على الرقاب2

الفصل التاسع

______لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا______

الشتاء فصل الحب ، فصل الدفء الذي تتدفق فيه العواطف كأمطاره التي تحملها العواصف فتتشابك الأيادي كما تتشابك القلوب وتتآلف الأرواح ، غير أن هذا الشتاء غاضب ويحمل قسوة كبرودته تفتت بسببها القلوب الحالمة .

كان هذا مايراود (مهران )وهو يجلس بجانب بقية عمد القرى المجاورة لتناول الطعام ،جميعهم يتناولون الطعام بنهم وسط ضحكات وأحاديث مختلفة أما هو فكان يقلب في صحنه بإسهاب وقلبه ينزف وهو يشعر أنه خان حبه ل(شذا )ولا يستطيع التفكير فيها خجلا من طيفها إن راوده .

بعد العشاء وقفت (زهرة) و (بدارة )بثوبيّهما الأبيضيّن متلألئتيّن كنجمتيّن فاقتربت النسوة يقدمن لهما الهديا حتى ثقلت يداهما من الأسوار والخواتم كما أعناقهما من القلائد الذهبيّة بالإضافة إلى (النقطة) ،المبالغ المالية التي حصلتا عليها، ثم اقتربت (ثريا)،و نزعت عنهما ذهبهم، ووضعت خاصة كل واحد في صندوق لها أمنت عليه (راوية )و (فضيلة )زوجة( عزام) ..

بدأت حفلة الرقص ، القرع على الطبول والنفخ على المزمار والرقص بالخيل والعصي أشعل الحماسة في قلب الشباب والفتيات اللواتي يسترقن النظر ، جر (مهران) إلى الرقص هو و(محمد) بالعصي فكان منظرهما مهيبا محببا ، أما (بدارة) فكانت في منتهى السعادة كأنها تحلق في السماء السابعة أمسكت بيد (زهرة )وهمست في أذنها :
_ يابت ده حلم و بصوح ، اجرصيني والنبي أنى طايرة كيف الحمامة ، العشج دا حلو جوي جوي
أنا مش مصدجة إن هيتجفل علينا باب ،هيييه لو مت بعديها أبجى راضية .

قرصتها (زهرة )من ذراعها فتأوهت وقالت لها :
_ اتحشمي يابت ،الخلج بتبحلج فينا ، اتجلي على رزجك ياختي اهو بجى حلالك ،هبابة وعتروحي يدك فى يده وابجي طيري انتي وهو ياحزينة ..

وضعت يدها على وجهها تكتم ضحكاتها فأردفت (زهرة) :
_ خيّك زين جوي يابدارة أما أني خايفة وهيغمى عليا من الخوف حاسة بركبي بتنمل خايفة ماجدرش أصلب طولي ..

ابتسمت (بدارة) وقالت :
-لازمن تخافي ،أخوي حنين بس سبع وعياكلك .

وقامت بدغدغتها فانتفضت( زهرة )من مكانها وانفجرت (بدارة )ضاحكة فاقتربت منهما (ثريا) ورمقتهما بغضب وقالت :
_ اتحشمي يابت منك ليها ، أباي عليهم بنته لاحيا ولا تجدير كنهم مش داخلين على ليلة مطينة .

وعادت إلى مكانها بينما غمزت (بدارة )(زهرة) التي قرصتها على يدها مرة اخرى .

وقتذاك كانت( زبيدة) تطالعهم بغل قبل أن تسحبها يد إلى الوراء وهمست :
_ أمانتك أهيه أمي بتسلم عليكي خدي التلافون اتحدتي وياها .

دفعته إلى مكان مظلم قليلا وقالت :
-ينيلك ،كنت اتصلت، جاي اهنه رايد تفضحنا اياك ،
هات المخروب ده ..
معاكي ياستنا ..أيوه خدتها من راجي ..لازمن دلوك ؟ حاضر حاضر ..على خير ، لو خربت معروفك داه مش عنساه برجبتي لحدن ماموت .

اقفلت الخط وحشرت الهاتف في يد( راجي) وقالت :
_ غور من اهناه ياغبي ماريداشي ألمح طيفك بالموكان .

غادر (راجي) وهو يتمتم بينه وبين نفسه :
-عتحبي على رجلي عشان استر على بتك وساعتها برجلي دي عارفسك بنص خلجتك ياعجربة ياأم اربعة واربعين .

اخذت (زبيدة )تقلب في الكيس الذي اتاها به( راجي) فوجدت فيه صندق خشبي صغير بداخله علبه معدنية بها جمرات صغيرة لاتزال مشتعلة فاقتربت من كرسي العروستين ووضعتهما تحته ثم وضعت فوقهم من الماء الذي وجدته معهم حتى تخبت حمرتهم فتصاعد البخار ليلامس قاع الكرسي ثم وقفت خلفهما ووضعت قليلا من مسحوق يبدو كأنه رماد ونفخت فيه فتناثر عليهما دون أن يشعر بها أحد ثم ابتعدت عنهما وعادت تراقبهما بعيون تلمع شرا وحقدا ..

طلقات نارية تنبؤ بانتهاء الإحتفال ليدخل كل عريس ليأخذ عروسته فأمسك (مهران )يد( بدارة) التي تغطي راسها طرحة طويلة تخفي ملامحها وكذلك (زهرة) ويد (محمد) تشد على يدها ،واستقلّ كل واحد منهما سيارته متوجها إلى بيته وخلفه موكبا من السيارات التي تطلق البارود وهي تلحق به .

وصل (مهران) إلى القصر وصعد مع زوجته إلى غرفتهما الجديدة وجد والدته قد حضرت من أجلهما بعض المأكولات الخفيفة باعتبارهما تناولا عشائهما بالحفل فلا حاجة لهما به ، كانت (بدارة )متوترة حتى أنها شعرت كما لو أنها ستختنق فقالت :
_ شيل الطرحة جوام جوام هختنج !

اقترب منها (مهران )مجبرا ورفع عنها الطرحة كان وجهها مشتعل بحمرة شديدة غلبت زينتها التي أنزلها العرق فدفعته ودخلت الحمام ووقفت تحت الدش والمياه الباردة تنزل على جسدها الذي بدأت الأبخرة تتصاعد منه ، استغرب (مهران) حالتها فناداها :
_ انتي زينة ! كنك عيانة …

فقالت بصوت عال وهي تحارب لنزع فستانها :
_ الحجني عموت ..

دخل مهرولا إلى الحمام فوجدها تتخبط تحاول تمزيق فستانها عنها فقالت بصوت متقطع :
_ شيلوا عني احب على يدك ..انجدني !

فقال محاولا تهدئتها :
_ اهدي وطلعي من عنديك وانا هساعدك ، عتمرضي واجفة تحت المي الساجعة اكده ..

وضعت كلتا يديها على الحائط تستند عليه وقد خرت جالسة تواليه ظهرها انفاسها مضطربة وصدرها يصدر نشيجا غريبا ..

اقترب منها وفتح أزرار الفستان ووالاها ظهره فنزعته عنها وقالت :
_ ن..نا..نا وا لني ال فوط…

شعر أن هناك خطب بها حتما ، ناولها المنشفة قبل أن تكمل جملتها وقال :
_ أنده أمي تاجي تشوفك ولا أعمل إيه دلوك ؟

فقالت بصوت منطفيء :
_ ساعدني أجوم مش جادرة أصلب طولي ..

استدار نحوها فوجد جسمها محمر كأن مياه ساخنة قد لسعتها ،مقشعر من تيارات الهواء الباردة حين تتصادم مع سطحه الملتهب ،فقال :
_ إنتي بعافية يابدارة ،جتتك مولعة .

حملها بين يديه فبدأت بالتحرك بعنف كأنها تحترق ودموعها تغطي وجهها فبدأ( مهران) بالمناداة بصوت عال على والدته فأتت راكضة تلحق بها (راوية) وقالت قبل أن تصل إليه :
_ خير ياولدي ! خير ..

فقال وهو يشير إليها أن تستعجل :
_ بدارة ..ماخبرش مالها عجلي !

استدارت نحو( بدارة) فوجد المنشفة التي كانت تستر بها جسدها قد انفكت عنها فأسرع يسحب عليها الغطاء فدخلت والدته واقتربت منها بينما وقف هو جانبا ثم بدأت تتحسس جبينها والتفتت نحوه :
_ دي جايدة نار ياكبدي ..حوصل ايه ؟

فقال( مهران )وهو يفرك وجهه :
-عيحصول إيه؟ احنا يادوب واصلين واهه أنا لسه ماجلعتش الجزمة حتى .

فقالت :
_ لازمن نشيل الغطا عنيها دي غرجانة بالعرج .

وقبل أن يعترض كانت قد رفعته ثم أعادته بسرعة وحدقت فيه بتهكم :
_ الجزمة جولتلي !

ضرب يدا على يد وقال :
-ياحول الله يارب ، البت دخلت من اهنا لجيتها بتجول الحجني عختنج شيلت الطرحة من على وشها ،لجيتها هووب جريت على الحمام ولجيتها بتصرخ تاني الحجني عموت دخلت اجري لجيتها واجفة تحت المية الساجعة وبتجطع في الفستان وجعت على الأرض وبتجولي ساعدني اشيله وجلعته بالحمام روحي شوفي، جومتها على اهنا حتى الكلام ماكنتشي جادرة تنطج ..هاا حاجة تاني في الليلة المطينة ديه ياأماي .

فقالت (ثريا) تخاطب( راوية) :
_ ملي الحوض مية ساجعة جوام البت عتروح منينا وانت اجري على الداكتور يوصفلك دوا ،جوله لأمي بلاش فضايح .

خرج (مهران) وهو يلعن عودته من روما بينما قامت (راوية )ووالدتها وضع( بدارة) في الحوض وسط المياة الباردة فكانت ترتجف وتشهق بعيون شاهقة في السقف لاتدري بشيء .

*******

وقتذاك كان الجبايلة قد وصلوا إلى قصرهم هم الآخرون ، جمع( عويس) عائلته بما فيهم( زهرة )التي تقف بفستانها الأبيض بعد فأخذ يقول :
_ ربنا مارزجنيش ببنته بس أخدت عهد من ربنا أعامل كنايني كيف بناتي وانتي بجيتي بتي ،من إهنا وجاي كيفك كيف خيتك فضيلة اي حاجة تريديها أنا اهنا كيف عسران بالضبط ..

اقتربت منه وقبلت يده فنزعها منها بسرعة وقال :
_ استني اكده ..

تحسس يدها فوجدها ساخنة جدا ثم تحسس وجهها من فوق طرحتها المبتلة من العرق فوجده ملتهب كذلك فأردف :
_ إنتي سخنة كيف النار ..شوفها يامحمد ..

وقبل أن ينهي كلمته وقعت مغشيا عليها ..

حملها( محمد) لأقرب اريكة وكشف عن وجهها الذي تلوث بالكحل المحمر كأنه شعلة من نار ، فحملها مجددا إلى غرفته وهو يقول :
_ تعالي يافضيلة لازمن نخفض حرارتها ..

وضعها في الحوض واردف :
_ إجلعي عنها كل حاجة لازم يوصل المي الساجع لجسمها وأنا هجيب حقنة من الصيدلية وأرجع .

ما أن لامسها الماء البارد حتى بدأت تنتفض وترتعش فارتبكت (فضيلة )ولم تدري ما العمل فخرجت إليهم وبدأت تنادي على الخالة( أم هاني) التي تعمل في منزلهم فلبتها على عجلة فأردفت :
_ الحجيني ياخالة البت ماخبراشي جرالها ايه عتموت ولا إيه ؟

دخلت الخالة (ام هاني) فوجدت (زهرة )قد انزلقت داخل الحوض لو تأخرت قليلا كانت لربما تجدها قد اختنقت فسحبتها بسرعة وضربتها على ظهرها بقوة لتخرج المياه من أنفها وفمها وهي تشهق بقوة فالتفت نحو( فضيلة )وقالت :
_ اجري على المطبخ وهاتي جزازة الخل على ماغير المي عليها بجت دافية ..

لم يلبث (محمد )طويلا حتى عاد وبيده محلول وبعض الحقن فنادى على فضيلة :
_ طلعوها يامرات اخوي لازم اعلجلها المحلول داه ..

تساعدتا( أم هاني) و(فضيلة )وألبسوها عباءة واسعة فدخل (محمد )وحملها إلى السرير وعلق بذراعها المحلول الذي افرغ فيه محتوى حقنتين ، استمرت في الارتجاف والأنين لبعض الوقت حتى استكانت ونامت .

لازمتها( أم هاني) طوال الليل برفقة( محمد) يغيرون لها كمادات محلول الماء المثلج بالخل فتنتفض كلما استعوذت (أم هاني) من شر ماحسد أو شر ماخلق فكانت تقول ل(محمد ):
_ اكيد اتحسدتوا ياولدي ،ربنا يجومها بالسلامة يارب !

استقام( محمد) وتوضأ وفرش سجادته فصلى ركعتين قيام وجلس بجانبها يتلو القرآن بصوته العذب ااذي يجبر مستمعه على الخشوع والتدبر في آيات الله فزادت إرتعاشة (زهرة )وزاد أنينها كلما رفع صوته بالتلاوة حتى أصبح نشيجها زمجرة مخيفة ، ابتعدت عنها (أم هاني) مذعورة وهي تبسمل وتتعوذ فزاد صراخها مما جعل الجميع يركضون نحو غرفتهم وبرغم ذلك لم يقطع (محمد)تلاوته بل واصلها بكل خشوع والدموع تغرق وجهه فقالت( أم هاني) للحاج (عويس) :
_ البت ملبوسة ياحاج قل أعوذ برب الفلق ..

فقال الحاج (عويس) ل(ناجي) :
_ جوام ياناجي على بيت الشيخ وهدان تجيبو فى يدك بسرعة البت هتروح منينا ياخلج ، حسبي الله ونعم الوكيل .

وماهي إلا لحظات حتى دخل الشيخ (وهدان) بوقاره فاستقبله (عويس) عند الباب وقد أمر سابقا ( أم هاني) أن تستر( زهرة )لكنها خافت الإقتراب منها فزجرها بعنف فوضعت خمارا على رأسها ..

دخل الشيخ (وهدان) فقطع (محمد) تلاوته فألقى السلام عليه فهدأ جسد ( زهرة) فاقترب منها( محمد) وغطاها جيدا فاقترب منها الشيخ ووضع يده على رأسها بينما أخذ يقرأ الفاتحة وتلاها بآخر آيتين من سورة البقرة ثم الكرسي ووصلها بآيات من سورة البقرة ، فانتفضت( زهرة) ودفعت( محمد) الذي كان يمسك يدها بقوة فاوقعته أرضا فقال الشيخ :
_ شدها بسرعة ياولدي ..ماتهملهاشي .

وواصل القراءة بينما أمسكها (محمد) بقوة فتغلبت عليه فأخذ ينادي على( ناجي) الذي لباه سريعا فأمسكاها والشيخ برفقتهما وماهي لحظات من الدعاء والتلاوة حتى بدأ النمل يخرج من شعرها الذي انزاح عنه الخمار بسبب مقاومتها وتحركها وبدأ يسير على كتفيها وهي تنتفض عاليا أرهقهم الإمساك بها فانضم إليهم (عزام) حتى يحدوا من قوتها التي لم يستطع ثلاثة رجال مجابهتها ..

بدأ الشيخ يرشقها بالماء المرقي وهو يواصل التلاوة فكان يتصاعد البخار منها كما يتصاعد من الحطب المشتعل ويصدر وشوشة (ششش) .

بدأ الجميع في التعوذ من الشيطان الرجيم
كان النمل يخرج من شعرها ليملأ جسدها ثم يختفي قبل أن يصل للأرض ..
ازرقت شفتاها وبدأت رغوة تخرج من فمها لكن حمرة جسدها خبت وبدأت بالشحوب فقطع الشيخ تلاوته فاستمرت في زمجرتها قليلا ثم فقدت وعيها فابتعد عنها (محمد )وأخوته ..

فقال الشيخ بحسرة :
_ سحر إسود والعياذ بالله .

ضرب( محمد )جبينه بينما راح إخوته ووالده يحوقلون ويحسبنون ثم قال (عويس) :
_ والعمل ياحضرة الشيخ ؟

فقال الشيخ :
_ المسكينة فيها سحر جديم بس زال بأمر الله من أول التلاوة أما اللي هي فيه دلوك فلازمن نلاجي العمل عشان نبطله ماجدرتش أكمل تلاوة ممكن يوجف جلبها وتموت.

ضرب (محمد) بيده على الحائط وهو يقول :
_ حسبي الله ونعم الوكيل ،البت صغيرة عايزين منها إيه !

ربت والده على ظهره وقال :
-وحد الله ياولدي ، هطيب إن شاء الله .

فأردف الشيخ :
_ ياولدي ربنا قال ” لايفلح الساحر حيث أتى ” وقال ” لايصيبنا إلا ماكتب الله لنا ” خلي عندك حسن ظن بربنا هو بيختبر صبركم بالابتلاء العظيم ده ، وربنا عند حسن ظن عبده هتفرج مهما ضاجت ..
السحر معمولها في حاجة من نار لو فضلت السخونية عليها ممكن تتشل لاسمح الله لازمن تراجبوها لحدن مايفرجها ربك ، ماتشغلوش القرآن أو تجروه عليها عتأذوها مش عتنفعوها لأنه النوع ده من السحر بيكون عليه خادم لمن يحضرها بس عتعيا ولمن يروح عترجع كيف لول ماعتصدجوشي إنها فيها حاجة ..وهو والعياذ بالله مش عيبجى ملازمها طول الوجت أكيد عنده مشاغل ماهما أجوام زيينا لازمن يدورو أكل عيشهم ..
دور ياولدي بجهازها كلاته ورشوا عليه المية المرجية دية ودوروا كومان بالموكان اللي عملتوا فيه الفرح زين جوي .
حسبي الله في الناس اللي ماعتخافشي ربنا .
أهم حاجة لما تفوج ماتحسيسوهاش بحاجة وماتغضبوهاش هتبجى واعرة من غير ماتحس ممكن تاذي ، بس عموما هتبجى طبيعية تشتغل وتضحك وطيبة غير لما يحضرها عتتعب .
ربنا يسهل ونلاجي المصيبة ديه فين عشان نبطلها وترجع البنية للدنيا .

خرج الشيخ( وهدان )رفقة( عويس) بينما جلس (محمد) يحدق في( زهرة) التي انطفأ جمالها وبراءتها
وهي لاتزال في الثانية وعشرين من عمرها ثم تذكر ماقاله الشيخ وخرج ينادي :
-ياخالة أم هاني ..يامرات اخوي وينكم عاد ..

أتت كل منهما مهرولة فاردف :
-الاوضة دي عنجلبها شبر على شبر نفضوها، ودورو زين على اي حاجة غريبة ممكن تلاجوها ورشوا اي حاجة تلمسوها بالمي اللي اهناك أهيه .

نظرت كل منهما الأخرى فاردف :
_ ماهياش غول ماتخفوش هي نايمة ومش عتصحى بس لازمن ماتجروش قرآن أو تشغلوه في البيت لحدن مانرجع .

فقالت (فضيلة) وهي تضرب على صدرها :
_ ياليلة طين عتهملونا لوحدنا معاها .

فقال :
_ لاه أبوي إهنا ، هيجعد معاكم .

ثم اقترب من أخويه وقال :
_ لازمن نروح لموكان الفرح وندور احنا التلاته بس ماجدرشي أوثج في حدا بعد اللي شفته ده ويارب يسهلنا ونلاجي حاجة .

فقال( عزام) :
_ هنعاود كفر الهوارة بالوجت ده ، الصباح رباح ياخوي .

فقال محمد بغضب :
-لاه دلوك ، لوماريدينش، عروح لحالي .

وخرج فلحقا به واستقلا سيارته التي كان يقودها بسرعة جنونية إلا أن وصل إلى المكان حيث كانت الخيمة الكبيرة المجزئة إلى قسمين لاتزال منتصبة والعمال ينقلون الكراسي والطاولات وينزعون الزينة والأضواء فتفرقوا وشرعوا في سؤال العمال إذا ماكانوا قد رأوا شيئا غريبا ، ثم بدأوا في البحث بكل مكان حتى وصل مسامعهم صوت شجار بين كبير العمال وعاملين آخرين فاقتربوا منه وقد كان يقلب الكرسي المزدوج الذي كانت تجلس عليه العروستيّن وقد احترق قاعه فقال يلوم عماله :
-مش جلتلكم نظفوا المكان زين وخدوا بالكم من الحاجات دى، كيف حجر الشيشة يوصل اهنا افرضوا ولع فيهم .

فقال (فزاع) :
_ حجر شيشة ايه حضرتك؟ ماجبناش شيش على الفرح واحنا إصحابه، هيجي الحجر منين لاه وبمكان العروس ان…..

أمسكه( محمد )من ذراعه وقال :
-حجر ..نار ..وحرج كرسي العروس .

فقال( ناجي )بصوت عال :
_ يعني ده إلي احنا بندور عليه ياخوي ..

أعطاه (محمد )مفتاح السيارة وقال :
_ اجري على الشيخ وهدان الله يكرمك .

ثم أردف وهو يوجه كلامه للمجتمعين :
_ ابعدوا ماتلمسوشي حاجة دا مش حجر شيش دا سحر اسود والعياذ بالله ، احنا عشنا ليلة مايعلم بيها إلا ربنا ..

ترك كبير العمال الكرسي من يده وابتعد عنه بخوف كما فعل العاملان وهما يتعوذان من الشيطان الرجيم .

بينما تذكر أخته فضرب على جبينه قائلا :
_ بدارة ياعزام ! ..لازمن اتصل على مهران .

_____________

كانت (بدارة) نائمة والعرق يتصبب منها بغزارة ووجهها تعتصره حمرة غريبة مع أن (مهران) حقنها مرتين بخافض حرارة ومضاد حيوي وبالرغم الكمادات الماء البارد والمريمية التي سهرت (نفيسة) و(ثريا) و(راوية) على وضعها لها غير أنها لم تفدها كثيرا حتى قرر( مهران )أخذها إلى المشفى الكبير خوفا عليها من أي مضاعفات فطلب من والدته أن تغير لها ملابسها ووقف في الشرفة يدخن سيجارة وحال لسانه يقول ” دا ذنب شذا اللي فى رقبتك يامهران ،دوق تمن الخيانة.. بالشفا ”

فقطع أفكاره رنين هاتفه فوجده (محمد) فاستغرب لاتصاله فرد عليه :
_ السلام عليكم …خير يامحمد في حاجة ..لا ماجدرشي آجي دلوك بدارة بعافية شوية ..عارف كيف ؟ ..في إيه خرعتني ؟ ..أهملها كيف دلوك بجولك عيانة ….عرفت كيف ؟..زهرة كومان ..في إيه ؟..خلاص جاي اجفل جاي بجولك !

رمى عقب سجارته ثم خرج مستعجلا وقال ل(راوية) التي اعترضت طريقه وهي تحمل بعض قوالب الجليد :
_ هعاود بسرعة انتوا لبسوها لحدن مااعاود .

قالت بحيرة:
-رايح فين ياخوي بالوجت داه ؟

قال بسرعة:
_ جلت هعاود جوام !

استقل سيارته إلى مكان العرس فتزامن وصوله مع وصول الشيخ (وهدان) فألقى السلام عليهما وتوجهوا جميعا نحو( محمد )فاقترب الشيخ من الجمرات ورش عليها بعض من الماء المرقي فاشتعلت فتعوذ بالله من الشيطان الرجيم وقال :
_ عفارم عليكم ياولاد أهو هو ده.

ثم أردف موجها حديثه إلى كبير العمال :
-خد ياولدي العمال من إهنه والصبح بإذن الله عاودو لموا حاجاتكم أكون رجيتها ، روحو من إهنا دلوك .

أومأ الرجل متفهما واتجه إلى عماله ليخبرهم،بينما وقف (مهران) مشدوها لا يفهم شيء ثم قال :
_ حد يفهمني في إيه عاد !

فقال الشيخ :
_ مش عارف اجولك إيه ياولدي لكن لازمن تعرف ، في حد عمل سحر اسود للعرايس ..والعمل في الجمرات ديه شوف هي طفيانة ولمن ارش عليها مية مرجية تولع كيف .

فأشتعلت مرة أخرى فتعوذ (مهران) من الشيطان الرجيم وهو يقول :
_ حسبي الله ونعم الوكيل ..سحر اسود ليه هو احنا عملنالهم ايه عشان يعملو فينا اكده ، المرة عندي هتولع من السخونية بالدار، كنت هاخدها مستشفى دلوك جبل مايتصل محمد .

فقال (محمد ):
_ زهرة حالتها بالويل ياأخوي .

فقال الشيخ :
-الحاجات دي مانجدرشي نلمسها أو ننجلها من إهنا إنتوا عتروحوا وتجيبوا نسوانكم إهنا، لاكن ماخبرش إذا كنا هنجدر عليهم ولا لاء اكمنهم أجوى منينا .

فقال( محمد) :
_ إنت جلت ممكن جلبها يوجف ياشيخنا .

فقال الشيخ مطمئنا :
-لن يصيبنا إلا ماكتب الله لنا ياولدي خلي إيمانك بربنا كبير ..

قال (مهران)بهلع:
_ جلب مين اللي يوجف أنا مخي عيتحرج دلوك !

فاردف الشيخ :
_ مش هيحصل إلا كل خير ماتغلبونيش ياولاد اعملوا اللي جلتلكم عليه.

غادر (مهران )وكذلك( محمد) أما الشيخ فجلس مكانه يسبح ويستغفر ويحوقل ويوحد ويصلي على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم .

دخل (مهران) بيته ونادى على والده الذي كان يصلي قياما ، فانتظره حتى سلم وقال :
_ البس يابوي وتعالى وياي وعفهمك ع الطريج .

ثم توجه نحو غرفته فوجد( بدارة )جاهزة فحملها بين يديه فقالت والدته :
_ هاجي وياكم .

فقال :
_ لاه ياأماي مالهاش عازة ، هنرجع الصبح روحي نامي الفجر هيدن وانتي مانمتيش طول اليوم ، ابوي هياجي وياي .

وتركها قبل أن تصمم وتجادل على الذهاب فاستقل سيارته وقد وضع (بدارة) في المقعد الخلفي ليجلس والده بجانبه وانطلقوا إلى وجهتهم وقد حكى (مهران) لوالده كل ماحدث فظهر الأسى على وجه (عسران )وقد تذكر كلام زوجته عن أن بناتها مسحورات بينما كان يجادلها ويتهمها بالتخريف فتمنى لو صدقها وقتها لما وضع الآن في هذا الموقف .

كان (عزام وناجي) قد وضعا أريكتين أمام مجلس الشيخ من أجل( بدارة وزهرة ).

وصل (مهران) قبل (محمد )ببعض دقائق كان قد بدأ الشيخ يتلوا ويدعي فأصاب( بدارة) ما أصاب( زهرة) سابقا غير أن شعرها لم يخرج منه نمل بل تحول لونه إلى اللون الأبيض وقد أرهقت إخوتها وزوجها من فرط مقاومتها ثم استكانت وهدأت وقد بدأت تخبت حمرتها .
وماهي لحظات حتى وقع (مهران) مغشيا عليه وأنفه ينزف .

فقال الشيخ :
_ لا حول ولا قوة الا بالله .

فبدأ الشيخ يقذفه بالماء المرقي ويقرأ عليه حتى استفاق فاسنده (ناجي) ليجلس على أحد الكراسي ، وبينما هم كذلك وصل (محمد) برفقة والده و(زهرة) .

فاقترب بها من الشيخ وكان قد جلب بعض الحبال معه كما اوصاه الشيخ حين اتصل عليه ، مددها على تلك الأريكة وربط يديها ورجليهما كما فعل ب(بدارة) أيضا وعاد الشيخ يقرأ ويرش الماء على الجمرات وهي تلتهب وتعلو ألسنتها ودخان أسود كريه الرائحة ينتشر في المكان فيرفع الشيخ صوته ويسترسل في القراءة فاشتعلت النيران بالكرسي أما (محمد) فكان يرش أخته وزوجته بالماء كما يفعل الشيخ فتتصاعد الابخرة منهما وهما في صراخ يصم الآذان .

أذن الفجر فانفجرت الجمرات محدثة دوي وتناثر رمادها على الأرض وهدأت الفتاتان فقال الشيخ :
-التراب ياعزام !

وضع (عزام )التراب فوق ذلك الرماد المتناثر من الكرسي والجمرات فسقاه الشيخ بالماء حتى ابتل واستدار على صوت (محمد) وهو يقول :
_ الحجني ياشيخ زهرة دخلت فى غيبوبة !

ركض( مهران )نحوها وبدأ في فك حبالها فقال الشيخ :
_ ع المستشفى ياولدي عجل عجل ! وأنت كمان يامهران !

فتوجه( محمد) مع والده وزوجته و(مهران) مع والده وزوجته لعل القدر ينقذ ما افسدته النفوس الحاقدة.

الفصل العاشر

___بعض البشر كالأفاعي___

السحرة أبناء الشياطين وندمائهم..يتحالفون معهم لممارسة ألاعيبهم وسحرهم،لايهمهم سوى تسخير هذا السحر لخدمة مآربهم،لا يهتمون بمن يصيبونه بأعمالهم أو ذلك الضرر البالغ الذى يحدثه سحرهم…
لا يدركون أن مايفعلونه يغضب الله ويلعن فاعله….
ولا يدركون أن من يتحالفوا مع الشيطان تكون نهايتهم سوداء مرعبة كأفعالهم…
فمنهم من يلقى نفسه من مكان مرتفع أو فى نهر عميق..
ومنهم من يجدونه مشنوقا او محروقا..
ومنهم من يختفى بلا أثر…
النهاية فى كل الاحوال واحدة…
موت …وجحيم.

جلس كل من (عويس) و (عسران) على مقعد عريض يتكأ كل منهما على عصاه بملامح حزينة ، بينما فى الجهة الأخرى وقف كل من (مهران)و(محمد)فى ذلك الرواق الذى يوجد به حجرتين تحتويان جسدا زوجتيهما الراقدتين،إحداهما فاقدة للوعى والأخرى فى غيبوبة،ومابدأ كليلة زفاف باهرة إنتهى إلى مأساة فوق رأس الجميع،قد يقول أهل البلدة إن علموا بما حدث أن هناك عين أصابت كل عروسين ولكن هؤلاء الجمع الذين يجلسون فى هذا الرواق يدركون جيدا أن ماحدث كان بفعل بعض البشر .

لا ليسوا بشرا ..بل إنهم أفاعي،وربما قد نظلم الأفاعي أيضا إن شبهناهم بهم.. فالأفعى تلدغ دون تخطيط بينما يلدغ هؤلاء البشر بعد تدبير.

زفر (محمد)قائلا:
-أنى هدخل أتطمن على مرتى وخيتي،مش جادر أجعد إكده من غير ماأسوي حاجة ترجعهم لينا بالسلامة.

قال (عويس)بحزم:
-خيتك منيحة،شوية وهتجوم بالسلامة ادخل لمرتك وإتطمن عليها،ومهران يدخل لمرته هو كمانى.

تبادل(محمد)و(مهران)النظرات قبل أن يهز (محمد)رأسه ويدلف إلى حجرة زوجته بينما إتجه (مهران)إلى الحجرة الأخرى بصمت.

ماإن دلفا إلى الحجرتين حتى إستدار(عسران)بجسده تجاه (عويس)قائلا:
-عتوزعهم ليه ياعويس؟!

طالعه (عويس)بصمت للحظة قبل أن يقول بحزم:
-لازمن اللى عمل العملة دى نكشفه وياخد جزاته ياعسران.

قال(عسران)بعينين تشعان بالغضب:
-واه لازمن طبعا،بس نلاجيه وعتشوف،ورحمة أبويا فى تربته لأجطعه بسناني جطيع.

قال(عويس)بإستنكار:
-وأنى روحت فين ياعسران ؟ده إتجرأ علي وعلى ولادى كمانى وإذانى فيهم واللى يفكر بس يإذى حدا من ولاد الجبالى يبقى يجرا الفاتحة على روحه قبل ماأمد يدى وأخلع جلبه وهو حي وآكل كبده كدام عنيه،بس….

صمت وظهر عليه القلق فقال (عسران)بتوتر:
-بس إيه ياعويس؟!ماتنطج.

قال (عويس):
-اللى عمل العملة دى حدا جريب منينا ياعسران،ماهو ماحدش جرب من مكان العرسان غير أجرب الأجربين لينا ياولد عمى.

إتسعت عينا(عسران)قائلا:
-جصدك إيه ياعويس؟محدش جريب منينا هيريدلنا الأذى،الكلام اللى بتجوله ده واعر جوى،إنت هتمخولنى ليه عاد؟

قال(عويس)بحيرة مريرة:
-مخابرش ،مبجاش فيه أمان للبشر،أنى بجولك اللى فى جلبى وعجلى ياأخوي عشان تاخد بالك منيح،واهو المثل بيجول حرص ولا تخون.

هز (عسران)رأسه وهو يقول:
-معاك حج يااخوي..معاك حج.

ظهر التردد على وجه (عويس)فقال(عسران)بقلق:
-فيه حاجة عتخبيها عنى كمانى ياعويس،صوح؟

قال(عويس)بحزن:
-الحجيجة فيه.

قال(عسران):
-إيه هي عاد؟ماتنطج وتريحنى.

قال(عويس):
-الشيخ وهدان حدتنى وجالى إنه لمن كان بيفك السحر لجاه طايلكم انتوا كمانى.

اتسعت عينا(عسران)بدهشة قائلا:
-طايلنا ؟جصدك مين ياعويس؟

قال(عويس):
-انت ومهران ياأخوي.

ظهرت الصدمة على وجه(عسران)بينما ربت(عويس)على كتفه قائلا:
-متنخرعش ياعسران إكده،الشيخ وهدان كدها وكدود وزي مافك سحر بناتنا هيفك سحركم ،هو جالى إنه هياجيلنا بس نطمنوا اللول على البنتة.

هز (عسران)رأسه بينما شرد بعينيه للأمام وكلمات (ثريا) تتردد فى ذهنه ،تراوده الشكوك وتصيبه الظنون بالجنون،فلو صح كلام(عويس)وربطه بكلمات زوجته (ثريا)لكان هذا معناه بلا شك أن هذا الخائن…
ذلك الذى يستأهل القتل …
قريبا منه هو…
هواري القلب واللقب…
قريب منه كقرب زوجته و أولاده ….تماما.

________________

إقترب (مهران)من سرير زوجته النائمة بعمق ،من يراها الآن و تحكى له عن ماعانته فى بداية تلك الليلة سيقسم أنك كاذب ،فهي تبدو مسالمة للغاية،عادت بشرتها إلى طبيعتها ولكن ظل لون شعرها يؤكد كل ماحدث ،شعرها الذى صار أبيضا كجليد شتاء بارد فى روما…

لماذا يتذكر روما الآن ؟!
يتذكرها فيتذكر شذاه على الفور…
وكأنها جزء لا يتجزأ من ذكرياته فى تلك البلد الذى عاش بها سنوات…
رغم تلك المدة الصغيرة التى عرفها فيها لكنها تركت فى قلبه عشقا لاينسى…
عشق يجعل قلبه يإن للذكرى..
يصرخ بكل قوته….
إشتقت إليك…
أتعبنى غيابك..
ومزقنى الحنين إلى رؤياك..
ونفسى التى شاطرتها تتوق إلى سماع صوتك..
بالله عليك أطلقى سراحى …
فهناك إمرأة أخرى هي أحق منك بقلبى….
هناك إمرأة أخرى هي أحق منك بمشاعرى…
هناك إمرأة أخرى لم تملك منى…. سوى إسمي.

جلس جوارها بحزن ،يتطلع إليها،بات يشك ان عودته من روما تلك المرة حملت شؤما على بلده وأحبابه ..
مد يده يمسح حبات العرق عن جبينها ،مازالت شاحبة بعض الشيئ كشحوب مشاعره تجاهها،تحبه كثيرا..يدرك ذلك ولكنه مع الأسف لا يستطيع أن يبادلها ذلك الحب الكبير ولكنه سيمنحها إهتماما وإحتراما ،مودة ورحمة ويرجوا أن يكفيها ذلك.

______________

كان يمسك بيدها وهو يتطلع إلى ملامحها بحنان،نظر إلى تلك الأجهزة المحيطة بها وتوقف بنظراته عند هذا الجهاز الذى يقيس نبضات قلبها بحزن قبل أن يعود بناظريه إليها،رفع يدها إلى ثغره يقبل كفها بحنان ثم قال هامسا:
-يمكن مهعرفكيش من زمان بس حاسك كيف ماتكونى خيتى،صاحبتي،رفيجتي،بتي مش مرتى وبس،جلبى كان هينخرع عليكى يازهرة لمن شوفتك بتتنفضى كيف الزهرة فى وج العاصفة،بالله عليكى جومى بالسلامة ورديلى روحى ،وأوعدك إنى عحميكى وعخاف عليكى ومهخليش حدا يإذيكى واصل.

صوت دقات قلبها التى تسارعت ونقلها إليه الجهاز جعله ينهض بسرعة ينقل بصره بين الجهاز وبينها فى أمل ،يفحصها بإهتمام ولكن عيونها المغلقة بثبات وقياساتها الحيوية التى وجدها ثابتة لم تتغير بدورها، خبتت ذلك الأمل لتغيم عينيه بسحابة من الدموع سقطت على إثرها دمعة على وجنته فأسرع يمسحها وهو يتمالك نفسه بقوة ،يجلس مجددا بجوارها ،يمسك يدها ويحدثها عن تلك المرة التى رآها فيها لأول مرة وكيف خطفت أنفاسه برقتها وطيب محياها وكلامها الخجول،يخبرها عن أحلامه التى رسمها معها ويطالبها بعدم الضحك عليه ،يخبرها عن طموحه ومشاريعه التى ستشاركه إياها حين تستيقظ ،شرد فى تلك الأحلام وغفل عن إرتعاشة فى أهدابها ،تخبره أنه نجح فى الوصول إليها،تخبره بكل تأكيد أنها فى سبيلها للوصول إليه بدورها قريبا…قريبا جدا.
_______________

تململت فى مكانها وتمطت قليلا قبل أن تعود إليها أحداث الليلة الماضية لتفتح عيناها على الفور برعب ،تنظر إلى محيطها،إزداد رعبها وهي تجد نفسها وحيدة فى هذا المكان المقفر،تأملت جسدها الذى لايستره سوى ملاءة مهترئة لتضرب رأسها ثم صدرها بيدها ضربات متتالية بينما قالت بنشيج باك:
-مشيتى ورا جلبك ولغيتى عجلك وآدى النتيجة ياحزينة،عاجبك إكده؟سلمتيله جلبك وجسمك ياشينة،بجيتى خاطية وجبتى لأهلك العار ،صرتى كيف أبوكى تستاهلى الجتل يابت عباس،عتروحى فين وتاجى منين دلوك؟عتهربى؟عتروحى على فين ؟هيجيبوكى لو إتخبيتى تحت سابع أرض؟كنك كنتى عارفة إن العشج عيجتلك ،عجلك ياما حذرك بس انتى مردتيش عليه،حتى ليلة إمبارحة وإنتى جاية لمصيرك،وشفتى البومة بتزعج ،سديتى ودانك عنيها وغميتي عنيكى وآدى النتيجة يابت عباس،جيتى تجابلى جدرك وفكرتيه عيجيبلك السعد معاه،مجاش منيه غير الويل وآخرته الدم.

لتنسال دموعها وتتدفق ومع تدفقها عادت إليها أحداث ليلة البارحة بكل تفاصيلها….

كانت تمشى فى تلك الطرقات بخوف..الظلام يحيط بها،ويرسل الرعب فى اوصالها ، لعنت غبائها الذى جعلها تخضع لرؤيته اليوم كما أصر عليها،رغم ماحدث مع أبناء خالها وحالة الطوارئ التى أقامها (عسران الهوارى) فى البلدة كلها،ورغم حالة الإضطراب التى إعترت والدتها اليوم حتى أنها إضطرت للجوء إلى منوم كي تستطيع النوم ولولا هذا ماإستطاعت (نوار)ان تغادر منزلها قط،لذا حين حضر إلى البيت ليرى سبب تأخرها تسللت معه بدون تردد،وهاهي تتبعه بخطوات متعثرة ،فالمكان موحش حقا وسكونه يبعثر الطمأنينة ،خشخشة أوراق الشجر تحت قدميها يقشعر له بدنها،ولولا وجود (راجى)امامها لعادت أدراجها على الفور،لاح لها من بعيد كوخ صغير قديم تكسوه النباتات،إحدى نوافذه مشرعة ،دلف (راجى)إلى الكوخ يلقى نظرة سريعة عليه يتأكد من عدم وجود والدته فهي تبيت ليلتين كل شهر فى مكان لا يعلمه هو شخصيا تتواصل فيه مع شياطينها كما أخبرته يوما،تأملت(نوار) تلك الردهة التى لم تحتوى على شيئ سوى بعض الكراسي المتهالكة،لتقترب منه وتمسك كمه قائلة برهبة:
-إنت جايبنى فين ياراجى؟بتاع مين الكوخ ده؟

إستدار يمسك بيديها بين يديه يرفعها إلى ثغره لاثما إياها بعشق قائلا:
-الكوخ ده بتاعى يامهجة الجلب،ملكى أنى وراح يصير ملكنا احنا التنين عن جريب.

تأملت الكوخ بعينين مستنكرتين قائلة:
-انت جصدك ان الكوخ ده هيبجى دارنا ؟!

إبتسم قائلا:
-دارنا كيف إياك ،بجى البرنسيسة نوار عتجوز فى حتة كوخ صغير معتسكنش فيه خدامتها؟

عادت إليه بعينيها تقول بعتاب:
-انت عتتمسخر علية ياراجى؟

قال على الفور:
-لاعشت ولا كنت لو عتمسخر ع حبة عينى من جوة،أنى فعلا معينفش أعيشك فى الكوخ ده،لا أهلك ولا أمك عيرضوا.

طالعته بحب قائلة:
-لو علية ياراجى أنا ععيش معاك لو حتى فى جمجم ،هكون راضية..يكفينى إنى ععيش وياك إنت.

خلع عمامته وألقاها بعيدا قائلا:
-واه ياأبوي،كلامك زين جوى يانوار،كيف الشهد..وكيف البلسم بيتحط ع جرحى يطيب.

إبتسمت بخجل قائلة:
-سلامتك من الجرح ياحبيبي.

تطلع إلى عينيها قائلا بحب:
-حبيبك صوح يانوار،عتحبينى من جلبك؟

طالعته بعشق قائلة:
-من جواة جلبى عحبك ياراجى.

وضع يديه على خصرها يضمها إليه وهو يقترب من ثغرها فشعرت بكيانها يذوب بين يديه هاتين ،لتضع يدها على ثغره قائلة:
-واه ياراجى ،عتعمل إيه عاد؟

مد يده يرفع يدها عن ثغره متأملا ثغرها قائلا بهمس عاشق:
-عدوج الشهد اللى بتنجطه شفايفك يانن عين راجى.

أضعفتها كلماتها فتركته يعبث بثغرها ومشاعرها كيف يشاء،تجول يداه الخبيرة على جسدها فيثير كيانها بالكامل ويذيب مقاومتها رويدا رويدا،يخرس صوت عقلها الذى أرسل إليها كل الإنذارات الحمراء ليوقفها ولكنها لم تسمع أي من نداءاته ولم تشعر ب(راجى)وهو يسحبها إلى تلك الحجرة ليكمل مهمته ويقضى نهائيا على…برائتها.

عادت من ذكرياتها لتضرب رأسها مجددا ضربات متتالية،تنوح وتبكى وقت لن يفيدها أي بكاء أو نواح.

_______________

بعد مرور أسبوع…

عادت الأمور إلى طبيعتها بعض الشيئ مع عودة العرائس لوعيهما وعودة كل منهما إلى دارها مع عريسها..تعجب الجميع من لون شعر (بدارة)الذى تحول إلى الأبيض ولكنهم لم يعلقوا.

عامل كل من (مهران)عروسه (بدارة)بلطف تاركا لها غرفته لتستريح وتتعافى تماما من مرضها وفعل (محمد)مثله مع عروسه (زهرة)مع إختلاف بسيط،فبينما سادت علاقة (مهران)بزوجته المودة وشابها بعض الفتور،ساد الحنان والحب علاقة (محمد)بزوجته.

بدأ الزوار فى الوفود إلى بيت (عسران)و(عويس)لتقديم التهاني للعروسين،حاولت (زبيدة)إقناع إبنتها فى إصطحابها لبيت خالها ولكنها رفضت رفضا قاطعا فلم تصر عليها وقد أضحت شاحبة ،قليلة الحديث ،منزوية منذ ليلة زفاف أبناء خالها ..ظنت(زبيدة) أن إبنتها حزينة على ضياع ابن خالها منها لتعدها فى نفسها بعودته إليها راكعا،قبلت رأسها ثم تركتها وذهبت فإنقلبت (نوار)على جانبها تدع دموعها الحبيسة تتساقط ،تنعى حبا وارته بقلبها بعد فعلة حبيبها وتركها هكذا دون سؤال طوال تلك الأيام المنصرمة،والتى مرت عليها كمرور نيران مستعرة بكيانها قطعة قطعة ،تذوب بألم وانين ومع ذوبانها تفنى ببطئ وتذوى… ربما إلى الأبد.

__________________

تأملت (ثريا)إبنتها بفخر،كانت عروسا جميلة تتوسط الجميع والذين يقدمون لها الهدايا الذهبية و(النقطة)كما إعتادت النسوة أن تفعل فى تلك البلدة بينما تقرأ فى سرها المعوذتين،تحصن بها إبنتها من العين،فقد أعادت ماحدث لإبنتها وزوجة إبنها بعد حفل الزفاف إلى الحسد وحيث ان (عسران)وولده لم يخبرانها الحقيقة خشية ان يتسرب الكلام إلى هؤلاء المسئولين عن ذلك السحر الاسود فيتخذون حذرهم،لذا فقد حاولت قدر الإمكان أن تحيط إبنتها بكل ماتعرف من آيات الحفظ.

حانت لحظة الوداع فكانت الأقسى على (رواية)وهي تودع شقيقتها بالدموع ،تحمد الله على زواجها و نجاتها من الموت وسعادتها البادية على ملامحها،ولكنها ستفتقدها بالتأكيد..كان (ناجى)يمر بالقرب منهم متجها إلى والدته حين رآها مجددا،رق قلبه لحالها وتعلقت نبضاته بها وقد ازدادت خفقاته مع نظرة ألقتها سريعا عليه قبل أن تنتبه مجددا لحديث والدتها ،ليغير إتجاهه إلى حيث والده،يطلب منه أن يتقدم لخطبة (راوية)الأخت الصغرى ل(زهرة)،وقد وعده والده بالتحدث مع والدها فى زيارتهما القادمة ل(بدارة)والمباركة إليها.

رحل آخر المهنئين ،ليسرع (محمد)إلى غرفته،وماإن دلف إليها حتى وقف يتأمل تلك الجميلة زوجته والتى وقفت ترتدى قميصا أبيضا رائعا،ومما زادها فتنة هو خجلها الواضح فى كفيها اللذان يضمان دثارها إليها وكأنه سيحجبها عن ناظريه وعيناها التى ترنوا إليه بخجل.

عيون المرأة تسكب سحرا على هذا الناظر إليها…
تجعله مفتون بها،متعبد فى محرابها…
وقد اصبح هو راهبا فى محراب عينيها..لقد صارت حتما بخير كما يبدو عليها وكما تاكد بنفسه حين فحصها،كم كانت خجولة تمنعه فى كل لحظة عن إتمام مهمته،ترسل إليه بنظراتها رسائل تلهب كيانه وتجعله يرغبها فى التو واللحظة ولكن وفود المهنئين منعه،ليؤجل رغبته العميقة بها حتى حلول الليل ومع حلول الليل يحلو كلام العيون ويطلق سراح المشاعر..

إقترب منها يمسك يديها بين يديه،قائلا بحنان:
-كيفك دلوك يازهرتي؟

ذاب كيانها مع ياء الملكية التى أضافها لإسمها وإزدادت خفقاتها وهي تقول بخجل:
-انى بخير طول ماإنت بخير.

قال(محمد)بحب:
-أوعدك تكونى دايما بخير طول ماأنى جنبك،مش عسمح لحدا يإذيكى واصل،بس إنتى لازمن توعدينى إنك معتخبيش حاجة عنى أبدا ..إتفجنا؟

قالت (زهرة) :
-عوعدك مخبيش عنك حاجة واصل.

إبتسم ثم قال بجدية:
-إوعاكى تكونى فاكرة إن ده تحكم منى فيكى يازهرتى لا سمح الله،ده خوف عليكى،أنى معجدرش احميكى وانى مش عارف إيه بيحوصل معاكى .

قالت (زهرة)على الفور:
-فاهمة ياأخوي،وبعدين حتى لو عاوز تتحكم فية،انت جوزى بردك وده حجك.

إبتسم قائلا:
-الراجل الصوح ميتحكمش فى مرته يازهرة،لع..عيديها حريتها وهو واثق إنها عتلتزم بحدودها ومش عتزعله واصل.

تأملته بإعجاب قائلة:
-كلامك زين جوى يامحمد،عيدخل ع الجلب طوالى.

قال فى لهفة:
-جلتى إيه دلوك؟

قالت فى حيرة:
-جلت كلامك زين وعيدخل….

قاطعها قائلا:
-لع انتى جلتى إسمى،جوليه تانى.

اطرقت رأسها بخجل قائلة:
-بكفاياك عاد،أنى عتكثف.

رفع(محمد)ذقنها بيده قائلا:
-أحب على يدك ياشيخة لتجوليه تانى.

احمر وجهها خجلا وهي تقول:
-محمد.

خلع (محمد)عمامته وهو يلقيها بعيدا قائلا:
-واه ياأبوي،دى أحلى مرة عسمع فيها إسمى.

نفضت يدها من يده قائلة بخجل:
-جلتلك بكفاياك عاد،أنى..أنى رايحة أنام،بالإذن.

أمسك يدها يمنعها من الرحيل قائلا بلهفة:
-أصبرى هبابة،أنى رايد أتحدت وياكى ولا نعسانة،

إضطربت خفقاتها وهي تقول متلعثمة:
-لع مش نعسانة واصل.

إبتسم قائلا بلهجة موحية:
-زين،أصل الليل طويل ومع طوله عيحلو الكلام ،رايدة تتحدتى وياي يازهرتي؟

كان يطالعها بعينيه العاشقتين،يطالبها بأن تكون ملكه وان تصير زوجته فاجابت عيناها بقبول خجول ليبتسم بحنان ،يتقدم بإتجاه شرفة حجرته ،يسدل ستائرها ليختفى ضوء البدر الذى كان ينير حجرته وفى هذا الضوء الخافت المتسلل من فتحات صغيرة بتلك الستائر،عاد إليها وامسك بيديها متجها بها إلى سريره ،ليصمت حديث العيون وتختفى الكلمات ويشتعل حديث من نوع آخر قد يختلف فى طريقة التعبير ولكنه بالتأكيد يحمل بدوره بصمات….العشق.

____________

كانت تقف فى شرفة هذا الفندق الرائع كروعة مدينتها الساحرة،تتأمل هذا النيل الأصيل كأصالة أبناءه،تفكر فى حياتها التى قضت سنواتها العشرون فى مدينة غير مدينتها ومع أناس ظنتهم يكنون لها الحب فإذا بهم فى النهاية يظهرون على حقيقتهم ،أفاعى يلدغون دون إنذار ويحملون للقريبين منهم الموت ….بلا رحمة.

تنهدت بصمت،يومان منذ وصولها لمدينتها الجميلة أسوان،ولم تبحث بعد عن عائلتها أو تتصل بهم،ما الذى يمنعها؟أو على الاحرى..مم تخشى؟

هل تخشاهم بقدر ماتتمنى أن يكونوا لها عونا وسندا؟
هل تخشى ان يضحوا هم من يجب أن تحذر؟
أم تخشى جفاؤهم وإدراكها أنهم لم يبالوا قط بإبنتهم وبالتالى لن يبالوا بحفيدتهم؟
لا تدرى حقا ولكن ينتابها خوف غريب من المجهول يكبلها بقيوده..
دلفت إلى حجرتها وتمددت على سريرها بهدوء ،تبغى ان تنام ففى الغد ستذهب إلى قرية والدتها وهناك ستجد الإجابات على كل أسئلتها..
حاولت أن تتشبث بآخر خيوط النعاس كي لا تواجه قدرها بالصباح ولكنها فى النهاية إستسلمت وهي تدرك أن قدرها نافذ و حتما سيصيبها ولو كانت فى جوف ذلك الرحم لتلك الأرض الحنونة.

الفصل الحادي عشر

_______انقلب السحر على الساحر_________

الرحيل الذي نجبر عليه يكون رحيلا ماديا أما الأرواح فتبقى عالقة بالمكان ..عالقة باللحظة ، البدايات الجديدة تستند على عكاز الماضي مهما بدت يافعة وبقدرتها التقدم بلامبالاة ، والذكريات التي تشيخ في القلب كعجوز عزيزة تتغلب دائما على المنطقية فحين نرحل على حنين قلوبنا تكون محملة بأشجان لاقِبل للبدايات بها .

هذا اليوم ماطر آخر لكنه هاديء جدا ،مطره خفيف ينشر دفء من نوع ما ، هذا اليوم يشبه تماما ذلك اليوم الذي اختفت فيه (شذا )، في الواقع كل شيء أصبح يربط (مهران )ب(شذا )، جلس يرتشف قهوته بالمطبخ باكرا وقد أعدها لنفسه وأشعل سيجارته وراح يفكر في كل الأحداث منذ عودته ، الفكرة الوحيدة التي كانت ترهقه تعامله مع( بدارة ) إنه قطعيا لايشعر بانجذاب حتى نحوها ،لا يستطيع منحها شيء لاحبه ولاقربه ولا أي عاطفة كانت تتعدى الواجب وهذا يجعله يظلمها وخاصة أنها تحبه كثيرا ..

عاوده الصداع من جديد فأمسك بيده رأسه وأخذ يئن بألم كانت رؤيته مشوشة وبدأ نزيف أنفه ، سحب منديلا من العلبة وهو يدفع فنجاله جانبا ثم استقام يحاول تثبيت خطواته وجسده يترنح بسبب الدوار ..
دخل غرفته وأنارها ثم بدأ يبحث عن دوائه الذي يساعده على تسكين هذا الألم ، استيقظت (بدارة) إثر دخوله الغرفة وفزعت من منظر الدماء مرة أخرى فقالت :
_ فيك ايه ياسي مهران ، يالهوي النزيف عاودلك من تاني !

أمسكته من يده وساعدته على الجلوس طرف السرير وقد قال بصوت متقطع :
_ الدوا ..دوري اهناك ،عجلي نفوخي عيتفجر .

أشار لها نحو الخزانة فاتجهت تبحث عنه إلى أن وجدته فناولته حبة منه وكأس ماء ثم أتته بمنديل مبلل وبدأت تمسح دمائه حتى توقفت .

تمدد بجذعه على السرير وهو يمسك برأسه و(بدارة) بجانبه مرتبكة لاتدري ماتفعل لمساعدته ، مضى القليل من الوقت حتى هدأ الصداع وهدأت أنفاسه المتضاربة ، اعتدل جالسا وقال :
_ جلجت نومتك اعذريني ، لكن الدوا ده بيخفف عني الوجع لمن يشتد غير كدا ماكنتش جلجتك اكده ..آسف ، ارجعي نامي .

واستقام فاعترضت طريقه وقالت :
_ خليك !

كانت تحدق في عينيه بحب ووله وكان يحدق في عينيها الدامعتين بقلة حيلة ، أمسكت يده وهي تقترب منه فأزاح يده من يدها وحاول التقدم فوضعت يديها الاثنتين تحد تقدمه إلى الخارج وهي تقول :
_ماتعاملينش بجفى أحب على يدك ، خابرة ان جوازنا كان بسبب اللي عيعملوه فيا أهلي لكن دا جدرنا ، بجينا تحت سجف واحد بجيت مرتك ومتسمية على اسمك ويشهد الله إني حبيتك ومعاوزاش في الدنيا ديه غير رضاك عني ، ماطالباشي حاجة منيك ، حتى لو مش بتحبني دلوك هياجي يوم وعتحبني بس افت….

_ أنا عشجان !

قالها (مهران) فطالعته (بدارة )بصدمة وعدم فهم فأردف وقد أمسك يدها وأجلسها طرف السرير وجلس بجانبها يمسك بكلتيا يديها بين يديه :
_ الجواز ديه كانت ظلم لينا إحنا التنين ، أيوه أنا عشجان وجلبي مش ملكي ولا جادر أرجعه ليا ،
أنا بحبها جوي ومش بفكر غير فيها ،حبها زي اللعنة على جلبي وعليّ ،متملكاني وماعرفشي آخرة الحكاية دي إيه ، ماجدرش أوعدك بحاجة دلوك أنا محتاج شوية وجت لحدن ما اوالفك ،عتجدري تتحمليني يابدارة ؟

اجهشت بالبكاء فضمها إليه فقالت :
_ أول مرة تنادي باسمي .

فأخذ يردد :
-سامحيني ..سامحيني يابنت الأصول !

فتمددا سويا جنبا إلى جنبا وهو يحتضنها ويبكيان قلبيهما اللذان استحوذ عليهما عشق لاسلطان لهما عليه .

_________

انتصف النهار الرمادي فاستقبل الحج (عسران) الشيخ (وهدان )في بيته ، فجلس الشيخ بالمندرة كما يطلقون عليها وأخذ يقرأ الرقية الشرعية بصوت مرتفع يملأ البيت بكله ، وقتذاك كانت( ثريا )تبحث عن( مهران )الذي لم تجده في غرفته التي كان يقيم فيها بعيدا عن( بدارة )، اتجهت نحو غرفة (بدارة) وفتحت الباب دون أن تستأذن وهي تقول :
_ لسه نايمة ياضنايا ؟

فعادت لتغلق الباب بسرعة بعد أن تململا مكانها على صوتها فابتسمت وهي تردد :
-الحمد لله شكله عجل وعينه منيها.

أما (مهران) و(بدارة) فاستفاقا وجها لوجها لم يتحركا بل واصلا في التحديق ببعضهما فقال :
_ صباح الخير ياست البنات .

فقالت :
_ ماعايزاشي أكون حبيبتك، يكفيني نكون صحاب أنا وإنت ومتخابيش عليا حاجة، نجدر نكونوا اكداه ؟

فابتسم وقال :
_ وه ..وانا أطول أبجى صديج جمر زييكي .

فقفزت جالسة وضحكتها تزين وجهها وقالت :
_ شايفني جمر صوح ياسي مهران ، حتى بعد ماشعري ابيّض .

فقال وهو يقبلها على جبينها :
_ الشعر الأبيض نورك وزادك زين ياست البنات .

ابتسمت بخجل فاستقام مغادرا فالحقت به مهرولة وامسكت بيده وقالت برجاء :
_ مش عايزة نبجى كيف الغرب كل حد منينا فى أوضة ابجى معايا والنبي .

فأومأ برأسه وهو يربت على خدها وما ان فتح الباب حتى وجد والدته تقف خلفه فطالعها وهو يرفع حاجبه وألقى عليها تحية الصباح فقالت مرتبكة :
_ أبوك الحاج تحت مع الشيخ وهدان ورايدكم تنزلوا كلياتكم لتحت ..وانتي كومان يابتي اتستري وانزلي .

انصرفت( ثريا )فضحك( مهران) على تصرفها وهو يضرب كفا على كف .

_________

حالة الضياع التي وصلت إليها( نوار )كانت تنعكس على تصرفاتها ومزاجها حتى أن( زبيدة )لاحظت تغيرها وطبعها الذي بدأ يميل إلى الحدة فكانت كلما تحاول التودد إليها تعنفها (نوار) وتخرج من البيت إلى الحقل الكبير تتجول قليلا على أمل لقاء( راجي) صدفة ، هناك شيء قوي بداخلها يجعلها تصدق أنه تخلى عنها بعد ماحدث بينهما وقد أدركت كم كانت غبية حين وثقت في شخص لا تعرف عنه سوى إسمه فتجلس تدس وجهها داخل وشاحها وتبكي حتى تحمر وجنتاها وترتفع حرارتها فيتقلص شعورها ببرودة الجو التي تلفح وجهها ثم تعود أدراجها إلى بيتها وتنكمش داخل سريرها مكتئبة قليلة الكلام، قليلة النوم قليلة الأكل حتى ظهر عليها شحوب المرض ، انقضى أكثر من أسبوع على حالها ذاك فلم تستطع( زبيدة )أن تسكت عنها فاقتربت منها وكانت (نوار) لاتزال قابعة في فراشها وقالت :
_ حالك مش عجبني يانوار ، فيكي إيه يابتي ؟

فردت (نوار) باقتضاب :
_ زين ياماي ماتجلجيش عليا .

أمسكت (زبيدة )بيد ابنتها وقالت :
_ كيف ماجلجش وانتي لابجيتي تاكلي ولا تتحدتي ولا تروحي لبيت خالك كيف سابج ، لتكونيش مكسورة من جوازة مهران من بت الجبايلة ؟ شوفي يمي…

قاطعتها( نوار )قائلة وهي تستقيم وقد تناولت معطفها وشالها الوثير :
_ ماهمنيش في مهران ولا بدارة ،يتهنوا ببعضيهم أنا مخنوجة من كل حاجة، حاسة الدوار كله طابج على نفسي ..همليني ياماي الله يباركلك .

وهمت خارجة فاستوقفتها (زبيدة )متسائلة :
_ على فين العزم يابت عباس ؟

التفتت نحوها نوار وابتسمت نصف ابتسامة وقالت:
_ على جدري .

غادرت( نوار )و(زبيدة) تحدق في طيفها ثم وضعت خمارها على رأسها وشدت معطفها وهي تردد :
_ منا لازمن أعرف جرارك يابت عباس كنه وراكي موال ولازمن أعرفه ،أما نشوف الخنجة دي من ايه عاد .

كانت (نوار) تسير في طريقها إلى الكوخ الذي أخذها إليه( راجي) تلك الليلة و(زبيدة) في أثرها وحين اقتربت انتفضت إثر يد تسحبها فوجدته( راجي) فدفعته بكلتا يديها بقوة وهي تقول :
_ عملت فيا اللي عملتو وهملتني ياخاطي وانا اللي عشجتك وأمنلتك ..حرام عليك عملتك إيه أنى؟

مسك معصميها بقوة ثم جرها نحو الكوخ بينما كانت (زبيدة) مذهولة مما رأته فضربت على صدرها عدة مرات وهي تردد :
-راجي ..مع بتي ! ولد عوالي .

ثم لحقت بهما بسرعة نحو ذاك الكوخ ووقفت تتلصص عليهما من فتحة النافذة المكسورة .

كان( راجي) يحتضن( نوار) بقوة وهي تقاومه وتبكي وتردد :
_ وخر عني ..ماعدشي تجرب مني، كرهانتك وروحي مش مسامحاك لو عملت ايه ..

فقال :
_ أنا مهملتكيش ياجطعة من جلبي ،يمين الله ماهملتك ،كنت بموت وأنا بعيد عنك كنت مجبور أسافر ومالحجتش أجولك كنت فاكر هعاود بسرعة بس الموضوع طول، وهيه رجعتي من اهناك جيت فز عنديكي .

فقالت وقد توقفت عن مقاومته :
_ مسافر فين ؟..كيف ماجدرتش تجولي، ماأنا كنت راجدة جنبيك ،انت هملتني مش فاهمة حاجة كيف البت اللي مش زينة ،جضيت معاها وجت وسيبتها موطرحها ومشيت ..تفهمني ايه برجعتك ؟

فقال وهو يحتضن وجهها :
_ إنتي بجيتي مرتي يانوار.. ملكي.. مني ..حد يفرط في حاجته يابت الناس ؟! أنا ماحلتيش غير المخروبة دي ودي مش من مجامك ، أنا رايد أجيبلك بيت كيف البنات ، عندنا أرض كنا بنسترزج منها أنا وأمي الله يرحمها وبعد ما ماتت هملتها ولما لجيتك جلت بجى ليها عازة ،رحت بعتها وجبت فلوسها ..

أخرج من جيبه كيسا به ملغا كبيرا من المال ووضعه بين يديها وأردف :
_ لجيت بيتين للبيع عنروح انا وانتي واختاري اللي يعجبك وعتفرشيه كيف مايعجبك هيبجى مملكتك وانتي ملكتي ..يابوووي .

فعانقته وهي تقول :
_ وحشتني ياراجي كنت هموت من غيرك ماتعملشي فيا اكده تاني .

بينما (زبيدة )مذهولة تراقبهما كانا لايشعران بشيء آخر غير الحب الذي يلهب قلبيهما ، كان (راجي) يحب( نوار) كثيرا أو بالأحرى مسحورا بها بينما هي تحبه بصدق وقد رمت بكل الاعتبارات عرض الحائط في سبيل حبها .

عادت( زبيدة) إلى دارها بخطى متثاقلة وقلبها يخفق بسرعة كأنها تركض هربا من أفكارها جلست على الأرض تلطم رأسها وتردد:
– يافضيحتك يازبيدة ..يافضيحتك بين الخلج .

بقيت على حالها تولول و تلعن( نوار )لبعض الوقت ثم استجمعت نفسها وخرجت قاصدة بيت( عوالي) والشياطين تتقافز حولها وصلت إلى هناك وقرعت الباب بقوة ففتح لها ( راجي) وهو يقول :
_ حيلك ياللي بتخبط ماحناش بجفى الباب .

وما ان فتح حتى انقضت عليه تمسك بعنقه وهي تقول بينما يحاول تخليص نفسه من بين يديها :
_ مالجيتشي فى عرض البلد كولاتها غير بتي ياكلب تلعب بيها هجتلك وأبرد ناري.

قال من بين أنفاسه :
_ وخري ياولية عتموتيني !

قالت بغضب:
_ الموت جليل فيك ياجليل المُروة ،فاكر بعد عملتك السودا هتنفد مني اياك .

ظهرت( عوالي) على صوتهما وهي تهرول فحاولت دفع (زبيدة) القابضة على رقبة (راجي) الذي احمر وجهه وبدأ في الاختناق ، نجحت في ابعادها عنه فانحنى يلتقط أنفاسه وهو يسعل ، استدارت نحو (زبيدة )وصفعتها بقوة وهي تقول :
_ جنيتي ياحرمة جاية داري ومتهجمة على ولدي كيف البومة جرا لمخك حاجة ولا إيه ؟

اشارت (زبيدة) إلى (راجي) وهي تقول :
_ اسألي ولدك عمل ايه في بتي ، ولدك داس على شرف بتي ياست عوالي بجى دي آخرتها ، انا وبتي عملنالكم ايه عشان تأذونا ..

وزعت( عوالي) نظرها بين( زبيدة وراجي) وقالت بعدم استيعاب :
-بتك نوار ؟ ..مع ولدي ؟ مع راجي ؟بتخرفي وعتجولى إيه ياحرمة ..ماتنطج ياراجي ،المرة دي بتجول ايه فى يومك المطين انت وهي .

وقف( راجي) يلهث ويستند بيده على الحائط وقال :
_ أنا بعشج نوار وهي بجت مرتي ولو رايدة فرح هعملها إنما أسيبها ماتحلميشي ..نوار ملكي محدش يجدر ياخدها مني ..

صفعته والدته بقوة وهي تقول :
-مرتك كيف يازفت الطين ؟ عملت في البت إيه ياناجص ؟

ليقول بغضب :
_ أنا دخلت عليها عشان بحبها مش عشان العب بيها كيف مابتجولو وعتجوزها محدش ياجدر يمنعني ..

هم ليخرج فأمسكت به كل من هما من ذراع ودفعاه للخلف حتى ارتطم بالجدار ، رفعت (عوالي) يدها لتبعد (زبيدة ) والتفتت نحوه قائلة :
_ عتتجوزها كيف ، كنك نسيت إنت إيه ، تحب أفكرك ياراجي بيه !

قال(راجى)بقوة:
_ أنا كنت كيف سابج بسببك إنتي ، وبسبب النسوان اللي كيف العجربة دي ماعيحبوش غير الشر ، حب نوار خلاني أفتح عيني على الحجيجة ، من النهاردة ماليش صالح بيكم ولا بشغلاناتكم ومحدش يجرب مني ومن نوار هنبعد من اهنا ..هنبعد عن شركم .

فقالت (زبيدة )بغضب :
_ نجوم السما أجربلك من بتي ياناجص .

فقال مهددا :
_ جربوا اكده اوجفوا جصادي وعفضحكم جدام خلج ربنا واجول للعمدة على كل حاجة بتعملوها
هو اكداه ياموت وخراب ديار ..يانوار .

تركهما مذهولتان وخرج غاضبا لايرى أمامه ، جلست (زبيدة) على الكرسي وهي تضع كلتا يديها على راسها قائلة :
_ هتك عرض بتي ، ولدك مرمغ راسي في الوحل.

ثم انتفضت فجأة واقتربت من (عوالي) قائلة :
_ لتكوني عملتي عمل لبتي عشان تحب ولدك ، يمين بالله لو عملتيها لجتلك واحرج عفاريتك جواتك .

دفعتها( عوالي) لتجلس وقالت :
_ طول عمري بجول عليكي هبلة ، اعمل ببتك ايه عاد ، اسمعيني زين احبسي بتك او هربيها من اهنا ماليش صالح المهم اخفيها لو عرفوا اهل البلد اللي بنعملوا هيجتلونا لازمن نتصرف جوام .

فقالت (زبيدة)وهي تلطم :
_ وينفعني بايه تهريبها ،ولدك بيجول مرتي يعني بتي ماعدتشي تنفع حد ياختيييي .

قالت(عوالى)بنفاذ صبر:
_ وجفي ولولة يابعيدة واسمعيني ، ماتخافيش هنرجعها صاغ سليم كيف لول ،اعرف داية زينة كنت ببعت ليها البنات المتنيلات ترجعهم كيف سابج وبيتشكروا فيها جوي ، مش عنغلب المهم اخفيها والباجي عندي .

فقالت (زبيدة ):
_ ماتعمليلو عمل تصرفيه عنها .

قالت بحسرة:
_ ماجدرش ، متحصن مني لانه ولدي عملي ماعينفعش معاه .

خرجت (زبيدة )تجر قدماها الواهنتان إلى دارها بقلة حيلة وحين وصلت وجدت( نوار) تقف في المطبخ تعد العشاء فجلست تطالعها بينما الأخرى منهمكة في حشو الحمامتين بين يديها فالتفتت وقد انتبهت إلى وجود والدتها فقالت :
_ إنتي جيتي ياأماي ، جلت اعمل حمام محشي جيه على بالي .

قالت( زبيدة) وهي تستقيم :
_ شايفة رجعت فيك الروح وبجيتي مروجة على الاخر .

قالت:
_ الحمد لله ياماي بجيت زينة .

فأردفت( زبيدة) :
_ لمن شفتك متضايجة جلت أبعتك لعمتك فى الاجصر تروحي تغيري جو كلمتها وهي مستنياكي هكلم خالك يخلي كامل يوصلك .

تركت( نوار )مابيدها واقتربت من امها ممتعضة وقالت :
_ لاه مارايداش اروح لعمتي ، جوزها دمه تاجيل ومالياش صحبة مع بناتها ، لاه ماريحاشي موكان انا بجيت زينه اهه .

حدجتها بنظرات غاضبة ثم قالت :
_جصري يابت عباس جولتلك عتسافري مابعدشي تاني ..مات الحديت وياكي ، اجهزي .

غادرت (زبيدة) متجهة نحو بيت أخيها تاركة( نوار) واقفة مكانها كأن على راسها الطير لاتستوعب ماطلبته والدتها توا .

_____________

كما توقع الشيخ (وهدان) مع أول تلاوته ظهرت علامات السحر على أهل البيت فتوقف عن التلاوة والتفت نحو الحاج (عسران) وقال :
_ اتوقعت اكده ، السحر صايب أهل بيتك كلاتهم ياحاج عسران .

فقال (عسران) :
_ لاحول ولاقوة إلا بالله العلي العظيم ،والعمل ياشيخنا ؟

فقال الشيخ وعلى وجهه ابتسامة بشوشة :
_ القرب من ربنا ياحاج عسران ، بس لازمن تعزلوا من البيت فترة عشان لازمن يترقي وانتم كمان .

وأردف :
_ تعرف ياحاج عسران ! عشانك وأهل بيتك مواضبين على الصلاة والذكر كان خفيف عليكم ،
شفتوا رحمة ربنا بعبده الجريب منه ؟ عشان اكدا بجولكم خليكم جريبين من ربنا وداوموا ع الذكر والتلاوة وشغلوا سورة البقرة دايما ..
سورة البقرة فيها إعداز وشفى ماوصلوش العلم ولا الطب لو شغلتوها يوم هتطرد الشياطين لتلات ايام بحالهم ، صلوا على النبي كومان ، صلوا عليه صلاة تنفرج بها الكرب وتنحل بها العقد عليه افضل الصلاه والسلام ..
ههملكم دلوك ولمن تعزلوا ارجع أرجي البيت أنا أو الشيخ عبد الرحمن وانتم خليكم على الرجية الشرعية ، ربنا يرفع عنكم ابتلاءه … السلام عليكم .

خرج الشيخ بعد أن ودعه الجميع رفقة( كامل) ليوصله إلى المسجد بينما جلس الحاج( عسران) مثقلا بالهم حامدا شاكرا على قضاء الله في أمره ثم قال :
_ نعزل نروح فين والدنيا ساجعة اكدة ؟

فقال( مهران) :
_ نروح المدينة يابوي ، نروح بيتنا اللي جنب الاوتيل واكده نكون جريبين على شغلنا اللى هملناه بجالنا شهر .

فقال الحاج( عسران) يخاطب زوجته :
_ إيه جولك ياحاجة ؟

فقالت( ثريا ):
_ الجول جولك ياحاج انا يهمني تبجو كلاتكم بخير وصحه وسلامه اهنا ولا اهناك مافرجاشي دامنا متجمعين .

فقال الحج (عسران) وهو يقف :
_ على بركة الله ، البيت اللي اهناك مفروش وجاهز عنروح المسا ،جهزوا لبسكم وكافي اللي نعوزه نجيبه من اهناك ، وباذن الله ماعنجعدشي اهناك كتير ونعاود دارنا .

وقتذاك دخلت (زبيدة) فقال (عسران) :
_ بت حلال يازبيدة جيتي فى وجتك ، هنعزلوا لبيت المدينة جهزي نفسك عنطلعوا المسا ماتكتريش اغراض اللي تعوزيه نجبهولك من اهناك .

هزت( زبيدة )رأسها وقد اكتسحتها برودة جعلتها كتلة متجمدة بدون روح .

الفصل الثانى عشر

___جرح لا يكف عن النزيف___

إتسعت عينا(راجى)وهو يقول بصدمة:
-عتجولى إيه ياأما؟!

قالت(عوالى)بحنق:
-كيف ماسمعت ياحزين،العمدة وعيلته هملوا البلد وسافروا.

قال(راجى):
-ونوار صالحها إيه بالكلام ده عاد؟!

طالعته بغضب قائلة بنفاذ صبر:
-وهي المدعوجة دى مش من عيلته إياك؟!ماتفوج ياغراب البين انت،شكلك إتجنيت وهتدوخنى معاك .

لم يستمع إلى باقى كلماتها وهو يهرول من أمامها مغادرا الحجرة ثم الكوخ بأكمله بينما (عوالى)تلاحقه منادية بإسمه،حتى اختفى من أمامها،لتقف أمام الكوخ تلعن وتسب عائلة هوارة بأكملها،تلك العائلة التى سلبتها قلبها وشرفها وحياتها بالماضى وها هي تعيد الكرة مع ولدها الوحيد فتسلبه قلبه وعقله ولكن صبرا،هي لم تبع روحها للشيطان من أجل أن تنتصر تلك العائلة مجددا عليها ،بل باعتها من أجل النصر، والنصر وحده من ستجنيه.

لتفتح كيسها الذى تحيطه حول خصرها ،وتمسك ذلك الخاتم الفضي،ترفعه أمام ناظريها وتطالعه بعينين تلمعان شرا.

_______________

كان يهرول مابين قصر العمدة المغلق وبين بيتها ،هذا الذى بدا مهجورا تماما من السكان بدوره ،تتأكد لديه كلمات والدته،لقد رحلت (نوار)،رحلت وتركته وحيدا،يشتاق إليها كإشتياقه لقطرة ماء فى صحراء قاحلة،يتوق إليها كما تتوق روحه للراحة، فقد أنهكته تلك الدنيا ومزقت روحه إلى أشلاء كانت تجمعها هي بنظرة واحدة،بكلمة واحدة و…بلمسة واحدة.

مشي بخطوات بطيئة منكسرة بإتجاه النهر ،هذا المكان الذى يقصده دوما ليريح روحه بعد كل مهمة تطلبها منه والدته فترهق تلك الروح شرا،كان يرتاح حين يتطلع إلى النهر فيشعر به يغسل تلك الروح بماءه العذب فيزيل ذلك الدنس الذى انغمس فيه طويلا.
جلس على ضفته،يمسك بعض حبات الرمل بين يده بقوة فتتسلل منها هاربة تماما ،كعشقه الذى تسلل منه بعيدا..
يتساءل بألم،هل كان هو السبب فى هذا الفراق؟ربما الحب كتلك الرمال حقا إن أقفل عليه أصابعه برفق ظل باليد ساكنا وإن ضغطه بقوة هرب من بين يده متسللا…
لا ..لم تكن (نوار)لتهرب منه..يثق بها وبحبها له،هي مجبرة لاريب،ليته يعرف مكانها فيعيدها إليه،إلى حضنه المشتاق لها حد الجنون،رفع يده إلى صدره يتحسس موضع قلبه الذى يإن ألما،يغمض عينيه وهو يستعيد تلك اللحظات التى جاست فيها أصابع محبوبته فوق صدره فأشعلت فيه لهيبا لم يطفئه سوى أنفاسها التى إمتزجت بأنفاسه،أخذ نفسا عميقا يحاول به إسترجاع ماتبقى من أنفاسها العالقة فى رئتيه،شعر بالجنون حقا..ادرك أن غيابها سيكون هلاكه فغيابها …جرح لا يكف عن النزيف.

تسلل إليه صوت ناي قريب وصوت عذب يشدو بأغنية ريفية تغلغلت كلماتها بصدره فأسند جانبه إلى تلك الشجرة الصغيرة بجواره ومال برأسه عليها يغمض عينيه ويدع تلك الكلمات تعبر عن شعوره بتلك اللحظة.

ياتمر حنة ياتمر حنة خليتي بينا وبعدتي عنا
الورد كله كسا الجانين واشمعنى انتي اللي شاردة منا
ياتمر حنة ياتمر حنة
بالليل بنسأل وبالنهار علشان نبلغ شوق الاحبة
وطال عليهم الانتظار وما فيش فى قلبك ريحة المحبة
كنت شمعتنا كنت نور بيتنا كنت سامرنا وانفض سامرنا
الورد كله كسا الجانين واشمعنى انتي اللي شاردة منا
ياتمر حنة ياتمر حنة
سألت عنك فى كل ناحية ما حد طمن قلبى عليكي
وقالوا ماتت وقالوا صاحية وياما قالوا وعادوا فيكي
كنت شمعتنا كنت نور بيتنا كنت سامرنا وانفض سامرنا
الورد كله كسا الجانين واشمعنى انتي اللي شاردة منا
ياتمر حنة ياتمر حنة

__________________

نهض (مروان)وهو يضع منشفته على طاولة الطعام قائلا:
-أنى هجوم أروح الفندج وأشوف أخبار الشغل إيه ياأبوي،معاوزش منى حاجة؟!

قال(عسران):
-عاوز سلامتك ياولدى.

قالت(راوية):
-إستنى يااخوي،أنى عاوزة آجى معاك ،بعد إذن أبويا الحاج طبعا.

تطلع (مهران)إلى والده ينتظر قراره،عقد(عسران) حاجبيه وكاد ان يرفض ولكن (ثريا)أسرعت تميل عليه قائلة بهمس:
-سيبها ياابو مهران تروح مع خيها،أهى تفك عن نفسها هبابة،البت من يوم ماخيتها إتجوزت وسابتها وهي حاسة بالوحدة،وجاعدة تزوى كنها عتموت.

قال(عسران) بحنق:
-واه،بعيد الشر ياولية،عتفولى ع البت ليه عاد.

قالت(ثريا):
-مجصديش ياحاج،أنى بس خايفة عليها ورايدالها الخير والله.

هز رأسه بهدوء ثم قال ل(مهران):
-خد خيتك معاك يامهران وخلى بالك منيها.

قال (مهران):
-حاضر ياابوي.

قالت(بدارة)بتردد:
-هو أنى ممكن آجى وياكم ياسى مهران ولا عتجل عليك؟

إبتسم (مهران)قائلا:
-جومى يابدارة تعالى ويانا ،الفندج النهاردة هيزيد شرف لما زينة بنات هوارة يزوروه.

اتسعت عيناها بسعادة ودق قلبها بقوة وهو ينسبها إليها ويصلها به ،لتنهض بسرعة كي تغادر معهم..فقال (عسران)موجها حديثه ل(نوار):
-ماتجومى يابتى روحى وياهم.

هزت (نوار)رأسها قائلة:
-لع ياخال،انى كدة منيحة.

غادر الجميع بينما مالت (زبيدة)على إبنتها قائلة بهمس:
-ماتجومى يابتى تروحى وياهم انتى كمانى وتغايرى جو .

قالت(نوار)بهمس بارد:
-مش رايدة أروح وياهم،خليكى فى حالك يااما وسيبينى فى حالى الله يرضى عنيكى بدل ماأحرجلكم نفسى وأخلص من حياتى اللى ملهاش عازة دى واصل.

ثم نهضت مغادرة الطاولة دون كلمة وسط دهشة (عسران)وإستنكار (زبيدة)،لتقول(ثريا)بحيرة:
-مالها بتك يازبيدة؟!

قالت (زبيدة )بإضطراب:
-ملهاش ياثريا،بطنها عتوجعها هبابة،كنها خدت برد من المكيف ،بعد شوية عخدلها حبة نعناع يريحوها.

هزت (ثريا)رأسها قائلة:
-ربنا يشفيها ويجومهالك بالسلامة يازبيدة.

هزت (زبيدة)رأسها بينما تقول لنفسها:
-مش مهمة السلامة ياثريا ،المهم الستر،يارب إستر بتى ومتفضحنيش بيها كيف مافضحنى أبوها جبليها،أنى تعبت يارب..تعبت.

________________

تأملت هذا المشهد الجميل لهذا النيل العريق وتلك الأشجار الصغيرة على ضفتيه ،تميل عليه وكأنها تحتضنه وتضمه بين أذرعها بتوق،تأملت أيضا تلك المراكب الرقيقة التى تغدو ذهابا وإيابا به، يقف على متنها أناس طيبون،البعض منهم يلوح كثيرا لسكان الفندق ،يشعرونك بالقرب،وكأنك لم تكن يوما غريبا..وكأنك أحدهم منذ ان وطأت قدمك أرضهم.

وبقدر ماأدفئها جو وطنها المختلف كثيرا عن هذا الذى نشأت به،بقدر ماأدفأها أهله وبشاشة وجوههم ورقة تعاملهم معها،وكأنها عادت لتكون معه مجددا،(مهران)..وطنها الأول ..من منحها دفئا يعادل هذا الدفء الذى تشعر به الآن.

حنين وتوق غمرا مشاعرها وذكراه تمر بخاطرها،تشتاق إليه بقوة،تتلهف لرؤيته،تشتاق لسماع صوته ،هو وحده لا غير…
صورته محفورة بين جفونها،فقط تغمض عيونها فتراه وتشعر بيديه تحتضن يديها بحب،غيابه مرهق لروحها التى تتعذب من الفراق ولكنه فراق لأجله هو،تخشى عليه بطش أهلها وتتحمل من أجل سلامته ألمها ،فغيابه جرح عميق ..لايكف عن النزيف.

تنهدت بصمت،تنفض أفكارها الحزينة بعيدا،وهي تودع بناظريها مشهدا لطالما أراح نفسها منذ جاءت إلى أسوان،راحة جعلتها تؤجل هذا اللقاء بعائلتها التى أتت من أجلها،جدها وأخوالها..من كانوا السبب فى غربة والديها وابتعادهما عن وطن عزيز كهذا الوطن،تخشى أن يكونوا مايزالون على صلفهم وكبرهم،تخشى بطشهم ولكن يبقى الأمل فى أنهم سيصيرون لها السند الذى تحتاجه، وإن لم يصبحوا فلا تعلم لمن ستلجأ وبمن ستستجير؟ وليس لها أحد هنا …سواهم.

نفضت مخاوفها ودلفت من الشرفة لحجرتها ،تحمل حقيبتها وتتجه إلى الأسفل بخطوات حازمة تبغى أن تدفع فاتورتها ثم تتجه لأهلها..وتواجه قدرها.

_____________

دلف (راجى)بخطوات يجرها جرا،ليجد والدته تلملم بعض الأشياء فى حقيبة ،تجاهلها وكاد أن يغادر مجددا هذا الكوخ ،حين شعرت به فإستدارت تناديه قائلة بسخرية:
-انت عاودت يازينة الرجال،إتوكدت من كلامى ياحزين؟

زفر (راجى)قائلا بنفاذ صبر:
-واه ياأما عاد،أنى مناجصش تجطيم ،الله يرضى عنيكى سيبينى فى حالى دلوك.

تركت (عوالى)ما تمسكه بيديها وهي تتقدم منه بخطوات غاضبة وتمسكه من تلابيبه قائلة:
-إتكلم معايا زين ياإبن عوالى وإلا…

نفض ذراعيها عنه قائلا بغضب ساخر:
-وإلا إيه ياأما ،هتسخطينى جرد إياك ولا هتعمليلى عمل وتخلينى كيف المجانين.

ليضرب صدره وهو يردف قائلا بمرارة:
-أنى جدامك أهه، مش محتاج عمل عشان أصير مجنون،غيابها جننى وفراجها بيجتلنى ياأما،الخوف بينخر جوة جلبى،خايف يكونوا خادوها البندر عشان يكتلوها،يمين ربنا لو اللى عفكر فيه طلع صوح ماعسيب حدا فيهم عايش،هكتلهم كلياتهم وبعدين عموت نفسى.

إتسعت عينا (عوالى)بصدمة قائلة:
-شكلك جنيت صوح ياحزين وعتغفلجها ع الكل.

قال بمرارة:
-إيوة جنيت،جنيت ياأما ومعيرجعش العجل جواة راسى غير رجوعها لية.

مال على يدها يقبلها قائلا:
-أحب على يدك ياأما ترجعيهالى،رجعيهالى وأنى أبجى خدام تحت مداسك.

نفضته بعيدا قائلة بغضب:
-فوج ياحزين،متخليش العشج يضعفك،العشج موارهوش غير الحزن والجلم ،موارهوش غير الخراب وإسألنى آنى،عشجت زمان ،حبيته من كل جلبى ومكنتش رايدة فى الدنيا دى غيره،باعنى عشان العادات والتجاليد،باعنى عشان ينول رضا أهله،ونوار عتبيعك عشان خاطر أهلها وحتى لو إتمسكت بيك عسران عيموتك ولا تتجوز بت أخته،ماهو مش ممكن يجوز هوارية لجربوع زييك.

قال(راجى)بعذاب:
-يبجى تموتينى الحين وتريحينى ياأما،خلصينى من اللى أنى فيه،أنى مش جادر أتحمل غيابها،بجت إدمان عيسرى فى دمى وبعدها بيجتلنى بالبطيئ..أنى…..

لطمة على وجنته أخرسته تماما وهو يتطلع بصدمة إلى والدته التى لطمته بغضب،قائلة بصوت كالفحيح:
-إسمعنى منيح ياإبن عوالى،أنى ميطلعش من رحمي راجل ضعيف عينوح ويبكى كيف النسوان،جوى جلبك ودوس عليه لأجل نجدر على اللى جاي، لإنى مش هجدر عليه لوحدى،وبحذرك من دلوجتى ،لو لجيتك عتبكى كيف الولايا يبجى أحسنلى أجتلك بيدى وأدفنك بأرضك وأيأن إنى مخالفتش واصل.

طالعها بألم لتردف قائلة بصوت حمل ألم الماضى وغضب الحاضر ممتزجين:
-أنى ربيتك عشان تساعدنى فى إنتجامى منيهم،مش عشان تضعفنى وتوطى راسي ليهم ياإبن بطنى،أنى ربيتك عشان تكون لى سند ياخدلى حقى من اللى إستباح شرفى وفى الآخر رمانى كيف مابيرمى أي حاجة ملهاش عازة عنديه،رمانى وفى بطنى جطعة منيه،ولد معرفاش هربيه كيف وإزاي،أنى خلفتك و ربيتك عشان تاخد معايا بتارى من اللى هملنا وراح إتجوز حدا من دمه ،حدا يليج بيه وبمستواه ونسانا كيف ماكنا ولا شي بالنسبة ليه،بس وحياة جصقجوصي الطاهر ده لعخليه يندم على عملته السودا معانا ،وحياة جصجوصى الطاهر ده لعخليه يحب على يدى ويجولى حجى برجبتي ياعوالى،سامحينى الله يرضى عنيكى وبردك مش هسامحه ولا عرحمه.

كان يستمع إليها بصدمة،لقد أخبرته بأن والده مات قبل ان يولد وها هو يكتشف انه حي يرزق،تبغى منه (عوالى)إنتقاما يبرد نارها،إكتشف أن والده حي يرزق وهو يعيش يتيما دونه،والأدهى خشيته من هوية هذا الأب الناكر لأبوته،هل هو من يظنه حقا وتشير إليه كلمات والدته،ليسألها مباشرة بعيون إلتمع فيها الخوف:
-جصدك مين ياأما؟أبويا يبجى مين؟

طالعته مباشرة وهي تقول بحقد:
-أبوك يبجى عسران،عسران الهوارى ياحزين.

لتتسع عيناه
..بصدمة.

________________

كان يجلس فى مكتب مدير الفندق حين جاءه إتصال هاتفي من عاملة الإستقبال تخبره فيه عن مشكلة تخص نزيل وتسأله إن كان يرغب فى التصرف فيها بنفسه كما أخبرها فى الصباح ،أغلق الهاتف وهو ينهض ناظرا بإتجاه زوجته واخته قائلا بلطف:
-إستنونى إهنه،عروح أشوف المشكل ده وأعاود عشان آخدكم فى جولة أفرجكم على الفندج ،هيعجبكم جوى.

قالت (بدارة)بعيون ولهة:
-متتأخرش علينا ياسى مهران.

هز رأسه بإبتسامة باهتة وهو يغادر قبل أن تلكزها (راوية)قائلة:
-ماتتجلى يابدارة هبابة،ده انتى ناجص تجوليله خدنى معاك يااخوي أصلى مجادراش اجعد دجيجة بلاك.

قالت(بدارة):
-واه وفيها إيه دى ؟مش جوزى إياك؟!

هزت (راوية)رأسها بيأس،بينما كان (مروان)يتجه إلى الردهة حين وقف متجمدا حين رأى أحد الفتيات تغادر باب الفندق …
تشبهها بقوة..
تكاد تكون هي…
ترى هل يتوهم؟
هل تخدعه عيناه؟
بالتأكيد هي أحلامه…
فمن المستحيل أن تكون هنا… فى فندقه ….
شذاه التى لم يتمنى أحدا سواها…
ترى هل هي هنا حقا؟!!!

كان لابد وأن يتأكد،سار بخطوات سريعة يحاول اللحاق بها ولكن حين وصل إلى مكانها كانت قد إختفت تماما وكأنها لم تكن أبدا،تنهد بقوة..
ربما هي حقا أوهامه..
فوجودها فى مصر…
بل فى موطنه أسوان وفندقه بالذات…
أمر مستحيل تماما.

عاد أدراجه إلى موظفة الإستقبال ليرى مشكلة ذلك النزيل ،فجأة وجد نفسه يسأل تلك الموظفة عما إن كان هناك حجز بإسم شذا،فأخبرته بعدم وجود نزيلة تدعى شذا فى هذا الفندق على الإطلاق،أومأ برأسه بهدوء فإنطلقت تخبره عن مشكلة النزيل وهو يستمع إليها …بشرود.

_______________

كانت تخرج من الحمام حين إنتفضت على صوت (محمد)وهو يقول :
-عتعملى إيه يازهرتي؟

تركت تلك المنشفة التى تجفف بها شعرها لتقع أرضا وهي تضم تلك المنشفة الأخرى والتى تلف بها جسدها بالكامل بتوتر خجول قائلة:
-أنى..أنى كنت بتسبح .

إقترب منها يقول بلهجة لعوب:
-ومنادمتيش علي ليه كنت إتسبحت وياكى.

أطرقت برأسها على الفور بخجل قائلة:
-إتحشم ياسى محمد ،أنى جلتلك عتكسف.

إبتسم بحب قبل ان يميل ويتناول تلك المنشفة التى وقعت أرضا ،ثم يستقيم ساحبا (زهرة)من ذراعها برفق يجلسها على هذا الكرسي المقابل للمرآة قائلا:
-أول مرة أشوف مرة بتنكسف من جوزها،الظاهر إنك هتتعبينى وياكى يازهرتي.

تأملته فى المرآة بعيون تلمع بالعشق وهو يجفف لها شعرها بالمنشفة بحنان،حانت منه نظرة إلى المرآة فإلتقط نظراتها العاشقة ليدع المنشفة جانبا ،يدير الكرسي لتصبح بمواجهته ثم يجلس على ركبتيه،يمسك يديها بين يديه قائلا :
-عتلعبى بالنار يازهرة،مظهرك إكده عيولع فى جلبى شرار الحب واللى معيطفيهاش غير جربك.

ليرفع إحدى يديه ويمسك خصلاتها الندية يلفها حول أصابعه مردفا:
-عيخلينى ضعيف كدامك كيف الريشة،اللى عيطيرها نسيمك..

ليرفع كفها إلى ثغره يقبل باطنه بنعومة قبل ان يتطلع إلى عينيها قائلا:
-ولمن بتبصيلي بعيونك الحلوين دول عتخليني انسى الناس والخلج اللى جايين تحت عشان يباركولنا دول وأجعد إهنه ،حدك ومعاكى وحدك للصبح .

ضمت يده بيدها وهي تقول بهمس عاشق:
-وأنى مرايداش غيرك انت،معيهمنيش الخلج كلاتهم طول ماانت جنبى يامحمد،كلامك وحبك عيطيروا جلبى من السعادة اللى عمرى ماشفتها ولا حسيت بيها غير من يوم مادخلت دارك وبجيت حدك وجارك ياسيد الناس.

قال(محمد):
-واه ياابوي،كنه العشج ده احلى حاجة بالدنيا،عيحلى كل لحظة ودجيجة فى حياتنا ،ياريتنى عشجتك من زمان يازهرتي.

إبتسمت بخجل فأردف قائلا:
-انى بجول إن مفيهاش حاجة لو وخرنا شوية ع الخلج اللى جاعدين فى المندرة تحت،ماهو أبوي وخواتى وفضيلة معاهم ،مش إكده؟

اطرقت برأسها خجلا فإكتفى بها إجابة ليجتاحها بعشقه ،ينعمان بسعادة لطالما حلما بها .

____________

دلفت (زبيدة)إلى حجرة (نوار)تبغى تعنيفها على فعلتها فى هذا الصباح وإثارة فضول خالها وزوجته تجاهها،ولكنها لم تجدها فى الحجرة ،بحثت عنها فى الشرفة فلم تجدها أيضا،شعرت بالقلق،فأسرعت تجاه خزانتها تتفحصها،لتتسع عيناها برعب وهي تراها خالية،لتدرك أن إبنتها هربت عائدة لبلدتهم وتركتها لتواجه أخاها وحدها،لا تدرى كيف تفسر له غياب إبنتها وعودتها إلى كفر هوارة …..دون إذنه.

_____________

دلفت (فدوى)إلى هذا القصر الكبير تتأمل جنباته برهبة،فهذا القصر ضم يوما بين أركانه والدتها،ثم لفظها منه دون شفقة،وها هي تعود إليه بعد وفاتها،تبغى أمانا لم تناله والدتها،أي حماقة جعلتها تحضر إلى هذا المكان؟إستدارت تعود من حيث اتت،حين إستوقفها صوت سيدة تقول بقلق:
-حضرتك مين وعاوزة إيه؟

إلتفتت (فدوى )لتواجه محدثتها فوجدتها سيدة قروية جميلة فى اواخر العشرينات بحد اقصى تتطلع إليها بنظرة شملتها كلها من منبت شعرها حتى قدميها،لتبتلع (فدوى)ريقها وهي تقول بتردد:
-مش ده بيت عيلة الجبالى؟!

قالت السيدة :
-إيوة وانى أبجى فضيلة مرت إبنهم الكبير عزام الجبالى.

إتسعت عينا (فدوى)بصدمة قائلة:
-انتى تبقى مرات جدى.

طالعتها (فضيلة)بإستنكار وكأنها قد نبت لها قرنين وهي تقول:
-جدك إيه يامرة يامخبولة إنتى؟شايفاني كد جدتك إياك؟!!!

قالت(فدوى)بأسف:
-معلش سامحينى،انا مقصدش والله ..هتفهمينى لما تعرفى إسمى،انا إسمى فدوى..فدوى حافظ الهوارى بنت حسنة عزام الجبالى.

صوت إرتطام شيئ بالأرض جعلها تستدير بسرعة لترى رجلا متقدما بالسن يقف مستندا إلى شاب بعد ان وقع عكازه أرضا ،يطالعانها سويا بصدمة ،قبل ان يقول العجوز بصوت متقطع النبرات:
-انتى تبجى بت حسنة خيتي صوح؟

طالعته بإضطراب ،تدرك ان هذا خالها فإكتفت بإيماءة من رأسها،ليقول هو بوهن:
-جربى يابتى،متخافيش ..أنى خالك عويس ،اللى عتخافى منه مات الله يرحمه،خالك همام مبجاش موجود ..جربى يابتى جربى وخلينى أضمك يابت الغالية.

إقتربت منه ببطئ بينما عيون (عزام)تلتهم تفاصيلها ،لتنظر إليهما(فضيلة)بغيرة حارقة،تشعر بالتهديد،تدعو من كل قلبها أن تكون تلك الزيارة سريعة ولمدة يوم واحد ….لا غير.

الفصل الثالث عشر

_________آن الأوان ____________

قبل أن ينتهي عمري كنت أتمنى أن يتحول طيفها إلى حضورها المادي حيث أتخلص من شوقي برؤيتها ولمس يدها ، أن نتعاتب كثيرا ونتصالح بكلمة واحدة ، أن يعمينا الحب فنركل كل الأولويات بعيدا ونتصرف بأنانية عاشقان فلا نرى من حولنا سوانا ، إنها مجرد أمنية فماذا لو تحققت ؟

*****

جلس( مهران )على المقعد في الممر وأمسك قلبه الذي لم يتوقف عن الانتفاض لمجرد أنه تخيّلها ،ضرب بيده على حافة الكرسي وهو يخاطب نفسه :
-مايصوحش حالتك دي ياولد الهواري ماأنتاش أول من حب وماطالشي ، بجيت فى رجبتك حرمة دلوك لازمن تنسى اللي كان وتعيش ماتظلمش روحك وتظلم البت اللي بتحبك معاك ، شذا راحت وماعترجعشي ،هملتك من غير ماتجول حاجة تبجى مش مهم عنديها ، اثبت ماتخليش العشج يعميك ويعيشك فى وهم مالوش اخر ..بدارة جدرك ، بدارة وبس ! .

استقام وهو يمسح على وجهه المحمر من الإنفعال ثم توجه نحو غرفة النزيل الأجنبي الذي يسبب مشكلة لطاقم الخدمة بالفندق ، طرق الباب ففتحه شاب في منتصف العمر يلف منشفة حول خصره يبدو عليه الإمتعاض فقال (مهران) :
_ طاب يومك سيدي ، أنا السيد مهران المسؤول عن إدارة الفندق ، من الواضح أن لديك مشكلة فأتيت لاستفسر عنها .

فأجابه :
_ آه المشكلة ! كل ما في الأمر أن خدمتكم سيئة طلبت مشروبا عدة مرات فكانوا إما يتجاهلون طلبي أو يرسلون شيء آخر غيره ، هذا أمر مشين بالنسبة إلى فندق كبير وذو سمعة كفندقكم .

فقال (مهران )بغيظ :
_ لقد أعلمك المدير أننا لا نقدم الكحول هنا ولا نسمح بدوخلها مهما كانت مكانة النزيل هذا أولا أما عن تصرفك العنيف في ضرب أحد الموظفين هذا غير مقبول نهائيا وهذا ثانيا أما بالنسبة …

وقد أزاحه جانبا ودخل إلى الغرفة ليجد فتاة بلباس شبه عار تعلك في اللبان بمياعة مما يدل على أنها رخيصة من الدرجة الاولى والتفت إليه وهو يشير إليها وأردف :
-أما بالنسبة إلى هذا الشيء، فليس غير مقبولا فقط بل يعرضك للطرد ، لذا اجمع قمامتك وغادر حالا قبل أن أستدعي الشرطة أو الجأ إلى تعنيفك .

فقالت الفتاة :
_ مابالراحة يابيه ماكلنا بنسترزج !

قال هادرا:
_ استرزجي بعيد عنينا اياكي تنشوي بنار جهنم دنيا جبل آخرة ، امشي غوري من اهنا جبر يلمك .

سارت متمايعة نحو الباب بغضب فاوقفها الشاب وهو يقول :
_ ووووو مهلا إلى أين توقفي ؟

اقترب منه (مهران) وأمسك بيده وطواها بعنف فانحنا الشاب متاوها وقال :
_ اسمعني جيدا وقد بدأ صبري ينفذ ، أمامك عشر دقائق وأراك أمام مكتب الإستقبال وإلا لن يعجبك ماذا سيحدث .

ودفعه ليسقط أرضا يمسك بيده ،اما الفتاة فأطلقت ساقيها للريح خوفا من غضبه ، خرج وهو يسب ويلعن في أمثال هذه الفتاة اللواتي يغرقن في القذارة مع أيٍ كان .

نزل إلى الأسفل وطلب من موظف الإستقبال أن يرسل رجلا أمن إلى الغرفة في حالة عدم مغادرة هذا الشاب الأرعن كما طلب منه أن ياخذ بالإضافة إلى فاتورة إقامته تعويضا من أجل الموظف الذي قام بضربه وقد قدره بمئة دولار .

عاد (مهران )إلى أخته وزوجته فعادت إليه بشاشته وهو يقودهن إلى الخارج للتجول حول الفندق وحين خروجه صادف الشاب مجددا الذي تطلع فيه بغل وهمس كالفحيح :
– ستدفع ثمن إذلالي ،تذكر هذا .

فقالت (بدارة) بذعر :
_ الأصفر دا بيجول إيه شكله مابيطمنشي ؟

فأجابها (مهران) :
_ ماجالش حاجة هما الخواجات اكداه باردين كيف بلادهم .

فقالت :
_ جطيعة داهية تودي ! أنا مبسوطة جوي الموكان يجانن ياسي مهران ولا الجنينة تشرح النفس .

فقالت (راوية) :
_ إنتي لسة شفتي حاجة ، الموكان دا في الربيع حاجة تانية خالص ماعتعوزيش تطلعي منه، تنسي روحك إهنه.

ابتسم (مهران )وقال :
_ اليوم مافيش مطرة إيه رايكم نركب جارب ونتجول شوية فالنيل وناكل سمك مشوي كومان العم عيد اكله بيفتح التفس .

فقالتا معا بحماس :
_ موافجين جوي ااا .

قادهما (مهران )إلى الجهة الغربية من الفندق ،بحث عن عم (عيد) المسؤول عن القوارب الشراعية
واليخت الكبير الذي جعلاه كمطعم متحرك على النيل فوقف (مهران) يتحدث مع (عيد) بينما وقفت (بدارة وراوية )جانبا فلمحت (بدارة )أخيها يأتي باتجاههم فانفرجت أساريرها ولكزت( راوية )وقالت :
_ دا خيي ناجي !

فقالت (راوية) :
_ ودا إيه اللي جابه اهناه !

رفعت (بدارة )كتفيها على أنها لاتدري بينما هو يقترب وقد ألقى عليهما التحية ففتحت( بدارة) ذراعيها له تضمه من فرط اشتياقها له فضمها هو الآخر ومسح على رأسها وهو يقول :
_ وحشتني يابدر دارنا ، كيف حالك ياخيتي ؟

قالت بحنان:
_ زينة ياخوي الحمد لله طمني عليك وعلى ابوي هو سامحني مش اكداه ولا لساه شايل مني ؟

ربت (ناجي )على خدها وقال :
_ ويشيل منك كيف وانتي نن عينه مايغركيش زعله هو متوحشك جوي وراضي عنك بس انتي جرحتيه بعملتك كومان وانتي اللي لازمن تطلبي الصفح منه يابدارة .

اقترب( مهران) منهما فصافحه( ناجي) وقال :
_ سالت عنيك في الريسيبشن جالولي إنك اهنا .

فقال (مهران) :
_ ابن حلال ياابو نسب تعال ويانا ،هنتغدا مع بعض ونتحدت .

أومأ( ناجي) برأسه وقد التفت نحو (راوية) التي بدت غير مكترثة بوجوده بل وكأنه ضايقها فلن تكون على راحتها بوجوده ، ناداهم العم (عيد) فتوجهوا نحو اليخت الكبير الذي يعج يالركاب من رواد الفندق ثم جلسوا على الطاولة التي أعدها من أجلهم وتحرك اليخت فوق صفحة النيل الرائقة .

قال (مهران) :
_ إنت بتشتغل إيه صوح ولا لساك بتدرس ،منا ماشفتكش من جبل بالبلد ؟

فاجابه (ناجي ):
_ ماانا كنت بدرس بالاسكندرية والحمد لله اتخرجت السنة اللي فاتت من كلية الحقوق واتعينت معيد بنفس الجامعة وجنب منيها بتدرب بمكتب محاماة سمعته كويسة .

استندت (بدارة) على كتف أخيها بفخر بينما قال (مهران ):
_ ماشاء الله ربنا يرزجك من حلاله ويوفجك يارب .

فقال (ناجي ):
_ والله ياخوي أنا جيتك عشان حاجة ويارب ماتردني .

فقال (مهران) :
_ وه ،ماعاش اللي يردك ياسبع جول وربنا يجدرني أكون كد جولك .

فقال (ناجي) بامتنان :
-الله يكرم أصلك ياأخوي .

ثم أردف:
-بصراحة أبوي لساه زعلان من اللي عملته بدارة بس متوحشها، والله بيدخل أوضتها ويمسك صورتها ويجعد يعاتب فيها ويدعيلها تكون بخير .
ابوي كبر ،وجع الجلب مش لايج عليه ياخوي ، اللي عايزه منيكم إنكم تطلبوا منه الرضا ،تعزموه على بيتكم وتكبروا بيه دا عيفرحوا جوي ، جلت إيه ياخوي ؟

كلمات( ناجي) وقعت على قلب( بدارة) كالسكين فجعلتها تجهش بالبكاء بينما أطربت قلب (راوية )وقد اعظمته في نظرها وكيف لا وقد أتى ليصلح خطأ أخته ويطفيء غضب والده ، استاذنت لتحضر بعض الماء من أجل (بدارة )بينما قال( مهران) وهو يربت على كتف (ناجي) :
_ عااش يازينة الجبايّلة ، طبعا موافج ياخوي وهيبجى بكرة على الغدا كومان .

فرد عليه (ناجي )قائلا :
_ الله يرضى عليك ولايردلك دعا أبدا .
في حاجة كومان لازمن أجولها ..

فقال( مهران) وهو يبتسم :
_ جول ياخوي .

فالتفت نحو( بدارة) المبتسمة وقال :
_ جومي غسلي خلجتك واشربي مي هناك عند خيّتك .

ابتسمت( بدارة) وقالت :
_ بتوزعني اياك ! ماشي ياماتر ياخبر بفلوس …

غادرت فأردف :
_ أنا رايد الجرب منيكم ، رايد إيد الآنسة راوية بعد إذنكم طبعا .

صمت( مهران )قليلا ثم قال :
_ مافيكشي حاجة تتعاب ياخيّ واللي شوفته منك دلوك يبين معدنك الاصيل لو على جولي فالف مبروك بس لازم أسأل أبوي ورواية هي صاحبة الشأن واللي فيه الخير ربنا يبارك لنا فيه .

استقام (ناجي )ومد يده يصافح (مهران) وهو يكاد يطير من السعادة فاستقام( مهران) بدوره يمد يده لكن (ناجي) سحبها وقام بمعانقته فربت( مهران) على ظهره وحال لسانه يقول :
-الله ،دول هبل زي بعض ربنا يهني سعيدة بسعيدة.

______________

المصائب التي وقعت على رأس (زبيدة) كانت نتاج أعمالها الشريرة، للمرة الأولى زالت الغشاوة عن عينيها فجلست تحاسب نفسها منزوية في غرفتها تبكي بمرارة ، كان( عسران) يتجه نحو غرفته فسمع صوت بكائها ففتح الغرفة ودخل دون أن يستأذن فوجها تجلس على الأرض بجانب سريرها وهي تضم رجليها بيديها ، وضع عصاته جانبا وجلس طرف جانب السرير يربت على راسها بحنان دون أن يتكلم فرفعت راسها والدموع تترقرق من عينيها لترى وجهه البشوش دائما كما العادة ، وضعت راسها على ركبته وزاد بكاءها فقال :
_ خيتي الحلوة اللي من ريحة أمي الطاهرة، اللي وعدتها عمرها ماعتعرف حزن تاني بعد ماترملت وهي لساتها صبية مين اللي بكاها وخلاني منحني جدام عهدي ليها ؟

تأوهت من كلامه وهي تعض على يديها وتقول من بين شهقاتها :
_ مابستهلش اللي عملتو عشاني ولا بستاهل حنانك ياخوي ..ورحمة أمي سامحني ، سامحني على اللي عملتوا أنى ماجبتلكمشي غير وجع الجلب والراس من يوم يومي .

رفع وجهها نحوه وقال :
_ تعملي اللي تعمليه مكانك في الجلب ماعيتغيرشي ولا غلاوتك هتنجص ، انتي جطعة من جلبي من لحمي ودمي وأمانة ابوي وامي ربنا يجدرني وأكون كدها ، لو عملتي حاجة غلط أكيد أني اللي هكون مجصر فى حجك ومانتبهتش عليكي، أني خابر يازبيدة إن الدنيا جات عليكي جوي وماكنتش الخي الشديد اللي تجدري تتسندي عليه مش لاني ماوجفتش جمبك لأنك كنتي عنيدة ومابتسماعيشي كلمة من حد ، حتى عباس ياما جلتلك الراجل دا مش من مجامك ماليكيش صولح بيه بس انتي تبتي فيه أكتر ومع اكده مازعلتش جلت خيتي وحبت المهم تتهنى ، الحاجة الوحيدة اللي حرمتك منيه ورث أبوكي مش لأني كلت حجك ،لاه أعوذ بالله حجك على راسي لو ماخدتهوش إنتي هيبجى لبتك بالحفظ والصون ، عباس كان طامعان فيكي عشان اكده وجفتلك في حجك ، ياخيتي ماهما اختلافنا احنا بشر بس عمرنا ماعنفرط ببعض .

قبلت يده وقالت :
-احب على يدك ياخوي الحج بتي ، نوار بتضيع مني ياعسران ..نوار ضاعت ..بتي ضاعت بتي ضاعت .

وراحت تلطم وتضرب على صدرها ، جلس( عسران) بفزع أمامها وأمسك يدها وهو يقول :
_ اتهدي اكداه عشان افهم بتجولي إيه ،نوار فينها ؟ ضاعت كيف البت ؟

فأجابته وهي تصرخ :
_ كله مني ..كله مني ،أنا خليت بتي تترمي فى حضن الغريب بسبب حجدي وجلبي الأسود ، مارعيتش بتي ولا اهتميت بيها ، كت بقارنها دايما بالبنتة التانيين خليتها ماتعرفشي روحها ، اول ماحد جلها كلمة حلوة نطت فى حضنه ..

انقبض قلب (عسران) وراحت افكاره تعصف إلى إحتمالات لايحمد عقباها فقال بغضب :
_ البت فين يازبيدة انطجي ..يانوار !

استقامت معه وتعلقت في تلابيبه وهي ترجوه قائلة :
_ احب على يدك استر على بتي ماعيزاشي حد يعرف ..ورحمة ابوي وامي وطي حسك .

وقف أمامها مذهولا وهي تبكي بهستيريا فقال بحزم :
_ انطجي ياحرمة بتك فين ؟

خرت( زبيدة )على الأرض جالسة وقالت :
_ بتي اتجوزت عرفي من ولد عوالي بنت الشيخة خضرة ، ضحك عليها وهتك عرضها ،اتعلجت بيه هملتنا وراحت حداه ، بتي وطت راسنا ياعسران ، بس مالهاش ذنب أنا اللي وصلتها لكداه أنا اللي خليتها تحس إنها ماعتتحبش، لما لجت حد كذب عليها صدجته ..انا عايزة بتي ياعسران وماعيزاشي لاورث ولا مال ولاحاجة من الدنيا دي ، جلبي اتحرج ياخوي ..جايدة جواتي نار ماعتتطفاشي ..رجعلي بتي احب على يدك .

وقف (عسران) كتمثال ملح نثرته الذكريات في كل الإتجاهات فهوى جالسا على ركبتيه من فرط الصدمة .

اقتربت منه( زبيدة) تحبو على ركبتيها وامسكت وجنتاه وقالت برجاء :
_ ماتجتلشي بتي أنى الغلطانة وحيات ربنا أنى اللي وصلتها تعمل اكده ،انا عملت شر كاتير فى حياتي ،انى بتعاجب ببتي أغلى حاجة عندي ، البت اللي بصلب طولي كل يوم عشان هي جنب مني ، رجعاهالي وهاخدها واهج من اهنا اوعدك ماعتشوفشي خلجتنا واصل ،بس خلصها من يد عوالي وولدها .

استقام (عسران) بغضب وقد امتقع وجهه وجحظت عيناه وقال :
_ الاجيهم فين ؟ساكنة فين بنت الأبالسة اللي اسمها عوالي .

فأجابته بتلعثم :
_ جنب ..جنب المجبرة آخر دار بطرف البلد .

أومأ برأسه وغادرها .

*******

اللقاءات التي يجبرنا عليها القدر تكاد مالاتطيقها أنفسنا ، فبعد أن آلفنا الفراق وبدأ الجرح يلتئم ودماؤه تتخثر عاد ليفتح من جديد بألم أكبر ونزيف أقوى .

لايستطيع (عسران) أن يشرح ل(زبيدة) أنها ليست السبب في ضياع إبنتها بل هو ، ماضيه يلاحقه بعد سنوات انحنى عوده فيها ، (عوالي) ذاك الحب الذي أعماه حتى كاد أن يتخلى عن كل شيء بسببها لولا مرض والده وتأمينه على والدته وأخته وممتلكاتهم فتراجع عن الزواج بها والرحيل بعيدا ولم تشفع لها دموعها ولا توسلاتها له واليوم سيضطر للوقوف أمامها وربما التوسل إليها لترفع شرها عن المسكينة (نوار) التي لاحول لها ولا قوة .

كانت( نوار) قد جمعت بعض الأموال ومجوهراتها من أجل الرحيل بعيدا مع( راجي) وهاهما يجتمعان في كوخهما من أجل التخطيط لمستقبلهما .
يجلس( راجي) وبجانبه( نوار) تلف دثار وثيرا حولهما والنار مشتعلة على قرب منهما فوقها إبريق الشاي يغلي ، قالت (نوار) :
_ أنا هملت الدنيا كلاتها عشانك ياراجي ، اوعدني إنك ماعتخلينش فى يوم أندم ولا اتحسر على عملتي .

فقال :
_ ندمتي ؟

نفت سريعا:
_ لاه ! لو كان عندي شك فى حبنا ماكنتش عملتها ، أنا واثجة فيك وبحبك ورايداك بس عايزاك تطمن جلبي .

قبل يدها وشدد من احتضانها وقال :
_ اوعدك ماعتندميش ، هكون كل عيلتك ماعتشتجيش لحدا ولا تفكري بحدا غيري هنعمل عيلة لينا ونعيش وسط ولادنا مبسوطين يكونو شبهك وشداد كيفي ..

ابتسمت (نوار) التي أعماها الحب وقلبها كله ثقة ب(راجي )المسحور بها .

وصل( عسران) إلى منزل (عوالي) وطرق الباب عدة مرات فاتت وهي تتمتم :
_وه فاكرني جاعدة ورا الباب ياللي بتخبط ، جايه اهه .

فتحت الباب وهمت لتقول شيء فانعقد لسانها وتصبب جبينها عرقا من فرط انفعالها ، فاستدار (عسران )وقال :
_ مدي وراي يابت خضرة !

تبعته بدون وعي حتى وصلا إلى مبنى كان للكتاب قديما وقفا بجانبه وقد اشتدت الرياح وبدأ الظلام يتسلل شيء فشيئا فقالت :
_ دي سنين ياعسران ! جاي بعدها ليه دلوك ؟

فقال :
_ ياريتها ماكانت ! بتجرصي كيف الحية غدر ياعوالي ؟ نوار ذنبها إيه تنتجمي مني فيها ليه ؟
بس ماعستغربشي كيدك إنتي حيّة ربنا فكني من سمها أحمده لحدن ماموت .

غضنت حاجبها وتشدقت بابتسامة سخرية وقالت :
_ والله ولدي طلع سبع جابك على ملا خلقتك لبابي ،ابن ..أمه بصحيح .
ماليش صولح بنوار ،الولاد اتجابلوا وعشجو بعض اعملهم ايه اياك ؟

اقترب منها بغضب وقال :
_ نوار هربت مع ولدك ؟

تجهم وجهها وانتفضت قائلة:
_ هربوا كيف ؟ مش انت خدت عيلتك ع المدينة لاه ماهربوشي.

أمسكها من ذراعها بقوة وقال بصوت حاد :
_ ولدك خد البت على انهي مصيبة ياعوالي ؟

دفعته وقالت :
_ ماهخلهوش يهملني دا اللي بجيلي من دنيتي .

ركضت مهرولة فتبعها وقد ظن أنها تهرب منه وبعد أمتار قليلة توقفت عند كوخ قديم ودفعت بابه بقوة فلحق بها ، هناك كانت ترقد( نوار )بجانب (راجي) ففزعا من هجوم (عوالي) عليهما ووثبا واقفين ذعرا .

قالت( عوالى) بغضب:
_ ليلتك طين يابغل إنت ، مش جولتلك ماعتهوبش ناحية بت الهوارة ،مجرجرها وراك فى المخروبة دي كومان اهو جالك الجضى ياحزين .

تشبثت( نوار) بذراعه وهي ترتجف ثم قالت :
_ مين الست دي ياراجي ؟

فقالت (عوالي) وهي تسحبها بقوة :
_ الست دي تبجى أمه ياحزينة ،وخري اكداه !

مسكها (راجي) من يدها وبدا يبعدها عن( نوار )التي تكاد تفقد وعيها وعيناها معلقة على خالها الذي يقف مستندا إلى عصاته عند الباب .

ضرب عصاته على الأرض وقال :
_ هملي البت ياعوالي .

تركتها (عوالي )لكن( راجي) دفعها وراء ظهره وقال وهو يحمل جذع ملتهب :
_ إللي عيجرب مني عجتلها وأجتل نفسي ، ماحدش يجدر ياخدها مني ، نوار مرتي ..مرتي !

ابتعدت( نوار) عنه فأردف :
-تعالي يم مني يانوار ماتخافيش ماعيخدوكش مني .

لكنها قالت :
_كيف أمك ، إنت جلت إنها ماتت ؟

فقالت( عوالي) بتهكم :
_ أباي عليكي بنته ، غبية كيف امك .

فقال( راجي) ناهرا والدته :
_ كفاياكي عاد ياأماي .

ثم أردف موجها حديثه ل(نوار):
-تعالي نروح من اهناه وأفهمك كل حاجة ماتسمعلهومش عيفرجوا بينا يانوار .

قالت بكسرة:
_ انت كذبت عليّ ياراجي ؟

صرخ (عسران) بصوته الحاد حتى انتفض الجميع خوفا من غضبه :
_ مدي جدامي يابت عباس !

هرولت( نوار) أمامه وهي تجهش بالبكاء والتفت نحو (عوالي) وقال :
_ لينا حديت تاني يابت خضرة .

فقالت وهي تبتسم :
_ وحساب كومان ياولد الهواري .

غادر( عسران )برفقة( نوار )وظلا صامتين طوال الطريق وحينما اقترب من المنزل اوقف سيارته وقال لها :
_ اللي حوصل يفضل بينك وبين نفسك ماعايزشي اسمع سيرتك في ضهري ، ارجعي ورا واتسطحي وإتغطي بجلبابي، لمن ينامو أهل البيت هتاجي أمك تفتحلك وتطلعك فوج ..تكتمي حسك فاهمة .

أومات (نوار) برأسها وفعلت كما أمرها خالها تكتم حسرتها وخيبتها وقدرها البائس .

******

دخل (عسران )بيته يجر عصاته وراء ظهره بين يديه المضمومتين والدموع محتبسة بعينيه زفر بعمق ثم لبس البشاشة والقى التحية وهو يخطو متجها نحو الصالة ردوا عليه السلام فاستقامت زوجته وقالت :
_ العشا جاهز يلا بينا على السفرة كنا مستنيين جايتك ياحاج غسل يدينك وتعالى .

اوما لها براسه بينما تبعها الجميع نحو طاولة الطعام أما هو فصعد إلى الأعلى وتوجه نحو غرفة أخته فدخل عليها فركضت نحوه كالمجدوبة فقال لها :
_ بتك بالعربية تحت جيبتها من بين احضان ولد المجطوعة، عتروحي تطلعيها بعد ماالكل ينام مانجصناش فضايح .

ارتمت (زبيدة )تعانق أخاها والدموع تنهمر من عينيها فاردف :
_ اتسبحي وهدي أعصابك هبعاتلك حورية تعملك لمون ، ماتضغطيش ع البت همليها الليلة ديه وبكره هنبجى نروح حتة هادية ونكلموا معاها .

خرج من عندها مرهق فدخل غرفته واغتسل وغير ثيابه ثم نزل إلى الأسفل حيث وجد عائلته مجتمعة يتبادلون الأحاديث والإبتسامات ، فنادى على( حورية) وطلب منها ليمون من أجل (زبيدة) وأن تأخذ لها عشاءها إلى غرفتها فلبت طلبه بينما قالت( ثريا ):
_ ليه مالها زبيدة ماعتنزلشي تاكل ويانا ليه ؟

فقال :
_ هي عيانة حبة همليها لوحدها .

مطت شفتيها يمينا وشمالا كأن الأمر لم يعجبها فنطقت( راوية ):
_ هطلع اشوف نوار تنزل تتعشى معانا ماشفتهاش طول اليوم .

فقال بحزم :
_ اجعدي مطرحك ، هي وامها متخانجين هملوهم لوحدهم النوبة ديه .

تنحنح (مهران) وحاول تغيير الموضوع فقال :
_ يابوي أنا عايز أعمل حاجة بعد إذنك ، دلوك إنت وأمي وعمتي والبنات رحتو طليتوا على زهرة وباركتولها ، إنما بدارة مارحتش ولا حد جالها ،الحاج عويس باينه زعلان لساته ،مافيش حاجة هتروح زعله غير اننا نكبر بيه ونعزمه عندينا باكداه تصفى الجلوب ،وكمان اهو نشوف زهرة بالمرة ..جلت إيه ؟

ابتسم الحاج (عسران) وقال:
_ احنا بجينا عيلة وحدة ياولدي هم اهلنا وناسنا وتشرفنا جيتهم دارنا .

اما (ثريا )فقالت :
_ والله وحشتني زهرة جالبي جايد عليها، تعمل زين ياكبدي .

فقال( مهران ):
_ يبجى عنعزمهم بكرة على الغدا ..

فقال( ثريا )وقد كادت تغص بلقمتها :
_ وه ..وكيف عنلحج نحضر لبكرة كنت جلت جبل اكداه .

قال بإبتسامة:
_ عتلحجوا ياأماي هيساعدوكي البنات ،إنتوا كتير والحمد لله .

أومات برأسها مع انها لم تقتنع لكن شوقها ل(زهرة) سيجعلها تقبل بأي شيء .

انتهى (عسران) من طعامه فاستقام وقال :
_ ياولاد أني تعبان فالكل يخلص ويجوم على جوضته طوالي ماعايزشي هيصة ، تصبحوا على خير .

بعد أن أتموا عشاءهم توجهوا إلى غرفهم فدخل (مهران) غرفته رفقة (بدارة) فهرعت تجهز له الحمام وثيابه ، كانت أفعالها الطيبة تاخذ من نفسه كثيرا فيلعن قلبه الذي وضع أسير عشق لا أمل يرجى منه ، عزم أمره أن يمنح قلبه فرصة أخرى عله يتعلق ب(بدارة) فيختفي طيف (شذا) عنه للأبد .

جلس وأجلسها بجانبه وقال :
_ عترضي تكوني معايا بنص جلب يابدارة ، ماعايزشي أظلمك لكن دام الجدر جمع بينا …

قاطعته قائلة :
_ حتى لو ماكنتش بتحبني أنا رايداك ياسي مهران كفاياني تضحك بوشي واتصبح وأتمسا بطلتك عليا ، ماعايزاشي ابجى حمل تجيل على جلبك وتحس انك مجبور عليا ،لاه ! لو عايز وجت أنا عستناك عمري كلاته ولا يوم اشتكى او امل ، أهو يمكن ياجي يوم واتحبني كيف ما بحبك .

طلبها بلطف فلبته وأتم زواجه منها وهي لاتكاد تصدق أنه تقبلها واعطاها فرصة لتكون شريكته .

******

اذن الفجر فاسيقظ الرجال وتوجهوا إلى المسجد بينما صلت النسوة ودخلن المطبخ لإعداد وليمة الغداء ، كان وجه( بدارة) منارا وتتحدث بحماسة وتعمل بحماسة فقالت (حورية) تحاول إثارة غيظها :
_ شيفاكي منورة يابت يابدارة ، هو العشج بيعمل كيف اكداه ياتحبة جلبي ؟

ابتسمت (ثريا )وقد احمر وجه( بدارة )خجلا ثم همست :
_ مش بجيت مرات مهران الهواري على سن ورمح .

فقالت( نفيسة ):
_ ياليلة بيضا مبروك يابتي ربنا يرزجك على كد نيتك .

اما (حورية )فاطلقت زغرودة مدوية لتهرع نحوها (بدارة )تكمم فمها وهي تقول :
-عتفضحيني حرام عليكي بكسف .

فردت عليها (حورية) :
_ محدش إهنا اطمني كلاتهم بالجامع ، يلا شهلي نحضر فطارهم .

أمسكتها( ثريا )من يدها وقالت :
_ ربنا يجسم ليكي كل حاجة حلوة يابتي إنتي طيبة وتستاهلي كل خير عجبال ماأشيل ولادكم على يدي .

قبلت (بدارة) يدها واحتضنتها كوالدة لها التي لم تشعر بحنانها أبدا .

******

ارتدوا الجميع ملابسهم ونزلوا لاستقبال أهل( بدارة) و(زهرة )التي اشتاقوا لها كثيرا فدخلت تسير جنب زوجها الذي يمسك يدها ويشد عليها كأنه يخاف ضياعها وخلفهما (فضيلة) وزوجها ، كان اللقاء حافلا بالدموع بين (زهرة )وامها واختها و(بدارة )ووالدها فراحت تقبل يداه وجبينه تطلب السماح منه على فعلتها فلان قلبه فعانقها وهو يردد :
– وحشتيني يابدر الدار .

أسعد ذلك قلب (مهران) فاومأ براسه لوالده ممتنا ، جلس الجميع وعلى وجوههم ابتسامة جميلة لتقول (بدارة ):
_ هو ناجي ماجاش معاكم ليه ؟

لياتيها صوته من الخلف :
_ لاه ايجيت، كيف ما اجيش، بس عوجت شوي على ما اجنعت الست فدوى تيجي ويانا .

اقترب منهم يسلم عليهم بينما تسمر( مهران )مكانه كما فعلت (فدوى) لتوزع (بدارة )نظراتها بينهما وقد اشتعلت نيران الغيرة بقلبها .

الفصل الرابع عشر

____قلوب أحبتنا هي أوطاننا الصغيرة____

لحظات مرت كأنها ساعات وقد توقف الوقت وتجمد الزمن، كليهما يرمق الآخر بصدمة…
كليهما يإن قلبه شوقا وفرحة..
عاشوا شهورا قليلة من الشوق ولكنها مرت كالسنوات العجاف…
أبحروا فى محيط الأحزان دون مجاديف العشق أياما طوال…
صارت الدموع أمطارا فى الغياب..
والكون ماهو إلا فراغ قاتل…
سنين يعيشون فى غربة ولكنهم لم يشعروا بها حقا سوى عند مغادرة أوطانهم الصغيرة…قلوب أحبابهم.
روعة اللقاء كانت أبلغ من الكلمات،وطيف الحضور زين المكان،وصارت السعادة …. بالإمكان.

قطع أفكارهم صوت (عويس)الذى قال بود:
-عارف فدوى تبجى مين ياعسران؟

قال (عسران)بحيرة:
-كنها مش غريبة عنى ياعويس مع إنى واثج إنى مشفتهاش كبل إكده فى الناحية كلياتها.

إبتسم (عويس)قائلا:
-فدوى تبجى بنت خيتي ولسة راجعة من بلاد برة.

إقترب منها (عسران)حتى توقف أمامها قائلا بدهشة حانية:
-بت حسنة وحافظ ،جربى يابتى خلينى أتأملك،ما شاء الله بتاخدى العجل ، زينة بنات هوارة و الجبالية،عتجمعى أحلى مافى العيلتين..شد حيلك ياعويس ونجيلها عريس زين يربطها بأرضنا وميخليهاش تفارجنا من تانى.

كاد أن يصرخ معلنا..
انا هنا…
لا أحد غيرى أحق بها…
ولكن قيوده منعته من التصريح بمكنون قلبه بينما ظهر صراعه على وجهه لتلحظه هي فقط….زوجته (بدارة).

زادت نارها إشتعالا،وهي ترى نظرته تجاهها،نظرة تمنتها هي فلم تنالها قط،تتعجب من وجود تلك المراة قدر ماتكره حضورها الآن،ولكن مهلا..
ألم يخبرها عن عشقه لأخرى،ألم يخبرها عن شذاه؟إذا لماذا يبدى هذا الإهتمام بتلك المرأة التى كرهتها بقوة….فقط لحصولها على إهتمام زوجها وإنتباهه بالكامل.

صدحت ضحكة(عويس)بالمكان ثم قال:
-اطمن معتفارجناش تانى واصل ، فدوى مخطوبة لإبن عمها رحمان وبكرة ولا بعده هبعت أنادم عليه وعلى بوه توفيج يرجعوا لأرضهم وميخافوش منينا واصل..الظاهر الفرح عيدج بابنا بالنوبة،وهنجاوز فدوى و ناجى اللى لجينالوا عروسته هو كمانى فى ليلة واحدة كيف ماعملنا مع باجى ولادنا.

زفرت (بدارة) بإرتياح،بينما شعرت (راوية)بغصة فى قلبها وهي تدرك أن (ناجى)سيتزوج قريبا بدوره،تلعن تسرعها وتعلق قلبها به،وهي تأمل ان يكون من نصيبها،لترنو بسرعة بإتجاهه فوجدته يطالعها بإبتسامة هادئة ،أشاحت بوجهها على الفور تشعر بدقات قلبها تتسارع وكأنهم فى سباق ،بعد أن ضبطها وهي ترنوا إليه بنظراتها..بينما عقد (مهران )حاجبيه بشدة وهو يستمع إلى كلمات حماه،يطالع (فدوى)بعيون غائمة تطالبها بتوضيح فأرادت أن تمنحه إياه ولكنها غير قادرة فى الوقت الحالى ،فهي لم تكد تخبر خالها أنها خطبت لإبن عمها حتى دلف (ناجى)مرحبا بها فى البداية ثم أخبر والده بعرض (عسران الهوارى)ودعوتهم لزيارته،فإنشغل (عويس)بتلك الدعوة كلية،لذا أجلت الحديث عن موضوعها لوقت لاحق،وها هي الآن فى ورطة لا تدرى كيف تخبرهم والجميع يطالعونها بنظراتهم التى تثير توترها إلى أقصى حد،أفاقت على صوت (عسران )وهو يقول :
-إن شاء الله ياأخوي.

ثم إلتفت إلى (فدوى)قائلا:
-طيب فين أبوكى وأمك،ماجوش معاكى ليه أمال؟

قالت(فدوى)بصوت رقيق يشوبه بعض الحزن:
-ماتوا ..الله يرحمهم.

قال(عسران)بحزن:
-الله يرحمهم يابتى..الله يرحمهم.

حاول الخروج من جو الحزن هذا فسحبها من ذراعها قائلا:
-تعالى يابتى لماأعرفك بإبن عمك مهران ومرته بدارة وباجى عيلتك.

كانت تبتسم بخجل وهي تمد يدها لتسلم عليه وما إن إستمعت للجزء الثانى من عبارة هذا الرجل،حتى تجمدت كلية وأصابتها الصدمة للحظات،فتحركت بآلية تهز رأسها بهدوء ل(مهران)،لم تقوى على لمسه فستتداعى وقتها كلية وتنهار بين يديه،ثم سلمت على تلك المراة التى تقف بجواره وتطالعها بنظرات حادة .
يقولون زوجته…
هل تزوج غيرها بتلك السرعة؟
هل نسيها كما يبدو وأكمل حياته دونها؟
بينما هي لاتزال تعيش معذبة على أطلال عشقه..

تبا لمعشر الرجال ..يغدقون على النساء أجمل كلمات الحب ثم عند أول إختبار حقيقي لهم،يضربون بتلك الكلمات عرض الحائط ويخونون،ومع خيانتهم يتحطم القلب مطعونا بسكين الخيانة،ينكسر ..يحترق بنيران الغدر ولكنه بطريقة ما….مازال ينبض.

عرفها (عسران)ببقية العائلة،فكانت تبتسم بمجاملة وروح…..خلت من الحياة.

_________________

كان يقف بالخارج يتطلع إلى شرفات المنزل بلهفة،لم يهدأ له بال حتى وصل إليها ،يبغى فقط رؤيتها فقد إشتاق إليها حتى أصبح مجنونها..مجنون (نوار).

يريدونه أن يسلاها ..كيف يسلاها وقد ابتلي بحبها فصارت بشرايينه تسرى كما تسرى الدماء؟هي نفسه التى يفتقدها بجنون،يبحث عنها بين جنبات وجدانه فلا يجدها فيشعر بالتيه..أكثر مايخشاه القدر والفراق ،يختنق لمجرد شعوره بأنهم يبقونها بعيدا عنه ،يتساءل عن السبب..هي زوجته ..روحه التى سكنته..هي إبنة عمته،أولم ترد أمها ان تزوجها إبن أخيها (عسران)..هاهو ذا..أوليس ولده؟!
لا ..ليس ولده ..فإن كان ولده حقا ماتخلى عنه لأي سبب من الاسباب..هو مجرد طفل أنجبته الخطيئة فصار هكذا..لا قيمة له بين البشر.

لا يهمه..لقد إرتضى بنصيبه أيا كان، ولكن فراقها هو شيئ لن يرتضيه أبدا،شعوره بأنها تلومه يقتله ..ظنها الخائب فيه يمزق روحه لأشلاء..يبغى أن يفسر لها ،يخبرها بالحقيقة كاملة،لا تدرى أنه مااخفى عنها ماضيه سوى لخزي يقبع بدواخله،ماأخفاه عنها سوى لشعوره بأنه منذ عرفها وأحبها صار رجل آخر لا يشبهه فى شيئ ….سوى إسمه.

جلس على الرصيف ،ينتظر طلتها..يكفيه أن يكون حدها،لم يعد يطيق الوجود فى بلدته،حيث كان بين عبقها يحيا،فأخذت معها عبقها حين رحلت..تهمس له تلك الأماكن التى جمعته بها قائلة …
لقد كانت هنا يوما واليوم رحلت..
توقفت به الحياة وأصبح حقا غريبا فى وطنه بعد إن رحل من وطنه الصغير …قلب(نوار).

أمسك عصا صغيرة يكتب على الرمال أمامه إسمها ،يدندن بحب وشوق امتزجا بمرارة الغياب:
-الفراق جاسى ..
أيامه ولياليه طويلة..
والضلمة محاوطانى من كل يما..
مستنى أشوفك عشان السمس تشرج وتنور صباحى وتعدل الميلة…
كيفك انت..
جوليلى عاملة إيه فى ليل الفرجة..جوليلى عتلومينى ولا جلبك سامحنى خلاص ونسى النار والحرجة؟
طب مش هتاجى؟
مش هتبلى ريجى الناشف بكلامك المعسول؟
مش هتسد جوعي بلمستك اللى كيف الزاد، اوعاكى غيابك يطول؟
ياأغلى علي م الدنيا ومن روحي..
ياكيف البلسم اللى عيطيبلى جروحي..
يانسمة بتهل تبرد جلبى اللى والع نار..
ياما نفسى يجمع مابينى وبينك دار…
بجيت زي مجنون ليلى بنادم عليكى ليل ونهار…
وعم بستنى تطلى كيف صاحب الكيف لما يستنى الجهوة…
طلى ياسمسى، يانوارة جلبى..طلى لجل تبرد نارى وينطفى لهيبي من جوة..
كيف الشجرة عشطان والريح بتهبد فية وتهزنى ..مستنيكى تسجينى عشان أجف جصاد الريح وعودي من تانى يزداد جوة.

_______________

لم يستطع النوم ،يتقلب ذات اليمين وذات الشمال،يشتعل قلبه بأتون الغضب فلا يغمض له جفن دون ان يشعر باللهيب،حانت منه نظرة إلى وجه زوجته النائمة فى سلام ،أغمض عيناه وهو يشعر بالذنب تجاهها ،فها هي بجواره ولكن عقله وقلبه مع أخرى،أخرى تركته راحلة بعد أن عادت إليه ذاكرتها ،لقد قالت له (ناتالى)..
دع مسافة بينك وبينها..ربما تكون مرتبطة..أنت لن ترضى لها ان تكون خائنة.

نعم حذرته (ناتالى)ولكن بعد فوات الأوان لقد كان قد أحبها بالفعل وإنتهى الأمر،ولكنها هي المخطئة ،(شذا)..كان لابد وأن تدرك حين عادت إليها ذاكرتها أنها إمرأة مرتبطة فلا تكتب لآخر عن العشق.

(أنا حبيتك جدا)…

لماذا قالت تلك الكلمات وعلقت قلبه بها أكثر إن كانت مرتبطة؟
لما منحته أملا فى عشقها؟!!!!!

(شذا ومش هكون غير شذا..بحبك)…

وهاهي تنكرت ل(شذا )و أصبحت( فدوى )…
ولم تكترت لهذا الهوى الذى تشدقت بالتصريح عنه…
بقربه هي ولكنها بعيدة كل البعد عنه..
يلوم والده على عذاب قربها الذى يقض مضجعه..
فهو من دعا حماه وعائلته لقضاء بضعة أيام معهم هنا..ولم يدرى كم يصعب عليه تحمل ذلك،يتركه مشتعلا بنار الجحيم ولكنه عاد ليدرك أنه هو.. من أشعل الفتيل.

فتح عيونه وهو يزفر بقوة،يشعر بأنه لن يستطيع البقاء فى سريره لحظة واحدة ،بل فى حجرته بأكملها،نهض يسحب عبائته وهو يغادر الحجرة متجها إلى الحديقة بخطوات سريعة غاضبة..توقف متجمدا حين رآها جالسة على إحدى المقاعد تمنحه ظهرها ،تنسدل خصلاتها خلف ظهرها ،تتمايل مع إهتزاز جسدها فيميل قلبه مرغما،أغمض عيناه عن مرآها فشوقه يغمره وينسيه هذا الأتون المستعر فى قلبه غضبا،يود لو اسرع بخطواته وضم جسدها الصغير هذا إلى صدره يشبع توقه الشديد لها ..ينفض عنه شعور الغربة الذى ينخر فى كيانه ويشعر بأنه صار ….بالوطن.

فتح عيونه الغائمة بالعشق وهو يلتفت مغادرا ولكن شهقاتها الصغيرة أوقفته متجمدا ،إلتفت إليها ببطئ يتأكد من أن تلك الشهقات تصدر منها هي،لتتسع عيونه وشهقة أخرى تصله ليقترب منها فى خطوتين يتوقف خلفها تماما وهو يقول بصوت هامس:
-شذا.

إنتفاضة إعترت جسدها ويداها تتحركان بسرعة تمحو دموعها على مايبدوا قبل أن تنهض وتواجهه بنظرات باردة قائلة:
-فدوى..إسمى فدوى.

عيونها المنتفخة قليلا من أثر البكاء رق لهما قلبه فقال بصوت حان:
-اللى عرفتها وحبيتها كان إسمها شذا لكن فدوى دى انا معرفهاش.

قالت بصوت هادئ:
-حبى ليك خلانى إتحولت لشذا ،كنت بحاول أقاوم عشان ماأغرقش بهموم فدوى بس دلوقتي مبقاش في داعي لشذا ،الظاهر ان قدر فدوى هيلازمها حتى لو غيرت اسمها وحياتها ودنيتها كلها،روح دور على شذا يامهران فى حتة تانية،لإنها خلاص مشيت ومبقاش لها وجود،اللى أدامك دلوقتى تبقى فدوى ..فدوى اللى ميهمهاش فى الدنيا دلوقتى غير نفسها وبس.

قال بقلة حيلة:
-وشذا راحت فين؟!

قالت:
-رجعت لنصيبها.

تقصدين (رحمان)أليس كذلك؟تلقين بها بكل قسوة فى وجهى، أمسك ذراعها بقوة يقول بمرارة:
-جبتى القسوة دى منين؟انتى مكنتيش كدة.

طالعته بعيون غاضبة وهي تقول:
-انتوا السبب..انتوا اللى خلتونى كدة،متلوموش غير نفسكم،أنا بكرهكم..بكرهكم كلكم.

عقد حاجبيه قائلا:
-كلنا مين؟

كادت أن تقول(أنتم عائلة الهوارى..فأحدكم قتل امى ويريد أن يزوجنى بآخر شاركه الجريمة،وانت ياهواري..من أحببتنى ومنحتنى أملا فى الحياة ثم حين رحلت تزوجت بأخرى ونسيتنى وكأننى لم أكن يوما جزء من حياتك وكأن عيناك لم تعدنى بالكثير..فصارت كل الوعود رمالا تذروها الرياح)ولكنها إكتفت بقول:
-الرجالة ..مبكرهش فى حياتى أدكم ولو طولت أجرحكم كلكم هعملها،هعملها ومش هندم أبدا.

ترك يدها قائلا بجزع:
-انتى قصدك ان مشاعرك كانت تمثيلية قصدتى بيها تعلقينى بيكى وبعدين تمشى وتعذبينى ؟!

لم تجبه وإنما طالعته ببرود فأردف قائلا بغضب:
-معقول إنى إتخدعت فيكى بالشكل ده،معقول تكونى بالقذارة دى؟

قالت بسخرية:
-لا ..أرجوك..عذاب إيه اللى بتتكلم عنه،إنت مش آخد بالك إن حضرتك معشتش على أطلال حبى لمدة سنة حتى،ده انت إتجوزت علطول وعايش حياتك بالطول والعرض ولا كأنك عرفتنى وحبيتنى زي ما كلامك بيقول،فبلاش تمثل دور الضحية لإنه مش لايق عليك.

عقد حاجبيه قائلا:
-إنتى تخرسى خالص،إنتى متعرفيش حاجة عنى ولا عن مشاعرى..كويس إنى قابلتك من تانى ،عارفة ليه؟عشان أبطل الهبل اللى كنت عايش فيه وأفوق ،وأقدر مراتى اللى مكنتش عارف أسعدها بسببك انتى وبسبب لعنة حبك..دلوقتى هقدر أكمل وأنا…..

أمسك رأسه فجأة يضغط عليها بقوة،فعلته تلك مع شحوب وجهه أصاباها بالقلق،فإقتربت منه بسرعة تربت على كتفه قائلة:
-مهران إنت كويس؟

نفض يدها عنه قائلا:
-بعدى عنى.

تراجعت خطوة بينما عاد ليمسك رأسه بكلتا يديه،وهو يإن لتقول بصوت قلق:
-مهران….

قاطعها بجلوسه المنهك فجأة فرأت تلك الدماء التى تنزف من أنفه لتقول بجزع:
-مهران انت بتنزف .

اقتربت منه تجلس على ركبتيها أمامه وهي تمسك بشالها وتمسح به الدماء من على وجهه ليطالعها بعينيه التى تعلقت بعينيها فتوقف الزمن ،لم يعد هناك غضب او لوم او عتاب ..لم يعد هناك زيف فى المشاعر ..لم يعد هناك سوى شعورهما الذى لاريب فيه..عشق خالص لا تشوبه شائبة،كانت هي اول من قطع تلك العلاقة وهي تبعد ناظريها عنه قائلة:
-وطى راسك عشان النزيف يقف.

قال بصوت منهك:
-شذا..انا…

قاطعته قائلة بحزم:
-قلتلك وطى راسك عشان النزيف يقف.

أطاعها بصمت ،نهضت تنوى إخبار أحدهم ليساعده فوجدت (محمد)قبالتها يناظرها ببرود،فقالت له بسرعة:
-إلحق مهران يامحمد،بينزف مش عارفة ليه؟!

إقترب (محمد)من (مهران)يفحصه بسرعة قبل أن يقول:
-متجلجش يامهران،الموضوع باذن الله بسيط،لكن عاخدك المستشفى عشان أفحصك ونطمن أكتر.

هز (مروان)رأسه ببطئ وهو منهك الجسد و يشعر بوجع فى رأسه لايحتمل..قالت(فدوى):
-أنا هاجى معاكم؟

قال(محمد)بإستنكار:
-تاجى فين بس؟خليكى إهنه،عشان تبلغيهم باللى حوصل ومتخرعيهمش..الموضوع مش كابير وآنى هبجى أطمنهم بالمحمول.

هزت رأسها مرغمة على المكوث،بينما أسند (محمد)(مهران) حتى وصلا إلى سيارة الأول فأجلس الأخير بحرص ثم إتخذ مكانه فى مقعد القيادة راحلا ،بينما تبعتهما هي بسرعة وهي تشير لسيارة أجرة..تخبر سائقها أن يتبع تلك السيارة التى غادرت للتو وأن لا يجعلها تغيب عن ناظريه..أبدا.

_______________

ماإن غادر (محمد)مع الطبيب ،حتى دلفت هي إلى الحجرة متسللة بهدوء،رأته نائما فى السرير ،قد عاد اللون قليلا إلى وجنتيه،إقتربت منه تتشرب من ملامحه التى عشقتها دوما..أمسك بيده الرابضة إلى جواره تقول بهمس مرير:
-سامحنى ..أكيد انا السبب فى اللى حصلك،أنا آسفة بس كان لازم اعمل كدة،لازم كنت تحس إنى عمرى ماحبيتك وإنى كنت بضحك عليك وبخدعك،انت خلاص مبقتش لية،بقى قلبك ومشاعرك وحياتك ملك لواحدة تانية،وهي أحق بيك منى،مبقاش ينفع تجمعنا حكاية واحدة،كان لازم تكرهنى عشان تكمل،أنا شفت نظرتك ليها،مفيهاش الدفا اللى بشوفه فى عنيك لما تبصلى،ذنبها إيه إنى حبيتك وانت حبيتنى من قبل ماتشوفها أو تعرفها ؟لما إتفاجإت بوجودك وجوازك من بدارة سألت زهرة ،حبيت أعرف خنتنى إزاي وليه؟حبيت أتأكد انك لما عرفتنى مكنتش خاطبها وبتلعب بية وبمشاعرى..حكيتلى عنكم وعرفت انت إتجوزتها إزاي.. وإيه اللى ممكن يحصل لو إتخليت عنها عشانى،فلازم تنسانى يامهران عشان خاطرها وخاطر عيلتك،وانا كمان لازم أنساك عشانك،أنا مش ورايا غير التار والدم ..مش ورايا غير هلاكك وموتك..عيش يامهران..عيش عشانى أنا.

تأملته للحظات قبل ان تميل وتطبع قبلة على جبينه رافقتها دمعة ،إستقامت تمسحها بأناملها ،تترك يده وتغادر الحجرة بسرعة ودموعها تتساقط على وجهها كشلال متدفق،بينما ظهر (محمد )من أحد الأركان ينظر فى إثرها بعيون غائمة حزنا،قبل أن يجرجر قدميه ويجلس على كرسي أمام الحجرة يستند بكوعيه على فخذيه ويضم رأسه بين يديه ….ألما.

_______________

إستقبل الجميع (مهران)بالترحاب ،والعبرات خاصة والدته ثريا وزوجته (بدارة)اللتان أخذت كل واحدة منهما بذراع له تأبيان تركه او الإبتعاد عنه ،مما أثار مزاح الآخرين ..إضطرتا (زبيدة)و(نوار)للخروج من حجرتيهما للمشاركة فى إستقبال (مهران)فتعجبت(ثريا)من إستكانة (زبيدة)وإنكسار نظراتها،إلى جانب شحوب (نوار)وهزلانها،تنوى البحث ورائهما ومعرفة السر فى ذلك،تشعر بوجود مشكلة ما تخصهما وتنوى مساعدتهما قدر الامكان،فرغم كرهها لتصرفات (زبيدة)إلا أنها تظل من عائلتها والعائلة شجرة تظلل على أفرادها تحميهم من كل شر وتسندهم وقت الحاجة .

إنفض الجميع وذهبوا إلى حجراتهم بعد أن دلف (مهران)إلى حجرته بينما غادر(عسران) و(عويس)إلى الفندق ،ينوى (عويس)ان يفاتح(عسران)لخطبة إبنة الأخير لولده (ناجى)و ظلت ثريا بالمطبخ تحضر الطعام مع (حورية و نفيسة).

وجدت (زهرة)زوجها(محمد)يجلس فى حجرتهما ..هادئ على غير عادته ،إقتربت منه وجلست بجواره قائلة:
-مالك ياسى محمد،إيه اللى شاغل بالك و مكدرك إكده ؟!

طالعها للحظات قبل أن يقول بحزن:
-خيك يازهرة.

نهضت قائلة بجزع:
-ماله مهران؟إوعاك يكون مرضان وانت عتخبى علينا؟!

سحبها من يدها يجلسها قائلا:
-إهدى بس،خيك زين..اللى فيه ده شوية سحر ،الشيخ وهدان عيخرجه منه بإذن الله.

طالعته بحيرة قائلة:
-وده اللى شاغلك ومكدرك بالشكل ده؟انت مش جلت حاجة بسيطة؟

شرد قائلا:
-انى مش خايف من سحر الشياطين يازهرة،ده مجدور عليه وربنا جادر يرد سحرهم،لكن سحر الإنس كيف بس نرده؟

إزدادت حيرتها قائلة:
-سحر الإنس ،جصدك إيه؟أنى مفهماش حاجة واصل.

عاد يطالعها بعينيه قائلا:
-خيك عشجان يازهرة.

لمعت عيناها قائلة بخجل:
-وفيها إيه دى؟ماإنت عشجان ياسى محمد.

قال(محمد)بحزن:
-أنى عشجان مرتى..حلالى،لكن هو عشجان مرة تانية غير بدارة خيتي.

إتسعت عيناها بدهشة قائلة:
-مرة تانية،تبجى مين المرة التانية دى وعرفها فين وإزاي،يكونش جصدك نوار..لع..دى…..

قاطعها قائلا:
-خيك عشجان فدوى.

تجمدت ملامحها للحظة قبل ان تنفجر ضاحكة وهي تقول:
-فدوى..كيف يعنى عيشجها؟ده لسة عيشوفها امبارحة بس،شكلك جنيت إياك.

طالعها بغضب فأسرعت تقول برجاء:
-سامحنى يااخوي مجصدش والله ،أنى بس مش عارفة اعجل الكلام.

لانت ملامحه وهو يقول بمرارة:
-اللى معيعرفش هيجول كيف مابتجولى تمام،بس أنى سمعتها بودانى وشفته كيف بيطلعلها،خيك عشجها لمن كان فى روما،جبل ماياجى بلدنا ويتجاوز بدارة.

إتسعت عيونها بصدمة قائلة:
-طب والعمل ياسى محمد؟ده كنه هيبجى خراب مستعجل.

اطرق (محمد)برأسه قائلا:
-مش عارف يازهرة بس على صدرى هم تجيل ومش عارف آخد نفسي او أفكر منيه،خيتى لو عرفت أو أبوي….

قاطعته وهي تمسك بذقنه ترفع رأسه ليطالعها قائلة بحنان:
-سيبها لربك يامحمد،جوم إتسبح وإتوضى،زيل عن جسمك همه وابعد عن عجلك الأفكار العفشة وتعالى نصلى وندعى ربنا يفرج الهم وهو جادر يكتب اللى فيه الخير.

هز رأسه وهو يربت على يدها بيده الحرة بحنان قبل أن ينهض ويتجه إلى الحمام بخطوات بطيئة حزينة .

_______________

عاد كل من(عسران)و(عويس)من الفندق تحمل وجوهم فرحة المصاهرة مجددا،ليلمح (عسران)(راجى)يجلس أمام المنزل،توقف بالسيارة،قائلا ل(عويس):
-إسبجنى إنت ياحاج،أنى ورايا مشوار هجضيه وأعاودلكم ،مش هعوج بإذن الله.

هز (عويس)رأسه وهو يهبط من السيارة متجها للمنزل،بينما يتابعه (عسران)حتى اختفى داخل المنزل،ثم هبط بدوره يتجه ل(راجى)و يمسك بتلابيبه قائلا بغضب:
-عتعمل إيه إهنه يابومة ؟إيه اللى جابك ورانا؟

قال(راجى)بجسد هزيل أنهكه الشوق وقلة الطعام:
-عستنى سمسى لما تطل وتضوى نهارى عشان تزول العتمة اللى عايش فيها.

قال(عسران)بإستنكار:
-كنك جنيت، هم ياواكل ناسك، كدامى على الحية أمك ،كداااامى.

إستسلم(راجى)ليد(عسران)يجرجره خلفه وقد شعر بالضعف ،ليضعه فى مكانه بالسيارة ويصعد بدوره إليها يقودها إلى بلدتهم بسرعة وكأنه يسابق الريح.

____________

كانت تجلس منهكة بعد ليلتين قضتهما فى القبور ،تصنع العمل ل(مهران) ،وتدفنه هناك،طرقات عنيفة على الباب فتحاملت على نفسها ونهضت تفتحه،ولكنه فتح فجأة ووقف (عسران)على عتبته،يمسك بتلابيب إبنها شاحب الوجه مغبر الثياب،ظهر على ملامحها الجزع وهي تجرى عليه قائلة:
-راجى..ولدى ..عملت فيه إيه ياعسران؟

دفعه (عسران)ليقع بين يديها فاسرعت تسنده و(عسران)يقول:
-أنى لساتنى معملتش حاجة بس جسما عظما لو جرب من بتنا تانى لأجتله وأشرب من دمه كمانى.

قالت (عوالى)بغضب:
-جادر وتعملها ياإبن إحسان،جادر تجتله بدم بارد ولا كنك بتجتل حشرة وبتدوسها برجليك،جادر تجتل ولدى اللى ماليش غيره بالدنيا،سندي وعزوتي وناسي،وتحسرني عليه،بس ياترى لو تعرف إن الواد ده من صلبك هتجتله برديك بدم بارد إياك؟!

إتسعت عينا(عسران) بجزع وهو ينقل بصره بينها وبين (عوالى)قبل ان يستقر بصره على (راجى)الذى طالعه بعيون ذابلة وأنفاس متهدجة وجسد على وشك الوقوع أرضا ،ليستمع إلى صوت (عوالى)وهي تقول بشماتة:
-إيون ياعسران،ملى عنيك منيه،عيشبه جدك صالح الله يرحمه مش إكده،لازمن طبعا مش حفيده،إتطلع ياعسران لولدك منيح،ولدك اللى إتخليت عنه وعن أمه زمان،وجه الوجت عشان تدفع التمن.

كاد (عسران)ان يقع أرضا من هول الصدمة ولكنه إستند على الجدار وألم فى قلبه يزداد …مع الوقت.

رواية على الرقاب قدر نافذ.

بقلم شاهندة.

الفصل الخامس عشر

____قلوب مثقلة بالحقيقة____

الحقيقة عندما تباغتك فجأة تكون كالعاصفة ،تجتاح الوجدان وتقصف برياحها العاتية جذور قلبك فتقتلعه بقوة وتدخله فى دوامة من الأحاسيس…
تثير بركانا من الدهشة التى تمتزج بالغضب والإستنكار …
تثير أسئلة عديدة من الأفضل أن يكون إجابتها الآن الصمت ….
فقد طوى الزمان الذكريات ولم تعد عودة المشاعر بالإمكان..
الحب قد أصبح كراهية،وقست القلوب لتصبح أحجارا قاسية.

لا أحد كسرته الحقيقة مثلى ولا أحد أخرسته برودتها وارتجفت لها أضلعه مثلى..قلبى يإن بلا صوت ويصرخ بلا آهة..
فالحقيقة مؤلمة وثناياي تأسى منها لوعة، والجسد يموت حزنا…ورغم كل ذلك أجدنى مضطر للصمود،فعائلتى مازالت تحتاجنى وماأراه امامى شرا، لابد وأن أتصدى له بكل قوتى.

أفاق من صدمته المفجعة على صوتها وهي تقول:
-سكت ليه ياحاج؟الجطة كلت لسانك عاد ولا الحجيجة مرة هتحرج جلبك وتخرس حسك؟

طالعها بعيون قاسية ،وقد تمالك نفسه ..يقول بغضب:
-حجيجة إيه ياولية؟بكفاياكى عاد،روحى شوفى حدا تانى تلزجيله المحروس إبنك،أنى ميخرجش من صلبى حدا يهتك الأعراض ويكون جلبه سو إكده،أنى ميخرجش من صلبى غير راجل صوح كيف مهران،أما البغل ده،فبجولهالك أهه من تانى،لو شوفته هوب حدا دارى ولا حدا من عيلتى فهجتله وملوش دية عندى كمانى..مفهوم؟

إستدار يغادر المكان دون أن تجيبه،فقالت بغل:
-بتخونى لتانى مرة ياعسران،وبتخون ولدك ،بتسيب يده وهو فى حاجتك،بس معستغربش لإنك طول عمرك جبان،إخلج لنفسك ألف عذر عشان تتخلى عنيه ،إجنع نفسك إنك عتعمل الصوح عشان خاطر عيلتك،سيبنا وإرحل من تانى ياحاج بس وعد منى،العيلة اللى عتهمك أكتر منى ومن ابنك هدمرهالك ،وابنك اللى عمن بتتفاخر بيه عخليه كيف الورجة اللى جعطناها من كراس ومبقالهاش عازة غير الرمي،عتشوف كيف راح أسوى فيك وفى عيلتك ياعسران..

لتصرخ بمرارة وهي تضم ولدها خائر القوى إلى صدرها :
-عتشووووووف.

_______________

كان يجلس شاردا ،يفكر فى تلك المفاجأة التى ضربته اليوم فى وجهه،ترى هل فعل الصواب أم أخطأ كما فعل بالماضى؟يشعر بوجود خطب ما،يشعر بأن هذا الذى يدعى (راجى)من صلبه حقا،يشبه كثيرا جده (صالح)كما قالت تلك الحية(عوالى)،ولكن ماذا يفعل تجاه تلك الحقيقة؟هل يعترف به إبنا له ويحطم تلك العائلة التى بناها فى سنوات؟لا يستطيع أن يفعل ذلك مطلقا..سيخسر كل شيئ إن فعل.

زفر بقوة،ثم إنتفض على صوت (عويس)وهو يقول:
-عتجعد لحالك ليه ياحاج؟كنك زهجت منينا إياك.

أرغم نفسه على إبتسامة باهتة وهو يقول:
-واه متجولش إكده ياعويس،ده انتوا منورين الموكان ومونسينا.

طالعه(عويس)بنظرة متفحصة قبل أن يقول:
-جواتك حاجة كابيرة مخبيها فى جلبك ومتاويها بين جدرانه،عتفط ع خلجتك ومرايداش تفضل جواتك ياولد عمى.

تنهد(عسران)قائلا:
-الهم ورانا ورانا ياأخوي،معيرضاش يفوتنا..السحر اللى عم يصيب اولادنا ويصيبنا هم ملوش آخر ومعرفش إزاي أجضى عليه وأريح الكل.

ربت (عويس)على فخذه قائلا:
-متشيلش الهم ياأخوي،احنا جنبك وحدك ومعيرتحلناش بال غير لمن نلاجى ولد المحروج اللى عيعمل الأعمال دى وندفنه وهو حي عشان يتعذب كيفنا ومبجاش يإذى حدا واصل،فوج بس وجوم غسل وشك وتعالى نفرحوا الولاد بخبر خطوبة ناجى والمحروسة بتك،عايزين نفرحوا شوية،بكفايانا حزن عاد.

هز (عسران)رأسه ونهض يتكئ على عصاه ببطئ،يمشى بخطوات حزينة تحمل هما لا ينقضى،يتابعه (عويس)وهو يدرك مع كل خطوة ان هناك شيئ قد حدث فى تلك الساعات القليلة الماضية،شيئ كدره وكسر ظهره هما،لايريد البوح به فى الوقت الحاضر ولكنه سيبوح به قريبا ،فالهم مثل شيئ سام ابتلعته فوجب أن تلفظه خارجا وإلا دمر جسدك وأفناك رويدا رويدا.

_______________

قال(عويس):
-خير يابتى ؟!

نقلت (فدوى)بصرها بين(عسران)و(عويس)قائلة:
-الحقيقة أنا حبيت أتكلم معاكم على إنفراد لإنى مش عايزة حد يعرف خالص باللى هقولهولكم ده،ولا حتى طنط ثريا أو ولاد خالى وولادك ياعمى .

قال(عسران)بقلق:
-جلجتينا يافدوى،جولى يابتى وسرك فى بير غويط ملوش جرار.

قالت بنبرات حزينة:
-مكنش قصدى اخبى حاجة عنكم بس ملقيتش الوقت المناسب اللى أحكيلكم فيه ،أنا صحيح اتخطبت لابن عمى رحمان،بس غصب عنى وأنا جيتلكم هربانة من عمى وابنه وطالبة حمايتكم منهم.

عقد (عويس)حاجبيه وتبادل نظرات سريعة مع (عسران)قبل ان يعود بنظراته إليها قائلا بغضب:
-هم عملوا فيكى حاجة؟هددوكى،إذوكى..غصبوا عليكى كيف يعنى؟

طالعتهما بنظرات محملة بالحزن قائلة:
-فى البداية ،وبعد وفاة والدتى لما عرض علية عم توفيق انى أتجوز ابنه ممانعتش،انا وحيدة وفى بلد غريبة وابن عمى أحسن من الغريب ،بس فى يوم سمعتهم بيتكلموا مع بعض،ومن الكلام فهمت إنهم هم اللى……

صمتت تبتلع غصة فى حلقها وعيونها تغشى بالدموع،ليقول (عسران)متوجسا:
-هم اللى ايه يابتى؟كملى الله يرضى عنيكى.

طالعتهم بثبات وهي تقول :
-هم اللى قتلوا أمى .

ظهرت الصدمة واضحة جلية على محياهما،ليقول (عويس)بجزع:
-عتجولى إيه يابتى؟حسنة ماتت مجتولة ؟وعلى يد توفيج وولده.

هزت رأسها ببطئ حزين قائلة:
-ده اللى حصل ياخالى،لما عرفت الحقيقة هربت منهم ولما لقونى مقدرتش اقولهم انى عرفت والا كانوا هيقتلونى انا كمان ،فاستنيت اول فرصة وهربت منهم تانى وجيت على هنا،على بلد أهلى ،قلت هلاقى معاكم أمانى اللى ملقتوش فى الغربة،قلت انكم بس اللى هتقدروا تحمونى منهم،لإنهم هيدوروا علية وأكيد هيوصلولى هنا،أنا مكنتش ناوية أقولكم دلوقت ..كنت هستنى الوقت المناسب واحكيلكم على كل حاجة،بس لما قلتم من شوية انكم هتبعتوا لعمى عشان يرجع ونعمل فرح جماعى ، لقيتنى مضطرة أتكلم.

قال(عسران)بصدمة:
-معجول توفيج جتل حسنة ،معجولة الغربة عتغير الجلوب وتخلى الدم يبجى مية ؟

قال(عويس)بصوت حاد كالسيف يمتلئ بالغضب فى طياته:
-عشرب من دمه هو وولده واطفى نارى اللى جادت جوايا،هاخد بتار خيتي منيهم لو هوبوا يمتنا،يمين الله ماعسيبهم الا وهم جاطعين النفس وادفنهم بأرضهم وساعتها هاخد عزا خيتي فى دارى،جلبى جايد نار ياخيتي،جلبى جايد نار يازينة بنتة الجبالى.

قالت(فدوى)بألم:
-من فضلك ياخالي تهدى وتوطى صوتك ،انا قلتلك إنى مش عايزة حد غيرنا يعرف.

ربت (عسران)على كتفه قائلا:
-هدى أعصابك يااخوي،هناخد بتارها وهنريحها فى جبرها بس عايزك تهدى عشان نعرفو نفكروا زين.

هز (عويس)رأسه قائلا:
-هنبعتله ونجيبه هو وولده وهنجتلهم وناخد بتارنا جبل فرح ناجى ،انى مش عفرح غير لمن آخد بتاري ياعسران.

هز (عسران)رأسه قائلا:
-عيحصل يااخوي،عيحصل.

لتطالعهما (فدوى)بقلب شعر لأول مرة منذ زمن بأنه صار خفيفا غير مثقل بحقيقة أخفتها بطيات قلبها خوفا وأطلقتها حين شعرت….بالأمان.

___________________

جلست تطالع تلك الأزهار الجميلة بشرود حزين،طيفه يحوم حولها ،تراه دوما ولكنها لاتستطيع الوصول إليه،يحيطه الجميع عاداها،زوجته ووالدته وأخواته..يساعدونه جميعا ولكنها لاتقوى على مد يد العون إليه ،مكبلة بقدرها مرغمة على المكوث ثابتة لا تتحرك وهي ترى ضعفه ،تبغى ان يكون كتفها هو من يستند عليه ويدها هي من تساعده على الحركة،ولكن عيون زوجته وبعض المحيطين به تقذفها بنظرات الشك فى اهتمامها به،تتساءل عن دوافعها،تجبرانها على إلتزام جانبها وإدعاء التجاهل وعدم الاهتمام،وكم يصعب على المحب الإدعاء بالعكس..ولكن ذكرياتها المحطمة وتلك الغصة بحلقها والتى تخبرها بإستحالة ذلك الحب يساعدانها بقوة،خاصة و(مهران)يعاملها ببرود شديد وتجاهل متعمد منذ عودته من المشفى.

أفاقت من شرودها على صوت (عزام )وهو يقول:
-علطول إكده شاردة منينا يابت عمتي.

طالعته بهدوء يخفى حنقها من ملاحقته الدائمة لها منذ عودتها لبلدتها،يظهر اهتمامه ورغبته فيها دوما بكلماته المبطنة ونظراته الصريحة الراغبة،رغم انه رجل متزوج من إمرأة جميلة،تصده(فدوى) دوما بهدوء وروية،لا تبغى أن تفقد آخر سبل الأمان بالنسبة إليها،لا تبغى أن تخلق نزاعا لا داعي له،فيبدوا ان نسوة العائلة لايتقبلنها بينهن ،يغرن على أزواجهن بالتأكيد ،رغم أنه لاذنب لها فى أنها تجذب إليها الرجال كما تجذب النار الفراشة …ولكنها هي من تحترق.

أشاحت بوجهها قائلة بهدوء:
-لما بفكر بحب اكون لوحدى عشان أقدر آخد قرارى صح.

جلس قائلا:
-طب ماتشاركينا أمورك،مش جايز نجدروا نشورك وندوكى النصيحة الزينة.

نظرت إليه قائلة بإبتسامة باردة:
-مع الأسف مبحبش أشارك حد فى قراراتى ،قرارى لازم يكون من هنا..من هنا وبس.

كانت تشير لعقلها وهي تتحدث،ثم اردفت وهي تنهض قائلة ببرود:
-عن إذنك،هروح لطنط ثريا لإنها كانت عايزانى.

تركته مغادرة بهدوء،يغلى غيظا لتجاهلها إياه على هذا النحو وصدها الدائم له،بينما هناك من كانت تتطلع إليهما وتنقل بصرها بين تلك المغادرة بملامح حانقة وبين ذلك الذى تجهمت ملامحه ،تدرك ان تلك الفتاة أصبحت خطرا على زواجها لابد لها من الخلاص منه قبل فوات الأوان.

______________

أخذ نفسا من سيجارته وأطلقه بقوة،مازال مختنقا ولم تريحه أنفاسها كما إعتقد انها ستفعل،هبط من سريره وإتجه إلى الشرفة يحاول أن يدخل بعض الهواء إلى صدره المختنق،فرك سيجارته فى سور الشرفة ،ثم القاها بقوة ،يود لو ألقى بهمومه مثلما ألقى بسيجارته بعيدا،لتختفى وتريحه بدورها.

حانت منه نظرة إلى الحديقة فرآها تغادر بخطوات سريعة حانقة بينما يتابعها(عزام)بعينين غاضبتين وملامح متجهمة،عقد حاجبيه بشدة،يتسائل عما دار بينهما من حديث،يشعر بغيرة حارقة تسود كيانه،تبا..ماذا دهاه؟
ألم يقسم على نسيانها؟!
ألم يعد نفسه أنه سيقتل حبها فى قلبه ؟!
سيحرقه حتى يصير رمادا تزروه الرياح؟!
ألم يقسم على أن يكون لزوجته قلبا وقالبا؟!
ولم يفى بكل قسم أقسمه حتى الآن..

فحتى زوجته،لم يعد يقربها وقد بات طيف حبيبته يحوم بالاجواء،يجبره على أن يكون راهبا فى محرابها وفى محرابها سيظل متعبدا حتى تنظر فى أمره او يفنى ويزول ويظل عشقه ذكرى لا تزول،يرى الظنون تعصف بقلب زوجته وتطل بعينيها،يتعلل بمرضه فتتظاهر بالتصديق ولكنه بات يدرك سكناتها،هي لا تصدقه ولكنها تتظاهر بتصديقه إرضاءا له وهذا يزيده ألما ويغمره فى أتون الذنب وجحيم الأسف.

زفر بقوة قبل ان يدلف إلى الحجرة ويرتدى ملابسه إستعدادا للخروج فقد بات لايطيق وجوده معها فى مكان واحد..ولكنه توقف وظنونه تجتاحه،إلى أين المفر ؟وهو فى كل مكان تطارده بطيفها..
ألم يكن مريضا فى المشفى وحلم بها بجانبه ؟!
ألم تمسك بيده وتسأله السماح؟!
ألم تقل له أنها تحبه وأنها خدعته فقط لإنه لم يعد لها،بل صار لأخرى غيرها؟!
ألم تخبره بأنها ماإبتعدت سوى لإنها تخشى عليه من هلاك وثأر يحاوطها من كل جانب؟!
ألم يتخيل كل ذلك واهما ليعلل لها خيانة تمزق قلبه وتحطم كيانه؟!
تصرفاتها تدحض أوهامه..
تجبره على أن يكذب عيناه التى رأت نظرة العشق ممتزجة بخوف ولهفة فى عينيها حين رأته ينزف دما..
يكذب قلبه الذى يقسم ان عشقها كان صادقا فى روما وكان صادقا فى تلك اللحظة التى جثت فيها بجواره تمسح دمه بشالها ..
جلس على سريره مجددا وألقى بظهره على سطحه،يغمض عيناه حتى تختفى صورتها التى تمثلت أمامه فوجدها هناك أيضا ..بين جفونه..وكأنه حقا لا مهرب منها سوى إليها هي….شذاه.

_________________

قالت (بدارة)ل(زهرة):
-والله ياخيتي كيف مابجولك إكده،كنها ساحراله،من لمن إطلع فيها وهو بجى واحد تانى غير سى مهران اللى عرفته وحبيته،علطول شارد فى أوضتنا ومعيطلعش لية واصل،ولما باجى اتحدت وياه عيبصلى وكأنه مشايفنيش،طب اجولك حاجة،إنتبهى إكده لما يجمعنا موكان وشوفيه كيف عم يسترج النظرات ليها وكنها عتجذبه كيف النداهة لجل يطلع فيها،وشوفيها كمانى كيف عتبحلج فيه كن مفيش حدا غيره فى جمعتنا،أنا جلبى جايد نار يازهرة،الغيرة عتاكلها وكل، وجتتي عتجيد فيها النار.

لم تستطع (زهرة)ان تنكر كل ماتخبره بها زوجة أخيها ،فهي تلاحظ كل ذلك بنفسها إلى جانب ذلك الحديث التى تبادلته مع(محمد)وجعلها تدرك قصة العشق بين أخيها و(فدوى)،لا تستطيع ان تلومهما على مشاعرهما التى تبادلاها قبل أن تفرق بينهما القسمة ويبعدهما النصيب،ولا تملك سوى التعاطف معهما ومع (بدارة)التى لاتعلم شيئا عن ماضيهما لتربت (زهرة )على يدها قائلة:
-خليكى عاجلة يابدارة ومتعمليش مشكل من مفيش،كلاتها يامين وهنعاودوا البلد وكل حدا فينا هيبجى فى ناحية،ده غير إنها موعودة لابن عمها وفرحها عليه عن جريب مع فرح خيتي وناجى خيك.

تنهدت (بدارة)قائلة:
-ماهو ده اللى عيصبرنى يازهرة،جاعدة أجول كلاتها يامين وعتغور من كدامى وعرتاح من الهم التجيل ده بجى وتبرد نارى.

دلفت(فضيلة)فى تلك اللحظة تزبد وترغى وتتمتم بكلمات حانقة فتطلعا إليها بدهشة قبل أن تقول (بدارة):
-مالك ياخيتي؟داخلة علينا كيف الوابور الوالع ليه اومال.

تطلعت إليهما (فضيلة)قائلة:
-مش عارفة طلعتلى من أي داهية المدعوجة دى ؟عتخطف راجلى وأنا واجفة إكده ،مش عارفة أسوى أي شي.

عقدت (زهرة )حاجبيها قائلة:
-عتجصدى مين ياخيتي؟

تخصرت(فضيلة)قائلة بحنق:
-هجصد مين غير الخواجاية اللى طبت علينا كيف الجضا المستعجل وجننت جوزى وخليته داير وراها كيف….ولابلاش أهو بردك جوزى ومعيصحش أعيب فيه.

قالت(بدارة)بحنق:
-تجصدى فدوى،هي معتعتاجش حدا واصل،مهران جوزى وخيي عزام ،خلى بالك يازهرة لتلوف على محمد هو التانى وتلهفه منيكى.

نهضت (زهرة)قائلة:
-لا حول ولا جوة إلا بالله،بعدوا الشيطان عن عجولكم وسيبوا البنية فى حالها،انى مشفتش منيها حاجة عفشة لاسمح الله وكلاتها يامين وهتتجوز وتعاود بلاد برة من تانى ..متخربوش على نفسيكم أومال..انى ماشية هروح أشوف امى فى المطبخ جايز عتعوز منى أساعدها فى حاجة ،محمد فى الفندج مع ناجى عيطمنوا عليه وياجوا وانتوا كل واحدة تروح تشوف جوزها وبطلوا كلامكم الماسخ ده عاد.

غادرت تتابعها عيون (بدارة)و (فضيلة)التى قالت بسخرية:
-بكرة عنشوفك لمن تلوف على جوزك ،وجتها عتجولى ان احنا كنا على حج وياريتنى سمعت حديتهم.

_______________

كان يناديها كالمغيب…
نوار انتى فين يانوار؟!
لو لفوا الدنيا كلاتها معيلاجوا حدا بيحبك كدى..
ميتة هتاجى وتبردى نارى ياميتي وزادى..
اتأخرتى علية كتير وجلبي عيحس كيف اليتيم فى العيد..
لافرح عيدخله ولا سعد، بس حزين وشايل الهم…
عاوديلى يانوارة جلبى وردى فية الروح…
عموت بلاكى يامهجة الجلب.

نزلت دموع (عوالى)وهي تستمع إليه بينما ترفع عن جبهته تلك القماشة المبللة ،وتغمسها فى بعض الماء،ثم تضعها على جبهته مجددا لتخفف حرارته المرتفعة بشدة بينما ينادى على حبيبته بصوت يقطع نياط قلبها..تبكى قلة حيلتها امام مرض ولدها بسبب فقدانه حبيبته..

مأساتها تتكرر من جديد …
فعندما تعشق وتفقد من تحب.. يقتل العشق قلب وجسد العاشقين،فمنهم من يستسلم لسكينه ليذوى ويموت ومنهم من يقاتل كي يعيش كما فعلت هي ولكن يبدو ان ولدها اضعف منها قوة وأقل همة،ولكنه يظل ولدها الذى ستحارب الجميع من اجله وستنتقم له ولها…وستبدأ بحرق قلوبهم عندما تحرق ما يعدونه فخرهم وأغلى مالديهم..لا ..ليس ولدهم ..فسينتظر قليلا حتى يكتمل عمله الذى تعده بكل ماتملك من سحر لتقضى تماما عليه وستكتفى الآن ….بفندقهم.

___________

كان الجميع مجتمعون يتناقشون فى تفاصيل حفل (ناجى) و (راوية)التى ظهر عليها الخجل،فإكتفت بإبتسامة خجول وإيماءة برأسها على مايقولون،بينما يتطلع إليها( ناجى )بنظرات مسترقة،يزداد إعجابا بها مع كل لحظة تمر..حتى جاء الحديث عن المسكن،فأخبرهم (ناجى)انه خلال السنة الدراسية يقطن فى الاسكندرية،بجانب مكان عمله بالجامعة وفى الإجازة يعود لبلدته وبالتالى ستعيش معه (راوية)..تتنقل بين الاسكندرية وكفر الجبالية،كادت (ثريا)ان تعترض ،لا تريد ان تبتعد عنها ابنتها مدة طويلة بين جنبات بلد غريب عنها،ولكن نظرة واحدة من (عسران)جعلتها تبتلع إعتراضها بجوفها وتحمد الله على زواج ابنتها الصغرى كما زوجت الكبرى من قبلها وقد كادتا ان يظلا إلى جوارها ويحصلان على لقب (عوانس هوارة)،لولا ان أبطل هذا السحر الذى أصابهما على يد أولاد (الجبالى)،وإلا لكانت الآن مع (زبيدة)تلف بإبنتيها على أضرحة اولياء الله الصالحين تسألهم صلاح حال بناتها كما تفعل زبيدة مع (نوار) منذ يومين،رنين هاتف(مهران)جعله يستأذن بالرد عليه فنهض مبتعدا عنهم قليلا ،عادوا إلى حديثهم بينما تعلقت عيون(فدوى)ب(مهران) تتابع ملامحه التى تحولت فى البداية من ملامح مصدومة إلى غاضبة ثم أغلق الهاتف لتشيح بنظراتها عنه على الفور ولكنها تقابلت مع عيون أخرى رمقتها بغيرة امتزجت بحدة جعلتها تطرق برأسها فى خجل ،بينما إقترب (مهران)منهم قائلا بسرعة:
-أنى لازمن أروح الفندج وحالا ..بعد إذنيكم.

نظر إليه الجميع ليدركوا من ملامحه الشاحبة أن هناك خطب ما، قال والده متوجسا:
-خير ياإبنى؟! حوصل حاجة؟

قال (مهران):
-جناح فى الفندج النار جادت فيه ولولا العمال اتصرفوا بسرعة وطفوه كان الفندج كله إتحرج بس ربك لطف.

تنفس الجميع الصعداء بينما أردف (مهران) قائلا:
-المشكلة إنه الجناح الملكي واللى الامير حاجزه آخر السبوع ده عشان يجعد فيه وهو ومرته،ولازمن يكون جاهز جبل ماياجى ومفيش مهندس ديكور هيجدر يخلصه فى يامين تلاتة بالكاتير،فعروح أشوف حدا يجدر حتى لو هندفع الطاج تلاتة،المهم نوفى بإلتزاماتنا.

لم تدرى كيف واتتها الشجاعة لتقول بثبات:
-وليه ندور على مهندسين ديكور وأنا موجودة؟زودونى بعماله كويسة وفى خلال يومين بالكتير هرجع الجناح احسن من الأول بإذن الله.

رمقها الجميع ..مابين عيون دهشة وعيون حاقدة وعيون لاتدرى لما يزداد صاحبهما إعجابا بها بينما من المفترض أن يكرهها خاصة فى تلك اللحظة التى ادرك فيها أنه أحبها دون أن يعلم عنها شيئا ..سوى أنه عشق روحها فحسب.

قال(عسران)بدهشة:
-انتى مهندسة ديكور يابتى صوح؟

هزت رأسها بثبات بينما تتقافز دقات قلبها توترا من تلك النظرات التى انصبت عليها،ليردف (عسران)قائلا:
-وعتجدرى تجهزى الجناح فى يامين؟

هزت رأسها مجددا قبل ان تقول:
-اقدر بس يكون تحت إيدى عمالة كويسة ونشيطة زي ماقلت.

قال (عزام):
-صديجى إهنه عنده شركة توظيف عمالة منيحة جوى ومشهورة كمان بنشاط عمالها و إلتزامهم كمانى،أجدر أكلمه وأخليه يشيعلي احسن ناس عنديه،يشتغلوا تحت يدك حالا يابت عمتى.

هزت رأسها بينما قال(عويس)بإستحسان:
-عتستنوا إيه عاد؟شهلوا وخلصوا جناح الفندج،ربنا يوفجكم كلياتكم وييسر طريجكم ويسهل مهمتكم ياولادى.

تبادلت كل من (فضيلة)و(بدارة)النظرات بخوف،يخشون اجتماع تلك الفتاة مع ازواجهما بعيدا عن أعينهما.. بينما لعن(مهران)كل مايحدث واضطراره لإصطحابها معه من أجل سمعة فندقهم التى على المحك هنا،يود لو كان هناك حل آخر ولكن للأسف… لا يوجد .

بقلم شاهندة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *