينما نظرت إليه متسائلة فقال:
-ليه استبعدوكي من الوظيفة الاخيرة اللي كنتي فيها ؟؟
أجابته”داليا”بصراحة مطلقة:
-المكتب اللي كنت بشتغل فيه كان بسيط شوية فكنت واخدة مكان موظفة الاستقبال و حضرتك عارف ان موظفة الاستقبال شغلها الرد علي المكالمات و خلافه فلازم تكون متحدثة لبقة و الحقيقة دي ميزة مش فيا انا مش بعرف اتكلم كويس انما بعرف اشتغل كويس.
هز رأسه ببطء و هو يحلل كلامها بينما حدقت فيه جيدا .. لم يكن أبدا كما تصورت إذا إختلطت فكرتها عنه بصور غير واضحة عن رجال أعمال ناجحين بدينين ملامحهم غير إعتيادية ..
لم يكن”عز الدين”بنظهرها أحدا من هؤلاء الأشخاص فقد بدا لها طويلا عندما وقف فجأة فوقفت تلقائيا ، لم تكن قصيرة القامة و مع ذلك إضطرت للتطلع إلي أعلي لتكون في مواجهته ، كان نحيلا ذا جسدا ممشوقا مكدس بالعضلات يتمتع بقامة قوية صلبة بالإضافة إلي إناقته المتناهية كان يرتدي ثيابا باهظة الثمن و ربطة عنق من اللون الرمادي غير أن بشرته برونزية ملامحه قاسية بعض الشيء عينان عسليتان ، فمه حسن التكوين شهواني عليه مسحة قسوة ، شعره اسود غزير و أملس ..
إرتخت ركبتا”داليا”من الصدمة .. هذا اسوأ .. اسوأ بكثير مما توقعت و كأنها في مواجهة وحش بشري ، فوق هذا كله تلك البسمة الساخرة السريعة و كأنه قرأ أفكارها فقال:
-طيب .. انتي هتاخدي معاكي الـ CV بتاعك و هتسيبلنا الاستمارة و لو تم اختيارك هيوصلك مننا اتصال.
تلك الجملة لم ترضها ، بل شعرت بالضيق فلملمت أشيائها و غادرت الشركة ثم وصلت إلي بيتها ..
حاولت إقناع نفسها بأن حصولها علي هذا العمل لا يهمها في شيء لكنها لم تنجح في ذلك .. من كانت تخدع ؟ إنها في حاجة ماسة لهذا العمل حقا أنه ليس أخر عمل يمكنها التقدم إليه لكن المكان أعجبها كما أنها تعلم أن لديها الكفاءة اللازمة للعمل و لم يكن من العدل ألا تحصل علي الوظيفة بمجرد أنها لا تحسن تقديم نفسها و التعامل مع الغرباء !
تساءلت .. تري كم سيكون أجرها لو حصلت علي هذا العمل ؟ .. ضايقها التفكير في النقود فضمت قبضتيها بشدة و هي تتنهد بثقل و فكرت ، سحقا لهذا المال .. لا يملك الإنسان ما يكفي منه أبدا … !
*****************************************************************
إستيقظت قلقة عند منتصف النهار حينما شعرت به يمرر أنامله علي وجهها ، تململت بضيق ثم فتحت عيناها و نظرت إليه باسمة ثم قالت بغنج و دلال:
-حبيبي .. صحيت امتي ؟؟
-من بدري يا حبيبتي.
أجابها ثم تابع بقلق:
-عبير .. يا حبيبتي انتي لازم تقومي تمشي دلوقتي بقي .. انا خايف و قلقان بصراحة من وجودك هنا من امبارح.
قهقهت”عبير”بغنج ثم قالت:
-يا جبان .. خايف من ايه بس ؟ انت مش عارف ان عز مسافر بقاله 3 ايام ؟ و لسا مارجعش.
-ايوه بس اخوكي عمر ..
قاطعته مرة أخري ضاحكة ثم قالت:
-عمر ! .. لا يا سيدي عمر ده في وادي تاني لوحده.
و قبل أن يتفوه بحرف أخر قالت بحزم:
-حسام .. قلتلك بطل جبن بقي خايف من ايه ؟؟
-يا حبيبتي بصراحة قلقان من وضعنا ده .. انا مجرد موظف عند اخوكي في الشركة و كل ما بفكر كده مع نفسي لو عز عرف حاجة ! يا نهار اسود دي هتبقي كارثة اخوكي متهور و الله يقتلني مجنون و يعملها.
إسهجنت”عبير”جملته فقالت بحدة:
-و بعدين معاك ؟ لما انت جبان اوي كده و بتخاف ارتبطت بيا ليه من الاول ؟؟
-يا بيرو يا حبيبتي افهميني .. لازم نحط احتمالات لكل خطوة تخصنا زي ما المثل بيقول مش كل مرة تسلم الجرة و بعدين ماتنسيش خالد ابن عمك انتي لسا ما اقنعتيش عز الدين بفسخ الخطوبة.
-لا يا بيبي من الناحية دي اطمن انا مستحيل اتجوز خالد انا بحبك انت و قريب كل شيء بيني و بينه هينتهي.
قطع حديثهما صوت رنين هاتفهها ، مدت يدها إلي حقيبة يدها الملقاة أرضا و أخرجته لتجد المتصل”خالد”فنظرت إلي الهاتف في إستغراب و قلق في آن واحد فسألها”حسام”بقلق مماثل:
-ايه يا عبير .. في ايه مين بيتصل بيكي ؟؟
قالت ببطء شديد و عيناها معلقة علي شاشة الهاتف و كأنها شاردة:
-ده خالد .. بس ده رقمه إللي هنا ! .. معني كده إنه رجع مصر .. ممكن يكون رجع منغير عز ؟!
-يانهار اسود .. يعني اخوكي رجع ؟ .. شفتي يا عبير .. شفتي روحنا في داهية.
-شششش اسكت دلوقتي.
قالت بحدة ثم أخذت نفسا عميقا و أجابت بثبات:
-الو !
ليأتي صوت”خالد”الهادئ:
-حبيبتي .. صباح الخير .. عاملة ايه يا بيرو ؟؟
أجابته بشيء من التوتر:
-صباح النور يا خالد انا تمام الحمدلله .. بس ايه ده انت بتتكلم من هنا و لا ايه ؟؟
-اه يا حبيبتي .. ايه انتي ماتعرفيش ان انا و عز وصلنا امبارح بليل و لا ايه ؟؟
فإرتبكت قائلة:
-أاا .. لأ .. لأ ماعرفش اصلي اكيد كنت نايمة لما عز وصل.
-ممم .. ماشي يا ستي عموما انا اخدت من عز اجازة انهاردة بالعافية عشان اجي اشوفك و اقضي اليوم كله معاكي.
إنتفضت بذعر قائلة:
-ايه ! .. هتيجي ؟ هتيجي امتي ؟؟
-انا بلبس اهو .. ربع ساعة بالكتير و هكون قدامك يلا يا قلبي سلام مؤقت.
ما أن أغلق الخط معها حتي قفزت من موضعها و أرتدت ملابسها بسرعة كبيرة بينما سألها”حسام”بقلقه المعتاد:
-ايه اللي حصل يا عبير قوليلي في ايه ؟؟
كانت قد إنتهت من إرتداء ملابسها و أخذت حقيبة يدها ثم قالت له و هي تغادر راكضة:
-عز .. عز الدين رجع من امبارح بالليل يا حسام.
رحلت”عبير”فقال”حسام”في نفسه:
-عز الدين رجع ؟ .. يا نهار اسود يا ربي امتي هخلص من البت دي بقي .. !
******************************************************************
دخلت”ياسمين”إلي المنزل و هي تلهو بمفتاحها حاملة حقيبتها و بعض دفاتر الدراسة و وضعتهم فوق منضدة صغيرة توسطت حجرة الجلوس ، ثم هتفت و هي تعبر الردهة الداخلية الصغيرة:
-داليا ! .. انا جيييت .. انتي هنا ؟؟
إلا أن أحدا لم يجب فرمقت”ياسمين”ساعة يدها متسائلة فوجدتها الثانية و النصف بعد الظهر فظنت إنه ربما تعثرت”داليا”بالطريق و ستأتي في أي لحظة ..
توصلت إلي تلك النتيجة ثم تنهدت و نزعت معطفها و ألقته تعبة علي الأريكة ، بينما سمعت صوتا آت من داخل إحدي الغرف ، تتبعت أثر الصوت تاركة حاستها تقودها فوصلت أخيرا إلي المطبخ ، كان وقع تساقط الدسم من قطع اللحم تحت المشواة مثيرا للشهية حين دلفت”ياسمين”إلي المطبخ و هي تهمهم منتشية و أكتشفت وجود شقيقتها فنظرت إليها بتساؤل قائلة:
-ايه يا دودو .. باين رجعتي ها طمنيني بقي .. عملتي ايه في المقابلة ؟؟
تنهدت”داليا”بثقل قائلة:
-روحت .. قابلت مدير الإدارة.
-ها يعني ! .. ايه اللي حصل ؟؟
سألتها بإرتقاب فأجابت بإختصار:
-لو اتقبلت هيتصلوا بيا يا ياسمين.
زمت”ياسمين”شفتيها ثم ربتت علي كتف شقيقتها قائلة:
-ان شاء الله هتتقبلي يا حبيبتي و هتقولي ياسمين قالت.
إبتسمت”داليا”إبتسامة لم تصل إلي عينيها ثم قالت:
-طيب .. يلا عشان نتغدي انتي مش جعانة و لا ايه ؟؟
-لأ طبعا جعانة ده سؤال ! .. بس انتي غديتي ماما الاول ؟؟
-هستني حضرتك لما تقوليلي مثلا ! .. طبعا غديتها.
-ماشي يا ستي هروح اغير هدومي بسرعة اهو و جاية.
ثم توجهت إلي غرفتها بينما تعد”داليا”طعام الغداء بذهن مشوش تملأه الأفكار … !
*******************************************************************
عادت”عبير”إلي المنزل بسرعة قصوة و من ثم إلي غرفتها ، حرصت علي أن لا يراها أحد ، بدلت ملابسها سريعا لتسمع في تلك اللحظة طرق علي باب غرفتها .. هتفت متسائلة:
-مين ؟؟
-انا فاطمة يا ست عبير.
-عايزة ايه يا فاطمة ؟؟
-خالد بيه وصل تحت و قالي اطلع ادبكي خبر.
-طيب ماشي .. روحي انتي و انا نازلة اهو.
أطاعتها الفتاة و ذهبت بهدوء فيما تنفست”عبير”الصعداء فحتما لو لم تكن تصرفت بهذه السرعة لكانت الأن في مواجهة العديد من المشاكل و التساؤلات ، و لكنها لا تزال قلقة ، تري هل إكتشف”عز الدين”غيابها عن المنزل ليلة أمس ؟ .. لا ، مؤكد لم يكتشف فلو كان علم حقا لكان طوي الأرض بأكملها بحثا عنها ..
غادرت الغرفة بسرعة و هي متوترة الأعصاب لدرجة فائقة ، فلا زالت المفاجأت المخيفة مؤثرة عليها ، كانت آشعة الشمس تدفق علي جوانب ذلك البيت الفسيح ، في مكانا بإحدي زوايا الحديقة ذهبت”عبير”حيث كان يجلس”خالد”إلي طالولة خشبية صغيرة يحتسي القهوة
إبتسمت إليه رغما عنها عندما وقف لها إحتراما و محبة ، إقتربت منه فإبتسم قائلا بعدما وضع قبلة علي جبهتها:
-حبيبة قلبي .. مش ممكن تتصوري انتي وحشتيني اد ايه !
إصطنعت إبتسامة و هي تسحب مقعد لتجلس عليه بينما مد”خالد”يده و مرر أصابعه علي يدها بحنات قائلا:
-مالك يا بيرو ؟ .. شكلك متغير كده ليه ؟ في حاجه مضايقاكي ؟؟
نفت”عبير”ظنونه سريعا حيث قالت:
-لا ابدا مش متضايقة خالص بس بصراحة متفاجئة.
فسألها:
-متفاجئة من ايه يا حبيبتي ؟؟
هزت كتفيها قبل أن تقول:
-يعني .. رجعت كده انت و عز امبارح منغير ما تقولوا لحد !!
-السفر جه فجأة و الله يا حبيبتي .. اصلنا خلصنا الشغل بسرعة و كل حاجة تمت علي الخير الخمدلله فقطعنا التذاكر علطول و رجعنا.
-كده منغير ما تبلغونا ؟!
-عادي يا عبير .. ايه المشكلة ! .. المهم قوليلي انتي ايه اخبارك ؟ عاملة ايه و عملتي ايه في اليومين دول لوحدك ؟؟
تنهدت”عبير”و راحت تحاكيه بملل:
-الحمدلله انا كويسة .. و هعمل ايه يعني كنت قاعدة في البيت طبعا.
-معلش يا ستي عارف انك زهقتي بس انا هظبت بومين كده و هخرجك في الحتت اللي انتي عايزاها.
أومأت رأسها في ملل بينما إنفرج ثغره بإبتسامة حينما قال:
-انا بقي جبتلك هدايا كتير لما كنت في السفر ان شاء الله هيعجبوكي.
إصطنعت إبتسامة ثم قالت:
-اه .. ميرسي يا خالد تعبت نفسك ليه بس ما انا عندي كل حاجة.
-يا حبيبتي انا لو اطول اجبلك الدنيا كلها تحت رجلك مش هتأخر.
أغمضت عيناها بغيظ لأنها لم تعد قادرة علي النظر إليه .. :
-ههههه خالد نصار بيتكلم بالشعر يا رجالة.
كان هذا صوت”عمر”الذي إنضم إليهم فجأة ثم تابع بمرحه المعتاد:
-امووت و اعرف بتحب فيها ايه ! .. يعني من جمالها و لا من رقتها اااخ يابني ده انت هتاخد حتة مقلب .. هتبقي غلطت عمرك دي مابتعرفش تعمل كوباية شاي هههههه.
بينما أجابه”خالد”مستنكرا:
-دي هتبقي عمري كله يا استاذ عمر.
ثم إبتسم بنعومة و أضاف:
-و بعدين مين قالك اني عايزها تتعلم في الحاجات دي لا حبيبي دي هتعيش ملكة في بيتي.
فضحك”عمر”قائلا و هو يجلس بجانبه:
-طب يا حبيبي اشبع بيها و الله هتكون عملت فينا معروف لما هتاخدها من هنا.
فيما لاحظ”خالد”بعض الكدمات البسيطة بوجه”عمر”فقال:
-واضح ان اثر الخناقة لسا ماختفاش يا استاذ عمر .. عز لسا ماشافكش صح ؟؟
-لسا.
قال بضجر ثم تابع:
-و حتي لو شافني يعني هيعمل ايه ؟؟
-هيعمل كتير يا بيه.
كان هذا صوت”عز الدين”الذي وصل لتوه ، نظر إليه الجميع بقلق عدا”عمر”رمقه ببرود فرفع حاجبيه و سحب مقعد ثم وجه إليه نظراته الثاقبة الغاضبة وقال بهدوء مرعب:
-ايه اللي في وشك ده يا عمر ؟؟
تأفف”عمر”قائلا:
بقولك ايه يا عز .. انت عارف كل حاجة فماتلفش و تدور هات من الاخر.
فهمهم”عز الدين”قائلا:
-همم .. عندك حق .. نجيب من الاخر احسن بلاش نخش في تفاصيل.
ثم تابع بصوت أجش:
-قدامك اختيارين يا عمر .. يا تنزل من بكرة معانا في الشركة و تمسك الشغل .. يا تطلع من البيت ده و ماشفش وشك تاني نهائي.
فصرخ”عمر”بإنفعال:
-و الله ! .. ده علي اساس ايه الكلام ده ان شاء الله ؟!
أجابه”عز الدين”بهدء أعصاب:
-علي اساس ان كل مليم سابه ابوك مكتوب باسمي.
نظر”عمر”إلي أخيه و الشرر يتطاير من عينيه قائلا:
-انت بتهددني يا عز ؟؟
-انا بخيرك يا حبيبي مش بهددك .. يا تيجي تشتغل معايا في شركة ابوك و تقعد في بيتك معزز مكرم .. يا ترفض و ماشفش وشك تاني.
فصر علي أسنانه قائلا:
-طب و الكلية ؟؟
-كلية ايه بقي انت مش اترفدت ؟؟
-يعني ايه ؟ .. هتسكت مش هتتصرف و ترجعني ؟!
فقال”عز الدين”بإنفعال:
-يا راجل ! .. خايف دلوقتي علي مستقبلك ؟ .. و كان فين خوفك ده لما هببت الدنيا في الجامعة و ضربت الامن كمان .. ما تقول سكتت ليه ؟؟
صمت”عمر”لم يجد ما يضيفه فتنهد”عز الدين”قائلا:
-ماشي .. هديك فرصة .. مش هتدخل الامتحانات السنة دي و هتنزل الشفل معانا زي ما قلتلك .. مشيت صح السنة الجاية هتكون في كليتك اتعوجت انت عارف الحل البديل ايه.
كبت”عمر”إنفعاله بجهد بينما حول”عز الدين”نظره إلي شقيقته فقال:
-و انتي يا هانم .. كنتي فين امبارح ؟ لما رجعت مالاقتكيش !
توترت”عبير”بينما سألها”خالد”مسغربا:
-انتي مش قولتيلي انك كنتي قاعدة في البيت ؟!
تماسكت”عبير”و أختلقت كذبة قائلة:
-اصل لينا صحبتي كان عيد ميلادها امبارح و عزمتني و لما روحت ماتبسطش اوي فرجعت و كنت متضايقة شوية لدرجة اني نسيت اقولك لما سالتني اصلا.
هز”خالد”رأسه بتفهم بينما نهض”عمر”بغضب تاركا إياهم ثم تبعته”عبير”قائلة:
-طيب انا هروح اشوفهم حضروا الغدا و لالأ .. هتتغدي معانا يا خالد مش كده.
أومأ رأسه باسما بينما ذهبت مسرعة ، فنظر”خالد”إلي”عز الدين”و سأله:
-ها يا سيدي .. طمني الشركة عاملة ايه ؟؟
-كويسة.
أجابه بإختصار فسأله:
-طب و عملت ايه في موضوع السكيرتيرة ؟ .. اخترت حد و لا لسا ؟؟
نظر إليه مترددا فهز”خالد”رأسه قائلا:
-لأ .. لأ الله يخليك .. ماتقولش انك طفشت الناس اللي جت.
-يا عم ماطفتش حد.
قال بضيق ثم تابع بإنفعال:
-انا مش فاهم بس لازم تكون سكيرتيرة ماينفعش سكيرتير !
-يا عز سكيرتير ايه بس بقي انت عايز وجهة الشركة يبقي راجل ! .. يا اخي قول كلام غير ده .. بقولك ايه ماتعملش فيها شهيد مش عليا الكلام ده رغم كل حاجة انت بتميل ساعات للستات فمتعملهاش حكاية بقي و شوف هتختار مين عشان في شغل كتير متعطل.
تنهد”عز الدين”مستسلما ثم فجأة قفزت برأسه صورتها حينما قالت”انا مش بعرف اتكلم كويس .. انما بعرف اشتغل كويس” .. فقال:
-اختارتها خلاص.
****************************************************************
في صباح اليوم التالي جلست”داليا”تتناول الفطور مع شقيقتها علي طاولة تتوسط المطبخ ، كانت علامات الحزن و الخذلان و الضيق عالقة بمحياها و كانت”ياسمين”تسترق النظر إليها بحزن بين الحين و الأخر ..
ثم فجأة تعالي صوت رنين الهاتف المنزلي فقالت”ياسمين”:
-خليكي انتي يا دودو .. انا هرد.
و ذهبت لتجيب ، لم تمر لحظات حتي هتفت:
-داليااااا .. تعالي بسرعة … !
الحلقة (3):
إخترقت”داليا”فناء شركة الـ “نصار”للنقل البحري و التي بنيت منذ زمن بعيد و تميزت بأروقتها النظيفة الملساء و المروج المحيطة بها ، فيما دهشت أيضا لروعة المكاتب التي إحتلتها الشركة ، حيت”داليا”العاملين بالممر الطويل في تواضع ثم أخذت طريقها إلي المصعد ، صعدت إلي الطابق الأول حيث يوجد مكتب رب العمل ..
كل شيء هادئ في هذا الطابق صمت تام كم أن تلك الأجواء مريحة للأعصاب ، إقتربت”داليا”من حجرة مكتب”عز الدين”و كادت تطرق الباب إلا أن صوت أنثوي أستوقفها:
-يا انسة ! .. علي فين حضرتك ؟؟
كان هذا صوت السكيرتيرة الخاصة بمكتب”عز الدين” .. بينما رفعت”داليا”يدها التي كادت تطرق الباب للتو ثم إلتفتت نحو مصدر الصوت قائلة:
-انا جاتلي مكالمة من شئون العاملين هنا و بلغوني اني اتقبلت للتوظيف و اني عندي مقابلة تانية مع مسترعز الدين
“هزت الفتاة رأسها بتفهم قائلة:
-أه طب ثواني هديله خبر.
ثم أجلستها في غرفة إنتظار أنيقة ريثما تبلغ”عز الدين”بحضورها .. في هذه اللحظات شعرت”داليا”بالتوتر الشديد و هي تسمع في شيء من الخوف دقات الساعة الزجاجية المثبتة في الحائط ، كانت منذ يوم واحد فقط يائسة من فكرة حصولها علي تلك الوظيفة و لكن هاهي عادت مرة أخري و في إنتظار إستعداد”عز الدين”لمقابلتها ..
و بينما كانت مستغرقة في تآملاتها قطعت السكيرتيرة حبل أفكارها قائلة:
-اتفضلي معايا يا انسة .. مستر عز الدين منتظرك في مكتبه.
ثم دعتها لترافقها إلي مكتب”عز الدين”حيث توقفا أمام باب عاجي عريض ، فتحته السكيرتيرة و أبتعدت مفسحة لها مجال للدخول إلي تلك الغرفة الواسعة ذات الأثاث الفاخر و التي أجرت بها”داليا”المقابلة الشخصية في المرة السابقة ..
أغلقت السكيرتيرة الباب خلف”داليا”التي تقدمت في بطء إستحياء من مكتب”عز الدين”الذي كان منكبا علي بعض الأوراق و الملفات ، فلم يرفع رأسه لتوه ، مرت لحظة مشحونة بالتوتر ثم رأته فجأة يوجه نظره إليها حيث رمق قامتها المتوسطة بعينين متفحصتين
ظلت”داليا”جامدة مكانها ، كانت خجلة من النظر إليه ، أحست بالدماء تجري حارة في وجنتيها تحت وطأة نظراته الفاحصة ، ذلك الهدوء ضاعف عصبيتها و توترها أكثر فحدجته بنظرة خاطفة حابسة أنفاسها كان أنيق الملبس كعادته يرتدي كنزة كشمير صوفية زرقاء اللون و بنطالا كحليا من الصوف الناعم.
بينما شعر هو بمدي توترها فإبتسم بسخرية قائلا:
-تعالي اقعدي يا انسة .. اتفضلي واقفة ليه ؟؟
تقدمت”داليا”ثم جلست قبالته علي مقعد قرب المكتب ثم رفعت رأسها لتواجه نظراته الساخرة ، شعرت بإنزعاج من تلك النظرة الدائمة التي يوجهها إليها بإستمرار ، تساءلت في نفسها .. هل مظهرها البرئ قد أوحي له بضعفها كي يتصرف معها علي هذا الأساس الساخر ؟ .. بينما سمعته يسألها:
-تشربي حاجة يا انسة ؟؟
كان حلقها جافا أثر قلقها و توترها و تمنت لو يقدم لها شرابا باردا لكنها عدلت عن رأيها حيث قالت باسمة:
-لا شكرا حضرتك مش عايزة حاجة.
أومأ رأسه موافقا ثم قال بلهجة جازمة باسطا يديه القويتين فوق مكتبه:
-ماشي .. نتكلم في الشغل.
-أيوه !
أجابته بإصغاء بينما قال:
-بالنسبة لتفاصيل شغلك هبعت انسة انجي توصلك مكتبك و هي هتشرحلك كل حاجة اما بالنسبة للمرتب فانتي اكيد خدتي فكرة عنه في الاعلان مش كده ؟؟
أومأت رأسها بهدوء بينما تابع بسخرية عينيه الذهبيتين:
-طيب .. شوفي بقي يا انسة .. لازم تعرفي حاجة مهمة جدا .. الوظيفة اللي اتعينتي فيها دي انا مشيت منها ناس كتير اوي لعدم الكغاءة اللازمة .. بصراحة انا راجل بحب شغلي يبقي مظبوط علي اكمل وجه و لازم تعرفي كمان ان لماوقع اختياري عليكي كان تفكيري في كلامك عن الشغل هو السبب حسيت انك جادة في التعامل علي عكس الباقيين اللي اتقدموا قبلك و بعدك بس زي ما بيقولوا التجربة خير برهان .. هجربك و اتمني فكرتي عنك تكون في محلها.
حاولت قدر إمكانها الأحتفاظ بمظهر هادئ حين حدقت بعينيه في ثقة قائلة:
-انا هثبت لحضرتك اني اد المسؤولية و اني اقدر ادبر امري كويس اوي و زي ما قلت لحضرتك قبل كده انا مش بعرف اتكلم كويس انما بعرف اشتغل كويس و شغلي هو اللي هيتكلم بالنيابة عني ان شاء الله.
هز رأسه متنهدا ثم ضغط زر الجرس المتصل بمكتب سكيرتيرته الخاصة قائلا:
-انجي جاية دلوقتي و هتاخدك عشان توريكي مكتبك و تفهمك تفاصيل الشغل.
أومأت رأسها فيما تمنت فجأة لو أنها تستطيع سحب طلب العمل ، ليس لإنها لا تتقن مهنتها ، أو تعجز عن التعامل معه بل لخوفها من أمر أعمق و أشد تعقيدا ، أنه شعور بالخوف فهمت معزاه لكنها رفضت إستمرار التفكير في الأمر ..
دخلت السكيرتيرة حجرة المكتب فتوجه”عز الدين”إليها بالحديث قائلا:
-انجي .. هتاخدي الانسة أاا ..
سارعت”داليا”معرفة:
-داليا.
فعاد يقول:
-هتاخدي الانسة داليا لمكتبها .. توريها كل حاجة و تفهميها تفاصيل الشغل طبعا و اي سؤال ليها اكيد عندك الاجابة عليه مش كده ؟؟
-تمام يافندم .. اتفضلي معايا يا انسة.
نهضت”داليا”إستعدادا لموافاة السكيرتيرة بينما أستوقفها”عز الدين”فجأة قائلا:
-استني يا انسة لو سمحتي.
فإلتفتت إلي في تساؤل فيما إنتصب واقفا و إتجه نحوها ، فحدقت به في حيرة بينما كانت عيناه تلمعان كعيني أسد متربص ، و في غطرسة وقحة أخذ يدور حولها ناظرا إليها من كل زاوية ثم أخيرا و قف أمامها وجها لوجه:
-اتفضلي يا انسة.
قال ذلك مادا يده ببعض الأوراق النقدية بينما تسمرت”داليا”في مكانها مندهشة بشكل كبير ثم سألته:
-ايه ده حضرتك ؟؟
هز كتفيه ساخرا ثم قال:
-فلوس !
-ايوه ما انا عارفة انها فلوس .. بس اخد فلوس ليه و انا لسا ماشتغلتش ؟؟
أجابها بهدوء بارد:
-المبلغ ده مش ليكي شخصيا يا انسة .. انتي دلوقتي وجهة الشركة يعني لازمك هدوم و حاجات تانية كتير لازم تكوني شيك قدام العملا و مظهرك مناسب .. انتي بتمثليني انا و شركتي .. فاهمة ؟؟
حدق مليا بوجهها الذي تضرج بحمرة الخجل فقد أصاب منها وتر حساس بينما نظرت إليه مباشرة بعينين ملؤهما الكبرياء و الرفض ثم قالت:
-انا مش محتاجة للمبلغ ده حضرتك .. و بالنسبة لمظهري فأنا شايفة انه مناسب جدا ده اولا .. ثانيا انا جاية هنا عشان اشتغل مش عشان اعمل Fashion show !
رفع حاجبه بذهول ، فكان ردها هذا هو أخر ما توقع سماعه من أنثي تحديدا ، حتما لو كانت فتاة أخري مكانها لكانت قبلت المبلغ بكل سرور و ترحيب بينما أحست”داليا”بموجة عارمة من الغضب تجتاحها فقد جرح مشاعرها بذلك العرض التافه و خاصة أمام سكيرتيرته الخاصة ، شعرت بالوهن يغلي بصدرها و لكنها تمسكت برباطة جأشها أمامه .. :
-طيب .. انا محترم وجهة نظرك.
قال ذلك بلطف هذه المرة ثم تابع:
-بس زي ما قلتلك انتي وجهة الشركة بتمثليها و بتمثليني كمان فلازم تقبلي المبلغ ده عشان تقدري تحسني من مظهرك شوية.
ها جرح أخر .. أغمضت عيناها بألم ثم قالت معترضة و قد زادت مشاعر التحدي و الكبرياء في نفسها:
-اسفة .. مش هقدر اقبل من حضرتك اي مبلغ غير مرتبي.
-و بعدين !
بات صوته أكثر حدة و حركاته أكثر قوة ثم تابع بغضب:
-اسمعي يا انسة .. انا مش فاضي للشد و الجذب ده انا ورايا شغل و قلتلك ان المبلغ ده مش ليكي شخصيا .. ده عشان الشغل اهم حاجة عندي لما تيجي شركتي تبقي في مظهر مناسب برا شركتي بقي لو لبستي ايه شيء مايخصنيش فاهماني ؟؟
شعرت”داليا”بالرعب يملأ أوصالها من عينيه الحادتين الغاضبتين ، لم تعد قادرة علي تحديه أكثر من ذلك ، فقد كان صوته مليئا بالعنف ، و نفسه مليئة بالإرادة و التصميم و بدا و كأنه مشمئز من المماطلة و الرفض اللذين تمارسهما بحقه و قبل أن تتفوه بحرف أمسك يدها و و ضع النقود بها مطبقا كفها عليها ثم قال بلهجة آمرة و هو يتجه إلي مكتبه:
-و دلوقتي اتفضلي مع انجي علي مكتبك و ياريت تبدأي الشغل فورا في شغل كتير متعطل.
لم يعطها فرصة للرد عليه أو الإحتجاج ، إذ أنه جلس معتدلا و بدأ بفتح بعض الملفات فوق مكتبه بينما كان الغضب يملأ شرايينها فها هي بطببعتها الضعيفة البسيطة أمام الرجل الذي يملك كل شيء ، و بكل الحنق الذي تخزنته في نفسها أطبقت بكفها علي النقود في شدة ثم إستدارت دامعة العينين و رافقت السكيرتيرة إلي مكتبها … !
*******************************************************************
وقف أمام المرآة و أخذ يحدق بوجهه جيدا ، لم يختفي أثر الكدمات بعد ، تأفف لهذا ثم إنحني إلي طاولة صغيرة و ألتقط هاتفهه و سلسة مفاتيحه الذهبية .. ألقي نظرة أخيرة علي نفسه مفعمة بالحسرة علي مظهره و ملامحه الجذابة التي باتت قاسية
غادر غرفته و أجتاز الرواق العلوي بخطوات واسعة ثم هبط الدرج بخفة و تابع سيره حتي وصل إلي ساحة المدخل أمام المنزل مباشرة حيث كانت سيارة مرسيدس بيضاء تلمع تحت آشعة الشمس الذهبية فيما صعد هو إلي السيارة ثم أقلع بهدوء و روية حتي توقف قليلا أمام بوابتا القصر الكبيرتين فإنفتحت له الأبواب سريعا ثم فجأة و عند خروجه من البوابة إعترضته سيارة تشبه سيارته و لكن لونها مختلف .. رفع نظارته الشمسية عن عينيه ليتفاجأ برؤية صديقته التي ترجلت بسرعة من سيارتها و إقتربت منه باسمة ، بينما تمتم بغضب:
-يادي النهار اللي مش فايت .. جاية تهبب ايه دي ؟؟
-عمر .. حبيبي .. ازيك يا بيبي عامل ايه ؟؟
قالتها الفتاة عندما وصلت إليه بينما حدثها بحنق عبر شباك سيارته:
-ايه اللي جابك يا يارا ؟ عايزة ايه ؟؟
-الله يا عمر ! .. بقي دي مقابلة تقابلني بيها ؟! و انا اللي دوست علي كرامتي و نسيت عمايلك فيا و قلت اجي اشوفك و اطمن عليك تقوم تقابلني كده !
-و ليه يا ستي تدوسي علي كرامتك عشان واحد ندل زيي لأ انتي كرامتك غالية و عشان كده بقي خدي بعضك و إتكلي من هنا يلا.
شهقت بصدمة قائلة:
-انت بتطردني يا عمر ؟؟
أومأ رأسه قائلا:
-اه بطردك و بصراحة مش عايز اشوف وشك تاني و منغير سلام.
قال جملته الأخيرة بتهكم ثم أدار عجلة القيادة و أنطلق بسيارته سريعا حتي قطع مسافة طويلة ثم توقف أخيرا أمام فيلا بسيطة تحيط بها الأشجار الكثيفة ، ترجل من سيارته و ألقي التحية علي البواب المسن ثم مضي في سبيله إلي الداخل ..
علي أعتاب المنزل طرق الباب لتفتح له إحدي الخادمات باسمة بينما أنزل نظارته قليلا بحركة رشيقة من أصبعه ، و تفرس فيها من أعلي رأسها حتي أخمص قدميها في وقاحة و بساطة حتي سمعها تقول مرحبة:
-اهلا اهلا يا عمر بيه .. اتفضل ادخل.
تقدم”عمر”إلي الأمام و عيناه لا تزال تتفحصانها جيدا:
-الست كاميليا قاعدة في الهول الكبير بتشرب قهوتها.
قالت ذلك باسمة ثم سألته:
-تحب اجبلك قهوة بردو و لا عايز حاجة تانية ؟؟
-اي حاجة يا قمر .. مش قمر بردو ؟؟
إبتسمت الفتاة مصطنعة الخجل ثم قالت:
-ايوه.
-اسم علي مسمي و ربنا.
إتسعت إبتسامتها لتضحك بإغراء ثم توجهت نحو المطبخ تتبخطر في خطاها ، بينما أخذ”عمر”طريقه إلي حيث أرشدته ، دخل إلي قاعة الجلوس ثم توجه بسرعة نحو إمرأة جلست بأناقتها المعهودة علي أريكة مغطاة بالصوف الأحمر ، لا يمكن تقدير عمرها بأكثر من أربعين عاما ..
تلك هي الممثلة الشهيرة التي تدعي”كاميليا فهمي”لا زالت تنبض بالحيوية و الجمال ، بشرتها بيضاء ناعمة جدا ، و عيناها زرقاوتان لا أثر للتعب فيهما و شفتاها قرمزية تضجان حياة و إغراء و دعوة .. إقترب منها”عمر”ثم دني نحوها قائلا بحرارة وهو يقبلها علي جبينها:
-مامي .. وحشتيني.
إبتسمت الممثلة القديرة بنعومة و هي تداعب وجه أبنها الذي يحمل شبها كبيرا لوجهها ثم قالت:
-يا روحي .. انت وحشتني اكتر يا حبيبي .. بس انا زعلانة منك.
-زعلانة مني ليه بس يا مامي ؟؟
-بقالك اد ايه مسألتش عليا؟؟
قال معتذرا:
-معلش سامحيني عارف اني قصرت معاكي الفترة اللي فاتت بس كان غصب عني انتي عارفة اني بجيلك من ورا عز .. و لما جاله شغل برا و سافر كنت مخطط اني اجي اقعد معاكي كام يوم والله بس حصلت ظروف بقي كده و كنت قاعد في البيت بقالي يومين بسببها.
سألته بإهتمام:
-ظروف ايه دي يا حبيبي ؟؟
صمت قليلا ثم نزع نظارته عن ن عينيه فشهقت أمه بهلع و صدمة قائلة:
-يا خبر ! .. ايه اللي في وشك ده ؟ مين اللي عمل فيك كده ؟؟
تحسس وجهه ثم أجابها:
-ماتقلقيش اوي كده يا مامي .. دي كانت خناقة بسيطة في الجامعة و انا قدامك اهو كويس.
قالت بصوت حزين و هي تتأمل ملامحه:
-كويس ايه بس ! .. ده وشك كان وسيم اوي زي اخوك عز الدين .. دلوقتي ملامحك بقت قاسية شوية .. انت عجبك اللي عملته في نفسك ده ؟؟
-خلاص بقي يا كوكو ماتكبريش الموضوع ما انا زي الفل قدامك اهو و كلها كام يوم ووشي يرجع زي ما كان.
نظرت إليه في عتاب فقال:
-خلاص بقي يا مامي انا جاي اقضي يوم حلو معاكي .. مش كده بقي ابتسمي عشان يبان جمال عنيكي.
فإبتسمت أمه رغما عنها قائلة:
-ماشي يا مجرم كل بعقلي حلاوة كل.
ثم سألته:
-المهم قولي .. اختك عبير عاملة ايه ؟؟
-زي القردة هتعمل ايه يعني.
ضحكت بنعومة ثم تابعت سؤالها:
-قولتلها اني عايزة اشوفها ؟؟
أومأ رأسه قائلا:
-اه يا مامي قولتلها .. بس ..
-بس ايه ؟؟
سألته بإرتقاب بينما تردد قليلا قبل أن يقول:
-اصلها خايفة من عز .. انتي عارفة هو ببمنعنا عنك ازاي .. بس وعد طالما عايزة تشوفيها انا هجبهالك لحد عندك قريب.
أومأت رأسها ثم تابعت سؤالها:
-طب و اخوك عز الدين .. عامل ايه ؟؟
نظر”عمر”إلي وجه أمه الذي إمتلأ بالحزن فجأة ثم قال في محاولة للتخفيف عنها:
-قرد هو التاني .. انا مش عارف بس انتي بتسألي ليه علي عيال مالهمش لازمة زي دول خليكي معايا انا يا كوكو .. انا حبيبك اللي بيدلعك يا قطة.
نجحت محاولته حيث إبتسمت أمه بعفوية بينما قال:
-بقولك ايه .. انا جعان طابخين ايه انهاردة و لا نطلب دليفيري ؟؟
أجابته ضاحكة:
-حالا يا حبيبي هقولهم يحضروا الغدا.
ثم هتفت بإسم أحد الخدم و أعطت أوامرها بإعداد مائدة الطعام … !
*******************************************************************
-داليا !
هتفت”ياسمين”و هي تنادي علي شقيقتها مستغربة لتوجهها من باب المنزل إلي باب حجرتها مباشرة ، و قبل أن تلحق بها”ياسمين”أوقفتها قائلة:
-ياسمين من فضلك سيبيني لوحدي دلوقتي و ماتدخليش علي خالص.
قالت ذلك ثم أغلقت الباب خلفها ، بدلت ملابسها سريعا فإرتدت قميصا خفيفا من القطن الأبيض بدون أكمام ثم توجهت نحو مرآتها و حدقت بوجهها ، رأت نفسها جميلة نوعا ما ، غير أنها كانت معتادة علي التعبير الصريح عن أعجاب الرجال بها تتلقاه دون حرج أو غرور منذ كانت في الثامنة عشر من عمرها و بعد أن تحولت من تلك الفتاة الصغيرة المكتنزة إلي تلك المرأة الجذابة ذات القوام الجميل و الأنوثة الصارخة رغم بساطتها ..
لكن هذا الرجل ، رب عملها الكامل الرجولة المعتد بنفسه سخر منها تصرف معها و كأنها نكرة و كأنها فتاة صغيرة أو غلام لا يثير فيه أي رغبة ، لم يضايقها هذا كله بقدر ما شعرت بالقهر عندما أعطاها المال من أجل شراء بعض الملابس و أدوات التجميل ، كادت تبكي و لكنها منعت نفسها بقوة و حزم .. عليها أن تقوم بإنقاذ نفسها فيما بعد ، فإلي متي ستظل ضعيفة واهنة مغلوبة علي أمرها ؟
تنهدت بثقل ثم سارت نحو فراشها و أستلقت عليه ، لم تنم كثيرا أو هكذا خيل إليها ، و ما أن أستيقظت في وقت لاحق حتي هبت من فراشها مذعورة و قلبها يخفق بشدة غريبة ، رفعت يدها لتغطي وجهها و كأنها تهرب من واقعها الأليم و من مسؤوليتها التي أثقلتها بينما نحيبها يملأ الغرفة بنشيج متقطع إختلطت فيه الدموع بالتنهدات و الآهات ، أحست و كأنها علي شفير الإنهيار العصبي ..
رفعت رأسها عن راحتيها قبل ثوان قليلة من فتح باب غرفتها و عندما إنتصبت جالسة في فراشها و جسدها مشدود كوتر قاس ، دلفت شقيقتها فزعة ثم إقتربت منها بسرعة و خاطبتها بقلق و لطف:
-داليا ! مالك يا حبيبتي في ايه ؟؟
أجابتها”داليا”بصوت ضعيف متقطع:
-مافيش حاجة يا ياسمين .. انا كويسة.
فإقتربت منها أكثر قائلة:
-لأ شكلك مش كويسة خالص .. قوليلي يا داليا مالك ؟؟
-قلتلك مافيش حاجة يا ياسمين.
أجابتها بضعف واهنة ثم سألتها:
-هي الساعة كام دلوقتي ؟؟
-12 بعد نص الليل تقريبا.
صرخت بإستغراب:
-مش معقول !
قربت”ياسمين”ساعة يدها من وجه شقيقتها لتؤكد لها الوقت فهزت رأسها قائلة:
-بيتهيئلي اني نمت دقايق مش ساعات.
ثم فجأة إرتجفت دون إرادة و أنهمرت الدموع الغزيرة علي وجنتيها الشاحبتين الناعمتين فصاحت أختها قلقة:
-لأ .. لأ إنتي فيكي حاجة مش طبيعية يا داليا قوليلي في ايه من فضلك .. في خاحة حصلت في الشغل انهاردة ؟ ده كان اول يوم ليكي حد ضايقك ؟؟
سألتها بإلحاح فقصت عليها”داليا”كل ما حدث:
-طب و انتي ايه اللي مضايقك في كده يا داليا ؟ ما هو قالك ان المبلغ ده مش ليكي شخصيا انما لشيء يخص الشغل و بعدين يا ستي لو الموضوع مضايقك اوي كده اعتبريهم سلفة و رديهم من اول مرتب ليكي.
-انا اتجرحت اوي من التصرف ده يا ياسمين.
قالت بصوت حاد ثم تابعت:
-كان هاين عليا اسحب ورقي و اسيب الوظيفة و ارميله فلوسه و امشي.
إبتسمت”ياسمين”ثم قالت تهدئها:
-يا داليا يا حبيبتي انا عارفة ان عندك عزة نفس و كرامة بس هنا الموضوع مختلف عن النقطتين دول .. ده شغل يا حبيبتي و زي ما بيقولوا الشغل شغل و اي بني ادم ذكي بيعرف يستغل الفرص في شغله اوي و هو مش هيحسن عليكي هو زي ما قالك انتي وجهة الشركة يعني طرف مهم و لازم تكوني في نفس المستوي اللي هو فيه لانك بتمثليه فعلا قدام العملا زي قالك .. بصراحة هو ماغلطش يا داليا انتي بس اللي حساسة زيادة عن اللزوم.
ثم صمتت قليلا و أضافت:
-و مع ذلك يا ستي زي ما قلتلك لو الموضوع مضايقك اوي اعتبري المبلغ سلفة و رديه من اول مرتب ليكي.
أومأت”داليا”رأسها تعبة فيما تركتها شقيقتها لتستريح بعد أن أطمئنت عليها تماما ..
رتبت”داليا”الوسادة تحت رأسها و أراحت جسدها المنهك و بعد قليل بدأت أجنحة النوم تحوم فوق عينيها و هي غير قادرة علي أبعاده عن ذهنها ، ستكون معجزة حقا إذا إستطاعت أن تهرب منه ، و لكنها إعتادت منذ صغرها علي الإنتصار في معاركها الحاسمة ..
و عندما دقت بمنزلهم ساعة حجرة الجلوس التي تردد صدي صوتها بالإرجاء معلنة حلول الواحدة صباحا كانت”داليا”قد أخلدت إلي نوم عميق … !
********************************************************************
أسدل الليل ستارة فوق قصر الـ”نصار” ..
في الداخل وقف”عز الدين”أمام السيتريو و إدار بعض الموسيقي الخافتة و الحالمة ، ثم تقدم من الأريكة التي توسطت حجرة مكتبه و أستلقي عليها بثقله واضعا يديه خلف رأسه و أغمض عينيه يستمتع بموسيقي”شوبان” .. كان يفكر بهدوء في أمور عديدة ، بدا شكله غير مرتب و قد تدلت خصلة من شعره الغزير الناعم فوق جبهته ، كان هادئا مرتاح البال حتي قفزت صورتها فجأة برأسه ، كم تعجب كثيرا اليوم ، تساءل في نفسه .. هل يمكن أن يتنازلن النساء عن أي مال مقدم لهن بهذه السهولة ؟ .. بل بهذه الصرامة و القوة التي إستخدمتها تلك الفتاة التي تدعي”داليا” ؟ ..
مازال لا يصدق و لن يصدق .. فكلهن في نظره سواء ، و كيف لا و قد أصابته والدته في الصميم ، حيث قتلت بداخله كل مشاعر الشفقة و العطف علي أي أنثي ، ثم فجأة طرد صورة وجهها الجميل البرئ من ذهنه في حين سمع صوت سيارة تصطف بالمرآب المنزلي قرب نافذة المكتب .. إستنتج أنه شقيقه قد وصل لتوه فنهض من موضعه و حمل إسطوانة الموسيقي و وضعها في غلافها ثم خرج من مكتبه لموافاة شقيقه ..
دلف”عمر”إلي المنزل في ساعة متأخرة من الليل ، و عندما كان يقف”عز الدين”بركن مظلم من البهو المؤدي للدرج هتف بقسوة:
-عمر.
إستدار”عمر”قبل أن يصعد درجات الدرج نحو الزاوية المظلمة التي أنبعث منها الصوت ، فيما إقترب”عز الدين”قليلا حتي سطع ضؤ الثريات المعلقة بالجدران علي وجهه الغاضب الذي تعلوه مسحة قسوة مفزعة ، تنهد”عمر”بضيق ما أن رآه ثم قال:
-نعم يا عز ؟؟
-كنت فين ؟؟
سأله بهدوء غاضب بينما أجاب”عمر”:
-يعني انت صاحي مستنيني لحد دلوقتي عشان تسألني السؤال ده ؟؟
فهمهم”عز الدين”قائلا:
-هممم .. واضح يا عمر انك ماسمعتش كلامي كويس امبارح لما قلتلك يا تيجي تشتغل معايا في الشركة يامالكش مكان في البيت هنا.
تأفف”عمر”قائلا:
-لأ سمعت يا عز و اطمن انا جاي بكرة الشركة .. انهاردة بس كان عندي مشوار مهم و ماحبتش آجله.
-مشوار ايه ده ان شاء الله ؟؟
-مشوار و خلاص يا عز.
-مساء التجمعات.
كان هذا صوت”عبير”التي إنضمت إليهم فجأة ثم تابعت:
-ايه خير ؟ متجمعين في تص الليل كده ليه ؟؟
ثم نظرت إلي”عمر”و سألته:
-و انتي يا عموري لسا راجع دلوقتي ؟ هي كوكو كانت ماسكة فيك و لا ايه ؟؟
إتسعت حدقتا”عمر”في فزع و غضب بينما قطب”عز الدين”حاجبيه مستغربا ثم قال:
– ………. !!
الحلقة (4):
-مين كوكو دي ؟؟
نظر”عمر”إلي أخيه مرتعدا و هو يفكر كيف سيخرج من هذا المأزق الذي وضعته به شقيقته ، بينما أدركت”عبير”حجم الكارثة التي ستحدث نتيجة إنفلات لسانها ..
و في وسط تلك الأجواء المشحونة بالتوتر تصاعد رنين هاتف”عز الدين” .. أخرج هاتفهه من جيب كنزته ليجد المتصل”خالد”فأجاب:
-الو يا خالد !
بينما إستغل”عمر”الفرصة فقال و هو يفر راكضا إلي غرفته:
-طيب انا طالع انام تصبحوا علي خير.
فيما إنسحبت”عبير”خلفه سريعا بينما أكمل”عز الدين”المكالمة:
-في حاجة و لا ايه ؟ .. اومال بتتصل ليه في الوقت ده ؟ .. اه .. اه .. انت قولتلها كده يعني ؟ .. متاكد انها عارفة ؟ .. طيب .. طيب يا خالد خلاص انا هشوف الموضوع ده .. يلا سلام.
أنهي”عز الدين”الإتصال ثم صعد الدرج و توجه إلي حجرة شقيقته ، طرق الباب ثم دلف يعدما أتاه صوتها سامحا له بالدخول:
-انتي مابترديش ليه علي خالد لما بيكلمك ؟؟
قال”عز الدين”ذلك بنبرة حادة موجها حديثه إلي شقيقته التي إنتصبت جالسة علي فراشها بينما أجابت متعلثمة:
-أاا انا انا .. اصلي كنت ككنت عازمة بنات صحابي انهاردة علي الغدا هنا و كنت مشغولة معاهم من الصبح و لسا شايفة الموبايل دلوقتي يا عز.
أومأ رأسه متجهما ثم سألها بجمود:
-طب و بالنسبة لميعادكوا انهاردة اللي علي الاساس متغقين عليه من يومين .. ايه اللي خلاكي تطنشيه بقي ؟ عشان صحابك ! بتفضلي شوية بنات زي دول علي خالد ؟!
إرتبكت فأقسمت كاذبة:
-و الله نسيت خالص نسيت بجد و مع ذلك بردو انا هتصل اعتذرله.
-يبقي احسن بردو.
قال ذلك بقسوة ثم تابع محذرا:
-كلها فترة قصيرة و هتتجوزي خالد .. مش عايز ده يتكرر تاني يا عبير .. مش عايز اسمع شكوة من خالد عنك مرة تانية حتي لو كانت عن شيء تافه مفهوم ؟؟
أومأت رأسها في إرتباك بينما غادر أخيها غرفتها يتبعه ظله الغاضب ، فتنفست الصعداء و هي تسب و تلعن و تحقد علي”خالد” … !
******************************************************************
بعد مرور شهر كامل علي مكوث”داليا”بعملها في شركة الـ”نصار”للنقل البحري ، إعتادت علي أشياء كثيرة منها تقلب مزاج رب عملها القاس المتغطرس ، علي الأقل إستطاعات تحديد صفاته السيئة و الطيبة و عليها وجدت ثمة طرق سلسة للتعامل مع كل صفة و تعلمت أيضا متي تخوض في الحرب معه و متي تنسحب ، فلو بلغت المسألة حد كبريائها أو كرامتها تشد عتادها و تقف بوجهه و لأنه كعادته يهوي فرض سيطرته و لأن الإستسلا بقموسه محال عندما تشعر بالكفاية في أي نزاع بينهما تنسحب سريعا قبل أن يفقد أعصابه و بقايا تعقله مع الإيناث ..
كان ظهرا باردا من أيام ديسمبر حيث آشعة الشمس الخفيفة المنبثقة من نوافذ شركة الـ”نصار”تتراقص في أرجاء غرفة الإجتماعات التي وضعت بها طاولة طويلة إلتف حولها عملاء و موظفون يترأسهم”عز الدين”الذي أصرف”داليا”إلي مكتبها لعدم حاجتة لها بقية الإجتماع ..
إجتازت”داليا”الردهة المؤدية إلي مكتبها ثم إلتقت بزميلها”عماد”فتوقفت قليلا و إبتسمت له تحييه ، رد لها التحية قائلا:
-اهلا يا داليا .. ايه الاجتماع خلص و لا ايه ؟؟
-لا يا سيدي لسا ما خلصش انا اللي دوري خلص لحد كده.
أجابته”داليا”ثم تابعت سيرها إلي مكتبها فلحق بها قائلا:
-شكل الباشا بتاعنا مزاجه زفت انهاردة.
جلست”داليا”خلف مكتبها ثم قالت موافقة:
-اه عندك حق مزاجه زفت اوي .. لاحظت كده اوي بالذات لما شاف الانسة اللي اسمهااا اه جومانة خطاب.
قال”عماد”علي الفور:
-اهي انسة جومانة خطاب دي اكتر ست بيحترمها مستر عز الدين شوية.
-طب ايه اللي حصل يعني ؟ مش طايقها دلوقتي كده ليه ؟ دي المفروض اهم عميلة في الشركة.
-اصلها كانت عايزة تدبسه في جواز بعلاقة يعني و كده.
تضرجت وجنتا”داليا”بحمرة الخجل و لكنها تابعت سؤالها:
-طب و انت عرفت الحكاية دي ازاي ؟؟
أجابها بصوت خفيض:
-رانيا عزيز دي أكبر رغاية في الدنيا كلها تبقي عميلة بردو عندنا في الشركة ده غير انها انتيمت جومانة كمان عايز اقولك ان الخبر مابيبتش في بؤها يوم عشان كده جومانة استغلتها و حكتلها التفاصيل بهدف ان الاخبار تنتشر عنها هي و عز الدين بعد ما قطع علاقته الودية بيها نهائي لما اكتشف لعبتها اللي كانت عايزة و توقعه بيها في شبكة الجواز مسكينة هي اساسا كانت فاكرة انها تقدر تعمل اللي ماقدرتش و لا واحدة قبلها تعمله.
-جايز سلوكها ماكنش عاجبه يا عماد و بعدين هو اكيد مش هايعيش باقي عمره راهب لازم هيتجوز لو ماكنتش هي هتبقي غيرها.
هز”عماد”رأسه بقوة مؤكدا:
-لالالالا مستحيل .. عز الدين نصار ! .. مش ممكن.
سألته”داليا”مستغربة:
-هو ايه ده اللي مستحيل و مش ممكن ؟؟
-مستحيل عز الدين نصار هيتجوز دي حاجة اكيد مستحيل تحصل.
قال ذلك ثم سألها:
-عمرك شفتي حد نط من الدور الـ 50 و نزل سليم ؟؟
فأجابت:
-لأ !
-عمرك شفتي انسان ماشي علي وش المايه مثلا ؟؟
-لأ !
-اهو فكرة ان عز الدين نصار ممكن يتجوز دي زيها زي الافكار المستحيلة دي.
-يسلام ! و ليه ده كله يعني ؟؟
تنهد”عماد”قائلا:
-ياااه .. دي حكاية طويلة اوي و تقريبا كل الناس عرفاها.
-شوقتني حكاية ايه دي ؟؟
صمت”عماد”لبرهة و كأنه يفكر ثم قال:
-هحكيلك .. بس اوعي تتكلمي مع حد خالص في الموضوع ده .. تسمعي مني و بعدها كانك ماسمعتيش اي حاجة ماشي ؟؟
-ليه كل ده بس ! هو انت هتقولي سر الخريطة ؟!
-الموضوع ده حساس جدا بالنسبة لـ عز الدين .. الكل عارف اه بس محدش بجرؤ يتكلم و يحكي في اللي فات تاني و بالذات هنا.
أومأت”داليا”رأسها تحثه علي الحديث قائلة:
-ماشي يا سيدي احكي بقي و انا مش هتكلم.
بينما سألها:
-تسمعي عن كاميليا فهمي ؟؟
رددت”داليا”الأسم في شرود:
-كاميليا فهمي !
ثم هبت قائلة:
-اه عارفاها .. الممثلة.
-اهي دي بقي يا ستي تبقي والدة عز الدين نصار.
إتسعت عيناها بذهول قائلة:
-ايه ده بجد ؟؟
أومأ رأسه مؤكدا كلامه فيما كان ينظر إليها قائلا بجدية بالغة:
-ايوه بجد .. بس الحقيقة انه مش بيعتبرها امه بالعكس ده بيكرهها جدا من صغره تقريبا متبري منها حتي اسمها مش بيطيق يسمعه.
-يا خبر ! ليه ؟ ليه كل ده ؟؟
ثم نظرت إليه بعينين حزينتين مذهولتين و كأنها تستجديه أن ينفي ذلك و لكنه أكد بقوله:
-كل اللي قلتهولك ده حصل فعلا .. الحكاية بدأت من زمان من يجي 16 سنة كده ايام ما كان لسا عايش فريد بيه والد عز الدين .. ساعتها مدام كاميليا كانت صغيرة اوي و حلوة اوي كانت بردو مهووسة بالتمثيل و بتحلم بالشهرة مشيت بقي في الموضوع ده من ورا جوزها لحد ما اتعرفت علي منتج كبير تقريبا .. اتضطرت وقتها انها تتنازل عن حاجات كتير اوي عشان تحقق الشهرة اللي كانت بتحلم بيها و فجأة في يوم كانت سايبة البيت و راحت عشان تعيش معاه .. فريد بيه كان عاقل ساعتها لو كان اتهور كانوا ولاده الـ 3 هيضيعوا من بعده خصوصا انهم كانوا صغيرين و مالهمش حد اكبرهم عز الدين وقتها كان عمره 17 سنة تقريبا و طبعا شهد علي كل اللي حصل ده و من ساعتها و هو بيكرهها تقدري تقولي عقدته في الصنف كله مابقاش عنده ثقه في اي ست عمره ما حب اطلاقا لكن حياته ماكنتش نضيفة يعني طول السنين من مميزاته انه محبوب اوي خصوصا من الستات فلما كانت بتجيله الفرص ماكنش بيضيع وقت كان بيستمتع بوقته يعني .. و بس يا ستي هي دي كل الحكاية.
توقف”عماد”لحظة طويلة ثم نظر إلي وجهها ليري تأثير كلماته عليها ، بدت هادئة مندهشة جدا ثم قالت بعد صمت طويل:
-مصدومة .. بجد مش عارفة اقول ايه ! .. بس علي الاقل بعد الكلام ده قدرت افهمه شوية.
هزت رأسها ثم تابعت:
-شكله معقد فعلا !
إنهمكت”داليا”في عملها خلال الأيام التالية مستخدمة أجمل مكتب شاهدته في حياتها و لكنها فكرت .. أن جمال المكتب لا يضاهي أبدا جمال من منحها إياه ، كانت دائمة التفكير فيه ، لم يفارق ذهنها أبدا ، أخذت تتساءل في نفسها .. هل يعيش هذه الحياة منذ فترة طويلة حقا ؟ أحقا لم يذق طعم الحب في صباه أو شبابه ؟ كيف إستطاع أن يحصن نفسه ضد النساء بل ضد الوقوع في الحب طيلة هذه السنوات ؟ كيف و هو المحبوب الذي تلتف حوله جميع الجميلات ؟ و كيف هو قادر علي التصرف بإنسانية و حرارة عاديتين ؟ ..
-انا بقالي مدة بصراحة و انا هموت و اتعرف عليكي يا انسة داليا و اخيرا جت الفرصة.
كان هذا صوت”عمر”الذي إقتحم مكتب”داليا”فجأة ثم إنحني أمامها قليلا و هي تجلس وراء مكتبها تعمل بجد و نشاط
أخذ ينظر إلي أوراقها بسرعة ثم حول نظراته إلي عنقها الجميل و تمتم قائلا:
-مكتبك جميل اوي .. زيك.
حبست”داليا”أنفاسها بقوة ثم قالت في ثبات جامد:
-شكرا علي ذوقك يا استاذ عمر و الحقيقة اني اتشرفت بمعرفة حضرتك كتير بس انا حاليا مشغولة اوي زي ما انت شايف و محتاجة اخلص شغلي بسرعة.
إبتسم بخفة قائلا:
-عايزة تقوليلي امشي يعني ؟؟
ثم هز كتفيه ضاحكا و جلس قبالتها في مقعد مريح قرب المكتب و بدت علي وجهه فورا ملامح المشاغبة و الدلال ثم تمتم قائلا:
-احلي حاجة عملهالي اخويا هنا انه مش بيديني شغل معقد فبالتالي بخلص بسرعة كل اللي ورايا و انا دلوقتي فاضي و زي ما قلتلك كان نفسي اتعرف عليكي من مدة.
تجهم وجه”داليا”حيث قالت بنبرة حادة:
-ارجوك لو سمحت .. انا مش فاضية للكلام ده و مش بحب اتعرف علي حد و لا اطور علاقات هنا خارج حدود العمل و بالنسبة لي حضرتك واحد من اصحاب الشركة ليك عندي كل الاحترام و التقدير و بس.
-يااه .. انتي قاسية اوي يا انسة داليا .. كنت فاكر ان قلبك رقيق زي بشرتك الحلوة دي.
-أرجوك كفاية !
خاطبته”داليا”بحدة ظاهرة و توتر واضح ثم تابعت:
-حضرتك حاسس بالملل و مش لاقي حاجة تعملها احسن من انك تيجي هنا و تقولي كلام مايصحش ابدا يتقال.
ثم نظرت بصدمة إلي تلك الأوراق التي أمامها قائلة:
-شفت دلوقتي خلتني اعمل ايه ؟؟
إرتكبت عدة أخطاء في الكتابة لا يمكن تصحيحها بدون تشويه الورقة بكاملها ، نظرت إليه غاضبة و قالت:
-امشي .. لو سمحت !
-ماكنتش اعرف اني ممل اوي كده بس اعمل ايه طيب لو انا شايفك بنت حلوة و لطيفة و مش قادر اقوم و اسيبك انتي تجنني بصراحة.
ثم حدق بوجهها باسما و قال:
-واو يا انسة .. بقالي كتير ماشفتش بنت خدودها بتحمر زيك كده بيتهيئلي لو جبت عود كبريت و حطيته علي خدك هيولع !
صرت علي أسنانها قائلة:
-انا اللي هولع فعلا يا استاذ لو مامشتش حضرتك دلوقتي حالا .. ارجوك روح اتسلي في مكان تاني انا عندي شغل للزم يخلص في وقت محدد مستر عز الدين طالب الشغل ده بنفسه.
هب”عمر”واقفا ثم قال:
-لاااا خلاص خلاص حقك عليا يا ستي طالما الشغل ضروري و لـ عز كمان انا همشي حاضر و مش هزعجك .. بس هشوفك تاني.
ثم إبتسم بخفة و غادر المكتب علي الفور بينما تأففت”داليا”بضيق و غضب ثم عادت إلي عملها … !
********************************************************************
كان”خالد”قد أشتري سوارا ذهبيا لـ”عبير”بمناسبة عيد مولدها ثم قدمه إليها بحب حبن كانا يجلسان قبالة بعضهما بحديقة القصر تحت سماء الليل المرصعة بالنجوم التي تلألأت علي مدي أبعاد متفرقة ..
كانت تود لو تلقي السوار بوجهه لولا أنها تذكرت غضب أخيها الجامح الذي يحرق بحممه الأخضر و اليابس إذا أثاره أحدهم ، فأبعدت عن رأسها هذه الأفكار و قبلت هدية”خالد”علي مضض ثم نهضت وشكرته بحرارة زائفة حيث وضعت ذراعيها حول عنقه و قبلته علي وجنته سريعا ثم عادت تجلس بمكانها ..
سعادته في تلك اللحظة جراء ما فعلته دفعته إلي القول:
-بيرو .. ايه رايك يا حبيبتي لو نتجوز اول الشهر الجاي ؟ انا مش شايف ان في اي سبب للتأجيل اكتر من كده بقي كل حاجة جاهزة الببت و كل حاجة مش ناقص غيرك انتي يا روحي.
إرتعشت في إرتباك ثم قالت متعلثمة:
-أ أ ايه يا خالد .. انت مستعجل كده ليه ؟ و بعدين احنا محددين الميعاد بعد سنة لما اخلص كليتي لسا بدري.
-يا حبيبتي ما انتي ممكن تكملي دراسة و احنا متجوزين بردو مافيش مشكلة.
زادتها كلماته إرتباك فقالت منفعلة:
-و بعدين بقي يا خالد من فضلك اقفل علي الموضوع ده دلوقتي خالص و ماتفتحوش قدام عز الدين اوعي احسن ده ما هيصدق و ممكن يسمع كلامك.
-طب و ماله يا حبيبتي .. ده انا بحلم باليوم ده يا بيرو .. انا استنيتك كتير بقالي 10 سنين متخيلة ؟ بعد الايام يا عمري و نفسي تفوت بسرعة بقي.
تجهمت”عبير”ثم قالت محاولة إخفاء سخريتها:
-يسلام بتحبني اوي ؟ عايز تفهمني ان عمرك ما عرفت غيري مثلا ! حتي لو قلت لأ انا مش هصدق طبعا.
-عبير !
هتف بدهشة بينما سألته بتهكم:
-ايه قلت حاجة غلط ؟ يعني انت عمرك ما انجذبت لأي واحدة حلوة مثلا .. جاوب بصراحة عادي انا مش هزعل منك خالص صدقني.
زادت دهشته ثم قال:
-انا عمري ما فكرت في واحدة غيرك يا عبير .. بس بجد ادهشتيني ! انتي شايفة اني لو خنتك او لو حبيت واحدة تانية غيرك دي عادي ؟ ممكن تقبلي بكده ؟؟
-اه عادي .. ايه المشكلة الحاجات دي مش بالإرادة ممكن في لحظة تجذبك واحدة و تلاقي نفسك معاها و بتحبها.
-يسلام ! طب و يا تري الكلام ده ساري علي الراجل بس ؟؟
-لأ عادي و علي الست كمان.
-بجد ! يعني انتي مثلا من الممكن او من السهل ان راجل غيري يجذبك ؟؟
أوقعها بمأزق فأجابته بسرعة في إرتباك:
-انت بتاخد الامور كلها بجد ! احنا بنتناقش.
أومأ رأسه موافقا:
-صح بنتناقش .. بس مستغرب لتكون دي في الحقيقة وجهة نظرك يا عبير !
تجاهلت الموضوع برمته قائلة:
-بقولك ايه .. كفاية مناقشة بقي لحد كده.
ثم قالت لتجذب إنتباهه:
-احلي حاجة انك اول واحد افتكر عيد ميلادي لأ و جبتلي هدية حلوة كمان.
نجحت محاولتها في التمويه عن النقاش حين برقت عيناه بإبتسامة عشق ثم مد يده و أمسك يدها الملقاة علي الطاولة الصغيرة التي كانت تفصل بينهما ثم طبع عليها قبلتين
-طيب .. انا لازم امشي دلوقتي بقي عشان الوقت اتأخر .. بس عايز اقولك اني برتب ليوم اجازة كده هاخدك فيه و اخرجك في اي حتة بمناسبة عيد ميلادك.
قال”خالد”ذلك ثم وقف إستعدادا للرحيل بينما وقفت”عبير”في مواجهته و إصطنعت إبتسامة فيما إقترب منها و قبلها علي وجنتها بحرارة ، تمالكت نفسها حتي لا تبتعد عنه ثم تنفست الصعداء ما أن غادر و تركها … !
******************************************************************
يا داليا احنا كده هنروح في داهية .. لو الورق ده ما اتمضاش في اسرع وقت كلنا هنروح فيها ده ريسك كبير اوي علي الشركة.
قال ذلك أحد الموظفين الذين إجتمعوا دفعة واحدة داخل مكتب”داليا”بينما تساءلت:
-طيب يا جماعة محدش معاه رقم مستر عز الدين ؟؟
أجابها موظف كان يقف علي مقربة منها:
-محدش هنا في الشركة معاه رقمه خالص.
-طيب فين الاستاذ خالد ابن عمه و اخوه الاستاذ عمر فين ؟؟
فأجابها”عماد”:
-خالد بيه واخد اجازة انهاردة اما الاستاذ عمر ده بقي ماشي بهواه يجي وقت ما يحب و يمشي وقت ما يحب.
ثم تابع بحنق:
-الحكاية دي اول مرة تحصل في الشركة اول مرة يسيبوها كلهم سايبة كده انا مش فاهم ايه الي حصل !!
تابعت”داليا”سؤالها قائلة:
-يعني ايه ؟ محدش معاه رقم اي حد منهم ! مش ممكن !
ثم فجأة هب”عماد”قائلا:
-أيوه ايوه .. انا معايا .. معايا رقم خالد بيه.
فسارعت”داليا”قائلة:
-طب هاته هاته بسرعة.
ثم دونته علي هاتفهها و أجرت الإتصال به ، ليأتي صوت”خالد”بعد لحظات:
-الو !
-ايوه مستر خالد ؟؟
-ايوه انا مين معايا ؟؟
-انا داليا .. داليا عبد المجيد حضرتك السكيرتيرة العام للشركة.
-اه اه اه .. اهلا يا داليا ايه خير في حاجة ؟؟
-في حاجات حضرتك.
-ايه يا داليا في ايه اتكلمي ؟؟
-ورق الـ 3 شحنات اللي واقفين في المينا لسا ماتضماش حضرتك و مستر عز الدين مش موجود و الورق ده مهم جدا و لازم يتمضي فورا لو ماتبعتش منه نسخة للفرع اللي في باريس مش هيبعتوا البضاعة و الجمارك هتحجز عليها و الفلوس كمان هضيع علينا احنا مابقاش معانا وقت كده خطر يافندم.
بدا القلق علي صوت”خالد”حين قال:
-ايوه يا داليا ايوه .. بس للأسف انا مكاني بعيد عن الشركة دلوقتي ده غير ان عز الدين تعبان بقاله كام يوم و مستريح في البيت مابيخرجش فمعلش يا داليا لو سمحتي لازم تروحي تمضيه علي الورق ده بسرعة و ترجعي تبعتي منه نسخة علطول لفرع الشركة.
-انا ! انا اروح امضيه ؟ قصد حضرتك في البيت يعني ؟!
سألت”داليا”بدهشة فأجابها:
-اه يا داليا معلش ارجوكي بقولك هو تعبان اوي والله و مش هيقدر يروح في اي حتة و بعدين الموضوع مش هياخد اكتر من نص ساعة.
أجابته متعلثمة في تردد:
-أاا ايوه حضرتك فاهمة .. بس .. بس انا ماعرفش السكة.
فقال علي الفور:
-هاتي ورقة و قلم و اكتبي العنوان.
دونت”داليا”العنوان بورقة صغيرة ثم أسرعت و غادرت الشركة إستوقفت سيارة أجرة و أخبرت السائق بالعنوان ، إستغرقت دقائق حتي أدي بالسيارة طريق جانبي يكسوه الغبار إلي بوابتي حديد كبيرتين ، ترجلت”داليا”من السيارة و طلبت من السائق أن ينتظرها ثم إتجهت نحو بوابة ذلك القصر الفاخر الذي قرأت علي لافتته”قصر فريد نصار” .. إعترضها حارس البوابة قائلا:
-نعم حضرتك ! عايزة مين ؟؟
إبتلعت ريقها بصعوبة و هي تلمح بعيني الحارس تعبير الفضول و التساؤل ثم قالت:
-انا جاية اقابل الاستاذ عز الدين نصار.
-لو كان عندك ميعاد مع عز الدين بيه كان بلغنا قبل وصولك .. انا اسف بس ماقدرش ادخلك.
صمتت لثوان ثم قالت تستجديه:
– من فضلك .. انا لازم اقابله حالا انا بشتغل عنده في الشركة و جايبة معايا ورق مهم لازم يمضيه بسرعة و الا هتحصل كارثة كبيرة في الشغل.
هز رأسه بإصرار صارم قائلا:
-اسف يا انسة هي مش وكالة منغير بواب انا شغلتي هنا حراسة البوابة دي ماخليش حد يدخل او يخرج بدون اوامر عز الدين بيه.
فقالت تترجاه:
-لو سمحت .. طيب ادخل قوله اني هنا .. قوله بس داليا عبد المجيد السكيرتيرة.
هز رأسه بعند و أصرار فتأففت”داليا”بضيق ثم فجأة قفزت برأسها فكرة ، أخرجت هاتفهها و أجرت الإتصال بـ”خالد”فأجاب بعد لحظات:
-ايوه يا داليا عملتي ايه ؟؟
-يا خالد بيه انا وصلت قدام القصر اهو حضرتك بس الحارس مش راضي يدخلني.
-طب هاتيه هاتيه.
ناولت”داليا”الهاتف للحارس الذي نظر لها بضيق حانق قائلة:
-اتفضل معاك الاستاذ خالد نصار.
أخذ الحارس الهاتف من يدها ثم أجاب علي المنتظر:
-الو ! .. ايوه يا خالد بيه .. بس عز الدين بيه مادنيش خبر ان في حد جاي يزوره .. ادخلها يعني ؟ .. مافيش مشكلة حضرتك متاكد ؟ .. حاضر .. حاضر يا خالد بيه تحت امرك.
ثم أعاد الهاتف إلي”داليا”و وفتح لها البوابتين ، فمرت عبرهما فيما أوصدهما الحارس بعد دخولها .. وقفت قليلا قبل أن تتابع طريقها و شعرت بيديها ترتجفات فكان هذا المكان بمثابة عالم أخر بالنسبة لها ، تقدمت إلي الأمام و أكملت سيرها في هذا الممر الحجري الطويل حيث آشعة الشمس تداعب بشرتها و تلك الأشجار الكثية أيضا المنتشرة هنا و هناك و التي رأت من خلالها علي بعد خطوات طويلة منها المنزل الرئيسي بهندسته الهولاندية الجميلة و بنائه الضخم ، مما أثار دهشتها لم تكن تتوقع أن يكون منزل رب عملها صاحب الوجه الصارم و الغضب الجامح بهذا الجمال الفائق تصورت أن يكون منزله يتمتع بحمال وحشي و لكن هذا الجمال .. رقيق !
تابعت”داليا”طريقها في الرواق المؤدي للمنزل حتي وصلت أمام الباب أخيرا ، ضغطت زر الجرس عدة مرات لتفتح لها إحدي الخادمات ، إبتسمت لها”داليا”في توتر قائلة:
-أا اهلا .. ممكن اقابل استاذ عز الدين من فضلك ؟؟
-مين حضرتك ؟؟
سألتها الخادمة مستفسرة فصمتت”داليا”لثوان و قررت إعادة الإتصال بـ”خالد”مرة أخري عوضا عن التوضيح و الشد و الجذب:
-ايه يا داليا في ايه ناني ؟؟
أجابها”خالد”بضيق فقالت:
-معلش حضرتك بس انا واقفة دلوقتي قدام باب البيت مع واحدة تقريبا بتشتغل هنا و هي بتسألني انا مين .. ممكن حضرتك تقولها انا مين.
قالت أخر كلماتها بإرهاق ضجر فسمعت موجات ضحك”خالد”الذي ضحك من قلبه قائلا:
-ههههه طيب يا داليا هاتيها.
أنهت الخادمة الإتصال مع”خالد”الذي شرح لها الأمر ، ثم رافقت”داليا”إلي الطابق العلوي من القصر حيث توجد الغرف و قالت:
-أوضة البيه إللي في الوش دي أخر الطرقة .. و عن أذنك بقي عشان ورايا شغل.
إنسحبت الخادمة في هدوء بينما وجدت”داليا”نفسها تقف وحيدة وسط ذلك الهدوء العظيم ، نظرت حولها لتجد أن كل شبر بهذا المكان رائع حقا .. كان الطابق العلوي عبارة عن بهو طويل و صالون بنفس الوقت ، جدرانه مزينة باللوحات الخشبية المرسومة و جميعها تمثل مشاهد للطبيعة ، غير أن البلاط الرخامي من تحتها مغلف بالسجاد العجمي الفاخر ذا الألوان القاتمة و التي تنسجم ألوانه مع ألوان الجدران .. أفاقت من تآملاتها سريعا متذكرة سبب مجيئها فإجتازت ذلك البهو بخطوات سريعة مضطربة متوترة ، إستطاعت”داليا”أن تبلغ الغرفة بسهولة تبعا لإرشادات الخادمة ، طرقت الباب مرة إثنان و ثلاث و لكن ليس هناك من مستجيب ، فأدارت المقبض و هي تشعر بالخوف و القلق و كم أنبت نفسها لمجيئها هنا و تمنت لو كانت رفضت .. خطت”داليا”داخل الغرفة بتمهل و نظرها مثبت أرضا ، تركت الباب مفتوحا ثم رفعت وجهها ببطء ، كان أثاث الغرفة من الخشب القاتم و الألوان القاتمة كما توقعت غرفته من الجمال الوحشي كشخصيته ، فيما أدفأ جهاز التكييف الغرفة بالقدر المناسب ، تقدمت”داليا”ببطء من ذاك الرجل الذي يرقد بذلك الفراش الضخم و الذي بلغ طوله سبعة أقدام .. وصلت إليه حيث و قفت إلي جانبه غير أنه تحرك قليلا بقلق ، أحست نحوه بالعطف حينما وجدته نائما في إستسلام تام و قد تغطي جزئيا فقط بملاءة حريرية و لحافين و قد تصبب العرق من جبينه و صدره الصلب العاري
كانت الإضاءة خافتة قليلا و لم تعرف”داليا”كيف تتصرف فتوجهت نحو النوافذ و أزاحت الستائر جانبا ثم تطلعت إليه في فراشه فوجدته بالنور الذي غمره أكثر وسامة و جاذبية ، و خفق قلبها حتي كاد يقفز من بين ضلوعها ، فكان من المستحيل أن تصدق أن هذا الطفل المسالم و المستسلم للنوم و المرض بفراشه هو نفسه ذلك المتعجرف المتغطرس و القاس !
بينما أزعجه الضؤ الخافت الذي سرت آشعته إلي الغرفة ، فتأوه فجأة ثم تململ بفراشه في ضيق قبل أن يفتح عيناه ، و عندما رأها أمامه حملق فيها غير مصدق ثم … !!
الحلقة( 5):
حملق فيها غير مصدق ثم قال في صدمة:
-انتي ! انتي دخلتي لحد هنا ازاي ؟ مين اللي دخلك اصلا ؟؟
سارت نحو فراشه ببطء ثم قالت متعلثمة:
– أ ا انا .. حضرتك بقالك 3 ايام مش بتيجي الشركة و كان في ورق مهم جدا بتاع الـ 3 شحنات اللي جايين من باريس لسا ماتضماش و كان ضروري يعني يتمضي انهاردة و لما كلمت استاذ خالد اداني عنوان البيت هنا و قالي لازم اجي امضي حضرتك بسرعة عشان ارجع ابعت نسخة من توقيعك لفرع الشركة .. و بس حضرتك.
إرتفع”عز الدين”بجزعه و إرتكز علي مرفقه ساندا ظهره إلي وسادته فسقطت الأغطية حتي وسطه حيث بدا صدره العاري ، ثم قال بوهن جامد:
-انا نسيت خالص الموضوع ده . مش عارف ايه اللي جرالي !
ثم تابع بقسوته المعتادة:
-كانت فكرة كويسة انك تيجي و معاكي الورق عشان امضيه .. لكن ازاي تسمحي لنفسك انك تدخلي اوضتي بدون اسئذان يا انسة داليا ؟؟
عضت”داليا”علي شفتها ثم قالت متعلثمة:
-حضرتك .. انا خبطت كتير قبل ما ادخل لكن مالاقتش رد فإضطريت اني ادخل علطول عشان اخلص مهمتي بسرعة و امشي.
ثم تابعت بجمود متوتر:
-و بعدين حضرتك انا اترددت كتير جدا قبل ما اخطي خطوة واحدة في بيتك ده كله اصلا لكن مجرد ما كنت بفتكر الكارثة اللي كانت هتحصل للشركة كنت باجي علي نفسي و اقول مشوار مش هياخد كتير ده غير اني فكرت ابعت الورق مع اي موظف استقبال لكن افتكرت اني امينة علي اسرار الشركة و الورق المهم و علي اي حال.
قالت ذلك ثم همت بفتح حقيبة يدها و أخرجت ملف يحتوي علي بعض الأوراق ثم رفعت بصرها اليه و قالت في جدية بالغة:
-اتفضل حضرتك ده الورق امضيه بقي عشان لازم ارجع الشركة بسرعة.
حملق فيها في هدوء ساخرا كعادته فتوردت وجنتاها ، كم تكره تلك النظرة الساخرة و تلك البسمة المتمردة التي تشعرها بكونها فتاة صغيرة و لبس إمرأة تشع فتنة و دلال ، توترت”داليا”كثيرا كثيرا جراء نظراته و صمته و عندما قارنت إضطرابها بفرط هدوئه و ثقته الزائدة بنفسه أدركت حدود طاقتها علي مواجهته فأسرعت تقول في حزم:
-ياريت اخد امضيتك بسرعة يافندم عشان الحق ارجع الشركة و ابعت منها نسخة و …
-شششش .. اسكتي شوية.
لم تستطع مواصلة كلامها إذ قاطعها فجأة و هو يحدق فيها و عيناه تلمعان كعيني أسد متربص رغم مرضه ، ثم إنزلق بجسده و ترك الفراش فرأت قامته الفارعة تنتصب و هالها منظره الجذاب فأشاحت بوجهها عنه و بخطوات مضطربة سارت نحو الباب قائلة:
-أ ا انا انا هستني حضرتك برا.
-استني.
هتف بحزم فتجمدت بمكانها ثم قال بعد لحظات:
-تعالي يا انسة.
إلتفتت في بطء ثم رفعت نظرها إليه بروية ، رأت أنه قد إرتدي رداءً منزليا من الحرير الكحلي بينما لاحظت أنه يسعل بقوة فيما قال و هو يترنح بضعف نتيجة للحمي الذي تعرض لها:
-هاتي الورق.
كانت قد إقتربت منه و كاد أن يسقط لولا أنها إندفعت نحوه بدون تفكير و أحاطته بذراعها حتي يستند إليها و قالت بقلق صادق:
-حضرتك كويس ؟ لازم ترجع لسريرك ماكنش ينفع تقوم ابدا لازم تستريح.
فقال بصوت جاف:
-انا مش تعبان للدرجة دي.
ثم إتكأ عليها بينما قادته إلي الفراش حيث كانت الملاءة غير مرتبة ، فساعدته علي الجلوس في مقعد بجوار الفراش ريثما تصلح الملاءة و الأغطية فلم يعترض ، إنتهت”داليا”من ترتيب الفراش ثم ساعدته علي الوقوف إلا أن جسده المنهار قلب كيانها و أثقلها ، و لما عاوده السعال بقوة مرة أخري زلت قدمها فوقعا معا علي الفراش ..
إضطربت”داليا”كثيرا و حاولت أن تنهض و لكنها لم تفلح فقد كان جسده عليها يحبس أنفاسها ، بينما نظر إلي عينيها الخضراوين المذهولتين بإمعان ، كادت أن تتكلم و لكنه لم يعطها الفرصة حين قال:
-اصبري.
ثم وضع يديه قرب رأسها ليرفع نفسه عن صدرها فأسرعت تدفعه بجهد كبير و هي تشعر بصلابة عضلات صدره تحت كفيها حتي أعتدل و أستلقي جيدا ، وقفت”داليا”تتنفس بصعوبة و هي تجمع شتات نفسها ، كانت مضطربة أشد الإضطراب فأخذت تهدأ من روعها بينما شرع هو في إشعال سيكارة فإنتبهت إليه و جذبتها من فمه قائلة:
-ماينفعش خالص يافندم .. ماينفعش تدخن و انت في الحالة دي .. بالطريقة دي مش هتخف ابدا و هتفضل عيان و ممكن حالتك تسوء كمان.
رمقها”عز الدين”بحدة فتذكرت أنه رجل عنيف لا يقبل الإعتراض لكنه لم يفعل ، لم يعترض بل هز كتفيه متنهدا فيما جلبت إليه الأوراق ثم إقتربت منه قائلة:
-اتفضل الورق.
تنهد بثقل ثم مد يده و أخذ الأوراق من يدها ، أمسك بالقلم و بدأ يوقع ، بينما تألمت”داليا”كثيرا لأن سعاله إزداد حدة و وجهه إزداد شحوبا ، أرادت أن تقول شيئا أي شيء لتظهر له أنها مهتمة بأمره و بما حدث له بغض النظر عن فكرته عنها و سائر بنات جنسها ، و لكنها خافت من رد فعل عنيف فظلت صامتة حتي إنتهي من التوقيع ..
أومأت رأسها قائلة:
-ماشي .. كده تمام يدوب بقي الحق ارجع الشركة و ابعت نسخة من التوقيع.
ثم تابعت متسائلة:
-حضرتك عايز مني اي حاجة قبل ما امشي ؟؟
حدق فيها لبرهة بينما نظرت إليه في تساؤل و إذا بالباب يفتح لتدخل شقيقته التي راحت ترمق”داليا”بإعتلاء مقطبة حاجبيها:
-ايه يا عز .. عامل ايه دلوقتي يا حبيبي ؟؟
قالت”عبير”ذلك و هي تجلس علي الفراش بجانب شقيقها بينما تجاهل سؤالها قائلا:
-اومال فين خالد ؟؟
فأجابته:
-وصلني و مشي.
فسألها:
-مشي علي فين ؟؟
هزت كتفيها قائلة:
-معرفش !
رمقها أخيها بغضب فضغطت علي شفتيها في توتر بينما قالت”داليا”و هي تجمع حوائجها:
-طيب عن اذن حضرتك بقي.
-استني.
هتف”عز الدين”آمرا ثم تناول هاتفههو أجري الإتصال بـ”خالد”:
-ايوه يا خالد .. انت فين ؟ .. طيب ارجع .. مش بتقول هتروح علي الشركة ؟
.. طيب ارجع عشان تاخد معاك داليا .. يلا بسرعة.
ثم أغلق الخط معه و نظر إليها ثم قال بحزم:
-خالد هيرجع عشان ياخدك معاه في سكته .. هو مابعدش كتير مسافة ما تنزلي قدام البيت هتلاقيه قدامك.
أومأت”داليا”رأسها وشكرته ثم غادرت غرفة نومه مسرعة و هي تتنفس بعمق ، خيل إليها أنها إنعزلت عن العالم بأسره دهرا كاملا عندما إنفردت به في تلك الغرفة ..
خرجت”داليا”إلي باحة القصر و فعلا إلتقت”خالد”مباشرة فتوجهت نحوه فدعاها إلي الدخول بسيارته فعلت ذلك في هدوء:
-انا مش عارف اقولك ايه يا داليا ؟ بس بجد انتي انقذتينا انهاردة و عموما انا بشكرك علي المساعدة و بعتذرلك لو كنا تعبناكي معانا.
نظرت”داليا”إلي”خالد”ثم إبتسمت في هدوء قائلة:
-مافيش داعي للشكر او الاعتذار حضرتك .. المهم ان الشغل مشي تمام.
نظر لها”خالد”بإمتنان و شكرها مرة أخري ثم إدار عجلة القيادة و إنطلق سريعا إلي الشركة … !
*******************************************************************
مرت أيام أخري علي”داليا”في العمل و قد تعافي”عز الدين”تماما و عاد بقسوته و غطرسته مرة أخري ، لدي”داليا”إعتقاد راسخ بأنه لو تغير العالم بأكمله لن تتغير شعره واحدة من رأس”عز الدين”كم هو صارم متسلط ..
في يوم العطلة جلست”داليا”بغرفتها تفكر ، ظلت تسترجع تفاصيل ما حدث لها بمنزل”عز الدين”راحت تجاهد كي تبتعد بتفكيرها عنه لكن صورته بقيت تلح عليها ، كانت شاردة فيه لدرجة أنها لم تشعر بشقيقتها حين دلفت إليها:
-لأ و ربنا كده كتير.
قالت”ياسمين”ذلك و هي تجلس بجوار شقيقتها ثم راحت تنقل عينيها علي وجهها قائلة:
-ايه يا داليا ! من ساعة ما بدأتي شغل في الشركة الظريفة دي و الواحد مبقاش عارف يتلم عليكي.
قهقهت”داليا”بخفة قائلة:
-معلش يا ياسمين الشغل عايز كده هعمل ايه يعني.
فقال”ياسمين”بضجر:
-شغل ايه بس ده اللي يستغلك كده .. يا بنتي انتي بتنتحري في الشغل لدرجة انك بتجيبيه معاكي هنا و الكبيرة بقي انك ساعات بتروحي تشتغلي يوم اجازتك.
-يا حبيبتي مديري صعب شوية هو راجل بيحب شغله يكون مظبوط و من واجبي بقي اني اثبتله شطارتي عشان اكسب ثقته و احافظ علي وظيفتي.
علت علامات العجب و الدهشة وجه”ياسمين”التي صاحت:
-ما تقوليلي بالمرة انك بتفكري تشتغليله داده ! جري ايه يا داليا ماينفعش كده هو ماشتراكيش من سوق العبيد كل شيء بالعقل و انتي لازم تشتغلي علي اد وقتك محدش بيعمل عمايلك دي.
قهقهت”داليا”عاليا ثم قالت:
-حبيبتي و الله انا عارفة انك بتخافي عليا بس صدقيني كل حاجة كويسة انتي بس عشان مش واخدة علي اني انشغل عنك و اسيبك كل يوم فبتعملي كده.
ثم فجأة صاحت”ياسمين”بحنق:
-مافيش فايدة ماشي انتي حرة اضعفي كمان و كمان.
ثم غادرت غرفة شقيقتها و هي تتمتم في غيظ:
-اه لو اشوف البيه ده.
بينما تعالت ضحكات”داليا”في مرح ..
*******************************************************************
-مافيش حل غير انك تفاتح عز الدين بنفسك احسن انا خلاص زهقت من البني ادم اللي لازقلي ده.
قالت”عبير”ذلك عندما كانت تجلس في سيارتها بجانب حبيبها”حسام”الذي توتر فورا فقال:
-انتي بتقولي ايه بس يا عبير ؟ بقي عايزاني انا اروح اطلب ايدك من اخوكي كده عادي ! طب هقوله ايه ؟؟
-قوله الحقيقة.
-انتي اتجننتي و لا ايه ؟؟
هتف بدهشة ثم تابع:
-يعني عايزاني اروح مثلا و اقوله عز الدين بيه .. انا طالب ايد اخت حضرتك اصلنا بنحب بعض اوي لأ و علاقتنا كمان متطورة اوي تقريبا متجوزين .. عايزاني اروح اقوله كده ؟ ده يقتلني !
-لأ.
صاحت بغضب ثم تابعت:
-لأ مش عايزاك تقوله كده .. عايزاك تقوله انك بتحبني .. بتحبني و بس و ساعتها انا هيبقالي رأي .. افهم يا حسام الموضوع ماينفعش يجي من ناحيتي هيشك اننا علي علاقة من زمان ده بيشك في الهوا اللي حواليه و انا زهقت بقي .. زهقت منه و من خالد و منهم كلهم انا نفسي اعرف انت مش بتضايق لما بتكلمني و بقولك قاعدة او خارجة معاه !
إرتبك”حسام”قليلا فإبتسم و قد باتت نبرته أكثر حده حين قال:
-بيرو .. اهدي يا حبيبتي .. اهدي و حاولي تفهميني .. زي ما قلتلك قبل كده انا مجرد موظف صغير عند اخوكي .. اخوكي عز الدين نصار بجلالة قدره يعني انا فين و انتوا فين الموقف هيبقي صعب جدا عليا لما اروح اطلب ايدك منه متخيلة هيقولي ايه ؟ اكيد اول و ابسط حاجة هيعملها انه يطردني من الشركة.
تأففت”عبير”قائلة:
-طب لحد امتي هنفضل كده يعني ؟؟
-عبير .. خليكي فاكرة اني ماغصبتكيش علي حاجة كله كان بمزاجك لأ و خلينا نقول كمان و بتشجيعك ليا.
نظرت إليه في صدمة قائلة:
-يعني قصدك ان انا اللي غلطانة ؟ في الاخر بقيت انا اللي غلطانة يا حسام ؟؟
زفر بضيق بينما أومأت رأسها بأسي قائلة:
-عارف .. عندك حق .. فعلا انا اللي غلطانة .. غلطانة عشان حبيتك و عشان افتكرت انك بتحبني.
أغمض عيناه بشدة ثم حول نظره إليها و قال بلطف مصطنع:
-حبيبتي .. اهدي .. اهدي كده و اوعدك هنشوف حل بس خلاص بقي كفاية كلام اوي لحد كده عشان مانزعلش من بعض نبقي نتناقش بعدين .. اتفقنا ؟؟
هزت رأسها بالموافقة بينما إصطنع إبتسامة و هو يقول في نفسه”قال اطلب ايدها قال” … !
*******************************************************************
كانت تقف إلي جانبه ، تراقبه و هو جالس وراء مكتبه منكبا علي بعض الأوراق يتصفحها بتركيز بالغ و كم بدا جذاب ، حتي إنتهي تماما فرفع بصره عن الأوراق واضعا كفيه علي وجهه بتعب ثم أستند بظهره إلي مقعده و قد بدا مرهق منهك القوي ..
تطلعت إليه”داليا”بإشفاق ثم قالت:
-انت اجهدت نفسك اوي في الشغل اليومين دول يافندم.
ثم تابعت متسائلة:
-تحب اعملك قهوة ؟؟
وجه نظره إليها ثم قطب حاجبيه بشكل جذاب أقلق”داليا”فيما رف جانب فمه بإستسلام فعبرت تلك الحركة عن ضيق صدره الواسع فقال:
-ماشي.
منحته”داليا”إبتسامة رقيقة ثم إتجهت نحو ذاك الركن المنفرد بحجرة المكتب و الذي يحتوي علي طالولة و براد صغير ، أمسكت”داليا”بالإبريق الذي ملأته للتو ثم أوصلته بالكهرباء:
-مبسوطة في الشغل معايا يا داليا ؟؟
كان هذا صوت”عز الدين”الذي وجدته فجأة يقف خلفها ، شهقت بإضطراب جراء المفاجأة ثم أجابته باسمة:
-اه يافندم طبعا مبسوطة.
-و ياتري كونتي صداقات هنا بقي ؟؟
طغت السخرية علي صوته و ألهبت نظراته وجنتها فقالت:
-ايوه طبعا .. الناس اللي هنا كلهم كويسين و تقريبا كلهم اصدقائي !
-ممم .. طب يا تري مافيش صداقات خاصة بقي ؟؟
-انا مش فاهمة حضرتك تقصد ايه ؟؟
غمغمت و هي مدركة تماما لقصده بينما هز كتفيه بلا إكتراث قائلا:
-انا ماقصدش اتدخل في حياتك الخاصة لكن مجرد فضول مش اكتر .. اصل بصراحة شخصيتك محيراني شوية بمعني اوضح شداني.
رمشت بحيرة و رمقته بإرتباك و شك ، فرأته يبتسم و يمعن في جرأته ، إنها حتما أقدم لعب الإصطياد في العالم !
فسرت الأمر بأنها فتاة بسيطة من الطبقة المتوسطة ذات عادات و تقاليد صارمة أثارت إهتمامه فأراد التودد لها كي بنال منها مآربه و إلا لماذا يهبط رجل مثله لمستوي منخض كهذا ؟
-بيتهيئلي ان مشاعرك باردة شوية يا داليا ؟!
قال ذلك متسائلا فتوردت وجنتاها ثم عضت علي شفتها قائلة:
-باردة ازاي يعني مش فاهمة !
-لأ انتي فاهمة كويس.
قال ذلك ثم تأملها بخبث و قال:
-انا ممكن اعرف بنفسي اذا كنتي باردة و لا لأ لكن جايز اسلوبي مايعجبكيش.
إزداد محياها إشتعلا و تأكدت من نواياه تماما فأشاحت بوجهه عنه و قالت:
-اعتقد ان ده مكان شغل حضرتك و مايصحش ابدا الكلام في الامور دي هنا او في اي مكان تاني .. مايصحش.
-ليه يا داليا ؟ بتخافي ؟؟
عاد يسخر مرة أخري و هو يتفرص فيها بعينين وقحتين ، كانت متوقعة أنها حظت بالقليل من إحترامه و لكنها كانت مخطئة ، فسوف يبقي هو كما هو لن يتغير أبدا ..
فكرت أن تغادر مكتبه الأن يكفيها ذلك ، و لكنه وقف أمامها مباشرة يسد عليها الطريق و كأنه حزر رغبتها في الهرب ثم قال بتكاسل:
-شخصيتك .. شخصيتك يا داليا هي اللي حيرتني فيكي و شدتني ليكي .. اول حاجة رفضتي المبلغ اللي قدمتهولك لما جيتي عشان تشتغلي .. و تاني حاجة تصرفاتك .. تصرفاتك لما كنتي عندي في البيت و تحديدا .. في اوضتي.
أخذت تبتعد عنه فقبض علي خصرها و قهقه عاليا ثم قال:
-مش عارف انتي فيكي ايه ! بصراحة غريبة عليا جدا مش عارف اذا كنتي بتصطنعي البراءة و لا ذكية جدا و لا بتخططي لـ ايه مش عارف بجد مش عارف .. ماتقوليلي يا داليا انتي ايه في دول بالظبط ؟!
-انا و لا حاجة من اللي حضرتك قلت عليهم انا مجرد موظفة بحاول اشتغل بجهد و اخلاص و امانة .. و بس.
هتفت بغضب عاجز و هي تحاول الإفلات من أصابعه القاسية بينما قال:
-و لو انك نسيتي تضيفي حاجات تانية بس مش مشكلة .. كله هيبان مع الايام.
توقفت عن المقاومة إذ شعرت بضعفها أمام قوته إلي جانب شعورها بأنه كان مستلذا بمقاومتها ، مؤكد ذلك فلابد أنه لم يلقي مقاومة من أي إمرأة تعرف إليها في حياته و بالنسبة له هي نوع جديد و هوإشتاق للهو ..
لكنها تملصت بعنف شديد من قبضته ثم قالت محاولة الدفاع عن هشاشتها:
-لو سمحت .. سيبني يافندم .. مايصحش كده.
لم يآبه بتوسلاتها بل إحتجزها فجأة بين الحائط و ببنه فأعتراها إرتجاف أرخي مفاصلها ثم ردد و عيناه تفترشان محياها الشاحب:
-اظن دلوقتي انا لازم اعرف اذا كانت مشاعرك باردة و لالأ.
كانت”داليا”تننفس بعمق عندما ضمها”عز الدين”بقسوة و غيبها في عناق طويل ، حاولت أن تحافظ علي تقلص جسدها لكن دون جدوي ، تسربت قوتها بشكل أذهلها أي سحر ذاك الذي جعلها مستكينة بأحضانه هكذا ؟ و كأنها مصممة علي بعثرة بقايا مقاومتها فيما إرتفعت يداها تحاولان دفعه عنها فلم تصلا إلي أبعد من صدره حيث بدد ملمس عضلات صدره القوية كل صمود و تعقل ، دمعت عيناها لضعفها هذا، فبدأت تتنفس بثقل و أحست بما تملكه يده من خبرة في منعطفات الإثارة ، ثم فجأة أفاقت من غفوتها و عادت إلي رشدها حيث إستجمعت قواها و دفعته عنها بعنف جاهدة في التخلص منه ، و لوهلة رفض إطلاق سراحها ثم أفلتها فتراجعت إلي الوراء بسرعة و إستدارت بعيدا فشعرت فجأة بيديه القويتين تقبضان علي ذراعيها و تديرانها نحوه:
-محدش بيدور ضهره ليا.
غمغم بعنف ثم تابع:
-و خصوصا الستات.
إرتعشت بفعل قبضته الفولاذية و نظراته الغاضبة بينما قال متهكما:
-و بالأخص بردو الستات اللي زيك.
لمعت عيناها كالنار فلم تشعر بنفسها إلا حين رفعت يدها و سددت له صفعة مدوية سمعت دويها في أذنيها عاليا ..
بقيا صامتين كتمثالين ، وجه”داليا”مكفهر و ملوت و وجه”عز الدين”واضح خال من التعابير .. و في وسط كل ذلك تصاعد رنين هاتفها فإتجهت سريعا إلي حقيبتها و أخرجته لتجد المتصل شقيقتها فأجابت بصوت مرتجف دامعة العينين:
-ايوه يا ياسمين.
ثم هتفت في صدمة:
-ايه ؟ بتقولي ايه ؟؟
و لأول مرة في حياتها سقطت مغشيا عليها … !!
بقلم مريم غريب.