جحر الشيطان 2

الفصل الحادى عشر

استيقظت زينة تشعر بالضعف..أحست بفراغ كبير حولها..اعتدلت تبحث عن طفلها فلم تجده..أصابها الوجل فنزلت من على السرير وارتدت روبها على عجل تغادر الحجرة بسرعة..بحثت عنه فى كل أنحاء المنزل فلم تجده..أصابها الهلع.. فاسرعت بالصعود مجددا واتجهت الى غرفة مروان تقتحمها دون استئذان فتوقفت متجمدة لمرأى هذا المشهد الذى أذاب قلبها ..
فهناك على السرير كان مروان نائما يضم الى صدره صغيرها الذى استكان داخل حضنه..محيطا خصر مروان بيده الصغيرة..اقتربت منهما دون أن تحيد بنظراتها عنهما حتى توقفت أمامهما تماما ..ظلت هكذا للحظات تتأملهما وقد اغروقت عيناها بالدموع لتمد يدها تمسح دموعها ثم التفت مغادرة الحجرة لتتوقف عند الباب تلقى عليهم نظرة أخيرة قبل ان تمسك قبضة الباب تغلقه بهدوء..ليفتح مروان عينيه فى تلك اللحظة وينظر الى الباب المغلق بألم ..لقد شعر بها منذ اللحظة الأولى لدلوفها الى الحجرة ولكنه لم يستطع أن يفتح عينيه ..يخشى أن يرى فى عينيها تلك النظرة التى تجعله يضعف..والتى منحته إياها عندما كانت تستفيق من اغماءتها..يخشى أن يصبح ضحية لها مجددا..فإن استسلم الآن فبالتأكيد ستكون تلك هي نهايته..نظر الى وجه الصبى الذى يبدو تماما مثلها..ليشعر بدقات قلبه تزداد وهو يشعر لأول مرة منذ رأى زينة مجددا بالراحة ولو قليلا..لا يهم من أي رجل أنجبته زينة ولكن ما أصبح يدركه الآن أنه يشعر كما لو كان ذلك الطفل هو ولده ..من لحمه ودمه..وهذا يكفيه ……..إلى الآن.

********************

توقفت سوزى بسيارتها خلف تلك السيارة التى يتم تفتيشها من قبل إحدى دوريات الشرطة والتى تظهر تلك الأيام فجأة على بعض الطرق لتقوم بتفتيش السيارات..منذ أن أعلن عن حالة الإستنفار الأمني بعد تلك العملية الارهابية والتى قام بها بعض الأشخاص فى سيارة مفخخة الأسبوع الماضى وأدت الى مقتل الكثيرين..زفرت فى ملل فهذا ما ينقصها لتتأخر عن جلسة التدليك والتى ستريح أعصابها قليلا بعد لقاءها اليوم مع عدنان..هل جن؟يريدها ان تلقى بنفسها مجددا فى طريق مروان بعد أن كانت السبب فى تدمير حياته عندما رفضها وألقاها خارج حجرته كحشرة لا قيمة لها..لتعلم بعد ذلك علاقته بتلك الخادمة الحقيرة وتشعر وقتها بأنه قد آن الأوان لتتخلص من تلك الخادمة خاصة وأنها تعلم عنها وعن علاقتها بعدنان بعد ان ضبطهما سويا ذات مرة ولولا أن هددتها سوزى بأنها ستتهمها بالسرقة وانها ستسجنها ان لم تلتزم الصمت لكانت وشيت بها الى مروان..لتظل زينة صامتة..ولكنها كانت ترمقها دائما بنظرات حادة نافرة كادت أن تخرجها عن طورها..أيقنت وقتها انها لتتخلص من زينة وتحصل على مال سعيد كان لابد وأن تتخلص من مروان نفسه ..لتلجأ الى عدنان ليخلصها من مروان.. فألقاه بعلاقاته فى المعتقل ..ثم منحته زينة ليتاجر بها فى سوق الرقيق خاصته وقد كذبت عليه فى حينها وأوهمته أن زينة قد اقامت علاقة مع زوجها وأنها تخشى ان تسيطر عليه ويكتب لها ثروته..ولكن عدنان لم يبيعها وانما احتفظ بها فى بيته ….
هذا المجنون…..فها هي قد استطاعت الهروب ولو وجدها مروان وأخبرته بكل ماتعرفه..سيستنتج هو الباقى و سيكون انتقامه منهما خياليا.

اقتربت بسيارتها من الضابط الذى اشار اليها لتتقدم..ثم شرع يفتش السيارة وهي تنقر على المقود فى عصبية..حتى تقدم منها الضابط وهو يمسك فى يده كيسا أبيض اللون.. يقول فى صرامة:
بطاقتك وانزليلى.

نظرت اليه فى دهشة قائلة:
انت بتكلمنى انا؟

قال الضابط بحدة:
لأ بكلم أمى ..البطاقة وانزليلى يلا.

هبطت سوزى من السيارة فى غضب وهي تقول:
انت ازاي تكلمنى بالطريقة دى ..انت مش عارف أنا مين؟

أشار الضابط بيده قائلا:
ان شا الله تكونى بنت الوزير..هتروحى فى داهية على ايدى ياحثالة المجتمع..يا اللى امثالك بيدمروا شبابه واطفاله.

عقدت سوزى حاجبيها قائلة فى حدة:
انت بتقول ايه ؟انت اكيد إتجننت ياحيوان إنت؟

اقترب الضابط من وجهها وهو يرفع ذلك الكيس الأبيض بيده قائلا فى غضب:
معاكى ٢ كيلو هيروين ..وبتشتمى ظابط كمان..ورحمة أمى لأوديكى ورا الشمس.

ثم اشار لأحد أعوانه قائلا فى حدة:
خدها ع البوكس..

واشار لأمين شرطة آخر وهو يضرب على السيارة بيديه قائلا:
اركنلى العربية دى بعيد..خلينى أشوف شغلى.

أسرع الجميع بتنفيذ اوامره بينما صعدت سوزى الى الجزء الخلفى من سيارة الشرطة لتمسك حقيبتها وتخرج هاتفها لتتصل بالرقم الوحيد والذى خطر ببالها الآن قائلة بانهيار:
عدنان..الحقنى ياعدنان.

*****************

كان نبيل يجلس على الأريكة ينظر الى صورها الجميلة على اللاب توب..لقد وجد نفسه رغما عنه يبحث عنها على الانترنت..ليجد صورها العديدة ..حملت اليه تلك الصور أسعد لحظات حياتها والتى نقلتها هي على صفحة التواصل الاجتماعى الخاصة بها..ليراها فى تلك الصورة تضحك وفى الصورة الأخرى تلهو مع صديقاتها ..أما تلك الصورة فالتقطت لها وهي تحمل زهرة تستنشقها برقة تخلب الألباب..بينما تلك الصورة التقطت لها وهي تضم سيدة جميلة رغم كبر سنها الواضح على شعيراتها البيضاء والتى صففتها بأناقة..ليوقن أنها تلك الجدة التى سمع عنها..وتلك صورة أخرى لها مع أخيها فى احدى الحفلات وهي تبتسم له تلك الابتسامة الرائعة والتى يبدو انها تخصه بها وحده..فقد رآها تبتسم له نفس الابتسامة فى المكتب حين قابلها للمرة الثانية.

افاق من افكاره التى تدور حولها على دلوف فتون الى الحجرة قائلة :
فاضى يانبيل شوية؟

اغلق نبيل شاشة اللاب توب ووضعه جانبا وهو يقول:
ولو مش فاضى..افضالك يافتون..تعالى اقعدى .

تقدمت منه فتون لتجلس بجواره قائلة:
عرفت حد من الشركة ممكن يساعدنا عشان يخلى رجالتنا يظبطوا الشحنة اللى هتيجى من باريس الشهر الجاي؟

قال نبيل:
لسة يافتون..انا فى دماغى اتنين بس الموضوع عايز صبر..مينفعش نستعجل والا الدنيا هتبوظ مننا.

نهضت فتون قائلة فى عصبية:
أصبر ايه بس..مفيش وقت يا نبيل.. بقولك الشحنة هتيجى الشهر اللى جاي.

أمسك نبيل يدها يجلسها فى هدوء قائلا:
اهدى بس يافتون..الراجل اللى هنعمل معاه الديل شغله مشبوه أصلا..يعنى من غير ما نظبط الشحنة هيروح ياسين فى داهية..بس كل اللى بنعمله ده اجراءات أمان مش أكتر..وبعدين ياستى فى خلال الاسبوع ده بالكتير هيكون الراجل ده عندك..كويس كدة؟

اومأت فتون برأسها قائلة:
ماشى يانبيل وأنا مستنية..إلا قوللى..أخبار الشركة ايه فى لبنان..أنا مش فايقة خالص اتابع أي حاجة هناك.

ابتسم نبيل قائلا:
كل شئ ماشى زي ما انتى عايزة وأكتر..مالك بس؟بقيتى عصبية أوى اليومين دول.

عادت فتون لتجلس وهي تزفر قائلة:
مش عارفة يانبيل..مخنوقة أوى..وقلقانة..فيه شوية حاجات كدة متلخبطة جوايا وعايزة اظبطها عشان أركز فى خطتنا .

لتشيح بيدها قائلة:
سيبك انت..انا هعرف أظبط أمورى.

لتمسك اللاب وهي تقول:
هات كدة اما اشوف أخبار البورصة ايه؟

كاد ان يبعده عنها ولكنها كانت قد فتحت شاشته لترى تلك الصور لدارين تزينها..عقدت حاجبيها وهي تنظر الى تلك الصور ثم تنظر الى نبيل الذى اطرق برأسه فى خجل لتقول فتون بهدوء:
انت عارف دى تبقى مين؟

اومأ برأسه فى صمت لتستطرد هي قائلة:
يعنى عارف ان مفيش مستقبل ممكن يجمعكم.

نهض نبيل قائلا فى عصبية:
عارف يافتون ..عارف..بس انا اتعلقت بيها قبل ما أعرف إنها تقربله ..عموما خلاص ..أنا نسيت الموضوع ده بعد ما عرفت انها أخته.

وجهت فتون شاشة اللاب المليئة بصور دارين تجاه نبيل قائلة فى سخرية:
لأ واضح انك نسيتها.

تأمل نبيل ملامح دارين لترق نظراته رغما عنه وهو يقول فى ألم:
بحاول يافتون ..والله بحاول بس غصب عنى..مش قادر.

تأملت فتون ملامحه لثوانى ثم قالت:
خلاص يبقى متنسهاش.

عقد نبيل حاجبيه وهو ينظر اليها قائلا:
قصدك ايه؟

نهضت فتون لتواجه عينيه قائلة:
قصدى انتقامنا يضم دارين يانبيل.

قال نبيل باستنكار:
لأ طبعا..انتى بتقولى ايه؟..احنا متفقناش على كدة يافتون..متفقناش ندخل حد برئ لعبتنا.

صرخت فتون قائلة:
وميسون مكنتش بريئة يانبيل لما قتلها..قوللى..كانت بريئة ولا لأ؟

قال نبيل فى هدوء:
احنا مش زي ياسين يافتون..مستحيل نقتل وخصوصا لو روح بريئة.

قالت فتون وهي تحاول ان تتمالك نفسها:
وأنا مقلتش ان احنا هنقتلها..احنا يادوب هنكسر قلبها ..انت مشفتش بيحبها ازاي؟كسرة قلبها هتضعفه يانبيل.

قال نبيل :
بس….

قاطعته قائلة:
من غير بس..دارين خلاص دخلت جوة اللعبة ولو انت مش عايز تنفذ هشوف حد غيرك ينفذ يانبيل..قلت ايه؟

لم يستطع نبيل تخيل دارين مع أحد سواه..ولن يستطيع أيضا أن يحطم قلبها بتلك الوحشية..ليضطر مرغما على هز رأسه موافقا حتى يرى مع الأيام كيف يحل تلك المعضلة ..لتبتسم فتون وهي تقترب منه وتربت على كتفه قبل أن تغادر تتبعها عينا نبيل..يدرك ان فتون لم تعد كما كانت من قبل ..انتقامها يحولها لفتاة أخرى..هو فقط يخشى عليها ان تفيق يوما لتندم على كل شئ ولكن بعد فوات الأوان…

 

الفصل الثانى عشر

جلست فتون على مكتبها تنظر إلى تلك الصور على هاتفها ..حددت الكل ..ثم ترددت لثوان قبل أن تضغط على زر المسح ولكنها حسمت امرها و قامت بالضغط فى ألم..لتجيئها رسالة تسألها (هل أنت متأكد من أنك تريد مسح الكل؟)
لتضغط على نعم ..نزلت من عينيها دمعتان وهي تقول بهمس مرير:
سامحينى ياميسون بس كان لازم أمسح صورك من على تليفونى..أنا مش مستعدة غلطة واحدة تضيع كل اللى بعمله عشان أنتقم لموتك..سامحينى ياحبيبتى.

مدت يدها تمسح تلك الدمعات ليرتسم التصميم فى عيونها وهي تأخذ بعض الأوراق وتتجه الى حجرة ياسين بخطوات حازمة.

********************

رمق مروان محمود بتلك النظرة الصارمة و التى ترعب قلوب من لا يعرفه.. ورغم أن محمود بات يعرف مروان جيدا وبات يدرك ايضا أن تلك النظرة هي شئ ملازم لشخصية مروان..فأصبح معتادا عليها إلا أنها مازالت توجس قلبه خيفة وتجعله يشعر بالقلق .. خاصة عندما تمتزج مع تلك النبرة الصارمة والتى تحدث بها مروان حين قال:
خير يامحمود؟

قال محمود بارتباك :
انا ..إنبارح ..ولإنشغالك طبعا.. مضيت على العقد بسرعة من غير ما تعرف التفاصيل وكان لازم آجى لحضرتك النهاردة عشان أوضحلك الشروط اللى اتفقنا عليها وكمان فيه كذا ورقة تانيين محتاجين لإمضتك.

أومأ مروان برأسه وهو يشير اليه بيده كي يجلس قائلا:
ياسين قاللى على الشروط وتفاصيل العقد..ورينى بقى الورق التانى عشان أشوفه.

ناوله محمود ملفا به بعض الأوراق ففتحه مروان وبدأ فى قراءة صفحاته ليزيلها بامضاءه..حين تناهى الى مسامعه صوت طرقات على الباب يعرفها جيدا..وقبل ان يتفوه بحرف..فتح الباب لتدلف زينة بهدوء تحمل صينية عليها فنجالين من القهوة ..تقدمت الى المكتب تتابعها عينا مروان فى غيظ وهو يلاحظ تعلق نظرات محمود بها..وما ان وضعت الصينية على المكتب وكادت أن تغادر حتى قال محمود بسرعة:
من فضلك يا…..

وترك جملته معلقة ليجز مروان على أسنانه وهي تنظر الى محمود قائلة فى رقة:
زينة.

لمعت عينا محمود وهو يقول:
ممكن تجيبيلى كوباية مية يازينة ؟

قال مروان فى حدة:
ما المية أدامك أهى يامحمود؟

نظر اليه محمود فى دهشة من حدته ليقول متلعثما:
المية دى..باردة ..وانا..يعنى.. معدتى واجعانى النهاردة ..فكنت ..عايز كوباية مية عادية.

قال مروان موجها حديثه الى زينة بغيظ:
هاتيله كوباية مية مش باردة وابعتيها مع دادة تحية..مفهوم؟

أومأت زينة برأسها فى هدوء ثم انصرفت تتابعها عيون محمود ..شعر مروان انه على وشك أن يرتكب جريمة قتل..ليقرر انه منذ تلك اللحظة سيمنعها من أن تتواجد قربه عندما يكون لديه ضيوف..خاصة ضيف مثل محمود يعلم جيدا ولعه بالنساء..أسرع يتفحص الأوراق..حين طرق الباب مجددا ودلفت زينة تحمل كوب الماء ليشعر مروان بالغليان وهو يقول بغضب:
أنا مش قلت دادة تحية اللى تجيبها..انتى اطرشتى ولا بتعاندينى؟

أحست زينة بالخجل لتعنيفه إياها أمام هذا الغريب..لتقول وقد بدأت الدموع تغزو مقلتيها:
لا اطرشت ولا بعاندك..دادة تحية كانت هتجيبها فعلا بس داخت وانا قلتلها ترتاح .

أوجعته تلك الدموع التى ملأت عيونها وتلك النبرات الضعيفة فى كلماتها ولكنه عاد يقسى قلبه مقنعا إياه بأنها لا قلب لها ليتأثر..وأن دموعها تلك ماهي إلا دموع التماسيح تماما..ليقول ببرود:
طب سيبى المية اللى فى ايدك دى.. وأدامى نشوف دادة تحية .

وضعت كوب الماء أمام محمود..وهي تنكس رأسها ثم اتجهت لمغادرة المكتب يتبعها بهدوء ولكنه توقف لثوان يقول لمحمود:
استنانى يامحمود..انا مش هتأخر.

اومأ محمود برأسه فى هدوء بينما غادر مروان ليقول محمود بهمس:
أقطع دراعى ان ما كان بين مروان وزينة دى حاجة..وهناك فى الشركة ياسين وفتون كمان..خليهم كدة مكوشين على أجمل بنات شافتهم عينية وخليلى انا اللى اتجوزتها وقاعدالى فى البيت فاكرة نفسها ياما هنا وياما هناك..تيجى تشوف المزز عشان تعرف انى اتجوزت واحد صاحبى..ربنا يرحمك ياأمة..اخترتيهالى..وخلعتى….دبستينى تدبيسة العمر..يلا بقى..هقول ايه..الدنيا اصلها حظووووظ.

*******************

حمدت فتون ربها على عدم تواجد تلك السكرتيرة والتى تثير اعصابها غيظا لتقترب من باب حجرة ياسين وتطرقه بهدوء وما ان إستمعت الى صوته يسمح لها بالدخول حتى دلفت الى الحجرة..توقفت عند الباب تشعر للحظة بأن ياسين قد تفاجئ بها قبل ان تعود ملامحه غامضة لا تعبر عن شئ وهو يقول:
اتفضلى يافتون..واقفة عندك ليه؟

اقتربت منه وجلست قبالته وهي تضع تلك الاوراق فى يدها على المكتب أمامه قائلة:
دى أوراق عرض مقدماه شركة وليد السكرى ..لما سألنى وليد عن شركة يثق فيها عشان تاخد توكيل حصرى بتسويق منتجاته فى مصر ملقتش طبعا أحسن من شركتنا..الورق أدامك راجعه وقوللى رأيك..أنا هكون فى مكتبى.

ونهضت لتغادر بينما انتابت ياسين مشاعر شتى تجمع مابين الغيرة والحنق..الغيرة لنطقها اسم ذلك الوليد بأريحية..بل إنه يشعر انها تتحدث بأريحية عن كل الرجال فى حياتها بشكل يثير غيرته وغضبه..يتساءل عن كم الرجال الذين عرفتهم فى حياتها وهل وقعت فى حب أحدهم؟ويشعر بالحنق من نفسه ايضا لتفكيره بتلك الطريقة وتساؤلاته التى أصبحت كلها تدور حول تلك المرأة الغامضة والتى يريد بكل ذرة فى كيانه أن يسبر أغوارها..وجد نفسه رغما عنه يقول:
استنى يافتون.

ابتسمت بانتصار..قبل ان تختفى تلك الابتسامة من على وجهها وهي تلتفت اليه قائلة فى براءة مصطنعة:
خير ياياسين؟

أشار لها بالجلوس مجددا وهو يقول:
اقعدى نشرب فنجال قهوة وندرس الورق ده مع بعض .

قالت فى تردد مصطنع:
خايفة..يعنى.. اضايقك بوجودى.

قال فى هدوء:
لأ طبعا مش هتضايقينى احنا خلاص بقينا شركا..ومصلحتنا واحدة..ولا ايه؟

ابتسمت وهي تجلس قائلة:
طيب بما اننا شركا..فلية طلب عندك.

نظر اليها متساءلا لتستطرد قائلة:
انا بعت اجيب مديرة مكتبى سعاد من بيروت لكن نبيل دلوقتى من غير مديرة مكتب وبصراحة آخر مديرة مكتب ليه طلعت مش كويسة فمحتاجة مديرة مكتب يكون عندى ثقة مطلقة فيها ومش هلاقى حد أثق فيه أكتر من دارين أختك.

نظر اليها ياسين للحظات دون أن ينطق مما أثار اضطرابها..ولكنه مالبث ان قال بهدوء:
وأنا موافق يافتون..حاجة تانية؟

ابتسمت فتون وقلبها يزفر بارتياح قائلة:
أنا مش عارفة أشكرك إزاى ياياسين..يلا بقى اطلبلنا القهوة عشان ندرس الورق.

رفع ياسين سماعة هاتفه وهو تائه فى تلك الابتسامة الخلابة خاصتها ليسألها بشرود قائلا:
قهوتك ايه يافتون؟

نظرت الى عمق عينيه وهي تقول بهدوء :
بلاك ياياسين..قهوتى بلاك.

لتبتسم فى داخلها وهي تقول لنفسها فى صمت:
زي أيامك الجاية معايا ياياسين تاج الدين.

********************

قالت سوزى فى عصبية:
بقولك اتصرف ياعدنان ..أنا مش ممكن أبات يوم واحد فى المكان ده.

تراجع عدنان فى المقعد الذى يجلس عليه قائلا بهدوء:
هتصرف ازاي بس ياسوزى ..انتى ممسوكة ب ٢ كيلو هيروين ..يعنى تهمة الاتجار لابساكى..انا مش عارف ازاي تمشى بالكمية دى فى عربيتك..طب كنتى قوليلى وانا كنت خليت رجالتى صرفوهالك.

قالت سوزى بعصبية:
يصرفوهالى ايه بس ياعدنان؟..انا والله ما اعرف حاجة عن الهيروين ده .. ولا أعرف ازاي لاقوه فى شنطة عربيتى.

عقد عدنان حاجبيه قائلا:
يعنى الهيروين ده مش بتاعك؟

قالت سوزى فى حدة:
لأ طبعا مش بتاعى..أنا مليش فى الحاجات دى وانت عارف.

تظاهر عدنان لثوان بالتفكير ليقول بعدها:
تفتكرى يكون مروان هو اللى عملها؟

اتسعت عينا سوزى فى صدمة قائلة :
تفتكر؟دى تبقى مصيبة.

قال عدنان بهدوء:
ولا مصيبة ولا حاجة..عموما معتقدش انه مروان..وبعدين هو لو عايز يوديكى فى داهية فيه حاجات أكتر من كدة ممكن يعملها..اهدى بس وانا هشوف طريقة أطلعك بيها من هنا..بس بشرط.

عقدت سوزى حاجبيها قائلة:
شرط ايه ياعدنان؟

مال عدنان للأمام ليقترب منها قائلا :
تنفذى الاتفاق بتاعنا.

تراجعت سوزى فى مقعدها قائلة بصدمة:
انت بتقول ايه؟

تراجع عدنان بدوره فى مقعده قائﻻ:
اللى سمعتيه ياسوزى..هتبقى عينى على مروان وتنقليلى أخباره هطلعك من الموضوع ده زي الشعرة من العجين..هترفضى يبقى خليكى هنا ..تاخدى عشر سنين سجن..مؤبد..اعدام..انتى ونصيبك بقى..سلام.

نهض عدنان ليغادر ولكن قبل ان تمس يده قبضة الباب تناهى الى مسامعه صوت سوزى يقول بلهفة:
استنى ياعدنان.

التفت اليها لتستطرد قائلة فى ضيق:
أنا موافقة.

اومأ عدنان برأسه قائلا:
بكرة الصبح بالكتير هتكونى فى بيتك ياسوزى..وهستنى منك تجيبيلى أخباره ..سلام

والتفت مغادرا تعلو وجهه ابتسامة شيطانية منتصرة تليق بشيطان مثله.

 

الفصل الثالث عشر

اندفع مروان باتجاه دادة تحية التى جلست على مقعدها فى وهن..ليقول بقلق:
دادة تحية ..انتى كويسة؟

رفعت دادة تحية عينيها اليه قائلة :
أنا كويسة ياابنى..متقلقش.

ثم نظرت الى زينة التى وقفت بجوار مروان وهي تقول بعتاب:
ليه بس يابنتى قلتيله ؟..أنا مش قلتلك متقوليلوش.

قالت زينة بأسف:
والله يادادة غصب عنى….

قاطعها مروان وهو يجلس على ركبتيه يمسك بيدي تحية بين يديه قائلا فى عتاب:
ازاي بس مكنتيش عايزانى أعرف يادادة..انتى متعرفيش غلاوتك عندى ولا ايه؟انتى بقيتى فى مكانة أمى الله يرحمها..وقلقى عليكى وعلى صحتك زي ماتكونى هي تمام.

ابتسمت دادة تحية وهي تقول بحنان:
الله يرحمها يامروان..ربنا يعلم انك كمان بقيت ابنى اللى مخلفتوش..ربنا يخليك لية ياحبيبى ويباركلى فى عمرك.

نظرت زينة اليهما وقد اغروقت عيناها بالدموع..ترى معاملة مروان لدادة تحية لتدرك أن مروان من الممكن أن يحمل عاطفة لأحدهم ولكن بالتأكيد لم ولن يحملها لها..أفاقت من افكارها على صوت مروان يقول بحزم:
أنا هتصل بالدكتور سعد ييجى يطمنى عليكى يادادة.

قالت تحية بنفي:
ملوش لزوم يامروان..هي أيام بقضيها قبل ما أقابل رب كريم.

جلست زينة على ركبتيها بدورها تقول فى لهفة وهي تمسك يد تحية:
بعيد الشر عنك يادا…..

توقفت عن الكلام وهي تنظر بصدمة الى يدها التى بدلا من ان تضم يد دادة تحية وجدتها تضم يد مروان المتمسكة بيد الدادة..لتشعر بارتجافة هزت كيانها..تشعر بحرارة يديه التى انتقلت الى يديها ثم الى وجنتيها..و اللتان اشتعلتا وأصبحتا كالجمرة الحمراء.. وجدت نفسها ترنو بعينيها باتجاه مروان لتتوقف الثوانى وهي تجده قريبا منها يتأمل وجنتيها المشتعلتين بعيون غائمة بالمشاعر ثم يرمقها بنظرة طويلة حملت لها ذبذبات قوية هزت كيانها ..تاهت بين ثنايا تلك المشاعر التى حملتها عينيه إليها..كانت ظلال لمشاعر عديدة مضت..ذكرها هذا الرجل الغارق فى ملامحها الآن بذلك الرجل الذى وقعت فى حبه بالماضى..ظلا هكذا يتبادلان نظرات تحمل توقا وعشقا..ليتحول العشق فجأة ويصبح لوما ثم حنقا ليكون مروان هو أول من يشيح بنظراته عنها فأفاقت من سحر نظراته لترفع يدها ببطئ عن يده ..تشعر بالبرد فجأة وهي تنهض بسرعة قائلة بارتباك وموجهة حديثها إلى تحية:
أنا ..هطمن على فارس وأرجعلك علطول يادادة .

قالت دادة تحية بابتسامة حانية:
روحى يابنتى.

غادرت تتبعها عيون مروان ليفيق من شروده على صوت تحية وهي تقول بحنان:
هي دى زينة اللى حكيتلى عنها يامروان..صح؟

نكس مروان رأسه فى حزن قائلا:
أيوة هي.

مدت دادة تحية يدها لترفع بها ذقنه فتواجهها عيناه الحزينتين..لتقول بهدوء:
لسة بتحبها؟

نهض مروان فى عصبية وهو يمرر يده فى رأسه قائلا فى ضيق:
مش عارف يادادة ..المفروض ميبقاش فى قلبى غير مشاعر الكره من ناحيتها..بس غصب عنى بلاقى قلبى بيحنلها..كل ماعينى تيجى فى عنيها بلاقينى بشتاق لذكريات بحاول امحيها من قلبى وعقلى بس مش قادر..مش قادر يادادة.

حاولت دادة تحية النهوض فلم تستطع وكادت ان تسقط ليسرع مروان باسنادها مجددا كي تجلس على كرسيها..وهو يقول بقلق:
يادادة انتى شكلك تعبان أوى..انا هكلم الدكتور ييجى يطمنى عليكى.

كاد ان يغادر كي يحضر هاتفه من حجرة مكتبه ولكنها استوقفته وهى تمسك بذراعه قائلة فى ضعف:
استنى يامروان واسمعنى.

عاد اليها مروان يجلس مجددا على ركبتيه لتقول هي بهدوء:
اسمع يامروان من واحدة شافت كتير فى حياتها وعرفت اكتر..زينة اللى حكيتلى عنها مش زينة اللى عرفتها أنا..يمكن كانت كدة زمان بس اللى أنا متأكدة منه انها اتغيرت..زينة اللى حكيتلى عنها قاسية ومعندهاش قلب..انما زينة اللى عرفتها واللى أدامى دلوقتى طيبة وغلبانة أوى وكل اللى محتاجاه إيد تطبطب عليها..يمكن شافت كتير واللى شافته غيرها..بس اللى انا متأكدة منه كمان انها بتحبك.

نظر اليها مروان باستنكار لتقول بتأكيد:
زي ما بقولك كدة..بتحبك..وتعرف ايه الشئ الغريب فى قصتكم دى؟

عقد حاجبيه لتستطرد قائلة:
ان هي كمان بتقاوم حبها ليك..زي ما بتعمل بالظبط يامروان.

ظهر التفكير على وجه مروان لثوان ..يتساءل عن كلمات تحية والتى أثارت داخل عقله العديد من التساؤلات..والشكوك..لينفض أفكاره التى تضعفه مجددا وهو يدحض كل شكوكه فلو كانت تحبه ماتخلت عنه قط..لو كانت تحبه مافعلت ذلك مطلقا..ليأخذ نفسا عميقا وهو يهز رأسه قائلا فى حزم:
معتقدش يادادة..بس حتى لو كلامك صح رغم ان ده شئ عقلى مش قادر يصدقه..ففيه حواجز كتير عملت سد منيع بينى وبينها.. فمبقاش ينفع يكون بينى وبينها أي قصة..أنا مبقتش قادر أثق فيها تانى.. وغير كدة..فيه حاجة قضت على أي أمل انى أغفر لها غلطتها معايا زمان..دى واحدة نامت مع غيرى بدل المرة عشرة وعشرين..تفتكرى واحدة زي دى تنفعنى يادادة..مستحيل طبعا ..سيبك منها ومن سيرتها وخلينا فيكى دلوقتى..انا هروح اجيب التليفون عشان اكلم الدكتور..ثوانى وأرجعلك.

أسرعت زينة باتجاه حجرتها ..وهي تمسح دموعها المتساقطة بغزارة..لقد تعللت بالاطمئنان على فارس حتى تجد فرصة لتتمالك نفسها بعد تلك المشاعر التى غزت كيانها وعندما عادت لتطمئن على دادة تحية إستمعت اليه وهو يقول عبارته الأخيرة ..عبارته التى مزقت فؤادها..كلماته عن أنها غانية استسلمت للعشرات غيره..حقا كم آلمتها كلماته..وآلمها انه قالها لدادة تحية ..تلك السيدة الطيبة والتى تذكرها بدادة نجاة من جحر الشيطان..كليهما يتشابهان فى طيبة القلب والحنان والمشاعر الكثيرة والتى أغدقاها عليها..ترى فيم تفكر الآن دادة تحية ؟وكيف تراها؟؟..ثم حتى وان كانت كما وصفها مروان ..ألم يكن هو السبب فى كل ما حدث لها؟أينكر الآن أنه من ألقى بها الى المجهول لترى ألوانا من العذاب؟أيلقيها فى جحر الشيطان ثم يلومها على ما أصبحت عليه؟حقا ياله من مغرور لا قلب له ولا ضمير..ربما سيمنحها الله القوة يوما ما لتجعله يدفع ثمن ما فعله بها…نعم ربما.

**********************************

كانت فتون تجلس مع ياسين يتناقشان فى بنود الصفقة ..لتنظر فتون إلى ياسين وهو يتحدث بجدية وعملية وحرفية تليق برجل أعمال محنك.. لتبدو فى عينيها رغما عنها نظرة اعجاب شعرت بها فى أعماقها..توقف ياسين عن الحديث وهو يلتقط تلك النظرة ليشعر بقلبه تزداد نبضاته..ناداها قائلا:
فتون.

كانت فتون شاردة فلم تنتبه إلى ندائه..مد يده يلمس يدها القابعة على مكتبه قائلا:
فتون..روحتى فين؟

أصابتها صاعقة حين شعرت بيده تلمس يدها فانتفضت بقوة وهي تبعد يدها عن يده قائلة:
ها..لا..أبدا..أنا هنا أهو..بس..الظاهر منمتش كويس وفنجال القهوة مفوقنيش..أنا..أنا بقول كفاية كدة النهاردة ونكمل بكرة..عن إذنك.

ونهضت بسرعة تنوى المغادرة ليستوقفها صوت ياسين وهو ينادى باسمها قائلا:
فتون ..استنى.

التفتت إليه فى حيرة لتراه يتفحص ملامحها المضطربة فى هدوء قبل أن يقول:
نسيتى الفون بتاعك.

نظرت فتون إلى هاتفها الموضوع على المكتب لتضرب على رأسها بخفة قائلة:
شفت..مش قلتلك منمتش كويس.

لتتجه إليه تأخذ الهاتف ثم تقول:
سلام.

أومأ برأسه قائلا:
سلام.

غادرت الحجرة تتابعها عينا ياسين الذى قال فى همس قلق:
ياترى خوفك من لمستى وقلقك ده هو خوف من الرجالة عموما ؟..ياترى حصل فى ماضيكى حاجة خوفتك مننا ولا الخوف ده يخصنى أنا لوحدى يافتون؟

ليظل سؤاله عالقا بلا إجابة تريح قلبه المتخبط بين أضلعه.
********************
استمع نبيل الى طرقات خفيفة على الباب..ليأمر الطارق بالدخول وهو يخلع عن عينيه نظارته ويغمضها ممسكا ذلك الجسر بين عينييه بارهاق ليفتح عينيه على اتساعهما وهو يسمع صوتها الرقيق يسأله فى رقة:
انت كويس يامستر نبيل؟

نظر اليها يتأمل ملامحها الرقيقة فى دهشة..يتساءل هل وجودها حقيقة ام خيال؟ ليصيبها الارتباك والخجل من نظراته المتأملة لها ..تنحنحت قائلة:
احم..مستر نبيل؟ إنت كويس؟

افاق من صدمته وهو يعتدل لابسا نظارته مجددا وهو يقول :
احم..أيوة ..انا..كويس ياآنسة…..؟

ترك جملته معلقة يتظاهر بنسيان اسمها لتقول هي برقة:
دارين..اسمى دارين.

اومأ براسه قائلا:
تشرفنا ..خير ياآنسة دارين؟

قالت بهدوء:
مستر ياسين خلانى مديرة مكتبك من دلوقتى….

قاطعها قائلا:
هو مش ياسين أخوكى؟

نظرت اليه فى دهشة قائلة:
ايوة..ليه؟

نهض نبيل من مقعده ليقترب منها قائلا:
ابدا..استغربت بس عشان بتقوليله مستر.

ابتسمت دارين برقة قائلة:
احنا فى الشغل وده معناه منشيلش الرسميات ما بينا ..هو رئيس الشركة وانا موظفة عنده.

تاه نبيل فى ابتسامتها الساحرة ثم مالبث ان رنت كلماتها فى رأسه لينتبه لها قائلا وقد عقد حاجبيه فجأة:
انتى بتقولى ياسين خلاكى مديرة مكتبى؟

اومأت برأسها فى حيرة وهي تتعجب من تغير حالة ذلك المدعو نبيل ما بين الثانية والأخرى..تظن لبرهة انه سعيد لوجوده معها ليؤكد فى اللحظة التالية أنه لا يطيق وجودها بجواره.. بل يرفضه تماما..أفاقت على صوته وهو يسألها قائلا:
انا مطلبتش حاجة من ياسين..مين اللى قاله انى محتاج مديرة لمكتبى.

تأكد لدارين انه لايريدها ان تعمل معه لتقول فى كبرياء يليق بفتاة من عائلة تاج الدين:
آنسة فتون اللى قالتله بس لو حضرتك مش حابب إنى أشتغل معاك فأنا هبلغ مستر ياسين بالوضع حالا وأكيد هيلاقيلك حد تانى.

ثم التفتت مغادرة ليوقفها صوت نبيل الذى قال بلهفة ظهرت فى نبراته:
استنى يادارين.

التفتت تشعر بالدهشة من نبراته الملهوفة ونطقه اسمها دون ألقاب وبتلك الصورة التى شعرت بها تزيد من دقات قلبها ليشعر نبيل بأنه قد تسرع ليقول بهدوء:
أنا مقلتش انى مش عايز أشتغل معاكى..بالعكس ..أنا ..أنا آسف لو سؤالى وصلك الإحساس ده..بس اللى عايزك تكونى متأكدة منه إنى سعيد جدا بشغلك معايا.

ابتسمت وهي تشعر بالسعادة بداخلها لنظراته ونبرات صوته والتى استشعرت فيهم صدق كلماته..لتقول برقة:
تمام أوى..وأنا كمان…

لتشعر بالخجل ووجنتيها تشتعلان بالحمرة وهي تستطرد قائلة:
احممم..أنا كمان سعيدة بالشغل مع حضرتك..ثوانى وهجيب لحضرتك الورق وفنجال قهوة مظبوط.

أوما برأسه مبتسما..ثم غادرت تتبعها عيناه ..ليعقد حاجبيه يتساءل كيف عرفت نوع فنجال قهوته…
ليهز رأسه وهو يدرك الإجابة واضحة..فتون..لابد وأنها فتون مجددا..مرر يده فى رأسه بعصبية ..إنها تضعه امام الأمر الواقع..حسنا سيلعبها على طريقتها ولكنه أبدا لن يؤذى تلك الفتاة الرقيقة ..سيتأكد بنفسه ان تلك الفتاة لن ينالها أي أذى من خطتهم الانتقامية .. ولو اضطر لمواجهة فتون نفسها كي يفعل ذلك.

*******************

قال مروان موجها حديثه الى ياسين:
زي ما توقعت ..عمل ديل مع سوزى..وخرجها من القضية زي الشعرة من العجين..وكل ده عشان يلوى دراعها ويزقها علية تعرف أخبارى.

نظر اليه ياسين قائلا:
وعرفت منين؟

أمسك مروان بفلاشة صغيرة وهو يقول:
اجتماعهم كان متسجل صوت وصورة.

قال ياسين:
طب ما نقدم الفلاشة دى للبوليس يامروان ونخلص منهم بضربة واحدة.

قال مروان بصرامة:
يمكن يطلعوا منها زي ما ظبطها عدنان لسوزى..و لو اتسجنوا..هياخدوا كام سنة سجن؟..تعرف..لو هياخدو مؤبد ياياسين..مش هيشفى غليلى وغليلك..مش هيعوضنا العذاب اللى شفناه فى المعتقل..مش هيعوضنى موت بابا وانا بعيد عنه ولا موت جدك وانت فى المعتقل مش قادر تشوفه لآخر مرة..اللى هيشفى غليلى حاجة واحدة وبس..موتهم يا ياسين..موتهم.

ربت ياسين على يده قائلا:
معاك حق يا مروان..اهدى بس وأنا معاك فى اي حاجة هتعملها ..بس قوللى الأول هتعمل ايه فى الحرباية سوزى واللى هتجيلك ترسم عليك من تانى عشان تعرف أخبارك وتقولهاله؟

نظر مروان الى البعيد قائلا:
هخليها تفتكر انها نجحت وهديها بس اللى عايزه يوصل لعدنان..بس أهم حاجة دلوقتى انى أكلمه وأقوله على تفاصيل صفقة العمر..آخر صفقة هيقوم بيها عدنان المسيرى فى حياته كلها..وده وعد منى ياياسين.

نظر ياسين اليه ليتبادلا نظرة تصميم..تحمل قوة خرجت من رحم الظلم..فقد حان وقت الانتقام.

 

الفصل الرابع عشر

قال عدنان بهدوء:
زي ما بقولك كدة ياهارون.

جلس هارون قائلا:
انت عارف لو الصفقة دى تمت ..مكسبها كام؟

نظر عدنان اليه قائلا فى تقرير:
عارف طبعا..مليارات.

عقد هارون حاجبيه قائلا:
طب ايه اللى يخلى مروان يشاركنا صفقة ارباحها بالمليارات..ماكان قام بيها لوحده والمكسب يتقسم عليه هو وشريكه وبس.

تراجع عدنان فى مقعده قائلا:
مش هيقدر..مروان صحيح اتغير بس لسة زي ما هو ملوش فى الشغل الشمال..ومحتاج حد معاه زينا يظبطله الدنيا.

ازداد انعقاد حاجبي هارون قائلا:
ولما مالوش فى شغل الشمال ..داخل صفقة زي دى ليه؟

أخرج عدنان غليونه وأشعله بهدوء..ثم أخذ منه نفسا عميقا ليطلقه ناظرا اليه وهو يقول بهدوء:
الاحتمال الأرجح هو ان اللى شافه فى المعتقل غير تفكيره خصوصا لما خرج ولقى ابوه اللى كان روحه فيه.. ميت ..وحارمه كمان من الميراث واللى كتبه لمراته وبس..ده فى حد ذاته يقتل مشاعر كتير جوة البنى آدم..صحيح كان ليه ميراثه من أمه وميراث مش قليل.. بس برده ده ميمنعش انها صدمة كبيرة خدها من ابوه تغير أي حد..والأغلب دلوقتى انه اكتشف أنه عشان يعيش فى الغابة اللى احنا عايشين فيها .. لازم يكون أسد..ولازم يكون معندوش رحمة ولا ضمير.

اومأ هارون برأسه قائلا:
احتمال فعلا..طيب واحنا هندخل الصفقة دى معاه كدة من غير ما نعمل احتياطاتنا.

ابتسم عدنان ابتسامة شيطانية وهو يقول:
متقلقش ..أنا عامل احتياطاتى..وهاخد إمضته على كل ورقة تخص الصفقة عشان لو فكر بس يغدر يعرف انه هيروح معانا فى ستين داهية.. ولإنى عارف برده ان مروان لو كبر هياكلنى زي ما هياكل غيرى..أول ما الصفقة دى تخلص ..هخليه يحصل أبوه.

نظر اليه هارون بدهشة لتتسع ابتسامة عدنان وتصبح ضحكة شيطانية..خشي منها هارون لأول مرة .

********************
سمعت دارين طرقا على الباب لتدرك من الطارق قبل أن ترى وجهها الحبيب وهي تطل من الباب تبتسم بحنان قائلة:
فاضية يادارين؟

أغلقت دارين شاشة اللاب توب ووضعته جانبا وهي تقول بابتسامة:
تعالى ياتيتة ..ده انا أفضالك مخصوص ياقمر.

اقتربت منها الجدة لتجلس بجوارها على السرير قائلة:
بس يابكاشة..ده انا مبقيتش اشوفك من يوم ما اشتغلتى مع أخوكى غير الصبح قبل ماتنزلى وبس..حتى الغدا.. بقيتى تتغدى فى المكتب.. والعشا تقوليلى تعبانة ياتيتة وعايزة أنام..الظاهر ان الشغل بتاعك ده هييجى على دماغى أنا وبس.

نهضت دارين وجلست على ركبتيها وهي تضم الجدة مقبلة اياها من وجنتها قائلة:
حقك علية ياتيتة..انتى معاكى حق تزعلى بس غصب عنى والله..انتى عارفة انى لسة فى البداية ومحتاجة أثبت للكل انى شاطرة ومجتهدة وانى متعينتش فى الشركة لمجرد انى أبقى أخت صاحبها وبس..ده غير ان ياسين خلانى مديرة مكتب شريكه الجديد نبيل.. فتلاقى الشغل كله فوق راسى.

عقدت الجدة حاجبيها قائلة:
شريك جديد..غريبة..اخوكى مجابليش سيرة عن الموضوع ده.

تراجعت دارين مكانها وهي تجلس متربعة القدمين عاقدة حاجبيها بدورها وهي تقول:
فعلا غريبة..بس زي ما انتى شايفة من يوم مامضوا العقود والشغل ما شاء الله فى الشركة مش ملاحقين عليه..لدرجة انى انا كمان مبقتش اشوفه ..أغلب الوقت برة الشركة فى اجتماعات مع العملا اللى جابتهم فتون للشركة.

ازداد انعقاد حاجبي الجدة وهي تقول :
فتون؟فتون مين يادارين؟

قالت دارين :
شريكتنا الجديدة ياتيتة.

قالت الجدة:
انتى مش بتقولى الشريك الجديد راجل واسمه نبيل.

ابتسمت دارين قائلة:
لأ ما هما اتنين..فتون ونبيل اصحاب شركة السلطانة للعطور فى لبنان ..واللى كنت بجيبلك منها البرفيوم بتاعك اللى بتحبيه.

قالت الجدة :
استنى كدة وبالراحة.. احكيلى اكتر عن الشركا دول وبالتفصيل يادارين.

ابتسمت دارين قائلة:
بس كدة..اسمعى ياستى.

********************
قال مروان بغضب:
انتى مش هتبطلى تعاندينى فى كل حاجة اقولهالك.

نظرت زينة اليه فى برود قائلة:
أنا مش بعاندك..انا كل اللى طالباه انى أخرج انا وابنى برة السجن اللى انت معيشنى فيه..أنا مخرجتش من سجن عشان اعيش فى سجن تانى.

اقترب منها يقول فى صرامة:
انا معيشك فى سجن؟

ليشير الى المنزل قائلا:
انتى بتسمى البيت ده سجن؟

قالت زينة فى مرارة لم تستطع اخفاءها:
أيوة سجن..يفرق ايه عن جحر الشيطان اللى كنت عايشة فيه؟

اقترب منها حتى أصبح قبالتها تماما ليميل بوجهه قائلا فى سخرية:
لأ يفرق كتير ..انتى وابنك هنا فى أمان بعيد عن عدنان ورجالته..ولو خرجتوا برة هتكونوا فى خطر كبير..ثم على الأقل هنا مبتبيعيش شرفك كل يوم .

أحست بعروقها تنتفض من الغضب لتصرخ قائلة فى مرارة:
كفاية بقى ظلم فية..انت ايه ياأخى؟ ..مش كفاية الظلم اللى ظلمتهولى زمان..لسة عايز تعمل ايه فية؟ ..انا تعبت..تعبت منك ومن ظلمك ..ارحمنى بقى..ارحمنى.

عقد حاجبيه وكاد أن يسألها عما تعنيه بكلماتها ولكن قاطعه صوت طرقات على الباب ثم دلوف صاحبة الطرقات وهي تنظر فى صدمة الى هذا الثنائي المتقارب ..نظر مروان إليها فى برود بينما اتسعت عينا زينة فى صدمة..تمالكت سوزى نفسها بسرعة وهي تقول :
هو انا جيت فى وقت مش مناسب ولا ايه؟

احتوى مروان كل الكره الذى يحمله بداخله لتلك المرأة وهو يتراجع متجها الى خلف مكتبه يجلس على مقعده قائلا بهدوء:
لأ طبعا ..اتفضلى ياسوزى.

نقلت زينة بصرها مابين مروان وسوزى بخيبة أمل قبل ان ترمق تلك الأخيرة بنظرة احتقار وتغادر المكان فى صمت..غافلة عن عيون التقطت نظراتها واحتارت فى تفسيرها ليفيق صاحب تلك العيون على صوت سوزى وهي تقول بنبرات خرجت منها حادة رغما عنها:
هي زينة ايه اللى جابها عندك يا مروان؟

قال مروان وهو ينظر اليها ببرود قائلا:
وده يخصك فى ايه ياسوزى؟

تظاهرت سوزى بعدم الاهتمام وهي تقول:
الحقيقة هي متهمنيش ومتخصنيش..من يوم مارميتها برة البيت ..اليوم ده شفتها مع باباك فى وضع يعنى ….إنت فاهم طبعا.

جز مروان على أسنانه يتساءل ..ترى هل ما تقوله سوزى حقيقة أم أن كلماتها تلك هي إحدى أكاذيبها؟هل وجدتها حقا مع أبيه؟؟؟؟؟
تبا..كم يؤلمه مجرد التخيل..ليعود وينفى ذلك الاحتمال فمهما كانت مساوئ زينة فلا يمكنها أبدا أن تكون حقيرة لتلك الدرجة..لابد وأنها احدى أكاذيب سوزى..لتنتابه الحيرة عن سبب اختراعها لتلك الكذبة؟التمعت الفكرة فى رأسه فجأة..الغيرة ..نعم..إنها الغيرة..حقا لم يعد يعرف إلى أي مدى قد تصل حقارة تلك المدعوة سوزى..أخذ نفسا عميقا وهو يقول بسخرية:
ولما هي متهمكيش زعلانة ليه إنها بتشتغل عندى ياسوزى؟

قالت سوزى بهدوء مفتعل:
أنا مش زعلانة ..انا بس خايفة عليك منها.

اتسعت ابتسامته الساخرة وهو يقول:
أهمك أوى ياسوزى؟

نظرت إلى ملامحه تتأمله بإعجاب أنثى ظهر جليا فى صوتها وهي تقول:
طول عمرك بتهمنى يامروان..انت نسيت ولا إيه؟

تراجع فى مقعده قائلا بهدوء:
أنا منستش حاجة بس الظاهر انتى اللى نسيتى.

ليحرك يده بلامبالاة مستطردا:
عموما ..زينة مش اكتر من خدامة هنا ياسوزى..لجأتلى عشان تشتغل وتصرف على إبنها..وأنا وافقت .

نظرت إليه تتفحص ملامحه وهي تقول:
بعد كل اللى عملته فيك؟برده بتساعدها.

قال فى برود:
متعودتش أرد حد طالب مساعدتى يا سوزى..وان مكنش عشانها يبقى عشان ابنها اللى ملوش ذنب فى اللى هي عملته فية زمان..وعموما أنا ميهمنيش حياتها الشخصية طول ما هي بعيد عن شغلها..المهم..ممكن أعرف سبب زيارتك الغريبة دى إيه؟

تنحنحت سوزى قائلة:
احمم..بما انك متعودتش ترد حد محتاج مساعدتك فأنا كمان محتاجة مساعدتك يامروان.

لم ينطق بحرف وهو يتأملها لتستطرد قائلة:
أنا عارفة إنك زعلان منى عشان موضوع الميراث..بس وحياتك عندى انا مكنتش اعرف ان باباك كتب الميراث لية غير بعد ما مات..ولو كنت اعرف قبلها كنت منعته.

تراجع مروان فى مقعده قائلا بسخرية:
ولما بعتلك المحامى عشان ترديلى حقى وطردتيه.

قالت بسرعة:
لو كنت انت اللى جيتلى مكنتش طبعا هعمل كدة..بس المحامى هددنى واستفزنى بكلامه.

اتسعت ابتسامته الساخرة وهو يقول:
عموما ياسوزى احنا لسة فيها..تقدرى ترجعيلى حقى فى ميراث ابويا.

تلعثمت سوزى قائلة:
أنا..أنا….

اتسعت ابتسامة مروان الساخرة حتى صارت ضحكة رنانة ليقول بعدها:
انتى إيه ياسوزى؟..عموما انا مش عايزه ولا محتاجه..وإنتى شايفة أهو بعنيكى أنا غنى أد إيه؟يعنى مش هبص لفلوس ..بابا قرر يحرمنى منها ويديهالك إنتى.

قالت سوزى بسرعة:
شايفة طبعا..وعشان أنا عارفة اد ايه انت ذكى وشاطر حابة ادخل معاك فى بيزنس..وجيتلك مخصوص عشان كدة..ها..إيه رأيك؟

تظاهر مروان بالتفكير لثوان ثم نظر اليها قائلا:
مع انى مبحبش يكون لية شركا فى الشغل بس نجرب وماله..ممكن أعرف بقى نوع البيزنس اللى حابة تدخلى فيه معايا وبفلوس أد إيه ياسوزى؟

التمعت عينا سوزى تظن أنها ربحت الجولة الأولى وهي تقول:
هقولك يامروان ..هقولك.

********************

جلست الجدة مطرقة الرأس تفكر فيما سمعته من دارين بهدوء لتحترم دارين صمتها حتى رفعت الجدة رأسها قائلة:
أنا عايزاكى تعزمى الشركا الجداد على العشا يادارين.

عقدت دارين حاجبيها قائلة:
وأعزمهم انا ليه؟..ما تخلى ياسين هو اللى يعزمهم.

قالت الجدة بهدوء:
ياسين مجبليش سيرة عنهم وممكن يتحجج بأي حجة عشان ميعزمهمش عندنا..فالأحسن أحطه أدام أمر واقع.

قالت دارين فى حيرة:
وهو ممكن يمانع ليه بس ياتيتة؟

قالت الجدة فى شرود:
مش عارفة يادارين..احساسى بيقولى ان أخوكى مخبى حاجة عنى ولازم أعرفها.

عقدت دارين حاجبيها قائلة:
حاجة زي ايه؟

افاقت الجدة من شرودها قائلة :
قلتلك مش عارفة يادارين بس لما أشوفهم ..أكيد هعرف..المهم تنفذى اللى قلتلك عليه..إعزميهم ع العشا بعد بكرة ومتقوليش لأخوكى..مفهوم؟

قالت دارين:
مفهوم ياتيتة.

نهضت الجدة وكادت أن تغادر لتتوقف وهي تلتفت الى دارين قائلة:
إلا قوليلى يادارين ..أخبار مروان ايه؟

هزت دارين كتفيها قائلة:
معرفش ياتيتة ..مشفتوش خالص فى الشركة ومعرفش عنه حاجة.

اومأت الجدة برأسها فى هدوء وهي تلتفت مغادرة ترتسم على وجهها ابتسامة راضية وقد أدركت من نبرات صوت حفيدتها الغير مهتمة.. بأن مروان أصبح من الماضى بالنسبة لها..بينما فتحت دارين شاشة اللاب توب لتظهر صورة نبيل عليها لتبتسم دارين قائلة:
حيرتنى معاك يانبيل..ياترى المشاعر اللى بحسها من ناحيتك حقيقية ولا انا شكلى بتعلق بأي حد بيهتم بية وخلاص..أكيد مع الأيام هعرف انت ايه بالنسبة لية يانبيل؟

******************************

كانت زينة تقف بالقرب من المكتب تشعر بالغليان..فبالداخل تقبع عدوتها اللدود..تلك العقربة المدعوة سوزى مع حبيبها مروان..تبا..أمازالت تدعوه حبيبها؟نعم..هو حبيبها مهما فعل..سيظل أول من دق القلب له وآخر من ستنطق نبضاتها بإسمه..

تساءلت بمرارة عن سبب وجودها فى منزله؟وماذا تريد منه؟فهي ترى نظراتها له.. وكأنثى تدرك كنه تلك النظرات أما كحبيبة فتود لو تقتلع عيون تلك الحية كي لاترمقه بنظراتها التى تكاد تلتهمه..ولكن هاهي مكبلة لا تستطيع فعل شئ سوى الوقوف بعيدا تتآكلها نيران الغيرة..انتفضت من أفكارها على صوت فارس وهو يقول :
واقفة كدة ليه ياماما؟

وضعت زينة يدها على قلبها متسارع النبضات وهي تقول:
خضيتنى يافارس.

نظر إليها فارس قائلا فى براءة:
أنا مكنتش بلعب معاكى ومقلتش عو ياماما.

رغما عنها وجدت ابتسامة تتسلل إلى شفتيها من كلمات إبنها البريئة لتقرصه من خده بخفة قائلة:
شكلك ملعبتش من زمان..وحابب تلعب معايا..صح؟

جعد فارس أنفه وهو يهز رأسه موافقا قائلا:
صح.

اتسعت ابتسامتها وهي تقول:
طب تعالى نلعب اللعبة اللى عمك مروان جابهالك وأهو بالمرة تعلمنى عليها شوية.

صفق فارس بجزل قائلا:
هيييه..يلا ياماما..دى لعبة سهلة أوى.

ليسبقها وهي تتبعه بنظراتها فى حنان..لتلقى نظرة أخيرة على باب الحجرة المغلق..مغلفة بالحزن..بالألم..وخيبة الأمل..قبل أن تغادر متجهة إلى حجرتها رغما عنها.

 

الفصل الخامس عشر

قال عدنان بصدمة:
انتى بتقولى ايه ياسوزى؟

قالت سوزى بحنق:
زي ما سمعتنى ياعدنان..زينة شغالة خدامة عند مروان.

عقد عدنان حاجبيه قائلا فى ضيق:
وايه اللى وداها عنده اصلا؟

قالت بدورها فى ضيق:
لجأتله عشان يساعدها وهو طبعا مترددش.

زفر عدنان بقوة قائلا:
كدة الموضوع اتعقد أوى..البت دى لو نطقت بكلمة كلنا هنروح فى داهية.

نظرت سوزى الى عدنان فى دهشة قائلة:
انت خايف من مروان ياعدنان؟

قال فى غضب:
خايف ايه بس ياسوزى؟هو الشيطان بيخاف من حد..أنا بس قلقان ع الصفقة تروح من ايدينا ودى صفقة مش عادية..دى صفقة ممكن اعتزل بعدها الشغل خالص وأقعد ملك زمانى.

عقدت سوزى حاجبيها قائلة:
صفقة ايه دى ياعدنان اللى مخلياك عامل ده كله؟

نظر عدنان الى عمق عينيها قائلا:
صفقة مخدرات وأسلحة ياسوزى..هتجيلنا من برة بملاليم وهنبيعها بمليارات..الموضوع كبير أوى ومش حمل غلطة واحدة..لو مروان عرف مش بعيد يلغى الصفقة وتضيع علينا المكاسب دى كلها.

أومأت سوزى برأسها متفهمة لتلتمع عينا عدنان فجأة وهو يقول:
انتى فى ايديكى الحل ياسوزى؟

قالت سوزى فى دهشة:
أنا …إزاي؟

اقترب منها عدنان حتى وقف قبالتها مباشرة وهو يقول:
انتى الوحيدة اللى ممكن تدخلى بيته وتوصليلها..عايزك تستفردى بيها وتهدديها..قوليلها عدنان بيقولك لو كلمة واحدة من اللى تعرفيه وصلت لمروان ..تانى يوم هتقرى على روح إبنك الفاتحة..وهي عارفة إنى أقدر اعملها .

قالت سوزى بحيرة:
هتعملها إزاي بس؟وهي فى حماه..فى بيته..تفتكر هيسيبك؟

قال عدنان بنفاذ صبر:
قوليلها كدة بس وهي هتصدقك..هو انتى شفتينى يعنى روحت قتلته؟

أومأت سوزى برأسها قائلة :
تمام..اهدى..خلاص هقولها ..مع إنى برده لسة خايفة من وجودها هناك معاه.

عقد عدنان حاجبيه قائلا:
ليه بس خايفة؟

قالت سوزى بارتباك :
ها..لا أبدا..يعنى..بس البت زينة حلوة ..وخايفة يعنى توقعه ..وساعتها لو قالتله هيصدق كلامها كله.

قال عدنان باستنكار:
زينة توقع مروان؟.دى حتة خدامة ..صحيح حلوة بس برده هتفضل فى نظره خدامة كانت بتشتغل عنده.

مالت سوزان عليه قائلة فى سخرية مريرة:
مش كل الناس بتفكر زيك ياعدنان..اللى متعجبكش ممكن تعجب غيرك..صدقنى أنا.

قال عدنان بهدوء:
ولو افترضنا كلامك صح..تفتكرى مروان ممكن يقبل بواحدة كانت عندى بتنام كل يوم مع راجل شكل؟..مستحيل طبعا.

ظهر على سوزى التفكير قليلا لتنفرج أساريرها وهي تقول:
معاك حق..بس المهم ده يوصله..مع ان احساسى ان الكلام ده وصله فعلا لأنه بيعاملها فعلا كخدامة مش أكتر..عموما سيبنا من موضوع زينة.. وخلينا فى مروان اللى وافق يعمل معايا بيزنس..وقاللى أديله بس فرصة يفكرلى فى حاجة أشغل فيها فلوسى..كدة هو بلع الطعم وآمنلى..صح؟

قال عدنان :
متستعجليش فى الحكم ع اللى جواه..عموما كله هيبان مع الوقت.

نظرت إليه سوزى قائلة:
بس إنت كان معاك حق ياعدنان..مروان إتغير خالص عن زمان وكل اللى بيفكر فيه دلوقتى الفلوس وبس.

تراجع عدنان ليجلس خلف مكتبه قائلا:
ولسة ياسوزى ..كل ما هيكسب اكتر هيتسعر أكتر..بس علاج الكلب السعران عندى..هي طلقة واحدة فى نفوخه تخلصنا منه بس بعد مانكون استغليناه وخدنا منه كل اللى احنا عايزينه.

قالت سوزى فى صدمة :
انت هتقتله ياعدنان؟

نظر اليها عدنان متفحصا وهو يقول:
يهمك فى حاجة ياسوزى؟

قالت سوزى بارتباك:
ها..لا ..خالص ميهمنيش.

رمقها عدنان بنظرة طويلة قبل أن يقول:
تمام ياسوزى..روحى انتى دلوقتى ومتنسيش اللى قلتلك عليه ولو حصل أي تطورات عرفينى.

اومأت سوزى برأسها وهي تسرع بالمغادرة تتبعها عينا عدنان بنظرة لا توحى أبدا بالخير.

********************

شعر نبيل بتوتر دارين وبأنها تود ان تخبره أمرا ولكن هناك شيئا يمنعها..فهاهي تقف امامه وهو يقوم بتفحص بعض الاوراق قبل أن يمضيها..تفرك يدها بعصبية..وتقضم شفتيها بأسنانها اللؤلؤية الصغيرة..ليبتسم بداخله على طفوليتها الرقيقة..يدرك أنه وفى خلال ايام قليلة بات يعرفها ويعرف طباعها جيدا بل ويتمناها ايضا ..يتمنى أن يأخذها بعيدا عن دائرة الانتقام تلك والتى تبدو هي بتلك الهالة الملائكية بعيدة كل البعد عنها..رفع بصره اليها فى تلك اللحظة ليراها تتأمل ملامحه وما ان تلاقت عيناه بعينيها حتى اشاحت بناظريها عنه تشعر بالخجل لضبطه إياها متلبسة بتأمله..ليبتسم بداخله تاركا الاوراق وهو يقول بهدوء:
اقعدى يادارين..انتى واقفة ليه؟

قالت دارين فى ارتباك:
ها..آه..عادى يعنى..خلاص هقعد اهو.

وقرنت قولها بجلوسها..لتزداد ابتسامة نبيل الداخلية وهو يقول:
قوليلى بقى..ايه اللى موترك وملخبطك كدة ومخليكى مش على بعضك..فيه ايه؟

جعدت دارين انفها وهي تقول:
هو باين علية اوى كدة؟

تأمل نبيل ملامحها قائلا بنبرة اعجاب:
ملامحك شفافة أوى يادارين ..زي روحك بالظبط.

فغرت دارين فمها ليدرك نبيل انه تسرع كالعادة فى اظهار مشاعرها ليتنحنح قائلا:
احمم..المهم قوليلى كنتى عايزة تقولى ايه؟

قالت دارين بخجل:
الحقيقة تيتة لما عرفت بوجودكم معانا فى الشركة كشركا جداد يعنى..حبت تعزمكم على العشا بكرة وقالتلى أبلغكم بدعوتها وانها هتكون سعيدة جدا لو قبلتم.

ابتسم نبيل تلك الابتسامة التى تخلب لبها وهو يقول:
وهو ده اللى موترك ومخليكى من الصبح مش على بعضك؟عموما ياستى قوليلها انه يشرفنا قبول دعوتها ..وان احنا أكيد موافقين.

ابتسمت دارين قائلة فى خجل:
تيتة هتفرح اوى على فكرة..وانا مكنتش متوترة ولا حاجة..أنا..يعنى كنت مكسوفة شوية..عشان اول مرة اعزم حد عندنا فى البيت..فى العادى ياسين اللى بيعزم او تيتة.

مال ياسين ينظر الى عمق عينيها قائلا:
يعنى اعتبر ان دعوتك دى لينا شئ مميز وخاص؟

شعرت دارين بالحرارة تغزو كيانها كله..لتنهض فجأة قائلة:
انا ..إفتكرت ورق مهم لازم حضرتك تمضى عليه..هروح اجيبه حالا.

وغادرت بسرعة تتبعها عينا نبيل الذى زفر بعمق قائلا:
هتقتلينى فى يوم برقتك وجمالك وخجلك دول يادارين..أنا كل يوم بيزيد اعجابى بيكى اكتر من اليوم اللى قبله..وربنا يستر بقى من اللى جاي.

*******************

كان مروان يقف بشرفة حجرته يمسك سيجارا ويدخن لأول مرة منذ زمن بعيد..يفكر فى كل الأحداث التى مرت به مؤخرا..يشعر بالتخبط..تنتابه العديد من الأحاسيس والمشاعر..يحاول ان يركز بكل قوته على خطته الانتقامية ولكنه يجد نفسه رغما عنه مشتتا ..تدور افكاره حول تلك الخائنة والتى تقطن تلك الحجرة البعيدة عنه ولكنه يشعر بها وكأنها تجاوره تماما..لفت انتباهه حركة فى الحديقة ليركز عينيه على صاحب تلك الحركة ليرى من كانت محور افكاره متجسدة أمامه..تمشى برقة فى الحديقة..لفت انتباهه ملابسها الخفيفة ..ستصاب حتما بالبرد لنزولها هكذا فى هذا الطقس البارد ليلا..ليزفر بحنق وهو يطفئ سيجاره ويسرع الى الداخل يأخذ دثارا ويتجه الى الحديقة بخطوات غاضبة وما إن اقترب منها حتى صاح غاضبا:
إيه اللى منزلك دلوقتى من أوضتك..وإزاي تنزلى بالشكل ده؟

التفتت اليه زينة تنظر اليه بصدمة ثم ما لبثت ان تمالكت نفسها وهي تقول:
وانت مالك ؟يخصك فى إيه..ها؟

أصبح قبالتها ليمسك يدها بقسوة قائلا:
لأ يخصنى..لما تكونى فى بيتى وتنزلى بالمنظر ده وحد من رجالتى يشوفك ..يبقى يخصنى..لما يجيلك برد واضطر أجيبلك دكتور وعلاج ..يبقى يخصنى..

ليقترب منها بوجهه تلفحهها انفاسه الغاضبة وهو يقول :
لما أنبه عليكى كتير متخرجيش برة اوضتك بالشكل ده وتعاندينى وتنزلى ..يبقى يخصنى..من يوم ما دخلتى بيتى وقبلتى حمايتى بقى كل حاجة تخصك..تخصنى ..مفهوم؟

كان يتوقع منها رفضا او ربما تمردا ولكنه بالتأكيد لم يتوقع ما فعلته..عندما رفعت يديها تحيط وجهه بهما قائلة فى قلق:
انت رجعت تشرب سجاير تانى يامروان؟ليه بس كدة؟

لتنزل احدى يديها الى خافقه..تلمسه وهي تنظر الى عمق عينيه قائلة:
انت مش عارف انه غلط على قلبك والدكتور حذرك منه كتير..وانت كنت فعلا بطلت..ايه اللى رجعك ليه من تانى؟

شعر مروان بدقات قلبه العليل تزداد بشدة مع لمستها ونبراتها الرقيقة..كاد ان يضعف ويغمرها بين ذراعيه ينعم بدفئها ..يوهم نفسه بأنها حقا تحبه وتخشى عليه كما توحى إليه نبراتها..ولكنه لن يضعف..لن يقع فريسة لألاعيبها مجددا..سيقاوم بكل ذرة فى كيانه..لذا ابتعد عن مرمى يدها قائلا فى قسوة:
بطلت عشان كان عندى اللى يخلينى عايز أعيش عشانه..انما دلوقتى خلاص .. اموت ولا أعيش..مش هتفرق كتير.

كادت أن تتحدث..تخبره أن هناك اشياء كثيرة يجب أن يعيش لأجلها ولا يستسلم..ولكنها آثرت الصمت فهناك الكثير على المحك..وهي غير مستعدة لتحمل النتائج بعد..تراجع مروان مبتعدا عن عيونها التى تحمل الكثير..يرغب فى فك سحرها والذى يغمره ولكنه مالبث ان توقف ملتفتا اليها وهو يلقى بدثاره نحوها لتلتقطه بصعوبة.قال بحنق:
إلبسيه وآخر مرة تنزلى بالشكل ده..مفهوم؟

وجدت نفسها تومئ برأسها بهدوء ليلتفت مغادرا بخطوات واسعة..لترتدى زينة دثاره ..تضمه حولها بقوة تستنشق رائحته العالقة به وتلعن قلبها الذى مازال يعشقه رغم كل شئ.

********************
قالت فتون بعصبية:
إنت ازاي توافق من غير ما تقولى يانبيل؟

نظر اليها نبيل قائلا فى هدوء:
ممكن تهدى وتقعدى وتقوليلى انتى معترضة ليه بس ؟

جلست فتون على المقعد المقابل له قائلة:
عشان مش حاسة الدعوة دى طبيعية..حاسة ان وراها حاجة.

قال نبيل بهدوء:
بالعكس ..طبيعية جدا..جدة ياسين ودارين حابة تتعرف علينا..إيه المشكلة بس..خايفة من إيه؟

زفرت فتون قائلة:
مش عارفة يانبيل ..مش عارفة.

مال نبيل يمسك يديها بين يديه قائلا:
متقلقيش يافتون..انا جنبك وفى ضهرك..وبعدين انا شايف انها مناسبة كويسة أوى عشان نعرفهم اكتر .. ونقرب منهم أكتر..يعنى احنا أكبر مستفيدين من الدعوة دى.

نظرت اليه فتون قائلة:
تفتكر ؟

ابتسم قائلا:
أنا متأكد.

أومأت فتون برأسها قائلة:
تمام..يبقى خلاص جهز نفسك بكرة..مش عايزين ولا غلطة.

تراجع نبيل فى مقعده وهو يبتسم قائلا:
أنا جاهز من دلوقتى

 

 

الفصل السادس عشر

فتحت زينة الباب لتفاجئ بسوزى تقف قبالتها تطالعها ببرود..بادلتها نظراتها الباردة كالصقيع وهي تقول فى برود :
مروان بيه مش موجود..كان المفروض تكلميه قبل ما تيجى .

لتحاول غلق الباب ولكن قدم سوزى التى وضعتها حالت دون ذلك لتدفع الباب بيدها بقوة تعيد فتحه ..لتواجهها عينا زينة المتسائلتين..عقدت سوزى حاجبيها بغضب وهي تقول :
أنا عايزاكى انتى ياست زينة.

نظرت اليها زينة بدهشة رغما عنها قائلة:
عايزانى أنا؟

قالت سوزى بحدة:
أيوة عايزاكى انتى..تخيلى؟

ثم تقدمت منها سوزى وعلى ملامحها ظهرت كل إمارات الشر..لتتراجع زينة خطوتين..قائلة فى قلق:
إنتى عايزة منى ايه ياسوزى؟

ابتسمت سوزى بسخرية قائلة:
سوزى كدة علطول؟إيه الجرأة دى ياست زينة..السنين قوت قلبك أوى..أنا كنت وهفضل بالنسبة لك سوزى هانم ..وانتى هتفضلى زينة..حتة الخدامة اللى افتكرت نفسها حاجة واكتشفت إنها ولا حاجة.

توقفت زينة عند سماعها تلك الكلمات لتقول بغضب:
ده كان زمان ياسوزى..زينة البريئة الطيبة راحت على ايديكى وإيدين الكلاب اللى رمتينى ليهم..دلوقتى أنا بقيت زينة تانية خالص..زينة اللى ممكن تقتل لو حد مسها أو مس ابنها بأي أذى.

تعالت ضحكات سوزى الساخرة لتشعر زينة بالقلق عكس ما تحمله ملامحها الثابتة من قوة لتقترب منها سوزى مجددا وعيناها تلتمعان بنظرة مخيفة أثارت الرجفة فى أوصال زينة لتتراجع مجددا حتى التصقت بالحائط..وقفت سوزى قبالتها لتقترب من وجهها تقول بصوت كالفحيح:
تقتلى صح؟طب اسمعى بقى..أنا جايبالك رسالة من عدنان.

اتسعت عينا زينة بصدمة لتستطرد سوزى قائلة:
بيقولك ياحلوة لمى لسانك وإعرفى ان لو حرف من اللى تعرفيه اتنقل لمروان..مش بس هيقتلك ويقتل ابنك..لأ ده هيقتل مروان كمان.

ظهر الخوف جليا فى عيني زينة لتقول سوزى بابتسامة شامتة:
مسمعتش صوتك يعنى؟

أغمضت زينة عينيها تتراءى لها أبشع الصور ولكنها لم تلبث ان نفضتها لتفتح عينيها وهي ترفع يدها قبالة سوزى..موجهة إليها سبابتها وهي تقول بتصميم:
على فكرة بقى لا إنتى ولا عدنان تقدروا تخوفونى..واللى عايزين تعملوه اعملوه..انتوا أحقر وأجبن من انكوا تقربوا من مروان.. ومروان مش ممكن يسمحلكو…..

قاطعتها سوزى وهي تضع يدها على فمها بينما تمسك باليد الأخرى سبابة زينة الموجة إليها..تثنى اصبعها بقوة ليظهر الألم على وجه زينة قائلة بغضب:
والله وطلعلك صوت ياخدامة يابنت الخدامين ..انتى نسيتى نفسك ولا إيه..نسيتى أنا مين وأقدر اعمل فيكى ايه؟نسيتى عدنان يبقى مين ..نسيتى مسميينه ايه؟الشيطان..عارفة ده معناه ايه؟لو كنتى نسيتى يسعدنى فوق ما تتصورى إنى أفكرك..ولو فاكرة ان مروان يقدر يحميكى أو يحمى ابنك مننا تبقى بتحلمى..لأن وقت الجد هيختارنا احنا..هيختار مصالحه..مش هيختار واحدة خد غرضه منها ورماها زمان وهي لسة بيور ..مابالك دلوقتى وهو عارف انك بقيتى لكل واحد قدر يدفع تمن خدماتك الرخيصة .

أحست زينة بالإنكسار تدرك أن سوزى محقة فعند الاختيار.. بالتأكيد لن يختارها مروان بل سيختارهم هم.. أفاقت من أفكارها على ذلك الألم الناتج عن ضغط سوزى على اصبعها وهي تضغط على فمها بقوة أكبر تمنع دوي صرخة كادت أن تفلت منها حين كسرت لها سبابتها.. لتطفر الدموع من عين زينة بقوة وتشع عيني سوزى بنشوة تلذذ مرضي بعذابها قبل ان تلقى عليها نظرة انتصار أخيرة تاركة إياها.. لتسقط زينة على الأرض تبكى بألم بينما تغادر سوزى المكان بخطوات سريعة لترتطم بدادة تحية فتقول بحدة:
مش تفتحى ياست انتى.

نكست دادة تحية رأسها قائلة:
أنا آسفة ياهانم.

نظرت اليها سوزى شذرا قبل ان تغادر بينما وقعت عينا تحية على زينة الواقعة أرضا لتسرع اليها قائلة فى جزع:
زينة يابنتى ..مالك..جرالك ايه ؟

قالت زينة من وسط دموعها :
مفيش يادادة ..لو سمحتى بس ساعدينى أقوم .

نظرت دادة تحية الى إصبع زينة التى تمسكه بألم ..تلاحظ تورمه ولونه الأزرق لتقول فى جزع:
ماله صابعك يابنتى؟ايه اللى عمل فيكى كدة؟أكيد الحرباية اللى لسة خارجة دلوقتى..أنا هكلم مروان اقوله ..وأخليه يجيب الدكتور وييجى حالا.

قالت زينة بخوف:
لأ يادادة أبوس إيدك بلاش مروان ..عشان خاطرى متقوليلوش على أي حاجة.

تفحصت تحية ملامحها المرتعبة فى قلق وهي تقول:
خايفة من إيه بس يابنتى؟

قالت زينة ودموعها تتساقط بغزارة:
حاجات كتير أوى يادادة..مش هتقدرى تفهميها..بس لو بتحبينى..ولو عندك ذرة ثقة فية..هتصدقينى لو قلتلك ان مروان لو عرف أي حاجة هو أول واحد هينضر..فلازم ميعرفش أي حاجة عشان خاطرى..اوعدينى يادادة ..اوعدينى.

نظرت اليها تحية للحظات قبل ان تتنهد قائلة:
الأمر لله من قبل ومن بعد..أمرى لله يابنتى ..أوعدك..بس تعالى الأول نشوف هنعمل ايه فى صابعك ده وهنقول لمروان ايه لما يشوفه.

قالت زينة بألم:
متقلقيش يادادة ..انا عارفة هنقوله ايه.

******************

دلف ياسين الى حجرة الطعام ليجد جدته تشرف على طاولة الطعام بنفسها تتأكد من أن كل شئ كما يجب ان يكون..نظر ياسين الى تلك الطاولة التى تضم كل ما لذ وطاب..ليتأكد من ان أهمية ضيوف جدته لديها والتى لم تخبره حتى الآن عن هويتهم..يتمنى من الله أن لا يكون ضيوف جدته كالعادة هم أهل عروس جديدة تعرضها عليه جدته فى اجتماع يبدو كدعوة عشاء ولكنه فى الأساس..جلسة تعارف بين العروسين..ليصدهم ياسين بكل قوة وتعنفه بعدها جدته بكل حزم..تخبره أنها أول وآخر مرة تتدخل بأموره الشخصية وليفعل ما يريد بحياته وليندم بعدها فلن تهتم..لتعود وتفاجأه مجددا بإحدى دعواتها ..فلا هو يلين ولا هي تيأس..اقترب ياسين من جدته قائلا فى قلق:
مقلتليش ياتيتة..ضيوفك النهاردة يبقوا مين؟

ابتسمت الجدة قائلة:
ما قلتلك ..دى مفاجأة ياياسين.

زفر ياسين قائلا بهمس:
أهو أنا مش خايف غير م الكلمة دى.

قالت الجدة وهي ترفع احدى حاجبيها:
بتقول حاجة ياياسين؟

قال ياسين فى ارتباك:
لا ياتيتة..مبقلش.

دخلت دارين فى تلك اللحظة تقول بابتسامة:
الضيوف وصلوا ياتيتة.

أومأت الجدة برأسها قائلة:
انا جاية حالا.

ثم اسرعت مغادرة الحجرة ومتجهة إلى الردهة لاستقبالهم..كادت دارين ان تتبعها ولكن ياسين أمسك ذراعها يستوقفها قائلا:
مين ضيوف تيتة دول يادارين؟

أفلتت دارين ذراعها من يده وهي تبتسم مشاكسة إياه قائلة:
مفاجأة ياياسين.

لتغادر الحجرة يتبعها ياسين وهو يكاد يجزم أن تلك المفاجأة لن تعجبه ..لن تعجبه أبدا.

********************

قال فارس فى قلق:
لسة بيوجعك ياماما؟

هزت زينة رأسها نفيا وهي تربت على وجنته بيدها اليسرى السليمة فى حنان قائلة :
خلاص مبقاش بيوجعنى ياحبيبى؟

انتفضت زينة على صوت مروان يقول فى برود:
هو إيه ده اللى بيوجعك؟

اندفع فارس الى مروان يحتضنه بيديه الصغيرتين قائلا:
آنكل مروان ..وحشتنى.

نزل مروان على ركبتيه غير مباليا ببذلته غالية الثمن.. ليصبح فى مستوى فارس يضمه بدوره ويربت على ظهره قائلا:
إنت كمان وحشتنى يافارس.

نظرت زينة اليهما تشعر بقلبها يتمزق من تلك الصورة التى لطالما راودت أحلامها ولكنها لم تكن تتخيل أبدا ان تراها واقعا متجسدا امامها..لترفع يدها اليمنى تضعها على خافقها الذى ينبض بقوة ويتألم بقوة أكبر تحاول أن تحتوى نبضاته وألمه..لتقع عيني مروان فى تلك اللحظة على يدها.. تتركز عيناه على إصبعها المجبر ..ورغما عنه يتآكل قلبه القلق لينهض بسرعة تاركا فارس ومتجها إليها وسط دهشتها يأخذ يدها اليمنى بين يديه يتفحص إصابتها بعينيه لتتسارع دقات قلبها وتنتفض كلية حين رفع إليها مروان عينيه قائلا فى قلق لم يستطع اخفاؤه:
صابعك ده ايه اللى كسره؟

رغم أنها جهزت كذبتها وظلت تعيدها مرات ومرات حتى لا تخطئ عندما يسألها..إلا انها الآن وعينيها تواجه عينيه القاتمتين المليئتين بمشاعر غمرتها ..ويدها بين يديه تنقل اليها نبضات قلبه المتسارعة القلقة..لم تستطع ان تتفوه بحرف..فقط تعيش حالة من الأمل الذى تخشى ان يكون مجرد وهما فى خيالها..لتفيق من تلك الحالة على صوته وهو يقول فى حدة:
ما تردى علية ..صابعك ده انكسر إزاى؟

قالت متلعثمة:
أنا ..أنا..وقعت على ايدى فانكسر.

عقد حاجبيه وهو ينظر الى عينيها..يشعر انها لا تقول الصدق..وتخفى عنه شيئا.. ليترك يدها ملتفتا الى فارس قائلا:
هي ماما وقعت يافارس؟

قالت زينة بسرعة:
هو…..

قاطعها مشيرا اليها بالصمت وهو يقول:
انا بكلمه هو.

ليتوجه بحديثه مجددا الى فارس قائلا:
جاوبنى يافارس..ماما وقعت؟

قال فارس:
مش عارف ياآنكل انا مشفتهاش..أنا كنت بلعب فى الجنينة.

اومأ مروان برأسه فى هدوء قائلا:
طيب ياحبيبى ..ناديلى دادة تحية وروح كمل لعب فى الجنينة.

نظر فارس فى تردد الى والدته لتومئ إليه برأسها موافقة..ركض فارس لينادى الدادة بينما التفت مروان إلى زينة يرمقها بعيون متفحصة لتطرق برأسها هربا من نظراته ليزداد قناعة بأن زينة تخفى عنه أمرا..سمعا صوت تحية تقول بقلق:
خير ياابنى.

التفت مروان الى الدادة قائلا:
زينة اتكسر صابعها ازاي يادادة؟

قالت الدادة بارتباك:
زينة..زينة وقعت على إيدها فانكسر صابعها.

رمقها مروان بنظرة غامضة وهو يقول:
متأكدة يادادة؟

قالت الدادة متلعثمة:
آه ياابنى..طبعا..متأكدة.

نقل مروان بصره بينهما قائلا:
ومين اللى جبرلها صابعها.

قالت دادة تحية:
أنا ياابنى ..إنت ناسى إنى آخدة دورة تمريض.

أطرق مروان برأسه للحظة ثم رفع وجهه يقول بهدوء:
عموما أنا هاخدها المستشفى حالا لدكتور سعد..عشان نطمن أكتر.

ثم وجه حديثه الى تحية قائلا:
كان المفروض تكلمينى يادادة وتقوليلى..دى أول مرة تتصرفى بالشكل ده وتخبى علية حاجة مهمة زي دى..ياريت يادادة متتكررش تانى.

قالت دادة تحية بأسف:
اوعدك ياابنى متتكررش.

اومأ برأسه ..ثم التفت الى زينة قائلا:
اتفضلى إلبسى..وأنا مستنيكى فى العربية.

قالت زينة :
انت مش قلت ان خروجى فيه خطر.

زفر مروان بضيق قائلا:
مضطرين بقى..هنعمل إيه يعنى..يلا اتفضلى روحى البسى ومتتأخريش.

أومأت برأسها وأسرعت الى حجرتها..بينما التفت مروان الى دادة تحية قائلا فى خيبة أمل:
أول مرة تكذبى علية يادادة..الظاهر ان قعدتك معاها هتعلمك حاجات كتير غلط.

قالت دادة تحية بحزن:
ياابنى الحقيقة…..

قاطعها قائلا:
الحقيقة هعرفها بنفسى يادادة..اتفضلى دلوقتى على شغلك.

أطرقت برأسها فى حزن وغادرت الحجرة ليمرر مروان يده فى رأسه فى ضيق..يشعر بأنفاسه تختنق داخل صدره..مرأى إصبعها آلم قلبه بشدة..قلبه الخائن والذى مازال يعشقها..يدرك أنها تخفى امرا عنه ولكنه سيسبر أغواره..فقط سيطمأن عليها أولا.

*******************
زفرت سوزى بضيق قائلة:
هي جت كدة بقى ياعدنان..متقعدش تأنب فية..استفزتنى ومقدرتش امسك أعصابى..تستاهل بقى.

قال عدنان فى ضيق:
انتى فتحتى علينا باب هيبتدى بعلامات استفهام كتيرة ياسوزى..انتى يعنى متعرفيش مروان؟مش هيرتاح غير لما يعرف مين اللى كسرلها صابعها وليه؟

قالت سوزان فى ثقة:
لأ ..متقلقش..هي هتتصرف..انت مشفتش كانت خايفة إزاي واكيد اللى عملته فيها خوفها أكتر..معتقدش انها ممكن تقوله حاجة..دى مقالتلوش وهي سليمة ومش متهددة ..هتقوله دلوقتى؟

أدرك عدنان صحة منطقها ليقول بهدوء:
معاكى حق..طيب زينة وخلصنا منها..دلوقتى بقى عايزك تلزقى لمروان فى كل حتة..عايز اعرف بيتكلم مع مين ..تنقليلى ارقامه ..ولو وقع فى ايدك اي ورق ..صوريه..مش عايز تفوتك اي حاجة ياسوزى ..مفهوم؟

اومأت سوزى برأسها قائلة:
مفهوم طبعا..طيب وزينة يا عدنان..هتفضل سايبها كتير هناك؟

نظر اليها عدنان للحظة قبل ان يقول:
أنا شايف ان زينة آخدة من تفكيرك جزء كبير ياسوزى..بتهيألى عاطيالها حجم أكبر من حجمها ولا ايه؟

قالت سوزى بارتباك:
انا..لأ طبعا..الموضوع بس ان البنت دى مش سهلة وانا خايفة تبوظلنا شغلنا.

تراجع عدنان فى مقعده ينظر اليها بغموض قائلا:
لأ متقلقيش..مش هتقدر تعمل حاجة..وده مش معناه انى هسيبها ..لأ..دى هربت من جحر الشيطان..هربت من الشيطان نفسه ولازم تتعاقب..هارون مراقب الفيلا كويس..وأنا بس مستنى الفرصة المناسبة وساعتها مش هرحمها ولا هرحم إبنها كمان.

ظهرت السعادة جلية على ملامح سوزى والتى تكره زينة بشدة لأنها رغم وضاعة مكانتها وجمالها المتواضع فى نظر سوزى إلا إنها استطاعت الحصول يوما على مروان فى حين لم تستطع هي بكل جمالها ان تحظى منه حتى بنظرة .. تأمل عدنان تلك السعادة على ملامحها لتتأكد ظنونه.. ويقسم فى نفسه أن يجعلها تندم على كذبتها القديمة عليه وعلى اخفائها العديد والعديد من الأشياء..ولكنه فقط سينتظر حتى يستطيع أن يأخذ منها كل ما تستطيع هي ان تمنحه إياه.. قبل أن يلقيها لكلابه لتلقى مصير كل من يظن انه يستطيع خداع الشيطان.

 

الفصل السابع عشر

تناهى إلى مسامع ياسين صوت جدته وهي ترحب بالضيوف وهو يتجه لإستقبالهم معها .. حين توقف فجأة وصوتها الرقيق يتسلل الى مسامعه..ينفى وبشدة أنها هي من تقف فى ردهته تشكر جدته على دعوتهما إلى العشاء..هل دعتها جدته بالفعل؟وترى من دعته أيضا بالإضافة إليها..لا.. بالتأكيد ليس نبيل.. ليتقدم بخطوات بطيئة تجاههم حتى وقعت عيناه عليهما لتستقر نظراته على فتون والتى استقرت نظراتها بدورها عليه..تبتسم تلك الابتسامة الخلابة والتى تجذبه اليها بشدة..ليلتفت الى نبيل الذى قال بابتسامة:
مساء الخير ياياسين.

تقدم اليهم بهدوء يلاحظ نظرة جدته المعاتبة ولكنه تجاهلها مؤقتا حتى يستطيع أن يفسر لها موقفه..بينما قام بمصافحة نبيل قائلا:
مساء الخير يانبيل.

ثم مد يده اليها لتستقر يدها بين يديه قائلا :
إيه المفاجأة دى؟

رفعت فتون احدى حاجبيها قائلة:
ايه ده..انت مكنتش تعرف ان احنا جايين؟

ترك يدها وهو يشير الى جدته قائلا:
الظاهر تيتة حبت تعملهالنا كلنا مفاجأة.

قالت فتون وهي ترفع إحدى حاجبيها:
بس الظاهر إنها مفاجأة وحشة بالنسبة لك.

عقد ياسين حاجبيه قائلا فى ارتباك:
لأ.. طبعا.. أكيد مفاجأة حلوة..ليه بس بتقولى كدة؟

ابتسمت فتون ولم تعقب..ثم تركت يده قائلة للجدة:
الحقيقة نبيل لما قاللى ان جدتكم حابة تتعرف على الشركا الجداد..وانها عزمانا على العشا وافقت علطول لإنى كمان حابة أتعرف على الست اللى قدرت تربى ناس بالأخلاق دى.

ابتسمت الجدة ابتسامة لم تصل لعينيها..فلا تدرى لم شعرت بأن هناك المزيد تحمله كلمات تلك الفتاة ..فهناك شعورا غامضا بالقلق اجتاحها لدى رؤيتها تلك الفتون..والتى تذكرها بحبيبة ياسين التى لاقت حتفها منذ مدة..ولتدرك أيضا السبب وراء عدم إخبارها أي شئ عن تلك الشراكة من قبل ياسين..فقد لاحظت تعلق نظراتهما ..ربما خشي أن تتهمه بأنه يتعلق بتلك الفتاة لوجود ذلك التشابه فى بعض الأشياء بين الفتاتين..رغم تفضيل الجدة لميسون رحمة الله عليها بينما تلك الفتاة لا تشعرها بالراحة ابدا.

افاقت من شرودها على صوت دارين وهي تقول:
احنا هنفضل واقفين كدة كتير..يلا بينا على أوضة السفرة..أكيد جعانين.

ابتسم الجميع..لتتقدمهم الجدة بينما تبعوها الى حجرة الطعام ليجلسوا ويتناولوا عشائهم فى جو هادئ ..تقطعه بعض التساؤلات والاجابات البسيطة والتى لم تفصح أبدا عن مكنونات صدورهم وما يخفيه كل منهم داخل قلبه.

********************

كانت زينة تنظر الى الشارع خارج السيارة..حيث المارة والسيارات المجاورة فى شرود حزين..لقد كان لديها أمل ضعيف ..أضاعه مروان بالكامل..فعندما كانت بالمنزل أحست للحظات بقلقه عليها ليبزغ ذلك الأمل فى قلبها..الأمل فى أنه يحمل لها فى قلبه بعض المشاعر..الأمل فى أنه نادم على خطأه فى حقها بالماضى.. وربما..فقط ربما يريد الآن اصلاح خطأه..ولكن هذا الأمل قضي عليه مروان كلية عندما ذهبت معه الى الطبيب ليبدو باردا متباعدا تماما..متجهم الوجه وكأن ذهابه معها واجبا غير مستحب من قبله..وكأنها عبئا ثقيلا عليه يود التخلص منه فى أقرب لحظة..حتى حين ألقى الطبيب كلمات مجاملة على مسامعها عاملها بقسوة وكال لها الاتهامات..وكأنها كانت تنتظر الفرصة لتخرج من بيته حتى تمارس عملها القديم والذى يذكرها به ليلا ونهار..يذكرها بكلماته القاسية أنها كانت يوما ما غانية ..تباع وتشترى من قبل من يدفع أكثر..أحست زينة انها تجرح منه مجددا..ولكن جراحه تدميها وبشدة..لتصعب عليها نفسها المهانة دائما من جانبه..وتنزل منها دمعة خائنة ..مدت يدها تمسحها بحزن.

بينما جلس مروان خلف مقود السيارة يقود بهدوء لا يعكس مشاعره الثائرة لوجودها بجواره ..تجلس مستكينة هادئة..يبدو عليها الضعف والتعب..تمسك يدها اليمنى بيدها اليسرى بينما تميل بوجهها على نافذة السيارة تنظر بشرود الى السيارات المجاورة لهم..يعلم انه قد أهانها منذ قليل بشدة ولكنها هي من تستحق ذلك..فلقد تباسطت مع الطبيب ومنحته احدى ابتساماتها الجميلة ليقع الطبيب فى سحرها ويلقى إليها بتلك الكلمات التى اشعلت نيران غيرته وغضبه..نعم هي السبب فهي من تخرجه عن طوره دائما ثم تجلس هكذا تتظاهر بالضعف وقلة الحيلة لتثير شفقته رغما عنه وينتابه احساسا صاعقا بالندم..حتى رأى تلك الدمعة التى مدت يدها لتمسحها ليجد نفسه رغما عنه يتوقف بالسيارة على جانب الطريق لتفيق زينة من شرودها وتنظر الى ماحولها بدهشة تدرك انهم لم يصلوا لوجهتهم بعد..لترنوا بعينيها الى مروان الذى وجدته يرمقها بدوره ..أشاحت بنظرها بعيدا عنه لتتسع عينيها حين سمعته يقول بندم:
أنا آسف.

التفتت اليه فى صدمة تنظر الى ملامحه النادمة لتستشعر صدق أسفه لتقول بدهشة:
آسف..آسف على إيه؟

قال بندم:
على الكلام اللى قلته من شوية..أنا عارف ان دى حياتك الشخصية وانى مش من حقى انى أعايرك بيها او ألومك عليها..انا مش من حقى أصلا انى أتدخل فى حياتك الشخصية..وأوعدك من دلوقتى انى أخرج نفسى براها خالص..واللى انتى عايزاه إعمليه..أنا مش هعارضك ولا أمنعك فى أي قرار حابة تاخديه فيما عدا القرارات اللى تخص فارس طبعا..فآسف هتدخل فيها ..لإنى بعتبره زي ابنى بالظبط ومش هقدر متدخلش فى حياته.

أحست زينة بمرارة شديدة فى قلبها..فها هو يخبرها صراحة أنها لا تهمه على الاطلاق وأن ما يهمه هو فارس فقط الذى يعده بمثابة ولده..لتشعر زينة بسخرية الوضع..حسنا اذا كان كل ما يهمه هو فارس فلا بأس ..فالأهم الآن هي سلامة فارس والتى تثق بأن مروان سيحرص عليها أما هي فستحرص بدورها على قلبها وألمه الذى يزداد فى قرب مروان..ستحاول ان تبتعد عن طريقه قدر الامكان..فكفاها ألما لطالما كان هو السبب فيه..رمقته بنظرة طويلة احتار فى تفسيرها..فمشاعرها كثيرة ومختلطة ..كاد أن يتيه بها..لتشيح هي بنظراتها بعيدا عنه..تميل برأسها مجددا على النافذة تنظر الى الخارج ليتأملها مروان للحظات قبل أن ينظر الى الأمام ويبدأ بقيادة السيارة مجددا يتساءل عن سر تلك النظرة التى أشعرته مجددا بالذنب ومشاعر أخرى رفضها بشدة .

********************
قال نبيل بابتسامة موجها حديثه الى الجدة قائلا:
الحقيقة الأكل جميل أوى يامدام سهير ..ولما عرفت ان انتى ودارين اللى عملتوه بإيديكم..

قال جملته الأخيرة وهو ينظر الى دارين التى أطرقت برأسها خجلا ليستطرد قائلا:
ده شئ فرحنى أوى بجد.

ابتسمت فتون قائلة:
فعلا الأكل جميل أوى .. تسلم ايديكوا.

ابتسمت الجدة لأول مرة ابتسامة صادقة وهي تقول :
ألف هنا..ثوانى هجيبلكم الشاي والحلويات .

قال نبيل بسرعة:
لأ شاي وحلويات ايه بس؟..أنا محتاج أمشى شوية بعد الأكل ده كله ..بعد إذنكم هخرج شوية أتمشى فى الجنينة.

قالت الجدة بابتسامة :
اتفضل ياابنى ..قومى يادارين روحى معاه وريه حوض الورد بتاعك..أكيد هيعجبه.

قال نبيل لدارين فى سرعة:
لأ خليكى انتى لسة مخلصتيش أكلك.

ابتسمت دارين وهي تقف قائلة:
لأ خﻻص.. أنا شبعت..يلا بينا.

هز رأسه موافقا ليغادر الحجرة بهدوء تتبعه دارين..بينما مسحت فتون فمها بالمنديل فى حركة لم تغب عن عيون ياسين..ليدق قلبه بشدة ..فميسون كانت تمسح فمها بنفس الطريقة تماما..رفعت فتون عينيها فى تلك اللحظة لتتقابل مع عيون ياسين القاتمة وتقع فى تأثير نظراتهم العالقة بملامحها..ليفيق سويا من سحر تلك النظرات على صوت الجدة التى قالت بهدوء:
مش هنقوم احنا كمان نروح الليفنج نشرب الشاي؟ولا هنفضل قاعدين كدة ؟

تنحنحت فتون قائلة :
احمم..لأ أكيد طبعا هنقوم نشرب الشاي.. وياريت لو بنعناع يامدام سهير..أنا كتير بحب الشاي المصرى اللى بنعناع.

ابتسمت الجدة بينما كاد قلب ياسين أن يخرج من موضعه..يتساءل فى قلق..هل تجسدت ميسون مجددا على هيئة فتون؟..أم أن تشابهما فى الأفعال والتصرفات صدفة بحتة..وهل تعلقه بها لذلك التشابه أم أنها هي من تجذبه بجمالها ورقتها وثقتها الكبيرة بنفسها؟حقا انه لا يعرف.

******************

مشيا الى جوار بعضهما تلفهما حالة من الصمت فى ذلك الجو الرائع وتلك النسمات التى تحيط بهما مع تسلل رائحة الزهور الجميلة إلى أنوفهم تمنحهم شعورا رائعا بالراحة..أشارت دارين الى حوض به بعض الأزهار قاطعة الصمت وهي تقول فى حماس:
ده الحوض اللى زرعت فيه الورد بتاعى .

اقترب نبيل من الحوض يتأمله فى اعجاب ..فقد امتلأ بالزهور الجميلة والرقيقة تماما مثلها..مرر يده على أوراق تلك الأزهار ليستشعر نعومتهم..لتتوقف يديه على زهرة جميلة وفريدة فى شكلها ولونها ليمرر يده عليها بطولها..قالت دارين فى جزع:
حاسب.

ندت عنه آهة ألم صغيرة وانبثق الدم غزيرا من إصبعه لتسرع دارين بإمساك يده تكتم الدم بإصبعها بقوة بينما تزيح باليد الأخرى ذلك المنديل والذى لفته حول رقبتها ..لتضعه على إصبعه تلفه بسرعة ..بينما كان نبيل يتابعها بقلب تشتعل دقاته..يشعر بالحرارة تغزو كيانه..يقاوم رغبة قاتلة فى أن يأخذها بين ذراعيه يضمها إليه ويبثها مشاعره التى وصلت إلى ذروتها فى تلك اللحظة..ليفيق على صوتها القلق وهي تنظر الى عينيه قائلة:
مش تاخد بالك..الوردة دى صحيح حلوة وفريدة من نوعها بس مليانة شوك ولو قربت منها أكيد هتجرحك.

مال مقتربا بوجهه من وجهها تلفحها أنفاسه الساخنة وتثير مشاعرها الغضة وهو يقول:
أنا راضى أتجرح بشوكها لو فى الآخر إيد زي إيدك هتطيب جرحى يادارين.

تاهت دارين بين ثنايا نظرته الساحرة وكلماته التى تحمل فى طياتها تصريحا واضحا باعجابه بها لتفيق من سحر اللحظة وهي تشعر أنها على وشك الغرق فى عشقه..تشتعل وجنتاها احمرارا وهي تتراجع خطوة الى الوراء قائلة بارتباك:
احنا ..احنا..اتأخرنا أوى عليهم..يلا بينا نرجع.

اومأ برأسه لتتقدمه وهو يتبعها بابتسامة..يدرك وبكل قوة..أنه عشقها وانتهى الأمر.

 

 

الفصل الثامن عشر

جلس مروان أمام شاشة اللاب ينظر الى تسجيلات الفيديو لما حدث فى الفيلا فى هذا اليوم..تسللت الى فمه ابتسامة وهو يرى زينة تمزح مع صغيرها تعلو وجهها الضحكات..تذكره بتلك الفتاة التى عشقها بالماضى ..لينفض أفكاره التى تؤلم قلبه وهو يدرك أنه كان مخدوعا فيها.

أفاق من أفكاره على رؤية زينة تفتح الباب لأحدهم ثم تكاد أن تغلقه ليفتح مجددا وتدلف سوزى..اعتدل مروان فى جلسته وهو يعقد حاجبيه..يرى تراجع زينة الى الخلف وتقدم سوزى منها والذى يبدو على ملامحها كل إمارات الشر..يدور حديث بينهما لا يسمعه ليضرب المكتب بقبضته فى حنق..لا يعرف لماذا اختفى الصوت..ولماذا الآن بالذات؟..وهو فى أمس الحاج ليسمع حوارهما..لابد وأن يبعث للفني ليرى مامشكلة الصوت..اتسعت عيناه فى جزع وهو يرى سوزى تثني إصبع زينة وتقوم بكسره وهي تكتم صرخات الأخيرة ..يشعر بقلبه يكاد يخرج من مكانه ألما لذلك الألم الذى ظهر على وجه زينة قبل أن تتركها سوزى وترحل لتسقط زينة أرضا ..فتسرع إليها دادة تحية ثم يدور بينهما حوارا..ليظهر الرعب مجددا على ملامح زينة ونفيها أمرا ما لتطرق الدادة برأسها بحزن ثم تأخذها معها.

أغلق مروان شاشة اللاب فى ألم وغضب يمزقان كيانه..تظهر على عينيه نظرة تحمل كل مشاعره وهو يقول بغضب:
حسابك تقل معايا أوى ياسوزى..وقرب وقت الحساب..ورحمة أبويا ما هرحمك يابنت المنشاوى.

******************
قال ياسين موجها حديثه إلى نبيل:
بالمناسبة يانبيل..أنا لازم أسافر لبنان عشان أتمم الديل اللى عرضته علية فتون..وأكيد هحتاجك معايا ..انتوا أصحاب وليد صاحب الشركة وأكيد وجودك معايا هيقوى موقفى.

قال نبيل بابتسامة:
الحقيقة أنا معرفوش أوى..معرفتى بيه معرفة سطحية بس هو صديق شخصى لفتون وهيكون أفضل لو هي سافرت معاك.

نظرت فتون إلى نبيل ثم إلى ياسين بسرعة والذى نظر إليها بدوره يكتم غيظه لمعرفته بأن ذلك الوليد هو صديق شخصي لفتون..ويرفض فى نفس الوقت ذهابها معه..لتقول العيون ما عجزت الشفاه عن التفوه به..وهو رفضهم لذلك الاقتراح لتلتقط الجدة تلك النظرة وتطرق برأسها تفكر بينما قال ياسين فى جمود:
فتون.. فاضية؟قصدى هتقدرى تسافرى يعنى؟

قالت فتون بارتباك:
الحقيقة أنا ورايا اليومين الجايين مواعيد مش هقدر ألغيها و…

قاطعها نبيل قائلا:
انا هحضر مكانك المواعيد دى..بس زي ما انتوا عارفين..الصفقة دى مهمة للشركة ولو خدنا توكيل حصرى لمنتجاتهم ..الشركة هتبقى فى مكان تانى خالص.

أومأوا برءوسهم..ليقول ياسين بهدوء:
خلاص أنا هحجز تذكرتين لطيارة بكرة ..ياريت تجهزى نفسك يافتون.

قالت فتون بدهشة:
بكرة كدة علطول.

أومأ ياسين برأسه قائلا:
أيوة..ميعادنا مع الشركة بعد بكرة الصبح ولازم نرتاح شوية قبل الميتنج.

أومأت برأسها فى هدوء قائلة:
تمام.

.. ثم نهضت تقول بابتسامة لم تصل لعينيها :
الحقيقة يامدام سهير أنا مش قادرة اقولك انبسط أد إيه النهاردة..بس مضطرين نمشى لأن الوقت اتأخر أوى.

نهض الجميع والجدة تقول بابتسامة لم تصل لعينيها:
احنا انبسطنا أكتر وياريت تكرروها تانى.

قال نبيل:
بإذن الله ..أكيد..بعد إذنكم.

ثم مد نبيل يده إلى فتون فتمسكت بها وهما يغادران غافلين عن عيون تعلقت بأيديهم المتشابكة فى غيرة أشعلت القلوب غيظا ..لتسرع دارين إلى حجرتها وعلى وجهها ظهر الحنق جليا..بينما ابتعد ياسين هاربا إلى حجرة المكتب..لتنظر الجدة فى إثرهم وقلبها يرتعش وجلا..تدرك أن حفيديها قد وقعا فى الحب ..أما هي فلا تشعر بالإرتياح لما يحدث..لا تشعر بالارتياح أبدا.

********************

قالت فتون بعصبية:
انت ازاي تدبسنى بالشكل ده؟

حاول نبيل تخطى تلك السيارة أمامه وهو يقول بهدوء:
انتى زعلانة ليه بس؟

نظرت إليه فتون قائلة فى حدة:
نبيل متجننيش..انت عارف يعنى إيه مروان يروح بيروت معايا..يعنى لازم اعزمه يبات عندى..فى بيتى اللى فيه خمسين صورة لميسون..غير ان ممكن يحصل أي حاجة هناك تكشفنا وأنا مش مش هعرف أتصرف ساعتها.

مد نبيل يده يربت على يدها مهدئا وهو يقول:
متقلقيش.. لو ع الصور هخلى دادة محسنة تشيلهم كلهم قبل ما تروحوا ومش هخليها تجيب سيرة ميسون خالص..ومعتقدش يعنى انكم هتقعدوا فترة كافية عشان يحصل مشاكل..كل الموضوع هتروحوا تمضوا العقد وتيجوا…وبعدين دى فرصة ياعبيطة عشان تقربوا من بعض أكتر..وأهو انتى شايفة بعينك إن ياسين بدأ يقع فى غرامك..يعنى خلاص هانت..

نزعت فتون يدها قائلة فى ضيق:
ياسلام ياأخويا..طيب والصفقة اللى شغالة عليها هنا واللى هتودى ياسين فى ستين داهية.

ابتسم نبيل وهو يستدير بسيارته قائلا:
دى بقى سيبيها علية ..على ما ترجعى هكون ظبط كل حاجة.

زفرت فتون بقوة قائلة:
ماشى يانبيل ..ماشى..همشى وراك للآخر وأما نشوف بقى آخرتها معاك إيه؟

********************

طرقت الجدة باب حجرة المكتب بهدوء لتستمع الى صوت ياسين يسمح لها بالدخول..دلفت إلى الداخل لترى ياسين جالسا على المقعد المقابل للمكتب ليقول ما إن رآها:
تعالى ياتيتة ..أنا كنت مستنيكى من بدرى.

جلست الجدة فى المقعد المواجه له قائلة:
يعنى عارف هقول إيه.

أومأ برأسه لتستطرد قائلة:
وردك إيه ياياسين؟

مال ينظر إلى عمق عينيها قائلا:
هتصدقينى لو قلتلك ..مش عارف.

عقدت الجدة حاجبيها قائلة:
يعنى إيه مش عارف؟

تراجع ياسين وهو يزفر قائلا:
مش عارف ياتيتة..بسأل نفسى كتير..ياترى مشاعرى من ناحيتها لإنها بتشبه ميسون ولا لإنها هي فتون؟..بس كل اللى أعرفه إنها كل يوم بتتسلل لمشاعرى أكتر ..بتمشى فى دمى..أنا قاومتها كتير وقاومت مشاعرى من ناحيتها..بس غصب عنى بلاقينى بفكر فيها..بشتاق أشوفها وأسمع صوتها .. وإبتسامتها ..ابتسامتها مش قادر اقولك بتعمل فية إيه.

قالت الجدة فى حيرة:
بس ياابنى….

قاطعها قائلا:
عارف هتقولى إيه..إنى حبيت فيها ميسون..يمكن فى الأول بس لما عرفتها لقيت فيها حاجات كتير مكنتش فى ميسون..زي ثقتها الكبيرة فى نفسها ..عيونها الغامضين واللى تحسيهم مليانين أسرار نفسى أعرفها..سحرها اللى بتفرضه ع المكان اللى بتبقى فيه..قلبى اللى بحسه مش فى مكانه أول ما بتقرب منى..الخوف والقلق اللى دايما موجودين جواها واللى بتحاول تخبيهم بس بحس بيهم ..ورغبتى القوية ساعتها فى إنى أضمها وأطمنها بإنى جنبها ومش هسيبها..مشاعرى من ناحيتها مبقتش سهلة ولا بسيطة..وده يمكن مخوفنى شوية.

ربتت الجدة على يده قائلة:
أنا كمان خايفة ومش مرتاحة..بس عندى ثقة كبيرة فيك..متأكدة إنك قدها وقدود ياياسين..وإنك أقوى من الأول بكتير..بس برده عايزاك تاخد بالك كويس .

ربت ياسين بيده على يدها قائلا:
اطمنى ياتيتة..اطمنى.

ابتسمت قائلة:
طول ماانت جنبنا فهكون دايما مطمنة ياحبيبى.

منحها نظرة ممتنة..لتبتسم بحنان..قبل ان تنهض مغادرة الحجرة بهدوء.

*******************

نهضت زينة من نومها تشعر بدقات قلبها المتقاذفة ..تتذكر ذلك الكابوس والذى عاشت فيه أسوأ مخاوفها..لتشعر بجسدها كله ينتفض..نظرت إلى فارس النائم كالملاك بجوارها..قبلته من جبينه..حاولت أن تهدئ حالها وهي تراه أمامها سليما معافى فلم تستطع..مازال كابوسها متجسدا أمامها ..تشعر بالخوف يرجف أوصالها لتنهض وتغادر الحجرة تتجه بخطواتها إلى حجرته رغما عنها ..تشعر بأن راحتها تقبع فى تلك الحجرة.

كان مروان يتكئ على جنبه يحاول أن ينام فلم يستطع..يشعر بالغليان مما رآه على شاشة اللاب..يحكم خطته الانتقامية ويلملم خيوطها..حتى يستطيع أن يشفى غليله..حين تناهى إلى مسامعه صوت فتح الباب..تظاهر بالنوم فأغلق عينيه بهدوء..ليسمع خطوات رقيقة تقترب من سريره.. ثم توقفت تلك الخطوات..كاد أن يفتح عينيه ولكنه آثر إغماضهما ورائحتها العطرة تتسلل إليه ليدرك أنها هي..لابد وأنها تشعر بخوف شديد أو ربما رأت كابوسا لتلجأ إليه كما كانت تفعل بالماضى..أحس بها تتسلل إلى جواره وتنام بجانبه ..ليقع على وجهه بعض خصلاتها الحريرية فيأخذ نفسا عميقا يحاول أن يمنع نفسه بقوة عن احتضانها ولكنه فشل فشلا ذريعا ليجد نفسه رغما عنه..يمد ذراعيه ويأخذها بين أحضانه يضمها إليه ويخفى وجهه فى ثنايا عنقها ..لتغمض زينة عينيها بارتياح قبل أن تستسلم للنوم..بينما استسلم مروان بدوره لسبات عميق بعد سنوات حرم فيها النوم براحة.

 

الفصل التاسع عشر

فتحت زينة عينيها لترى أنها ليست بغرفتها..وإنما بغرفة أخرى تعرفها وتعرف صاحبها جيدا.. أغمضت عينيها مجددا بقوة وهي تتذكر كيف جاءت إلى تلك الغرفة..تشعر بالندم على ضعفها وخوفها واللذان أحضراها إليه..كما كانت تفعل بالماضى..ولكن بالماضى كانت تظن أنها تلجأ لحبيبها أما الآن فهي تدرك جيدا أنه ليس ذلك الحبيب..إذا لماذا بحق السماء لجأت إليه؟؟ترى إن استدارت الآن ستجده يطالعها بعشق كما كان يفعل بالماضى أم سترى عينين مليئتين بالسخرية؟
..يالسخافتها..بالطبع الاحتمال الأخير هو الأرجح..فتحت عينيها..واستدارت ببطئ لتتسع عينيها دهشة وهي ترى مكانه الخالى..ثم مالبثت أن تحولت دهشتها لخيبة أمل..تلعن قلبها الذى ظن للحظة أنه من الممكن أن يكون بجوارها ينظر إليها بعشق كما كان يفعل بالماضى..لابد من أنه عند استيقاظه ورؤيتها نائمة بجواره قد ظن أنها تريد أن توقعه مجددا بشباكها..كم هو مخطئا..ظلمها بالماضى ومازال يظلمها حتى الآن..
تأملت الوسادة التى كان ينام عليها بحنين لتمد يدها وتنتزعها برقة تضمها إليها وكأنها تضمه هو.. تستنشق رائحته العالقة بها وهي تغمض عينيها لتهمس بكلمة واحدة:
بحبك.

ثم فتحت عينيها تنظر إلى وسادته قائلة بعتاب وهي تشير إليها بإصبعها وكأنها تحادثه هو:
صحيح زعلانة منك ويمكن مش هقدر أسامحك بس من جوايا عارفة إنى لسة بحبك..كان نفسى تحبنى نص الحب اللى حبيتهولك يامروان..بس مع الأسف..مش كل اللى نفسنا فيه بيتحقق.

نظرت إلى الوسادة نظرة أخيرة قبل أن تعيدها إلى مكانها وهي تتنهد بحزن لتنزل من السرير وتتجه بخطوات حزينة مكسورة إلى خارج الغرفة.

******************
قال ياسين بقلق:
فيه إيه يامروان ؟قلقتنى مش عادتك يعنى تيجى الشركة وبدرى أوى كدة.

زفر مروان وهو يجلس على المقعد المواجه لياسين قائلا :
مش عارف ياياسين..حسيت انى مخنوق أوى ومضايق..وعايز أتكلم مع حد..وانت عارف إنى مليش حد غيرك أتكلم معاه.

قال ياسين ومازال القلق يغلف نبراته لرؤيته مروان القوي والذى لا يؤثر به شئ بذلك الضعف:
اتكلم يامروان ..فضفض باللى جواك ياأخويا..إيه اللى تاعبك بس؟

نظر مروان إليه قائلا:
لسة بحبها..ومبقتش قادر ياياسين أستحمل بعدها عنى.

تراجع ياسين قائﻻ فى هدوء:
عارف..شفت الحب فى عينيك ومن أول يوم..وحذرتك من قربها منك لإنك أكيد هتضعف..بس انت مسمعتش الكلام..وآدى النتيجة.

قال مروان بضيق:
أنا مش جايلك تأنبنى ياياسين ..أنا جايلك تشوفلى حل.

قال ياسين:
الحل فى ايديك ..خرجها برة حياتك..إبعدها عنك.

نظر مروان إليه يشعر بروحه تزهق وهو يفكر فى أنها من الممكن أن تتبعد عنه مجددا ليقول بحزم:
مش هقدر..مستحيل هعمل كدة.

مال ياسين شابكا اصابع يديه أمامه على طاولة المكتب قائلا:
يبقى مفيش حل تانى غير إنك تتجوزها..بس ياترى هتقدر تنسى هي عملت فيك إيه زمان..هتقدر تنسى هي كانت شغالة إيه عند عدنان؟هتقدر تنسى كل ده يامروان؟

هز مروان رأسه فى ألم قائلا:
لأ طبعا مش هقدر أنسى.

تراجع ياسين فى مقعده قائلا:
حيرتنى معاك ياصاحبى.

فرك مروان وجهه بيديه ثم قال:
أنا كمان محتار ومش عارف أعمل إيه..تعرف ..إنبارح جاتلى الأوضة زي زمان..ونامت جنبى..أكيد كانت خايفة ..بس كان لازم ما أضعفش ..كان لازم أطردها برة أوضتى ..بس مقدرتش..ومقدرتش أمنع إيدى وهي غصب عنى بتروحلها عشان تضمها جوة حضنى ولما صحيت الصبح..وشفتها نايمة جنبى بملامحها البريئة نسيت كل حاجة عملتها وافتكرت بس حبى ليها اللى مالى قلبى وقربت منها هصحيها واعترفلها إنى لسة بحبها وانى محتاجلها فى حياتى..أعترفلها إنى محسيتش إنى عايش من تانى غير بوجودها هي وفارس فى حياتى..لقيت حاجة جوايا بتمنعنى ..حاجة بتسألنى ..هتقدر يامروان تعيش مع واحدة مبتحبكش..هتقدر تعيش مع واحدة خايف فى يوم تتخلى عنك زي ما اتخلت عنك زمان..مقدرتش أتحمل دوامة الأسئلة واللى لقيتها بتلفنى بسرعة ..قمت علطول وجيتلك..ولقيت عندك نفس أسئلتى واللى ملهاش إجابة..وحقيقى مش عارف اعمل إيه ولا أتصرف إزاي؟

قال ياسين:
سافر.

عقد مروان حاجبيه ليستطرد ياسين قائلا:
أيوة سافر..روح مع فتون النهاردة بدالى سفرية بيروت وامضى العقد مع صاحب الشركة هناك..منها تبعد عنها شوية يمكن تلاقى إجابات أسئلتك ومنها…..

صمت ياسين وقد كاد يقول أنها فرصة لكي يبتعد هو أيضا عن فتون ولكنه تراجع قائلا:
ومنها أتابع أنا شغلنا هنا.

نظر إليه مروان نظرة متفحصة وهو يقول:
انت خايف من إيه ياياسين؟

قال ياسين بارتباك:
أنا..خايف؟هخاف من إيه بس؟

قال مروان بهدوء:
دى مش عشرة يوم ..دى عشرة سنين فى المعتقل..يعنى أنا عارف كويس ..امتى بتكون خايف وامتى بتكون قلقان أو العكس ياياسين.

زفر ياسين قائلا:
مش هكدب عليك ياصاحبى..زي ما انت خايف من قربك من زينة ..أنا كمان خايف من قربى من فتون واللى بيعلقنى بيها كل يوم أكتر من اليوم اللى قبله.

قال مروان فى دهشة:
طب وايه المشكلة؟ما تتعلق بيها؟

ظهر الحزن جليا على ملامح ياسين وهو يقول:
حاسس انى بخون ميسون بتعلقى بفتون يامروان..ده غير انى خايف أكتر أكون متعلق بفتون عشان بس فيها روح ميسون.

مال مروان للأمام يقول بحزم:
فتون مش ميسون ياياسين..أنا يمكن مشفتهاش بس وصفك ليها بيقوللى كدة..فتون شخصية قوية جدا مش زي المرحومة..اسمعنى وافتح قلبك ..مش معقول هتفضل عايش على أشباح الماضى وقافل قلبك..ومش راضى تدخل واحدة تانية حياتك عشان متظلمهاش معاك..صدقنى هينتهى بيك الأمر وانت عايش وحيد بتندم على إنك مفتحتش قلبك للحب من جديد.

أطرق ياسين برأسه للحظات ثم رفع رأسه يواجه بعينيه مروان وهو يزفر قائلا:
مش هقدر اوعدك إنى هقدر بس هوعدك إنى أحاول.

ليتراجع فى مقعده قائلا فى جدية:
المهم..سيبنا من فتون وزينة وخلينا فى عدنان وسوزى..مفيش أخبار جديدة؟

قست عينا مروان وظهر الكره فى نبراته وهو يقول:
صحيح عدنان شيطان بس سوزى طلعت حية..عمايلها السودا معايا زادت وحسابها تقل أوى ولازم أصفيه.

نظر إليه ياسين بدهشة قائلا:
ليه ..عملت إيه الحرباية دى تانى؟

تراجع مروان فى مقعده وهو يزفر قائلا:
هحكيلك ياياسين..هحكيلك.

*******************

كان مروان خارجا من حجرة مكتب ياسين فكاد ان يصطدم بفتاة ولكنه تفادى ذلك الاصطدام بأعجوبة لتتسع عينيه بدهشة حين تعرف على الفتاة وهو يقول:
مش معقول..دارين؟

ابتسمت دارين وهي تتأمله قائلة:
ازيك يامروان..أخبارك إيه؟

ابتسم مروان قائلا:
أنا كويس..انتى كمان اخبارك إيه..اختفيتى فجأة ومبقتش اشوفك ولا أسمع صوتك زي زمان..كنتى مسافرة ولا إيه؟

قالت دارين فى عتاب:
ما انت لو كنت بتسأل كنت عرفت اذا كنت مسافرة ولا لأ..عموما ياسيدى..أنا مكنتش مسافرة ولا حاجة.

لترفع ذلك الملف بيدها قائلة:
أنا بس اشتغلت هنا فى الشركة..وعشان كدة كنت مشغولة حبتين.

قال مروان بابتسامة مرحة:
بجد اشتغلتى هنا..ألف مبروك يادارين..طب مش كنتى تقوليلى ..كنت وصيت المدير عليكى ..أصله صاحبى الروح بالروح.

ابتسمت دارين قائلة:
لأ ياسيدى شكرا ..هو متوصى بية لوحده ومخلينى مش عارفة حتى أشرب فنجال قهوتى من كتر الشغل اللى حاطه فوق راسى.

قال مروان بابتسامة:
لأ اذا كان على فنجال القهوة فاسمحيلى أكلمهولك وأستأذنه نخرج فى أى كافيه نشرب أحلى قهوة لاتيه لأحلى دارين.

نظرت دارين إليه قائلة فى دهشة:
انت لسة فاكر انى بحب القهوة اللاتيه يامروان؟

قال مروان بإبتسامة:
أنا مبنساش حاجة ابدا يادارين..انتى متعرفنيش كويس ولا إيه؟

ابتسمت دارين قائلة:
لأ عارفاك كويس طبعا..انت اللى مبقيتش تعرفنى على فكرة ..أنا بشربها دلوقتى بلاك ومع الأسف كان نفسى أخرج معاك نشرب القهوة فى أي مكان بس فيه ميتنج مهم دلوقتى و مش هقدر أكنسله..فرصة تانية باذن الله.

ابتسم مروان قائلا:
أكيد..أنا همشى بقى عشان معطلكيش ..سلام.

أومأت براسها محيية بينما غادر مروان تتبعه عينا دارين التى مالبثت أن هزت رأسها بابتسامة وتابعت سيرها غافلة عن عيون اشتعلت غضبا وقلبا ثار من الغيرة ..ذلك القلب الذى كان شاهدا على هذا اللقاء والذى رأى أنه ليس لقاءا عاديا على الإطلاق.

*********************

كان ياسين يجلس على مقعد الطائرة المتجهة الى بيروت..يحاول التركيز على تفاصيل تلك الصفقة والتى تظهر بياناتها على شاشة اللاب الخاص به..ولكنه لم يستطع..فوجود فتون الى جواره يتسلل إليه عطرها الهادئ يفقده التركيز تماما..يسترق النظر إليها كل فترة ليراها تنظر الى الفضاء بالخارج فى شرود ليعاود النظر الى الشاشة والتركيز على عمله فلا يستطيع..إلى جانب مروان وما يمر به حيرة وألم ..يشابهان الى حد كبير ما يمر به هو شخصيا وان اختلفت الظروف بالطبع..أفاق من أفكاره على رأس فتون والذى مال على كتفه فجأة ليدرك أنها ذهبت فى سبات عميق..أغلق شاشة اللاب فى هدوء وعدل من وضع رأسها على كتفه حتى تشعر بالراحة أكثر ليتناثر شعرها ويخفى وجهها..مد يده الأخرى وأزاح شعرها ببطئ خلف أذنها لتلامس يديه نعومة بشرتها رغما عنه وينتفض قلبه بشدة داخل أضلعه..يستدعى كل قوته كي لا يميل على وجنتها يختطف قبلة ترضى بعضا من مشاعر قوية تجتاحه فى تلك اللحظة..ليجد نفسه يميل باتجاهها رغما عنه يحول افكاره إلى واقع..ليتوقف فى جمود حين سمعها تغمغم قائلة:
نبيل.

عقد حاجبيه وهو يتراجع برأسه يستند على المقعد خلفه يشعر بالغضب يسرى فى كيانه..تجتاحه غيرة قاتلة لنطقها اسمه فى منامها ..ليشعر بأن ما بين الشريكين مشاعر أكثر مما تعترف بها فتون..ليتساءل فى قلق عن صحة ظنونه..فلو كان ظنه صائبا..فجرح قلبه تلك المرة سيكون عميقا جدا ..فرغم تلك الفترة الصغيرة والتى عرف بها فتون..إلا أنها استطاعت ان تحتل جزءا كبيرا من قلبه..ان لم يكن قلبه بالكامل..والدليل على ذلك ما يشعر به الآن من غيرة تكاد تفتك به..نعم لابد ان يعترف بأنه وقع فى الحب وبشدة..ولكن يبدوا أن قدره يعانده مرة أخرى.

 

 

الفصل العشرون

عاد مروان إلى المنزل فاستقبله فارس بأن جرى فورا إليه يضمه من خصره وهو يقول :
وحشتنى أوى ياآنكل مروان.

ابتسم مروان وهو يضمه ثم ينزل على ركبتيه ليصبح فى مواجهة فارس يقرصه بخفة فى وجنته قائلا بحنان:
انت كمان وحشتنى يافارس..عملت إيه فى غيابى؟

هز فارس كتفيه قائلا:
معملتش حاجة ..حتى ماما تعبانة ومرضتش تلعب معايا زي كل يوم.

ألقى مروان نظرة شاملة لمحيطه فلاحظ غيابها ليقول بصوت خفيض:
تعبانة مالها وهي فين دلوقتى؟

قال فارس:
قاعدة فى أوضتها طول النهار..بتقول عندها صداع.

أومأ مروان برأسه متفهما ..ثم قال :
تمام..طب انت اتغديت؟

أومأ فارس برأسه قائلا:
من زمان.

ليبتسم مروان قائلا:
طيب روح انت دلوقتى إلعب ع التاب وأنا هخلص شوية شغل وآجى ألعب معاك بلاي ستايشن..ماشى؟

صفق فارس بيديه جزلا قائلا:
ماشى ياآنكل هستناك.

وقف مروان واضعا يده على مقدمة شعر فارس يبعثر شعره بحنان ليغادر فارس مبتسما يتابعه مروان بعينيه بابتسامة مماثلة قبل أن يتجه إلى غرفة المكتب ليدلف إليها ويغلق بابها خلفه بهدوء.

********************

استيقظت فتون تشعر بالدفئ يحيطها لتجد نفسها مستندة برأسها على صدر رجل يحيطها بذراعه..لتحرك رأسها تشعر براحة غريبة..وكأنها تحلم..لتدرك فجأة انها لاتحلم وأن وجوها بين ذراعيه واقع..فقد عرفت هويته على الفور من عطره الذى تسلل إلى أنفها..اعتدلت على الفور فتركها تخرج من محيط ذراعه..استرقت النظر إليه تشعر بالخجل فوجدته لا ينظر إليها بل ينظر قبالته تبدو ملامحه جامدة لا تعكس أي شئ..قالت متلعثمة:
أنا..يعنى ..آسفة لو كنت ضايقتك.

لم ينظر إليها قائلا ببرود:
محصلش حاجة.

عقدت حاجبيها تتعجب من بروده وتباعده..تتساءل عن السبب..وما الذى حدث ما بين نومها واستيقاظها ليجعله على تلك الحالة الغريبة..هزت كتفيها فى حيرة لتنظر الى ساعتها ثم قالت:
لسة أدامنا ربع ساعة قبل ما نوصل بيروت..الوقت اتأخر أوى ياياسين..ومش هتلاقى حجز فى فندق كويس دلوقتى وانا شقتى فاضية ومحدش موجود فيها حتى دادة محسنة مبتجيش غير الصبح بس.. تروق البيت وتمشى.

نظر إليها قائلا فى جمود:
تفتكرى ياسين تاج الدين هيسافر من غير مايكون عامل حسابه ومجهز كل حاجة..أنا حجزت خلاص فى سيزر بارك.

رفعت فتون إحدى حاجبيها قائلة :
سيزر بارك مرة واحدة..ماشى ياسيدى..عموما أنا عرضى لسة موجود ولو مرتحتش ودى حاجة مستحيلة طبعا ..فشقتى موجودة وتحت أمرك فى أي وقت.

أومأ برأسه قائلا ببرود:
تمام..ياريت بقى نسيب موضوع الشقة والفندق على جنب ونركز فى الديل اللى احنا جايين عشانه..مش هنقبل بأقل من عشرين فى المية من نسبة الأرباح..وده شرطنا الوحيد وغير قابل للتفاوض.

تجاهلت فتون بروده وهي تومئ برأسها قائلة:
تمام ..متقلقش..وليد صاحب الشركة فريند لية من زمان وأكيد هيقبل بالديل اللى احنا هنقدمهوله.

جز ياسين على أسنانه فى غيرة قائلا:
هيقبل عشان ده ديل مناسب أوى بالنسبة له ..فرصة مش هتكرر..مش عشان سيادته صديق سعادتك..مفهوم؟

أومأت برأسها قائلة بهدوء :
أوكيه..تمام..انت متعصب كدة ليه بس؟

قال ياسين فى عصبية:
انا مش متعصب ولا حاجة انتى هتعصبينى بالعافية.

نظرت فتون حولها قائلة بصوت خافت:
تمام..خلاص ..اهدى..الناس بتبص علينا.

أشاح ياسين بوجهه بينما اعتدلت فتون ونظرت الى الفضاء بالخارج ترتسم على شفتيها ابتسامة منتصرة تخللتها مشاعر سعادة فعلية لشعورها بغيرته عليها..لتعقد حاجبيها وهي تنفض تلك المشاعر وتركز فقط على ما جاءت إلى بيروت كي تحققه..نعم عليها ان تفعل ذلك فقط.

********************

كان مروان يجلس عل مقعده شاردا بتلك التى تجلس فى غرفتها ..لا يدرى أتتظاهر بالمرض كي تتجنبه أم أنها فعلا مريضة؟..ليصاب بالقلق عند تفكيره بهذا الإحتمال..يود لو ذهب الآن ليراها ويطمأن عليها ولكنه قاوم تلك الرغبة فى قلبه..لتقع عيناه على اللاب توب الخاص به..ويظهر الحل فى عقله فجأة لتلتمع عيناه..وهو يسرع بفتح اللاب يبحث بين الملفات على تحميلات الكاميرات الخاصة بالفيلا..تردد لثوان يخشى ان تكون الآن تبدل ثيابها او أنه يخترق خصوصيتها بشكل ما..ولكنه أسكت ضميره بحجة انه حقا يود الاطمئنان عليها وبالفعل ألقى نظرة على تسجيل الكاميرا الخاص بحجرتها..ليجدها جالسة بسريرها شاردة فى أفكارها..تضع أصابعها فى فمها تقرض أظافرها كعادتها عندما تكون قلقة..ليبتسم وهو يدرك أنها لم تتغير ..مازالت هي كما هي..زينة عبد الكريم..تلك المرأة التى عشقها وعشق تفاصيلها..لينفض أفكاره بعنف وهو يوبخ نفسه مذكرا إياها بأن تلك المرأة ليست تلك البريئة التى أحبها بل إمرأة أخرى قامت بالتخلى عنه فى أزمته ثم باعت نفسها من أجل المال ..باعت جسدها لمن يدفع أكثر..لينتابه الغضب ويغلق شاشة اللاب بعنف..يغمض عينيه بألم لتمر صورتها الرقيقة بمخيلته ..تضعفه مجددا وتجبره على فتح شاشة اللاب مجددا و العودة إلى تسجيلاته..يتساءل عن رد فعلها اليوم حين استيقظت ولم تجده بجوارها..ترى هل حزنت أم لم تهتم؟بالطبع الاحتمال الأرجح أنها لم تهتم..ولكن كان لديه أملا صغيرا فى أن يجدها قد حزنت ولو قليلا..لتبحث أنامله بسرعة عن التسجيلات لحجرته فى ذلك الصباح..حتى وجده..لينظر إليها وهي تتململ فى نومها ثم تستيقظ وتظل هكذا لثوان مصابة بالجمود..أحس بخيبة الأمل وكاد أن يغلق الحاسوب مجددا ولكنه توقف حين رآها تتفقد مكانه بقلق ثم تظهر على ملامحها خيبة الأمل مغلفة بالحزن..انبثق الأمل داخل صدره خاصة وهو يراها تحمل وسادته تستنشق عطره فى حنين ظهر على ملامحها لتكون المفاجأة حين حركت شفتيها بكلمة أحبك..لتتسع عينا مروان بصدمة..يتساءل عن صحة تصريحها بحبه..فإن كانت حقا تحبه فلن يهمه سوى تلك الحقيقة..وليذهب كل شئ بعدها إلى الجحيم..ان كانت حقا تحبه فتبا لماض لن يهمه..فلن يهمه سوى أنها الآن تكن له تلك المشاعر الصادقة والتى رآها على وجهها..ليفيق من أفكاره على صوت طرقات على الباب ليأمر الطارق بالدخول وهو يغلق اللاب..دلفت دادة تحية قائلة:
سوزى هانم برة وطالبة تقابلك ياابنى.

قست عيناه حتى صارتا قاتمتين وهو يقول بوعيد:
دخليها يادادة..ومتخليش حد يقاطعنا.

أومأت تحية برأسها وهي تغادر ليقول مروان بقسوة:
جيتى لقضاكى ياسوزى..استعدى للضربة الجاية واللى هتكون أول مسمار فى نعشك.

*******************
دلفت دارين إلى حجرة مكتب نبيل بعد أن سمعته يسمح لها بالدخول.. لتظهر على شفتيها تلك الابتسامة الرائعة وهي تقول :
صباح الخير يامستر نبيل.

رمقها نبيل قائلا فى برود:
صباح الخير.

لاحظت دارين بروده على الفور..لتختفى ابتسامتها تدريجيا وهي تقول:
فيه ميتنج لحضرتك النهاردة مع مستر توفيق الساعة ٢ ..تحب الميتنج يكون فين؟

نظر إلى الأوراق أمامه يتظاهر بتفحصهم وهو يقول:
اتصلى بيه وخليه هو اللى يحدد المكان..بس ياريت المكان ده ميكونش بعيد عن الشركة.. واتفضلى دلوقتى على مكتبك ومتدخليش حد علية عشان براجع ورق مهم ومش عايز أي ازعاج ..مفهوم؟

اومأت برأسها قائلة فى خفوت:
مفهوم.

نبرة صوتها الضعيفة أجبرته على رفع عينيه إليها ليلمح لمعان عينيها قبل أن تلتفت مغادرة فى هدوء ليزفر وهو يترك الأوراق من يده ويمرر يده فى شعره بعصبية..يدرك أن لمعان عينيها من الدموع التى تمنعها عن النزول بصعوبة..ويدرك أنه السبب ..فهو يعاملها بجفاء منذ البارحة..وهي رقيقة لا تتحمل..ولكنه فقط يحمى قلبه الذى رأى أن لا مكان له فى قلبها وأن عليه أن لا ينجرف فى مشاعره تجاهها أكثر من ذلك بل عليه الابتعاد كلية عنها..حتى وان اضطر للسفر إلى لبنان وترك تلك الخطة الانتقامية بالكامل.

********************
قال هارون بهدوء:
زي ما قلت لحضرتك أخدها على الدكتور ورجعوا تانى..وتانى يوم راح لياسين الشركة ورجع الفيلا ومن ساعتها مخرجش .

عقد عدنان حاجبيه قائلا:
وسوزى فين؟مفيش أخبار عنها؟

قال هارون:
اللى عرفته من رجالتى .. إنها موجودة هناك دلوقتى ياباشا.

طرق عدنان على مكتبه بقوة قائلا بغضب:
ولما هي هناك دلوقتى ..مقلتليش من الأول ليه..ولا لازم اسألك بنفسى على كل حاجة ياهارون.

قال هارون بإرتباك:
لأ طبعا..أنا كنت هقول لحضرتك حالا..بس انت سألت الأول.

تراجع عدنان فى مكتبه قائلا:
انت جرالك إيه ياهارون؟..أنا منبه خمسين مرة..الأخبار توصلى أول بأول..أوامرى تتنفذ بالحرف..الشغل معايا حاجة تانية وانت عارف ..لو مش أدها سيبها وغيرك يمسكها..اللى احنا داخلين عليه مش سهل ولا قليل..ومينفعش فيه الاهمال أو اننا نغفل عن أي تفاصيل..مفهوم؟

قال هارون بضيق:
مفهوم يافندم.

قال عدنان بحزم:
أول ما سوزى تخرج من عنده تتصل بيها تجيلى حالا.

أومأ هارون برأسه قائلا:
حاضر ياباشا..أي أوامر تانية.

أشار له عدنان بالذهاب ليغادر هارون وعيناه تنطقان بالشر ليقول بهمس حاقد:
بعد السنين دى اللى قضيتها معاك وإخلاصى وشغلى اللى سندك وعلاك..وخلاك عدنان باشا المسيرى..بتقوللى لو مش أدها غيرك يمسكها..صدق من سماك شيطان..بس أنا برده مش قليل..وإذا كنت انت شيطان فأنا جنى..وهنشوف ياعدنان مين اللى هيسيبها وغيره هيمسكها..هنشوف ياعدنان.

رواية جحر الشيطان.

بقلم شاهندة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *