قلوب ضائعة بقلم دنيا صلاح ج٢
إلي متى؟.. تلك الحروف القادرة على إثارة براكين الخوف والتشتُت بداخلنا ومع هذا تبقى عالقة بنا إلى أجل غير مُسمى.. فتحت “رحمة” باب المنزل بهدوء تُحسد عليه، والقت حقيبتها أرضًا وكأن يديها عجزت عن حملها، لتُسرع الخُطى نحو غُرفة والدتها؛ فهي بحاجة ماسة لسكينة.. لتدخل الغُرفة بصمت تام وعينها شاخصة في الفراغ، وقدمها تعرف الطريق لذاك السرير، لترفع يدها الغِطاء، وتُلقي بجسدها أسفلهُ وتُحرك جسدها ليتدثر برائحة والدتها، ويدها الأخرى ترفع يد والدتها؛ من أجل وضع رأسها على صدرها.. وما هي الا دقيقة وكانت تنفجر في بُكاء شديد…
انقبض قلب “نعيمة” لرؤية ابنتها على تلك الحالة، وبفزع :مالك يا ضنايا؟.. ليصلها الجواب المزيد من النحيب، فيتألم قلبها على حال ابنتها وعلى عجزها الدائم اربت على ظهرها… لتسقُط دموعها في مؤازره لها، ولسانها يُلقي الكثير من الكلمات لبث الهدوء في قلبها : وحدي الله مالك يا ضنايا..
ابتلعت ما تبقى من العلقم في جوفها، وبنبرة مُنهكة من البُكاء : يلا نسافر يا ماما، لأي مكان أرض الله واسعة، وأنتِ اطمنتي على “صابرين”..
لوهلة لم تعي لقولها؛ فابنتها توقفت منذ سنوات عن النداء بــ “ماما”، واليوم تأتي بتلك الحالة وتطلُب الرحيل، حينها خمن عقلها أن ذاك “الحازم” فعل شيء ولكنها التزمت الصمت عنهُ، وأكملت : ولما تسافري تفتكري قلبك هيرتاح؟.. يا بنتي قلوبنا ملناش عليها سُلطان، والهر,,وب عمروا ما كان حل للمش,,كلة بالعكس بيكون هو أول سبب يخليكي تفكري فيها، استهدي بالله وإن شاء الله خير..
صمت.. يليه صمت؛ فحلقها إن انفرج عن القول لأصاب والدتها بالموت، فأغمضت عينها تودع الكثير من الأمطار الحارقة، قبل أن تُقسم على الصمت التام لأجل غير مُسمى.. ابتعدت عن والدتها وبهمس مُميت : حاضر.. وقبل أن تُكمل كان لباب رأي أخر.. لتتحرك بهدوء يُنافي ما يموج بداخلها؛ لفتح الباب، لتتسمر مكانها وهمس ذاهل بفعل صلة الدم من هيئتهُ : عمي!..
كان الانكس,,ار هو صديقهُ الدائم منذ سبعة أيام، ليُحرك رأسهُ بإيماء خافت وكأنهُ تأكيد على ما أصاب يداه، وبهمس : ممكن أدخل..
تحركت من فورها لتُفسح لهُ الطريق، وتمتمت بخفوت لهم إن يجلسوا في الردهة لحين جلب والدتها..
تحرك “جابر” بانهزام صريح نحو الردهة، ورائحة أخيه الراحل تستقبلهُ بحُزن شديد، ليُلقي بجسدهُ على أقرب مقعد وصل إليه، ويتلحف بالصمت؛ ليُرتب ما يود قوله..
ظلت “جميلة” على نفس الحالة من الصمت والذهول والحزن على زوجها، ربما لم يجمعهم العش,,ق، ولكن بينهم سنوات من الميثاق الغليظ، تلك السنوات كفيلة بإنبات نوع أخر أقل قوة من ميثاق العش,,ق…وقبل أن تُبحر في حُزنها، كان صوت “نعيمة” يرتفع مُرحبًا بهم، والسؤال الصريح يقفزُ من عينها عن سبب الزيارة.. ليرحم “جابر” فضولها، ويبدأ في الاسترسال : سامحيني يا “نعيمة” أنتِ وبناتك.. وحق أبوهم من بكرة هيكون عندهم..
صفعة ال ة كانت تدور على وجوههم، لتقطعهُ “نعيمة” بالقول : ربنا الي بيسامح يا معلم.. وفلوس المرحوم استعوضنا ربنا فيهم..
-عشان خاطر المرحوم سامحيني..
-هسامحك على ايه ول أيه يا معلم… هسامحك على بنتي الي ذلتها أنت ومراتك، وسبتها من غير راجل في ظهرها لقمة ساهله لأهل الحارة .. ول الي أيدك اتمدت عليها.. ول على قهرتي عليهم والهم الي صاب قلوبهم بدري.. روح يا” جابر” منك لله والفلوس حد الله بيني وبينها.. لتُنهي الحديث ويدها تضغط على زر الكُرسي لتبتعد عنهُ فما بينهم لا يُمكن إزالتهُ، فكيف لها بالنسيان ومن تألم قطعتي من قلبها، قطعتي وجب عليهم المُحاربة دون سند في وجه وحوش البشر، قطعتي رأت ذلهم وخوفهم من الغد أن يأتي دون ما يسد رمقهم وعلاجها.. لتهطل دمعه من عينها تبعها الكثير، لتُجلي صوتها : أنا مسمحاك يا معلم بس بيتي متدخلوش وبناتي اعتبرهم ماتو.. ربنا يسهلك بعيد عننا، وبنبرة صارمة : “رحمة” دخليني الأوضة..
دمعة ما سقطت من عينها وتحركت لتدفع والدتها لغرفتها، دون حرف، ولكنها أمالت على رأسها تُقبلها بعُمق وكأنها تُقبل قلبها العليل..
ولم تلك الدمعة التي ليس لها مُسمى تسقُط فقط من عيني ابنه أخيه بل فارقت عيناهُ وهو يتحرك صوب الباب؛ قاصدًا بيته.. لتمر الدقائق وكانت “جميلة” تفتح الباب بهدوء وتسبقهُ للجلوس على الأريكة، وعينها تُراقب الفراغ.. ليجلس “جابر” بجوارها يُراقب تلك النُقطة التي تحولت في ثوان إلى لوحة عرض لما مر بهِ الأسبوع الماضي عندما خرج من بيته قاصدًا بيت أحد التُجار الصِغار لتحصيل الوصلات منهُ، ليجد الرجل قد توفى فينفجر هُ ول يُبالي بأجواء العزاء بل يطوح كالمجذوب ويأمر سُكان البيت بالخروج من بيتهم فورًا مُقابل تلك الديون.. ليتبرع ابن المتوفي بقهر قائلًا :ولكن يا عماه أبي أخبرني أن المبلغ الذي
اقترضهُ منك قد دفعهُ بالكامل وتلك الوصلات ما هي الأ نقود ما هي الأ فوائد لا أصل لها من المبلغ الأصلي.. لتفور دمائُه ويهرول نحو الصبي الذي لم يبلُغ عقدهُ الثاني ويصفعهُ بقوة وبلهجة هادرة : من لم يقدر على الدفع فلا يأتي يطلُب المال.. ومرت ساعتان وكأن الباب يُغلق والعائلة تقف في وسط الشارع ليتحرك بخيلاء غير مُبالية بهم ليصل لاذُنيه صوت زوجتهُ بالدعاء عليه، ولم تمضي الساعة إلا وكانت يدهُ قد جُرِحت من كوب الشاي، ليهر,,ول إلى المُستشفيات طالبًا تقطيب الجر,,ح، لتمُر الليلة وهو مُقيمًا بالمشفى ولكن عيناهُ لا تعرف لنوم طريق.. ليأتي الصباح وصراخُة يشُق الجُدران فيأتيه الطبيب للفحص ويُخبرهُ أن راحة يدهُ عليهم بترها فقد أصابها العطب.. ليموج ويهوج ويرفُض التصديق ولكن بنهاية اليوم يستجيب لطبيب ويُجري العملية.. ويأتي ليل أخر دون نوم والألم أكثر من ذي قبل وصراخُة لا يتوقف، ليأتي طبيب بعد يومان ويُخبرهُ بأسف أن العطب
قد وصل لعضُد اليد وعلية ببتره.. ليومض عقلهُ بصفع وجه الصبي، فيُجري العملية ولم ينتظر الصباح بل خرج سريعًا ليبحث عنهم طالبًا العفو منهم، وبعد ليلتان من البحث عنهم وجدهم أسفل إحدى الكابري، ليهرول نحوهم ويطلب العفو منهم ويُعيد لهم الوصلات ومُفتاح البيت، وحينها يتوقف الألم، فيُقن أن القدير أراد أن يقتص منهُ على ظلمةُ الجائر علي الغير، فيقصُد بيته بعد سبع أيام طالبًا أول أبواب العفو من زوجة أخيه التي أكل مالها ومالها بناتها.. لتتلاشى اللوحة وتتوقف عن العرض مع يد ابنتهُ التي تربت على كتفة السليم، ويدها تُزيل إحدى القطرات العالقة بأهدابُه، فيعود للواقع وابتسامة شاح,,بة تطفو على وجهه، وبهمس : “رضوى”..
تحركت لتجلس بجواره ورأسها تستند على يدهُ السليمة وبحنو فطري :معلش يا بابا أنا هجبلك تشرب وهأكلك.. لينفطر قلبهُ على براءتها يُدرك حجم جُرمة ليتضرع : يارب.. ليصلهُ صوت زوجتة : كُل الحرام اتبرع بيه ورجعوا لصحابوا أنا مش مُستعدة أخسر بنتي.. ليُحرك رأسهُ عاقدًا العزم على فعل ذلك طالبًا من الله أن يمد في عُمرة ليُسد ما عليه من ديون للعِباد..
**
وعلى الطريق السريع كان “حمدي” يهرول قاصدًا وجهه لا يعلمها، ولكنهُ يُريد الفِرار من كُل شيء يُذكرهُ بفداحة ما فعل.. كُل شيء يُخبرهُ دون رحمة أنهُ ها دون أن يرمش لهُ جفن.. أنهُ استباح الحُرمات.. ليزفر أنفاسهُ ببطء ويداهُ تُخرج الهاتف ليضغط على رقم بعينة مُنتظرًا الجواب، ولكن لا رد، ليُسرع باتجاه إحدى التطبيقات يبحث عن اسمها وبلهفة خرج صوته في تسجيل صوتي : أنا أسف يا “رحمة” كُل حاجة أنا مسحتها ووجهي عمرك ما هتشوفيه تاني.. ليُغلق الهاتف مُخرجًا شريحتهُ ليُقسمها إلى نصفان.. وعيناهُ تعود إلى الصحراء من جانبه، ليصلهُ همس أحد الجالسين بقول الرحمان الرحيم (وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفوا عن السيئات).. ليُغمض عيناهُ ويدعوا بالعفو..
**
وعلى الجانب الأخر بشقة “حازم” كان يحاول جاهدًا ترك الكرسي والوقوف دون مُساعدة أحدهم، ولكن قدماهُ السليمة تخذلهُ ويداهُ تهتز من الأل,,م الكاسح الذي يضر,,ب أوصالُه، ليظل لدقيقتان يلهث ويعاود من جديد ولكن خذلتهُ يداه وسقط أرضًا مُصدرًا صوتًا مُتأ,,لمًا، ليصل صوتهُ الجالسين بالخارج، فيهرول” صابر” نحو غرفته ليفزع من رؤيته على تلك الحالة، ويهرول للخارج لوالده للاتصال بالطيب الخاص بابنه، ويعود من جديد لمُسانداته للجلوس ولكن صوت الألم المُنبعث من حنجرتي “حازم” واحمرار وجههُ جعلهُ يبتعد والظن يعلوا أنهُ رُبما قد كُسِرَ من جديد..
**
في كُل صباح ومساء أحدٌ منا يرتدى قِناع الحياة، ليرسُم ابتسامة باهته خاصة بالعمل ويهرول للحصول على ما يُبقيه على قيدها دون ربته مُشفقة أو مُمتعضة من أحدهم.. أنهت “رحمة” تبديل ملابسها لتوجه لأداء النوبتجيه الخاصة بها، لتتحرك من جديد نحو غرفة التمريض لمعرفة ما عليها من حالات، لتأخُذ ورقة دونت بها مواعيد الأدوية ورقم الغُرف.. لتطرق الباب على غُرفة رقم “**” وتفتح الباب بهدوء مُلقيه تحية المساء، لتبتلع المُتبقي من حروفها مع خفقان قلبها، وبتساؤل : حصل إيه؟..
لم يُبدي أي من “صابر” و “توفيق” الجواب ليأتيها صوتهُ بصرامة : مفيش..
حركة رأسها بهدوء وتحركت لتُعطيه العِلاج مُبتلعة ما في حلقها من أشواك.. لتُنهي عملها وتخرج سريعًا من الغُرفة فقد أسدلت الحكاية نهايتها قبل البداية.. لتُمضي قدمًا هامسة بالحمد على كُل ما حل بها…
فور إغلاق الباب بلع” حازم” غصة مريرة في حلقة، قبل أن يُغمض عيناهُ من جديد، فهي لم ولن تراهُ، وذكرى حمدها يصدع من جديد في عقله…
**
تشتعل كالمرجل فابنها ستسرقهُ تلك الفتاه، ظلت تدور في الغُرفة دون هُدى، وعقلها عجز عن التفكير أو على وجه الصحة لا يستطيع التفكير أنها ستسلُب منها ابنها كما سلبت الأخرى زوجها، ليصدع صوت طرقات على باب غُرفتها، ليرتفع صوتها : أدخل يا “خالد”، ولكن
اتسعت عينها من ال ة، وبذهول : أنتِ..
حركت “صابرين” رأسها بإستحياء، وبهمس :اسفه بس كنت حابه أقدملك الهدية البسيطة دي، وإن شاء الله تعجبك..
خفق قلبها تأثُرً فلم يُبالي بها أحدًا قط، ولكنها وضعت كُل هذا جانبًا وبامتعاض : سبيها هنا..
لتُحرك “صابرين” رأسها بهدوء، وتخرج من الغُرفة، لتجد ابتسامة عاشقة تستقبلها، ويداهُ تربت على مكان ما بجواره على الأريكة، لتهرول مُسرعة، وبترقُب :تفتكر هتتقبلني..
-أكيد.. “صافي” طيبة بس شعنونه ح,,بتين، عشان خاطري استحمليها..
-حاضر.. ومشروعك..
-أخر الاسبوع هستلم الترخيص الخاص بالمحل، وبعدها هبدأ شغل..
-إن شاء الله خير .. لتمر الدقائق تتلوها الساعات ورداء العش,,ق ينسدل على الجالسين في هدوء مُح,,بب لروح بعد سنوات عِجاف من الشقاء..
__
تمت.
بقلم/رانيا صلاح.
