فارس بلا مأوى 4
#الفصل_الرابع_والثلاثون
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
_ وبالعودة إلي فارس و جنيدي يحمل كليهما اللوحة الخشبية المتراص فوقها البضاعة، يسيران إلي متجر وفي منتصف الشارع، صاح جنيدي في صاحبه:
_ حاسب يا فارس.
ألتفت بفزع وتفادي السيارة بمعجزة آلهية وقع علي الأرض و كذلك مايحمله ، كانت علي وشك تصدمه من الخلف حيث كان مولياً ظهره، بينما صاحب السيارة الذي كان غافلاً وأنتبه علي آخر لحظة ضغط علي الفرامل فجاءة مما أصدر صوت إحتكاك الإطارات بالأسفلت.
تجمع بعض المارة وأصحاب المتاجر للأطمئنان علي فارس الذي كاد ينهض فتسمر مكانه عندما صوت آخر ما كان يريد رؤيته علي الإطلاق:
_ أنت بخير؟.
توقف كل شئ في تلك اللحظة، هو لم يرفع وجهه لكن بطرف عينيه تأكد من شخصه وإذا تعرف الآخر علي هويته سوف يرجعه إلي السجن لا محالة، من لا يعرف أكرم عمران الضابط الذي يقدس عمله ويقوم بواجبه ولم يعف أي أحد أخترق القانون حتي لو كان نفسه، وإذا عاد الآخر إلي السجن فلم يستطع إظهار برائته!.
أنحني و رفع الخشبة علي منكبيه، يجيب باللهجة سكان القاهرة حتي لاينكشف أمره:
_
_ الحمدلله أنا بخير.
ولي ظهره إليه وهم بالذهاب ليوقفه الثاني مرة أخري ليطمأن عليه، بينما فارس يحاول بكل جهده أن لايجعله يري وجهه:
_ لو أتخبطت أو حاسس بألم تعالي أوديك لأقرب مستشفي، أنا متكلف بكل حاجة.
تدخل جنيدي الذي فهم جيداً المأزق الذي وقع فيه صديقه، فقال:
_ مفيش داعي يا بيه الحمدلله أنا نبهته علي آخر لحظة، العربية ماخبطتهوش.
رمقه أكرم وهو يشعر كأنه رأي هذا الوجه من قبل، فقال فارس ليؤكد علي حديث صاحبه:
_ مفيش داعي حضرتك، أنا كويس.
تنهد أكرم بأريحية فكان آخر ما يتمناه أن بسبب سيطرتها علي تفكيره جعله كان علي وشك إرتكاب خطأ فادح ليس في الحسبان.
_ علي العموم يا شباب أنا بعتذر، كنت سايق وما أخدتش بالي والحمدلله ربنا سترها، لو محتاجين أي حاجة أنا تحت أمركم.
رد جنيدي بدون النظر إليه مباشرةً، يتجنب نظرات تفحص أكرم لملامحه:
_
_ تسلم يا بيه الله يخليك.
عاد إلي داخل سيارته ومازال ينظر إليهما، وبعدما أنطلق و رحل، أسرع كلا من فارس وجنيدي للدخول إلي داخل المتجر، أدخل بضاعة صاحبه إلي داخل المخزن، جلس يلتقط أنفاسه، فسأله الأخر ليتأكد من حدسه :
_ أنت خابر الراچل الي كان هيخبطك؟.
عقد ما بين حاجبيه و أجاب بهدوء بالغ كأنه يقص عليه أمر عادي:
_ ده يبجي ظابط وفي مكافحة المخدرات.
إبتسامة ساخرة ظهرت علي شفاه،وأردف بنبرة هاكمة:
_ وخد دي، يبجي صاحبي وأبوه كان صاحب أبوي الله يرحمهم الأتنين.
صفع الأخر جبهته قائلاً:
_ يا خربيت نفوخي، وأني برضك بجول هيئته دي مش عادية، شكله وبصاته باين عليهم جوي، أتاريه عمال يبحلج فيه وكأنه يعرفني.
عقب علي كلماته بفطنة:
_
_ بالتأكيد كل الأقسام والظباط حداهم صوارنا لأچل بيدورو علينا من وجت الحادثة إياها.
_ وبعدين يا صاحبي ده لو أفتكر ممكن يچي ويجبض علينا، أني إستحالة أرچع السچن تاني.
قالها بقلق وخوف ليجيب عليه الأخر قائلاً:
_ ومين فينا الي الي رايد يرچع، أني أتسچنت ظلم ومستني اللحظة الي أثبت فيها براءتي وخلاص هانت.
*•*•*•*•*•*•*•*•*•*•*
_ ينقر عدة مرات علي زر حاسوبه المحمول وفي النهاية يُعطيه ذات النتيجة ، مُربع أسود يتوسطه كلمة بالإنجليزية ، ذلك كان تنبيه من برنامج الحماية من الڤيروسات والذي لم يقدر علي حماية الحاسوب والملفات المُخزنة من ذلك الڤيروس الذي قام بتدمير كل محتويات قرص التخزين .
أطلق زفرة و علي وشك أن ينفذ صبره، حدسه يخبره أن هناك ما يُحاك من ورائه، برغم إستسلامها وخضوعها المُريب له لكن هناك تردد صدي ناقوس الخطر ينبهه و يحذره بأن لا يعطيها الثقة المُطلقة، حرياً به أن لايثق بها بتاتاً.
أخذ يقرع بأنامله علي الطاولة بجوار الحاسوب ، تذكر عندما كان يتأملها منذ قليل وهي تغط في النوم خصلاتها متناثرة علي الوسادة، زراعيها العاريان تملأهما علامات قبضاته وقبلاته الضارية التي تركت تجمعات دموية مابين اللون الأخضر القاتم والأزرق المائل للأرجواني.
أمسك بالصندوق الخشبي المُزخرف وأخرج منه سيجاره و وضعها بين شفتيه ثم أشعلها بالقداحة، عاد بظهره إلي الخلف بأريحية، يزفر دخانها مُبتسماً .
و ها هي خرجت من المرحاض مُرتدية معطفها القطني وعلي رأسها منشفة ملتفة حول خصلاتها ، توقفت في مكانها بخوف شديد عندما رأته يجلس أمام الحاسوب، تدعو ربها أن لا يكون أكتشف أمرها، تصنعت عدم الإكتراث و ذهبت أمام المرآه وخلعت المنشفة من فوق رأسها، في نفس الوقت تراقبه بدون أن تلفت إنتباهه إليها، أمسكت بمجفف الشعر، كادت تضغط علي زر التشغيل فأوقفها بسؤاله الذي دب الرعب في كل خلية بجسدها:
_
_ أنتي معاكي نسخة من الملفات الموجودة علي اللاب؟.
ياله من وغد و ماكر يسألها بهدوء وكأنها قد فعلت ذلك وسؤاله مجرد أن يتأكد ليس إلا، و كان وقع السؤال في نفسها أدني إلي الفزع الذي يشيب له رأس الوليد، جف حلقها ولم تجد ماتبتلعه ولو قطرة من اللعاب.
أستعادت رباطة جأشها و نظرت لإنعكاسه في المرآه وليتها ما ألتقت عينيها بخاصته المُظلمة، وإذا ألتفتت و وقفت أمام عينيه عن قرب ستري إنعكاس صور لآلاف من الشياطين تتراقص أمامه علي معزوفة الإحتفال بموتها المحتوم إذا تأكد من ظنه!.
ردت بهدوء و بثبات تُحسد عليه:
_ ملفات أي الي عتتحدت عنها؟.
إبتسامة ضارية بدت علي شفاه فقط، نهض من مكانه و هو يدفس ماتبقي من سيجاره المشتعلة في المنفضة، وقبل أن يصبح خلفها، أغلقت عينيها و بمجرد قامت أن فتحتهما وجدته بالفعل يقف خلفها يكاد مُلتصقاً، تشعر بأنفاسه، أخذ منها المُجفف وقام بالضغط علي زر التشغيل ليقوم بهذه المُهمة بدلاً منها، يمسك بخصلاتها وبعناية يجففها و مازال يتحدث بهدوء مبالغ:
_ الملفات الي علي اللاب يابيبي، اللاب الي سرقتيه وقت ما كنتي فاكرة أنك تقدري تهربي مني .
كادت ستلتفت إليه لكنه أوقفها ليجعلها علي وضعها كما هي بأمر:
_ أثبتي زي ما أنتي، أنا لسه ماخلصتش باقي شعرك.
جحظت ذهبيتيها من جملته، من يسمعه كأنه يؤدي مهمة رسمية وليس يقوم بتحقيق مُرعب معها!.
_
_ أني نسيت أجولك چيت أفتحه ماعرفتش، لاجيتك جافله برقم سري، جعدت أضـ,ـرب أرقام عشوائية وفي الآخر جفلته، كنت رايدة أمسح أي حاچة من عليه جبل ما أبيعه.
أنهي تجفيف خصلاتها فضغط علي زر الإغلاق وترك المُجفف علي طاولة الزينة، ألتقط فُرشاة الشعر و بدأ بتمشيط شعرها بروية قائلاً بتهكم :
_ أول مرة أعرف أن الواحد لما يكتب ال غلط كذا مرة اللاب يتڤيرس، درستيها في الكلية عملي ولا نظري يا حضرة المهندسة !.
قلبها علي وشك أن يتوقف، تعلم ما وراء سخريته، كم هو يتمتع بذكاء خارق و دهاء أوقع به أعتي رجال الأعمال والمافيا اللذين وقفوا أمامه أو كانو أعداء له، مهلاً إن كان هو يمتلك هذا الذكاء فالمرأة لديها ذكاء لا يقدر أن ينافسها فيه رجل واحد.
ألتفتت إليه ليصبح وجهها مقابل وجهه بعدما أنتهي من التمشيط، وضعت وجهه بين كفيها وقالت بمزاح زائف:
_ إعتبر دي سخرية ولا بتختبر معلوماتي، تشوفني كنت شاطرة ولا لاء.
أفزعها حين أمسك بيديها المحاوطة لوجهه وأثني زراعيها خلف ظهرها، ليصبح صدره ملاصق لخاصتها و أمام شفاها المُرتجفة بل كان جسدها بالكامل يرتجف، تحدث من بين أسنانه :
_ بطلي شغل الإستعباط والإستهبال ده عليا، أنتي فاهمة سؤالي كويس، اللاب لاقيته متڤيرس، طبعاً عملتي كده عشان ما أكشفش أنك عملتي نسخة من الملفات علي فلاشة أو ، صح ولا لاء؟.
عادت برأسها إلي الوراء قليلاً، تجيب بحذر:
_ لو صح الي عتجوله،كنت لاجيت أي حاچة من الي نسخت عليها معاي،لو مش مصدجني فتش شنطتي.
_
ترك زراعيها وقال وكأنه يحاصرها بكل السُبل لكي تعترف له بالحقيقة:
_ من غير ما تقولي أنا دورت فعلا في الشنطة وكمان في هدومك يوم ما قلعتهالك في الهنجر وما لقتش أي حاجة، وكنت عارف أن مش هلاقي لأنك ممكن أو بالتأكيد بعتيها في طرد لحد تعرفيه هنا في مصر.
حاولت بكل قوتها أن لايفلت منها فعل يؤكد له علي حديثه، تعلم مدي ذكاءه لكن ليس إلي هذا الحد المُخيف وكأنه كان عميلاً لدي المخابرات!.
تصنعت دور المجني عليها لتقنعه أن ما تفوه به إفتراء عليها:
_ هو أنت عطيت لي فرصة أسوي أي حاچة!،طلعت من عند ساندرا علي المطار و ركبت الطيارة علي طول ولما وصلت القاهرة تو ما خرچت من المطار تو ما لاجيتك في وشي.
ظل يرمقها بنظرة مُخيفة أخترقت روحها،يلتقط أنفاسه و يخرجها في زفير حارق كألسنة اللهب، هناك صوت بداخله يخبره بأن عليه أن يصدقها فما رأته علي يديه جعلها تعلمت جيداً من أخطائها و من الحماقة أن ترتكب خطأ آخر.
قال بنبرة جدية وتحمل من الوعيد ما يرجف الأوصال:
_ هاحاول أصدقك،لأن لو أكتشفت أنك كذبتي عليا و عملتي حاجة من ورايا،أقسملك بالي خلقني وخلقك أن لو وطيتي علي رجلي وبوستيها لأخر يوم في عمرك مش هارحمك من الي هاعملو فيكي،الي عملته معاكي في الهنجر كان لعب عيال مجرد تسالي،المرة الجاية هايكون عذاب علي حق وأديكي شوفتي عينة منه لما كنت بعذب الراجل في لاس فيجاس.
وفي لحظة أصبح وجهها قاب يديه،فأخبرها بدهاء و كأنه حقاً يخاف عليها ويهتم بأمرها:
_ بيبي،لو مخبية حاجة أتمني تقولهالي،أنا خايف عليكي من نفسي،المرة الجاية مش ضامن ممكن أعمل فيكي أي!.
_
تباً لهذا المعتوه المريض،يقوم بنصحها وإرهابها في آن واحد!.
هزت رأسها بالنفي وقالت بصوت خافت، و في نفسها تود أن تصرخ في وجهه تخمشه بأظافرها أو تقبض علي نحره وتضغط بكل قوتها حتي يلفظ أنفاسه:
_ مفيش حاچة مخبيها، كل الي أعرفه جولته، و أظن من العقل والي شوفته علي يدك خلاني أتعلمت زين جوي.
هنا البسمة غزت ملامحه وقسمات وجهه،كفاها رعباً إلي هذا الحد،طبع بشفاه قُبلة علي جبهتها و علي وجنتها ليليها الأخري ثم أنهال عليها بوابل من القُبلات في كل أنش بوجهها وعنقها حتي وصل إلي موطن كلماتها وألتقمها كالوحش الضاري الذي يلتهم لحم فريسته، صوت تأوها يكتمه بداخل فمه،لم يرحم شفتيها حتي تذوقت طعم دمائها،ومن فرط الألم تتمسك بحافة الطاولة الزجاجية حتي أبيضت أناملها.
تركها بعد أن كانت علي وشك الإختناق حرفياً،ألتقطت أنفاسها بصعوبة، إستدارت علي الفور لتري شفتيها المُدماه في المرآه، وكما توقعت الكثير من الجروح المتفرقة علي شفتيها وتذرف الدماء، وكأن وحشاً برياً من كان يُقبلها!.
أعطاها منشفة وينظر لها عبر المرآه بسعادة قائلاً بأمر محسوم :
_ عشر دقايق وتكوني جاهزة،رايحين الڤيلا، عندنا حفلة وعازم فيها فيها الناس الي ماقدرتش أعزمها وقت فرحنا.
سألته بتمني:
_ صلاح وسمية چايين؟.
أومأ لها مُجيباً:
_
_ طبعاً، دول من أول المدعوين، أهو تقدري تتكلمي مع صاحبتك براحتك وتعرفي أخبار البلد وأهلها الي عايشين فيها والهاربين منها.
أختتم كلماته بغمزة من عينه، فأدركت مقصده من آخر ماتفوه به،بادلته بنظرة ثابتة لم تتأثر بحديثه بل أرتسمت الجدية علي ملامحها وقالت بآلية بحتة:
_ عشر دجايج وهاكون چاهزة، ممكن لو سمحت تهملني فيهم ألبس خلچاتي؟.
أطلق ضحكة ساخرة،لم تعطيه ردة فعل رغماً أنها تستشيط غيظاً من إستهزائه وسخريته منها، وعند رؤيته لإحتقان الدماء في وجهها علم كم هي غاضبة، أخبرها رافعاً كفيه:
_ خلاص أنا خارج وهستناكي في اللڤينج بره لما تخلصي.
و مجرد أن غادر أمسكت وسادة لتكمم فاهها وتطلق صرخة عميقة لايسمعها أحداً سوي هي فقط،حتي التعبير عن حزنها وغضبها قد حُرمت منه وذلك حتي لاتثير شكوكه نحوها ولما تخطط إليه!.
*•*•*•*•*•*•*•*•*
_ يا مُرك يا چليلة، يا ميلة بختك الي أنيل من سواد الحلل في عيالك،ياريتني ما كنت خلفتكم مكنش حرجتم دمي ولا چالي الضغط،هاتموتوني بحسرتي.
صاحت بنواح وتضـ,ـرب بيدها فوق الأخري أعلي رأسها، أمسك إبنها بيدها بتوسل:
_ أبوس يدك وطي حسك.
_
نفضت يده وزجرته بنظرة جحيمية:
_ خايفة للغازية تسمعني إياك!،للدرچدي خايف علي مشاعرها وفي داهية أمك!.
زفر والحيرة تأكل صدره، لقد أصبح في مأزق لا يُحسد عليه،أختار دربه فعليه التحمل والقادم أسوء بكثير!.
رد بإنكار:
_ لاء،أني خايف عليكي أنتي النرفزة الي أنتي فيها غلط علي صحتك،أني رايدك تسمعيني للأخر و….
قاطعته بسخرية وغضب معاً:
_ أسمع أي أكتر من الي سمعته وأنت بتجولي أتچوزت الغازية،رايد مني أرجصلك أني كمان!.
وفي الخارج بالردهة تجلس فاطمة في صمت وبجوارها أيضاً قمر كلتيهما تعقد زراعها، وعينيهما لاتحيد عن تلك الجالسة في الكرسي المقابل،تتأفف وتزفر بضيق،فصوت زوجها و والدته يصل إلي ثلاثتهم.
_ ألا جوليلي يا قمر هو ليه الناس مابجاش حداهم سائل الحياة ولا إحساس؟.
سألتها فاطمة بنبرة هاكمة تقصد بها سمر، فأجابت قمر لتكمل وصلة السخرية وتتحاشي في نفس الوقت النظر للتي ترمقهما بشرٍ للتو:
_
_ مالناش دعوة بحد يا فاطمة،و علي رأي المثل الي حداه سائل الحياة أحسن من الي حداه فدان.
أخفضت صوتها بسؤال تهمس به إلي فاطمة:
_ صوح المثل ولا أني بخرف؟.
كادت تجيب الأخري لكن داهمها الفزع عندما نهضت سمر واضعه يديها علي جانبي خصرها، تتشدق بصوت جهوري:
_ إسمعي يا دلعدي منك ليها، أنا ساكته لكم من بدري عشان خاطر سي زكريا، و سامعه كلام الحاجة وهي بتهيني وأنا عاصرة علي نفسي فدان ليمون وقولت يابت أستحملي مهما كانت أم جوزك، لكن بقي شغل التلقيح و الحرابيئ لحد عندي وأستوب أنا لو فرشتلكم الملايه هفرج عليكم النجع كله ولا هايهمني حد، فاهمة ياختي منك ليها.
أومأت كلتاهما،تتشبث فاطمة بقمر وكأنها تحتمي بها، وبالعودة إلي المشادة الكلامية الحادة مابين زكريا و والدته.
_ غازية!،وأني الي كنت بحلم باليوم الي أچوزك فيه زينة الصبايا تجوم رايح تتچوز لي رجاصة!، ليه إكده يا ولدي،أني خابره أنك بتاع بنات وكنت بدعيلك بالهداية ويرزجك بالي تملا عينك وتتوبك عن الي كنت بتسويه، طب ما حطتش في دماغك وجتها سمعتك وسمعت أهلك وناسك!،خابر هيتجال عليك أي لما الكل يعرف!،بلاش دي نسيت أبوك وأخوك يبجو شيوخ وحافظين كتاب الله، جولي هيبجي أي منظرهم قدام أهل النچع!.
كلماتها بمثابة سوط غليظ تنهال به عليه بلا هوادة، فلديها كامل الحق،لكن هناك تضاد في مبادئها و هو كيف لم تتقبل زوجة إبنها لكونها راقصة و لماذا تريد من إبنتها الزواج من إبن شقيقها الذي يتاجر في المخدرات والأسلحة!، يا للعجب من هذا التفكير العقيم!.
_ماخلاص ياماه الي حوصل حوصل، وريحي حالك إكده ولا إكده أني هاخدها وهانعيشو في مصر (القاهرة).
قالها مولياً ظهره إلي والدته التي صاحت بصدمة من اللامبالاه التي يرتديها ولدها وكأن الأمر يخصه هو فقط ولم ينل عائلته:
_
_ هو ده الي قدرك عليه ربنا!، تصدج بالله أني المفروض ينادوني يا أم بكر، ياريتك كنت في ربع أخوك ماهجولكش تبجي زيه، برغم مكنتش راضية علي زواچه من قمر لكن أختار صح،بت محترمه من بيت محترم،عارفة ربها و متربية زين،ياريتك كنت أتچوزت كيف قمر مكنتش هتجهرني زي ما جهرتني دلوق.
_ ياريتني جابلت جمر من زمان، يمكن كنت هاتوب علي يدها،هي دي الي كنت بحلم بيها،ويوم ما لاجيتها طلعت مارت أخوي.
كلمات جالت في عقله ولم يستطع البوح بها،لذا عليه بالتمني في صمت مطبق للأبد.
رد بصوت مسموع وأشتد به الضيق والحنق:
_ بزياداكي بجي عاد،وأني لما چيت جولت لك علي موضوع چوازنا أني كان جصدي أعرفكم ماباخدش رأيكم.
وجدت من مناقشتها البائسة معه لافائدة،سأمت من أخطائه وفاض بها الكيل،وبدلاً من أن تدعو له قالت:
_اللهي ما يريح جلبك كيف ما أنت تاعب جلبي وياك يا ولدي،و طول ما أنت ماشي في الطريق الشين نهايتك هاتبجي سودة و وجتها تجول ياريتني كنت سمعت حديتك يا أماه.
ألتفت إليها و حدجها بنظرة أبلغتها أنه بالفعل قلبه يُعاني و روحه تحترق من كثرة الآثام التي أرتكبها.
_ بالله عليكي ما تدعيش عليا أني ماناجصش،أني فيا الي مكفيني،جلبي واچعني أوي.
و في برهة فرت من عينه دمعة جعلت قلب والدته يتقهقر ويحترق، ما بيدها سوي مدت زراعيها له، فأرتمي علي صدرها كما كان طفل صغير يبكي في عناق والدته، بكاءً مريراً،شعرت بالندم علي ما ألقته علي مسامعه
_
، أخذت تربت عليه بحنان وبصوت يشوبه الندم قالت له:
_ حجك عليا يا ولدي،ياريت كان أنجطع لساني قبل ما أدعي عليك.
: أزداد بكائه مصحوباً بنشيج يرتفع بالتدريج.
_ بعد الشر عليكي يا أمي، أني أستحق الي جولتيه وأكتر، كل الي طلبه منك تدعي لي ربنا يهدي جلبي.
عانقته بقوة،فشاركته في البكاء:
_ ربنا يريح جلبك يا ولدي ويهديك، ويبعد عنك الشيطان.
أمسك بيدها وقام بتقبيل ظهر كفها يطلب منها برجاء:
_سامحيني يا أمي،أرضي عني أحب علي يدك.
_ مسمحاك ياولدي، ولو عايزني أرضي عنك صوح طلج البت الرجاصة العفشة دي،وأني هاچيب لك عروسة أچمل وأأدب منها بكتير، فاكر البت چميلة بت عبدالوهاب المزين؟.
وقبل أن يجيب ولجت هي علي كلمات والدته وتشدقت:
_
_ يطلق مين يا حاجة،أتقي الله ده أنتي عندك بنت،ولو مش خايفة للي بتعمليه يترد فيها،خافي علي حفيدك الي في بطني.
أستمعت جليلة لها وكأن دلو ماء أنسكب علي رأسها،كادت عينيها تخرج من محجريهما أثر الصدمة التي تلقتها،بينما زكريا ظل ينظر إلي سمر بتوعد كان سيلقنها إياه لكن صوت طرقات عنيفة علي باب الدار جعل أفئدتهم تنخلع من الفزع لاسيما زكريا.
فتحت فاطمة الباب لتجد أمامها قوة من الشرطة يتصدرهم رئيسهم الذي سألها بحدة:
_ ده بيت زكريا واصف؟.
أكتفت بإيماءة من رأسها رداً علي سؤاله،و علي التو أمر العساكر:
_ أدخلو هاتوه.
وقفت جانباً بتوجس وصدمة جعلتها غير قادرة علي التفوه ببنت شفه،وقبل أن تقتحم أفراد الشرطة الغرفة خرج إليهم وخلفه سمر و و جليلة التي سألت الضابط والخوف ينهش قلبها:
_ خير يا بيه؟.
لم يرد ولكن سأل ولدها:
_ أنت زكريا واصف؟.
_
أزدرد لعابه وشعور النهاية يتدفق في مجري دماءه،أجاب بتوجس:
_ أيوه أني.
_ خدوه علي البوكس.
أمرهم بإقتضاب،وبالفعل قاموا بالقبض عليه، فصرخت جليلة وسمر التي صاحت:
_ واخدينو ليه يا حضرة الظابط، جوزي عمل أي؟.
رد بإقتضاب وعلي عجلة من أمره:
_ لما يروح القسم هاتعرفوا.
*•*•*•*•*•*•*•*
_ أنتهت للتو من غسيل الصحون وأستدارت لتطفأ الموقد قبل أن تفور القهوة،فأمسكت يد الركوة وسكبتها في الفنجان ثم أخذتها و ذهبت إليه لتعطيه إياه في الغرفة التي يخصصها لإنجاز مهمام عمله ومراجعة القضايا التي لديه.
وقفت أمام الباب قبل أن تدير المقبض،تسمعه يتحدث لأحدهم لكن بللغة أجنبية،ولجت علي مهل حتي هو لم ينتبه إلي دخولها،يبدو علي ملامحه علامات الإمتعاض والضجر.
_
_ صوفيا أرجوكِ كُفِ عن مضايقتي كل حين وآخر،ماذا أفعل لكِ لكي تدعيني وشأني؟.
وصلت إجابتها إليه عبر سماعة أذن متصلة بحاسوبه:
_تعلم جيداً ما أريده صلاح،يكفيك بُعاداً حبيبي.
تبدلت ملامحه من الضجر إلي الإمتعاض وذلك علي مرأي تلك الجالسة في زواية تمسك بالفنجان وترتشف هي القهوة والفضول يفتك بها،تركت الفنجان جانباً وأخذت تتسحب بدون أن تلفت إنتباهه إليها لتري من المتحدث إليه.
وبالعودة إلي المحادثة:
_ كفاكِ أنتِ محاولة،لاجدوي لعودتنا إلي بعض مرة أخري،أنتِ من أخترتِ النهاية وعليكِ التحمل،وكما أخبرتكِ سابقاً، الرجل الذي أحبتيه قد مات منذ زمن والفضل يعود لكِ صوفيا.
لحظات من الصمت المُطبق، قطعته شهقات مُعلنة عن بكائها وتوسلات لانظير لها، محاولات بائسه لإستمالة قلبه إليها مرة أخري.
_ صلاح،أنا ضائعة من دونك.
أغمض زرقاويتيه و خلع سماعات الأذن حتي لايتأثر،مسح بكفيه علي وجهه وأطلق زفيراً ينبع من جوفه،عليه أن يضع حداً حازماً لهذا الأمر وألا ستكون العواقب وخيمة فوق رأسه ربما تهدم حياته مع سُمية!.
وضع السماعات مرة أخري في أذنيه وقال:
_
_ أنتبهِ لي صوفيا، لأنني لم أعيد حديثي مرة أخري،لم ولن أعود إلي مَنْ أختارت بل وفضلت إدمان الخمر والعقاقير عن الإنسان الذي أحبها بصدق وكان علي إستعداد أن يفعل المستحيل من أجلك، لكن أنتِ لاتستحقين منه سوي الشفقة علي حالتك المُزرية والبائسة ل….
قاطعته برجاء وتوسل يُرثي له:
_ من فضلك أسمعن…
_ أستمعِ أنتِ يا إمرأه ولا تقاطعيني،رجل آخر لو كان في مكانتي لكان قام بإستغلال وضعك وحالتك وأخذت منكِ إبنتي عنوة، لكن أنا لستُ متحجر القلب مثلك،وقلت لنفسي أبنتك غداً ستكبر وتعلم من هو والدها و سوف تأتي لك بملئ إرادتها.
وقفت الأخري خلفه تنتظر حينما ينتهي من التحدث لتلك الحرباء الصفراء التي بمجرد رؤيتها تقف خلفه تصنعت عدم رؤيتها،رجعت إلي الخلف ليتثني لها خلع سترتها وأصبحت بكنزة قطنية بدون أكمام، جففت عبراتها وأبدلت نبرتها من الحزن والآسي إلي التغنج والدلال السافر،تظن أنها تفهم اللغة الفرنسية:
_ حسناً حبيبي، لديك حق في كل ما ذكرته للتو، لكن لاتنسي كل ما كان بيننا،هل نسيت ما فعلناه من لحظات جنون، ذكرياتنا في ڤينسيا أم باريس أو الأحري علي اليخت الذي أهداك إياه صديقك سليم؟،ألم تشتاق إلي لمسة واحدة من جسدي!.
أختتمت آخر كلمة بقبلة وحركات تعبيرية بإغواء وإغراء جعل سمية تصرخ بصياح:
_ ما تخرچي له من الشاشة أحسن وأجعدي علي حچره وأهريه بوس.
أنتفض فزعاً وينظر وراءه إليها،لم تمهله بأن يفسر لها ما يحدث،أردفت:
_ چري أي يا حرباية يا صفرا يا سخامة البرك يا قعر الحلة المصدية.
_
وبدلاً من أن يوقفها أخذ يقهقه علي كلماتها البلاغية المُضحكة، فهذا كان كافياً بإشعال غضبها أكثر،ضغطت علي شاشة الحاسوب لإغلاقه ودفعت الكرسي الذي يستدير تلقائياً ليصبح في مواجهتها:
_ و كمان ليك نفس تضحك!.
أشار لها بيده لتتريث ريثما يتوقف عن الضحك:
_ أصبري بس هافهمك.
عقدت ساعديها وقالت بسخرية:
_ ما أني خلاص فهمت كل حاچة، مش دي الهانم الي خلفت منها في فرنسا؟، رايده منك أي تاني، ليكون ريداك ترچع لها؟.
وأخيراً كف عن الضحك ليجيب عليها بجدية:
_ ولو أفترضنا إنها عايزة أرجع لها، تفتكري إن ممكن أعمل كده؟.
صمتت لثوان تفكر في إجابة، فجاء صوته لها مُردفاً:
_ لو مش عارفة تجاوبي يبقي أظن أنك ماعندكيش ثقة فيا، و ده بقي موضوع تاني.
_
نهض من علي كرسيه و غادر الغرفة أمامها، كانت مُتسمرة في مكانها غير قادرة علي التحدث وكأن لسانها قد أُلجم بللجام قوي.
ركضت خلفه لتجده يقف خلف النافذة ويمسك بسيجارة يشعلها بالقداحة، يزفر دخانها إلي الخارج، وقفت بجواره و بندم جلي من نبرة صوتها قالت:
_ أنت فهمتني غلط عاد،و لو حديتي ضايجك كان غصب عني، غيرت عليك لما لاجيتك بترطم معها بالفرنساوي وأني مافهماش حاچة ولما جربت منك لاجيتها تخلع الچاكيت من غير خشا قدامك، رايد مني أسوي أي يعني!.
ألقي السيجارة من النافذة وألتفت إليها يحملق في ملامحها الذي يغزوها الحزن،رفع يده ليلامس وجنتها بأطراف أنامله، رفعت وجهها لتتلاقي عينيها بخاصته و خلال برهة كانت قابعة بين زراعيه،يعانقها بحب لم يشعر به من قبل سوي معها هي فقط،يحس برجفة قلبها النابض علي صدره الملاصق لخاصتها، شعور بسائل دافئ علي بشرته، فأدرك إنها عبراتها، شد من معانقتها وسألها:
_ طيب بتعيطي ليه؟.
أجابت ببكاء:
_لأنك مضايج مني وفهمتني غلط.
أطلق تنهيدة و ربت علي ظهرها بحنانه الدافئ:
_ أنا فعلاً هتضايق لو مابطلتيش عياط، خلاص بقي.
رفعت وجهها من موضع صدره و رمقته كالجرو الصغير فجعلته يندم علي ردة فعله، مالبث لحظات، فهبط علي شفتيها بقبلة إعتذار دامت لدقيقة بل دقيقتين، لوقت لم يشعر كليهما بحسابه بدقة،كانا محلقين معاً فوق غيمة هائمة بين نسمات العشق، يتذوق كل منهما رشفات من رحيق فم الأخر،فالإعتذار لم يقتصر علي كلمة فقط، الفعل أبلغ من الحديث وأقوي،يترك أثراً عميقاً بداخل النفس قد يدوم للأبد.
_
أنتهت القبلة بعدما أحتاج كل منهما لإستنشاق الهواء،أمسك بخصلات شعرها التي تعيق رؤيته لوجهها و وضعها خلف أذنيها وزرقاويتيه لاتحيد عن شفتيها شديدة الحُمرة:
_ حقك عليا، أنا الي آسف خليتك تضايقي وتزعلي و خليت دموعك نزلت.
إبتسامة سعادة عارمة غزت فمها بل ملامحها بالكامل، أمسكت بيده بين كفيها وقالت بصوت حنون:
_ أني الي خلاني بكيت هو لما حسيت أنك متضايج مني.
_ وأنا قولت لك خلاص مش متضايق.
رمقته بمكر فسألته بفضول:
_ طب كنت عتتحدت مع الي تنوأد ومايلقوش تربة يتاوها فيها دي في أي؟.
ضحك و هز رأسه:
_ أنتي مشكلة.
جذبها برفق ليعانقها وأردف وهي بين يديه:
_
_ عايزة الحقيقة بس من غير زعل؟.
أومأت له وقالت:
_ وهازعل ليه عاد!، مادام هاتجولي الصراحة من دون كدب.
تنهد ليخبرها:
_ صوفيا عايزاني أرجع لها، كانت فكراني من بعدها مش هلاقي حد أقدر أحبه.
قشعريرة داهمت كل خلايا جسدها فسألته بهدوء:
_ وأنت جولتلها أي؟.
تفهم ما وراء سؤالها فأجاب ليطمأن قلبها الذي يسمع دقاته ويشعر بها:
_ قولتلها أنا ماحبتش ولا هاحب غير واحدة بس أسمها بقي موشوم علي قلبي، عيوني مش شايفه غيرها، الإنسانة الوحيدة الي خطفت عقلي قبل قلبي وما أستحملتش لحظة واحدة لما بعدت عني لحد ما وصلتلها بطريقتي ومسبتهاش غير وهي بقت مراتي حلالي.
ذرفت عينيها بضع قطرات فأثارت تعجبه:
_
_ ليه بتعيطي تاني؟.
إبتسمت وقالت بسعادة مفرطة:
_ دي دموع الفرحة.
وعانقته بكل ما أوتيت من قوة،فأردفت:
_ أنا بحبك جوي جوي ياصلاح، ربنا مايحرمني منك أبداً.
بادلها قوة العناق مُجيباً:
_ وأنا تخطيت معاكي مرحلة الحب والعشق، شعور مش عارف أوصفه بأي كلمة، من الآخر أنا من غيرك أموت بجد يا سمية.
*•*•*•*•*•*•*•*
_ معني كلامك أنك بتنكر علاقتك بالقتيلة،برغم أن تقرير الطب الشرعي أكد علي إنها أتـ,ـتلت عن طريق الإختناق ومش بس وكده دي كمان كانت حامل، ولو أخدنا بإتهامك زوجة أخو القتيلة ليك أنك علي كنت علاقة بورد ولما قالتلك علي حملها أنكرت، وأخر مرة شافتها كانت رايحة تقابلك.
كانت كلمات الضابط المحقق إلي زكريا ذو الوجه الشاحب، يتهرب من النظر إلي الضابط قائلاً:
_
_ ماعرفش حضرتك عتتحدت علي مين، وأول مرة أسمع إسم البنت دي.
ضيق الضابط عينيه يتفحص ملامح الآخر ويقرأ لغة جسده التي تدل علي كذبه وتهربه
، أردف بتردد وإختلاق أكذوبة تزيح عنه الشبهات:
_ الفترة دي كنت ويا أخوي وإبن خالي برة النچع بنچيبو بضاعة، ولو مش مصدجني ممكن تسألهم حضرتك.
و بالخارج أمام قسم الشرطة، يمسك رافع بيد عمته يرجوها:
_ أحب علي يدك يا عمتي خليكي أهنه، والمحامي دخلو دلوق وما هانمشيش غير وهو في يدنا.
عقبت فاطمة وعينيها ترمقه بحدة ونظرة قاتلة:
_ أسمعي حديت ولد أخوكي يا أمي، دخولك چوه ولا هايجدم ولا يأخر.
أقتربت منها سمر التي تتهرب من نظرات رافع التي ترعبها:
__ ماتقلقيش يا حجة أنا كلمت أكبر محامي في مصر وزمانه علي وصول.
_
زجرتها جليلة بنظرة قاتلة وصاحت بها:
_ بعدي عن وشي يا بومة يالي قدمك كان قدم الشوم تو ما خطيتي عتبة دارنا.
كادت الأخري تجيب، لكن صوته ونظراته الحادة كفيلة بتكميم فاهها:
_ سمر، لمي حالك.
_ هو أنا أتكلمت يا سي رافع، أنا كنت هقولها تسلمي يا أم الغالي، دي مهما كانت في مقام أمي الله يرحمها.
كلماتها أسبرت حنق جليلة التي صاحت:
_ رافع خد الرجاصة دي من وشي.
أشار إلي غفيره:
_ تعالي يا دبيكي.
جاء إليه مهرولاً مطأطأ الرأس:
_
_ أمرك يا كبير.
_ خد الست سمر وصلها لحد الدار لحد ما يقرر چوزها نعملو وياها أي عاد.
أقتربت منه بكل جرأة وأشرأبت بعنقها و وقفت علي أطراف قدميها حتي تستطيع الوصول إلي أذنه، وذلك تحت نظرات فاطمة التي ودت أن تنقض عليها وتجذبها من خصلاتها وتقـ,ـتلعها من جذورها.
همست إليه ببضع الكلمات فتبدلت ملامحه وتحمحم ثم قال للغفير:
_ خد بالك من ست سمر والي تطلبه تنفذه لها.
أبتسمت سمر وأعتدلت من وشاحها الذي يكشف عن منتصف خصلاتها، تسير وتتمايل بخصرها وقالت بدلال لتثير حنق كلا من جليلة وإبنتها:
_ هابقي أكلمك ياسي رافع وأعرف منك الأخبار، عن أذنكم، يلا يا دبيكي.
أبتعدت وكان يتبعها ببصره، يتفحص منحنياتها التي تحددها العباءة، مسح علي شاربه الكث يقول في عقله:
_ ماعرفش الحريم الچامدة دي بيوجعو في حب الأهبل زكريا ده علي أي.
أنتبه علي لكز فاطمة له في زراعه:
_
_ لم عينيك لأخزقهم لك.
رمقها بنظرات ماكرة يمسك وجنتها:
_ عتغيري عليا يا بطتي؟.
زجرته وألقت يده في الهواء:
_ بطة في عينك، ولا غيرة ولا زفت، بس دي تبجي مارت أخوي.
_ طب عيني في عينك إكده؟.
أبتلعت ريقها وأشاحت وجهها جانباً قائلة:
_ أنت في أي ولا أي،خلينا في المصيبة الي أخوي واجع فيها، جلبي عيجولي أنه له يد في إختفاء الي إسمها ورد.
وقبل أن يجيب عليها قاطعهما المحامي الذي خرج للتو ليخبره:
_ يا رافع بيه الوضع أكبر من الي كنت متوقعه.
_
سأله رافع بتوجس:
_ جول فيه أي عاد؟.
نظر المحامي بإشارة نحو فاطمة، فأردف الأخر:
_ تبجي أخت زكريا.
جفف عرق جبينه بالمنشفة الورقية ثم قال:
_ متهمين زكريا بـ,ـتل ورد.
*•*•*•*•*•*•*•*•*
_ كانت تتأمل في صوره التي ألتقطتها له خلسة، تتمني بداخلها بأن تلك العينان الرماديتيان تنظران إليها مثلما تنظر هي إليه!.
_ شوفي ياشهد مين بيرن الجرس.
صوت والدها يناديها من الغرفة المجاورة، ألهذه الدرجة لم تسمع صوت الجرس من فرط شرودها في من أختطف قلبها ولُبها معاً!.
_
ردت قائلة:
_ حاضر يا بابا.
نهضت ورفعت يديها لتتأكد من عدم وجود أثر لعبراتها التي ذرفتها عينيها منذ قليل، جذبت وشاحها من فوق الكرسي وأرتدته علي عجلة من أمرها، وقبل أن تفتح قال والدها من الداخل:
_ لو الواد حمودة خدي منه الإيراد وقوليله يخلي فارس يعدي عليه بكره.
_ حاضر.
أدارت المقبض ليقابلها رائحة عطره التي تحفظها عن ظهر قلب، تخشي رفع وجهها والنظر إليه خجلاً،لاتعلم ماذا ينتابها في حضوره، تلك الهالة التي تحيطه تجعل قلبها يخفق بشدة و البرودة تسري في جسدها.
_ الحاچ مش موچود؟.
رفعت وجهها فتلاقت عيونهما وأجابت بإقتضاب وهي تشير إليه للولوج إلي الداخل:
_ موجود، أتفضل.
مد يده إليها بظرف وقال:
_
_ أني چيت أسلم له الإيراد وراچع تاني علي المحل، حمودة أمه تعبانه.
أخذت منه الظرف لتجد يده تتراجع متمسكاً به، فرمقته بتعجب، فسألها:
_ لساتك زعلانة مني، أن….
_ أنا موافقة.
إجابة أهتزت لها جدران قلبه الذي يصرخ بالرفض، كان يتمني أن لاتقبل بالزواج منه، ظن من المقابلة السابقة ولأنه يعلم بعض من خصالها جيداً وهي ذات كبرياء وما أخبرها به به جرح واعر لكرمتها، لكن ما تفوهت به للتو فاق كل توقعاته، لاحظت الدهشة التي تعتلي ملامحه، فأردفت لتوضيح الأمر:
_ أيوه موافقة نتجوز، بس في نفس الوقت مش هاقدر أسيب بابا يعني كلنا هانعيش هنا.
_ أتفضل يابني، واقف عندك ليه، مش تقوليلي ياشهد أنه فارس، أتفضل يابني البيت بيتك.
قد خرج من غرفته وأستمع لحديث إبنته، بينما فارس الذي كان في حالة من التيه قال:
_ معلش يا حاچ هابجي آچي لكم وجت تاني، أني سايب چنيدي هناك عجبال ما أرچع، چيت لأچل أعطيك الإيراد حمودة والدته تعبانة وراح وياها للدكتور.
_ علي راحتك يابني، عموماً كنت لسه هاكلمك وأقولك تيجي بكرة تعدي عليا تاخدني للمحل.
_
أجاب بإحترام وجدية:
_ تحت أمرك يا حاچ.
تدخلت شهد قائلة:
_ أنت لسه مرهق يا بابا،أرتاح لك يومين كمان.
أجاب الأخر:
_ أنا هافضل مرهق لو قعدت أكتر من كده في البيت،خليني أنزل أشم الهوا وأقعد في المحل، الحبسه وحشة.
قال فارس:
_ ماتقلقيش يا آنسة شهد الحاچ في عينيا وهاخد بالي منه.
رفعت زواية فمها بتهكم، فمازال يحتفظ بالألقاب بينهما كرسالة أراد أن يوصلها إليها، مهما تقربت منه فبينهما حدود لم يتجاوزها بتاتاً.
ولكي تخبره إنها أدركت مضمون رسالته الخفية قالت:
_
_ ما أنا عارفة و واثقة أنك هاتحطه عينيك، زي حاجات كتير تانية، وكده ولا كده ما أقدرش أعارض بابا لأنه عنيد جداً وأنا بقي وارثة الصفة دي منه،لما بصمم علي حاجة بعرف أخدها وتبقي ملكي أنا مش ملك غيري!.
طيف إبتسامة رمقها بها ويشوبها نظرة تحدي وكأنه يخبرها عليها الحذر من منطقة قلبه، فهي محظورة وممنوع الإقتراب منها.
_ عن أذنكم يا حاچ نعمان، و إن شاءالله هاعدي عليك قبل ما أدلي علي المحل.
_ وأنا هستناك.
رد نعمان، فقال الأخر:
_ سلام عليكم.
و رحل علي الفور، أغلقت الباب وأستندت بظهرها عليه، فوجدت والدها ينظر لها ويسألها:
_ الي أنا سمعته من شويه وفهمته من كلامك دلوقت، أنتي فعلاً موافقة عليه؟.
أومأت بالإيجاب وعينيها تلمع بنظرة تحدي وإصرار قائلة:
_ أه موافقة، و ما أبقاش شهد بنتك غير لما هخلي قلبه وعقله يبقو ملكي أنا.
_
*•*•*•*•*•*•*•*•*•*
_ تجول الخادمات في أرجاء المنزل للإنتهاء من إعداد كل شئ،و هنا في الحديقة يقوم هؤلاء الرجال ذو الزي الموحد والتابعين لإحدي شركات تنظيم الحفلات، ينظمون المقاعد والطاولات بشكل فني.
بينما هو يقف بداخل شرفة الغرفة يتحدث في هاتفه ويتابع كل مايحدث بالأسفل في الحديقة، و لدي إنتهاءه من مكالمته عاد للداخل وجدها تتمدد علي الأريكة المخملية شاردة في السقف، وقف لدي موضع رأسها و سألها:
_ سرحانة في أي يابيبي؟.
تحركت مقلتيها نحوه لتري تلك النظرة التي تربكها وتخيفها دائماً، أنتظرت لحظات تفكر في إجابة يقتنع بها،وقبل أن تفترق شفتيها باغتها بما تفكر فيه حقاً:
_ قلقانة عليه ونفسك تعرفي أخباره؟.
عقدت ما بين حاجبيها وأتقنت ظهور عدم فهمها حديثه، أعتدلت في الحال وجلست لتري ملامحه الساكنة التي لاتوحي لها بشئ لكن هناك وحش علي وشك الإستيقاظ قابع في حدقتيه القاتمتين.
أبتلعت غصة عالقة في حلقها ثم أجابت بتأني تُحسد علي إتقانه:
_ طبعاً قلقانة عليهم، دول أهلي.
يدرك جيداً فهمها لمغذي سؤاله، وها هي تتلاعب معه كما يفعل،لكنها لاتدري مع من تعبث!.
_
و إذا بها تقف وتقترب منه لتعانقه بحميمية، تتلاشي النظر في عينيه أكثر من ذلك حتي لايفتضح أمر أفكارها التي تنهش بداخلها،تريد أن تطمأن علي مالك فؤادها بأي ثمن و لكي يحدث ذلك عليها بالتواصل مع مُربيته الخالة هنادي و زوجها العم جابر:
_ أبوي وأمي أتوحشوني جوي.
وبدأت تتساقط عبراتها التي شعر بدفء ملمسها لصدره،أبعدها عنه لينظر في وجهها فتأكد من صدق ما أخبرته به للتو، تلك العبرات صادقة وليست زائفة،فهناك سبباً آخر بل أسباباً عديدة.
مسح وجنتها بإبهامه ثم لعقه مُتذوقاً طعم دموعها وكأنه يلعق قطرات من العسل، يغمض عينيه بإستمتاع،و عندما فتح قاتمتيه وجدها توقفت عن البكاء و ترمقه بتعجب و بداخلها علي يقين إن هذا الذي تقف بين يديه ليس إلا مريضاً نفسياً وعليها أن تتخلص منه في أقرب فرصة تأتي إليها، لكن كيف ذلك و هي بداخل عرينه أو بالأحري لنقل سجنه المُحاط بأسلاك شائكة!.
مال برأسه قليلاً، يرمقها عن كثب و تلك النظرة التي في عينيه تدرك ما ورائها جيداً، تحدث أمام شفتيها بنبرة أسرت القشعريرة في كل إنش بجسدها و أصابتها بالصدمة والدهشة:
_ من عيوني،أول ما نخلص الحفلة هاخدك ونطلع علي البلد.
كان فكها يتدلي بعدم تصديق، يذعن لها بسهولة وبنبرة رومانسية حالمة لم يتحدث بها معها من قبل!.
هبط علي شفتيها بقبلة هادئة ثم أردف عائداً إلي نبرته المعهودة :
_ بس خدي بالك،حركة غدر، محاولة هروب، أنتي عارفة كويس أقل رد فعل ليا أي وقتها،مش محتاج أشرحلك أي الي ممكن أعمله، فاهمة يا زوزو؟.
أومأت له طواعيه و حدجته بشبه إبتسامة ولكي تطمأنه نحوها قالت له:
_
_ شكراً.
إبتسامة ماكرة تنضح من عينيه وترتسم علي شفتيه يليها قوله:
_ حاجة لازم تعرفيها وتاخدي بالك منها، لما تحبي تشكريني بجد يبقي مش بالكلام.
_رايد مني أشكرك كيف يعني؟.
سألته بتردد وتدعي بأن يُخيب ظنونها، فأنتفضت عندما مد يديه إلي تلابيب ثوبها قائلاً:
_ أنا بقول عليكي ذكية يابيبي، لحد دلوقتي لسه مافهمتنيش، أنا هاعلمك إزاي تشكريني بالطريقة الي تعجبني وترضيني.
و بعد أخر كلمة تفوه بها قام بتمزيق الثوب من تلابيبه ليخوض معها في جولة من ممارسة الحب علي طريقته الخاصة التي تتسم بالهوس والجنون.
*•*•*•*•*•*•*•*•*
_ فتح زرقاوتيه فوجدها تتوسد صدره العاري، تغط في سبات تام، أمسك بخصلاتها ليبعدها عن وجهها، و بأنامله أخذ يلمس وجنتها صعوداً وهبوطاً، يهمس بعشق:
_ مكانك دايماً هنا جوه حضني الي فيه قلبي النابض بكل كلمة حب قالوها العشاق، عيونك علمتني معني الحب الحقيقي و خلتني متيم بهواكي و سواء بعدتي ولا قربتي ببقي دايماً مشتاق.
_
أبعد أنامله فتململت و همهمت ثم قالت بصوت يشوبه النوم:
_ كمل يا صلوحتي،و أي كمان؟.
سألها بتعجب :
_ أنتي صاحية!.
أعتدلت وأستندت علي زراعه بكسل، وبمزاح ساخر أجابت:
_ لاء لساتي نعسانة أهو.
و تصنعت النوم بطريقة فكاهية أثارت ضحكاته، فأردفت:
_ أي السؤال الخارق للذكاء ده.
رفع إحدي حاجبيه يسألها:
_ أنا شامم ريحة سخرية في كلامك.
_
رفعت رأسها لتحدجه بإبتسامة مشاكسة قائلة:
_ و الريحة زينة ولا شينة!.
نهض بجذعه وأجاب بتوعد:
_ لاء، كهينة وأنا بقي هاخليكي تحرمي تألشي و تتريقي علي كلامي.
و خلال بُرهة كان أعلاها، صرخت بقهقه:
_ عتسوي أي فيا،أحب علي يدك أني مفرهدة ومفيش حيل واصل.
إبتسم بخبث وقال:
_ و ده المطلوب ياسمسمتي.
أمسك بيديها و وضعهما أعلاها ثم أمسك كلا رسغيها بيد واحدة واليد الأخري تزيح الدثار عنها لكي يتمكن من دغدغتها.
_ وجف ياصلاح، كفياك هزار تجيل عاد.
_
صاحت بها من بين ضحكاتها وهو يدغدها ومازال مُستمراً.
_ لاء مش هوقف غير لما تقولي حرمت يا حبيبي.
هزت رأسها بنفي قائلة:
_ بجي إكدة، مش هاجول و سوي الي تسويه.
ضحك رغماً عنه:
_ يعني مش همك!، أستحملي بقي هافضل أزغزغ فيكي لحد ماتقولي حقي برقبتي.
تقهقه بصوت مرتفع يمتزج بالصراخ لكي يتركها، ومن فرط ضحكاتها وألمها ألتمعت عينيها لتنذره علي وصلة بكاء قادمة، فتوقف في الحال، نهض من فوقها تاركاً يديها وسرعان ولت ظهرها إليها وخبأت وجهها في الوسادة.
_ أنتي بتعيطي بجد، والله ماأقصد أوجعك، كنت بهزر معاكي.
رفعت كتفها لتبعد يده عنها وأخبرته بحزن مصتنع:
_ بَعد عني وإياك تلمسني تاني، هزارك تجيل، دي ما أسمهاش زغزغة، عمال تغوزني بصوابعك و وچعت لي ضلوعي.
_
قال بتعجب ضاحكاً:
_ أغوزك!، ماشي يا صاحبي، ممكن تلف عشان أصالحك.
_ و عتتمسخر عليا كمان، بَعد عني أني زعلانة ومخصماك.
ألتفتت وأمسكت بالدثار لتنهض، فسألها:
_ رايحة فين؟.
أشاحت له بيدها بعدم إكتراث و أجابت:
_ ملكش صالح، أروح مطرح ما أروح أني واحدة زعلانة ومقموصة.
جذبها من خصرها قائلاً بدلال لها ومشاكسة رومانسية:
_ تعالي هنا يا طعم يا مقلوظ لما أصالحك، سلامتك من القمص.
حاولت دفعه عنها:
_
_ أبعد عن وچعتني بچد.
أمسك بيدها وقال:
_ خلاص مش هكررها تاني، حقك عليا.
قام بتقبيل يدها وسألها:
_ لسه بيألمك مكان الزغزغة؟.
أومأت له و زمتت شفتيها كالطفلة الصغيرة، و بمكر أمرها:
_ غمضي عينيكي.
_ ناوي تسوي أي كمان، تعلجني في السقف!.
أخبرها بنبرة يدرك مدي تأثيرها عليها:
_ مش أنتي بتثقي فيا، ممكن بقي تغمضي عينيكي، وماتفتحيش غير لما أقولك، تمام؟.
_
زفرت بقوة وأغمضت عينيها:
_ أديني غمضت أه…..
لم تكمل كلماتها بسبب ما يفعله الآن، سافرت يده إلي موضع دغدغته وأخذ يمسدها وفي نفس التوقيت يُقبل عنقها بالتدرج لأسفل نحو كتفها عائداً إلي عظمة الترقوة ثم هبط نحو موضع ضلوعها جانب جذعها بعدما قام بفك الدثار عنها.
كانت كالشريدة التي وجدت ملاذاً يحميها، وهو حاميها ومآواها.
ظلت ساكنة و غائبة عن الواقع مُحلقة في كبد سماء عشقه الغادق، و مالبثت حتي رفعت راية الإستسلام، وضعت يدها علي لحيته لترفع وجهه وتنظر في زرقاويتيه التي تذوب عشقاً في أمواجها العاتية.
_ أني عمري ما أزعل منك واصل.
فما كان منه إجابة سوي أن أختطفها بين يديه ليغوص بها في قاع محيط العشق الوردي.
وبعد مرور وقت…
أنتهت من إرتداء وشاحها، فأتي من خلفها صوت صفيره بإعجاب:
_ لاء كده شكلنا مش رايحين حفلات، العيون كلها هاتبقي عليكي.
_
أستدرات إليه و سألته بدلال:
_ بتغير عليا يا صلوحتي؟.
عانقها مُجيباً:
_ أوي يا روح صلوحتك، ولو لمحت واحد بيبص لك مش ضامن نفسي وقتها، أنا ممكن أغوزو في عينيه.
أطلقت ضحكة مغناج من ترديده لكلمتها التي سخر منها بمزاح.
_ طيب يلا أحسن ما نتأخرو علي صاحبك المچنون.
عانقها محاوطاً خصرها، يحك طرف أنفه بطرف خاصتها قائلاً:
_ طيب ما تيجي أزغزغك وأصالحك من أول وجديد.
أختتم جملته بغمزة وقحة من عينه، لكزته في كتفه:
_ ما تتهد بجي يا راچل أني لولا وعدت زينب إني چايه مكنتش أتحركت من مطرحي، رچليا مش شيلاني و مفرهدة جوي.
_
كان واقفاً مُندهشاً من ردها العفوي والفكاهي في آن واحد، فهي لم تكف عن إتحافه بطرفاتها المضحكة.
أشار لها لتتقدمه:
_ يلا يا سُمية، ربنا يهديكي يا حبيبتي.
و قبل أن يفتح باب الشقة أوقفته:
_ ثواني هاروح أشرب.
هز رأسه بسأم قائلاً بمزاح:
_ أنا حاسس إن واخد بنت أختي معايا.
أشارت له من المطبخ بصياح:
_ أنزل أسبجني وأني چاية وراك.
وقبل أن يجيب جاءته مكالمة هاتفية، بينما هي فتحت الثلاجة وألتقطت زجاجة مياه وسكبت منها في الكوب لتروي ظمآها ثم أعادت الزجاجة وتذكرت أمر الشيكولاتة التي جلبها لهما سليم.
_
_ لما أخدلي واحدة شكلها چامد جوي.
فتحت اللفافة الذهبية وتحدج قطعة الشيكولاتة التي تريد تناولها بنهم فألتقمتها بشراهة، أخذت تلوكها بفمها.
نظرت نحو صلاح فوجدته مازال يتحدث في هاتفه.
_ لما أكلي واحدة كمان، طعمها زين جوي.
أكلت واحدة أخري ثانية ثم الثالثة، ومن بعدهم شربت الكثير من المياه.
كان أنتهي من مكالمته فوجدها تقف أمامه وتمسح فمها بالمحرمة الورقية لتزيل آثار الشيكولاتة، وليست بأي نوع من الشيكولاتة!.
(مشهد سابق من الفصل الثاني والثلاثون)
« أعطاه سليم علبة شيكولاتة كبيرة من النوع الفاخر والخاص قد أوصي عليها من الخارج ليهدي بها صديقه.
_ مبروك يا عريس.
وصافحه وعانقه.
_
_ الله يبارك فيك يا باشا، وأي لزومه التعب ده وجو الرسميات.
همس له حتي لاتسمعه زينب التي تقف بالقرب منهما:
_ دي مش شيكولاته عادية، حاجة كده معمولة مخصوص علشانك، الواحدة منها بتعادل إزازة ڤودكا متعتقة، يعني كفاية عليك تاكل واحدة قبل ما ها.
غمز بعينه ليفهم الأخر مايقصد فضحك وقال:
_ ده أنت الشيطان يقولك شابوه يا باشا.»
*•*•*•*•*•*•*•*•*
🌹يتبع🌹
#الفصل_الخامس_والثلاثون
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
_
تصدح الموسيقي الهادئة من السماعات المتفرقة في أرجاء الحديقة، وأصوات همهمات ناتجة عن أحاديث جانبية وضحكات أنثوية، روائح عطور فواحه من هؤلاء الذين يرتدون أقنعة زائفة تربطهم جميعاً مصالح مشتركة ظاهرها علي غرار باطنها المليئ بالصفقات المشبوهة عن تجارة المخدرات والسلاح ولم تكتف إلي هذا الحد، فهناك تجارة الأعضاء البشرية والرقيق الأبيض.
وهنا يقف ممسكاً بيدها يبتسم للضيوف، مال
بالقرب منها بصوت لايسمعه أحداً سواها:
_ علي فكرة دي حفلة مش ميتم.
نظرت له بجانب وجهها رافعه إحدي حاجبيها ولا تغفل عليه نظرة التمرد التي رأها للتو بداخل ذهبيتيها التي كلما حدق بهما يشعر بشئ ما بدأ يترعرع في فؤاده الذي وضع من حوله آلاف الجدران الحديدية، فالحب في قاموسه نقطة ضعف قاتلة لصاحبها، لذا كلما يداهمه ذاك الشعور يوأده في الحال!.
_ رايد مني أسوي لك أي، أرجص لك مثلاً؟.
أستشف السخرية من نبرة صوتها و سخطها الجلي للسامع،ولوهلة كانت خلفه تلاحق خطواته متعثرة، تفوهت بتوجس:
_ سليم، أهدي أني مكنتش أجص…
أبتلعت ماتبقي من كلمات عندما وجدت جسدها ملتصقاً في تلك الشجرة ذات الأوراق الكبيرة المتدلية تخفيهما عن الأعين.
علو وهبوط صدرها المتكرر نتيجة خوفها من نظراته القاتمة التي تعلم ما ورائها.
_
أنتفضت عندما رفع يده لملامسة وجنتها الملساء، فظهرت علي شفاه إبتسامة زهو يدرك تأثيره الطاغي عليها يجعلها تخشاه أو تفعل مايثير شياطينه.
_ لاء يا بيبي كنتي تقصدي، وياريت ماتكذبيش علي جوزك تاني، النظرة الي شوفتها في عينيكي وأنا بكلمك لو أتكررت تاني هيبقي ليها عقاب رادع، أحذري.
تجرعت غصتها و أومأت له، فسألها:
_ كلامي مفهوم؟.
كررت الإيماء مرة أخري، قبض علي ذقنها وبإبهامه يضغط علي شفتيها المطلية بالحمرة القانية قائلاً:
_ نسيتي ولا أي؟، فين كلمة حاضر ياسيدي!.
عقدت مابين حاجبيها تتذكر ما أملاه عليها من قواعد التعامل بينهما لترضي غروره وساديته، أفترقت شفتيها بصعوبة:
_ حاضر يا سي سليم.
ألتوي فمه جانباً بإبتسامة هاكمة قائلاً:
_ حلوة سي سليم، بس لسه فاضل حاجه عشان تهديني وتهدي أعصابي الي لو فلتت مني مش ضامن وقتها هاعمل فيكي أي.
_
_ جولي أسوي أي وأني تحت أمرك.
كانت نبرتها سيمفونية تعزف علي سمعه، ذلك الخنوع التام في كلماتها يجعله مُنتشياً من فرط السعادة.
ضم شفتيها بين إبهامه وسبابته و نظرات عينيه مليئة بالشهوة الجامحة:
_ أنا كل مرة الي أبدأ معاكي، المرة دي عايز العكس.
دارت كلماته في خلدها لثوان، فأدركت مايرنو إليه، نظرت لأسفل وبخجل قالت:
_ لو الي فهمته صوح، يبجي لما تخلص الحفلة ونطلعو أوضتنا.
_ وأنا طلبت معايا هنا في الجنينة وتحت الشجرة.
تفوه بجدية واضحة، ترددت في الإجابة علي جنونه التي لم تجد له حدود قط.
_ الچنينة مليانة ناس وممكن حد يتمشي لأهنه ويشوفنا، إحنا لينا خصوصية وأظن عيب…
توقفت عندما أخذ يضحك بشدة، رفعت وجهها لتجده غارقاً في حالة قهقهة هيسترية، رمقته بإمتعاض حتي كف عن الضحك و أخبرها:
_
_ نيتك سودة يا زوزو، أنا مش قصدي الي فهمتيه، أنا كل الي عايزه كده.
و هبط إلي موطن كلماتها وكان علي وشك إلتقام شفتيها فأوقفه حارسه الشخصي الذي تحمحم وقال :
_ سليم باشا ،ياسر بيه مستني حضرتك.
هسهس بسبة وحنق من هذا الأحمق الذي جاء في الوقت الخطأ، حدجه بنظرة جعلت الأخر يرتجف بخوف فأردف مُعتذراً:
_ أسف ياباشا، هو عايز حضرتك ضروري.
أطلق زفرة حارقة وقال:
_ خدو و خليه يستناني قدام باب المكتب عقبال ما أجيله.
أومأ له الرجل:
_ أمرك يا باشا.
و هرول مغادراً.
_
أختطف من شفتيها لمسة رقيقة علي غرار قبلاته العنيفة ثم قال:
_ أطلعي أوضتنا ريحي شوية عقبال ما أخلص المقابلة دي .
_ و مين الي هايجعد ويا الضيوف، غير سمية وصلاح الي لساته متحدت وياك أنه چاي في الطريج.
رد علي مضض:
_ أوك، يبقي أستني چوه.
تقدمت أمامه وفعلت كما أمرها، وعينيها لاتحيد عنه، فرأته يقف مع رجل يستند علي عكاز معدني، أستقبله سليم بترحاب وحفاوة و دلفا معاً إلي داخل الغرفة التي علمت منذ مجيئها اليوم إنها غرفة خاصة لمراجعة أعماله.
ــــــــــــــــــــــــ
و بالخارج يدلف بسيارته عبر البوابة وعلي وجهه إمارات القلق، فكيف له يطمئن من تلك الجالسة تضحك كل فينة وأخري، أصطف جانباً وأخبرها:
_ بطلي ضحك ويلا ننزل.
رمقته ببلاهة وقالت:
_
_ بچد وصلنا كيف بالسرعة دي! .
وأطلقت ضحكة بمبالغة، أخذ يحملق بتمعن في ملامحها، فهو علي دراية أن حالتها المُريبة تلك ليست سوي حالة ثمالة، لكن كيف يحدث لها هذا وهي لم ترتشف قطرة من الخمر!.
_ سمية أنتي شربتي حاجة ولا أخدتي حاجة كدة ولا كدة؟.
تصنعت التفكير والبسمة لا تفارق ثغرها:
_ أيوه شربت.
تجهمت ملامحه فأردفت:
_ شربت ميه كتير، أصلي كنت عطشانة جوي.
لم يصدقها فسألها مرة أخري بأسلوبه الحاني،أمسك بيدها بين كفيه:
_ حبيبتي قوليلي ماتخافيش،أنا مش هتضايق ولا هازعل.
أجابت و رأسها تترنح فالرؤية مشوشة إلي حد ما أمام عينيها، أخبرته بإنكار:
_
_ أطمن يا صلوحتي، أني بخير يمكن تجلت شوية في الشيكو…
قاطعها إحدي الحراس الذي طرق زجاج النافذ بجوار صلاح الذي ضغط علي زر إسدال الزجاج، فأنحني الحارس قائلاً:
_ نورت يا صلاح بيه، حمدالله علي السلامة.
قام الأخر بمصافحته قائلاً:
_ الله يسلمك ياهيثم.
فتح هيثم الباب له ثم ألتفت مسرعاً ليفتح الباب المجاور لسمية التي أن وطأت قدميها الأرض أطلقت ضحكات متتابعة وقالت من بينها:
_ بتشتغل ويا سليم و إسمك يبجي هيثم!.
نظر الرجل بإحراج وبإبتسامة متكلفة رد بحذر و من طرف عينه ينظر إلي صلاح المنزعج من تصرفاتها الغير لائقة.
_ نورتي يافندم.
سحبها صلاح من يدها وقال بصوت خافت:
_
_ مالك ياسمية مهايبرة كده ليه؟.
ردت بسعادة:
_ مالي ياصلوحتي ما أني أهو، عيوني وخشمي في مكانهم ولا يكون طلعلي ديل إياك!.
تمتم بحنق:
_ لاء، شكلك بجد مش طبيعي، تعالي ندخل جوه أحسن بدل ما الناس تبص علينا.
فتحت فمها كالبلهاء و رددت وهي تسير معه:
_ ماتچيب لي شيكولاتة لابلاش يا ولاه.
وبالداخل، تتسحب بخطي وئيدة نحو الغرفة لتستمع إلي حديثه مع ذلك الرجل ذو الهيئة المثيرة للشك، ألتفتت يميناً ويساراً لتتأكد من خلو الرواق من العاملين والضيوف، أنحنت قليلاً لإستراق السمع، فوصل إليها صوته الرخيم ..
_ عارف يا ياسر لو أتضح لي إنك بتلعب من ورايا، أوعدك لأخليهم يلمو أشلائك من كل حتة.
أزدرد ياسر لعابه بخوف، تحمحم وقال:
_
_ عيب عليك يا باشا،أبيعك إزاي وأنا عينك ودراعك اليمين في الداخلية، والي هايخلي لك أكرم عمران مايتجرأش حتي يفكر في حضرتك.
زفر دخان السيجار الكامنة بين أصبعيه:
_ ملكش دعوة بأكرم،أنا بللعب معاه بطريقتي.
زفر الدخان مرة أخري و أردف:
_ الي بيني وما بين أكرم نفس الي ما بين الفريسة و الصياد، بيفضل مراقبها من بعيد وطبعاً بعد ما يكون مجهزلها طعم صغير يجذبها بيه، تقوم الفريسة رايحة برجليها لحد الطعم و أول ماتقرب، هوب واقعة في الفخ المتفصل علي مقاسها بالمللي.
صاح بصوت أجفل الآخر وجعله أنتفض ثم أعتدل في جلسته وقال بإطراء:
_ باشا، طول عمرك باشا وأحنا تلاميذك.
أكتفي سليم بإبتسامة زهو و فخر بذكائه الذي يرعب أعدائه ومن يفكر لمجرد لحظة أن يقف في دربه كأنه كالثُري التي تواجه هبوب ريح عاتية.
_ مدام زينب.
تفوهت بها تلك الخادمة الآسيوية مما جعل الأخري أُصيبت بالفزع، وألتفتت إليها بوجل.
_
أردفت الفتاة قائلة:
_ آسفة، فيه ضيوف مستنين حضرتك برة.
كانت تلتقط أنفاسها، خشيت أن يعلم سليم إنها كانت تتصنت علي حديثه مع هذا الياسر، فيزيد الأمر من شكوكه التي لم تنتهِ، أمرتها بإمتعاض:
_ روحي وأني چايه وراكي.
أومأت لها الفتاة و ذهبت فتتبعتها زينب وبداخل رأسها آلاف الأسئلة، ومن بين كل هذا صوت يتردد صداه في أذنها، صوت يخبرها إذا أرادت هزيمة الوحش فعليها أن تتظاهر بالخضوع التام والطاعة العمياء له ثم تتوغل في براثنه حتي تعثر علي مواطن ضعفه و ثغراته الواهية لتتمكن من سحقه و لكي لاينهض مرة أخري، في تلك الحالة لاتضمن النجاة لأن حياتها آنذاك سوف تكون أقل ثمن عليها دفعه!.
توقفت علي مشارف الممر المؤدي إلي البهو، وحين رأتها أسرعت من خطواتها والفرح يُزين قسمات وجهها.
_ يا مرحب، يا مرحب،يا أهلاً بالعرسان،البيت نور بيكم.
كانت هناك زوج من العيون تُراقبهم عن كثب،
رد صلاح وهو يمسك بيد التي تترنح وتضحك إلي الفراغ:
_ البيت منور بأهله.
_
_ الله يخليك.
وكادت تعانق صديقتها لكنها توقفت لتتفحص في ملامحها و سلوكها الغريب، تحمحم صلاح الذي لاحظ نظرات تعجبها،فقال بصوتٍ خافت:
_ معلش يا مدام زينب، ممكن تاخديها وتطلعو فوق،من وقت ما كنا في الطريق وهي زي ما أنتي شايفها كده، تضحك عمال علي بطال وتغني.
عقدت مابين حاجبيها و سألته:
_ أنت شربتها حاچة؟.
رد بإنكار:
_ لاء خالص، ومن وقت ما أتجوزنا مابقتش أدخل أي أنواع خمور في شقتي.
أخبرته بطمأنينة:
_هملهالي وأني هاشوفهالك مالها.
و بعدما ساعدتها في الصعود لأعلي جعلتها تجلس علي طرف الفراش، فما زالت الأخري تردد:
_
_ ماتچيبلي شيكولاتة لا بلاش يا ولاه.
ظلت زينب تنظر إليها، تحسست جبهتها ثم سألتها:
_ أنتي شربتي ولا أكلتي أي جبل ماتيچي؟.
نهضت بترنح و أجابت بثمالة:
_ أباه بجي عليكم عاد، ما أني عماله أجول لكم من الصبح، ما تچيب لي شيكولاتة لا بلاش يا ولاه.
وأخذت تهز خصرها، تجهم وجه زينب عندما تذكرت شيئاً ما علي ذكر الكلمات التي تتغني بها الأخري، فأخبرتها:
_ خليكي أهنه وأني هاحضرلك الغرفة المخصصة،حالتك دي لازمها دش ميه ساجعه لأچل تفوجي.
لم تهتم إلي ما أخبرتها به زينب، أخذت تتراقص مما أثار ضحك الأخري التي هزت رأسها بقلة حيلة.
و في الأسفل كانت الكارثة!.
ـــــــــــــــــ
_
يتعالي صوت ضحكاتهم الرجولية ثم أعقبها قول ياسر:
– مقولتلناش يا متر الجواز حلو ولاالعزوبية؟.
رد الأخر و السعادة تنضح من زرقاويتيه:
_ أنا أعترف لحد وقت قريب إن العزوبية أحسن و أريح نفسياً،بس بعد ما ربنا كرمني أقدر أقولكم وبقلب جامد الجواز أحسن بكتير، خصوصاً لو أتجوزت عن حب.
طيف إبتسامة هاكمة بدت علي ثغر سليم، لم يغفل عنها الأخر الذي أكتفي بالنظر إليه بدون أن يُعلق، فكلاهما يفهم ما يجول في ذهن الأخر، أنتبها علي قهقة ياسر قائلاً:
– مش عايز أصدمك وأقولك ده بس عشان أنت لسه في الأول، أقطع دراعي كلها سنه وهيجمعنا المكان ده تاني وهاتقول كان يوم أسود لما قررت بس أتجوز، وياسلام بقي لما المدام تعرف تاريخك الحافل مع حسناوات من مصر وبرة مصر، ولا أم بنتك مـ…
– ياسر!.
كان نداء تحذيري من الأخر الذي تحولت ملامحه في لمح البصر من السعادة إلي أخري يشوبها الوجوم والقليل من الغضب، عاد الأول إلي أدراجه عندما أدرك فداحة مزاحه الذي كان غير مرحب به إطلاقاً:
_ أي يا أبو صلاح أنا كنت بهزر معاك، مكنتش أقصد.
أبتلع لعابه من توتر الأجواء السائد بين ثلاثتهم، أردف:
_
– أنا كان قصدي إن الجواز غيرك للأحسن.
وقبل أن يرد صلاح سبقه صوت القداحة، حيث قام سليم بإشعال سيجاره و سحب نفساً عميقاً ثم أطلقه في الهواء ليُشكل سحابة دخانية و عقب علي حديث هذا الضابط الفاسد:
– تغير عن تغير يفرق يا ياسر، فيه تغير يرفعك لفوق لحد سابع سما وفيه تغير يخسفك لسابع أرض، والي بتسموه الحب ده مجرد وهم بنضحك بيه علي نفسنا، لأن الحب الحقيقي حب الذات، هاتحب نفسك وتقدرها هاتلاقي الكل بيحترمك ويعملك ألف حساب.
– الله عليك يا باشا بتقول دُرر.
و أخذ يصفق بحرارة، و هنا رد صلاح و هو علي وعي وإدراك كامل بما يقصده صديقه أو بالأحري لنقل هو المقصود:
– الحب يا ياسر من أسمي المشاعر الي يحس بيها الي عندهم إحساس و قلب أبيض صافي عكس القلوب الي مليانة سواد و كره، ربنا لما خلق آدم خلق له حواء تونسه وتكون شريكته في الجنة، الحاجه الوحيدة الي خربت عليهم حياتهم وخلاهم خرجو منها هو الشيطان، الشيطان سيطر علي آدم وخلاه حب نفسه وأكل الثمرة المحرمة والنتيجة كان أتطرد من الجنة، حب النفس لو زاد عن حده بيقلب لمرض نفسي والي بنسميه مرض الملوك بالبلدي جنون العظمة، تلاقي الكل بيبعد عنك ويتحاشاك وفجاءة تلاقي نفسك لوحدك وتكون نهايتك هي الإنتحار.
هناك نظرات متبادلة، أقل ما يُقال عليها رصاصات إذا أصابت كل منهما لأردته صريعاً.
هيهات و دوي صوت تهليل أتي من الخارج!.
ــــــــــــــــــــ
علي كلمات الأغنية بصوت السندريلا، تتمايل بخصرها بكل سلاسة علي الموسيقي.
_
(ما تجيب لي شيكولاتة لابلاش ياولاه…)
خلعت حجابها وألقته في الهواء ثم ألتقطته لتقوم بلفه حول خصرها تحت نظرات الضيوف اللذين وقفوا في تجمع من حولها، ينظرون إلي تلك السمراء الجميلة و خصلاتها تتطاير معها، فكانت النظرات ما بين إعجاب وإنبهار من الرجال بينما النساء كن علي غرار ذلك بل أخذن يتبادلن الأحاديث الجانبية، فقالت إحداهن إلي تقف بجوارها:
– و دي تطلع مين، معقول سليم بيه جايب رقاصة!.
تدخل رجل كان برفقتها:
– علي ما أظن سليم عمره ما يعمل كده، ملهوش في الجو ده خالص، بس بصراحة البنت عود بطل.
رمقته الأخري بنظرة نارية ولم تنتبه إلي صلاح الذي كان يقف خلفهما ويردد بصوت خافت:
– يانهار أسود.
و مازالت تلك العيون المراقبة لما يحدث، ويقوم صاحبها بإلتقاط صور في الخفاء وبدون أن يلاحظ أحدهم هذا، تبدلت الأغنية إلي أخري أغنية من الفلكلور (حبيبي يا عيني.. يامسهر عيني…)
و أخذت تتراقص و تهز خصرها علي إيقاع الموسيقي، تحت مرأي سليم الذي كان يتابع في صمت وأكتفي بنفث دخان سيجاره، بينما ياسر كانت شارداً في سمية قائلاً بداخل عقله:
– طول عمرك ياصلاح بتقع واقف، حظك من السما مع الستات.
_
و لنذهب إلي هذا المشهد الذي لايُحسد عليه صلاح، حيث أمسكها من يدها والأخري يخلع عنها الحجاب من حول خصرها:
– أنتي أي الجنان الي بتعمليه ده؟.
وضعت يدها الحرة علي وجهه تقول له:
– تعالي أرجص معاي، الأغنية حلوة جوي.
جذبها من يدها والأنظار تتبعهم، يرفع البعض منهم هواتفهم لإلتقاط مقاطع فيديو وصور لما يحدث، لاحظ سليم هذا فأشار إلي إحدي رجاله، فأدرك في التو مايريده الأخر، ذهب مسرعاً و هو يشير إلي زملائه أن يأخذوا الهواتف من الضيوف و القيام بمسح كل ما ألتقطوه، فهذا ليس من أجل عدم إفتضاح صديقه لكنه يخشي لفت إنتباه الرأي العام إليه.
_ أنتي أي حكايتك النهاردة بالظبط، ينفع الي هببتيه دلوقتي؟.
صراخ صلاح الذي وصل إلي ذروة غضبه، و قام بإلقاء الوشاح عليها، أجابت بثمالة:
– أباه عليك، عتزعج عليه ليه؟.
قد أفلت لجام غضبه، رفع يده لأعلي وكاد يصفعها، توقف و أبتعد قليلاً ليطلق زفرة حتي ينفث عن غضبه ولكي لا يؤذيها، يعلم جيداً حالة الثمل التي بها، فـ هي لاتعي ماتفعله.
كانت زينب تقف علي الدرج تري ما يحدث، ذهبت لتلحق بها وتأخذها قبل أن تحدث كارثة أخري، و ما أن أمسكت بيدها قائلة:
_
– تعالي ياسـ…
نفضت الأخري يدها ليتبدل حالها علي النقيض تماماً:
– بعدو عني، هملوني لحالي، كلاتكم بتعاملوني و كأني أتچنيت، أني لساتي بعقلي، أنتو الي أتچنيتو.
رمقت زينب باللوم وقالت:
– أنتي أتچينتي يوم ما وافجتي تتچوزي الراچل المچنون ده.
و أشارت بيدها نحو سليم، أسرع صلاح وأمسكها من يدها قبل أن تقول ما لايحمد عُقباه:
– يلا أطلعي قدامي، كفايانا فضايح.
جذبت يدها و أبتعدت وجسدها يترنح، صرخت به:
– فضايح ليك ولا للبيه بتاعك، لسه باجي وخايف عليه ولا خايف منه إياك!، تحب أفكرك سوي فيا أي!.
أزاحت الثوب قليلاً من عند العنق لتكشف للجميع أثر الحرق:
_
– عارفين الحرق ده مين الي سواه، الباشا صاحب الحفلة، طفي السيچارة بتاعته في رجبتي لأچل مكنتش رايدة أبيع صاحبتي وبت بلدي و أجوله علي مطرحها، و خابرين أي كمان؟.
نظر كبير الحرس إلي سليم الذي أشار له بأن لايتحرك، بينما أخذت زينب زواية لتختبئ حتي لايري الأخرين عبراتها التي أنسدلت للتو.
دنا صلاح من زوجته و هسهس من بين أسنانه:
– أقسم بالله يا سمية لو ما بطلتي شغل الجنان الي بتعمليه، ها…
صاحت في وجهه وكأنها فقدت عقلها:
– هاتسوي فيا أي أنت كمان!، هاتسلط عليا رچالتك يغتصبوني زي ما البيه بتاعك كيف ما جالهم يعملو معاي إكده!.
أنهمرت عبراتها و لم تستطع الصمود أكثر من ذلك، فأخذت تصرخ:
– أنا بكرهكم، وبكره نفسي، بكرهكم كلاتكم، أنـ..
و في غضون لحظة كانت مستلقية علي زراعي صلاح الذي ألحق بها قبل أن تقع علي الأرض بعدما فقدت الوعي!.
ــــــــــــــــــــــــــ
_
– في صباح اليوم التالي، يجلس خلف مكتبه شارداً في ذكرياته معها، كل ما يجمع بينهما من لحظات مليئة بالسعادة والحب وأخري علي النقيض، يبدأ شعور الندم يتسلل إلي فؤاده، فيباغته عقله بما أقترفته في حقه وكيف قامت بخيانته ليعود من جديد إلي هذا القاسي ذو القلب المتحجر، تساوره الشكوك مُجدداً حتي يعود إلي النقطة ذاتها، لابد من حل أو الأحري إختبار نهائي و عليها أن تجتازه بالنجاح أم بالسقوط!.
طرق علي الباب أنتشله من محيط أفكاره، فقال للطارق:
– أدخل.
فُتح الباب و دخل شاب ذو مظهر كلاسيكي، يرفع يده بتحية:
– أحلي صباح علي أكرم باشا سيادة النقيب والي بعون الله هايكون لواء.
طيف إبتسامة بدت علي وجهه قائلاً:
– تعالي يا حجازي، أي الأخبار؟.
رد الأخر بسعادة بالغة و كأنه عاد من الحرب ظافراً:
– العبدلله قدر يصورلك كل حاجه حصري من قلب فيلا سليم العقبي، و كانت الأحداث نار خصوصاً الي حصل أخر الحفلة.
قطب حاجبيه بعدم فهم، فـ أخرج له الأخر ظرف وأعطاه إياه:
_
– بص معاليك، دي صور من أول ما بدأت الحفلة لحد ما خلصت، تخيل مين أول ضيف كان هناك؟.
فتح الظرف وأخرج أول صورة، وبإبتسامة هاكمة قال:
– ياسر الطوبجي!، ده بقي يحضر حفالات كمان.
أخرج صورة تلو الأخري، رأي الكثير من الوجوه يعلم منها البعض، والبعض الأخر كانت مجهولة إليه، توقف لدي صورة لكلا من زينب و سمية،أمعن النظر تحديداً في صورة زينب، شعر وكأنه رآها من قبل، رفع الصورة أمام حجازي الذي تفهم سؤاله دون أن يتفوه به:
– دي تبقي مرات سليم، و لاقيت الخدامة بتناديها زينب، وكمان الي جمبها في صورة تانية، الي فهمتو إنها تبقي مرات صلاح أيوب.
هناك إشارة ما أو ربما إنذار ينبهه إلي طرف الخيط، فـ سأله:
– ما تعرفش إسمها زينب أي؟.
أبتسم الأخر بـ زهو و أجاب:
– ما أنا جاي لحضرتك في الكلام أهو، بعد تحرياتي الدقيقة، عرفت إنها من الصعيد و من عيلة إسمها القناوي، من محافظة قنا، وليها أخ إسمه رافع وإبن عمها كان مقبوض عليه إسمه فارس، أوعي يكون فارس الي حضرتك مكلفنـ..
نهض أكرم من مكانه و تعامل بقوة بقبضته علي المكتب، و يتحدث بكلمات لايسمعها سواه:
_
– زينب تبقي مرات سليم العقبي!، إزاي!.
ألتقط هاتفه و الصور التي بحوذته قائلاً:
– أستناني هنا ياحجازي و أنا راجع لك تاني.
ذهب إلي رئيسه في المخفر، طرق الباب ثم دلف:
– صباح الخير يا باشا.
ترك الأخر قدح القهوة بعدما أنتهي منه:
– أتفضل يا أكرم.
وضع أمامه الصور، أمسك بها الأخر مُقطب الحاجبين، فقال له أكرم بـ عزم و إصرار:
– أنا عايز إذن من النيابة بالتحقيق مع مرات سليم العقبي.
رمقه بصدمة قائلاً:
_
– تحقق مع مين!، أنت فاهم أنت بتطلب أي؟.
أبتسم بتهكم و أردف:
– ده أنت كده بتفتح علي نفسك نار جهنم، و بعدين هاتحقق معاها ليه، هاتعترف لك مثلاً علي جوزها، ياريت تقولي سبب مقنع.
جلس علي الكرسي أمام مكتبه ليخبره بـ ثقة بالغة:
– مدام زينب العقبي هي زينب القناوي بنت عم والي كانت خطيبة فارس القناوي، الي هرب مع المساجين وقت السطو علي عربية الترحيلات!.
ــــــــــــــــــــ
بداخل سراي النيابة، يعود الوكيل بظهره إلي الخلف و يسأل زكريا الذي أصبح ذو مظهر رث ولحية قد كبرت:
– كل التحريات بتأكد علاقتك بالمجني عليها، ده غير إتهام أخوها ليك، و تقرير الطب الشرعي أثبت إنها فعلاً كانت حامل، ولسه كمان لما تطلع نتيحة تحليل الـ ، الي هنثبت بيه إن الي في بطنها كان إبنك وفي الحالة دي مفيش متهم غيرك أنت.
صاح بخوف وتوتر:
– مش أنا، معرفهاش، حتي أسأل رافع إبن عمي أو بكر أخويا كنت مسافر معاهم بنجيب بضاعة من القاهرة.
_
و بعد قليل، يقف رافع أمام وكيل النيابة بشموخ وثقة واهية،ليشهد زوراً:
– أيوه كان ويانا و إحنا بنچيبو بضاعة من تچار الخردة في القاهرة.
وبالخارج يقف كلا من بكر والشيخ واصف الذي يقرأ أيات الله، ويديه تتحرك علي حبات السبحة، خرج العامل مُنادياً:
– بكر واصف.
و قبل أن يذهب أمسكه والده من يده و ربت عليها قائلاً:
– خد بالك من كلمة الحق يا ولدي، إياك والشهادة الزور، حتي لو كانت هاتبجي في صالح أبوك، إنها من الكبائر يا ولدي.
أومأ له بكر و وضع يده علي كتف والده:
– ماتجلجش يا أبوي، عمري ما هاغضب ربنا حتي لو علي حساب حالي.
خرج رافع و يرمق بكر بـ نظرة يدركها الأخر ثم دنا نحو أذنه:
– ياريت قبل ما تجول أي حاچة، أفتكر إن ده أخوك، و قبل ما تضره هاتضرنا كلاتنا، من أول أبوك و عمتي و خايتك، البلد كلاتها ما هيبجي لهم سيرة غيركم علي لسانها، فكر بعقلك.
_
رفع الأخر جانب فمه بإبتسامة هاكمة:
– ما تجلجش يا ولد خالي، أني فعلاً بفكر بعقلي و الي بيجولي، أشهد بكلمة الحق، عن إذنك.
و أمام وكيل النيابة كان لقاء الأخوة، أخوة في ظاهرها لكن ما في النفوس علي غرار ذلك، يخشي زكريا إستغلال شقيقه الخلاف القائم بينهما، لكنه علي يقين بأن أخيه مهما يحدث، فـ بالنهاية لايشهد سوي بالحق!.
– ها يا بكر، أخوك كان بيقولنا كان معاك وقت حدوث الجريمة، طبعاً غير إنه بينكر علاقته بالمجني عليها، فما هو قولك في ذلك؟.
كان سؤال الوكيل واقعاً علي الوتر الفاصل بينهما.
كان زكريا يرمقه بـ توسل و رجاء، حديث دائر بداخل عقله و نظرات عينيه كفيلة بإبلاغ شقيقه بما يريد قوله:
– أني خابر زين أد أي بجيت بتكرهني، بس أني مش وحش جوي كيف ما أنت شايفني يا أخوي، كنت أتمني تاخد بيدي وتفضل ورايا لحد ما أبعد عن الطريج الواعر الي وجعت فيه.
بادله بكر بنظرات ندم وحسرة، يشعر بالحزن علي شقيقه و ما أوصله إلي هذا المصير البائس:
– أني ياما نصحتك يا أخوي، جولت لك إياك والطريج الي أنت ماشي فيه، ماسمعتش كلامي و مشيت ورا شيطانك وسلمتله حالك، زنيت و شربت المنكر وأستحليت كل حاچة حرام و يوم ما أديت فرصة لجلبك ضاجت بيك الدنيا وبصيت لمرات أخوك، و ختمتها بالجتل، ناجص تسوي أي إياك!، ربنا عطاك نعم كتير وأنت ماصونتش أي نعمه فيهم، سامحني، سامحني يا ولد أبوي، ما أجدرش أشهد كدب وزور، ما أنت عارفني زين، ما أجدرش أغضب ربنا وأضيع حق واحدة مظلومة، يمكن لما تتعاقب و تتوب ربنا يغفر لك الي سويته في حق الناس و حق نفسك.
– يا أستاذ بكر؟.
_
كان نداء وكيل النيابة، فأنتبه له الأخر و قال يخرج بصعوبة بالغة من حلقه:
– معاك يا فندم.
زفر الأخر وأخذ يطرق بالقلم علي المكتب و يسأله:
– أخوك كان مسافر معاكم؟.
أزدرد ريقه، و يتحاشي النظر إلي شقيقه المُكبلة يديه بالأصفاد المعدنية، يتردد في أذنه صدي صوت والده:
(خد بالك من كلمة الحق يا ولدي)
أخذ نفساً عميقاً و أطلقه في زفرة هادئة ثم أجاب بكلمة الحق:
– لاء.
ـــــــــــــــــــــ
و بداخل عيادة طبية في مكان نائي و متطرف عن النجع، تجلس قامعة في أفكارها، لاتملك سوي هذا الحل حتي لايفتضح أمرها أمام زوجها، أصبحت مُهددة من خالتها التي أمرتها أن عليها تخبر ولدها بالحقيقة أم ستخبره هي بنفسها!.
_
فـ كلا الخيارين أصعب مما تتفوه به، هل من السهل أن تقول له ما بإحشائي ليس ولدك!، أم ستخبره بأن هناك من أستباح جسدي بسبب الركض وراء الترهات والدجل بدلاً من أن ألجأ لخالقي!.
نرتكب كثير من الأخطاء و لا نعلم أن كل خطأ علينا دفع ثمنه إينما كان آجلاً أم عاجلاً.
-مدام نوارة؟.
قامت بمناداتها الفتاة مساعدة الطبيبة، نهضت الأخري وتواري منتصف وجهها حتي لايراها أحد.
طرقت الباب و دخلت و أول ما شعرت به، برودة قاسية تضـ,ـرب أطرافها، تتردد فيما قد عزمت عليه، تقدمت بخطي وئيدة والطبيبة تراجع بياناتها في الورقة المدون بها بياناتها:
– أتفضلي إستريحي يا نوارة.
جلست علي الكرسي و تمنت همومها كانت مثل جسدها تلقيها هكذا بأريحية، فـ سألتها الأخري:
– أول مرة تعملي متابعة حمل؟.
أجابت بإنكار و تردد:
– لاء،أجصد أيوه.
_
سألتها بـ عملية مرة أخري:
– أخر مرة جت لك العادة الشهرية أمتي؟.
ظلت صامتة للحظات حتي أخبرتها:
– ماخبراش، يمكن شهر أو شهرين.
قطبت الأخري حاجبيها بإستفهام، هيهات و أشارت إليها نحو سرير الفحص:
– أتفضلي أطلعي علي مكان الراحة و جهزي نفسك عشان أعملك سونار.
كانت علي وشك أن تخبرها بما هي آتية من أجله، تراجعت و لا تعلم لما فعلت هكذا، عليها التفكر في الأمر ملياً،هل القرار صائب أم جُرم شنيع!.
فعلت كما طلبت منها الطبيبة، أستلقت علي مكان الراحة و جذبت الدثار، لحقت بها الأخري و أمسكت بزجاجة الهُلام و أخذت القليل و قامت بوضعه علي بطنها.
كلمات خالتها تتردد في أذنها:
(لازم تجوليله الحجيجة يا إما هاروح أجوله أني ).
_
تجرعت غصتها المريرة بطعم العلقم،دمعة حارة فرت من عينيها و هي تأخذ قرارها الحاسم، أمسكت الطبيبة بالجهاز و قبل أن تضعه عليها أمسكت يدها لتمنعها قائلة:
– أني چايه لك تسوي لي عملية إچهاض.
ـــــــــــــــــــ
تجلس بجواره و تربت عليه لعلها تخفف عنه تلك الحالة النفسية السيئة بعدما عاد من سراي النيابة و الإدلاء بشهادة الحق.
– أني كنت ما بين نارين، نار خايف أغضب ربنا لما أكذب و أضيع حق الست الي جاتلها و ما بين أخوي الي كان عمال يبص لي و كأنه بيستغيث بيا.
و ما أن إنتهي من كلماته بدأت عبراته في الإنهمار، وقفت أمامه و حاوطت وجهه بكفيها ثم قالت:
– أحب علي يدك كفياك بكي، دموعك غالية و عزيزة، أنت سويت الصح و جولت كلمة الحق، لو كنت سويت العكس مكنش هيچي لك نوم واصل من إحساسك بالذنب.
رفع وجهه و نظر إليها في صمت يتأملها، بينما هي أخذت تمسح عبراته بإبهاميها، وضع يديه علي يديها ليزيد من شعوره بلمساتها، لايدري لما أتي في ذهنه للتو ذاك المشهد، عندما عاد من الخارج في المنزل الأخر و وجدها تقف أمام شقيقه، و الكثير من المرات عند إجتماعهم علي مائدة الطعام، حينها لايغفل عن نظرات شقيقه إليها، و أكثر ما جعله يشعر بالضـ,ـربة القاتلة هناك عندما حدثت بينه و بين شقيقه المواجهة و إعترافه بإنه يحب زوجته، كان إعترافاً غير لفظي، لكن صمته و نظراته كافية بإبلاغه بالإجابة، فحديث العيون أبلغ من اللسان.
كل تلك الأفكار كانت كالنيران التي أضرمت في الهشيم و سرعان ما أحرقت كلما يقابلها في طريقها، صدره يشتعل من الغيرة، و هناك صوت من أعماقه يخبره بأن دافعه الأول من الإعتراف علي شقيقه ليس لخشية أن يرتكب ذنباً عظيماً بل كان إنتقاماً أو ربما عليه التخلص من شقيقه.
صراع داخلي ناشب يكاد يفتك برأسه، و من يري هدوءه ينخدع، لايعلم هذا الهدوء الذي يسبق العاصفة.
_
همس لها بصوت يكاد تسمعه:
– بعشجك يا قمري.
أبتسمت و كأن الشمس قد أشرقت بل هي القمر في إكتماله، بدر مُنير في سماء صحراء قاحلة، يركض فيها كالظمآن الذي يبحث عن الجُب ليرتوي منه، و ها هي الماء أمامه، أخفض كفها علي شفتيه، أخذ يُقبل راحة يدها بشوق وعشق جارف، أغمضت عينيها عندما سرت قشعريرة في جميع خلايا جسدها، نهض و ما زال يمسك بيدها ويقبلها، لم يكتفِ بذلك، فمازال يشعر بالظمأ، ترك يديها و لم يمهلها لحظة و قام بجذبها بين زراعيه و هبط علي عنقها برغم إرتدائها الحجاب، قام بإسداله من فوق خصلاتها.
بدأت تتلوي يميناً و يساراً:
-بلاش يا بكر، بلاش.
و قبل أن يتمكن من عنقها ويقبله بنهم شديد، كان يتمتم:
– أني الي بعشجك، أنت مارتي أني، ملكي لوحدي، سامعني زين يا قمر، أنتي ملكي أني.
هزت رأسها بتوجس من نظراته التي لأول مرة تراها الآن، علي قدر أنها قد أشفقت عليه، في ذات الوقت تشعر بالخوف، و ما أن أفترقت شفتيها لتتحدث، وأد كلماتها في قُبلة، بدأت بوتيرة هادئة ناعمة و بدأت تسلك مساراً آخر،يده تتخلل خصلاتها وتمسك برأسها واليد الأخري يغرزها في خصرها المنحني،تأوهت بألم جعلها تزداد في مقاومتها بصوت يكاد يختنق:
– كفياك يا بكر، بعد عني.
و بالفعل قد أبتعد و ليته ما رمقها في تلك الحالة، يبدو علي وجهها علامات الألم، شفتيها مُنتفختين، خصلاتها مُبعثرة، أدرك فداحة ما أقترفه لتوه.
_
– من هنا لحد ما نعملو فرح مش هيتجفل علينا باب لوحدنا واصل.
و في تلك اللحظة دلفت والدته ترمقه بنظرة جحيمية، أرتدت قمر حجابها و كان قلبها يخفق بقوة، غادرت الغرفة.
جلست والدته ترمقه بحدة قائلة:
– أرتحت!، أرتحت لما شهادتك دخلت أخوك السچن!.
ولي ظهره إليها و قال:
– أني جولت كلمة الحق الي هيحاسبني عليها ربنا.
رفعت جانب شفتيها بتهكم:
– كلمة الحق، و لا ماصدجت تخلص منه لأچل مارتك!.
أستدار إليها و عينيه كادت تخرج من محجريهما،،يرد بإنكار:
– أي الي عتجوليه دي يا أمي؟
_
قطبت حاجبيها و بنبرة هاكمة أجابت:
كيف ما سمعت إكدة، فاكرني ماخبراش الي بيحوصل من ورا ضهري، ولا خابرة كل واحد فيكم بيفكر في أي!.
– لو كنت خبرانا زين مكنتيش جولتيلي الحديت الي جولتيه، ولا كان ولدك زكريا مرمي في السچن دلوق.
كان يحدثها و ملامح وجهه يغزوها التجهم، أخذ يستغفر ربه، أطلق زفرة من أعماقه و رأي من الأفضل المغادرة.
ــــــــــــــــــــ
يقف بالقرب من محطة قطارات السكك الحديدية ينتظره بشوق ولهفة، و ما أن رآهُ ركض عليه ليعانقه بإشتياق و ربت الأخر علي ظهره بقوة، يستنشق منه رائحة والده.
– أتوحشتني جوي يا ولد الغالين.
رد فارس و السعادة تغمره:
– كيفك يا عم چابر و كيفها الخالة هنادي؟
– الحمدلله بخير يا ولدي، أتوحشتها جوي علي طول بتدعيلك، بس أني مجولتلهاش أني چاي لك، الحريم ماتضمنش يا ولدي، لسانهم وكالة أخبار عالمية.
_
قهقه الأخر و قال:
– ياه يا عم چابر لساتك كيف ما أنت خفيف الظل، ربنا يبارك فيك.
ربت علي كتفه قائلاً:
– المباركة دي تتجالك أنت يا عريس، إلا جولي بصحيح حوصل ده كيف ولا ميتي؟
بدأ فارس يسرد له في الطريق بعدما أستقل كليهما سيارة أجرة،حكي إليه منذ بداية معرفته بالحاج نعمان حتي الآن.
و إلي أن وصلا في منزل الحاج نعمان الذي أستقبلهما بحفاوة و ترحاب، و قد لحق بهم جنيدي، أضحي رفيق دربه و صديقه الصدوق.
و تلك الجميلة ذات العينين التي تشبه عيون المها، و لأول مرة تتخلي عن عدساتها اللاصقة، فللون عينيها يتميز يشبه الذهب في بريقه الساحر، خاصة عندما قامت بتزين جفونها بالكحل، تقف أمام المرأه تضع الحُمرة علي شفتيها فأبرزت جمالها أكثر.
ألقت نظرة أخيرة علي ثوبها المُرقط كجلد الفهد، ينسدل علي منحنياتها.
أنتفضت بفزع عندما أتاها صوت والدها بالنداء، أخذ قلبها يخفق بل و يرفرف ويحلق، و قبل أن تذهب إليهم نظرة لصورتها المنعكسة بالكامل في المرأه، تتفوه بتوعد لمن سلب فؤادها:
– ده أنا مش هخليك تحبني و بس، وحياتك لأجننك يا فارس، هخليك تنساها خالص، أنت لسه ماتعرفش شهد بنت الحاج نعمان.
_
– بت يا شهد.
صوت والدها الذي نفذ صبره من إنتظارها، ركضت علي الفور، ذهبت أولاً لتجلب صينية كؤوس المياه الغازية، حملتها علي مهل و تقدمت بها إلي غرفة الضيوف.
كان شارداً في الفراغ، و والدها يتحدث مع العم جابر، بينما جنيدي أتسعت عينيه لم يصدق ما يراه، لكز صاحبه في زراعه قائلاً بإطراء سافر:
-ألحج يا أبو الفوارس، دي أي الفرسة الچاحدة الي چاية علينا دي، يخربيت چمالك يا عود، الكامانچا يا مانچا، ما تسألي خطيبتك عليها لأچل بدل ما تبجي جراية فاتحة واحدة يبجو جرايتين، لكن البطل دي عايزالها كتب كتاب و دخلة علي طول.
لكزه فارس بمرفقه في زراعه، يهمس له:
– إكتم أنت.
و بخطي هادئة ذهبت إليه أولاً لتقدم له الكأس و تنظر لأسفل بخجل، سبقته يد جنيدي الذي قال:
– تسلم الأيادي يا مزة بلادي.
رمقته بإمتعاض و هو يتناول الرشفة الأولي و في نفس الآن قال والدها للعم جابر:
– دي تبقي شهد بنتي العروسة.
_
عقب الأخر:
– بسم الله ماشاء الله، اللهم بارك.
و ما أن سمع جنيدي هذا أصابته حشرجة في حلقه كاد يختنق، ناولته هي كوب ماء و ترفع إحدي حاجبيها قائلة:
– أتفضل يا أخ جنيدي.
تناول منها الكوب و وجهه محتقن من الحشرجة و الشعور الشديد بالإحراج، نظر إلي فارس يرمقه بإعتذار.
قدمت باقي الكؤوس إلي فارس الذي تعمد عدم التحديق بها، كما قدمت إلي والدها و العم جابر الذي قال:
– تسلم يدك يا عروستنا، ربنا يتمملكم على خير.
و رمق فارس ليبدأ في حديثه،تنتابه حالة من التوتر:
– أنا چيت النهاردة لأچل أطلب يد الآنسة شهد علي سنة الله و رسوله، و حضرتك خابر كل حاچة عني و ظروفـ…
قاطعه نعمان بإشارة من يده قائلاً:
_
– بص يابني، أنا كل الي طلبه منك و قدام عمك جابر و صاحبك، إن مش عايز منك أي حاجة خالص غير حاجة واحدة بس وهي أنك تحط بنتي في عينيك.
أومأ له فارس و أجاب:
– و أنا أوعدك يا حاچ هاشيلها چوة عينيا.
تدخل صاحبه قائلاً بأسلوب فكاهي:
– و الله يا حاچ نعمان ما ليك عليا حلفان، يا زين ما أختارت عريس لبتك، فارس زين الرچال چدع و إبن أصول و كفاية إنه صعيدي و صاحبو يبجي چنيدي.
ضحك الجميع ثم رد نعمان:
– يبقي كده نقرأ الفاتحة.
ــــــــــــــــــــــــ
و علي متن فندق عائم علي مياه النيل، يُقيم حفل زفاف علي و مروة، يرقصان علي نغمات الموسيقي الهادئة.
شاردة في عينيه التي آسرتها منذ أن رأته لأول مرة منذ أيام الجامعة، رمقها بإبتسامة و سألها:
_
– يا تري سرحانة في أي كدة؟
أخفضت بصرها بخجل و أجابت:
– سرحانة فيك.
أمسك بذقنها لترفع وجهها وتنظر إليه:
– هو مينفعش تتكلمي و أنتي عينك في عينيا مثلاً؟
أبتسمت بخجل و قالت:
– بصراحة، مش مصدقة نفسي، كنت بحلم باليوم ده، أي نعم قابلت صعوبات كتير لحد ما وصلتلك، بس خايفة أقابل الأصعب لغاية ما أوصل لقلبك.
أطلق تنهيدة و تهرب من التحديق في عينيها و هو يخبرها:
– للأسف يا مروة قلوبنا مش بإيدينا، و أنا قولتهالك قبل كدة، خليني أنساها، عارف إني أناني و ظالم كمان، بس أنا محتاج إيد تشدني وتقومني من دايرة الماضي، أنا محتاج لك أوي.
و أمام البوابة المُطلة علي كورنيش النيل، تقف السيارة، نزلت و أخذت تتلفت من حولها بإبتسامة تغمر شفتيها، فعندما أخبرها صباحاً إنهما سوف يخرجان،لم تصدق نفسها، ظنت إنه قد غفر لها أخيراً و سامحها، لاتعلم نواياه الخفية.
_
أمسك بيدها و دلفا عبر الجسر إلي الفندق، فقالت له:
– عارف، كان نفسي نعمل فرحنا هنا، بس ظروفك ما سمحتش وقتها و أنا قولت مش مهم، الفرح الحقيقي هي أكون معاك.
حدجها بنظرة غامضة و إبتسامة إستهزاء جعلتها تشيح وجهها الناحية الأخري.
توقفا أمام باب كبير يقف عليه حارسين، أخرج لهما دعوة قد أخذها من صديقه طارق الذي أعتذر عن الحضور، دخلت و قلبها أصابته إنقباضة و أذنيها أصابها صفير حاد.
و قعت عينيها علي العروسين، فعلمت لما تشعر بكل هذا، إستدارت وهمت بالذهاب، أوقفها قائلاً و يده قابضة علي زراعها:
– رايحة فين؟، مش ناوية تباركي لصاحبتك و جوزها؟
أبتلعت ريقها بتوتر فشلت في إخفائه:
– أنا عايزة أمشي.
رد بإصرار و حزم:
– و إحنا مش ماشين غير لما نروح نسلم عليهم و نباركلهم.
_
جذبها من يدها لتسير خلفه بتعثر، حتي توقفا علي مقربة شديدة من مروة وعلي الذي تسمر في مكانه حينما تلاقت عينيه بخاصتها، و هي قد أهتزت عندما جذبها أكرم من خصرها يحتضنها.
وقفت مروة تنظر إلي صديقتها السابقة بدهشة، كيف جاءت و هي لم ترسل لها دعوة حضور الزفاف!.
ذهبا إليهما، صافحت ندي مروة علي مضض:
– مبروك يامروة.
ردت الأخري بإقتضاب:
– الله يبارك فيكي.
ــــــــــــــــــ
و ها هي قد أهتداها تفكيرها الشيطاني بعدما رفضت الطبيبة بإجراء الإجهاض لها، تلجأ إلي الحيل القديمة، ذهبت إلي العطار، و قامت بشراء خليط من الأعشاب التي علمت بمفعولها الذي سيفي بالغرض.
و الآن هي بمفردها تمكث في غرفتها منذ الأمس، تمسك بالكوب الخامس أو ربما السابع تحتسيه بصعوبة بسبب رائحة الخليط النفاذة، كما يداهمها منذ الأمس شعور بألم يزداد كل فينة و الأخري.
صعدت علي الكرسي و وثبت علي الأرض، مرة تلو الأخري، و في كل مرة تتأوه بألم، و إذا تشعر بسائل دافئ يتدفق من أسفلها و قد وصل الألم إلي ذروته، و هنا لم تعد قادرة، فأطلقت صرخة وصلت إلي مسامع أهل النجع!.
_
🌹يتبع🌹
#الفصل_السادس_والثلاثون
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
تمكث في الغرفة بمفردها منذ أن عادا من الخارج، لم يستغرق وجودهما في حفل الزفاف سوي مجرد دقائق مرت كمرور الدهر علي قلب احدهم و بمثابة خنجر متوهج يخترق قلوب آخرين بلا رحمة.
نهضت من فوق مكان الراحة بعد تفكير دام لأكثر من ساعة، ذهبت لتبحث عنه في الردهة، وصل إلي أنفها رائحة سيجارته المشتعلة من الشرفة، سارت إليه و وقفت خلفه بتوجس حيث إنها تدرك جيداً حالته النفسية الآن، فهو لا يلجأ لتدخين السجائر إلا عندما يكون في قمة غضبه لاسيما تري من جانب وجهه إحتدام عظام فكه البارزة و انتفاخ أوداجه النافرة.
ترددت في التحدث إليه، لكن في النهاية وجدت لا مجال للهروب عليها المواجهة، ساعة من المواجهة وتلقي الصدمات أكثر هواناً من العيش لساعات و ربما لأيام في قلق و آسر ذهنك في براثن الأفكار المُظلمة.
– أكرم.
تظاهر و كأنه لا يسمع ندائها علي غرار ما بداخله من وقع صوتها علي فؤاده الذي يتوسل إليه بأن يغفر لها، لكن الآن العقل هو المسيطر، طالما عقله يرشده إلي الثواب والمسار إلي الدرب الصحيح.
أطلق زفرة نفث بها دخاناً كثيفاً من أنفه و فاهه، و صمته كان الرد الجلي إليها، اقتربت منه وضعت أناملها المُرتجفة علي عضده و كأن قد سري في جسده تيار كهربائي، ألتفت إليها بنظرة لو كانت نيراناً لجعلتها رماداً لتوها.
_
أجفلها بصوت أرجف قلبها:
– عايزة أي؟
ابتلعت غصتها بتردد و أجابت:
– ممكن نتكلم شوية؟
سحب نفساً عميقاً من سيجارته ثم أطلقه في زفرة عبئت الأجواء من حولهما بالدخان الكثيف، تخلص من ما تبقي بين أصبعيه بإلقائها من الشرفة ليخبرها:
– الكلام ما بينا أنتهي.
لم تتحمل كلماته القاسية و نظراته الأشد قساوة، انفجرت في نوبة بكاء و كأن الجميع تكالب عليها اليوم:
– حرام عليك بقي كفاية، أنا ما بقتش أستحمل، بقي أبسط حاجة عندك تذل وتبيع فيا كأني مش مراتك و أم بنتك.
ها هي قلبت الأدوار علي رأسه، فأصبح هو الجاني و هي الضحية المجني عليها، ما كان منه أن يشعر سوي بالغضب العارم، قبض علي رسغها دافعاً إياها إلي الداخل ومن بين أسنانه يلقي عليها وابل من رصاصات الكلمات القاتلة:
– و أنا مكنتش خطيبك وحبيبك وقت لما روحتي أترميتي في حضنه!، أنا خدتك للفرح عشان أشوف النظرة اللي شوفتها في عينيكي، إحساسي عمره ما خاني و الليلة دي أتأكدت بنفسي من كل شكوكي، و كفاية كذب و خداع، أنا مش عارف إزاي أنتي كدة!، خلتيني أحس بأوسخ إحساس أي راجل عنده كرامة و نخوة إستحالة يقبله علي نفسه.
_
تريث قليلاً ثم أردف و نظراته مليئة بالقسوة و الكراهية:
– تعرفي اللي زيك تتوصف بأيه!
قربها منه و نظر صوب عينيها و كأن كل ما به يتحدث و ليس فمه فقط:
– خاينة.
هبطت أسفل قدميه تبكي بتوسل و نفي اتهامه لها:
– أنا مش خاينة، و الله بحبك أنت،بعترف أن غلطت و ندمانة و دفعت تمن غلطي، قسوتك و كلامك اللي زي السكينة دبحني، برغم كل ده أستحملت و هاستحمل، كل ده عشان بحبك.
هبط لمستواها و أمسكها من عضديها يُعنفها:
– بطلي كذب بقي يا شيخة، أنتي ما بتحبيش غير نفسك و بس.
كانت ترتجف بين يديه و تهز رأسها يميناً و يساراً، لم تصدق عينيها ما وصل إليه، أصبح أمامها كالوحش الضاري، مهما بررت أو توسلت لم يرحمها، فأسرع و أسهل حل لديها الآن هو الهروب من أمامه و الاستسلام لفقدان الوعي الذي بدأ يداهمها بالفعل.
زاغت عينيها ثم أسبلت جفونها في صمت، لم يتبق سوي صوت أنفاسه المتهدجة و هو يراها ساكنة بين يديه.
_
❀ـــــــــــــــــــــــــــ❀
تسير في الطريق المُظلم بعدما انتهت من زيارة إحدى صديقاتها، فكان الشرود رفيق دربها و الذي أنتشلها منه احدهم، جذبتها يد غليظة و كانت علي وشك الوصول إلي منزلها، شهقت بفزع عندما أفجعها بنظراته القاتلة و صوته الأجش الذي دب الرعب في فؤادها، يسألها:
– معاودة منين؟
رمقته في صمت لثواني حتي عادت الدماء إلي أوردتها مُجدداً، و لبست قناع الجمود و أجابت ببرود:
– ملكش صالح بيا عاد.
دفعها إلي أقرب جدار، فأرتطم ظهرها به، قلبها يخفق وجلاً غرار ما تظهر له قوة واهية علي ملامح وجهها، أمسك برسغيها بقبضة من حديد:
-من هنا و رايح رچلك ما تخطيش عتبة الدار.
رفعت إحدى حاجبيها بتمرد أنثي لا تنحني يوماً سوي إلا لخالقها قائلة:
-و ده من ميتي إن شاء الله يا سبع الرچال، إيش تكون أنت لأچل تحكم و تشخط فيا عاد!
أقترب أكثر منها، و من يراهما من بعيد يحسب إنهما متلاصقان، هدر من بين أسنانه:
_
-أنا أبجي راچلك،و چوزك بعد ما نكتبو الكتاب بكرة، و بعدها بأسبوع هاتكون دُخلتي عليكي يا بطتي.
ازدردت لعابها لتُبدد توترها المُنبلج من نظرات عينيها، تخبره بتهكم:
– بعينك يا واد خالي.
شبح ابتسامة غزي أسفل شاربه قائلاً:
– لاء يا جلب واد خالك، هاتبجي بصدري الي هاتدفي فيه و أنتي في حضني، و بجلبي الي هاتسمعيه و أنتي راسك علي صدري و شعرك الچميل مفرود عليه، أجولك أي كمان.
أقترب بموطن كلماته بالقرب من شفتيها المذمومتين و أكمل:
– و بشفايفي اللي نفسها تدوج كل حتة فيكي يا بطتي، خصوصاً الحتة دي.
برهة واحدة و كاد يُقبلها.
– بت يا فاطمة.
صوت والدها أجفل الأخر و جعله أبتعد عنها و هّم بالذهاب فأوقفه الشيخ واصف ليسأله:
_
-واجف ويا بتي و عتسوي أي يا رافع!
لم يستطع رفع عينيه من فرط ما يشعر به من حرج، تحمحم ثم أجاب:
– كنت بسألها كيفها عمتي.
أمسك والدها بيدها، يدفعها برفق خلفه و حدج الأخر بنظرة تحذيرية قائلاً:
– عمتك زينة، و لو رايد تطمن عليها تدخل الدار من بابها لأچل تطمن عليها و بس، غير إكده ملكش صالح ببتي واصل.
لم يمهله والدها حتي الرد و أخذ أبنته و عاد إلي منزله، تاركاً الأخر في نفور أوداجه التي كادت تطق من الغيظ.
✿ــــــــــــــــــــــــــــــ✿
وصل أمام منزل عائلته الذي يغلفه سكون الليل يتخلله صوت مزعج يصدر من فم و أنف هذا الدبيكي ذو المظهر المُخيف و شاربه الكث يحتل نصف وجهه.
لكزه بقوة في صدره قائلاً:
– جاعد أهنه و نايم و عتشخر كمان!
_
أنتفض الأخر بفزع يتلفت من حوله كالمجنون، حتي عاد إلي صوابه:
– حجك عليا يا كبير،أصلي مانعستش من إمبارح، و الحاچة و الحاچ خرچو من بدري راحو يعزو چماعة وهدان، فأتكوعت علي الكنبة أهنه و الهوا طس في وشي و نعست غصب عني.
زجره مُتمتماً:
– طسك جطر يا بعيد.
تركه و فتح الباب بالمفتاح يُدندن:
– يا ولاد بلدنا يوم الخميس، هاكتب كتابي و هابجي عريس.
ظل يُرددها، و قبل أن يدخل الغرفة، رأي الضوء من خلال أسفل الباب، تحمحم حتي لا يجفل زوجته و كأنه يهتم لأمرها:
– بت يا نوارة، أنتـ…
فتح الباب و بتر كلماته المشهد الذي يراه أمامه، حيث رآها ممددة علي الأرض و طرف ثوبها يرتفع إلي أسفل ركبتيها، فساقيها مُلطخة بالدماء المُتدفقة من أسفلها، ترتجف جفونها و تلتقط أنفاسها ببطيء، صاح بفزع:
– نوارة.
_
أنحني علي عقبيه و أخذ يربت علي خدها، و عينيه تكاد تخرج من محجريهما:
-أي اللي سوي فيكي إكدة!
تتحرك مُقلتيها نحوه تارة و تارة أخري تختفي أسفل جفونها المُرتجفة، تردد اسمه بخفوت:
– رافع، رافع.
ألتقط غطاء من فوق مكان الراحة، دثرها جيداً و حملها علي زراعيه كالأهوج، قلبه يخفق بخوف ثم نادي علي المنتظر خارج المنزل:
– دبيكي، أنت يا زفت.
هرول إليه غضون لحظات:
– أمرك يا كبير.
أشار له بعينيه نحو الكمود و بصوت هادر صاح به:
– خد المفاتيح دي و بسرعة أفتح لي العربية.
_
توقف الأخر محدقاً بصدمة، فسأله:
-حوصل أي لست نوارة؟
صاح به رافع بصوت ترتعد له الجبال:
– و ده وجته يا وحل البرك، روح سوي اللي جولتلك عليه.
فعل كما أمره رب عمله مُسرعاً، و حينما فتح إليه باب السيارة:
– سوج علي أجرب مشتشفي بسرعة.
و في غضون دقائق كان في المشفى، ينتظر خارج الغرفة في قلق و قلق، لأول مرة يشعر نحوها بتلك المشاعر، فـ منذ أن رآها في تلك الحالة التي يرثي لها، شعر بانقباض فؤاده و غصة في حلقه، إلي هذا الحد كان ظالماً!
آلاف السناريوهات تنهش عقله و تضغط عليه، و كأنه مثل حبوب القمح بين حجري الرُحي، لا يعلم إنه هو من جعل زوجته هكذا، أوقعها بين حجريه، الأول عشقها له من طرفها فقط، و الحجر الأخر هو ظلمه لها و كيف كان قاسياً جافياً عليها.
خرجت الطبيب ليخبره:
– واضح جداً إنها محاولة إجهاض من النزيف الشديد اللي عندها و….
_
دفعه الأخر من أمامه و أسرع إليها، يخالجه كلا من الخوف و الغضب و كل من المشاعر المتضاربة، و إن دلف توجه بصرها إليه و كأنها تناديه، جلس جوارها و أمسك يدها، سألها بلهفة لأول مرة تراه في سوداويتيه رغماً من غضبه:
– أي اللي چرالك،ليه سويتي في حالك إكدة؟
ردت و الكلمات تكاد تخرج من شفتيها بصعوبة بالغة:
-أني خلاص هريحك مني و من همي.
عقد حاجبيه ثم رمقها بنظرة قاتلة يسألها:
– رايدة تجتلي حالك أنتي و ولدي!
ازدردت ريقها الذي كان كالغصة العالقة في حلقها و أجابت:
– اللي في بطني ما يبجاش ولدك.
قبض علي يدها و من بين أسنانه سألها:
-عتجولي أي يا خرفانة، تجومي بالسلامة الأول و بعدين راح أحاسبك علي سويتيه في حالك و في إبني.
_
أغمضت عينيها لثواني و قامت بفتحهما لتخبره بالفاجعة:
– أسمعني زين، أني و أمي روحنا عند واحد بيجولو عليه شيخ بيعالچ اللي متأخر في الحمل، روحت و ياريتني ما روحت.
توقفت لحظات لتلتقط أنفاسها مرة أخري و أردفت:
– لما جعدت وياه عطاني جماشة جعدت أدعي باللي نفسي فيه و بعد إكدة ما دارتش بحالي.
تقسم إنها تري الآن ألسنة لهب تندلع من عينيه لو أطلقها عليها لأحرقتها حية في التو.
أعتصر يدها بلا رحمة و هسهس إليها:
– خابرة لو حديتك ده صوح، هاسوي فيكي أي؟
أومأت له و ابتسامة ساخرة تعلو شفتيها:
– مش محتاچ تسوي يا رافع، أني خلاص هارتاح و هاريحك مني، رايدة بس تعرف حاچة واحدة، مفيش حد حبك و عشجك قدي، كنت مستعدة أسوي أي حاچة لأچل تحبني ربع حبك لفاطمة، عمري ما أنسي لما كنت بين إيديك و تنادم عليا بإسمها،كل يوم جلبي ينجهر و ألوم حالي و أجول أي اللي سويته في نفسي دي، چريت ورا سراب و وهم و أديني بدفع التمن دلوق، و برغم كل ده هافضل أحبك.
داهمتها شهقة تبعها توقف صدرها عن العلو و الهبوط، عّم السكون جسدها الذي أضحي شاحب اللون.
_
✿ـــــــــــــــــــــــــــ✿
خرج كلاهما من بوابة إحدى المتاجر، يحمل هو و المدعو حمودة العديد من الحقائب، أوقفته قائلة:
– كدة مافاضلش غير الـ عشان أكد عليها الميعاد، و نروح نشتري البدلة بتاعتك.
أومأ لها قائلاً ببرود علي عكس ابتسامتها و السعادة التي تنضح من عينيها:
– طب يلا لأچل أوصلك علي البيت، و أروح علي المحل، چنيدي هناك لحاله و أنا أتاخرنا عليه.
أدركت تهربه الواضح، اقتربت منه و اختطفت منه الحقائب لتعطيها إلي حمودة لتحطم حُجته الواهية:
– خد الشنط دي يا حمودة و أطلع بيها علي البيت.
رد الأخر بطاعة و أستعد للذهاب:
– حاضر يا ست شهد.
أمسكت يد هذا المتسمر في مكانه و التجهم يغزو ملامح وجهه، تخبره:
_
-علي فكرة بابا قالي أنك أجازة من إمبارح عشان تحضيرات جوازنا، يعني بطل تتهرب مني، و يلا عشان هاروح أنقي معاك البدلة.
و في برهة تبدلت ابتسامتها إلي النقيض بعدما قال لها:
-أسمعيني زين، كلمة و مش هكررها أول و أخر مرة تتصرفي من دماغك، أنا اللي أجول نروحو فين و ميتي، و ياريت ما يتكررش التصرف اللي سويتيه دلوق، و كأن ساحبة وياكي عيل صغير.
تركت يده و تبتلع لعابها، أشاحت وجهها بحرج:
– أنا مكنتش أقصد اللي فهمته خالص،كنت عايزة أروح أختار معاك البدلة، و كان نفسي زي أي أتنين عرسان نروح نحجز القاعة اللي مفروض نعمل فيها فرحنا، طبعاً ما ينفعش عشان ظروفك.
وقف أمامها مباشرة ليخبرها بنبرة أقسي من الصقيع:
– و أني ما ضـ,ـربتكيش علي يدك لأچل تجبلي ظروفي أو توافجي عليا.
رفعت وجهها لتواجه عينيها اللوزية رماديتيه التي تأسرها في حضوره:
– و أنا موافقة و قابلة ظروفك، بس ياريت أنت اللي تقدر و تبطل تحسسني أنك مغصوب علي جوازك مني.
أطلق زفرة عله يهدأ من غضبه الدفين أو يزحزح قليلاً هذا الحمل الثقيل من فوق كاهليه، يتخذ الصمت حصناً منيعاً بدلاً من التحدث بحماقة يندم عليها لاحقاً.
_
أشار لها أمامه:
– أتفضلي نروح نشترو البدلة.
ذهب كليهما و كان أمر ثقيل علي قلبه لا سيما عندما تذكر أمر بدلته التي أشتراها من أمريكا لحفل زفافه علي زينب، كم تمني ارتدائها في ليلة تجمعه مع من يهواها فؤاده و لم يعشق
سواها.
أشارت له نحو بدلة سوداء من الطراز الكلاسيكي قائلة:
– حلوة أوي البدلة دي، هاتبقي حلوة عليك.
أومأ لها و عقب:
– تمام.
سألته باهتمام:
– عجبتك ولا بتقول تمام و خلاص؟
_
كان عقله شارداً في طيف حبيبته التي أعادته عليه ذاكرته أفاق علي يد الأخرى التي تلوح بها أمام عينيه:
-فارس، أنت سرحان و لا أي؟
سألها بعدما عاد مُنتبهاً:
– عتجولي حاچة؟
ردت بنظرة مُبهمة:
– بقولك عجبتك البدلة؟
حدجها بذات النظرة التي أدركها من بين فواصل كلماتها و قال:
– مش هاتفرق.
كانت هنا لحظات من الصمت يتخللها حديث العيون، قاطعها البائع:
– لو هتاخد البدلة دي يافندم عليها عرض حلو و هو كراڤت و بيبون هدية.
_
و بعد انتهائهما من الشراء، غادرا المتجر و ذهبا إلي آخر قريب، توقف أمام محل مصوغات ذهبية، أشتري خاتم بسيطاً من الذهب.
تراقص قلبها من الفرح، و كانت علي انتظار أن يضعه في بنصرها، لكنه أعطاها العلبة بالخاتم الذي داخلها قائلاً:
-معلش كنت المفروض أچيبه لك المرة اللي فاتت.
أخذته و داهمتها غصة في قلبها، ظلت طوال الطريق تمسك بالعلبة تجترع مرارة غُصتها، و حينما ترجلت من السيارة أمام البناء، وقفت تنتظر فارس الذي كان يدفع الأجرة للسائق، و قبل أن تدلف إلي الفناء برفقته أمسكت يده و وضعت العلبة في راحة يده بحدة بلا تعليق أو كلمة واحدة ثم تركته و اختفت من أمامه إلي الداخل،صعد خلفها حتي وصل إلي الشقة، فـ رأي والدها في انتظاره يحدقه باستفهام و وجوم، ألقي عليه التحية، ردد الأخر و يبدو من نبرته اللوم و العتاب:
– و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته.
أخبره بـ تردد:
– معلش أتأخرنا شوية عجبال ما أشترينا البدلة و فوتنا علي الچواهرجي، أشتريت لها دبلة و مارضتش تاخدها.
رمقه نعمان بابتسامة غامضة و سأله:
– عندي سؤالين ليك الأول أنت أشتريت لنفسك دبلة زيها؟، و التاني أنت لبستها الدبلة في صبعها و لا أديتلها العلبة كدة و خلاص؟
تفهم ما يرمي إليه، فأجاب:
_
– أني ما بحبش ألبس حاچة في يدي، و بالنسبة لإچابة السؤال التاني أني عطيت لها العلبة و مش في دماغي أي حاچة.
أشار الأخر إليه ليتبعه:
– تعالي يا فارس، عايزك في كلمتين.
جلسا سوياً، بدأ فارس الحديث:
-خير يا حاچ؟
– بص يا بني، أنا عارف الحب الأول عمره ما يتنسى، و علي رأي اللي قبلينا ما قاله و ما الحب إلا الحبيب الأولِ، و مش هقدر أقولك حب بنتي لأن قلوبنا مش بإيدينا، بس كل اللي بطلبه منك تحتها في عينيك و ما تكسرش بخاطرها، هي ممكن تبان أنها قوية و مندفعة لكن هي عكس كدة خالص، شهد زي الطفلة الصغيرة محتاجة الإهتمام، أتربت من غير أم و برغم أحتوائي ليها و حنيتي عليها، دايماً بلاقي في عينيها نظرة حزن، النظرة دي أختفت من يوم ما أنت ظهرت،فياريت و أعتبره رجاء من أب لأبنه ما تخليش نظرة الحزن دي ترجع في عينيها تاني.
يبدو من الخارج في تماسك شديد و ثبات يُحسد عليه، غرار داخله الذي يصرخ و يريد أن يخبره كيف سيغدق عليها من حنان و اهتمام و هو في احتياج إليهما، لاسيما بعدما فقد كل شئ والدته و هو صغير و والده عند عودته من السفر ثم الفتاة الوحيدة التي وجد فيها كل ما فقده!
أومأ له قائلاً:
– ما تجلجش يا حاچ،أني هعاملها بما يرضي الله.
ربت الأخر علي كتفه و قال:
_
– و أنا واثق من كدة إن شاء الله.
اعتدل في جلسته و أكمل حديثه:
– شوفت نسيت حاجة مهمة.
أخرج من جيب عباءته محفظة جلدية، فتحها و اخرج منها بطاقة هوية و مدها إليه:
– أتفضل البطاقة، اسمك دلوقت بقي قاسم رشدي سعدالدين.
امعن النظر في الهوية، فوجدها لا تفرق شيئاً عن الأصلية، ردد قائلاً:
– إكدة هاجدر أسوي حاچة كنت مأجلها لحد ما موضوع البطاجة يخلص.
رمقه باستفهام و سأله:
– حاجة أي اللي أنت ناوي تعملها؟
نهض و أخرج محفظته ثم وضع البطاقة داخلها، فأجاب بـ عزم و ثقة:
_
-تجدر تجول مهري لشهد، أنا ما ملكش المال لكن ربنا عطاني عقل و قوة أرد بيها حقها زي ما وعدتك و وعدتها.
✿ــــــــــــــــــــــــــــــ✿
استيقظت للتو أو ربما نقول يجافيها النوم منذ ليالي مُنصرمة، تشعر بالشتات و الاغتراب عن مكنون ذاتها الحقيقي، تخشي أن تنجرف دون وعي منها و تصبح بالفعل جارية مُطيعة له و المصطلح الصحيح خاضعة، كلما تذكرت كلمات صديقتها في الحفل تشعر بألم ينهش داخلها برغم أنها تعلم جيداً إنه مُجرد تمثيل زائف، لكن متي سينتهي!، و متي تتبدد تلك الغيمة السوداء!
نهضت بوئيد من جواره، ألقت نظرة عليه فوجدته ما زال نائماً، نصفه العلوي عارياً، من يراه في ذلك السكون لا يصدق أفعاله الإجرامية، سارت نحو مرآة الزينة وقفت أمامها تتأمل هيئتها، ترتدي ثوباً حريرياً ينسدل علي منحنيات جسدها، يُجسد معالمه التي تمقتها كلما تذكرت لمساته عليها، عقدت ساعديها و كأنها تعانق نفسها بمواساة، أغمضت عينيها، داهمتها ذاكرتها بأخر لقاء بينها و بين فارس قلبها، لم تنس صوته و عناقه أو لمسة شفتيه لخاصتها.
انسدلت عبرة من عينيها لم تكمل هبوطها علي خدها بسبب الأنامل التي جففتها الآن، شهقت بفزع عندما فتحت عينيها و وجدته خلفها، عانقها و مال برأسه ما بين عنقها و كتفها العاري يسألها:
-أي اللي مصحيكي دلوقتي؟
نظرت إليه عبر المرآه، فوجدته يحدق بها عن كثب، تلك النظرة التي تربكها دائماً، حاولت أن تبدو هادئة و هي تجيب:
– مكنش چايلي نوم.
جعلها تستدير حتي تصبح في مواجهته، أمسك يديها بتشابك أنامله بأناملها و ينثر بعض القُبلات علي جيدها، يسألها من بين قُبلاته:
– و أي اللي مطير النوم من عينك؟
_
تململت من لمساته و حاولت تملص أناملها من بين أنامله، فوجدته يضغط بقوة مما سبب لها بعض الألم، رفع وجهه ليرمقها بتحذير عن الابتعاد، ابتلعت ريقها و قالت:
-مفيش، حاولت أنام ما جدرتش.
-أنا ملاحظ الأرق اللي عندك من ليلة الحفلة، للدرجدي كلام سمية مأثر عليكي!
يا له من وغد ماكر، يعلم كل ما يجول برأسها من مجرد نظرة فقط!
تهربت من النظر إليه بخفض بصرها لأسفل:
– و هي سمية جالت أي يعني، ما نجدرش نللوم عليها أو نحاسبها، دي كانت سكرانة.
شبه ابتسامة بدت علي ثغره، باغتها بسؤال صادم:
-أحياناً الحقيقة اللي جوانا بتطلع في لحظة لما بيكون عقلنا مُغيب،بالبلدي كدة زي ما بيقولو كل واحد بيطلع اللي جواه من غير كذب و تزييف، و أنا بقالي فترة عايز أسألك، لسه عايزة تبعدي عني و لا مكملة في تمثيلك لدور الخاضعة؟
رفعت وجهها لتجيب بثبات و دون أن يرف لها هدب واحد:
– و أني أي اللي هايچبرني أمثل كيف ما بتجول، ليه ما تجولش رضيت بنصيبي!
_
عانقها و ألصق جبهته بخاصتها، فأخبرها:
– الخوف يا زوزو، خوفك مني يخليكي تعملي أي حاجة عشان تتقي شري.
قشعريرة قوية دبت في جميع خلايا جسدها الساكن من الخارج، لكن بداخلها ترتعد فرائصها من الخوف، فما كان عليها سوي أن تتلاعب به هي أيضاً و تستخدم دهاء الأنثى في تلك اللحظات العصيبة :
– و ليه ما تجولش بدأت أحبك.
أبتعد خطوة ليتمكن من إطلاق قهقه تراها لأول مرة، لكنها تدرك أنها ضحكة ساخرة.
توقف عن الضحك و سار نحو الخزانة قائلاً:
– عارفة يا بيبي، أنتي الوحيدة اللي بتقدر تعصبني و في نفس الوقت بتخليني أضحك.
رفعت شفتيها جانباً بابتسامة ساخرة سرعان ما تبدلت إلي الخوف بل الرعب عندما رأت في يده سلاحاً نارياً.
– مالك خوفتي ليه، ده حتي أخوكي ماشاء الله وسع نشاطه و بقي يتاجر فيهم.
أشاحت وجهها جانباً قائلة:
_
– و أنا مالي بيه، كل واحد مسئول عن حاله.
أقترب منها و جذبها من يدها و دفعها نحو صدره لتلتصق به و أخبرها بـ كبر و تملك:
– لكن أنتي مسئولة مني أنا، أنتي ملك سليم العقبي، صح يا بيبي؟
هزت رأسها بالإيجاب و بداخلها بركان من الدموع يُريد الانفجار، ربما ما يمارسه الآن عليها من ضغط نفسي يجعلها تنهار من جديد و تستسلم للبكاء.
انتبهت بجذبه لاحدي يديها و وضع بها سلاحه الثقيل تحت نظرات التوجس و الخوف التي تنضح من عينيها.
– أنا ممكن أريحك مني و من التمثيلية دي خالص، بضغطة واحدة بصباعك علي الزناد.
غرت فاهها كالبلهاء تحاول إدراك ما تفوه به، همت بالابتعاد عنه تصطنع عدم الاكتراث لما قاله فهي ليست بحمل ضغوط أخري لم يعد لديها طاقة أن تتحمل جنونه.
-أني هاريح لي ساعتين.
و قبل أن تتحرك خطوة كان يقيد جسدها بجسده كالعنكبوت الذي يحاوط ضحيته بجميع أطرافه، و ها عاد صوته الأجش مرة أخري بأمر أحمق:
-لما أكلمك تقفي تردي و بعدين أنا ما بهزرش.
_
أمسك بذقنها و حدق في ذهبتيها المتلألئة بالدموع الحبيسة و أردف:
-أنا عارف أنك مستنية اليوم اللي تتخلصي فيه مني بفارغ الصبر، و أنا بقدملك الفرصة علي طبق من دهب،رصاصة واحدة و تتخلصي من كابوسك الأسود للأبد.
حدجته بصدمة بعدما رأت إصراره و جديته من خلال عينيه ذات اللون الأسود القاتم و النظرة الحادة المُرعبة.
دس السلاح بين يديها عنوة صارخاً بها:
– مستنية أي، بقولك يلا أـ,ـتليني و أخلصي مني، و يكون في علمك دي الفرصة الوحيدة و عمرها ما هاتتكرر تاني أبداً.
أشار له بعينه إلي مقدمة السلاح ليخبرها:
– و ما تقلقيش المسدس مزود بكاتم صوت، و هاتعرفي تهربي بأي طريقة بعدها، ها مستنية أي!
أرتجف جسدها و يديها في قبضته حتي و قع السلاح منها، هبط و التقطته ليعطيها إياه مرة أخري و بصوت كاد يصيبها بالصمم أمرها:
-أخلصي.
تعالت شهقاتها و رفعت السلاح لأعلي بتردد، صوت أنفاسها يخترق أذنه، و بكل قوة لديها رمت السلاح ليصطدم بالمرآة التي تصدعت و انكسرت لعدة قطع و فتات.
_
-كفاية بجي.
انخرطت في نوبة بكاء عكس تعابير وجهه الذي داهمها شبح ابتسامة يشوبها الغموض، جذبها في عناق قوي، يحتويها بين زراعيه و كأنه أمانها الوحيد، كيف يكون لها مصدر الأمان و هو منبع خوفها و إرهابها طوال الوقت!
-خلاص أهدي، مفيش حاجه حصلت تستاهل العياط ده كله.
أبعدت وجهها عن صدره الذي أبتل بعبراتها التي ملأته و قالت:
– ما حصلش!، كيف مستهون باللي عتسويه فيا عاد!
أخذ يمسح عبراتها بإبهاميه قائلاً بهدوء و كأن لم يحدث شيء:
– و ليه ما تقوليش ده كان إختبار صغير مني!
كفت عن البكاء و رمقته بصدمة مرة أخري:
-و أنت فاكر إن يوم ما أحب أتخلص منك أجتلك!
عانقها و أخذ يهمس بجوار أذنها و أنفاسه تضـ,ـرب عنقها:
_
– لأن مفيش مفر للخلاص مني غير أنك تـ,ـتليني يا بيبي، أنا قدرك و نصيبك لحد ما أي حد فينا يموت، الموت الوحيد اللي يقدر ياخدك مني، غير كده مفيش.
ظل ينثر قبلاته التي بدأت ناعمة و تدرجت إلي الحدة ثم أخذت مسار العنف غير مبالي إلي حالتها النفسية السيئة الذي كان هو السبب الرئيسي لها.
– بعد عني يا سليم لو سمحت.
خرجت من بين شفتيها بصعوبة حتي لا تعود إلي نوبة البكاء، قبض علي خصرها بقوة و قال بتملك:
– مش أنتي اللي تقولي أبعد، أنا بس اللي أقول.
حاولت أن تخلص خصرها من قبضتيه لكنها محاولة فاشلة:
– و أني تعبانة و ما جدراش، بزيداك تضغط عليا، أبوس يدك كفاية بجي.
و بعد أخر كلمة لم تتحمل و أجهشت بالبكاء مما جعله توقف عن ما كان يفعله، أبتعد عنها فجاءة لا سيما عندما تعالي صوت بكائها، تركها و غادر الغرفة قبل أن يخرج وحشه الكاسر عليها صافقاً الباب خلفه.
✿ـــــــــــــــــــــــــــ✿
صوت رنين هاتفها يصدح في أرجاء الغرفة، لم تسمعه سوي عندما فتحت عينيها، ضـ,ـربت ذاكرتها أحداث ليلة أمس التي لن تُمح من ذكرياتها بتاً.
_
أمسكت بالهاتف و وجدت المتصل والدتها، أسرعت بتبديل وضع الهاتف إلي الصامت، فهي ليست في حالة مزاجية بأن تجيب أو تسرد لوالدتها ماذا حدث أو الذي لم يحدث.
نهضت من فوق الفراش بجهد حيث ما زالت ترتدي ثوب الزفاف، تلفتت من حولها علها تجد أثراً لوجوده و هي تتذكر ليلة أمس…
” بعدما تبادلا أكرم و ندي السلام معها و مع علي الذي وقف مُتسمراً للحظات ينظر إلي ندي و أكرم يحاوطها بزراعه بشدة و تملك، خشيت أن يحدث شيئاً و تفسد ليلتها إذا لم تفسد من الأساس، اقتربت منه و أمسكت بيده، سألت الأخرى و كأن الود بينهما موصولاً:
– أومال فين لارا، ماجبتوهاش معاكم ليه.
ضغط أكرم علي عضد ندي كإشارة لها أنه سوف يجيب بدلاً منها، فقال:
– لارا عند عمي و حماتي، أصلي أنا و ندي قررنا نعيد الهني مون من أول و جديد، صح يا حبيبتي؟
أومأت الأخرى بشبه ابتسامة و رمقته ثم اشاحت وجهها، فتلاقت عينيها بأعين علي الذي لم يستطع إخفاء نيران الغيرة المُندلعة في عينيه.
عقبت مروة و هي تتشبث بيد علي و تظهر تشابك إياديهما أمام أكرم و ندي و بالأخص تقصد الأخرى:
-إحنا كمان بعد الفرح أنا و علي مسافرين، بس برة مصر.
نظر أكرم في ساعة يده و قال:
_
– معلش بقي مضطر أستأذن، عن أذنكم.
و رمق علي بنظرة يشوبها وعيد مُردفاً:
– ألف مبروك يا عريس.
رحل و يمسك بزوجته و كأنها ستفر منه لو تركها برهة واحدة، أنتبه علي إلي مروة التي تهز يده قائلة:
– علي فكرة مشيو من بدري هاتفضل واقف متنح لأمتي؟
قطب حاجبيه و ألقي نظرة من حوله و بدأ يشعر بالاختناق، رغم الهواء الطلق المحيط بالجميع، أخبرها بأمر و حزم:
– يلا عشان هانروح.
أتسعت عينيها تحاول أن تستوعب كلماته، فسألته:
– هانمشي ليه؟، لسه بدري الفرح لسه مخلصش و بعدين مش المفروض نطلع علي المطار عشان مسافرين لروما!
أطلق زفرة بضيق و أجاب:
_
– كلمة و مش هاكررها، قولت هانروح علي البيت، لو مش عاجبك خليكي قاعدة مع أهلك و قرايبك و أنا ماشي.
و لم ينتظر حتي أن يستمع إلي إجابتها و سار، ذهبت خلفه و الحضور ينظر إليهما بتعجب و دهشة، همسات من القيل و القال، بينما هي كانت تلحق به تاركة والدتها و شقيقها اللذان يناديان عليها.
و بالخارج دلف إلي داخل سيارته، صعدت من الباب الأخر إلي الداخل أيضاً، فأنطلق بالسيارة، و في الطريق ظلت تلقي عليه العديد من الأسئلة التي قوبلت منه بالصمت المطبق وولم يكلف عناء نفسه أن ينظر إليها و يري حالتها السيئة و هي تتوسل إليه.
و لدي اقترابه من المنزل سألته بصياح:
– أنت ليه بتعمل معايا كدة، للدرجدي لسه الهانم مسيطرة علي دماغك و كل ما تشوفها حالة تسوء بالمنظر ده!، قولي هي أحسن مني في أي!، أي عندها و مش عندي!، رد عليا.
صرخت بأخر كلمة فبادلها بصرخة أقوي:
– بس بقي، و كلمة كمان و أقسم بالله هرجعك لبيت أهلك حالاً و بعد ما هرمي عليكي اليمين.
ابتلعت غصتها و صمتت بوجه محتقن، أكمل قيادته حتي توقف أمام البوابة:
-أنزلي.
نظرت إليه و أدركت إنه لم ينزل برفقتها، و في لحظة كانت بخارج السيارة، و قبل أن تعبر البوابة إلي الداخل تحت نظرات حارسان الأمن، أنطلق الأخرى ليتركها بمفردها في هذا المنزل بمفردها.
_
و بالأعلى ظلت تنتظره و تجول أرض الغرفة ذهاباً و إياباً حتي ساعات مُتأخرة من الليل، و غفت رغماً عنها”.
عودة إلي الوقت الحالي…
غادرت الغرفة باحثة عنه لم تجده في الطابق، نزلت الدرج حافية القدمين، تتلفت يميناً و يساراً حتي قابلت في نهاية الدرج خادمة ذات ملامح آسيوية سألتها:
– أي خدمة سيدتي؟
سألتها الأخرى:
– علي فين؟
أجابت الخادمة:
– مستر علي فيه الليڤنج مدام.
ذهبت حيثما أخبرتها، توقفت لتتأمل هذا المشهد بصدمة و ألم مرير، وجدته يجلس نائماً علي كرسي و أمامه منضدة يعلوها زجاجات خمر فارغة و جوارها ورقة مالية مطوية علي شكل أسطوانة تتناثر من طرفها ذرات مسحوق أبيض اللون.
تقدمت نحوه حتي أصبحت أمامه، مالت إلي وجهه، لاحظت آثار دموع علي خديه، رفعت يدها لتزيح خصلات شعره المنسدلة علي جبهته، انتفضت عندما أمسك برسغها و يحدقها بنظرة أجفلت قلبها.
_
سألته و الوجع يتجلى في كل حرف تتفوه به:
– و بعدين يا علي؟
لانت نظرته و معها قبضته، ترك يدها ليخبرها كطفل صغير:
– مش قادر أنساها.
أشار إلي رأسه حيث موضع عقله قائلاً:
– ده عايز يمحي أي ذكري ليها.
ثم أشار إلي موضع قلبه و أردف:
– لكن ده مش مطاوعني، بالعكس كل مرة أشوفها قصاد عيني يتقهر أكتر.
جلست علي الكرسي المجاور له، فأخبرته:
– أنت مريض بحبها يا علي، أنت مريض و موهوم، هي عمرها ما حبتك، حاول تنساها و فكر في نفسك، بص حواليك و شوف اللي بيحبوك و يتمنو لك الرضا،أنا أستحملت كم إهانات منك ما تستحملهاش أي واحدة لو مكاني و كل ده عشان بحبك، أحتويتك و عندي إستعداد أقف جمبك و أستحمل أي حاجة في سبيل أن اخلصك من الوهم اللي أنت عايش فيه.
_
نهضت لتقف أمامه و تستطرد حديثها:
– أعتبرها زي الحاجات اللي شربتها رغم إنك منعت نفسك عنها لفترة و وعدتني إنك مش هاترجع تشرب تاني، بس أنا برضو مش هيأس و هخليك تبعد عن أي حاجة تضرك، حتي لو الحاجة دي ضد رغبة قلبك، قلبك اللي هيبقي ملكي في يوم من الأيام، زي قلبي بالظبط.
نظر إليها بحزن و قهر قائلاً بتوسل:
-أوعي تتخلي عني، أنا حرفياً بموت.
فما كان منها سوي أن تجذبه بين زراعيها و تربت عليه قائلة:
– بعد الشر عليك، ما تخافش أنا جمبك و عمري ما هاسيبك.
✿ـــــــــــــــــــــــــــ✿
ضعت أمامه صحن الأرز و كادت تذهب، أمسك يدها و سألها:
– رايحة فين؟
أجابت دون أن تنظر إلي زرقاويتيه، هكذا حالها منذ أن أفاقت من حالة الثمل الشديد التي كانت بها في ليلة الحفل المشئوم.
_
– رايحة أجعد ويا حالي.
سألها مرة أخرى بنبرة حانية:
– طيب مش هتيجي تاكلي معايا؟، أنا واحشني أوي تأكليني بإيديكي.
أشارت إليه نحو الملعقة و قالت:
– حداك المعلجة كُول بيها.
نهض و أمسك وجهها ليخبرها و يعلم مدي تأثير نبرته علي قلبها:
– أنتي عاملة ملوخية و عارفة أنا بحب أكلها بالعيش اللي بتقطعيه ليا علي شكل ودن قطة و تأكليها لي.
رمقته و رفعت حاجبيها لتتأكد من جدية حديثه، فوجدته يرمقها بنظرة كالحمل الوديع مما أثار ابتسامتها.
– شوفتي بقي أنتي ظلماني إزاي ببُعدك عني، رغم أنا معملتش ليكي حاجة.
نظرت لأسفل بخجل و قالت:
_
– أنت ماسوتش حاچة، أني اللي سويت و فضحتك وسط أصحابك، و ما أستحقش معاملتك الطيبة ليا.
جذب إحدى كراسي المائدة و جلس عليه و جعلها جلست فوق فخذيه:
– أوعي تقولي كده لأزعل منك، أنا عارف الحالة اللي كنتي فيها كان غصب عنك و أنا السبب إن ماقولتلكيش علي موضوع الشيكولاتة من الأول، بالنسبة لباقي كلامك أنتي تستحقي كل حاجة حلوة، لأنك أحسن واحدة قابلتها في حياتي، فيكي كل الصفات اللي أي راجل فينا يتمناها، حلوة و ذكية و طيبة وجدعة و بنت أصول.
ابتسمت و قالت بخجل و دعابة:
– طب كفاية بجي لأتغر في حالي.
قهقه و كما أهلكها صوت ضحكته التي تعشقها.
– الغرور نفسه يغير منك لأنك ملكة، ملكة علي عرش قلبي.
وضعت كفها علي فمها لتواري خجلها، أزاح يدها قائلاً:
– ما تحطيش إيدك علي بوقك و بطلي كسوف، أنا بعشق جمال إبتسامتك.
حاوطها بزراعيه و كاد يعانقها، تأوهت بألم سألها بقلق و قلق:
_
-مالك في أي؟
مدت زراعيها للأمام و أجابت:
– چتتي من وجتها وچعاني و عضمي كأني اللي واخدة علجة.
– قومي.
أمرها فنهضت، قام بحملها علي زراعيه، سألته:
– عتسوي أي؟
سار بها نحو الغرفة قائلاً:
-هاعملك سيشن مساچ هاتفضلي تدعيلي طول عمرك عليه.
ركلت ساقيها في الهواء برفض:
– لاء، أبوس يدك المساچ بتاعك أخر مرة كسر عضمي و جعدت تلات أيام ما أتحركش.
_
ضحك و قال:
– عشان كان أول مرة، و بعدين عشان مش بتمارسي أي رياضة، فعضلات جسمك قفشة علي طول.
– أبوس يدك و عضلاتك نزلني، ما ريداش أتمسچ، أنا هاخف لوحدي.
قهقه علي ملامحها التي تشبه الأطفال عندما ترفض و تتذمر، كاد يتحدث فقاطعه رنين جرس المنزل، أنزلها برفق.
– أدخلي أنتي و أنا هاروح أفتح، شكله السكيورتي عشان كنت قايله علي شوية حاجات يجيبهم لي.
فعلت كما أمرها و ذهب ليفتح الباب، وجد أمامه طفلة صغيرة ذات ملامح أجنبية و عينيها الزرقاء أكثر ما يميزها.
تقول له بالفرنسية:
– .
و تبعها صوت التي ظهرت خلفها تسأله:
– دهشة، أليس كذلك؟
_
🌹يتبع🌹
#الفصل_السابع_والثلاثون
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
توقفت سيارة سوداء فارهة أمام بناء ذو طراز يوناني، يقف أمام بوابته الزجاجية حارسان، ركض إحداهما نحو السيارة و قام بفتح الباب الخلفي، نزلت بحذائها الأحمر المخملي و يلامسه طرف ثوبها الأسود و يكسو رأسها وشاح بلون الأحمر القاني، تنظر من حولها ثم انتبهت إلي صوت الحارس يُرحب بزوجها.
– أهلاً و سهلاً يا سليم باشا، المطعم نور.
رد الأخر بعدما أمسك بيدها و وضعها علي ساعده بعدما أثني ذراعه:
– كل حاجة تمام؟
أجاب بـ رسمية:
– كل حاجة تمت زي ما حضرتك أمرت.
_
أبتسم بزهو و قال:
-تمام.
و بعدما دلفا إلي الداخل، وجدت المطعم خالي من الزبائن نظرت إليه باستفهام و سألته:
– هو المطعم ليه فاضي إكدة؟
-المطعم محجوز لينا مخصوص.
شبه ابتسامة ساخرة أعتلي ثغرها فسألته بتهكم:
-خايف من أعدائك إياك؟
توقف و أصبح أمامها مباشرة، يحدقها بعينين شديدة القتامة قائلاً:
– بيبي، جوزك اللي بيتخاف منه مش العكس، أنا اللي حبيت نكون علي راحتنا خصوصاً محضرلك دهشة أتمني تعجبك.
قطبت حاجبيها و سارت برفقته حتي وصلت لدي طاولة يحاوطها زوجان من المقاعد، جذب لها احدهم فجلست، و تابعها بالجلوس علي المجاور لها و لنقل بالأحرى الملاصق لها، و عندما أصبح بالقرب الشديد هذا منها شعر برجفة جسدها، حاوط ظهرها بذراعه و دنا بشفتيه من مسامعها هامساً:
_
– سقعانة؟
نظرت إليه من طرف عينيها دون النظر مباشرة، فقربه هذا أكثر ما يثير خوفها و يذكرها بكل ما أقترفه بها، ازدردت ريقها ثم أجابت:
-لاء، أجصد ممكن لأچل أول مرة نيچو أهنه.
قهقه خافتة أصدرها فاهه فأخبرها:
-أنا من أفضل الجيست اللي بيجي هنا من ١٥ سنة.
هزت رأسها و لم تنطق كانت تتابع مدير النُدل يتقدم إحدهم الذي يدفع عربة يعلوها زجاجات خمر و أطباق فاكهة، أشار له سليم و قال بأمر:
– سيبهم هنا دلوقت.
أومأ إليه النادل قائلاً:
– أمرك يا باشا.
و ذهب، فقال المدير:
_
-أي خدمة تانية يا باشا؟
رد باقتضاب و دون أن ينظر إليه:
– لاء.
و بعدما ذهب الأخر أعتدل ليسألها:
-نفسك في أي؟
رمقته في صمت و بداخل رأسها إجابة ودت إخباره بها، و هي أنها تريد الفرار منه و العودة إلي فارسها، و لكن الوضع الآن لا يسمح سوي بالتمني!
ردت بهدوء يشوبه حزن دفين:
-رايدة أشوف أهلي، أتوحشت أمي جوي.
أمسك يدها و قام بوضع أناملها علي شفتيه، قام بتقبيل أطراف أناملها بحنان غير معهود ثم أخبرها:
-أعملي حسابك الأسبوع الجاي هانكون في النجع.
_
سعادة عارمة شقت ثغرها بعدما أخبرها بما قاله فسألته للتأكد ليس إلا:
-الأسبوع الچاي؟
أجاب و أنفاسه تضـ,ـرب و جنتها من يراه من بعيد يظن إنه يُقبلها لا يعلم إنه يخبرها:
-اه ،و لا مش عايزة؟
هزت رأسها بالنفي و قالت باللهفة بالغة و سعادة تنضح من ذهبتيها:
– لاء، رايدة طبعاً أني بتوكد بس.
-طيب الخبر الجميل ده مالهوش كلمة شكر!
سألها بترقب و أنامله تمسد ظهرها بحميمية، كادت تبتعد فقام بتقيدها من خصرها، رمقته بضيق و امتعاض، افترقت شفتيها لكي تعترض لكن أوقفها صوتاً آخر:
-زينب.
انتفضت حينما سمعت هذا الصوت و لم تصدق ما تراه أمامها الآن، هنا تحررت من قبضة يده و نهضت لترتمي بين ذراعي صديقتها التي اشتاقت لرؤيتها:
_
-أتوحشتك جوي جوي يا ريهام.
أغمضت الأخرى عينيها و تعانقها و تربت عليها بحب و شوق، لقاء الأصدقاء بعد مرور كثير من الوقت و فقدان الأمل و الاستسلام لظلام أسود أو فوهة تفتح علي متاهة دون طريق عودة.
نظرت ريهام إلي سليم و أومأت له بامتنان قائلة:
-شكراً يا سليم بيه.
أبتسم الأخر بزهو و قال:
-العفو،أنا علشان خاطر زينب أعمل أي حاجة تبسطها.
صدح رنين هاتفه و عندما نظر إلي الشاشة فأخبرهما مُعتذراً:
-معلش هاضطر أرد علي مكالمة مهمة، خدو راحتكم عقبال ما أرجع.
نهض و أبتعد ليتمكن من التحدث في هاتفه، بينما زينب سألت صديقتها باللهفة:
-ممكن تفهميني أي اللي حوصل؟
_
أجابت الأخرى بعدما ارتشفت قليل من الماء:
-بصي كنا لسه أنا و أحمد راجعين من السفر، لاقيت رقم غريب بيتصل علي أحمد و قاله أنا سليم العقبي، في البداية أحمد أفتكره واحد بيهزر و لا بيعمل مقلب، و لما لقيناه بيحكي لنا علي اليوم اللي جه خدك من عند ماما أتأكدنا إنه هو، أستأذنه إنه عايز يكلمني ضروري في حوار يخصك، بيني و بينك قلقت عليكي بعد كدة أطمنت و فرحت أوي لما طلب مني نتقابل و يعملهالك مفاجاءة، أنا مكنتش عارفة أوصلك خالص و عرفت من الميديا إنكم أتجوزتو و سافرتو، ألا قولي لي هو عامل معاكِ أي.
انبسطت شفتيها بطيف ابتسامة يغلب عليها الشجن، فماذا عساها أن تبوح إليها أو كيف ستروي إليها ما مرت به من أهوال لو سردتها لم يصدقها أحد!
نظرت نحو الفراغ و أجابت باقتضاب:
-الحمدلله زين.
رمقتها الأخرى بامتعاض و سألتها مرة أخري:
-زينب أنا عارفاكي أكتر من نفسك،أحكي لي يمكن أقدر أساعدك بجد،أنا سعد إبن عمي بقي محامي شاطر جداً ممكن أخليه يساعدك و يطلقك منه.
ودت لو تخبرها بأن ما تفوهت به ليست سوي أحلام أو مجرد درب من دروب المستحيل فهي متزوجة من الموت ذاته، إنما ذهبت يدركها حتي لو اختبأت في برج مُشيد أو چُب بداخل صحراء قاحلة، في كل الأحوال سيصل إليها.
-أي يابنتي سرحتي في أي؟
لوحت إليها بيدها عندما وجدتها شاردة و لم تنطق بحرف،أنتبهت الأخرى:
_
-ما سرحتش و لا حاچة،و أطمني أني بخير و الدليل أني جدامك أهه،زينب هانم العقبي حرم أكبر بيزنس مان.
قطبت ريهام حاجبيها بتعجب و شعرت لوهلة بأن تلك الجالسة أمامها ليست صديقتها التي تعلم عنها كل شيء، بل أصبحت شخصاً أخر شخص يائس و ضعيف.
تهربت من النظر إلي صديقتها خشية أن تكشف عكس ما تبديه إليها من قوة واهية.
أخذت كلتيهما يتسامران في ذكرياتهما منذ أيام الجامعة حتي قاطع حديثهما سليم الذي أنهي مكالمته و جلس جوار زوجته قائلاً:
-أستاذ أحمد عامل أي؟
– الحمدلله بخير، كان عايز يجي معايا بس هو مشغول في تجديدات النادي اللي شغال فيه.
مد يده إلي يد زوجته المستندة علي الطاولة يمسكها بحنان، لاحظت ريهام ما يفعله و كأنه يطمئنها علي صديقته، أعتدل و أخرج بطاقة ورقية من جيب سترته الداخلي و قدمه إليها:
-أتفضلي ده كارت أديه لأستاذ أحمد و خليه يجي الشركة،ليه مكان عندنا مش هو تخصص برمجيات؟
أومأت له و أجابت:
-اه ده تخصصه، بس هو حابب شغله في النادي خصوصاً أنه الحمدلله أترقي و بقي مدير الـ هناك، علي العموم هاديله الكارت و أبلغه، شكراً لحضرتك.
_
أومأ لها مُبتسماً و قال:
-العفو.
ـــــــــــــــــــــ
– هملني يا صلاح بدل ما أخرچ و أجطع لك چتتة بت المركوب اللي جاعدة برة دي.
صاحت بها سمية الذي يمسك بها صلاح و يقيد حركتها، و هذا بعدما علمت بماهية تلك المرأة الأجنبية و يخشي أن سمية تفتك بها.
رد الأخر و يشد من قبضة ذراعيه حول جسده حتي لا تفلت منه:
-قال يعني لو سيبتك مش هاتروحي تعملي فيها كده، أهدي يا سمية و خلينا نشوف هي جاية ليه.
صاحت بتهكم و تتحرك بصعوبة تريد الانفلات من تقيده لها:
-ما هي واضحة كيف الشمس يا حبيبي، السنيورة چاية لأچل ترچع الماضي و تلهفك مني، ما أنت كنت جدامها السنين اللي فاتت و لا لما لاجتك أتچوزت حليت في عينيها.
كتم ضحكته برغم نبرة صوتها المرتفعة لكن كلماتها تحمل روح الفكاهة التي تتميز بها لاسيما عندما تغضب.
_
أخبرها لعلها تهدأ:
-و مين قالك كدة، هي بالتأكيد جاية عشان حاجة تانية، و بعدين ماتنسيش إنها أم بنتي.
رفعت إحدى حاجبيها و رمقته بنظرة لم يستشف منها شيئاً:
-أني مانسياش إنها أم بتك، بس ياريت ماتنساش أني مارتك و لو طهجت مني أو مليت إحنا لسه فيها، طلجني و أرچع لها.
حدق إليها بنظرة عتاب، تركها و أطلقها تتحرك بحرية و سألها باللوم:
-أنتي شايفة كدة!
أدركت فداحة ما تفوهت به فأجابت:
-أنت فهمتني غلط، مكنش جصدي حاچة.
أطلق زفرة عميقة ثم هز رأسه و يخبرها:
-لاء أنا فاهم صح، أولاً كلامك فيه إتهام ليه اللي هو إن متجوزك أتسلي بيكي يومين و خلاص و تاني حاجة أخر كلمة كنت أتوقعها تقوليها.
_
طأطأت رأسها لأسفل بخجل و قالت:
-دي لحظة انزعاج، و أنت خابرني زين لما بضايج بجول أي حديت و خلاص.
ألتفت في استعداد إلي الخروج من الغرفة:
-أنا هاخرج بره و أسيبك لحد ما تهدي.
-صلاح.
نادت بنبرة يشوبها الندم، أجاب باقتضاب:
-نعم؟
أقتربت منه و أمسكت بيده و بصوت أنثوي قالت:
-حجك عليا ما تزعلش منـ…
باغتها بدفعها نحو الحائط و فاجئها بقُبلة قوية و لم يبتعد سوي عندما شعر بعدم استطاعتها التنفس، هسهس إليها و نظراته تؤكد علي كل حرف يتفوه به:
_
-أنتِ ملكي يا سمية و عمري ما هاطلقك إلا إذا دي رغبتك أنتِ،لأن بحبك بجنون و عمري ما هابعد عنك لأن أنا كمان بقيت ملكك، روحي و قلبي و عقلي و كل ما فيا بتاعك أنتِ، مفيش حد يقدر يشاركك فيا.
و ما أن أنتهي من كلماته لم يمهلها الرد ألتقم شفتيها بقوة كالذي يتضور جوعاً و وجد أمامه كل ما تشتهي إليه النفس، دفعته قليلاً لكي تتنفس و تسأله:
-يعني لو الصفرا أم صورم اللي جاعدة برة دي لو جالت لك تتچوزها لأچل بتكو هاتوافج؟
أدرك مدي غيرتها الجنونية عليه فأجاب بوضوح و صدق:
-لاء، أنا كل اللي يربطني بيها بنتي مش أكتر.
تعلقت بذراعيها حول عنقه و تدفعه بخطي وئيدة نحو الفراش، و بدفعة واحدة من كفيها في صدره جعلته تمدد علي مكان الراحة ثم أرتمت فوقه قائلة بنبرة توقن مدي تأثيرها الطاغي عليه:
-مش أنت بتجول أنت ملكي، همل ليا نفسك و سيبك من السحلية اللي برة و ركز معاي.
رمقها باستفهام:
-ناوية تعملي فيا أي يا سمية؟
رمقته بنظرة وقحة تخبره بما هي مُلمسة عليه و قالت:
_
-هاوقع صك ملكيتي يا جلب سمية لأچل تخابر سخام البرك صوفيا أنك بتاعي أني و بس.
هيهات و حدث غرار ما توقعه، أطلقت آهه دوي صداها إلي الخارج عندما غرزت أسنانها في وجنته!
ـــــــــــــــــــــ
تجلس أمام مرآة الزينة ترتدي مأزر الغرفة المخصصة و تمشط خصلاتها، شاردة في من أشتاق إليه الفؤاد، جاء من خلفها من جعل خيالها يتلاشى علي الفور، أخذ فرشاة الشعر من يدها و قام بالتمشيط بدلاً منها، تلاقت أعينهما خلال المرآة.
– مبسوطة؟
ما هذا السؤال الأحمق الذي يلقيه عليها، كيف لها أن تفرح في خضم تلك الأهوال التي مرت بها علي يده، يكفي أنها زوجته رغماً عن أنفها.
و لكي تتجنب نظرات الشك التي كادت تظهر في عينيه ذات اللون الأسود القاتم و المخيف أجابت بإيماءة كدلالة علي كلمة نعم قائلة:
-الحمدلله، شكراً علي المفاچاءة الحلوة.
ترك الفرشاة جانباً و أخذ يمسد جانبي عنقها و إزاحة تلابيب مأزرها عن كتفيها، دنا نحو جيدها و بدأ بتقبيل بشرتها الملساء:
-مفيش ما بينا شكر يا بيبي، بس ده ما يمنعش إن أستاهل مكافئة حلوة منك.
_
ردت بصفاء نية:
-و أي المكافئة اللي أنت رايدها مني.
أمسك بيديها لتنهض و جعلها تقف أمامه، عينيها صوب خاصته و يخبرها:
-فاكرة طلبي لما كنا في الجنينة يوم الحفلة؟
حاولت التذكر و لم تسعفها الذاكرة فسألته بتهكم:
-أنهي طلب فيهم، أصل طلباتك و أوامرك كتير جوي.
ابتسامة ذئب تغزو ثغره يتبعها قوله:
-عايزك تثبيتي لي حبك ليا، في لمسة.
قام بتشابك أنامله بخاصتها و أردف:
-في عناق.
_
عانقها بحميمية و أغمض عينيه يأمرها:
-أحضنيني و ضميني ليكي بكل قوتك.
قامت بتنفيذ أمره باحترافية و كأنها تعانقه برغبة نابعة من داخلها، و الفضل يعود إلي فلك ذاكرتها و آخر لقاء لها مع فارس قلبها.
كان عناقها له قوياً فجعله كالبركان الذي أنفجر لتوه، بادلها العناق حتي شعرت عظام جسدها تتحطم بين ذراعيه و همهمات صادرة من شفتيه التي أنقضت علي كل إنش في وجهها و عنقها و جيدها بقبلات ضارية يخبرها من بينها:
-بحبك أوي، بتحبيني؟
هزت رأسها، لم تكفيه الإشارة جمع خصلاتها في قبضة يده و جذبها بعنف إلي الخلف مما أظهر إليه طول عنقها:
-عايزة أسمعها من شفايفك.
أسدلت جفونها و تكبت الألم التي اعتادت عليه معه، أجابت:
-اه.
خلع عنها المأزر و أصبح كالوحش الثائر الذي أطلق سراحه من سجن دام لأعوام:
_
– اه أي قوليها، عايز اسمعها و أحسها.
رددت بصياح و نبرتها تكبت ألم جسدي و نفسي، صرخت و كأنها تنادي علي مالك قلبها:
– بحبك، بحبك، بحبك.
صرختها بتلك الكلمة و تكرارها كإلقاء تعويذة علي هذا الوحش، فقام بدفعها إلي الفراش و افتراسها بل و الفتك بها، لم ينتبه إلي عينيها التي تعتصرها و بداخل عقلها تخبر فارسها:
-سامحني يا فارس.
ــــــــــــــ
ظلام معتم و رائحة عطنه تملأ هذا المكان المثير للاشمئزاز مثل هذا المُقيد في الكرسي و يردد بتوسل:
-ميه، عايز أشرب، هاموت.
أفزعه صوت جنيدي الذي صاح به:
-ما تنطجتنا بسكاتك يا دوحه و لا أنت أستحليت الضـ,ـرب، ما جولت لك أعترف بعملتك السودة و أني هاعتجك جدام القسم.
_
-ماعملتش حاجة، أنا مظلوم.
و جاء الأخر علي تلك الجملة فسأله بصوت أجش ينذر عن انزعاج كامن:
-لساتك عتكدب إياك.
أشار إليه جنيدي نحو هذا الممدوح و قال:
-ولد المركوب واكل علجة موت لما جطع نفسي و ضيع لي أحلي نفسين علي المسا و مارايدش يعترف باللي سواه.
جذب فارس كرسي خشبي بالي و وضعه أمام الأخر، أخبره بهدوء قاتل:
-الظاهر ممدوح عاچبته الجاعدة حدانا، بحيث إكدة يبجي لازم نرحبو بيه.
نهض من فوق الكرسي و أخرج جهاز صغير بمجرد أن يضغط علي زر به يصدر أزيز، صاح الأخر بنبرة هيسترية:
-كهربا!، كهربا لاء، ابوس إيدك كهربا لاء.
و أخذ يرددها برعب، نظر جنيدي إلي صاحبه بتعجب من ردة فعل ممدوح الذي فقد عقله، ضحك فارس بسخرية و أخبر صاحبه:
_
-ما تستغربش يا صاحبي، أصل المعلم ممدوح بيخاف من الكهربا من هو صغير.
عقب جنيدي علي حديث صاحبه:
-يبجي الواد هيما حداه حق لما جالي إن عيلة دوحة كلاتهم ماتو محروجين بسبب ماس كهربا و هو الوحيد اللي نچي من أهله.
-و أني لازم أفكره لو ما أعترفش صوت وصورة علي اللي سواه في صور بت الحاچ نعمان.
صرخ ممدوح قبل أن يقترب منه الأخر:
-خلاص، خلاص، هاعترف والله هاعترف، هاعمل اللي أنتو عايزينه.
و بالفعل قام فارس بتصوير ممدوح و هو يعترف بتزييف الفيديوهات و تركيب صور شهد و تصنيع محتوي فاضح، أخذ جنيدي هذا الاعتراف و قدمه خلال إحدى معارفه إلي الشرطة و تم القبض علي ممدوح و يجري التحقيق معه.
ذهب فارس إلي منزل الحاج نعمان و وضع أمامه قرص التخزين(فلاشه) و قال:
-أتفضل يا حاچ ده يبجي مهري لشهد.
ربت الأخر علي كتفه و قال:
_
-عفارم عليك يا فارس راجل من ضهر راجل، عقبال إثبات برائتك.
-أتفضلو.
قالتها شهد و وضعت صينية أعلاها كوبين من الشاي و قطع كيك، نهض نعمان و قال:
– تعالي يا شهد أقعدي مع خطيبك عقبال ما أروح أصلي العشا.
ذهب والدها و جلست هي لم تجد سوي الصمت.
– شكراً علي أنك جبت لي حقي من ممدوح الحيوان.
تحمحم ثم قال:
-ده واچب عليا و لو أي واحدة حوصل وياها إكدة بالتأكيد كنت هاجف چارها لحد ما أخد لها حجها.
يا ليته ما تحدث، فحديثه كالسهام التي رشقت في مـ,ـتل لديها، كظمت غيظها و أشارت إلي الكعك و الكوب:
– ما بتاكلش كيك ليه؟
_
رفع يده بشكر:
– تسلم يدك، بس أنا و الله ما جدرش أكل، أصلي جبل ما أچي كنت چعان عديت علي محل الكشري وأكلت الحمدلله.
نهضت و أمسكت بكوب الشاي و مدت يدها إليه قائلة:
-خلاص يبقي تشرب الشاي.
كاد يخبرها إنه لا يريد.، فلم تمهله حيث تركت الكوب الذي لم يلحق بأن يمسك به و وقع علي فخذه، رمقته بتشفي:
-تعيش و تاخد غيرها.
تركته قبل أن يدركها غضبه و ركضت إلي غرفتها!
ـــــــــــــــــــ
تقدم ساق و تأخر الأخرى بتردد، تخشي الذهاب إلي هذا المنزل الذي تبغضه، فبعدما ذهبت إلي منزل خالها لتأدية واجب العزاء لم تجده و علمت من و الدته إنه منذ وفاة زوجته و لم يأتِ إلي المنزل و يمكث في المنزل الأخر القريب من المعبد القديم!
طرقت الباب فوجدته مفتوحاً قليلاً و رائحة دخان النرجيلة يصل إليها يشوبها رائحة الخمر الكريهة، دفعت الباب و ولجت إلي الداخل، بحث عنه لم تجد سوي الظلام و هناك وهج الفحم المُشتعل في إحدى الزوايا.
_
-رافع، أنت أهنه؟
أجفلها صوته الأجش:
-چايه ليه؟
استشفت من نبرته الحادة إنها غير مرحب بها، ابتلعت لعابها و قالت:
-چيت لأچل أعزيك، البقاء لله.
انتفضت عندما أنقشع الظلام مع إضاءة المصباح الذي اشعله للتو، أتسعت عينيها من مظهره الرث و حالته المُزرية، يغزو الاحمرار عينيه المحاطة بالهالات السوداء، و شعره أشعث و لحيته الكثيفة مع شاربه الكث أكسبه مظهر مُخيف بل و مرعب، كل هذا كفيل بجعل أوصالها ترتعد لاسيما حديثه الحاد معها:
-چايه تعزي و لا تشمتي، و لا تكوني فرحانة إنها ماتت!
رمقته بامتعاض فسألته بضيق:
-ليه بتجول إكدة؟، أنت خابر زين عمري ما كرهتها بالعكس دي كانت صعبانة عليا من اللي عتسويه وياها.
أطلق ضحكة ساخرة سرعان تحولت إلي مُرعبة، جعلتها تتراجع بخوف و كادت تغادر لكنه باغتها بالقبض علي زراعها بعنف ثم دفعها علي الأريكة و هدر بحدة كالعاصفة:
_
-اللي كنت بسويه وياها أنتِ السبب فيه، أنتِ اللي خلتيني روحت أتچوزتها لما رفضتي تتچوزيني، أنتِ اللي خلتيني أجهر جلبها كل ما أجرب منها و أنادم عليكي و هي في حضني، ياما باتت ليالي و دمعها علي خدها و برضك بسببك، نوارة ماتت من الجهرة، ماتت لأچل أتچوزت واحد مكنش بيفكر غير فيكي.
نهضت و لم تخشي مواجهته قائلة:
-نوارة ماتت بسبب أنانيتك، ماتت بسبب إچرامك و شغلك المشبوه و الحرام، نوارة كل ذنبها إنها عشجت جلب ما حبش غير حاله، لوثت يدك بدم كل اللي يفكر يطلب يدي لأچل ما بجاش لغيرك و لا أطول سما و لا أرض، بدل ما تروح تلوم حالك چاي ترمي اللوم عليا إياك!
تركها و ذهب ليجلب من فوق المنضدة عدة أوراق و ألقاها في يدها قائلاً:
-حداكِ حق في كل اللي جولتيه، أني مكنتش أنفعك و لا أنفعها، أنا كيف الشيطان ما بيحبش غير حاله، مشيت في الحرام لأچل أتچوزك و أعيشك أحسن عيشة و أخرتها رفضتيني، و يوم ما جولت أندمك و أخليكي تشوفي غيرك في النعيم، يچي ربنا يجولي خد، أحصد زرع شيطانك.
وجد علي وجهها مئات علامات الاستفهام فأشار إليها نحو الأوراق قائلاً:
-اللي في يدك ده تقرير طبي بيجول إني ما بخلفش و لا عمري هخلف.
– طب كيف نوارة كانت حامـ…
لم تكمل سؤالها عندما أدركت فداحة الأمر، فشهقت و وضعت كفها علي فمها، و هنا رأت أسوأ وجه للشيطان الواقف أمامها.
-نوارة خافت لأطلجها لأچل الخلفة مشيت ورا أمها و أخرتها وجعت ضحية لواحد دچال إبن كلـ…. خدرها و سوي اللي سواه فيها، كانت مستعدة تضحي بحالها لأچل تسعدني و أني كيف الغبي كل همي تكوني ليا.
_
بدأت تتصاعد أنفاسه فأطلق ثورة غضبه الحارقة:
-خابرة أني ندمان أشد الندم أني حبيتك في يوم من الأيام، ضيعت حالي و ضيعت بت خالتي المسكينة و أذيت ناس كتير بسببك، أنتِ لعنة كان المفروض أخلص منيها من زمان، أجولك أنا كل حبي ليكِ أتحول لكره، ما بجتش طايجك، الله يحرج جلبي اللي حبك، غوري من وشي و همليني، أديني بجولهالك أني مابجتش رايدك، أني بكرهك، بكرهك.
دفعها خارج المنزل، تعثرت و وقعت علي الأرض، نهضت و انهمرت دموعها من سوط كلماته و اتهامه الزائف لها، ليست هي المُلامة بل هو الذي يجب أن يُحاسب، و أخيراً قد نالت حُريتها و ابتعدت عن براثن الشيطان الآثم و ربما يكتب لها القدر ما هو الأفضل!
ــــــــــــــــــــــ
– بارك الله لكما و بارك عليكما و جمع بينكما علي خير إن شاء الله.
و بمجرد انتهاء الشيخ من جملته و مراسم عقد القران، نهض الحاج نعمان و عانق ابنته و السعادة تملئ وجهه و تفيض كالأنهار المتدفقة كلما خفق قلبه من فرط الفرح،فها هي صغيرته بين يدي أمينة، علي ذمة رجل سيكون لها خير سند و حماية، و لأنه يعلم جيداً بأن ابنته صعبة المراس لكنه أصبح مُطمئن بعد زواجها من فارس،لا يدرك أنه أرتكب خطأ فادح،جعل ابنته تتزوج برجل قلبه ليس ملكاً له بل يحتفظ بقلبه و عقله إلي مليكة أمره التي أختطفها القدر و ألقي به في اليم،تلطمه الأمواج العاتية حتي ألقت به علي شاطئ من الوحل الأسود، كلما نهض منه ينغرز لأسفل حتي يبتلعه دون رحمة، ما أدراك ما هي قلة الحيلة و لم تكن قادراً علي امتلاك زمام أمرك و عليك الوفاء بوعد، فؤادك قد أصبح له ذو ثمن بخس.
– ألف مبروك يابنتي.
كلماته صاحبت تربيت و عناق قوي بحنان غادق و فياض، ابتسمت ابنته و ربتت علي ظهره:
– الله يبارك فيك يا حبيبي، ربنا ما يحرمنا منك أبداً و يبارك لنا في عمرك.
و أمسكت بيد والدها و قامت بطبع قُبلة شكر و امتنان علي ظهر يده، مسد الأخر علي رأسها ثم رمق فارس الذي يقف كالتمثال،ربما التمثال أفضل حالاً منه الآن،ينظر إلي دفتر الشيخ و إلي آثر الحبر الأزرق علي إبهامه الذي يحرقه بشدة من ألم الخيانة، قد خان قلبه الذي أقسم علي عهد إنه لم يصبح سوي لامرأة واحدة فقط، هي من تمتلكه مهما مر الدهر أو تعامل بقوة الشيب رأسه سيظل عاشقاً لها.
_
– مبروك يا فارس يابني.
كلمات مقيتة بالنسبة إليه أفاقته من شروده، و بعد إنتباهه إلي صاحبها قال باقتضاب:
– الله يبارك فيك يا حاچ.
أقترب منه الأخر و أمسك يده و قام بالضغط عليها كإيصال رسالة و تأكيد علي كلماته التالية:
– أنا مش هوصيك علي بنتي و أقولك الكلام اللي بيقوله أي أب في اللحظة دي، كل اللي طلبه منك أتقِ الله فيها و إياك تكسر قلبها أو بخاطرها في يوم من الأيام.
أكتفي بهز رأسه و أتبعه بالقول:
-ما تجلجش يا عمي، بتك فوج راسي.
أبتسم الأخر باطمئنان و أشار بيده إلي موضع ما يذكره:
-أنا مش عايزها فوق راسك، عايزها في عينيك و أنا واثق بإذن الله هاتكون في قلبك.
شبه ابتسامة يختبئ خلفها صرخة قلب ينزف و يطلب الرحمة فشعوره الآن مثل حبة قمح أودعت بين حجري رُحا يدور كل منهما عكس اتجاه الآخر، لتصبح الحبة مُجرد ذرات من الحنطة تتطاير هباءً منثوراً.
_
تدخل آنذاك رفيق دربه چنيدي صافحه بقوة مُباركاً إليه:
-ألف مبروك يا صاحبي،ربنا يتمملك علي خير.
ثم أقترب منه و همس إليه بخفوت:
-رايدك ترفع راسنا يا عريس،خد الحباية دي و أنت هاتبجي كيف الأسد و أجوي من كينج كونج ذات نفسه.
ربت بقليل من الحدة كإتمام علي كلماته التي أثارت حنق فارس الذي رمقه بتوعد قائلاً:
-عجبالك يا صاحبي لما نجولك مبروك.
-يالا يا فارس خد عروستك و أطلعو فوق و لو عوزتم أي حاجة أتصل عليا.
قالها الحاج نعمان فعقب جنيدي بمزاح و كأن هذا أخر ما ينقص فارس:
-يتصل ليه عاد، إبننا فارس زين الرچال و فخر الصعيد كلاته.
ابتسامة صفراء بدت علي ثغر الأخر، تتجلي فيها أسنانه الناصعة، حك جنيدي ذقنه الحليق و أردف حديثه استعدادا للفرار من نظرات صاحبه المتوعدة:
_
-عن أذنكم أني بجي أروح أوصل عم الشيخ المأذون، و ربنا يچعلها أخر الأحزان جصدي يديم عليكم الأفراح.
قهقه الجميع من حديث هذا الجنيدي الذي لم يكف عن المزاح.
أشار فارس إلي عروسه التي ألتزمت الصمت منذ إنتهاء عقد القران أن تسير أمامه.
و بعد أن صعد كليهما إلي الأعلي، فتح الباب و قال لها دون النظر إليها:
-أتفضلي.
رفعت وجهها و أخذت تنظر إليه و كأنها تنتظر منه شيئا سألها بعدم فهم تلك النظرة:
-فيه حاچة و لا أي؟
أجابت بعدم مبالاة إلي تعابير وجهه الواضحة للعيان بأنه مُرغماً علي تلك الزيجة:
-المفروض زي أي عريس داخل شقته مع عروسته يعمل أي؟
رمقها باستفهام، وضعت يديها علي خصرها و أردفت:
_
-بيشيلها.
و قبل أن يخبرها بما لا يحمد عقباه، أنقذه رنين هاتفه، أخرجه من جيب بنطاله و ألقي نظرة علي إسم المتصل ثم أجاب و لا يبالي لإنتفاخ أوداج تلك الثائرة أمامه.
– ألو يا عم عربي.
ولج إلي الداخل و كأنها فرصة للابتعاد عنها، أطلقت زفرة متأففة و صفقت الباب، ذهبت إلي غرفة النوم تنتظره ريثما ينتهي من التحدث في هاتفه.
مرت دقيقة تلو الأخرى بل عدة دقائق قاربت علي النصف ساعة، و ما زالت جالسة في انتظاره حتي نفذ صبرها، نهضت و كادت تخرج اصطدمت به علي باب الغرفة، تراجعت خطوة و عينيها المُزينة بالكحل و الأهداب الصناعية الكثيفة بينهما تتلألأ عدسات لاصقة رمادية، تنضح بالغضب العارم، و لأنه أراد عدم الخوض في مناقشة حادة أخبرها بـ برود يُحسد عليه:
-عم عربي كان بيعتذر و بيبارك لنا و عم چابر كلمني بعده بيعتذر إنه ما چاش لأچل الخالة هنادي تعبت و جاعد وياها و بيبارك لنا.
صاحت بنبرة شديدة السخرية:
-الله يبارك فيهم يا أخويا،و نعم الذوق قاعدين طول اليوم و مستنين دلوقت عشان يتكلمو و يعتذرو و الله فيهم الخير.
كانت تلوح بيديها ثم عقدت ساعديها أمام صدرها سرعان ما قامت بتركهما و تراجعت بتوجس بضع خطوات إلي الخلف بعد تلك النظرة المُخيفة التي يرمُقها بها للتو، يقترب منها و يتحدث بنبرة تبدو هادئة في ظاهرها بينما تحمل في باطنها تحذيراً بالغاً:
-أسمعيني زين يابت الناس،أول حاچة و حطيها حلجة في ودانك صوتك ما يعلاش عليا و هاتكون أول و أخر مرة، تاني حاچة الناس اللي عتممسخري عليهم يبجو أهلي و ناسي و إياكِ تكرري اللي سوتيه دلوق مرة تانية، مفهوم؟
_
ظلت متسمرة في مكانها، صاح بحدة أجفلتها:
-ما سامعش.
أومأت إليه و رددت:
-حاضر.
أبتعد ليأخذ ثيابه المطوية بعناية أعلي مكان الراحة و قال دون أن يعيرها نظرة واحدة:
-خدي راحتك أهنه أني هاغير خلچاتي في الأوضة التانية، لو محتاچة حاچة أبجي نادمي عليا.
و ما أن تحرك خطوة مدت يدها و أمسكت بساعده تنظر إليه بأعين متوسلة بأن لا يتركها بمفردها قائلة:
-أنت مش هاتتعشي معايا؟
نظر إلي يدها الممسكة به أولاً و تنهد ثم أخبرها:
-أتعشي أنتِ، أني مش چعان.
_
حدقت إليه ببراءة و دلال قطة تلعب علي أوتار مشاعر صاحبها:
-بس أنا جعانة، و ما بعرفش أكل لوحدي.
لم يجد مفر سوي مشاركتها فأخبرها:
-ماشي،لما تغيري خلچاتك حضري الواكل و أني هستناكي في أوضة الضيوف.
تراقص قلبها طربا أول محاولة ظفرت بها مما جعلها تتجرأ إلي مطلب أخر و ترتسم علي ملامح وجهها إمارات الخجل:
-هاغير هدومي إزاي، و فستاني زي ما أنت شايف مش عارفة أتحرك منه.
أنتبه إلي ثوبها الأبيض ليري لديها حق، لم تستطع خلعه و هذا بسبب السحاب الخلفي، صعب أن تقوم بإنزاله و كذلك أيضاً الوشاح و الحجاب المتدلي أعلاه كل منهما متشابك بإبر رفيعة لم تتمكن من خلعها بمفردها، أخذ يساعدها بفك كل تلك الإبر و ألقاها أعلي طاولة الزينة، و بسحب أخر إبرة قامت هي بجذب الوشاح، فكشفت عن خصلاتها الحريرية ذات اللون الأشقر الصناعي، انسدلت خصلاتها مما زاد مظهرها الجذاب جمالا لم يستطع أي رجل أن يراها بتلك الهيئة و الزينة و ألا يكف النظر إليها بل و تأسر قلبه، لكن صاحب العينين الرماديتين كان له رأي آخر، نظرته إليها يغلفها جبال من جليد نهضت و ولت ظهرها إليه و قالت بدلال:
-ممكن تفتح لي السوستة عشان مش هاعرف.
تحركت تفاحة آدم في عنقه و يبتلع لعابه، يخشي من ضعف نفسه و لو للحظة، يعلم نهاية كل هذا، مهما حاول التجاهل أو إظهار عدم الاهتمام فالأمر قد حُسم علي كل الأحوال.
جمع خصلاتها و ألقاها علي إحدي كتفيها، أمسك بطرف السحاب و أنزله بتأني حتي علق في المنتصف و يبدو إنه أحتك ببشرتها مما سبب لها ألماً، تأوهت فأنتفض:
_
-آسف، مكنتش أجصد، السوستة باينها علجت و مارضياش تتفتح.
– خلاص سيبها أنا هاعرف أقلع الفستان كدة.
و كأن كلماتها أعطته الحرية للتنفس، خرج علي الفور بعدما أخذ ثيابه، ألتقط أنفاسه بالخارج، و ذهب إلي الغرفة الأخرى.
بعد قليل، كان جالساً أمام التلفاز شارداً في ملكوت أخر حتي أتت تلك التي تملك فن الإغواء، تريد جذبه إليها و هدفها الأكبر قلبه.
دلفت تحمل صينية الطعام و يا للكارثة!
ترتدي مأزراً حريرياً قصيراً، تركته مفتوحاً ليكشف أسفله عن ثوب أبيض من الدانتيل يكاد يصل إلي ركبتيها و من الأعلى يكشف الكثير و الكثير، يُزين جانب عنقها رسم حناء بشكل فني جذاب و حول جيدها سلسلة ذهبية يتوسطها اسم فارس بالعربية، تفوح منها رائحة عطر اخترقت أنفه بقوة، فهي كالمحارب القوي الذي يهاجم بكل أسلحته علي حصون عدوه و يريد تدمير قراميدها إلي فتات.
تظاهر بالصلابة و الجمود الذي جعل دمائها تفور كالمياه بداخل مرجل قد أضرمت نيرانه منذ عهود.
وضعت الصينية علي المنضدة أمامه بقليل من الحدة، رفعت وجهها لتنظر إليه فوجدته مُنشغلاً أو الأحرى مُتظاهراً بمشاهدة التلفاز.
أتظن أنني سأستسلم، يبدو أنك لا تعلم من هي شهد أيها الفارس.
ذهبت للجلوس بجواره و كأن مسه تيار كهربي أبتعد قليلا رفعت إحدى حاجبيها و ترمقه بماذا بعد، سألها بتوتر:
_
-في حاچة؟
أطلقت تنهيدة ثم قالت بنفاذ صبر:
-لاء مفيش، بس الأكل أتحط و الأكل له إحترامه و لا أي!
مد يده ليتناول ملعقة و يتحاشى النظر إليها، فهناك قنبلة أنوثة جالسة جواره، تفاجئ بقطعة من الدجاج قد وضعت بفمه، رمقها مُنزعجاً فأخبرته بتهكم:
-ما بتحبش الفراخ و لا أي، ما تقلقش دي فراخ بلدي عشان تتقوي بدل ما شكلك هفتان من أكل الشوارع و الكشري اللي هري معدتك.
و عندما رفعت يدها إلي فمه مرة أخري أمسك يدها و قال:
– كفاية إكدة، أني أصلاً مش چعان و جعدت وياكي عشانك.
-خلاص أكلني أنت.
تفوهت بدلال و رمقته بنظرة جرو صغير و التي تجعل أي من يراها يلبي لها أي مطلب دون تراجع.
تمتم بكلمات لم يمكنها سماعها، فسألته:
_
-بتقول حاجة؟
أجاب باقتضاب:
-لاء.
قام بمد قطعة لحم بالشوكة وجدها تغلق فمها و تهز رأسها بالرفض ثم أخبرته:
-أكلني بإيدك.
أطلق زفرة من فرط ما يشعر به من الضيق، قام بإطعامها في فمها و لاحظ تعمدها ملامسة شفتيها أطراف أنامله، و في المرة الثالثة أمسكت بيده و ظلت ترمقه بنظرات هيام عاشقة فأخبرته رغماً عنها تحت وطأة لحظة ضعف قلب متيم بمعشوقه:
-أنا كل اللي عايزاه ده يحس بيه.
أشارت إلي موضع قلبه ثم أردفت:
-أنا فاكرة كل كلمة قولتهالي لما كنا في النادي، أي واحدة مكاني كانت بعدت بس أنا ما قدرتش، لأن معرفتش و لا قادرة أبعد، عارفة قلبك مش ملكك بس بلاش تحاوطه بألف سور، أديني حتة منه، مش طالبة غير حتة بس من قلبك تكون ليه.
سرعان تحولت ملامحها من الهدوء إلي الحزن و تجمعت الدموع التي بدأت بالتساقط:
_
-طول عمري كنت قافلة علي قلبي لحد ما شوفتك، خطفته من أول نظرة، شوفتك الراجل الوحيد اللي تستاهله، الراجل اللي نفسي يخدني في حضنه و يطبطب عليا بحنية، الراجل اللي لو الدنيا كلها بقت ضدي عمره ما يقسي عليا مهما حصل، أنا مش وحشة يا فارس، أنا عكس خالص البنت القوية اللي شوفتها طول الأيام اللي فاتت، أنا أضعف مما تخيل، نقطة ضعفي الوحيدة هي أنت، لأن بحبك أوي.
و بمجرد انتهاءها من تصريحها أطلقت دموعها للانهمار، دموع عاشقة تتوسل حب من عشقه قلبها و تهواه بكل جوارحها بينما هو أهتز بل ضـ,ـربه زلزال مُدمر عند رؤيتها في تلك الحالة، لعن هذا الحب الذي لا يجلب سوي التعب و المشقة و العذاب لأصحابه، ما كان بيده سوي أن يحتضنها و يعانقها، يمسد علي ظهرها علها تهدأ:
-بزيداكي بُكي عاد، طب لأچل خاطري لو بتحبيني كيف ما بتجولي.
رفعت وجهها من صدره تنظر إليه و عينيها الباكية جعلته يفعل ما كان لا يريده و حاول بكل السُبل أن لا يحدث.
أغلق عينيه و دنا بشفتيه ليلثم خاصتها، أخذ يُقبلها حتي كفت عن البكاء، كاد يبتعد فوجدها تتشبث به كالغارق في بحر مُظلم و هو منقذها الوحيد، بادلها العناق لكن شتان ما بين عناق كل منهما للأخر، هي تعانقه بعشق و حميمية بينما هو و كأنه مُرغماً، عناقه يخلو من المشاعر.
دعته بنظراتها بأن يُقبلها مرة أخري و كأنها لمسة المُحياة،نهض و حملها إلي غرفة النوم، أنزلها علي الفراش و أراد الابتعاد، فوجدها متعلقة بذراعيها حول عنقه ثم و ضعت رأسها علي صدره و أخبرته:
-ممكن ماتسيبنيش لوحدي؟
رفع وجهها بين يديه و ظل يرمقها في صمت، و إذا به يراها مليكة قلبه، تبتسم و تضحك كما كان يراها دائماً، و صوتها يصدح في مسامعه قائلة:
-بحبك جوي جوي يا فارس.
– و أني بعشجك يا جلب فارس.
_
ردد تلك الكلمات بخفوت و أستسلم إلي خياله الذي جعله يغرق في بحر الذكريات غير واع إلي ما يفعله، لمسات و همسات و همهمات غير واضحة للأخري، ما بيدها سوي الاستسلام إليه رغماً من علمها إنه يشاركها جسده فقط!
قامت بكتم صرختها بدفن وجهها في صدره، تلك الصرخة التي أيقظته من غفلته، نهض و أبتعد عنها و ملامح وجهه غاضبة من نفسه، قلبه ينعته بالخائن و باغته الشعور بالندم و كأنه أرتكب جُرم بشع في حق معشوقته، أغمض عينيه ليتمكن من رؤية وجهها الحزين و الغاضب منه، فقال لها بهمس نابع من قلبه:
-سامحيني يا زينب!
يتبع
#الفصل_الثامن_والثلاثون
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
علي شاطئ إحدى القري السياحية الشهيرة في الساحل الشمالي حيث يمكث كليهما منذ أيام، كان يمر الوقت بوئيد شديد رغماً من خروجهما إلي الحفلات المسائية بالأندية و المخيمات القريبة ليلاً، و بالنهار تظل بجواره علي الشاطئ في حالة صمت مُطبق.
و ذات ليلة كانا بإحدى الحفلات، يجلس كالعادة في حالة سكون، شارد و ضائع تغزو ملامحه إمارات الوهن و الإرهاق، و إذا به ينهض و يخبرها مجرد المعرفة قائلاً:
-أنا رايح التويليت و راجع.
_
نظرت إليه قليلاً و حدسها يخبرها سبب ذهابه إلي المرحاض ليس لقضاء حاجته بل لشيء آخر عليها أن لا تمُر الأمر هكذا!
-أتفضل و أنا مستنياك بس ياريت ما تتأخرش عشان عايزة نمشي.
لم يُعلق و ذهب، بينما هي جلست في انتظاره حتي آتتها إحداهن بصياح مفاجئ:
– مورو.
رفعت وجهها لتري من تلك، ابتسمت إليها فأردفت الأخرى:
-أي ده أنتي و مستر علي هنا بتقضو الهني مون؟
أجابت الأخرى باقتضاب و بشبه ابتسامة، تعلم خصال تلك الفتاة الثرثارة:
-اه، و أنتِ؟
جذبت الفتاة الكرسي و جلست دون أن تسمح لها الأخري و أخبرتها:
-أنا جاية هنا في رحلة مع أصحابي يومين و كدة و بعدها هانرجع الشركة و وجع القلب، ألا قولي لي عرفتي توقعي مستر علي إزاي يا سوسه ده الراجل ملحقش يشم نفسه قومتي شقطيه علي طول كده خبط لزق و جواز كمان!
_
أطبقت شفتيها بابتسامة صفراء و أجابت عليها بحنق لم تبديه بالكامل:
-ما إسمهاش شقطه يا حبيبتي، و بعدين هو كان عارفني من أيام الجامعة و كنا بنحب بعض و الظروف بعدتنا و سبحان الله الشغل جمعنا ببعض و هو طلع عايش علي ذكري حبنا و أنا كمان بحبه.
عادت بظهرها إلي الوراء بعدما انتهت من كيد الأخرى، لا تعلم ما تخبأه لها أو تلقيه عليها كالآتي، اقتربت منها و كأنها ستخبرها سراً عظيماً:
-غريبة يعني طلعتو تعرفو بعض، أصل البت السكرتيرة بتاعته كانت قايلة قبل كدة إنها شافت مستر علي و ندي ربنا يستر علي ولايانا في وضع مش مظبوط و عمال يقولها كلام اللي فهمته إنه كانو علي علاقة مع بعض قبل ما تتجوز.
كفي هُراءاً لقد تعدت كل الحدود و يجب وضع حداً ساحقاً لها، هبت واقفة و بلهجة شديدة التحذير صاحت بها:
-عارفة لولا إن إحنا في مكان عام كان هايبقي ليا تصرف تاني معاكِ، أولاً اللي بتتكلمي عنهم الأول يبقي جوزي و التانية تبقي صاحبتي و مفيش أي تخلف من اللي بتقوليه ده،و عارفة أن فضولك هايموتك لكن اللي زيك مالهمش أي لازمة أو أهمية أن أرد علي كلامهم، فياريت تخلي عندك كرامة و تغوري من هنا و أرجع للشركة ما شفش خلقتك خالص بدل ما أمشيكي منها بفضيحة عشان و لا تعرفي ترجعي و لا تلاقي شغل في حته تانية.
ابتلعت الأفعى سُمها و لم تجد رداً أو ربما خشيت من تهديد الأخرى لها، هزت رأسها و قالت:
-متشكرة أوي أوي علي أسلوبك و كلامك، بس عايزة أقولك ده كلام الكل في الشركة و كان غرضي أوعيكي باللي بيتقال من ضهرك و عايزة مصلحتك، عن إذنك.
يا لها من داهية تمتص غضبها خوفاً علي طردها من العمل و ذات الوقت تُضرم النيران بها لتجعلها تحترق، فما أكثر الأفاعي في حياة كل منا يتظاهرن بوجه الملاك و هم بالحقيقة كالوسواس الخناس يُخبئ لك شراً مُستطيراً.
ابتلعت غُصتها اللاذعة و ذهبت نحو المرحاض لتنتظر زوجها في الخارج، و في طريقها لاحظت وجوده في ركن بعيد و ينحني للأمام، اقتربت منه لتري ماذا يفعل و هنا صدق حدسها وجدته يستنشق هذا المسحوق الأبيض اللعين.
_
رفع رأسه عندما شعر بوقوف أحدهم أمامه، رمقها ببرود و لم يبرر لها موقفه، نظرت إليه و ألسنة النيران تندلع من عينيها، تريد الفتك به علي كل ما حدث، عودته إلي تعاطي المُخدرات بعدما أعطي لها وعداً وهمياً بأن يبتعد عنها، لكن كيف له أن ينسي أكبر همومه دون أي وسيلة كما أعتاد منذ سنوات!
– تصدق بالله أنت حلال فيك وجع قلبك اللي عمره ما هينتهي و هاتفضل عايش زي المذلول، و أنا من غبائي أو ربنا إبتلاني بُحبك و أديني بدفع معاك التمن،بحاول معاك علي قد ما بقدر و أنت بترجعنا لنقطة الصفر،أنا جبت أخري منك و كل اللي أقدر أقوله لك كتك القرف.
ألقت كلماتها و ركضت باكية،نهض و أسرع خطاه خلفها مُنادياً:
-مروة أستني، مروة أسمعيني بس، مروة.
لم تقف و مضت في طريقها تبحث عن سيارة أجرة، كادت تعبر الطريق لكنه ألحق بها و أمسكها من يدها:
– حرام عليكِ، أسمعيني بقي.
صرخت في وجهه و قد فاض بها الأمر من كل الجهات، كلمات الفتاة إليها منذ قليل و ما فعله هو أيضاً:
-حرام عليك أنت نفسك و اللي بتعمله فيا، أنا كل اللي طلبته منك تحافظ علي نفسك من القرف اللي بتشمه، لو مش خايف علي نفسك أنا خايفه عليك عشان بحبك، لكن أنت مش عايش حتي لنفسك، أنت عايش بس عشان الست ندي اللي هاتجيب أجلك و هاتموتني بقهرتي عليك.
رمقها بتوسل و يمسك بيديها معاً:
-أنا و الله بحاول أنساها و يمكن الكوك بيساعدني علي كده أحسن ما أتجنن من كتر التفكير.
_
لم تتحمل و صاحت بحدة:
– و أنا هاموت من وجع قلبي.
– بعد الشر عليكِ، أنا دلوقتي مليش غيرك أنتِ و إبني اللي في بطنـ….
بتر جملته بصياح و ذعر:
-مروة!
و ذلك عندما تحركت قليلاً و لم تنتبه إلي تلك السيارة التي اصطدمت بها للتو!
أسرع بحملها و أدخلها إلي سيارته و توجه نحو أقرب مشفي، و هناك قام الطبيب بالإجراءات و الإسعافات الأولية، الخوف يمتلك منه بقوة، يشعر بالذنب الشديد تجاهها، و بمجرد خروج الطبيب من الغرفة ركض نحوه ليسأله عن حالتها يُريد الاطمئنان عليها:
-هي عاملة أي يا دكتور؟
أجاب الأخر و يكتب في دفتر ورقي:
-هي الحمدلله بخير، الخبطة كانت خفيفة بس واضح إن من الخضة نفسها أغمي عليها، و دلوقتي فاقت، هانعلق لها محلول و بإذن الله هاتبقي أحسن.
_
تذكر أمر حملها و لا يعلم ما دفعه إلي سؤاله:
-طب و الجنين؟
عقد الأخر ما بين حاجبيه باستفهام:
-جنين أي؟
-أصلها حامل و داخله علي شهرين و أكتر.
أخبر الطبيب بهذا ما جعل الحيرة ترتسم علي وجهه و عقب علي ما قاله:
– أنا عملت لها فحص كامل، مفيش حمل!
ــــــــــــــــــــــــ
يمسك هاتفه و يتمعن النظر فيه، و في الشاشة تظهر هي و تؤدي مهام يومها من طهي و تنظيف المنزل،فهو يضع لها نظام مراقبة متصل عبر برنامج علي هاتفه، و هذا يعود إلي عدم ثقته بها أو ربما يريد قلبه أن يثبت إليه تغيرها و يجب أن يعطيها فرصة أخري، ترك الهاتف أمامه علي المكتب و أغمض عينيه بسأم و يزفر بين كفيه، يشعر و كأن هموم الكون تجمعت و ألقت فوق ظهره، لما عليه تحمل كل هذا العناء فهل هو الحب! أم عقله الذي لا يستوعب إلي تلك اللحظة ما أقترفته زوجته في حقه من خيانة قبل و بعد الزواج!
أنتفض عندما أنفتح الباب و دلف هذا المزعج يصيح بسعادة:
_
-سلام عليكم يا أكرم باشا.
رمقه بحدة قائلاً:
-أنت يا بني آدم مش فيه باب بتخبط عليه الأول و لا هي وكالة من غير بواب!
حك الأخر ذقنه بتعجب و أخبره:
-و الله يا باشا قعدت أخبط و أنت الظاهر مكنتش واخد بالي قولت أدخل أستناك بس لاقيتك ماشاء الله قاعد و منور المكتب.
أطلق زفرة ثم نظر إليه بإمتعاض، أشار إليه ليجلس أمام المكتب:
-أقعد و أتفضل قولي أخر الأخبار، و يارب المرة دي تطلع أخبار عدلة مش زي وشك.
أبتسم الأخر و قال:
-مقبولة منك ياباشا.
أخرج من حقيبته الصغيرة عدة صور و وضعها أمامه مُردفاً:
_
-العبدلله قدر يمسك لك طرف الخيط اللي تقدر توقع بيه سليم العقبي، الصور اللي معاك دي لسليم و مراته و اللي كانت معاهم في المطعم بعد تحرياتي و مصادري السرية الخاصة عرفت إنها إسمها ريهام علي تبقي صاحبتها من أيام الجامعة بس عايشة هنا في القاهرة متجوزة من واحد إسمه أحمد بيشتغل سوبر فايزر أو تقدر تقول مدير العمال في نادي الجزيرة.
ظل ينظر إلي الصور و يفكر في أمر ما:
-تراقب لي اللي إسمها ريهام و تجيب لي عنوان بيتها و التقرير يكون علي مكتبي بكرة زي دلوقت.
إبتسم الأخر بـ زهو و فخر و قال:
-عيب عليك يا باشا، كله تم من قبل ما تؤمر.
و أخرج ورقة مطوية و أعطاها له:
-ده العنوان بالتفصيل.
أمسك بالورقة و عينيه تلمع ببريق الإنتصار قائلاً:
-حلو أوي،خلاص يا سليم نهايتك قربت أوي!
ـــــــــــــــــــــــــ
_
بعد عودته من المشفي برفقتها ظل صامتاً لكن بدواخله لهيب يحرقه، جلس علي كرسي أمام مكان الراحة ريثما تستيقظ من النوم، و ها هي تتقلب و تتأوه من الألم التي تشعر به أثر دهشة قوية السيارة بها.
فتحت عينيها و حاولت أن تنهض فوجدته جالساً يرمقها بنظرة غريبة لم تدرك منها شيئاً، سألته و الوهن بادي في نبرة صوتها:
-أنا نمت كتير؟
أجاب بإقتضاب:
-لاء.
ألتفتت إلي يمينها لتمسك بإبريق المياه و تسكب القليل بالكوب لتروي ظمآها، و قبل أن تنتهي من الشرب ألقي عليها سؤاله:
-أنتِ كنتِ بتضحكي عليا و تقولي لي أنك حامل؟
أصابتها حشرجة في حلقها و كادت تختنق، أنتابها السعال حتي هدأت، رمقته بتوتر و قالت:
-أصل كنت، أصـ…
قاطعها و هو ينهض و في لحظة واحدة أصبح أمامها مباشرة:
_
-أصل أي، أي مش عارفة تداري كذبتك بكذبة تانية!
رمقته بتوسل و أخبرته بتوجس تخشي ذلك الغضب الذي يندلع من عينيه:
– أنا أضطريت اكذب عليك عشان بحبك و ماتبعدش عني، و قولت أول ما تيجي فرصة هقولك الحقيقة.
ضحك بسخرية ثم قال بتهكم:
-عندك حق طبعاً، ما هو أنا المغفل اللي بينضحك عليه.
أمسكت بيده و بقلب حزين أخبرته:
-أنا عملت كدة عشان بحبك.
لم يري في تلك اللحظة سوي ندي و كيف قامت بخداعه و ها هي الأخري تجعله أحمق مرة أخري، نيران غضبه قد وصلت إلي ذروتها فضغط علي قبضتيه كي لا يتهور و صاح بها:
-تفرقي أي عنها، أنتو الأتنين كدابين هي كدبت عليا و عيشتني في وهم حبها و أنتِ عملتي زيها بالظبط.
نهضت و وقفت أمامه تخبره بدفاع عن نفسها:
_
-أنا مش زيها يا علي، هي عمرها ما حبتك، أنا اللي بحبك و أستحملت و لسه بستحمل أي حاجة عشان أبقي معاك، أنا اللي لو طلبت مني روحي تبقي فداك عمري ما هتأخر عليك، هي ما فضلتش مستنياك سنين عشان مش قادرة تنساك و مش عارفة تحب غيرك.
لم تتحمل الوقوف فهبطت علي عقبيها أمامه و تمسك يده بتوسل و أطلقت لعبراتها العنان ثم أستطردت:
-أنا بحبك من أول مرة شوفتك من أيام الكلية، كنت بروح أفضفض لها عن مشاعري ناحيتك، كنت بروح أحضر ندوات و مؤتمرات الطلبة اللي كنت بتنظمها عشان أشوفك و اليوم اللي قررت فيه إن أكلمك أو أشوف أي حجة عشان أعرفك بيه لاقيتك بتعترف لها بحُبك،هي خانتني و خانتك،أنا اللي حبيتك بجد و فضلت عايشة علي أمل أن أشوفك تاني،أنا كل ذنبي مجرد كذبة عشان تكون ليا، أنا راضية بأي حاجة هاتعملها إلا أنك تبعد عني، أرجوك ماتسبنيش.
أنحنت علي يده بجبهتها فتساقطت عبراتها الدافئة علي قدمه، شعر بوخزة في قلبه و نعت نفسه بالأحمق الوغد، كيف لا يراها أو يشعر بها، لما ترك نفسه أن يعيش في وهمٍ و يركض خلف أخري لا تحب سوي نفسها بل و خائنة.
وضع يده يربت عليها بحنان، و دنا منها ليجعلها تنهض و تقف أمامه، نظر في عينيها الباكية ثم هبط ببصره إلي شفتيها التي ترتعش من البكاء، لم يجد من الكلمات ليهدأها سوي أن يأخذها بين ذراعيه و يعانقها قائلاً:
-كفاية دموع، أنا ماستهلهاش و لا أستاهل حبك ليا.
رفعت وجهها من صدره و رمقته بنظرة مليئة بالعشق و الهيام لتخبره:
-أنت تستاهل حبي و عمري و روحي،أنا ملكك يا علي.
أخذ يمسح عبراتها بإبهاميه و ينظر تارة إلي عينيها و تارة أخري إلي شفتيها،سألها بنبرة رجولية عزفت علي أوتار قلبها طرباً:
-طب أي اللي يثبت لي أنك ملكي؟
_
عادت البسمة إلي وجهها بعد بكاء مرير،أجابت بفرحة عارمة:
-أنا بين إيديك و تحت أمرك.
رمقها بنظرة وقحة و يسألها بإبتسامة ماكرة:
-يعني لو طلبت منك أي حاجة هتنفذيها؟
أبتسمت بخجل و خفضت بصرها لأسفل، أجابت بخفوت:
-اه.
أمسك طرف ذقنها و رفع وجهها و قال:
-عايزك تنسي أي حاجة حصلت، نرمي الماضي ورا ضهرنا، ننسي اللي فات كله و كل واحد فينا يتولد علي أيد التاني،أنا أعيش ليكِ و أنتِ تعيشي ليا و بس،أكون ملكك و تكوني ملكي، عايزك تسيبي لي نفسك.
بريق لامع تتلألأ به عينيها من فرط السعادة، لم تصدق ما تسمعه،هزت رأسها و أجابت:
-سيبهالك لحد آخر نفس ليا.
_
ظل ينظر لها و حدقتيه تتحرك علي كل إنشاً في وجهها، و إذا به ينقض علي شفتيها يلتهمها بنهم،ينسي معها كل أحزان الماضي الأليم، أطلق نفسه بين يديها لتندمج أواصرهما معاً و يهيم معها في سماء الحب بعدما تبددت الغيوم و أنهمر العشق بالغيث ، يروي قلوب قد جفت من الشوق منذ سنوات عجاف.
ــــــــــــــــــــــــــــ
عاد من عمله و دلف إلي داخل منزله، وصلت إلي أنفه رائحة الطعام الشهية، وقف يستنشق باستمتاع تلاشي بمجرد خروجها من المطبخ و رآها تقف أمامه و انطلقت صغيرته من الغرفة الأخرى، تردد بصياح و تهليل:
-بابي.
فتح ذراعيه لأبنته و عانقها بشوق و حنان:
-وحشاني أوي يا قلب بابي.
زمتت شفتيها بحزن ثم قالت:
-أنا زعلانة منك عشان مكنتش بتيجي تشوفني عند نناه و لا بتتصل بيا.
ابتسم و ربت عليها قائلاً:
-آسف يا حبيبتي، معلش كان عندي شغل كتير و أول ما هاخد أجازة هاخدك و نتفسح في المكان اللي أنتِ تقولي عليه، أتفقنا؟
_
تهللت أساريرها و قالت بمرح:
-ميرسي يا أحلي بابي في الدنيا.
أشار لها نحو وجنته:
-طب فين بوسة بابي بقي.
عانقته بقوة و قامت بتقبيل خده، عانقها بفرح و سعادة تبددت مجرد سماعه إلي صوت الأخرى و هي تقول بصوت خافت:
-حمدالله علي السلامة.
نهض و ربت علي رأس صغيرته قائلاً لها:
-أدخلي يا حبيبتي ألعبي في أوضتك عقبال ما أغير هدومي و جاي لك نقعد مع بعض.
-حاضر يا بابي بس ما تتأخرش عليا و لا تنام.
أومأ لها و أبتسم علي فطنة ابنته فأخبرها:
_
-حاضر مش هتأخر.
ركضت الصغيرة إلي داخل غرفتها، بينما هو تجاهل تلك الواقفة تنتظر أن يعيرها أي اهتمام لكنه سار نحو غرفته فذهبت خلفه و سألته:
-أنا خلصت الأكل، أحط الغدا؟
ولي ظهره إليها و أجاب بنبرة بها بعض الحدة:
-أنا مش جعان أتغدوا أنتو.
فك أزرار قميصه و قبل أن يقوم بخلعه توقف و نظر إليها عبر المرآة:
-واقفة عندك ليه عايز أغير هدومي عن إذنك.
خفق قلبها من الحزن إلي هذا الحد لم يعد يتقبلها، ابتلعت ريقها و كادت تذهب قبل أن تضعف أمامه و تبكي، أوقفها قائلاً:
-أستني عندك.
أقترب منها ببضع خطوات جعلت الدماء تدفق بشدة في عروقها من التوتر و الخوف من كلماته القاسية التي تتوقعها قبل أن ينطق بها، و كما توقعت من امتعاض ملامحه قال لها:
_
-أنتِ اللي بأيدك كل حاجة، و أنتِ اللي بتعملي في نفسك كده برضو،مفيش حد فينا عليه اللوم غيرك،حاولي لمي الشروخ اللي بينا يمكن يجي يوم و أسامحك.
لم تكن قادرة أن تقول شيئاً، أنتهي وقت الحديث و عليها بالفعل و إثبات حبها كما زعمت له من قبل، عليها تحمل قسوته و تجعله يلين إليها و يعود أكرم الذي يعشقها لكن كيف و متي!
ــــــــــــــــــــــــــ
طرق علي الباب و رنين جرس متواصل جعلها استيقظت من النوم، انتبهت إليه يهندم من هيئته و ثيابه و يخبرها:
-جومي حضري حالك لأن اللي عيخبط يبجي والدك.
نهضت لتفعل كما أمرها علي مضض، و بمجرد ولوجها إلي داخل المرحاض وقفت أمام الحوض و نظرت إلي صورتها المنعكسة في المرآة تتذكر ليلة أمس و كيف كان يتعامل معها بشفقة و عطف، إلي هذا الحد أصبحت في وضع يُرثي إليه!
و بعد قليل انتهت من ارتداء ثيابها و حجابها، ذهبت لإعداد مشروب و وضعت معه بعض الحلوى، تحمل الصينية و اتجهت إلي غرفة الضيافة، ألقت التحية علي والدها و ذهبت لتصافحه و تُقبل يده فقال لها:
-أي أخبارك يابنتي؟
كانت عينيه تراقب ملامح وجهها ثم نظر إلي فارس الذي يجلس في هدوء و وجهه الساكن يحمل خلفه الكثير، أجابت ابنته بسعادة زائفة:
-الحمدلله يا بابا أنا بخير.
_
نظر إلي فارس و سأله:
-و أنت يا فارس.
أجاب و طيف ابتسامة تملئ ثغره:
-الحمدلله زين.
تنهد نعمان ثم قال:
-يارب يديم بينكم المحبة و الود و يبعد عنكم الشيطان.
أومأ له فارس و ردد:
-إن شاء الله.
شعر والدها بتوتر الأجواء و أن هناك خطب ما، فقال لابنته:
-قومي يا شهد أعملي لي فنجان قهوة و خليكي واقفة عليها عشان ماتفورش و تضيعي لي الوش بتاعها زي كل مرة.
_
رمقته بنظرة ذات مغذي و قالت بمزاح:
-ما تقول أنك عايز توزعني يا حاج، عموماً عيوني أحلي فنجان قهوة.
و قبل أن تذهب رمقت فارس بطرف عينيها و قد كان ينظر إليها أيضاً ثم ذهبت.
أشار إليه والدها قائلاً:
-تعالي يابني أقعد جمبي.
نهض الأخر و جلس بجواره فسأله:
-خير يا حاچ؟
سأله بخفوت و نبرة يشوبها التوتر و القلق:
-قولي أي الأخبار، بنتي عامله معاك أي؟
أجاب و قد علم ما خلف سؤاله:
_
-زينة يا عمي الحمدلله.
تلفت نعمان من حوله حتي يتأكد من عدم سماع ابنته إلي حديثه:
-أنا عارف شهد بنتي صعبة و دماغها ناشفة، معلش خدها علي قد عقلها و هي هتبقي تحت طوعك، هي عمرها ما حبت زي أي بنت، أنت أول راجل في حياتها.
ربت الأخر علي كتفه ليطمئنه:
-أطمن يا حاچ الحمدلله كل حاچة تمام ما تجلجش.
و رمقه بنظرة جعلت والدها تحمحم من الإحراج و سرعان الابتسامة غزت وجهه عندما أطمئن علي إتمام زواج ابنته!
و إذا به ينهض فجأة و كأنه قد تذكر شيئاً،تعجب فارس و نهض يسأله بقلق:
-فيه حاچة يا عمي؟
-أنا جيت أطمن عليكم و الحمدلله طمنت قلبي،و كمان عشان..
أخرج من جيبه ظرف أبيض ليعطيه إليه مُردفاً:
_
– و دي نقطتكم.
تراجع فارس عن أخذها مُعللاً:
-لاء يا عمي، أني معاي الحمدلله، خير ربنا كتير.
وضع الأخر الظرف في جيب قميص فارس قائلاً:
-دول نقوط جماعة حبايبنا بمناسبة جوازكم.
-أي ده يا بابا أنت واقف ليه؟
كان صوت شهد التي دلفت و بيدها فنجان القهوة، أجاب والدها:
– أنا يا دوب هاروح المحل عشان فيه بضاعة جاية و لازم أبقي موجود، أنا جيت أطمن عليكم و الحمدلله أطمنت، و أنتِ أبقي خدي بالك من جوزك و أسمعي كلامه.
رفعت زاوية فمها جانباً بتهكم، و بداخل عقلها تقول:
-مش لما ياخد باله مني الأول.
_
غادر نعمان و هو يظن إن أصبح كل شيء علي ما يرام لا يعلم الحرب التي علي وشك الحدوث.
ظل جالساً في الغرفة و يشاهد التلفاز أو هكذا تظاهر، بينما هي قبل أن تذهب إلي غرفتها سألته:
-أحضرلك الفطار؟
رد ببرود يشعل نيران غضبها:
-أني صحيت من بدري و فطرت.
جزت علي أسنانها إلي هذا الحد لا تفرق إليه في أبسط الأشياء، لذا رمقته بنظرة توعد و عزمت علي إثارة ضيقه و حنقه!
بعد قليل خرجت من الغرفة ترتدي ما يخطف الأنفاس و يسحر الألباب، فهي الآن بكامل زينتها و ثوب عاري يجعل من جسدها البض ذو المُنحنيات أكثر إثارة و إغراء، تسبقها رائحة عطرها الفواح، و قبل أن تدلف إليه ذهبت و جلبت من المطبخ طبق ممتلئ بالتسالي، و قفت أمامه و وضعت أمامه الطبق:
-أتفضل.
رفع وجهه و نظر صوب عينيها، أطلق زفرة و كأنه يستعين بالصبر في تلك اللحظات العصيبة، جلست بجواره و حافظت علي مسافة قليلة بينهما، أمسكت بجهاز تحكم التلفاز و قامت بتغير القناة، فقال لها:
-ممكن تچيبي القناة اللي فاتت چايبة فيلم رايد أتفرچ عليه.
_
لم تهتم لمطلبه و أخذت تتناول التسالي قائلة:
-ده فيلم عربي قديم، أنا بحب أتفرج علي الأجنبي.
زفر بضيق يعلم إنها تحاول استفزازه لكنه سيظل يرتدي قناع الجمود الذي يظن سيجعلها تنفر منه و تبدل حُبها له إلي كراهية.
صدح رنين هاتفه و كأنه مُنقذ له، أجاب علي الفور:
-ألو يا چنيدي.
…..
-صباح النور.
…..
– أه صاحي أطلع كان لسه الحاچ عندنا أهنه.
…..
_
-لاء أني جاعد ما بسويش حاچة أطلع أني مستنيك، سلام.
و بعد أن أنهي المكالمة أخبرها:
-جومي خشي چوه، چنيدي طالع.
توقفت عن التقام اللب قائلة:
-ما يطلع و أعمله أي!
بصقت ما بفمها من قشر، رفع إحدى حاجبيه و قال بحدة:
-بجولك طالع و أنتي جاعدة كيف إكدة!
أطلقت ضحكة ساخرة و قالت:
-اللي يسمعك يقول إنك بتغير عليا ما يعرفش اللي فيها.
-أستغفر الله العظيم، بزياداكي حديت ملهوش عزا و أسمعي اللي بجولك عليه.
_
تركت الطبق علي المنضدة بحدة مما أصدر صوتاً و ألتفتت إليه قائلة:
– ولا ما سمعتش هاتعمل أي!
جز علي أسنانه و يكظم غضبه حتي لا يصدر منه فعل يندم عليه لاحقاً:
-أجصري الشر يا شهد و سوي اللي جولت لك عليه.
اغتاظت من لهجته الحادة و أمره الصارم، نهضت و تناولت كوب عصير و بدون أن ينتبه قامت بإلقائه في وجهه قائلة:
-عشان تبطل برود أعصابك.
ركضت سريعاً إلي الغرفة و تقسم بأن رأت في عينيه الجحيم، ألتفتت لتبحث عن عباءتها، شهقت عندما وجدته أمامها و يرمقها بنظرة نارية،أمسك ذراعها بعنف و هدر بصوت غاضب:
– أي اللي سوتيه ده!
و كأن القطة قد أكلت لسانها، ازدردت لعابها و قالت بدون أن تنظر إلي عينيه مباشرة:
-أنت اللي أستفزتني.
_
كور قبضته و قام بضـ,ـرب الحائط بجوارها مما أجفلها و جعلها تبتعد من أمامه،أخذ صدره يعلو و يهبط من فرط ما يشعر به من انزعاج عارم.
خلع قميصه القطني المُبتل بالعصير و ألقاه علي الأرض بحنق، فأصبح أمامها عاري الجذع، خفضت بصرها لكن اختطفت بعض النظرات خلسه علي تفاصيل جسده المنحوت و كأنه رجل داوم علي ممارسة الرياضة لمدة أعوام، فالعضلات بارزة لاسيما لدي عضديه و عضلات بطنه السُداسية.
ذهبت سريعاً لتجلب إليه قميصاً آخر من الخزانة، ألتفتت لتعطيه إياه وجدته خلفها مباشرة كادت تصطدم به، و هنا احتبست أنفاسها حيث شعرت بوهج شديد الحرارة يلفح بشرتها التي سرعان ما غزاها اللون الوردي.
– هاتفضلي و اجفة تبحلجي فيا كتير إكدة!
قال لها هذا عندما وجدها مُتسمرة أمامه و تتشبث بقميصه، ابتلعت ريقها و قالت له علي استحياء:
-أنا آسفة.
اختطف منها القميص و لم يجب عليها أو يتقبل اعتذارها بل و تركها و ذهب إلي الغرفة الأخرى، يخشي أن يُصدر منه ردة فعل يندم عليها لاحقاً فتلك الشهد تسبر أغواره و توقظ بداخله شيطان غضبه الثائر.
ــــــــــــــــــــــ
مرت عدة أيام و كانت قد حسمت قرارها و ها هي تقف أمام المشفى الشهير في مدينة قريبة من النجع، تمسك بيد حقيبتها و تضغط عليها بقوة،فـ عقلها كاد يُجن من الأحداث المُنصرمة كلما تتذكر ما ألقاه عليها ابن عمتها من كلمات مُفجعة تشعر بالاختناق و الموت البطيء فعليها أن تحيا بعدما حكم عليها بالنبذ و النفي من حياته.
دلفت إلي داخل المشفى و سألت عن مكتب الطبيب يحيي، أرشدها إحدى العاملين إلي عيادته،أنتظرت أمامها ريثما ينتهي من الفحص الذي لديه مع رجل كبير السن.
_
خرجت الحالة فنهضت و طرقت الباب حتي أتاها صوته:
-أتفضل.
ولجت بخطي وئيدة حتي وقفت أمام مكتبه، بينما هو كان مُنكب علي دفتر ورقي يسجل به بعض الأشياء و دون أن ينتبه إليها، يحسب إنها إحدى مرضاه فأشار إليها:
-أتفضلي حضرتك.
أغمضت عينيها للحظات ثم قامت بفتحهما و بدأت تتحدث:
-أني چيت أجولك مابجاش في حاچة تجدر تمنعك عني.
ــــــــــــــــــ
صدح رنين جرس منبه الهاتف فأيقظه من غفوته بينما هي ما زالت نائمة، أخذ يتأمل وجهها الملائكي و يداعب خدها بأطراف أنامله حتي فتحت عينيها و رمقته بأعين يغلبها النوم ثم أوصدتهما مرة أخري، همس بصوته الرخيم و يداعب خصلاتها و يمسد فروة رأسها بحنان غرار خصاله البرية:
-زوزو أصحي، من إمبارح و أنتِ نايمة من المغرب و ما رضتش أصحيكِ لما جيت قولت أسيبك براحتك، قومي بقي كفاية نوم.
أجابت بصوت يُسيطر عليه النوم:
_
-هملني بالله عليك يا سليم، أني ماجدراش أحرك چتتي.
و تقلبت علي جانبها الأخر فأصبح ظهرها مقابلاً إليه،رفع إحدى حاجبيه و قال:
-بتهربي مني بالنوم، أوك يا بيبي أنا هاعرف أصحيكي بطريقتي.
نهض من بجوارها و ظنت إنه أبتعد، هيهات و انتفضت بفزع عندما وجدت الدُثار يُلقي من فوقها ليصبح هو بدلاً منه، أخذ يدغدغها لدي جانبي أضلاعها و هي تضحك رغماً عنها و تصرخ في آن واحد:
-بعد عني يا سليم، جوم ماجدراش أخد نفسي.
قهقه و قال:
-عشان تحرمي ما تسمعيش الكلام، عمال أصحي فيكي عشان وحشاني، بقالي كام يوم كل ما أرجع ألاقيكي نايمة و بتصعبي عليا أصحيكي.
-بصعب عليك!، حنين إياك!
توقف عن دغدغتها و نهض من فوقها ينظر إليها بضيق عندما أستشعر بالتهكم في حديثها و عاد من جديد إلي جانبه المظلم و الذي كان يتجنبه منذ فترة:
-الظاهر كنت غلطان لما أتعاملت معاكِ بحُب و إحترام، و شكلك من النوع اللي لازم ياخد علي دماغه عشان يتعدل.
_
نهضت و وقفت أمامه و ها قد عادت إلي طبيعتها و نظرة التمرد التي أخفتها منذ شهور ظهرت مُجدداً في ذهبتيها و اكتملت بنبرة صوتها القوية:
-أنا اللي غلطانة لما طول الوجت بجولك حاضر و نعم، خلتني واحدة تانية ما بجتش خابرة هي مين، مُچرد عبدة تلبي رغباتك المچنونة و لو علي حساب كرامتها، أنا تعبت كفاية بجي.
و في لحظة واحدة كانت خصلاتها مُجمعة في قبضته،كشر عن أنيابه و يخبرها بنبرة آتية من قعر الجحيم:
-قولي بقي إنك كل الفترة اللي فاتت عايشة تمثيلية و فكراني المغفل اللي ممكن يصدقك، أنا كنت متوقع هايجي عليكِ وقت و مش هاتقدري تكمليها، عارفة ليه.
دفعها من مؤخرة رأسها و أصبح وجهها مقابل وجهه و عينيها صوب عينيه ذات النظرة المُخيفة و التي أجفلت قلبها و جعلت أوصالها ترتعد خوفاً لاسيما عندما أردف:
-أيوة أنتِ هنا عبدة و أوامري كلها سيف علي رقبتك و يوم ما تفكري تعملي عكس كدة أو شوفت النظرة اللي شوفتها في عينيكِ دي تاني مش هقولك أنا ممكن أعمل أي فيكِ ساعتها، هاسيبك تتفاجئي بس أعرفي وقتها لو فضلتي تعيطي و تترجيني و تبوسي رجلي عمري ما هارحمك، سامعة؟
عجز عقلها عن التفكير من الخوف و هي تري كل ما قامت ببنائه طوال الوقت ها هي في لحظة حماقة تقوم بهدمه،فالذي يقف أمامها ليس سليم الذي أصبح حنوناً بل شيطانه الذي كان في غفوه و أستيقظ لتوه ليعود لأمجاد شره العاتي،عليها أن تستخدم إحدى الحيل و تستعيد هذ الحنون مرة أخري قبل فوات الآوان.
و بالفعل و بدون أي تمثيل أجهشت في حالة بكاء هيستري، جعلته يترك خصلاتها من يده و يراقبها بوجه متجهم،و تلك الوخزة في قلبه الذي يشعر بها للتو أخبرته عليه باحتوائها فهي ليست في حالتها الطبيعية أو ربما هناك اضطراب في الهرمونات خاصتها مما أدي إلي تغير حالتها المزاجية من سيء لأسوء!
عانقها و أخذ يربت عليها دون أن يتكلم، تركها تبكي حتي هدأت و أصبحت في حالة سكون و عندما رفعها من صدرها ليري سبب صمتها المُطبق، وجدها استسلمت إلي النوم، حملها ثم وضعها علي مكان الراحة و دثرها جيداً، أخذ يلوم نفسه علي كلماته القاسية التي ألقاها عليها لكن الوحش الذي بداخله أخبره هذا ما كانت تستحقه و أن لم يفعل ذلك، فكان سيصبح هو عبداً لها!
🌷يتبع🌷
_
#الفصل_التاسع_والثلاثون
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
و كان مرور تلك الأيام لها أثر علي تلك التي تقهقر فؤادها، و هذا لأن منذ تركها منزل عائلة زوجها و أتت تمكث لدي منزل خالها فما كان ردة فعل الأخر سوي التجاهل و كأنها لا شيء بالنسبة إليه، تعلم أخباره من الصغير عمر الذي كان ينقل كل أخباره إليها ليطمئن قلبها لكن زاد هذا من ألمها أكثر، يمارس حياته الطبيعية و لم يعط لها أدني اهتمام يا له من شعور مُوجع بل و مؤلم أيضاً.
فوق المنزل تقوم بوضع الثياب علي الحبل ثم تحكمها بالمشبك الخشبي و عندما انتهت من نشر الدثار الكبير و ألتفتت لتأخذ مشبك من الوعاء البلاستيكي انتفضت و شهقت بـ ذُعر عندما وجدته يقف أمامها.
-بسم الله الرحمن الرحيم.
قالتها و تلتقط أنفاسها، رد قائلاً:
-شوفتي عفريت إياك!
رمقته بضيق و ولت إليه ظهرها:
-أي اللي فاكرك بيا و چابك أهنه؟
_
وقف أمامها و أخبرها بنبرة يغلب عليها التملك:
-چيت أخد مارتي و نرچعو علي دارنا.
رفعت حاجبيها و سألته بتهكم:
-مارتك!، تو ما أفتكرت إياك!،أني خلاص ماليش مطرح غير أهنه في دار خالي الله يرحمه.
حاول إخماد نيران بركان غضبه، فهو يعلم سبب حديثها الساخر و غضبها البادي إليه، أطلق زفرة و قال:
-مطرحك هو مطرح چوزك يا قمر، و أنتِ أهنه مُچرد ضيفة كفاية عليكِ إكدة، يلا تعالي معاي.
أمسكها من يدها فجذبتها من يده صارخة بحدة:
-جولت ماريحاش معاك، هو أي بالعافية!
جز علي أسنانه و قال بنبرة لا تتحمل أكثر من ذلك:
-أجصري الشر يا قمر، لينا دار نتحدتو فيها ما تسامعيش مرات خالك و ولادها بينا.
_
أطلقت ضحكة ساخرة ثم أخبرته بتهكم:
-واه تصدج مكنتش واخده بالي!،خابر يا بكر أني أكتشفت إن اللي حصلي جبل ما أعرفك أهون بكتير من ما كنت وياك.
كرر أخر كلماتها في ذهنه و ردد:
-كنتِ!، جصدك أي بالحديت ده!
عقدت ساعديها أمام صدرها و قررت أن تثأر لكرامتها بإلقاء عليه هذا الطلب الذي بمثابة قنبلة تُدمر الأخضر و اليابس:
-طلجني يا بكر.
لم يدري بحاله و هو يدفعها إلي الحائط قائلاً بأمر عاشق مُتيم:
-مفيش طلاج، و هاتيچي معاي و بكرة هايبجي الفرح سواء راضية ولا لاء، و لو رايدة تعرفي ليه بعدت عنك طول الأيام اللي فاتت، ده لأني هملتك لحد ما تهدي و أني كمان أحاول أهدي و أنسي كل اللي حوصل، لأن كان چوايا نار و كنت خايف عليكِ منها و من نفسي يعني مكنتش نسيكِ كيف ما فهمتي.
أخبرها قلبها بصدق حديثه، فذلك البريق الذي ينضح من عينيه يخبرها بأنه يعشقها إلي حد الثمالة و ما حدث كان من فرط غيرته عليها، ربما هذا أسعد قلبها قليلاً لكن كبرياءها ما زال يرفض انصياعها لأمره و عليها بالثأر.
-لو أفترضنا اللي عتجوله ده صحيح، أني خلاص مارچعاش في قراري، أي اللي يغصبني أكمل مع واحد شك فيا و هو خابر مين هي قمر.
_
ردد بداخله دعاء حتي يلهمه ربه بالصبر ثم أخبرها:
-أني لو كنت شاكك فيكي لو لحظة مكنتيش بجيتي علي ذمتي لحد دلوق، الموضوع كان صعب عليا جوي، حطي حالك مطرحي لما تكتشفي أجرب الناس ليكِ و اللي هو المفروض الدعم و السند يطعنك في ضهرك، أنتِ ما خابراش أني بحبك قد أي و بغير عليكِ من الهوا و…..
صمت فجاءة عندما لاحظ عدم ارتدائها لغطاء وجهها سألها بنبرة جعلتها تنتفض و تريد الابتعاد من أمامه لكن قبضته جعلتها غير قادرة أن تتزحزح إنشاً واحداً:
-ما لبساش نقابك ليه؟
أجابت بتوتر:
-مفيش حد شايفني و جولت هانشر الغسيل و أنزل تحت علي طول.
جز علي أسنانه و عروقه عنقه النافرة تكاد تطق من الغيظ، أومأ لها بشبه ابتسامة و إذا به يفاجئها بقُبلة لم تسمح لها بالتحرك بتاتاً أو حتي دفعه، يسيطر علي يديها بجوارها، و بعد أن أنتهي من تقبيلها رمقها بانتصار و ابتسامة ماكرة قائلاً:
-أبجي أنسي تلبسيه أو تجلعيه بره الدار و أني إكده هافهم أنك رايده أسوي فيكي كيف ما أسويت دلوق، و يلا جدامي و أبجي جولي لاء لأچل أنفذ تهديدي و يا عالم ممكن الموضوع يتحول لحاچة تانية هاموت و أسويها بس لما يتجفل علينا باب واحد، يا قمري.
جحظت عينيها من تهديده و إيحاءاته الجريئة و المنحرفة، عضت علي شفتها السفلي من الخجل الشديد فانتفضت خلايا جسدها حينما أردف بصياح:
-لساتك واجفة، طيب يبجي أنتِ اللي أخترتي.
_
و كان علي وشك الاقتراب منها، دفعته و ركضت إلي الأسفل و لم تسمع ضحكته التي بلغت عنان السماء.
ــــــــــــــــــــــ
تقف في المطبخ شاردة في مُعذب قلبها و الذي لا يلين إليها قط،يا له من قاسي لكي لا يظلمها يؤدي واجبه الزوجي نحوها لكن بدون مشاعر، لم تنس ليلة أمس و التي تشبه سابقتها
(حدث سابقاً)
نهض من فوقها و قطرات العرق تنزلق علي جبهته و كأنه يعدو صحراء شديدة القيظ، و ذلك بعدما آتاها لمدة دقائق تكاد تحصي علي أنامل الكف الواحدة و بمجرد بلوغه إلي لحظاته أبتعد عنها و كأنه يؤدي مُهمة مُرغماً عليها، تركها و ذهب ليغتسل، لنقل الأحري يريد إزالة لمسات الخيانة من علي جسده الذي لا يريد أن يقترب سوي من معشوقة قلبه فقط.
ظلت جالسة علي الفراش تبكي بحسرة علي تلك الإهانة، أجل فما يفعله إهانة لها، يكتفي بالاقتراب منها دون احتواء أو عناق أو قُبلات و يتركها دون أن يكترث إليها و هل وصلت إلي ما وصل إليه أم لا.
لا تلوم سوي نفسها هي من قررت و عليها تحمل قرارها الخاطئ و الذي ستدفع ثمنه لاحقاً!
(عودة إلي الزمن الحالي)
انتبهت إلي رائحة احتراق طعام تنبعث من الفرن، شهقت:
-يا لهوي المكرونة.
_
فتحت باب الفرن و جذبت الشبكة بيدها التي ترتدي بها قُفاز عازل للحرارة، رأت صينية المكرونة قد تفحمت حيث تركتها أسفل نيران الشواية لتعطيها اللون الذهبي لكن حالة الشرود التي كانت بها جعلتها نسيت أمرها، و في تلك اللحظة عاد من الخارج يحمل أكياس و ألقي بهم في الأرض حينما أستنشق رائحة الحريق، ركض إلي المطبخ ليراها تجلس علي عقبيها أمام الفرن المفتوح قائلة من بين بكائها:
-حتي الأكل اللي عملت له عشان بيحبه حرقته، ليه حق ما يحبنيش.
تنفس الصعداء عندما علم بمصدر الرائحة،أقترب منها و مد يده إليها قائلاً:
-ما تبكيش في داهية الصينية، المهم أنتِ بخير.
رفعت وجهها لترمقه بعينيها المليئة بالدموع:
-أنت فعلا خوفت عليا و لا كنت تتمني أموت و ترتاح مني.
عقد حاجبيه بضيق و سألها:
-ليه عتجولي إكده!، بعد الشر عليكِ.
نهضت و فاضت ما بداخلها:
-و اللي بتعمله معايا ده مش شر!،معاملتك الجافة و طول الوقت بتحسسني إنك جاي علي نفسك و مستحملني بالعافية!
_
لا تريد الإفصاح إليه أكثر من ذلك حتي لا يخطئ فهمها، ربما خجلها يمنعها من التحدث إليه عن سبب بكائها طول الليل، ماذا كانت تنتظر من رجل قلبه ليس ملكاً له!
زفر بنفاذ صبر و ظل يردد:
-أستغفر الله العظيم، اللي عنبات فيه نصبحو فيه، يا بنت الحلال مش أني أتحدت وياكي جبل الچواز و فهمتك كل حاچة؟
سؤاله كان بمثابة خنجر مشتعل ينغرز في جرح لم يندمل بعد، مما جعلها تفقد أعصابها و صاحت في وجهه غير مُبالية لتحذيراته السابقة في آداب الحوار:
-أنا فهمت بس أعمل أي لقلبي اللي ماقدرش يبعد عنك، قولت يمكن أخليك تحبني زي ما بحبك، نفسي أعرف فيها أي زيادة عني عشان مش قادر تنساها و طول الليل و أنت نايم تقعد تنادي عليها!،هقولك أنا ليه عشان أنت جبان و بتخاف من المواجهة و لا عارف تجيب حقك من إبن عمك اللي للبسك مصيبة و مليون في الميه أخته اللي عايش علي أمل حبها زمانها أتجوزت و متهنية في عناق واحد أحسن و أرجل منـ….
قاطع كلماتها لطمة قوية بكفه هبطت علي خدها، ماذا كانت تتوقع منه بعد تلك الكلمات التي تتطعن في رجولته، فعلت أكثر ما يؤلمه.
ذهب بعيداً إلي الخارج و يزفر بحدة، فهو غاضب منها و من نفسه، لم يكن يريد أن تصل الأمور بينهما هكذا.
و بعد أن أصبح في سكينة و هدوء ذهب يبحث عنها في الأرجاء، وجدها في غرفة النوم تضع ثيابها في الحقيبة،ركض إليها ليمنعها:
-عتسوي أي يا مچنونة.
رفعت وجهها و صاحت:
_
-أبعد عني و ملكش دعوة بيا، أنا أتحملت كتير بس توصل لمد الأيد و ربنا ما هعديهالك و ليا كبير يتصرف معاك.
قبل أن يرد لاحظ أثر كفه ما زال علي خدها و أثر لخط دماء رفيع بجوار شفتيها، يا لك من أحمق ما الذي فعلته!
أقترب منها و أمسك بيدها قام تقبيل ظهر كفها قائلاً:
-آسف.
رمقته بنظرة حزن دفين و سألته سؤال متعدد الإجابات:
-آسف علي أي بالظبط؟
أمسك بيديها و أجاب:
-علي أي حاچة زعلتك مني و علي اللي سويته فيكي من شوية، بس أنتِ اللي خرچتني عن حالي و أستفزتيني.
-عشان أنت اللي وصلتني أقولك كده،و لا أقولك أنا فعلاً أستاهل ما أنا واحدة داست علي كرامتها بالبشبشب كنت هاستني تعمل فيا أي أكتر من كدة!
زفر بقوة و جعلها تجلس علي طرف الفراش و جلس بجوارها:
_
-طب لو جولت لك سبيني أخد فرصة وياكي من غير ماتضغطي عليا و آچي عليكِ.
ابتسمت إليه كالبلهاء و ألف رحمة و نور علي كرامتها التي وأُدت!
– بتتكلم بجد و لا بتضحك عليا و لا خايف من بابا.
أومأ لها بامتعاض و قال:
-عتحدت چد،و بعدين أني ما بخافش من حد إسمها إحترام و تقدير، ياريت تعقلي حديتك جبل ما تنطجيه.
هزت رأسها بالإيجاب:
-حاضر.
نظر في ساعة الهاتف ثم أخبرها:
-حضري حالك، هاخدك و نروحو نتغدو برة، هستناكي برة عجبال ما تچهزي.
-فارس.
_
نادته بصوتها الحسن، ألتفت إليها قبل أن يغادر الغرفة، وجدها ترتمي علي صدره و تعانقه بقوة و تخبره:
-ربنا يخليك ليا و تحبني زي ما بحبك.
ربت علي رأسها قائلاً:
-إن شاء الله.
ـــــــــــــــــــــ
-أخيراً أخدتي إفراج من جوزك، أنا كنت قربت أفقد الأمل إن أشوفك تاني.
تفوهت بها ريهام إلي زينب حيث كلتيهما تجلس في المطعم الخاص بالنادي الذي يعمل به زوجها.
أجابت الأخرى بضيق بعدما رفعت زاوية شفتيها جانباً بتهكم :
-خليني ساكتة أحسن، المفروض بعد ساعة چاي علي أهنه، لاء و كمان مهمل معاي چوز الغربان اللي واجفين أهناك و كأنهم عيحرسو حرم الوزير.
أطلقت صديقتها ضحكة و من بينها قالت:
_
-يخربيت تشبيهاتك لسه زي ما أنتِ في عز ما بتكوني متضايقة بتقولي كلام يموت من الضحك.
– ما هو من جهرتي و غُلبي، يلا حسبي الله ونعم الوكيل في اللي كان السبب.
انتبهت الأخرى إلي ما وراء كلماتها فسألتها:
-زينب ممكن أعرف الحقيقة عشان كل اللي قولتيه في المطعم و تهربك مني في كل مكالمة لما بسألك عن حالك و جوزك، كل ده ملهوش غير تفسير واحد، فيه مصايب أنتي مخبياها و خصوصاً موضوع الفلاشة، مارضتش أشوف اللي عليها غير لما أستأذنك.
ألتفتت زينب لتتأكد من بُعد هذان الحارسان بمسافة لا تسمح لهما بسماع ما ستخبر به صديقتها، اقتربت إلي الأمام قليلاً و قالت:
-الفلاشة دي عليها اللي يودي سليم و كل اللي وراه في داهية أولهم أخوي و فارس ياخد براءة بدل ما هو هربان، أنا بعتهالك لما نزلت ترانزيت شحنتها من أهناك علي بيت والدتك، خابرة لو كنت نزلت بيها مصر كان زمانك عتجري الفاتحة عليا دلوق.
غرت صديقتها فاها من ما تسمعه فسألتها:
-ترانزيت هو أنتِ كنتِ فين؟
كان السؤال كافياً ليذكرها بأحداث لن تريد تذكرها مرة أخري، يكفيها ما تعرضت إليه من تعذيب نفسي ترك فيه نفسها ندوب لم تندمل بعد، تأتي إليها خلال كوابيس مُرعبة.
-سافرنا أمريكا بعد ما أتچوزنا و هناك عرفت أهرب منيه و معاي اللاب توب بتاعه اللي عليه بلاوي تخلصني و تخلص الناس من شره لما توصل للشرطة، و كيف ما جولت لك لما وجفت الطيارة ترانزيت هناك أشتريت فلاشة من مكان جريب من المطار و نجلت عليها كل حاچة و بعتهالك من هناك، لأن كنت متوقعه إن سليم هلاجيه مستنيني في مطار القاهرة و فعلاً اللي حسبته لاجيته.
_
شهقت الأخرى و سألتها:
-يا خبر!، و عمل معاكي أي؟
-جولي ماسواش فيكي أي، ده واحد مريض و مچنون، خابرة من چبروته بيسوي أي في أعدائه.
صمتت و تتذكر ما فعله في ضحيته في لاس فيجاس، لاحظت ريهام رجفة يدها و هي تتناول كوب الماء و ترتشف منه القليل لتردف:
-الظالم بيسلخ الراچل و هو حي كيف الدبيحة.
وضعت الأخرى يدها علي فمها غير مصدقة ما تسمعه من أهوال:
-أنتِ بتتكلمي بجد يا زينب، أنا حاسه إنك بتتكلمي عن المهوسين بتعذيب الناس لحد الموت و السادية الدموية و اللي موجودين في الـ (الأنترنت المُظلم).
هزت رأسها بالإيجاب و أجابت:
-هو فعلاً سادي في كل حاچة، أنا دوجت الذل و المرار علي يده و لأچل أتجي شره فضلت أمثل عليه دور الخضوع و الچارية المُطيعة.
رغماً عنها انهمرت دموعها، فالذي مرت به ليس بهين علي الإطلاق، أعطتها الأخرى محرمة ورقية و ربتت علي يدها:
_
-أهدي يا حبيبتي و بلاش عياط عشان محدش ياخد باله و لا جوز الغربان يفتنو لجوزك.
ابتسمت و بسخرية عقبت:
-هو أتعود علي دموعي عاد.
نهضت الأخرى و مدت لها يدها و قالت:
-قومي تعالي أغسلي وشك و نروح نشوف أحمد غطسان فين من وقت ما جينا و هو مختفي.
ـــــــــــــــــــــــ
علي طاولة مُطلة علي ضفاف النيل منذ أن جاء كليهما و هي لا تري سوي هو، تراقبه و هو يأكل بالشوكة و السكين فسألته:
-اللي يشوفك و أنت بتاكل بالشوكة و السكين يقول عليك باشا.
هز رأسه بسأم:
-مفيش فايدة لساتك عترمي حديت كيف الدبش، عموماً العادة دي اتعلمتها من أيام ما كنت في أمريكا، كملت دراستي هناك و أشتغلت في فرع من فروع شركات ميكروسوفت و الحمدلله كنت هاترقي و أبجي مدير الفرع لكن كان لازم أنزل أچازة.
_
لاحظت إنه قد بدأ يحدثها عن نفسه مما جعل قلبها يتراقص من السعادة، سألته باهتمام:
-و ليه ما أستنتش الترقية و نزلت، ده كان زمانك عديت هناك.
أبتلع ما بفمه و أجاب علي سؤالها:
-لسببين أولاً أتوحشت أبوي جوي و الحمدلله لحجت أشوفه جبل ما يتوفي الله يرحمه.
-الله يرحمه، طب و أي السبب التاني؟
نظر إليها و صمت قليلاً، فهمت سبب صمته فقالت:
-عشان تتجوز بنت عمك زينب؟
ترك ما بيده و أرتشف الماء دون إجابة علي سؤالها ثم قال:
-الحمدلله.
نهض و أردف:
_
– هاروح أغسل يدي و راچع، كملي واكلك.
أدركت إنه لا يريد أن يخبرها هذا الجانب و عليها أن لا تذكره به، فهي تريد أن تجعله يمحو هذه الزينب من ذاكرته و تخرج من قلبه و تمكث و تتربع بدلاً منها.
انتبهت إلي اقتراب امرأتان منها إحداهما تألف ملامحها جيداً.
– أنتِ شهد بنت الحاج نعمان؟
صاحت شهد بسعادة:
-ريهام، عاملة أي؟
تبادل كلتيهما الأحضان و القبلات علي الوجنتين، قالت ريهام:
-أنا الحمدلله بخير أتخرجت و أتجوزنا أنا و أحمد و أنتِ أخبارك أي جه اللي قدر يخطف قلبك و لا لسه.
ضحكت و قالت بفخر و سعادة، و كعادة النساء في الإجابة عن تلك الأسئلة إما بالمكر و عدم الإفصاح أم بالتفاخر و المبالغة، بينما شهد استخدمت الاختيار الثاني:
-الحمدلله ربنا رزقني بالراجل اللي خطف قلبي من أول نظرة و فاكرة لما قولتلكم نفسي أتجوز صعيدي و مُز في نفس الوقت؟
_
-أنتِ هاتقولي لي عليكِ، ده أنتِ كنتِ مصدعانا، يوه نسيت أعرفك بصديقتي زينب.
مدت شهد إليها يدها للمصافحة و قلبها يخفق بتوجس لا تعلم ما سببه:
-أهلاً يا زينب.
ابتسمت إليها الأخرى و شعرت بما حدث لشهد في آن واحد، فقالت ريهام:
-أعرفك يا زوزو دي شهد نعمان تبقي صديقة و جارة بنت خالتي و متربين مع بعض، كنت بروح أقعد معاهم بالساعات و كنا نخرج.
ابتسمت شهد و علقت:
-كانت أحلي أيام.
قالت ريهام:
-علي فكرة يا شوشو زوزو من الصعيد الجواني من قنا.
كاد لسانها ينفلت و تخبرها أن زوجها أيضاً من قنا، لكن تلك الصدف الغريبة والمُريبة الجمت لسانها حتي وقع الحدث العظيم، كان المشهد كالتالي تقف شهد أمامها و خلفهما يسير نحوهما هذا القادم يُنادي:
_
– شهد.
أشارت إليه و قالت:
-تعالي يا فارس أعرفك بريهام صاحبتي.
ألتفت كلا من ريهام و زينب علي ذكر الاسم و الصوت، فهي لا تحتاج إلي رؤيته لتتأكد، يكفيها سماع صوته و رائحة عطره المفضلة لديه، و هنا كان اللقاء الذي بكت إليه القلوب و دمعت له العيون.
عيون تلاقت بعد شوق جارف و شجن يملأ قلوب نزفت علي جانبي دروب الحب، نظرات كفيلة بالتحدث دون اللجوء لتفوه الألسن.
-أحب أعرفكم علي فارس جوزي و حبيبي.
أمسكت يده بتملك أمامهما، و أمام عينيها التي امتلأت بالدموع رغماً عنها.
يسمع حديث عينيها في أذنه بصوتها رغم صمتها و شفتيها المُطبقة حتي لا تبوح بصرخات مذبحة قلبها:
” معجول يا فارس،بعد كل اللي أتحملته عشانك و شوفت الموت و چيت علي نفسي كتير جوي في الآخر أتچوزت، خنت العهد اللي بينتنا!، هان عليك كسرة جلبي اللي عايش علي أمل رچوعنا!،طب أنا أتچوزت غصب عني أنت أي اللي غصبك! إلا لو خلاص نسيتني ”
تندلع رماديتيه بالحنين و العشق و الدفاع عن نفسه من إتهام عينيها الجلي، يسمع صوت عقلها بقلبه و ليست بأذنيه:
_
” لاء مانستش يا جلب فارس و لا أجدر أنساكِ، ظروفي هي اللي غصبتني أكون لغيرك، بس أقسم لك جلبي و روحي وياكِ أنا مچرد چسد بلا روح معاها،عمري ما خنت عهدنا و لا هاخون، كان نفسي يجمعنا القدر في نهاية المطاف و أكون في النور، كل يوم بنام و جلبي عينادم عليكي و يبكي و يصرخ، اللي كان مصبره ذكرياتنا اللي لو سجلوها علي ورج هاتبجي حكاية لكل العشاق”
همست شفتيها دون أن تتحرك:
“أنت حكمت عليا بالموت و أني حيه”
بادلها الحديث الصامت:
“و أني ميت من غيرك يا جلبي”
أمسكت ريهام بيد صديقتها و تدعو الله أن يُمر هذا الموقف العصيب علي خير، تشعر بحالها لذا كانت نظراتها إلي فارس مليئة باللوم و العتاب، فقالت:
– عن أذنك يا شهد معلش إحنا رايحين لأحمد جوزي أصله بيشتغل هنا.
– أتأخرت عليكِ يا بيبي؟
صوت أجش يتبعه لمسة ذراعه الذي وضعه علي ظهرها و يمسك خصرها بيده، فهذا آخر ما ينقص الجميع و اختتام اليوم بلقاء فارس بغريمه، نظرت ريهام إلي فارس بتشفي قائلة:
-سليم بيه العقبي جوز زينب.
_
كلمة في مـ,ـتل قلب فارس الذي يحترق حياً و هو يقف و ينظر إلي ذراع سليم حول جذع زينب و كأنها ملكاً له، غيض من فيض من الآلام التي يشعر بها للتو.
– أهلاً يا فارس، مش فارس برضو!
رمقت زينب سليم الذي فاجئ الجميع و الوحيدة التي تجهل كل ما يحدث شهد و ربما تكون لديها الشك.
أمسك فارس بيد زوجته و قال:
-فرصة سعيدة يا سليم بيه، عن أذنكم.
تقف زينب مُتسمرة تشاهد رحيل فارس و زوجته أمام عينيها حتي شعرت بسليم يمسك بيدها و يضغط عليها بقبضته قائلاً:
– مش يلا إحنا كمان يا بيبي، أنا خلاص أخدت أجازة عشان نسافر، بس الأول هانوصل مدام ريهام.
اخبرته ريهام بامتنان و القلق يساورها تشعر بالخوف علي صديقتها من هذا السليم الذي يبدو يعلم بكل ما يحدث، يبدو نفوذه و سلطته أكثر بكثير عن توقعها:
-شكراً لحضرتك، أنا هافضل قاعده هنا مستنيه أحمد يجي و نروح مع بعض.
اقتربت من زينب و قالت:
_
-سلام يا حبيبتي أشوفك قريب.
ثم أردفت بهمس:
-خدي بالك من نفسك و أجمدي لجوزك يشك في حاجة.
و بعد أن ذهب الجميع، لا تعلم زينب كيف وصلت إلي السيارة، لا تشعر بساقيها و كأنها كالهلام، انتبهت إلي سليم و يشعل سيجارته و يسألها بنبرة جليدية:
-كان أي شعورك لما شوفتيه مع مراته؟
هنا لم تسمع سوي طنين في أذنها يرتفع تدريجياً و بثقل جفونها تنسدل رويداً رويداً، تمنت لو كانت فقدت روحها بدلاً من وعيها!
🌷يتبع🌷
#الفصل_الأربعون
#فارس_بلا_مأوي
#بقلمي_ولاء_رفعت_علي
_
يقف في مكان خالي من المارة آسير دموع قلبه الذي ينزف منذ رؤيتها،يتذكر عندما جاءت إليه في المخفر تطلب منه مسامحتها، فكان لا يدرك حينها إنها مُرغمة علي الزواج من شخص آخر، و ليس بأي شخص، لم ينس تلك النظرة السوداء المظلمة في عيون هذا السليم، نظرة كفيلة بـ سبر أغوار قلبه و خوفه عليها!
هبط علي عقبيه و أمسك بقطعة حجر و قذفها بكل قوته في مياه النيل التي أمامه،فـ بدأت ذاكرته تستعيد صورتها و ملامحها الذي يكسوها الحزن و الإنكسار،و بدون أن يشعر أنسدلت دمعة علي خده فقال:
– أني خابر إنه مكنش بيدك لكن ما جدرتش أمنع عن جلبي نار الشوق و الغيرة، حالي كان أصعب من حالك، ويلي من النار اللي ولعت في چتتي لما الراچل اللي أتچوزتيه ماسك فيكي و كأنه بيجولي دي ملكي أنا، و لا ويلي من شهد اللي القدر حكم عليا و أتچوزتها و نصيبها تكون ويا واحد ما يملكش جلبه، جلبه اللي ما خابرش معني الحب غير علي يدك، خابره أني كنت رايد أسوي أي أول ما تشوفك عيني.
أطبق شفتيه ليمنع نفسه من البكاء ثم استطرد:
– كنت رايد أخدك في حضني و أنسي كل لحظة قسوة عشتها، حضنك المطرح الوحيد اللي بحس فيه بأمان و دفا، دلوق بجيت كيف الضايع من غيرك، ماليش أهل و لا مطرح، بجيت فارس بلا مأوي.
و في خضم تلك الأحزان هناك من يساوره القلق، و يجوب الأرض ذهاباً و إياباً في ذلك الممر الطويل،يقف بجواره هذا الذي وصل منذ قليل:
-أهدي يا باشا هي إن شاء الله هاتكون بخير، ممكن يكون سبب الإغماء ما أكلتش أو تكون تعبانة شويه.
و ما أن فُتح الباب و ظهر الطبيب ركض عليه بلهفة يسأله:
-هي عاملة أي يا دكتور.
نظر إليه بابتسامة و أخبره لعله يطمئن:
_
-الحمدلله مدام زينب بخير، هي فاقت و بقت أحسن علقنا لها محلول و أديتلها حقنة فيتامين،شويه كده و تقدر تقوم و تتحرك عادي، بس ياريت تتغذي كويس و تحافظ علي صحتها عشانها و عشان الجنين.
توقف الزمن في تلك اللحظة حين أدرك ما نطق به الطبيب و يتأكد من مسامعه عندما سأل صلاح الطبيب:
-هي حامل يا دكتور؟
أومأ له الطبيب و أجاب:
-اه ألف مبروك.
عانق صديقه بفرح و سعادة:
-ألف مبروك يا سليم.
كان سليم يبادله العناق و لم يصدق نفسه من فرط ما يشعر به من السعادة، فها هو قد أصبح أب، أبتعد عن صديقه و ولج إلي الداخل وجدها تجلس في حالة سكون لم يرف لها هدب واحد و كأن الطير يأكل من فوق رأسها من الخبر الذي علمت به من الطبيب، فهذا أخر ما كان ينقصها، تحمل في أحشائها نبتة ذلك الشيطان الآثم و التي تود التخلص منه اليوم قبل الغد!
-ألف مبروك يا بيبي،أخيراً هيجي ولي العهد اللي هايشيل إسمي و يكمل مسيرة العقبي، مش قادر أوصفلك أنا فرحان قد أي، أنا من كتر الفرحة عايز أصرخ و أقول أنا بقيت بابا.
كان ينطق كلماته بسعادة بالغة، يعانقها و هي كالجماد الساكن لم تبادله حتي المباركة، وجهها أصابه الجمود لاتدري ماذا عليها أن تفعل، تريد البكاء و غير قادرة،أو إطلاق صرخة تخرج بها ما تحمله في صدرها من الألم لكن حتي هذا التعبير عاجزة عن فعله و كأنها أصابها شلل كُلي!
_
ــــــــــــــــــــــ
تطلي شفتيها بقلم الحُمرة و تنظر إلي هيئتها بسعادة، فـ منذ أن عادت من الخارج معه تركها و أخبرها أن لديه أمر هام، تعلم أن ما حدث اليوم ليس بالهين لكن ما توصلت إليه جعل قلبها يتراقص، مالكة قلب زوجها متزوجة، و ها هي الساحة أصبحت خالية لها فقط.
نهضت و تلقي نظرة أخيرة علي عباءتها ذات اللون الزُمردي و المطرزة بخيوط الذهب تشبه ثوب ملكة من القرن الثالث عشر، تاركة خصلاتها بانسيابية علي ظهرها، أطلقت صفيراً بإعجاب علي مظهرها الجذاب قائلة:
-الله عليكي يا شاهي مُزة في كل حالاتك،دلوقتي لما يشوفك هاينسي زينب و أهلها و ينسي نفسه كمان، ما هو خلاص ما بقاش ليه حد غيري، لما أروح أولع الشمع.
ذهبت إلي غرفة المائدة التي يعلوها أطباق من الطعام الشهي و أبريق مُليء بالعصير و كؤوس شاغرة و أطباق حلوي قد أشترتها عبر خدمة الطلبات المنزلية.
قامت بتشغيل إحدى الأغاني الرومانسية علي هاتفها و أخذت تتمايل عليها بفرح و تردد كلماتها:
– خليني جمبك في عناق قلبك، خليك معايا ديماً قريب، مستحيل أتخلي عنك، مستحيـ…
قاطع غنائها صوت فتح باب الشقة، ركضت بلهفة و سعادة لاستقباله، ليتها ما رأته في تلك اللحظة، ذو وجه عابس و متجهم، عينيه و كأن بداخلها ألسنة مُندلعة من نيران أضرمت منذ آلاف السنين.
اقتربت منه و تبتلع لعابها من القلق و التوجس، سألته بحذر:
-أحضرلك الغرفة المخصصة تاخدلك دش، أنا محضرة لك عشا هتاكل صوابعك وراه.
_
أنحني ليخلع حذائه فسبقته يديها لتقوم بتلك المهمة بدلاً منه و ترفع وجهها لتسأله مرة أخري بفضول:
-أنت كنت فين؟
أطلق زفرة تنبأها أن هذا الواقف أمامها كالبركان الذي علي وشك الانفجار، عليها الحذر و الابتعاد، هذا ما تأكدت منه عندما أجاب:
-ممكن تهمليني لحالي الله لا يسيئك و أحسن ليكِ.
تركها و ذهب إلي الغرفة الأخرى غير غرفة النوم، ذهبت خلفه و سألته بحنق:
-هو أي أسيبك و أحسن ليا، يعنـ…
وصد الباب أمام وجهها دون أن يجيب عليها،حاولت فتح الباب بإدارة المقبض لكن وجدته مُغلق من الداخل مما أثار جنونها و فقدت السيطرة علي لسانها الذي أنفلت بما لا تحمد عُقباه:
-هو أنا هاشحت الكلام منك و لا أي،أنت فاكرني هبلة و مش فاهمة اللي حصل، أنا كان قلبي حاسس أول ما شوفتها و عرفت إنها بلدياتك، شوفت ربنا عمل فيك أي،ورتني الذل و المرار و أستحملت و رضيت بالهم و الهم مش راضي بينا، في الأخر طلعت متجوزة و سبحان الله ليك نصيب تشوف جوزها بعينيك، شكله راجل هيبة مش زيك جبان و لا عارف تاخد حقك و عايش مستخبي و……
انتفضت و تراجعت إلي الخلف عندما فتح الباب، هذا الذي أمامها ليس بفارس بل إعصار مُدمر، عليها بالفرار من أمامه لكن فات الآوان، جذبها من خصلاتها و صاح بصوت جهوري غليظ دوي صداه بين كل جدران المنزل:
-حذرتك كتير من طولة لسانك لكن اللي كيفك إكده لازم يتربي و أني هاربيكي من أول و چديد.
_
صرخات أطلقتها بعدما بدأ يصفعها بيد و الأخرى كانت تقتـ,ـلع خصلاتها، من يراه و كأنه وحش بري فقد السيطرة و أطلق نفسه إلي شيطان غضبه الثائر.
– خلاص بالله عليك يا فارس، آه.
كما يقول المثل الشعبي «اللي حضر العفريت يصرفه»، و هذا في حالة جنونية، لايري أمامه بعد أن أفقدته صوابه و لقي ما قد يفرغ فيه غضبه،و ربما نسيت إنه رجل صعيدي ذو كرامة و دماء حارة، لم يتقبل الإهانة مهما حدث، يكفي ما مر به اليوم.
ما زالت تصرخ و لم تكن قادرة أن تبعده لفرق القوة الجسدية، و عندما أبتعد عنها ليلتقط أنفاسه تحملت آلامها و فرت من أمامه صارخة:
-بتضـ,ـربني!، بتفش غلك فيا، عشان تعرف إنك مش راجل و بتتشطر علي واحدة ست، روح أتشطر علي اللي أتجو…..
ركضت إلي غرفة المائدة و هو خلفها، لم تتمكن من إغلاق الباب بسبب دفعه بجسده مما دفعها هي و وقعت علي الأرض، زحفت علي ركبتيها أسفل المائدة و خلايا جسدها ترتعد من الخوف.
– فكرك ما أجدرش أطلعك دلوق.
أفرغ غضبه الدفين و الذي أنطلق و فقد السيطرة عليه بإلقاء كل شيء من فوق المائدة، و هي بأسفلها تري الأطباق و الكؤوس تتحطم علي الأرض و تسمعه يزمجر كالوحش و بعدما نفذت و أستنزف الغضب قوته،بدأ يهدأ فأخبرها بصوت متهدج :
-أني داخل و هاجفل عليا الباب، قسماً بالله سمعت صوتك مرة تانية لأخدك من يدك و ورجتك جبل منك عند أبوكي،و أنتي خابرة الناس هاتجول أي عليكي لما تتطلجي و أنتي مكملتيش شهر چواز!،اللهم بلغت اللهم فأشهد.
ذهب و خرجت من أسفل المائدة تستند علي المقعد بألم، تطلق آهات من الألم الذي تشعر به في رأسها من جذبه لخصلاتها و كذلك خديها كليهما مُنتفخان من الصفعات التي تلقتها، أطلقت صرخة يتبعها بكاء بألم و قهر لاسيما لم تستطع التعبير و لو بحرف خشية من أن يسمعها و يخرج إليها و ينفذ تهديده، اللعنة علي قلبها الذي يجلب لها المتاعب و لسانها السليط الذي جلب لها الإهانة و وأد كرامتها!
_
ـــــــــــــــــــــــــــــ
صباح يوم مشرق، ترسل شمسه دفئها إلي جميع الأرجاء لكن دفئها لم يصل إلي تلك القلوب الذي يغلفها صقيع اللوعة و الاشتياق و يتربع الحزن في أركانها، ولج إلي داخل الغرفة يحمل صينية الطعام فوجدها ما زالت نائمة أو ربما تدعي النوم:
-أي يابيبي لسه نايمة!
وضع صينية الطعام علي الكمود و ذهب ليفتح الستائر،تعامل بقوة ضوء الشمس أنحاء الغرفة و بدي الضيق علي وجهها، جلس بجوارها و أخذ يداعب خصلاتها و يهمس بجوار أذنها:
-قومي و بطلي كسل لازم تفطري و تتغذي، دلوقتي يا بيبي أنتِ مابقتيش لوحدك، أنتِ جواكِ حتة مني.
وضع يده الأخرى علي بطنها و أردف:
-أنا عايزه ولد عشان يكمل مسيرتي و يفضل إسم العقبي من جيل لجيل، هعلمه كل حاجة هخليه زيي بالظبط الكل يخاف منه و لو أتذكر أسمه قدام حد يترعب،هخليه يملك القوة و المال مع بعض و طبعاً الذكاء هياخده وراثة.
نظر إلي الفراغ و يردد بسعادة قائلاً:
-جاسر سليم داغر العقبي.
و بمجرد نطقه إلي الاسم شعر باهتزاز جسدها، يبدو إنها تبكي بدون صوت، أمسك بوجهها و نظر إليها واجماً:
_
-بتعيطي ليه؟
نهضت بجذعها و تبتعد عنه لا تري أمامها سوي كل ذكري سوداء مرت بها و ما حدث من لقاء الأمس و هذا القابع أمامها سعيداً بالشيء الذي لم تتوقع حدوثه يوماً و لم تريده بتاتاً.
تهز رأسها يميناً و يساراً بـ رفض بائن قائلة من بين دموعها:
-أني معوزاش اللي في بطني.
و ما أن أدرك معني جملتها تلك أستيقظ شيطانه من غفوته فأشتد ظلام عينيه ذات اللون الأسود الحالك المُخيف.
أصبح وجهها بين كفيه يحدق صوب ذهبتيها الباكية بنظرة ترتجف إليها قلوب أعتي الرجال، هسهس لها من بين أسنانه بنبرة مُرعبة:
-أوعي تكوني فاكراني مغفل و ماخدتش بالي من نظرتك ليه إمبارح،المغفل هو أنتِ لما فاكرة نفسك ذكية و قدرتي تخدعيني و تتظاهري بخضوعك و إستسلامك ليا،أديكي شوفتيه بعينك، اللي بتمثلي و جايه علي نفسك عشانه قدر يهرب و بدل ما يدور عليكِ أول حاجة راح أتجوز و عاش حياته، أهلك نفسهم وافقو علي جوازك مني غصب عنك يعني دلوقت ملكيش حد غيري أنا و ولي عهدي اللي أقسم بالله لو فكرتي مجرد التفكير أنك تأذيه لأكون مخلص علي أهلك و حبيب القلب و صاحبتك و كل اللي بتحبيهم و قدام عينيكِ.
جذبها بين ذراعيه و دفن وجهها في صدره و أخذ يمسد بيده علي رأسها، يخبرها و كأنه أصابه حالة من الهذيان:
-أهدي و أعقلي كده، إحنا مالناش غير بعض و هاتكمل فرحتنا بإبننا، صح يا بيبي؟
رفع وجهها من صدره و تمعن النظر في عينيها و أنتقل ببصره إلي شفتيها:
_
-معلش بقي خبر حملك نساني أبارك لك، مبروك يا أم جاسر.
و ألتقم شفتيها كالرضيع الجائع، يغمرها بجنون حبه و هوسه، يُذكرها في كل لمسة و قُبلة إنها ملكه هو فقط غير آبه إلي بكائها أو حالتها النفسية التي ساءت و عادت إلي نقطة البداية!
ــــــــــــــــــــــ
و من سماع صوت البكاء نذهب إلي صوت ضحكات نابعة من القلب علي هذا اليخت الذي يقف في عرض البحر، تهبط الدرج لأسفل و تضحك و يتبعها هو قائلاً بمرح و مزاح:
-هاتهربي مني فين مش قدامك حتي تستخبي فيها إلا لو رميتي نفسك في البحر.
توقف و ألتفتت إليه و بابتسامة تملأ ثغرها و ملامحها التي أشرقت من السعادة التي تعيشها الآن معه لاسيما منذ أن قرر كليهما المكوث في اليخت لعدة أيام بعيداً عن كل شيء.
-أنا هارمي نفسي فعلاً، بس جوه حضنك.
و ألقت بجسدها علي صدره العاري، عانقها بحنان ثم حملها و دلف إلي الداخل يخبرها بنبرة أذابت كلا خلايا جسدها:
-طب ما نيجي نترمي في أحضان بعض أنا و أنتِ جوه.
تعلقت بذراعيها حول عنقه و قامت بمشاكسة حك طرف أنفها بأنفه:
_
-أي يا لول ما إحنا لسه خارجين من جوه من ساعة.
رمقها بنظرة وقحة و قال لها:
– أصل بصراحة من ساعة ما طلعنا اليخت و أنا حبيت القعاد جوه و لا زهقتي؟
شعرت بالخجل بعدما فهمت مغذي سؤاله الجريء، خبأت وجهها في صدره، و حين توقف ابتعدت قليلاً فرأت أنها بداخل الغرفة التي شهدت ليالي من الحب و الغرام، أنزلها و ينظر إليها و كأنه ينوي علي فعل شيء ما، تراجعت إلي الخلف و سألته بمرح:
-مالك يا علي بتبص لي كده ليه، علـ…
قاطع ندائها بقُبلة جامحة لم يشعر بلذتها سوي معها و هذا بعدما قرر الاستسلام إليها و نسيان الماضي بذكرياته المؤلمة، بينما هي نجحت بالفعل أن تجعله يترك نفسه بين يديها و قلبها العاشق له يتفنن في سحره و ذلك من الاهتمام و بكل ما يرغب به، تغمره بحنانها و دفئها، تبادله جنونه في كل لقاء بينهما علي جزيرة القطن الشاهدة علي ليالي اقتران قلبين تجدد العشق بداخلهما من جديد.
و بعد مرور وقت لا تشعر به سوي عندما استيقظت فوجدته يغفو كالطفل الصغير، يتوسد صدرها برأسه، أخذت تتأمل ملامحه التي تعشق كل إنشاً بها، نظرت علي جانبها و التقطت هاتفه من فوق الكمود لتشاهد الصور التي ألتقطها لهما و لاحظت نظراته في كل صورة قد تغيرت علي غرار الأيام السابقة، الآن عينيه تتلألأ ببريق من السعادة.
أطلقت تنهيدة و قالت بصوت خافت و تنظر إليه:
-و أخيراً ربنا جمعني بيك و أنا مش عايزة أي حاجة تانية من الدنيا غيرك أنت و بس.
عضت علي شفتها السفلي و هي تفكر في أمر ما ضغطت علي علامة تطبيق التواصل الاجتماعي الشهير و قامت بإنشاء قصة من خلال عدة صور لهما و كتبت ما ذكرته للتو لكن بصيغة مختلفة و كأنه هو من قام بكتابة تلك الكلمات!
_
و هناك في مكان آخر من تقرأها و نيران الحقد و الغيرة تأكل قلبها، و بدون أن تعطي لـ عقلها فرصة للتفكير و التريث، أسرعت بالرد علي القصة بلا تفكير في العواقب الوخيمة:
«سواء معاها أو مع ألف غيرها عمرك ما هاتقدر تنساني يا علي فبلاش تعيش في أوهام »!
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
-بطلي عياط مش سامع منك و لا كلمة، هو أي اللي حصل بينكم؟
ردت علي سؤال والدها و تحدثه عبر الهاتف بعدما أطمئنت من مغادرة زوجها للمنزل،أرادت أن تخبر والدها عن ضـ,ـربه لها لكن قلبها الأحمق نهاها عن ذلك تخشي أن يبعدها عنه أو يفعل يؤذيه،فأخبرته غيض من الحقيقة:
-بقولك يا بابا شوفنا زينب بنت عمه و طلعت متجوزة لما شافها أتصدم و من ساعتها مش طايقني، قولي أعمل أي؟
– عايزاني أجي أتكلم معاه؟
و قبل الإجابة نظرت إلي وجهها الذي مازال عليه آثار أنامله و عينيها ذابلتان من كثرة البكاء، أسرعت بالرد:
-لاء يا بابا بالله عليك أوعي تجيب له سيرة عشان خاطري، أنا بحكي و بفضفض معاك.
تعامل بقوة الشك قلبه و ساوره القلق فسألها:
_
-أوعي تكوني بتضحكي عليا يا شهد و شديتي معاه و طولتي لسانك و خلتيه مد أيده عليكي أصل أنا عارفك و مربيكي.
-لاء يا بابا خالص أبداً، إحنا ما بنتكلمش من وقت ما رجعنا.
أطلق زفرة بأريحية بعدما أطمئن و هكذا ظن، فأخبرها:
-بصي يابنتي فارس جدع و إبن أصول خليكي ناصحة و حابي عليه و خليكي الصدر الحنين ليه، و لو اللي قولتيه ده صحيح إن بنت عمه طلعت متجوزة، يبقي دي فرصتك و جت لحد عندك ألعبي بطريقتك، الراجل مننا بيحب الإهتمام و الدلع أكله حلوة نسيه أي هم عاشه هتلاقيه زي الخاتم في صباعك، و تبقي بنت أبوكي بصحيح لو أتجدعنتي و ربطيه بحتت عيل، خليني أفرح بحفيدي قبل ما أموت.
مسحت دموعها بطرف أناملها و قالت:
-بعد الشر عليك يا حبيبي ربنا ما يحرمني منك و يباركلي فيك، عموماً حاضر أدعي لي بس ربنا يصبرني و يقويني و يلين قلبه ليا.
سمعت صوت مفتاحه في الباب فأردفت بصوت خافت:
-سلام دلوقت يا بابا ده رجع من بره.
أنهت المكالمة و ظلت تنتظر قدومه إلي الغرفة التي تمكث بها منذ الأمس فلم يأتِ، سمعت صوت آتي من المطبخ فعلمت إنه بالداخل، ذهبت بخطي هادئة و راقبت ماذا يفعل بالداخل.
كان يحضر أطباق و يخرج من الأكياس طعام جاهز و يقوم بغرفه في تلك الأطباق، دخلت بتردد و انتفضت حينما ألتفت و وجدها أمامه، لاحظت قد أشتري الطعام التي تفضله و انتبهت إنه قام بتحضير صينية صغيرة إليه و يريد العبور لكنها تقف عائقاً للخروج.
_
-عن إذنك.
لم تفعل بل و وقفت أمامه تدهس علي كرامتها و كبريائها الذي تلاشي منذ أن ظهر في حياتها:
-ممكن أتكلم معاك.
نظر إليها و ليته ما نظر، رأي آثار ما اقترفتهش يداه، ترك الصينية بعنف علي الطاولة الرخامية مما أصدرت صوتاً مُزعجاً و سألها بحدة و سخرية:
-و ناوية تجولي أي المرة دي، مش أني چبان و فيا كل العبر أي اللي چبرك تتچوزي واحد كيف ما جولتي!
شابكت أنامل يديها معاً كطفلة صغيرة و تنظر لأسفل قائلة:
– أنا آسفة.
أطبق شفتيه و أطلق زفيراً من أنفه ثم قال:
-و تفتكري حديتك ده هيداويه الأسف!، للأسف أني اللي غلطان، المفروض مكناش أتچوزنا من الأول.
رفعت وجهها و بنبرة وشيكة علي البكاء:
_
-أنا عارفة لساني طويل و جايب لي المشاكل، و أنت ما سكتش و اخدت حقك مني، و علي فكرة بابا كان لسه مكلمني مارضتش أحكي له أنك مديت إيدك عليا، لما قعدت مع نفسي و حطيت نفسي مكانك عذرتك إمبارح مكنش يوم سهل، بس أنا عندي أمل تكون ليا بقلبك خصوصاً بعد ما طلعت زينب متجـ….
قاطعها بحدة عارم:
-أبجي كملي حديتك ده تاني و أوعدك ما هاتشوفي بعدها خلجتي واصل، و أسمعيني زين مش معني إنها أتچوزت يبجي هانسها أو كرهتها، أني خابر ده هيحصل من زمان و خابر حوصل غصب عنها لأن اللي بيني و بينها أكبر من واحدة كيفك تفهمه و تحس بيه، زينب حب عمري اللي وعيت عليه من و إحنا لساتنا عيال صغيرين،فاهمين بعض من مچرد نظرة، اللي بينا كبير جوي إستحالة يتنسي و لا هايتنسي.
ألقي عليها تلك الكلمات القاسية و اخترقت قلبها كالسكين المشتعل يحرق جرحها دون رحمة.
حمل الصينية و ذهب من أمامها بعدما أفسحت له الطريق، لحظات و سمعت صوت باب الغرفة و يوصده من الداخل، أطلقت صرخة من أعماقها و كل ما تمتد إليه يدها تأخذه و تلقيه علي الأرض بحدة هيستري، خرج مهرولاً يخشي أن يكون قد حدث لها مكروهاً، فوجدها تجلس علي الأرض و تبكي و الدماء تنزف من يديها، أنتفض بذعر و صاح بها:
-سويتي في حالك أي يا مچنونة!
ساعدها في النهوض و أخذت تسحب ذراعيها من يديه صارخة:
– أبعد عني، سيبني مش عايزة منك حاجة.
أخذها إلي المرحاض و لم يهتم إلي ما تصرخ به، قام بغسل يديها فوجد الجراح سطحية.
-خليكي واجفة أهنه ثواني و راچع لك.
_
و بعد ثواني جاء و بيده صندوق إسعافات صغير، أخرج منه لاصق الجروح و ضماد القطن، قام بتنظيف الجرح أولاً بالقطن و المطهر، تأوهت نظر إليها عاقداً حاجبيه ثم أكمل ما يفعله حتي أنتهي من تضميد يديها:
-تعالي أجعدي چوه و هاچيب لك تاكلي.
أومأت له بالرفض التام:
-مش عايزة آكل.
أمسكها من رسغها و سحبها كالطفلة و ذهب إلي غرفة المائدة أرغمها علي الجلوس، أحضر لها الطعام و أمرها:
-الواكل ده لو مخلصش مش هاجولك أني ممكن أسوي فيكي أي.
و إذا به يفاجئ من نظرة السخط في عينيها مثل طفلة صغيرة مُرغمة علي فعل شيء لا تريده،كاد يضحك لكن الموقف غير مناسب للضحك، بدأ يتناول طعامه الذي لا يعلم بمذاقه بسبب حالته النفسية السيئة و قلبه المحترق.
ــــــــــــــــــــــ
انتهت من رص الأطباق علي المائدة و دلفت إليه لتوقظه، لكزته بخفة:
-صلاح، جوم الغدا چاهز.
_
تقلب و فتح عينيه بصعوبة ثم أمسك بيدها و قام بتقبيلها قائلاً:
-تسلم إيدك يا سمسمتي.
تلقت كلماته بالصمت فسألها:
-مالك زعلانة ليه هو حصل حاجة و أنا نايم؟
رفعت جانب شفتيها بتهكم و قالت:
-و هافرح كيف إياك و حدانا حية صفرا چاية تخطف چوزي.
أعتدل و أخذ يضحك:
-يابنتي أرحميني بقي، ما أديها قاعدة هي و البنت في أوضة لوحدهم و أنا و أنتي في أوضة، و بعدين لما قولتلك هاخدهم و آجر ليهم شقة مفروشة قلبتي الدنيا عليا.
رفعت إحدى حاجبيها بتعجب ساخر:
-آه يا أخويا تاخدلهم مطرح عشان الهانم تستفرد بيك و تچرك للرذيلة، لاء خليهم أهنه تحت عينيا أحسن.
_
ينظر إليها بدهشة، هز رأسه بسأم و بابتسامة قال:
-الله يخربيت الدماغ،رذيلة أي اللي تجرني ليها، حد قالك أنا عيل مراهق، و بعدين صوفيا مين اللي أرجع لها و أنا ربنا رزقني بسمسمة قلبي و روحي ماليه عيني و مش شايف ست غيرها و بس.
اقتربت منه ترمقه عن كثب، تضيق عينيها يبدو أنها لم تقتنع بما أخبرها به:
-مالك بتبص لي كده ليه؟
أجابت بأسلوبها الفكاهي الساخر:
-يا مأمنه للرچال، جوم يالا يا سبعي جبل ما الواكل ما يبرد.
ترأس المائدة و علي يمينه تجلس هي:
-هي الهانم مش ناوية تيچي تطفح.
قطب حاجبيه ثم نظر نحو تلك القادمة، شهقت سمية حين رأتها، ترتدي ثوب فاضح و يكشف من جسدها الكثير.
– واه!، الله يخربيتك حُرمة ما حداهاش خشا و لا حياء.
_
رمقها صلاح بنظرة تحذيرية و أخبرها بصوت خافت:
-خليكي في نفسك هو ده لبسها الطبيعي.
-ده أني ياللي إسمي مارتك أتكسف أجعد إكده جدامك.
ثم قالت بصوت ظنت إنه لم يصل إلى مسامعه:
– أني دلوق عرفت ليه هملتها، لأنك مكنتش رايد يتجال عليك قرني.
جز على أسنانه مُحذراً إياها:
-سمية!
– هانكتم أهه.
وضعت كفها علي فمها، فبدأت الأخرى بالتحدث بلغتها الفرنسية و تنظر إلي الطعام باشمئزاز:
– يا الهى، ما هذا الطعام الغريب؟
_
سألته سمية و قد أدركت من نظرات الأخرى إنه لا يعجبها الطعام:
– عتبرطم تجول أي الحية دي؟
أضطر إلي الكذب خشية من إثارة غـ,ـضبها و تقـ,ـتلع خصلات الأخرى:
-بتقول أي الأكل اللي ريحته تجنن.
اعتدلت و نظرت بزهو و فخر قائلة:
-طبعاً لازم تتچنن هي هاتدوج و لا هاتشوف واكل بالحلاوة دي فين، عجبال ما تتچنني بچد و نرميكي في العصفورية يا بعيدة.
سألت الصغيرة والدها بصوتها الطفولي الرقيق:
-ما هذا بابا؟
أرتسم علي محياه الابتسامة و أجاب و هو يشير إلي كل طبق:
– تلك تدعي فتة تتكون أرز و فوقها صلصة طماطم بالثوم، و هذا طاجن كوارع، الكوارع هي أرجل البقرة و تم طهيها جيداً في الفرن،بينما هذا الطبق نطلق عليه مُمبار عبارة عن أمعاء البقرة و تم تنظيفها جيداً و حشوها بخلطة الأرز ثم تم سلقها و قليها في الزيت.
_
و حين سمعت صوفيا هذا أصابها صاحت:
-اللعنة.
و ضعت كفها علي فمها و نهضت مهرولة إلي المرحاض.
تعجبت سمية من ردة فعلها و سألته:
-مالها المچنونة دي؟
تحمحم ثم قال:
– شكلها عندها برد.
نظرت إلي الصغيرة و قالت لها:
– ما بتاكليش ليه أنتِ كمان؟
لم تفهم الصغيرة العربية نهضت و أخبرت والدها:
_
-بابا، أريد بيتزا من فضلك.
يكتم ضحكاته فأومأ لها قائلاً:
-أذهبِ إلي غرفتك و سأطلب لكِ و لوالدتك الآن.
نهضت و وقفت علي أطراف قدميها لتقبله ثم قالت إليه:
-شكراً بابا.
كانت سمية تراقب معاملته مع صغيرته، تكتشف جانب آخر له، فهو كما معها زوج حنون فهو مع ابنته أب عطوف، تمنت في تلك اللحظة أن يرزقها الله منه بطفل صغير.
انتبهت إليه و هو يخبرها:
-كُلي عشان ساعة كده و جهزي نفسك هانروح نبارك لسليم بيه و زينب.
رمقته بعدم فهم و سألته:
-نبارك لهم علي أي؟
_
تدعو الله أن يخيب ظنها فهي تعلم إذا حدث ذلك حقاً ستكون كارثة فوق رأس صديقتها.
أجاب باقتضاب:
-زينب حامل.
شهقت بصدمة:
-يا مُري.
تفاجئ من ردة فعلها فسألها:
-و فيها أي لما تحمل منه؟
ضيق زرقاويتيه و أردف:
-أنتِ تعرفي حاجة و مخبياها؟
ابتلعت لعابها و بتوتر سرعان حولته إلي مزاح حتي لا يشك بأمر صديقتها:
_
-أني جصدي مش كفاية علينا سليم واحد البشرية ماناجصاش مرار طافح أكتر من إكدة.
أطلق قهقه دوت في الأرجاء بينما هي تتحدث بداخل عقلها:
-الله يصبرك يا زينب دلوق إكدة الموضوع بجي صعب أكتر و مش هاتعرفي تتخلصي من الشيطان اللي إسمه سليم.
ـــــــــــــــــــــــ
أغلقت سحاب حقيبة ابنتها:
-ياريت ناكل كل الساندويتشات يا إما مفيش شيوكليت تاني.
زمتت الصغيرة شفتيها بامتعاض و أجابت علي مضض:
-أوك مامي.
صدح رنين هاتفها فقالت:
-يلا الباص تحت، خلي بالك من نفسك.
_
فتحت لها الباب و نزلت، ذهبت إلي الشرفة لتطمئن علي وصولها إلي الحافلة المنتظرة، نظرت ابنتها إلي أعلي و لوحت بيدها إلي والدتها:
-باي باي مامي.
-باي لارا.
و بعد أن انطلقت الحافلة عادت إلي الداخل، دلفت إلي الغرفة تبحث عن شيء ما، هبطت علي عقبيها و تبحث أسفل مكان الراحة، اعتدلت و نهضت كادت تصطدم به، يبدو أنه أنتهي من الاستحمام لتوه من جسده العاري المُبتل و حول خصره تلتف منشفة فقط.
يرفع يده أمام عينيها و يمسك بالخاتم الذهبي خاصتها:
-دبلتك اللي بتدوري عليها.
أخذتها منه و قالت:
-شكلي نسيتها علي الحوض و أنا بغسل الغرفة المخصصة.
ترددت في ارتدائها حتي جاءت في ذهنها فكرة لعلها حجة لكي تجعله يقترب منها بدلاً من البُعد و الجفاء الذي أصبح بينهما.
– ممكن تلبسها لي؟
_
و ابتسمت إليه ابتسامة ساحرة، هل تظن هي إنه لا يشتاق إليها بل قلبه و روحه و كل ما به يشتاق إليها بشدة.
تناولها من يدها و تظاهر بالجدية البالغة حتي لا تدرك مدي ضعفه بالقرب منها، أعطت له يدها ليضع في بنصرها الخاتم و تعمدت ملامسة أنامله و يدها الأخرى وضعتها علي صدره تزيح قطرات الماء و تتخلل بأناملها شعيراته المتناثرة علي أنحاء صدره، لو تعلم ما تفعله الآن هو الاحتراق ذاته، فلمساتها بمثابة نيران أُضرمت في جسده، يلح عليه فؤاده بأن يجذبها بين ذراعيه و يعانقها بقوة حتي تتلاحم ضلوعهما معاً.
وضعت رأسها علي صدره و كأنها تسمع نبضات قلبه الذي يناديها:
-وحشتني أوي يا أكرم.
نبرتها الناعمة كافية بتحطيم جدرانه و هدم قلعته لتطئ بقدميها داخل مملكته و لم يستطع مقاومتها مرة أخري مُتحصناً بكبريائه الغائب الآن.
و في لحظات وجدت جسدها يتمدد علي الفراش و ينهال عليها بقُبلات برية متوحشة، و عناق بالغ القوة يكاد يحطم عظامها، تحملت كل هذا في سبيل أن تنال الغفران، ربما نست ما فعلته و إنه لم يمُر هباءً.
أحتدم اللقاء بينهما، لا يتسم بالحميمية كما كان يفعل معها سابقاً لكنه لقاء بين مُنتقم يأخذ بثأره!
أنهكت قواها و بدأت تشعر بالدوار من فرط التعب، صفعها علي وجهها و يسألها من بين أسنانه:
-لسه بتحبيه؟
هزت رأسها بالنفي و أجابت بوهن :
_
-و الله ما حبيت حد غيرك أنت.
سألها مرة أخري و كأن القادم يتوقف علي إجابتها:
-متأكدة؟
و إذا به يبتعد عنها في أشد لحظات احتياجها إليه، نهض و ولي ظهره إليها و لم يكن حدث بينهما شيئاً، عادت نبرته الجليدية مرة أخري:
-لما ترجع البنت من المدرسة خديها و روحو أقعدوا عند أهلك عشان عندي مهمة مش عارف أرجع منها أمتي.
دثرت جسدها بالغطاء القطني ثم نهضت و يضـ,ـرب القلق داخلها:
-هاترجع أمتي؟
– مش عارف، المهم أعملي اللي قولت لك عليه.
و ألتفت إليها و ظل ينظر إليها بصمت تخلي عنه حينما أردف بنبرة في ظاهرها تبدو باردة خالية من المشاعر:
– هتوحشيني أو
_
