قلوب ضائعة بقلم دنيا صلاح ج٢

قلوب ضائعة
الفصل الرابع عشر والاخير
“شــ” شملٌ يجتمع لــ “جــ” جنون الذكرى “ــن” نجمعهُ معًا من أجل البُكاء.. ولهذا تبقى الأحزان مُجتمعه.. تسللت خيوط الصباح بإستحياء بالغ من براثن تلك النافذة الزُجاجية في أحدي المُستشفيات الخاصة في العاصمة، لتُداعب جفني تلك النائمة بإستحياء شديد خوفًا من إيقاظها؛ فقد قضت ليلة أمس في غياب تام عن الواقع بعدما فقدت وعيها أمام عيادة النساء، لتستقبلها ذراعي “حمدي” بهلع شديد فيُسارع لحملها ونقلها لأقرب مشفى لإنقاذها، لتمُر الساعات ببُطء كانت تتنقل فيهم كالجثة الهامدة فوق أحدى الأسرة البيضاء للفحص الطبي، لتُنهي الفحص ولكنها لا تستيقظ فجسدها فقد الكثير من الدماء في الساعات المُنصرمة، ليُقرر الأطباء وضع إحدى المُهدئات لها للحصول على أكبر قسط من الراحة، مع توصيل إحدى أكياس الدم لها، لتمضي الليل وهو بجوارها مُتشبثًا بيديها بكُل ما أوتيّ من قوة، يخشى فقدانها.. ليغفو فوق مقعدهُ بجوار السرير مُتشبثًا بيدها كغريق وجد أخيراَ طوق النجاة..

فتحت “رحمة” جفونها ببُطء لتعود وتغلقهم من جديد، ثم تُعاود فتحهم لمعرفة أين هي؟.. لتجد الجُدران البيضاء تُحاوطها من كل مكان، فتتذكر انهيارها، وقبل أن تُبدى أنين مسموع لتعرف كيف وصلت إلى هُنا؟.. شعرت بيدها ثقيلة فألقت نظرها سريعًا لتجد كيس دماء مُتصل بالناقل الخاص به ليُفرغ ما به في يدها، ورأس رجولية غفت فوق راحتها، لتحاول سح,,ب يديها بفزع مع خفقان قلبها…
لم يدري متى غفى ولكن شعر بيدها تحاول التسلُل من بين راحتيه، ليفزع من فوره، وسُرعان ما يرحل فزعة مع ظهور لهفة عينيه الطائفة فوق رسومها، وبهمس : أنتِ كويسه؟.. ولم يكُن سؤلًا بقدر ما كان يحتاج بشدة لبُرهان يُثبت لهُ أنها بخير، فيُريح وحوش الجلد بداخلُه مُنذُ معرفتهُ بأنهُ ظلمها…
لم تنفرج شفتها لرد، ولكن عينها كانت تُعطي الكثير من النظرات منها المُشمئزة .. والخائفة.. والمُنكسرة.. والمهزومة.. والمُستحقرة لذاته لتُسارع بإزالة يدها من يده، و رأسها تتحرك للجهة الأخرى، ويدها الثانية تضغط على زر الخدمة الطبية لمُساعدتها على الخروج…

غصة مريرة احتلت حلقهُ المُتصحر، ولكن لا يُمكنهُ الاعتراض فإن كان لدية أمل ضئيل في السابق باقترانها به، فاليوم الأمل قد مات، ليُلقي نظره أُخرى عليها يُشبع بها شوق القادم، و شفتاهُ تنفرج بهمس رجُل خُذِلَ وكُسِرَ اللألف المرات : سامحيني.. ولكن لا جواب.. ليبتلع غصتهُ من العلقم، ويُكمل : الدكتور قال إن النزيف بسبب سوء الحالة النفسية.. عن إذنك.. وتحرك للخروج من الغُرفة بكتفي مُتهدلين فوقهما أثقال العالم أجمع..
أغمضت عينها بإنهاك قاصدة الراحة، تلك الراحة التي سُلِبت منها بين ليلة وضُحها والأن منّ عليها القدير بها من جديد، لتُسارع بفتح عينها غير مُبالية بألمها الخافت، وتُلقي بقدمها على الأرضية الرُخامية للوقوف والمضي قدمًا، لتُحدث نفسها : الأمس قد رحل رحيلًا دون عودة، والغد سيأتي مُحملًا بما عليهِ اليوم ووحدك القادرة على الحياة.. من الصباح.. لا بل من تلك الدقيقة أنتِ ستحيين للحياة، ستعودين من جديد لتلك الرحمة..
**

أين يُباع العِناق؟!
-في بلاد الهوى بجوار أشجار العِ,,شق، وزهور الفرح حينها تجذُبك الحياة بدفئها إلى شاطئ الأمنيات مع ذراعي من هوى الود..
رباه عِناق الأح,,بة عندما يمتزج بنيران العِشق، وذهول التصديق.. فتحت “صابرين” جفونها بكسل شديد، فكانت بحاجة ماسة إلى النوم بشدة؛ لعدم حصولها على قسط الراحة الخاص بها في اليومين السابقين.. تحركت يدها لتتمطُى لت بجدار بشري، فتفزع من فورها مع انعدال جسدها قليلًا من وضع النوم، لتسقط عينها عليه فتبتسم ببلاهة، ويدها ترتفع بتردُد لتمُر فوق رسومه، تلك الرسوم الخشونة القادرة على سلبها عقلها عندما تنبسط للابتسامة، ولكن قبل أن تضع يدها على وجهه ارتدت للخلف سريعًا، فهي مُحرجة بشده لتبدأ رئتيها القيام بوظيفتها والحصول على الهواء وتُعاود من جديد تحريك يدها لتمُر فوق رسومه ولكن قبل أن تصل يدها إلى حاجبيهِ السوداوان..

شعر “خالد” بحركتها، فقرر التمادي في نومة حتى لا يُسبب لها إحراج، لتخطف أنفاسُه مع ارتفاع يدها بجوار وجهه مع احمرار وجنتيها، لتبتعد سريعًا، ثم تعود من جديد، وقبل أن تبتعد كالمرة السابقة، فتح عيناهُ مع حركة يداهُ لتثبيت يدها.. ليصلهُ شهقة خافتة من فعل ال ة، فينفجر ضاحكًا بقوة..
زاد وجيب قلبها، واحمرار وجنتيها وكأنها أُمسِكت بالجُرم المشهود، لتبدأ في محاولة واهية لج,,ذب معصمها من يده، وعينها تدور كالرحى في أرجاء الغُرفة، وعندما تيقنت من فشلها الزريع في سح,,ب معصمها، أطلقت شفتيها همهمات الامتعاض.. لتبتلع المُتبقي من امتعاضها مع هجوم ضاري من شفتي “خالد”..
**

وخزة.. ربما لم تكُن هي المعنى القوى للأل,,م – ولكنها-قادرة بقوة على جذب وحوش الخوف وإثارة فوضى عارمة بالروح قبل ارتعاش الجسد من هول الفزع.. انتفضت “حازم” من نومة مفزوعًا وأنفاسهُ تخرج لاهثة كمن كان في سِباق العدو لأميال وليس نائم في الفِراش.. لترتفع يداهُ لجلب كوب الماء – ولكن-تعثرت يداهُ في طريق الوصول فسقط الكوب أرضًا مُصدرًا زمجرة غاضبة؛ لانسكاب ماءُه وتهشيم زُجاجُه، لتعود يداهُ من جديد لموضعها بجوار جسده، تاركًا لعقلهُ التفسير .. هل جُننت أم ماذا؟… فقبل دقيقة كان جسدهُ يغوص في نوم عميق استطاع الحصول عليه بعد جُهد مُضني، ليشعُر بقبضة فولاذية تعتصر قلبهُ لجُزء من الثانية ورئتيه تتوقف عن دورها فيفزع من فوره… مرت دقيقة وهو يستجمع أنفاسُه الهادرة التي بالكاد انتظمت لتو، لتقع عيناهُ على نصف السرير الفراغ، فيُصيبهُ الذهول، قبل أن تدور عيناهُ نصف دورة؛ لمعرفة كم الساعة.. ليجدها العاشرة صباحًا.. لترتفع شفتاهُ بالنداء تاركًا أي تفسير لوقت أخر.. وقبل أن تُصدر شفتاهُ النداء الثاني با,,سم أخيه..
كان صوت والدهُ يصدع بالجواب مع دخولهُ الغُرفة، ليُكمل قائلًا :أيوه يا “حازم”..
بتساؤل صريح : “خالد” هنا..

-لا، لكن بعت حد مكانوا..
همس بذهول يُصاح,,بهُ خفقان القلب : حد!.. وسُرعان ما ثبت عيناهُ على باب الغُرفة مُنتظرًا دخولها..
راقب “توفيق” تحول ملاح ابنهُ من التساؤل لذهول ولهفة ما تطلُ من عيناهُ، ليُضيف : الحج “صابر” هنا..
-” صابر” مين؟..
وقبل أن يُجيب “توفيق” كان “صابر” يدخُل الغُرفة بوجه بشوش مُلقيًا تحية الصباح : صباح الخير يا كابتن..
انهزام ساحق زحف ليحتل رسومه ليُطفئ تلك اللهفة تاركًا خلفهُ الوجوم، لتنفرج شفتاهُ عن ابتسامة فاترة بالكاد استطاع رسمها؛ فهو يعرفهُ من حديث أخيه، وقد رأي أمس تباسُطها أمس معهُ في الحديث : صباح النور يا عم “صابر”..
-تح,,ب تدخل الحمام دلوقتي ول تفطر الأول..
بشرود همس: أي حاجة يا عم “صابر”..
-تعالي صلى الأول، وأنا هسخن العيش..
صفعة حادة تسقُط على روحة، لتفتح جرحًا من القيح يُصاح,,ب همس خافت لذات (أصلي)..
التقطت عيني “صابر” حالة الوجوم التي عليها، التي تبدلت في غضون ثوان من واقع حديثُة لأخرى تائهة، فأيقن أنهُ لا يقرب الصلاة الأ قليل.. ليرتدي قِناع التجاهُل مُكملًا قولها مع حركة قدماهُ لتكُن بجهة السرير الخاصة بـ “حازم” :هات ايدك يا ابني.. وبمزاح :متحملش أوي عمك عضمه كبيرة..

تسربت الابتسامة الصادقة إلى وجهة رغم عدم بروزها القوى، ليُضيف بمُشاكسة : لا يا عم “صابر” الدهن في العتاقي..
-إذا كان كده ماشي..
… بعد مرور نصف ساعة….
أنهى “صابر” تجهيز طعام الإفطار، وتحرك ليضعهُ على مائدة المطبخ، وقبل أن يتحرك لتقطيع الطماطم فوق الجُبن، كان صوت “توفيق” يعلوا شاكرًا بوجوده مع مدحهُ في الطعام.. لترتفع يد “صابر” عن التقطيع لتبدأ في تقليب الفول فوق الموقود، فعندما أبلغه “خالد” قبل يومان عن ذهابهُ اليومي لوالدهُ وأخيه بعد رفضهم القاطع لجلب أحدهم للمنزل ليتبرع بالذهاب لهم.. ويُضيف : تسلم يا باشا، وبـبشاشة لا تُفارقهُ أكمل.. مقولتليش هتشرب ايه؟..
-قهوة مظبوطه يا عم “صابر”..

-عنيا يا باشا.. ليتوقف عن الاكمال مع..
توقف “حازم” على باب المطبخ يُراقب ذاك الحديث بين والدهُ والعم “صابر” ولوهلة شعر بالحنين لأجواء دافئة، ليبتلع غصة في حلقه لا تُفارقهُ ولكنها احتلت حلقهُ منذ الأمس بشكل دائم، أو على وجه التحديد عندما استمع لحمدها.. لينفض كُل هذا جانبًا ويجلي صوتهُ : وأعملي قهوة سادة..
راقب “صابر” وقوف كُرسيه أمام باب المطبخ، ليُضيف بحنكة :عنيا يا ابني.. واسمحلي اقولك يا بني.. ليجد الجواب ابتسامة هادئة، فيُكمل.. ليه يابني بتستخدم الكرسي متزعلش مني بس “خالد” قالي أن رجل وحدة بس الي مُتضررة متحتاجش لكرسي.. ليتوقف عن الاكمال لوهلة مُلتقطًا أنفاسهُ مُراقبًا تلك الشُعلة التي انبثق في عيناهُ، فهو عرِف من “خالد” حالتهُ وسمع أمس همسهُ لــ “رحمة” وعيناهُ المُسافرة في كُل حركتها.. تقدر تستعمل البتاع الحديد الي بيساعد على المشي مع رجلك السليمة..
-ملوش لزوم يا عم “صابر”..

وبلوم وعِتاب : ازاي بس يا ابني، هو في حاجة في الدنيا دي ملهاش لازمة.. وكأن الجواب صمت تام قطعه “توفيق” بالاعتذار لإجراء مُكالمة تاركًا لولدهُ الحديث فقد أخبرهُ “خالد” عن قدومه وسمع الكثير من “رحمة” عنهُ..
ظل الصمت مُتلحفً بردائه، لا يقطعهُ سوى أصوات مضغ الطعام، لتمُر الدقيقة تلحقها الأخرى دون حديثُ يُذكر، حينها انفرجت شفتي “صابر” بشجن ولا يعرف إن كان يُعطي النُصح لذاته أم لذلك الجالس أمامُه – ولكن-الأكيد إن تلك الحالة المزاجية التي أصابت قلبهُ في م كان لها دور؛ فمنذُ سنوات لا يعرف دربًا لطعام سوى مُنفردًا، ولم تشرُق شمسًا الا وكأن الصمت حليفها.. كُل حاجة في الدنيا مُهمة، لكن إحنا البشر مبفهمش كدة لازم نعترض يمكن قلة إيمان أو خوف أو سبب تاني كُل إنسان يختلف بس الأكيد إن الاعتراض حلاوة روح يا تكمل بعدها وتموت يا تعافر وتحاول توصل لروحك من جديد.. يابني الدنيا أبسط من هموم كتفك شوفها بس بعين راحل هتلاقي كتير بيتغير.. بكره أخر يوم ليك فيها ياترى هكون مبسوط ول زعلان؟.. حاول يابني طول ما في نفس داخل وخارج الحكاية ليها باقي..
**

سيأتي يوم وتحيا مع وحوش الخوف ليس فقط لأنك أثم، ولكن لرُبما فقدت الجُزء الأكثر نقاء في الذات.. ترجل “جابر” من التاكسي بإعياء شديد، ليُلقي نظرة خاطفة على إحدى المحلات، فيُسدل ستائرهُ بتأثر لم يعرفهُ مُسبقًا، ويترُك الأمر لقدماهُ لتحرُك لوجهتهُ.. لتمر بضع دقائق وتتوقف قدماهُ عن وظيفتها وعيناهُ تطوف بانكسار على باب منزله، لترتفع يداهُ اليُسرى لضغط على زر الجرس، وعيناهُ تنتظر بلهفة الجواب، ليس لهفة الشوق لسُكانُه ولكن لأمرٌ جليّ يخشاهُ…
تسرب صوت الجرس بسفور ليوقظ “جميلة” من نومها، لتنظُر حولها لجزء من الدقيقة لتعرف أنها قضت ليلتها بجوار ابنتها، فتسللت بخفوت؛ حتى لا توقظها وهرولت لترى الطارق.. لتمُر الدقيقة وتتسمر عيناها بذهول.. فقد رأت زوجها بملابس رثه للغاية، ولحيتهُ غير مُشذبه وعيناهُ مُظلمة، والأعياء قد بلغ منهُ مبلغهُ وقبل أن يُصدر عقلها إشارتهُ بتحريك العين على المُتبقي من جسدُه، كانت شهق تُفارق حلقه سُرعان ما بلعتها مع أمطار عينها، ولهفة السؤال تجبُر شفتيها على الانبساط : إيه الي حصلك؟..
كان وجههُ جامد رغم خفقان قلبهُ من الداخل، ليُضيف : هغير هدومي ونروح مشوار مهم وبعدها هتعرفي كُل حاجة.. وتحرك لدخول بيتة وكتفهُ الأيسر يغوص في ظهرة والأيمن قد رحل من قبل إلى مسواهُ الأخير..
**

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *