يونس4
يونس 27
شددت قبضتها علها تُبث في نفسها الضائعة بعض القوة الزائفة إن أمكن..أما إسلام ما أن أبصره حتى إشتدت عضلات فكه بـ غضب..ثم هدر
-جاي ليه يا عز!
إلتفت عز ومعه إسماعيل والذي تشدق بـ تحذير
-إسلااام!!..متعودناش نقول لضيوفنا جايين ليه
-بس يا بابا..آآ..
أشار إسماعيل بـ يده ثم قال بـ صرامة
-مفيش بس..جاي يتكلم مع أختك كلمتين وهيمشي..وهى اللي تحدد هتعمل إيه
-نظر إلى عز الدين بـ غل وقال:متفكرش أنك تطول منها شعرة…
تقدم منه إسماعيل وسحبه إلى إحدى الغُرف..بينما بقيت بتول في مواجهته وحدها…
لم يكن عز ذو ذهن حاضر ليتسمع إلى ثرثرتهم بل كان في وادٍ أخر ما أن أبصر بتول..وكأنه إنعزل عن العالم وبقى هى وهو فقط..كانت عيناه تلتهم ملامحها التي إشتاقها كثيرًا..إقترب عز الدين منها و كاد أن يحتضنها إلا أنها إبتعدت بـ نفور لم يلحظه ثم قالت وهى تكز على أسنانها
-عز!!..أحنا فـ بيتنا مينفعش كدا
-إبتسم عز الدين بـ حرج وقال:من لهفتي..وحشتيني…
إبتسامة خالية من الروح..ثم أشارت بـ يدها اليُسرى وقالت
-تعالَ الصالون…
صُدم عز الدين من تعاملها الجاف معه..ولكنه فسره كما يهوى..أنها لا تزال تُعاني من صدمة الإختطاف..سار خلفها حتى وصلا إلى غُرفة الصالون..أشارت له بـ أن يجلس وجلست أمامه…
كانت تضع يده اليُمنى خلف ظهرها تمنعه من رؤية صك الملكية الخاص بـ يونس..أغمضت عيناها تكبح رغبتها في التقيؤ..نفورها كان واضح لم تستطع السيطرة عليه…
بينما عز لم يلحظ هذا أو ذاك فـ لهفته عليها أقوى من اي شئ..أعمى بصيرته عن نفورها وعن رغبتها في التقيؤ..إقترب عز من مجلسها وقال بـ حب
-عاملة إيه!
-إبتسمت بـ تهكم وقالت:واحدة كانت مخطوفة..هتبقى عاملة إيه!
-إبتسم عز الدين وقال:عندك حقك..أنا آآ…
صمت ولم يعرف كيف يصيغ جُملته..إلا أنه سعل ثم قال بـ شئ من الحدة
-قربلك؟!
-رفعت أحد حاجبيها وقالت:قربلي!!..من أي جهه بالظبط؟
قالتها وهى تعقد ذراعيها أمام صدرها..ليرد عز الدين بـ سرعة
-عملك حاجة!..أذاكي مثلًا؟!
-مالت بـ رأسها إلى اليسار وقالت:لأ تصدقك طلع نزيه..يعمل أي حاجة إلا إنه يأذي بنت…
توجس عز الدين من طريقتها بـ الحديث وقد خطر بـ باله أنها علمت كل شيئًا عنه..وعند النقطة شحب وجهه سريعًا..إبتلع ريقه بـ صعوبة ثم قال بـ نبرة مُتوجسة
-مالك يا بتول بتتكلمي معايا كدا ليه!
كانت تُريد أن تنطق بما يجيش بـ نفسها النافرة منه..فكرة جلوسها معه بـ نفس الغرفة..كافية لجعل جسده ينتفض رُعبًا..أخذت نفسًا عميق ثم قالا بـ نبرة هادئة نسبيًا…
-مفيش..كل الموضوع إن أعصابي تعبانة م اللي حصل..
تنهد عز الدين بـ راحة وبـ أسف في آنٍ واحد وقال بـ ندم
-أسف يا حبيبتي إني حطيتك فـ الموقف دا…
نهض من مجلسه ثم جثى أمام رُكبتيها وقال بـ حنو
-أوعدك أني هنسيكي كل اللي حصل دا ومش هيتكرر تاني
-تشدقت بتول بـ نبرة عميقة:اللي حصل مش ممكن يتنسي..ولا حتى يتغير..أنا مش عوزاه يتغير..أصلي إتعلمت منه حاجات جميلة…
-زي إيه!
-إبتسمت بـ إصفرار وقالت:فـ وقته هتعرف…
****************************************
غرس يونس أصابعه في خُصلاتها ومن ثم و بـ قسوة جذبها منه حتى كاد يقتلعه..وبـ صوت كـ فحيح أفعى قال
-أتظني بـ أنني سأخضع لعاهرة مثلك
تأوهت أنچلي بـ قوة من قبضته التي تُمزق خُصلاتها ثم قالت بـ ألم
-قلت لك..لن يعلم أحد..وهى لن ترانا أو تعلم
قبض يونس على فكها بـ قوة حتى كاد يُهشمه ثم قربها منها و تشدق
-إن كانت لا تراني فـ الله يراني..إن لم تعلم فـ الله يعلم..أنا لا أخاف عقابها قدر خوفي من عقاب الله…
ثم دفعها بـ حدة عنه..وضعت يدها على فكها وعيناها تتوسعان بـ دهشة..ثم هتفت بـ عدم تصديق
-أأنت مُسلم!
إرتفع جانب فمه بـ سخرية..وبـ نبرة لا تقل سخرية قال
-لا..أنا أعتنق اليهودية..ما شأنك بي؟…
-هزت رأسها بـ نفي وقالت بـ تقرير:لا أنت مسلم..هم ذو ديانة غريبة..ويعتنقون مبادئ أكثر غرابة..وهم من يتفوهون بـ تلك الحماقات…
كاد يونس أن يرد بـ غضب عما تقول ولكنها أكملت وهى تعقد ذراعيها أمام صدرها بـ سخرية…
-ولكني لا أعتقد أنها لا تزال موجودة..فـ الغرب بثوا السموم من خلال أشياء كثيرة وأنتم العرب حمقى صدقتموها وقد شُكلتم كيفما نُريد..حقيقةً أنا لم أعد أرى دينكم كما تقصونه علينا فيكم…
إقتربت منه بـ خبث ثم تشدقت
-بل أرى أنكم بـ ثقافة الغرب ولكن بـ صورة مُحتشمة قليلًا..تُمارسون العهر فـ الخفاء ثم تتلونون..والدليل أنت آآآ…
لم يدعها تُكمل حديثها بل إنهال عليها ضربًا..كان غاضبًا إلى أقصى حد..إبتعد عنها لاهثًا من فرط إنفعاله وقد كانت مسجية على الأرض فافدة القوى..أشار بـ سبابته ثم هدر بـ قسوة
-أمثالك لا يحق لهم الحديث عن المبادئ والدين..فـ الإسلام أطهر من أن يُدنس بـ حماقات تتفوه بها عاهرة مثلك..تعرضين جسدك وما أن رفضك أحدثتي تلك الفوضى…
جذب ملابسه ودلف إلى المرحاض وأبدل ملابسه ثم دلف خارجه ليجدها لا تزال كما تركها..تحرك ناحيتها ثم جذبها من خُصلاتها تحت صرخاتها المُتأوهه..وقام بـ تقييدها إلى أحد المقاعد..ثم إتجه إلى أحد الكاميرات…
-أعلم يا سام أنك تُراقبني..إن كنت تُريد إبنتك حية..تعال إلى هنا..وإلا ستستلمها أشلاء…
دقائق مرت وقد دق هاتفها..أخذه يونس وما أن أمسكه حتى صدح صوت سام الغاضب
-أقسم أنك إن أقتربت منها ستكون جثتك هدية لوطنك…
-رد عليه يونس بـ برود:تعال إلى هنا ومعك المُشتري..وبعدها سنتحدث بل ونحتفل…
-كز سام على أسنانه وبـ حنق قال:سنكون هناك في غضون خمسًا وأربعون دقيقة…
-لا تتأخر عزيزي…
ثم أغلق الهاتف تحت نظرات أنچلي الذاهلة..قهقه يونس بلا مرح ثم إقترب منها وتشدق بـ خبث
-لا تذهلي هكذا..لم يكن من الصعب إكتشاف الحقيقة..أنا أعلم هويتك الحقيقية مُذ أن إلتقينا عزيزيتي جوين…
****************************************
إنطلق عدي بعدما أوصل روضة إلى منزلها وذهب إلى والده..دلف إلى مكتب العقيد سعد ليجد والده هناك يتبادلا أطراف الحديث..حيّ العقيد بـ إحترام ثم ركض إلى والده وإحتضنه بـ قوة..تشدق عدي بـ أسف
-أسف يا بابا إني حطيتك فـ الموقف دا
-إبتسم رفعت وقال:جت سليمة يا سيادة الرائد…
أشار سعد إلى عدي قائًلا بـ جدية
-أقعد يا عدي..عاوزين نتكلم
أماء عدي بـ رأسه بـ إحترام وجلس..وقبل أن يتحدث كان رفعت قد سبقه بـ لهفة
-والدتك عرفت!
-هز رأسه بـ نفي وقال:لأ عرفتها إننا فـ شغل بعد اللي حصل وقتل فرقة الإستطلاع…
-كويس
قالها رفعت بـ إقتضاب..وبعدها إستلم سعد دفة الحديث
-بص يا عدي..أكيد أنت عارف اللي حصل دا تدبير مين
-إبتسم بـ تهكم وقال:طبعًا
-عظيم..
صمت سعد ثم قال بـ نبرة ذات مغزى وهو ينظر إلى والده
-وعرفنا مين ورا قتل فرقة الإستطلاع
-مين يا فندم!!
-العقيد رفعت
جحظت عينا عدي بـ شدة ما أن سمع اسم ذاك الرجل..يتوقع أنه فاسد..يتستر على أفعال عز الدين المُشينة..أما قتل أبناء الوطن!..هذا فاق ما يتصوره..نطق عدي بـ صعوبة
-إزاي يعني!!..أنا عارف إن سكته مش كويس..لكن قتل جنود!..لأ وألف لأ..دا لازم يترمي لكلاب السكك ينهشوا لحمه
-تحدث والده بـ صوته الرخيم:متقلقش كل الأدلة معانا واللي معاه إعترفوا..تلبيسي التهمة والتهمة ذات نفسها..الأتنين لبسوه وكدا كدا هياخد حكم الإعدام…
-تساءل عدي بـ غضب:وهتمسكوه أمتى!
-تشدق سعد بـ تقرير:بكرة..لما يطلع القرار
كور عدي قبضته فـ هو كان يُريد اليوم قبل غدًا يُريد أن ينتهى الكابوس بـ وقتٍ سريع..دقات الهاتف الخاص الذي يحمله جعلته ينتبه إلى ما يدور حوله..إلتقطته ليقول بـ ذهول
-يونس!!
-أفتح الخط بسرعة
كان هذا صوت رفعت المُتلهف..وبالفعل فتح الخط وكان يونس صوته يشق تلك الأجواء المتوترة
-عدي!!
-أيوة يا يونس معاك
-جهزلي طيارة تجيلي بسرعة..أنا هخلص كل حاجة دلوقتي
-جاءه صوت سعد الغاضب:إتصرفت من دماغك ليه يا يونس!..بسرعة ليه كدا؟
-و بـ بساطة ردد يونس:الظروف حطتني فـ الموقف دا..كنت متراقب ولازم أتصرف…
زفر سعد بـ غضب ثم قال بـ جدية
-حالًا تتصل بـ الدعم اللي عندك عشان يجولك..طبعًا هيجموا بـ رجالة كتير وأنت مش هتطلع سليم
-رد عليه يونس بـ مكر:متقلقش عامل إحتياطاتي
كان رفعت يستمع إلى صوت والده ولم يقدر على الحديث..بل هبطت عبراته التي عبرت عن مشاعر جمة…
صدح صوت يونس يتحدث بـ جدية
-لازم أقفل دلوقتي..ومتنساش يا عدي..الطيارة بـ أسرع وقت…
-رد عليه سعد:بكرة هتكون عندك..والدعم هيوفرلك مكان لحد أما ترجع..أقرب من كدا مش هينفع…
-تمام..وأهو ستوكهولم أقرب من ألاسكا..صح!
قالها بـ مرح ليرد عليه عدي بـ غيظ
-ولك عين تهزر..يلا أقفل عشان نتصرف…
وأغلق عدي الهاتف بـ حنق وهو يسب شقيقه على تهوره..يعلم سبب تعجيل الأمور بـ الطبع الفاتنة ذات اللسان السليط..أفاقه صوت سعد الصارم وهو يرفع سماعة الهاتف
-مش وقت سرحان يا عدي..يلا نفذ بسرعة..خلينا نخلص من الموضوع دا…
نهض عدي وأدى التحية العسكرية ثم رحل هو والده بعد أن حيّ العقيد سعد هو الأخر والذي تمتم مع نفسه بـ تأفف
-حسابك معايا على تهورك دا يا سيادة المقدم…
***************************************
رافقت عز إلى باب المنزل بعد إصراره على تنظيم حفلة غدًا من أجل عودتها..رفضت رفضًا قاطع ولكنه لم يكن ليسمح لها..وبالنهاية أُجبرت على الموافقة..فـ من أجل يونس ستفعل أي شئ..وكم إشتاقت إليه!..شعرت بـ فقدان لذة الحياة وشقاوتها ما أن رحلت عنه…
تذكرت إعترافها له بما يجيش بـ قلبها من عشق لتبتسم بـ خجل..تعلم أنه الأمان ويالا الغرابة..طوال جلستها مع عز الدين كانت يُمناها تعبث بـ تلك الحلقة النُحاسية فـ تُبثها أمان وقوة..لتقول بـ مرح
-حتى أي حاجة من ريحتك بتحسسني بـ أمان..كدا أنا إتجننت رسمي يا معلم…
تنهدت بـ حرارة ثم إتجهت إلى غرفة والديها..لتجد إسلام يتجه إليها وإمارات الغضب جلية على وجهه وقبل أن تتفوه بـ حرف سبقها هو بـ صوتٍ حانق
-برضو رجعتيله يا بتول!
تنهدت بتول مرة أخرى بـ يأس..لتجد والدتها ترد نيابةً عنها
-ما تستنى ع البت تاخد نفسها
إقترب إسلام من بتول وأمسك يدها ثم قال بـ حزن
-يا أمي هترجعله بعد اللي حصلها بـ سببه!
-تشدقت بتول بـ هدوء:أنا لا رجعتله ولا نيلة..كل الموضوع أني بعمل حاجة مقتنعة بيها
-عقد والدها ما بين حاجبيه وقال:كلامك مُتناقض
إقتربت بتول من والديها وجلست في المُنتصف ثم وجهت حديثها إلى والدها
-عارفة..وعارفة كويس أني لا يمكن أرجع لعز تاني..خلاص هو مينفعش يكون جزء من حياتي
-ليتشدق إسلام بـ غيظ:ومقولتيش الكلام دا وهو هنا ليه!
-ردت عليه بـ بديهية:الراجل فـ بيتنا دا أولًا..ثانيًا ميبقاش جاي يطمن عليا وأقوله أمشي…
وبـ الرغم من عدم إقتناعها بما تقول..ولكن لابد من إخفاء الحقيقة..لأجلها ولأجلهم ولأجل حبيبها..لم يبدُ على إسلام الإقتناع ولكن بتول أكملت
-بكرة فـ الحفلة هنهي كل حاجة بينا..هنهي الخيط الدبلان اللي بيوصلنا…
*****************************************
إختبأ يونس ومعه أنچلي في أحد الأركان وكان قد إستعان بـ بعض الكاميرات حتى يستطيع رصد أماكنهم..نظر إلى هاتفه فـ وجد رسالة تُفيد بـ وصول الدعم..إبتسم يونس بـ ظفر وقال بـ سعادة
-أستنيني يا حبيبتي..جايلك بكرة…
كانت أنچلي فاقدة للوعي تمامًا حتى لا تفضح أمره..تقفد الحاسوب فـ وجد عدد هائل من الرجال يحاوطون البناية وجزءًا منهم قد صعد مع سام و المشتري..عبث يونس بـ هاتفه..ثم إتتظر…
وبـ الخارج..دلف الرجال المنزل المظلم..وما كاد يُنيره أحدهم حتى صدح صوت إنفجار قوي إثر الغاز الذي تسرب..وكانت هذه إحدى الخدع البدائية التي تعلمها يونس…
قُذف سام في الهواء ومعه المشتري وما تبقى من رجاله..نهض الجميع وهنا صدح صوت سام الغاضب
-خذوا حذركم..وأشحذوا أسلحتكم…
فعل الجميع ما أُمرو به..ودلفو وسط الغُمامة الرمادية..ليظهر يونس من العدم مُستغلًا تشوش رؤيتهم وبدأ في قتلهم..هذا بـ كسر عنقه وأخر بـ الذبح..حرفية رجل مُخابرات مُتمرس…
وبعد قليل من الوقت..إختفت الغُمامة..ليظهر جثث رجاله..جحظت عينا سام بـ شدة وهدر بـ شدة
-أخرج و واجهني أيها الوغد!
-كيفما تطلب…
قالها يونس وهو يتدلى من السقفية ومن ثم باغت سام بـ ضربة في جبهته..هبط يونس و وجه أسلحته إلى رأسه..مدّ يده وقال بـ صرامة
-أعتقد أنك تملك شيئًا ملكي..أعطني إياه
-نهض سام وقال:لا أملك شئ..ثم أين أبنتي!!
-لا تقلق بخير..أعطني ما معك أتركك بـ سلام…
وفي لحظات ساد الهرج..حيث تبادل رجال سام مع الدعم ضرب ناري عنيف..إستغل سام إنشغال يونس بـ تلك الجلبة وإنقض عليه..وللأسف كان السلاح بين يدي سام والذي قال بـ تشفي
-أمن أُمنية أخيرة!
-أطلق
عقد ما بين حاجبيه ولكنها تلاشت ما أن إخترقت الرصاصة قلبه ليخر صريعًا بعدها..نهض يونس وأخرج بطاقة ذاكرة صغيرة من جيب بنطاله الخلفي..توجه إلى المُشتري وصافحه ثم قال
-شكرًا يا محمود
-أدى محمود التحية العسكرية وقال:العفو يا سيادة المقدم..دا واجبي
ثم إبتسم وقال بـ سعادة
-بجد يا فندم فرحت لما عرفت إنك لسه عايش
-ربت على ذراعه وقال:عمر الشقي بقي..يلا لازم نمشي والدعم هينضف الفوضى دي
-طب وبنته!
-إبتسم وقال:مش قولتلك الدعم هينضف الفوضى..يلا يا راجل موحشتكش مصر!
-جدًا يا فندم
-طب يلا…
قالها يونس وهو يضع يده على منكب محمود ودلفا إلى الخارج..قابل أحد أفراد الدعم تبادلا في لحظات حديث مُقتضب بعدها كان يونس قد إختفى تمامًا وما معه من معلومات قيمة….
*****************************************
في صباح اليوم التالي إستيقظت بتول وهى تشعر بـ خمول تام في جسدها ولكنها أجبرت نفسها على النهوض..أزالت الغطاء عن جسدها وأخذت ثياب من خزانتها ثم توجهت إلى المرحاض…
قابلت في طريقها والدتها والتي تساءلت بـ حنو
-أحضرلك الفطار يا ضنايا!
-قبلتها بتول وقالت بـ رجاء:أيوة والنبي يا أم إسلام..لحسن وحشني أكلك
-ردت والدتها بـ لهفة:ثواني والأكل يجهز ونفطر كلنا…
أماءت بتول وتحركت ناحية المرحاض..أخذت حمامًا علها تسترخي قليلًا..تتمنى عودة يونس سريعًا فهى لا تستطيع التمثيل طويلًا حتمًا سيُكتشف أمرها..أنهت حمامها ثم خرجت وهى ترتدي كنزة صفراء من خامة الحرير و بنطال قُماشي ذو لون أسود..وقد عكصت خُصلاتها السوداء على هيئة جديلة فرنسية فـ أبرزت خُصلاتها البندقية المُتداخلة مع السوداء…
جلس الجميع يتناولون الفطور في جوًا مرح حتى قطعه إسلام
-رايحة فين من الصبح كدا!
-إبتعلت بتول فيما جوفها وقالت بـ توتر:هروح مشوار كدا وبعدين هروح عند عز عشان الحفلة
تأفف إسلام ولم يرد..بينما قال إسماعيل
-مشوار إيه اللي هتروحيه بدري كدا!
-تنحنحت وقالت:الظابط اللي جابني إمبارح..كان قايلي أروح القسم عشان عاوزني فـ كلمتين
-اللي هما!!
-أجابت بتول بـ نفاذ صبر:اللي حصل يابابا
-تشدق إسماعيل بـ هدوء:خلاص هاجي معاكي
-لاااااء
قالتها بتول مُسرعة ليعقد أبيها ما بين حاجبيه..لتُوضح بعدها بـ حرج
-الموضوع مش مستاهل..وأنا مش هتأخر..دي حاجة روتنية
-طب خدي إسلام
-تأففت بتول وقالت:إسلام عنده شغل
-رد عليها شقيقها بـ جمود:الشغل يتأجل
-يووووه…يا جماعة الموضوع عادي مفيش حاجة..وبعدين أنا عاوزة أتمشى شوية وأشم نفسي لوحدي..فـ أرجوكم سيبوني ع راحتي…
نظر لها أبيها مُطولًا ثم قال بـ تنهيدة يائسة
-طب خلاص..بس كلميني كل شوية
-حاضر
ثم نهضت تُقبل والدها ثم والدتها وأخيرًا شقيقها ثم دلفت إلى الخارج…
****************************************
ظلت تتطلع إلى العنوان المدون بـ الورقة ثم إلى البناية لتتأكد أن العنوان صحيح..كانت قد حصلت عليه من روضة التي أعطتها إياه أمس..وضعت الروقة في جيب بنطالها ثم صعدت…
كان أكثر ما يُقلقها ويُشعل غضبها هو مُقابلة ذاك السمج والذي يُدعى عدي..ظلت تدعي داخلها ألا تجده..وقفت أمام باب المنزل وقد إرتفع وجيب قلبها..ثم دقت الجرس بـ أصابع مُرتعشة…
ثوان و وجدت الباب يُفتح وتظهر من خلفه سيده في عقدها الرابع..إبتسمت صفوة وقالت بـ هدوء
-حضرتك عاوزة مين!
-إبتلعت بتول ريقها بـ توتر ثم قالت:حضرتك والدة المقدم يونس..مش كدا!!
تلاشت إبتسامتها تدريجيًا وكادت أن تغلق الباب..إلا أن بتول منعتها وقالت بـ رجاء
-أستني أرجوكي…
-ردت عليها صفوة بـ جفاء:من فضلك أمشي من هنا
-هتفت بتول مُسرعة:أنا شفت يونس وكلمته…
تجمدت صفوة في مكانها..ولم تتحدث..بينما إبتسمت بتول وقالت بـ نبرة ناعمة
-ممكن تسمحيلي أدخل أتكلم معاكي…
أفسحت الطريق لكي تدلف…
جلست بتول على أحد المقاعد بـ غرفة متوسطة ولكنها ذات ذوقٍ راق..كانت مُمتلئة بـ صور ليونس وعائلته..إبتسمت وهى تراه في مرحلة مُبكرة من عمره..وكان لا يقل جاذيبة عما هو الآن…
دلفت صفوة وهى تحمل حلوى وكأسين من العصير الطازج..نهضت بتول وأخذت منها الصحن وجلست مرة أخرى..تنحنت بتول وقالت
-حضرتك أكيد مستغربة من كلامي..بس أنا هحكيلك
-أشارت صفوة بـ يدها وقالت:أتفضلي…
بدأت بتول في قص عليها ما حدث مُنذ أن قابلته حتى الآن..كانت معالم صفوة ترتخي تارة وتنقبض تارة..ولكن بـ الأخير كانت الإبتسامة تشق وجهها..إنتهت بتول من السرد وقالت
-بس كل دا اللي حصل…
ولكن لم ترد صفوة بل ظلت تبتسم..أجبرت بتول أيضًا على الإبتسام وتساءلت
-خير يا طنط!!
إقتربت صفوة منها وجلست بـ جانبها ثم قالت بـ نبرة أمومية
-تعرفي أنك شبه يونس أوي..حتى حركاتك إيدك وعلامات وشك وأنتي بتحكي
-تهللت أساريرها وقالت:بجد!…
أماءت بـ رأسها بـ قوة..وبالفعل إنتبهت بتول لذلك التغير الذي أصابها..طريقة حديثها إختلفت وإن لم تكن ثرثارة ولكن طريقة سردها للأحداث وحركات يدها والتي لم تستخدمها في حياتها أبدًا..وكانت هذه إحدى الصفات التي لاحظتها بـ يونس.فاقت على صوت والدته وهى تقول بـ إبتسامة بشوشة
-روحك إطبعت بـ يونس..أنا شامة فيكي ريحة يونس إبني…
نظرت لها بتول بـ صدمة لتُقهقه صفوة ثم قالت بـ نبرة رخيمة
-أيوة..ريحتك كلها يونس..أنا عمري م أغلط فـ ريحته أبدًا..وأنتي فيكي ريحة أبني..يعني لازم أحبك…
-إبتسمت بتول بـ خجل وقالت بـ خفوت:أنا بحب يونس أوي..وعشان كدا جيتلك..كان لازم أشوف أي حد من أهله..عاوزة أحس بـ وجوده جمبي فـ غيابه..يونس بقى روحي لما ضاعت مني..أتاريها كانت معاه من الأول…
يونس 28
ودعت بتول السيدة صفوة ثم رحلت وعلى وجهها إبتسامة..ولمَ لا وهى باتت تعلم كل شئ عن يونس..طفولته المُفعمة بـ البراءة والرجولة في آنٍ واحد..شبابه وحياته الجامعية..الحب الذي لم يطرق بابه فـ كانت هى أول قصة عشق جامح يعيشها..تنهدت بـ سعادة وهى تشعر بـ فراشات ذات ألوانًا مُبهجة تُحلق حولها..ولكنها إختفت وحلت مكانها الجراد ما أن أبصرت عدي..لوت شدقها بـ ضيق وقالت بـصوتٍ خفيض
-يا فتاح يا عليم..يا رزاق يا كريم يارب…
كان عدي يصعد الدرج وهو يُتمتم بـ سخرية
-وأدي أخرتك يا عدي لما تكلم روضة الصبح وتقولك وحشتني…
ضحك بـ تهكم ثم أكمل
-هى هتبقى كل مرة كدا..أنسى موبايلي و ورق شغلي المهم…
رفع بصره ليجد بتول تقف أمامه وهى تعقد ذراعيها أمام صدرها وتنظر له بـ سخط..عضّ على شفتيه بـ سخط ومن ثم هتف
-بسم الله الرحمن الرحيم..بيطلعوا أمتى دول!
-حركت رأسها بـ حركات دائريو وهتفت بـ تهكم:لما اللي زيك ينكشحوا يا خفيف…
أغمض عيناه يكبح غضبه منها..سليطة اللسان..بل لسانها يفوقها بـ الطول أمتارًا..تغاطى عن قولها الذي يحثه على تحطيم فكها ثم تشدق من بين أسنانه
-بتعملي إيه هنا!!
قرصت أنفه بـ خفة ثم قالت وتدفعه من منكبه حتى تمر
-جاية أغير الأنبوبة يا ظابط نص كم…
مذهول..صدمة تعقد اللسان بل وتُجبرك على إبتلاعه..هى كائن لا يُمكن للمرء تحمله..وقفت قليلًا ثم إستدارت له وقالت بـ نبرة تهكمية
-هو أنت هتفضل نص كم!!..يعني ربنا مش هيكرمك وتبقى كم!!..دا حتى الجو برّدْ…
كور المفاتيح بـ يده وأوهمها بـ قذفها بها..لتصرخ بـ تخوف ثم هبطت الدرج سريعًا ومن أسفل هتفت بـ صوتٍ عال
-يا ظابط نص كم…
-اه يا بنت المجانين..أقسم بالله أنتي محتجالك مستشفى لوحدك مش عنبر مجانين بس…
ثم أكمل طريقه إلى أعلى…
****************************************
إنتهى يونس من تضميد جراحه مرة أخرى بـ ذهنٍ غائب..فـ كل فكره ينصب على القادم..وعلى لقاء بتوله..بتول..ذاك الاسم المُتكون من أربعة حروف والتس سلبت لبه بـ ابتسامة واحدة ثم نظرة واحدة ليخر صريعًا بعدها…
إستفاق من نشوة فكره بها على ألم بـ صدره..نظر ليجد يده تشتد على جراحه وتفاجأ بـ تلك المضخة أسفل يده..بـ مجرد التفكير بها يكون هذا حال قلبه!..فـ ماذا إن لمسها!..تنهد أكثر من مرة ثم قال بـ مرح
-خلاص جايلك يا رحاب…
أنهى تطهير جرحه وأعاد تضميده..ثم أمسك هاتفه وإتصل بـ أحدهم..ثوان وأتاه الرد من الطرف الأخر
-أيوة يا سيادة المقدم…
وضع يونس الهاتف ما بين رأسه ومنكبه وشرع في إرتداء ثيابه ثم تشدق
-أيوة يا محمد..إيه الأخبار؟!
-البيه عامل حفلة بمناسبة رجوعها وهى هتروح تحضرها
توقف يونس عن إرتداء ثيابه وقد إشتدت عضلات فكه بـ غضب..ثم تساءل بـ صوته المُلغم غضبًا
-وبعدين!!
توجس محمد من نبرته تلك ولكنه تغاطى عنها..ليتنحنح ثم أكمل
-الحفلة هتبدأ ع عشرة كدا..يعني بالظبط فـ معاد رجوعك…
-كمل
-بس كدا
-تساءل يونس بـ نبرة ذات مغزى:يعني مشفهاش إمبارح!
ولكن صمت محمد ولم يستطع الحديث..كز يونس على أسنانه بـ قوة كادت أن تُهشمها..وقد كور يده بـ غضب شديد حتى إبيضت مفاصله..وبـ صوتٍ لم يخلو من العتاب والحنق
-بقى هى دي الأمانة يا عدي!..ماشي
ثم وجه حديثه إلى محمد وأكمل بـ جدية…
-عاوزك تجبلي مأذون من تحت الأرض..الساعة عشرة تستناني ومعاك المأذون..فاهم!!!
ولم يترك له المساحة للرد فـ أغلق الهاتف..قذفه بـ عنف على الفراش وأكمل إرتداء ثيابه بـ عصبية…
دق جرس الباب ليتجه إليه يونس وفتحه فـ وجد محمود أمامه وبلا أي مُقدمات
-يلا الطيارة جاهزة…
أماء يونس بـ رأسه ثم تركه وإتجه إلى الداخل..جمع حاجياته ودلف إلى الخارج…
هبطا سويًا الدرج فـ تشدق محمود بـ هدوء
-سيف لسه هنا
توقف يونس عن الهبوط ثانية ثم عاد وأكمل..ليقول بـ برود إمتهنه
-مش مهم عندي سيف دلوقتي..دوره جاي
-تمام..أنا حبيت أقولك
-هز يونس رأسه وقال بـ رزانة:كويس إنك عرفتني..إرميله العضمة وخليه ينزل مصر…
ضحك محمود وأكمل طريقه مع يونس…
****************************************
وقفت أمام منزل عز الدين وهى تقبض على يدها بـ قوة..تشعر بـ نفور حاد منه ومن دلوف منزله..ولكن بـ الأخير ضغطت على نفسها وتقدمت منه..لم يجتج أفراد الحراسة معرفة هويتها أو تحقق منها..فـ هى خط أحمر بـ النسبة للجميع..
دلفت إلى حديقة المنزل فـ وجدت الجميع في حالة إستنفار..الخدم تعمل على قدمٍ وساق..والعمال تُرهق نفسها عملًا..زفرت بـ إختناق وكادت أن تعود أدراجها..إلا أن صوت عز الدين جمدها مكانها
-حبيبتي!!..رايحة فين!
كزت على أسنانها بـ شراسة..وفي ثوان أخفت إشمئزازها ثم إلتفتت إليه بـ بطء وقالت
-مش رايحة المكان هنا زحمة وكنت هقف فـ الجنينة اللي ورا
-تقدم منها ثم قال بـ حنو:طب تعالي متخافيش..أنا محضرلك السويت بتاعك…
كاد أن يُمسك يدها اليُمنى ولكنها أبعدتها بـ ذعر..عقد ما بين حاجبيه وتساءل بـ تعجب
-مالك يا بتول؟..ليه مش عوزاني أمسك إيدك!
-أجابته بـ تلعثم:مـ..مفيش
-ولكنه رد بـ إصرار:لأ فيه
ثم جذب يدها اليُمنى بغتةً..وحدق بها فـ وجد بنصرها خالي من خاتم خطبتها وحل مكانه حلقة نُحاسية غريبة..ظل يُحدق بها بـ جمود وبتول دقات قلبها تتصارع وبدأ تنفسها يعلو..رفع أنظاره لها وتشدق بـ نبرة جامدة
-فين الخاتم يا بتول!
-أغمضت عيناها وقالت بـ ذعر:معـ..معرفش
-رُغمًا عنه صرخ بـ وجهها:متعرفيش إزاي!!
وعلى إثر صراخه إلتفت الجميع وقد توقفوا عن العمل..أجفلت بتول من صراخه وظلت ترف بـ عينيها عدة مرات لتُزيح تلك العبرات التي كادت تهطل..أغمض عيناه بـ غضب وسب نفسه ما أن رأى خوفها وعيناها التي لمعت..فتح عيناه مرة أخرى وتشدق بـ إبتسامة
-أسف يا حبيبتي مش قصدي أزعق…
لم ترد عليه بتول..ليتقدم خطوة أخرى وأمسك يدها مرة أخرى..ليرتجف بدنها..وقد زاغت عيناها بـ توتر..عاد عز الدين يتحدث بـ نبرة حنونة
-متزعليش..أنا بس زعلت لما ملاقتش الخاتم..أكيد ضاع منك صح!
هزت رأسها بـ نعم وجذبت يدها منه بـ قوة..بـ الرغم من رفضه لتركها إلا أنه لم يرد أن يُخيفها فـ تركها..وبـ تهدج نطقت
-فـ..فين السويت بتاعي..عشا..عشان أجهز…
-هخلي حد من الخدم يوصلك…
ثم أشار إلى إحدى الخادمات التي أوصلتها الجناح الخاص بـ تجهيزها…
دلفت إلى الداخل تتأمل ما فيه..أثاث كلاسيكي ممزوج بـ حضارة العصر..ألوان نبيذية مُختلطة مع اللون الفضي…
نظرت إلى الفراش فـ وجدت ثوب أسود من خامة الشيفون مُبطنة..لامسته بـ يدها وتأملته كان النصف العلوي من خامة لامعة مُزينة بـ فصوص الألماس اللامعة وما فوق الصدر و الأذرع مُلتفان بـ نوع من القُماش الشفاف من نفس اللون..والجزء السفلي من طبقات التُل..فـ كان أشبه بـ ثوب سيندريلا…
لو إختلفت الظروف..لو بقت عاشقة له..لو لم تتقابل مع يونس..لكانت قفزت من السعادة والإنبهار..ولكن ما دار بها هو النفور و الكره…
إستمعت إلى دقات وصوت أنثوي من الخارج..لتتنهد وتقول
-أتفضلي..
ودلفت سيدة جميلة الملامح..بدءًا من وجهها الأبيض وعيناها الملونتان بـ لون العسل..إلى حجابها الرقيق الذي زادها جمالًا..وبعدها دلف عدة فتيات أخرى..تحدثت الفتاه بـ إبتسامة
-أنتي خطيبة مستر عز ..مو (أليس كذلك)!!
-أماءت بـ رأسها وقالت بـ فتور:أيوة..حضرتك مين!
تقدمت منها السيدة و وضعت يدها على ذقنها ثم قالت بـ إبتامة بشوشة
-لك ما شالله…ما شالله..أديشك (كم أنتِ) چميلة..عنجد (حقًا) أنتي ما راح تحتاچي لشي..لك هل جمال شو يؤبرني…
ضحكت بتول بـ قوة ثم قالت بـ مرح
-مع أني مش فاهمة أنتي بتقولي إيه..بس دا أكيد مدح فيا..صح!
-ضحكت السيدة وقالت:إيي (بلى)..صح..يلا نبدأ
دفعتها لتجلس على مقعدًا ما وبدأت رحلتها في وضع مُستحضرات التجميل…
*****************************************
كان يونس يجلس بـ الطائرة التي أقلعت مُنذ فترة طويلة و قد بدى عليه التوتر..إنتبه له محمود وتساءل بـ عقدة حاجب
-مالك يا سيادة المقدم!..متوتر ليه كدا؟
-رد يونس بـ إقتضاب:مفيش..
-لأ فيه..أكيد مش من الطيارة..دي مش أول مرة…
زفر يونس بـ إختناق ثم تحدث وقد سمح لنفسه بـ الحديث عله يجد الراحة
-خايف ملحقهاش
-هى مين!
-وبلا تردد أجاب:مراتي
عقد محمود ما بين حاجبيه بـ دهشة وقال بـ شيئًا من الدهشة
-هو حضرتك متجوز!..أنا أول مرة أعرف
-هز رأسه بـ نفي ثم قال:دا بـ إعتبار ما سيكون…
بدى على وجه محمود الحيرة بـ درجة أكبر..ولكنه هز كتفيه بـ قلة حيلة ثم قال بـ هدوء وكأنه أراد مواساته
-إن شاء الله هتلحقها..متقلقش
-سألع يونس بـ توتر:قدامنا أد إيه ونوصل؟!
نظر محمود إلى ساعته..ثم نظر إلى يونس وقال
-مفضلش كتير..كلها أربع ساعات ونوصل..
ضرب يونس المقعد بـ عنف وقال بـ حدة
-لسه فاضل كتير
-ربت محمود على مكنبه وقال:لو تحب نزود السرعة..مفيش مانع
-رد عليه يونس بـ لهفة:ياريت…
أماء محمود وهو يبتسم..ثم إنحنى بـ جسده إلى الأمام وهمس لـ سائق الطائرة بـ كلمات مُقتضبة..أماء الطيار بـ طاعة..عاد إلى مكانه وقد شعر يونس بـ إسراع الطائرة..نظر إلى محمود بـ إمتنان وقال
-شكرًا يا محمود
-العفو ع إيه بس..إحنا فـ الخدمة…
أخرج يونس هاتفه وإتصل بـ محمد الذي رد بسرعة
-أيوة يا يونس..في حاجة؟!
-أجابه يونس بـ صوته الرخيم:قدرت تتصرفلي فـ مأذون!
ضحك محمد على كلمته “تتصرفلي”..ثم همس في نفسه
-هو بنطلون!
تنحنح محمد ثم قال بـ جدية
-أيوة..وإحنا جايين نستقبلك
-حلو..أنا كمان ساعتين وهكون عندك
-تمام
وكاد أن يغلق ولكن هتاف يونس أوقفه ليسأله بـ هدوء
-في حاجة!
-فكرتلي هدخل الحفلة إزاي!!
نظر محمد إلى الحقيبة بـ المقعد الخلفي ثم تشدق بـ غرور
-عيب عليك يا معلم..
-تمام أوي..متتأخرش يا محمد
-متخافش..أنت وراك رجالة…
ثم أغلق الهاتف..وما كاد أن يضعه حتى صدح مرة أخرى..تناوله فـ وجد صديقه عدي..رد عليه بـ هدوء
-أيوة يا عدي
-محمد!!..أنت فين؟!
-رايح ليونس دلوقتي..أنت اللي فين!
-أنا وراك أهو…
قالها وهو يبعث أضواء بـ سيارته لينتبه محمد إليها..فـ بادله لكي يُشير إليه أنها قد وصلته ثم قال
-خلاص شوفتك..
-هو لسه مصمم يروح لعز!..
-تنهد محمد بـ قلة حيلة وقال:أنت عارف أخوك
-منا عشان عارفه..وخايف من اللي هيعمله..عاوز أمنعه بـ أي طريقة
إبتلع محمد ريقه بـ توتر وقال بـ صوتٍ لا يقل عن توتر جسده
-هو أنت عرفت التقيلة!
-عقد ما بين حاجبيه وقال:اللي هو!
-طب بلاش..أنت كدا كدا هتعرف كمان شوية..
-يعني..آآآ…
ولم يسمح له بـ أن يُكمل حديثه إذ أغلق الهاتف بـ وجهه..فـ علم عدي أت يونس يُدبر لشيئًا ما وبـ الطبع ستحدث كارثة…
*****************************************
وبعد عمل دام ساعات..كانت بتول شبه جاهزة..ولم يتبقَ سوى الثوب..لملمت السيدة حاجيتها وقالت بـ إبتسامتها التي لم تُفارقها
-الله يسعدك يا حبيبتي…
إبتسمت بتول بـ بهوت ولم ترد..فـ خرجت السيدة ومعها الفتيات الأخرى اللاتي ساعدنها في العمل..نهضت بتول عن المقعد وأخذت تتأمل الثوب تارة و الحلقة النُحاسية تارة أخرى..قربتها من فمها ثم قبلتها بـ رقة ثم همست
-بحبك يا يونس…
ثم أزالت عنها بقايا أحمر الشفاه ذو اللون النبيذي الداكن..نظرت إلى هيئتها البسيطة في المرآه بدءًا من خُصلاتها المُصففة بـ عناية والذي وُضع أعلى رأسها تاج ألماسي رقيق..وقد تُركت خصلاتها حرة تنسدل على مكنبها الأيمن..ثم إلى زينتها البسيطة وجيدها المُزين بـ عقد ماسي أخر يُشبه التاج…
تنهدت بتول بـ ثقل ثم إتجهت إلى الثوب وأمسكته ثم دلفت إلى المرحاض..إرتدت الثوب ودلفت إلى الخارج..عادت تتأمل هيئتها الفاتنة..ذاك الثوب والذي صُمم خصيصًا لها أظهر نحافة جسدها الرائعة..برزت عظمتي التُرقوة من أسفل تلك الطبقة الشفافة..مما أضفى عليها فتنة…
ثوان وسمعت طرقات هادئة على باب الغُرفة..إلتفتت بتول إلى الباب وقد شددت قبضتها على الثوب..وإرتفع وجيب قلبها…
دلف عز الدين..والذي بقى دقائق يُحدق بها وقد فُتن بها..هيئتها الناعمة..ثوبها الذي أضفى عليها جاذبية وإثارة رغم إحتشامه..ولكنه لم يستطع منع عيناه من تأملها وكأنها اللحظة الأخيرة..تقدم منها بـ خطى بطيئة عيناه لا تحيد عنها حتى وقف أمامها..ثم قال بـ إنبهار
-ما شاء الله..ربنا يحميكي يا حبيبتي
-هتفت بـ توتر:شـ..شكرًا
-إبتسم عز الدين وقال:بس لسه حاجة ناقصة…
ثم إلتفت خلفها وهى تعقد حاجبيها بـ غرابة..شعرت بـ شيئًا ما يوضع على جزء وجهها العلوي..فـ أيقنت أنه قناع…
كان من اللون الأسود وعلى طرفاه العلويان ريش نعام رمادي اللون..والجزء الأيمن السفلي يمتد على جانب وجهها ليُخفي وجنتها اليُمنى…
شعرت بـ أنفاسه تقترب من عنقها بعدما أحكم ربط القناع..ليدب الرعب في أوصالها..لم تستطع أن تنتظر قُبلته التي ستُدنس عفتها فـ إبتعدت على الفور..إمتقع وجهها خجلًا ثم قالت بـ تلعثم
-ميـ..مينفعش..ممكن..حد يدخل…
ضحك عز الدين وهو يحك مؤخرة رأسه..ثم قال بـ مزاح
-بالرغم إن محدش هيدخل..بس دا كسوف…
تقدم منها ثم مدّ يده إليها وقال بـ إبتسامته الجذابة
-مش يلا ننزل..الناس مستنية!..
-أماءت بـ خفوت وقالت:طيب…
وقبل أن يدلفا إلى الخارج إرتدى عز الدين القناع الخاص به والذي كان من نفس اللون ولكنه يُخفي عيناه فقط..كان يرتدي حلة من اللون الرمادي اللامع يتماشى مع لون القناع..أمسك عز الدين يدها..وقد كابحت بتول حتى لا تتقيأ أو تبكي من فرط خوفها…
****************************************
وصل يونس في زمنًا قياسيًا إلى أرض وطنه الحبيب..ثم إستقل السيارة مع محمد بـ الطبع لم يستطع إستقلالها مع شقيقه والذي نال عتابًا لاذعًا لأنه ترك عز الدين يرى محبوبته بل وأوصله إلى تلك الحفلة..وكم يشعر بـ إنقباضة في قلبه أنبأته أنها تُعاني الرعب…
جلس يونس في المقعد الخلفي و بـ صوتٍ صارم قال
-بـ أسرع سرعة عندك يا محمد إطلع..بص عاوزك تطير
-أنت تؤمر يا سيادة المقدم…
نظر يونس إلى المأذون الذي ظهرت عليه إمارات السأم..ليقول يونس بـ جدية..
-يلا إبدأ يا شيخنا
-نظر إليه ذاك الشيخ وقال:أبدأ إيه يا بني!
-تأفف يونس وقال:مراسم الزواج يا شيخنا..هو أنت بتشتغل حداد!
-رد عليه المأذون بـ عصبية:تحشم يا ولد..وبعدين فين العروسة !!..هنكتب الكتاب إزاي؟!
-ضيق يونس عيناه وقال:مبتتكشفش على رجالة..أكتب أنت بس..
-أين الشهود؟
نهض يونس من مكانه ثم أطل بـ رأسه إلى الأمام..وبـ بخبث تشدق
-هتكتب الكتاب يا شيخنا ولا تشرفنا فـ أمن الدولة!!
-توتر الرجل وقال بـ سرعة:فين بطاقتك وبطاقة العروسة!!
أخرجهم يونس من جيب بنطاله وقد حصل على البطاقة الشخصية الخاصة بـ بتول بـ مساعدة محمد..وبدأ الشيخ في مراسم عقد القرآن فـ قال بـ الأخير
-فاضل بس إمضة العروس وبصمتها…
ثم تساءل
-هى قاصر!!
-لأ..يعني تقدر تجوز نفسها…
وشرع يونس في تبديل ملابسه وإرتداء تلك التي تخوله إلى الدلوف إلى الداخل..وفي غضون خمسًا وأربعون دقيقة..كانوا أمام المنزل..دلف يونس إلى المنزل بـ خفةولم يلحظه أحد من الحرس…
***************************************
هبطا الدرج تزامنًا مع خفوت الأضواء..إستقبلهم ذاك الحشد بـ تصفيق حار و بعض الكلمات لعودة خطيبته سالمة..توقفا في مُنتصف القاعة..أمسك أطراف أصابعها ثم فرقع بـ أصابعه لتصدح موسيقى الأوبرا..جذبها إليه ثم أحاط خصرها ولم يشعر بـ إرتجافة جسدها أسفل يده..هتف بـ أذنها
-عارف إنك بتحبي الأوبرا..عشان كدا رقصتنا هتكون عليها…
تميالا على تلك الألحان بـ مشاعر مُتناقضة..إحداها عاشقة والأخرى نافرة..كانا يتحركان بـ إنسيابية وخطوات مدروسة..وأفلت أصابعها فـ أخذت تدور في حلقات حتى إلتقطتها يد غلظية أقبضت على خاصتها بقوة مُهلكة..وبيده الأخرى إلتفت حول خصرها كما تلتف الأفعى حول فريستها..رفعت عيناها لتُجابه بنيته فـ تعرفت على هويته بصمت..تراقصا وهى لا ترى سوى عيناه وهو يرتدي زي المُحارب الأسطوري “زورو” و وقناعه يُخفي جزء كبير من ملامحه ولكن نابضها تعرف عليه فقد إستشعر ذبذبات أرسلها خاصته لتُصيبها في منتصف روحها..وحدقتيه لا تتزحزحان عن خاصتها..تمايلا على ألحان الأوبرا وها قد سرق منها تلك الرقصة الأرستقراطية..إنتهت الرقصة ليهمس في أُذنها بهمس عاذب
-وأديني وفيت بوعدي وسرقت رقصتي… سنيوريتا..
وإستغل إنطفاء الأضواء ليُقبل نحرها النابض بقُلبة رقيقة ليختفي في جُنح الظلام كما ظهر تمامًا…
وتوقفت الرقصة..أُضيئت الأضواء وظلت بتول تبحث عنه بـ حدقتيها التي لمعت بـ قوة وإزداد وجهها بريقًا…
تقدم منها عز الدين والذي كان الشرر يتطاير من عيناه..من ذاك الذي يجرؤ على إختطاف الرقصة التي لطالما حلُم بها..أمسك يدها وكادت أن تشهق بـ اسم يونس..إلا أنها إبتعلتها وهى تراه بـ هيئته الغاضبة..وقبل أن يهذي كانت هى ترد على عجالة
-أنا معرفش إيه اللي حصل..بس أنت اللي سبته يرقص معايا..لو كنت منعته كنت هستحمل عصبيتك..بس أنت سبته…
ثم رفعت ثوبها وقالت بـ قوة
-أنا داخلة الحمام..بعد إذنك…
وتحركت من أمامه ونبضات قلبها كادت تصم أُذنيها..دلفت إلى الداخل وقد خلا من رواده..أغلقت الباب وإستندت على الحائط خلفها..إبتسمت بـ سعادة بل وقفزت ثم هتفت بـ حماس
-يونس جه…
ثم إتجهت إلى المرآه المُعلقة على طول الحائط..وأخذت تتأمل وجنتها والتي قد تحولا إلى اللون الوردي..لم تشعر بـ ذاك الذي دلف خلفها ثم أحاط خصرها..شهقت بتول ولكن ما أن أبصرته..حتى هتفت بـ عدم تصديق
-يونس!!!
ولم يتركها تُكمل حديثها إذ أدارها وجذبها في أحضانه..أحاطها بين يديه بـ قوة حتى بدت كـ إحدى ضلوعه..وهى لم تقل عنه بل إزدادت وهمست بـ صوتٍ مُتحشرج
-وحشتني أوي..أوي
-أبعدها عنه وأحاط وجهها:وأنتي وحشتيني أكتر يا قلبي يونس من جوة
ثم أخرج من جيب بنطاله ورقة وقال بـ جدية
-بصي معندناش وقت..إمضي هنا إبصمي
-عقدت ما بين حاجبيها وتساءلت بـ توجس:إيه دا!
-سألها بـ حنو:مش أنت بتثقي فيا!!
أماءت بـ رأسها دون تردد..فـ إبتسم بـ عذوبة وقال
-خلاص ثقي فيا وأمضي…
وبـ ثوان جذبت الورقة ومضت ثم بصمت كما طلب..أخذ الورقة وطواها..ثم إقترب منها و وطبع قُبلة سريعة على شفاها..تشدق وهو يتحرك إلى الخارج
-سلام مؤقت يا مراتي…
ثم خرج وتركها تُحدق به بـ بلاهة وصدمة عقب ما قال…
*****************************************
وخرج يونس كما دلف وأبدل ملابسه وكاد أن يدلف مرة أخرى إلا أن عدي أوقفه قائلًا بـ حدة
-اللي بتعمله دا غلط
-أزاح يونس يده وقال بـ غلظة:الغلط لما وثقت فيك..اللي جوه دي مراتي وأنا مش هسيبها عنده ثانية…
ثم دلف بـ خطى سريعة..لم ينطفأ شوقه لها ما أن أبصرها في هذا الثوب والذي جعلها كـ حورية هربت من الجنة..فـ ما أن رآها بـ هذا الثوب حتى هوى قلبه من فرط جمالها الفتاك…
تلك المرة دلف يونس من البوابة بـ كل هيبة ووقار..ضرب كل حارس حاول أن يمنعه من الدلوف وقد ساعده محمد وعدي..وفي غضون دقائق..وصلوا أمام باب المنزل..ركله يونس بـ عنف و وقف يُطالع ما حوله بـ إزدراء…
عم الأجواء الصمت..وكل الأبصار توجهت إلى يونس..تطلع إليه عز بـ عينان جاحظتان..وقبل أن تحرك من مكانه حتى وجد من يندفع خلفه بـ أقصى سرعة..لتستقر في أحضان يونس…
تراجع يونس إثر الإصطدام ولكنه حاوطها بـ يدها الصلبة..إلتفت يداه حولها بـ تملك..ثم رفع أبصاره إلى عز الدين الذي شحب كـ المـ,ـوتى..كان يقف كمن سكب عليه دلو ماء قارص البرودة..جسده قد تصلب من المفاجأة…
كانت عينا يونس تنظر إلى عز الدين بـ حدة كـ حدة الصقر..نظرات تبث السموم كـ أفعى..عيناه ضيقة بـ غضب حارق يحرق الأخضر واليابس..عينان تهتفت بـ وعيد أسود قاتم كـ هوة جهنم..نظرات تخترق جسده وعيناه حتى كادت أن تحرقها…
نظراته أخبرته بـ بساطة بـ تملكه لها..أنها ملكه وليست لغيره..أنها باتت له وليست لأحدٍ أخر..نظراته كانت أبلغ من أي حديث..نظرات تحكي ألف قصة وقصة بدايةً من الإنتقام وحتى النهاية إنتقام لاذع..مر المذاق..فـ يونس المُحارب قد حظى بـ أميرته وإنتزعها من بين يديه…
يونس 29
أخذ منه الأمر سويعات حتى يستقبل مخه إشارت تدل على أنها ترتمي في أحضان غيره..تجاهل تلك العينان التي تنظران إليه بـ وحشية تُهدد بـ الفتك به..تطايرت الشرارات الغاضبة من عيني عز الدين ثم إنطلق كـ القذيفة ينتوي نزعها من أحضانه نزع..وكادت يده تمتد إليها..إلا أن يد يونس الصلدة منعته من ذلك..قبض على معصمه بـ قوة كادت أن تُهشمه من فرط عنفها..لم يخفَ الغل و الحقد التي أودعها يونس بـ قبضته…
وبـ يده الأخرى جذبتها من خصرها لتحتمي خلف ظهره..ولم يظهر سوى عيناها اليمنى وقد إختفت تمامًا خلف جسده العريض..كانت عينا عز الدين لا تتزحزحان عن خاصتها بـ نظرات دبت الرعب في أوصالها..تلك النظرة الأكثر شراسة على الإطلاق..نظرات نمر قد هربت فريسته وأخذ يتربص بها حتى هربت..هذا ما رأته في عيناه مما جعلها تُغلق عيناها بـ قوة وتعتصر جفنيها..قبضت بـ يدها الصغيرة على قميص يونس عل تلك القوة النافذة منه تتسرب إليها…
علا صوت تنفس عز الدين بـ غضب ثم هدر بـ صوتٍ أجفل الجميع عداه وهو يقف أمامه شامخ كـ الأسد
-تعالي هنا!!
تحرك يونس إلى اليمين ثم بـ قبضة حديدية أدار فكه بـ قسوة وردد
-بصلي أنا…
-سحب عز الدين يده بـ عنف ومن ثم هدر بـ عصبية:أطلع برة…
-إبتسم يونس بـ إستفزاز:منا هطلع…
ثم أكمل بـ نبرة خبيثة
-مع مراتي…
وتاهت الدنيا من حوله..زوجته!!..متى وكيف!!..توسعت عيناه بـ قوة مُندهشة ثم تشدق بـ تلعثم وقد شعر أن قلبه ينشطر إلى نصفين بـ سكينٍ بارد
-مـ..مرا..تك
-أومأ يونس بـ رأسه ورد عليه بـ برود:أينعم..أظن لا أنت ولا رئيس الوزرا يقدر يمنعني عن مراتي
-كدااااب…
همهم يونس بـ تسلية ثم تشدق بـ تهكم
-مممم..هعديهالك عشان بس أعصابك
أدار رأسه نصف أستدارة ثم قال لـ بتول بـ حنو
-يلا
أومأت بـ رأسها عدة مرات بـ نعم وهى تشعر بـ الإختناق..تُريد الخروج من هنا بـ شتى الطُرق..أمسك يدها يبُثها الأمان وما كاد أن يلتفت حتى باغته عز الدين بـ لكمة أسقطته أرضًا..صرخت بتول بـ خوف ثم جثت على رُكبيتها تتفقده…
ولكنها لم تصل إلى الأرض فـ قبضة عز الدين أحالت دون ذلك جاذبًا إياها نحوه..توسعت عيناها بـ هلع وهى ترى نظراته التي تكاد تحرقها..أخذت تتلوى بين يديه ولكنه لم يسمح لها بـ الهروب..نطق بما جعل الدم يتحسب رويدًا من جسدها كما روحها التي شعرت بها تنساب تدريجيًا..همس بـ فحيح أفعى يُسري الرعب في النفوس
-أنتي ملكي وبس..واللي مأختدوش برضاكي هاخده غصب عنك…
إبتلعت ريقها بـ صعوبة ومن ثم صرخت بـ رعب وهى تستشعر يده على ظهرها
-يونس!!!
ولم يتحاج يونس سوى صرختها حتى إستفاق..نهض كـ الوحش وهو يراها في أحضان تلك الأفعى ثم إنتزعها منه بـ عنف..ولم يكد ينزعها حتى إنهال عليه ضربًا مُبرحًا..فجر فيه كبت سنوات من التعذيب وسنوات أخرى من تلك المذبحة التي شهدها..صرخ صرخات وحشية وهو يُهدد عز الدين بـ قتامة
-وحياة اللي خلقني وخلقك يا عز لكون مسففك تراب الأرض عشان تفكر تلمسها بـ إيدك النجسة دي تاني
ركله مرة أخرى في معدته حتى تناثرت الدماء من فمه وهدر بـ صوتٍ قد تشققت له الحوائط
-ساااااامع!!!
ثم إلتفت إليها وقبل أن يخرج بها..حتى مد يده إلى جيدها وإنتزع ذاك العقد بـ قسوة قذفه بـ وجهه ثم قال بـ إزدراء
-مش محتاجين حاجة من نجاستك…
ودلف إلى الخارج بـ هدوء عكس عاصفة دلوفه..وبـ الطبع عدسات الصحافة لم تتأخر عن تسجيل هذا الحدث الأكثر من رائع..حديث لن يتوقف عنه العامة حتى بعد مائة عام…
كان يونس يسير بسرعة وقد أشار إلى عدي و ومحمد المُنشغلان بـ إبعاد الحرس..تبعاه بـ صمت ولم يجرؤ أحد على الحديث فـ مظهره لا يُبشر بالخير…
سمعوا صوته البغيض يتردد بـ وعيد وقتامة
-هى ملكي..ملكي أنا وبس..سامع!..هى من حقي أنا…
ولكن لم يتوقف يونس..ولكن أيضًا لم يمنع من تصلب عضلات وجهه وتشنج جسده بـ أكمله..تأوهت بتول وهى تستشعر قبضته تشتد أكثر على يدها حتى كادت أن تُحطمها…
***************************************
الجميع بالسيارة ويحيطهم الصمت..صمت خانق كـ ساحبها رمادية خلفتها النيران..عدي يجلس بـ جانب صديقه الذي يقود السيارة بـ خوف من سكون يونس..الجميع يتوقع إبتهاجه من أن يراها..سعادة وتهليل..ولكن كل ما حصلوا عليه هو الصمت والسكون وكأن ريح عصفت بهم وتركتهم بلا حياه…
كان يونس مُتصلب الجسد..مُقتضب الوجه..عيناه لو رأها أحد لتجمد أمامه من هول خطورتها..يده لم تترك يدها بل وتشتد عليها أكثر..كلما تذكر كلماته التي ألقاها حتى يشعر بـ فوران وغضب قد يُطيح بمن أمامه..يعلم أن الحرب ستشتعل على أشُدها وستكون الخسائر فادحة..الطرف المُتأذي هو..هو فقط وليس غيره..إما ضايعها أو ضياع أحد من أفراد أسرته..ظل كاتمًا غضبه الذي أشبه بـ القنبلة الموقوتة..ما أن تُنزع فتيلها حتى تُحطم الجميع إلى أشلاء…
نظر عدي إلى وجه بتول أولًا والذي حاكى شحوب المـ,ـوتى بل وتعداه..ثم إلى يونس والذي ما أن وقعت أنظاره عليه حتى تصاعدت ضربات قلبه بـ شدة..إبتلع ريقه بـ صعوبة وتشدق بـ تردد
-يونس!!!
ولم يعرف أحد ماذا حدث..كل ما فعله عدي أنه نزع الفتيل فـ أنفجر يونس يهدر بـ صوتٍ مُرعب دوى صداه كـ الرعد…
-أنت تخرس خالص..لو كنت أخد بالك منها..مكنش حصل دا كله..أدي روحنا بقت على كف عفريت
-حاول عدي التحدث بـ تردد:أنا آآآ…
ولكن يونس لم يسمح له بـ الإكمال وردد بـ قسوة
-إعرف إنك أول واحد هتتلسع من ناره…
وجفت الحروف وأُغلق الحديث..نكس عدي رأسه بـ خزي..فقد إعتمد يونس كليًا عليه حتى يحميها وهو أعطاه وعد لم يستطع إيفاءه..وعاد الصمت من جديد…
كانت بتول مُنكمشة على نفسها ما أن أبصرت موجة غضبه..ولكنها تعذره..النظرة التي رمقها بها عز الدين كانت كفيلة بـ جعلها تتمنى المـ,ـوت..إبتعلت ريقها بـ خوف..ثم همست إلى محمد
-ممكن توقف العربية!
-نظر لها محمد من المرآه ثم تساءل بـ غباء:أوقف العربية!..هنا!..فـ الصحرواي!
أماءت بـ رأسها بـ نفاذ صبر قبل أن ينتبه يونس..هز رأسه بـ قلة حيلة ثم أوقف السيارة..همست مرة أخرى
-خد عدي وإنزلوا من العربية..وحاولوا تبعدوا
-طيب
قالها مسلوب الإرداة وهبطا من السيارة..نظر عدي إلى أخيه الشارد بـ حزن ثم إستدار وأكمل سيره مع صديقه…
أخذت بتول عدة أنفاس تُهدأ من روعها وتبث في نفسها الثقة المسلوبة..إستدارت نصف إستدارة..فـ وجدت عيناه بـ لون الدم..وصوت تنفسه يكاد يصمها..إبتلعت ريقها بـ صعوبة وقد ذهبت ثقتها الزائفة أدراج الرياح..ولكن نفسها الثائرة تدفعها بـ أن تُكمل ما لم تبدأه…
رفعت يدها المُرتعشة وأدرات وجهه..لـ لحظات تصلب وجهه وكأنه لا يُريد النظر إليها..فـ همست بـ صوتٍ رقيق ولكنه غُلف بالخوف
-يونس…
وأمام بحة صوتها الرائعة..أمام رقتها الممزوجة بـ الخوف..لم يجد سوى أن يلتفت إليها..تُلقي بـ سحرها عليه دون أن تُمارسه..نظر إلى عينيها بـ عمق حتى نفذ إلى روحها وهى فعلت المثل..ظلت النظرات تتعمق وتتعمق حتى وصلت حد الجموح..أجفلت بتول وهى ترى نظرات راغبة فيها تكاد تفتكها..تضرجت وجنتيها بـ حمرة خجلة وقد أخفضت نظراتها وهى تُعاتبه بـ رقة
-مينفعش كدا
-رد بـ هدوء وحب أدهشها:هو إيه اللي مينفعش!!
إرتفعت نظراتها لا إراديًا وهى ترى الصفاء والحب بـ عيناه..بدأت تشك في قواها العقلية وأن نوبة غضبه وقساوة عيناه لم يكن سوى هذيان..توسعت عيناها وهى تميل بـ رأسها إلى أحد الجوانب.
ليضحك يونس ضحكته الرجولية ثم قال
-متبصليش كدا..أنتي متعرفيش أنك أد إيه قادرة تقلبي مودي فـ لحظة..لحظة واحدة بس..يا بتولي…
قالها وهو يميل على وجنتها ويُقبلها بـ شغف..تلامس ذقنه مع طرف شفاها فـ جعل جسدها يرتجف بـ شدة..طالت القُبلة وتطرقت إلى عدة قُبلات على وجنتها حتى وصلت إلى طرف شفاها..كانت مُتصلبة أسفل جسده الذي يُشرف عليها به..تنفسها قد تسارع حتى باتت تشعر بـ دوار إكتسحها…
تسحبت يداه تضمها إليه في عناق وحشي..كاسر..مُتملك..و وجهه مدفون في تجويف عُنقها وهو يُهمهم بـ هيام
-بعشقك يا بتول..همـ,ـوت لو بعدتي عني
إرتفعت يداها المُترجفة تحاوطه ثم إرتفعت إلى خُصلاته وأخذت تعبث بها بـ صوتٍ غلبت عليه العاطفة قالت
-مفيش حد يقدر يسيب روحه لما يلاقيها…
ثم همست بـ أُذنه بـ رقة جعلته يتأوه
-وأنت روحي..الروح اللي مبعدهاش روح…
لو أنهما في غُرفة مُغلقة..لو أنهما مُنعزلان عن العالم..لو أنهما لي زمن غير الزمن..لكان هو وهى يعيشان الآن في عالم لن يطرقه أحد ولن يزعجهما أحد..لكن لو إستحالت دون ذلك…
همس يونس بـ صوته الأجش عابثًا
-لو مبعتديش عني دلوقتي..صدقيني يا بتول مش هيحصل كويس…
وفي ثوان كانت يداها تدفعاه من صدره بعيدًا عنها..ضحك يونس ملئ فاه حتى جعل عدي ومحمد يقطبان بـ تعجب..مُنذ ثوان وكاد أن يبتلعهما بـ غضبه..والآن يضحك ملئ فاه حتر شعرا بـ الفراشات تطير حولهما…
أطلت بتول بـ رأسها وأشارت لهما بـ المجيئ..وقد علما أنها إمتصت غضب يونس بـ الكامل..فـ تشدق محمد بـ ذهول
-صحيح تستاهل يمـ,ـوتوا بعض عشانها…
ثم صعدا السيارة ولم يتجرأ أحد على الحديث..أدار محمد المُحرك وظل صامتًا…
إلتفتت بتول إلى يونس وقالت بـ خفوت
-وهنعمل إيه مع بابا!!
-هز رأسه بـ بساطة:أكيد هيوافق…
****************************************
-على جثتي يا سيادة المحترم..هطلقها دلوقتي …
نطقها إسماعيل بـ غضب وقد رمق بتول بـ نظرة تحمل الخزي..نكست رأسها ولم ترد..بينما إسلام كان في قمة إنتشاءه..ها قد تخلصت من عز الدين ولا يبدو على يونس أنه يشبهه بـ مثقال ذرة..لا يعلم لما شعر بـ الراحة ما أن أبصره..هنا وعلم أنه المنشود هو من ظلت بتول تبحث عنه ولكنها قد وجدته قبلًا في أسوء الرجال ولم تلحظ…
لم يبدُ على يونس التأثر مما قال والدها..إلا أنه إعتدل في جلسته ثم قال بـ رزانة
-يا أستاذ إسماعيل..بتول خلاص بقت مراتي..وأنا معملتش كدا عشان حاجة من اللي خطرت فـ بالك…
إتسعت عينا إسماعيل بـ شدة وقد فهمه يونس سريعًا..فما ان قص عليه شئ دون أن يُجمل أو يحذف..إعترف بـعشقه وهيامه بها دون خجل..ولما يخجل أن يعترف بـ أنه عاشق لذرات الأتربة التي تخط عليها..وهذا ما لاحظه مُذ أن رآه..ولكنه أراد أن يتأكد من صدق مشاعره كي يطمأن قلبه…
إستعاد إسماعيل رباطة جأشه وقال بـ صلابة
-برضو مينفعش..أنت أخدتها زي اللي بيسرق وهى إعتبرت إن معندهاش أب ترجعله..أنا مش هسلملك بنتي بالطريقة دي
-إبتسم يونس وقال بـ ثقة:ومين قالك إني أخدتها!
-رد عليه إسماعيل بعدم فهم:مش فاهم
-وضح يونس مقصده:يعني جوزاي منها صوري دلوقتي..لحد أما أتقدملها وكأننا لسه متجوزناش..بس كل اللي عاوزه من حضرتك..إني أخدها بيتي عشان أعرف أحميها…
وبعد ساعة من المحادثات والتي إنتهت على مضض بـ موافقة إسماعيل على ما يطلب وأنها ستظل معه بـ بيت أهله وسط عائلته كي يضمن عدم إنفراده بها..فـ لم تخفَ عليه نظراته التي تتوق إلى إبنته..ولكنه وعده وما رآه إسماعيل أنه رجل شهم ولن يتراجع عما قال..وقتها علم أنه فارس إبنته المغوار..ولكن كانت عيناه تخبره إن حنث وعده ستكون عنقه هى الثمن…
جلس يونس على فراش بتول في غرفتها الغاية في الطفولة..كل ما يُحطيه وردي اللون يختلط مع اللون الأزرق الهادئ..رسومات كارتونية لأميرات ديزني..كل شئ يليق بها وطفولتها..زفر يونس وهو يراها تقف أمامه
-باباكي دا صعب أوي
-ضحكت بتول وقالت بـ دلال:بيخاف على بنته وعاوز يطمن عليها
-رد عليها بـ حنق:وهو أنا هاكلك…
نظرت له بـ نصف عين ليضحك هو ثم قال بـ عبث
-يعني..مش هاكلك أوي…مش مصدق امتى هتكوني ليا…
وضعت يدها على وجنته بـ حب و بـ رقتها المعهودة همست
-خلاص هانت يا حبيبي…
وما أن نطقت بـ “حبيبي” حتى إنتفض كمن لدغته أفعى..جذبها من معصمها وقد إرتشعت خوفًا..ثم قال بـ صوتٍ أجش
-قولتي إيه!
-ردت بـ تلعثم:قولت..قولت إيه؟
-عيدي اللي قولتيه…
نظرت إليه بـ غرابة ولكنها نطقت بـ تردد
-خلاص هانت
-ليُكمل هو بـ شغف:اللي بعدها بقى
-إبتلعت ريقها بـ صعوبة وقالت بـ خجل:حبيبـ…
تأوه بـ عنف..ليغرس يده في خُصلاتها المجنونة كـ صاحبتها ويجذبها إليه..لينقض على شفتيها في أول قُبلة لهما..قُبلة إلتقت فيها شفتان عذريتان لينتهكا عذريتهما في تلك الـ…لا يوجد لما يحدث الآن تسمية..فـ هو تلتف يدها حولها تضمها إليه بـ قوة وشفتاه لا تتوقف عن إلتهام شفتيها المُغوية كـ تفاحة آدم..ويداه تشتد على خصرها تجذيها إليه أكثر حتى إنتقلت سخونة جسده إليها..وتاه العالم عنهما و وجدا عالمًا خاصًا بهما..شعرا حولهما بـ الألعاب النارية ترتفع وتلاطمت الأمواج بينهما وسبحا على غُمامة أضاءتها النجوم…
يونس 30
ظلام..كل ما خلفوه وراءهم هو الظلام..ولكنه لا يُضاهي عيناه ظلام..كان يجلس أرضًا في المُنتصف يضم رُكبتيه إلى صدره وأخذ يتأرجح إلى الأمام والخلف..توعد لأكثر من مرة بـ أغلظ الإيمان أنها ستكون له..سيمحي يونس وجذوره من الوجود..كل من يحمل حروف الاسم سيكون مصيره المـ,ـوت…
لم يأبه إلى ثيابه المُشعثة ولا تورم وجهه..ولا تلك الدماء التي جفت على وجهه..بل ما يشغله هو إنتقام منها ولها..منها لأنها خانت عهده وأحبت غيره..ولها لأنها تم تدنيس روحها من قِبل أكثرهم بُغضًا إلى قلبه…
فُتح الباب ودلف رجلًا ما ثم دنى إلى سيده وقال بـ إحترام
-عز الدين بيه!!
رفع عز الدين أنظاره ولم يتحدث..فـ أكمل الأخر حديثه بـ جدية
-سيادة العقيد رفعت قبضوا عليه الصبح..كل حاجة إتكشفت…
ولم يتأثر عز الدين ولم تتحرك عضلة واحدة من جسده..ولكنه تساءل بـ جمود
-فين سيف؟
-وصل من شوية..وهو جاي على هنا…
أشار عز الدين بـ يده كي ينصرف..فـ إنصرف الرجل بـ هدوء..نهض هو صعد غُرفته وبدأ في تبديل ثيابه وغسل وجهه بـ الماء البارد عكس النيران المُشتعلة داخله..تفحص وجهه بـ المرآه ولم يهتز أيضًا لمظهره المشوه..بل جففه ودلف إلى الخارج..صعدت خادمة تتحدث بـ تلعثم وخوف من هدوءه…
-السيد سيف تحت…
رفع أنظاره القاتمة لها والتي دبت الذعر في أوصالها ثم صرفها بـ إشارة من يده..وما أن أشار لها بـ الرحيل حتى هربت تتنفس الصعداء..أعاد إرتداء تلك الحلقة الفضية في يُسراه تلك المرة وكأنه يُثبت للجميع أنها ستعود له بل وستكون ملكًا له..هبط الدرجات بـ فتور وكأن شيئًا لم يكن…
نظر إليه سيف من بعيد وقد أثار توجسه من هدوءه ولا مبالاته..حقًا ذلك أكثر رعبًا من ثورته..ستكون العاصفة شديدة وستقتلع كل من يقف بـ طريقها..وصله من بعض الأشخاص أنه رفض تدخل الشرطة وبعض الجهات العسكرية من أجل ما حدث..وما حدث قد تم مواراته ودفنه مع الأشخاص الحاضرين..حقًا لا يعلم ماذا أصاب من هنا فـ الجميع أختفى ولا يوجد أثر لأحد…
إبتلع ريقه وهو يجد عز الدين قد وصل أمامه وبـ جفاء قال
-تجبلي بتول من تحت الأرض..وليك حرية التصرف حتى لو..تجبهالي..سامع!!
جحظت عينا سيف بـ قوة حتى كادت أن تخرج من محجريهما..حقًا قد فقد ما تبقى من عقله ولكن أثار إشمئزازه بَ طريقة مُخجلة..ليقول سيف بـ تقزز
-أنت أكيد أتجننت يا عز..أنت جرى لمخك حاجة؟!
لم يتأثر..يبدو أنه فقد الحياه طريقة حديثه وهدوءه تُثيران الرعب بـ طريقة مُخيفة..رفع عز الدين أحد حاجبيه وقال بـ جمود
-معنديش وقت لسؤالك الغبي دا..هتجيبها ولا أتصرف بـ طريقتي!
-أشاح سيف بـ وجهه وقال بلا مُبالاه:إتصرف بطريقتك
-إبتسم عز الدين بـ شراسة وهتف:حاضر هتصرف بطريقتي…
أشار له بـ حاجبيه وقال بـ تجهم
-بره…
إبتسم سيف بـ سخرية ثم خرج..وضع عز الدين يده بـ جيب بنطاله..ثم هدر بـ اسم أحدهم
-جعفر!!!
أتاه المدعو جعفر بـ خطواته الرتيبة وهدوءه المثير للأعصاب ثم قال بـ إحترام
-أؤمرني يا سيادة الوزير
-إبتسم عز بـ شيطانية وقال:طلع كل حبايبنا من المخزن وإعملهم حفلة شوي مُعتبرة
-وبلا ملامح رد جعفر:حاضر يا عز بيه…
أخرج عز الدين لُفافة تبغ ذات لون بني..ثم أخذ في تدخينها..وأخذ يُشاهد جعفر ورجاله وهم يخرجون العديد من الأُناسي والذين هم ضيوف حفلته..والصراخ يدوي وأحدهم يصرخ بـ توسل
-إرحمنا يا عز بيه..محدش هيعرف حاجة…
إقترب منه عز بـ خطى رتيبة ثم قال بـ خبث
-منا عارف إن محدش هيعرف..بس دي إحتياطات أمنية…
ثم تجهم وجهه مرة أخرى وعاد يُشاهد رجاله وهم يسكبون السائل القايل للإشتعال على الأرضية..والجميع يصرخ الصحافيون وذوي الشأن والمراتب العُليا والجميع يصرخ بـ أنه مجنون ولا أحد يعلم أنه تخطى مرحلة الجنون بـ مراحل عديدة..تقدم جعفر منه وهمس
-كل حاجة جاهزة…
نظر له من طرف عيناه ثم أشار بـ رأسه كي يرحل..تبعه هو بـ خطوات تدب الرعب حتى وقف على الباب ثم إلتفت وقال بـ نبرة رجل على حافة الجنون
-أتمانلكوا سهرة سعيدة…
ثم أخذ أخر نفس من لُفافة التبغ وقذفها أرضًا..لتشتعل النيران بـ المنزل..أغلق الباب بـ إحكام وهو يستمع إلى الصرخات بـ الداخل..صرخات لو سمعها معدومي الرحمة كان قد رق قلبه وأنقذهم ولكن عز!!!..كان قد جُن بـ الفعل..وقف بـ جانب ذلك الرجل الهادئ..ثم قال وهو يُشاهد إندلاع النيران
-زي ما إتفقنا…
-حاضر يا عز بيه…
أملا عليه عنوانًا ما وقال بـ جمود
-هتلاقي بنت فـ العنوان دا..تجيبها وتحصلني ع المخزن…
وأماء الرجل بـ طاعة ورحل..بينما بقى يُتابع تآكل النيران لذلك المنزل كما تتآكل نار الكره والحقد بـ قلبه والإنتقام سيبله الوحيد…
****************************************
لم يفق من نشوته إلى على صوت طرقات الباب التي تجاهلها المرة الأولى..إلا أن بتول أبعدته وقالت لاهثة
-الباب يا يونس…
وضع وجهه في تجويف عنقها وظل يأخذ أنفاسه المسلوبة رُغمًا عنه وصمت..وبـ صوتٍ مُتهدج نطق
-ردي أنتي أحسن
-حـ..حاضر…
أخذت عدة أنفاس لتستعيدها وحاولت تطويع ضربات قلبها التي أبت الهدوء..وبـ صوتٍ حاولت إخراجه ثابت
-أيوة!!
-أتاها صوت والدتها الخبيث:كل دا عشان تردي!
-همست بـ جذع:يا لهوي إتفضحنا…
ولكن يونس أبعد ما يكون عما تتفوه به الحمقاء..يشتم رائحتها التي تُسكره ولا تزال يده تعتقل خصرها..أبعدته عنها وقالت بـ ذعر
-يونس ماما بره
-طيب…
قالها يونس بـ تأفف وتركها..إستعادت رباطة جأشها وفتحت الباب..لم يخفَ عليها نظرات والدتها التي طالعتها بـ خبث..فـ تشدقت بتول بـ تحذير
-متبصليش كدا يا ماما الله يكرمك
-مصمصت بدرية شفتيها وقالت بـ ضحكة:هو أنا عملت حاجة..أنا جاية أقولك أبوكي عاوزك
-أخذت بتول نفسًا عميق ثم قالت:حاضر جاية أهو…
ورمقتها والدتها مرة أخرى بـ خبث وكذلك يونس الذي إتسعت إبتسامته ما أن رأى حماته..همس بـ سعادة
-حماتي كدا هتبقى فـ صفي..دا أشطه أوي…
أغلقت بتول الباب وما كادت أن تستدير حتى وجدت يونس يحتضنها مرة أخرى وأخذ يُقبل عنقها الظاهر..عدة قُبلات رقيقة أسرت الدفئ في جسدها..أمسكت قميصه عن كتفه الأيمن وقبضت عليه بـ قوة..تستشعر قُبلاته التي يضع بها جميع مشاعره التي رفضتها قبلًا..تلاحقت أنفاسها بـ صورة مُقلقة إلى أن شعرت بـ قدميها تخور..ولكن يونس لم يسمح لها بـ السقوط..فـ أمسكها جيدًا من خصرها ثم رفعها إليه…
وتوقفت قُبلاته مع توقف أنفاسه..تلك الصغيرة ستودي بـ حياته لا مفر..همس من بين شفتيه بـ سبة بذيئة وتبعها قوله الحانق
-كان لازم أعمل فيها شهم وأقول لأبوكي إني مش هقربلك!..إزاي هستحمل!!…
ولم يقابله سوى تسارع أنفاسها..ليحكم يده حولها ثم قال بـ حزم
-روحي شوفي باباكي..وإعملي حسابك..هتيجي معايا دلوقتي..أنا مش هستنى لبكرة…
ثم دفعها إلى الخارج تحت ذهولها وعدم قدرتها على الحديث بعد عاصفته مُنذ قليل..وضعت يدها على خافقها تُهدأ من نبضاته وترسم الهدوء على وجهها..ثم سارت بـ خطى بطيئة حتى تستعد لمواجهة أبيها ولكنها ما أن مرت بـ إحدى المرايات حتى لطمت وجهها وقالت بـ شهقة
-خبر إسود..منك لله يا يونس..منك لله…
أخذت تنظر إلى عنقها الذي تحول إلى اللون الأحمر في مواقع قُبلاته..فـ بحثت بـ عينيها حتى تجد ما يُخفي عنقها..لتجد وشاح والدتها فـ أخذته ووضعته حول عنقها بـ إهتمام حتى لا تظهر عنقها المُفعم بـ مشاعر يونس…
وبعد مدة كان يونس وبتول يودعان عائلتها بـ دموع..ليقول إسماعيل بـ رجاء
-هى أمانة فـ رقبتك..أنا سلمتهالك وأنا مطمن إني سلمتها لراجل
ربت يونس على ذراع حماه ثم تشدق وهو ينظر إلى بتول بـ حب
-متوصنيش على روحي يا عمي..بتول كمان أغلى من روحي…
ودعت بتول والدتها للمرة التي لا تعلم عددها وشقيقها مرة أخرى والذي حذر يونس من العبث بـ قلبها…
****************************************
أخذ يتطلع إلى تلك الغُرفة التي وضعوه بها ولم يأتي أحد..يعلم أن كل شئ تم إكتشافه وأنها النهاية..سمع صوت الباب يُفتح بـ تمهل يستمتع صاحبه بـ نصره ودلف بعدها سعد ويتبعه عدي. نظر لهما رفعت بلا مبالاه ثم نظر أمامه مرة أخرى…
جلس سعد أمامه وقذف ملفًا ما على الطاولة وعدي يستند إلى الحائط خلفه يرمقه بـ إزدراء..كان رفعت أو من شق الصمت بـ حديثه الساخر
-هتفضلوا تبصولي كتير!!
ولم يرد أحدًا عليه..بل أزاح الأوراق إلى رفعت والذي بدوره أعادها إلى سعد وقال بـفتور
-عارف فيها إيه
-ومش همك؟!
إنطلق هذا السؤال من عدي..والذي أكمل بـ حدة
-الملف دا فيه بلاويك أنت وعز..فيه كام روح قتلتم كأنكم نصبتوا نفسكم عزرائيل..كام سرقة سرقتوها..كام صفقة أدوية فاسدة دخلتوها مصروكام واحد مات..فيه كام سلاح مسكتوه لشباب زرعتوا فيهم مفاهيم إن يا الإسلام يا الإرهاب..الإسلام اللي متعرفوش عنه حاجة..فيه كام شاب ضحكتوا عليهم بـ السفر برة وأنتوا كنتوا بتسلموهم تسليم أهالي لتجار الأعضاء وتروحوا تقولو لأهله إن السفينة غرقت أو الطيارة وقعت…
نظر إلى رفعت بـ برود ولم يهتم..لم يشعر بـ الشفقة أو الندم لما فعل..بل رد بـ جمود
-دا اللي تستحقه البلد بعد أما قتلوه..قتلوا ابني قدام عيني
-إبنك كان إرهابي و ***..إبنك قتل وكان لازم يتعدم..إبنك خان بلده وكان لازم يدفع التمن…
ضرب رفعت سطح الطاولة بـ عنف وغضب..وساد الصمت..إرتخى في جلسته ونظر إلى سعد ثم تشدق
-شوف شغلك يا سعد..أنا لا هنكر ولا هعترف..وأنت فـ إيدك الأدلة..خلصني من الفيلم الهندي دا…
سحب سعد الملف ونهض بـ كل وقار..ثم تشدق أخيرًا بـ جفاء
-زي ما تحب..محاكمتك هتكوم كمان يومين..والحكم هيتنفذ بعد المحاكمة بيومين…
ثم دلف إلى الخارج وتبعه عدي..أغلق الباب وتحدث مع سعد بـ حنق
-مش ممكن يكون بني أدم…
-أشار سعد بـ يده وقال بـ هدوء:خلصنا..المحكمة هي اللي هتقوم بالواجب بعد كدا..الموضوع دا ميتفتحش تاني…
أماء عدي بـ رأسه ليسأله سعد مرة أخرى
-يونس مش جاي!!
-أيوة..هيروح عشان يتكلم مع أبو مراته
-غبي وهيفتح أبواب جهنم ع الكل…
هز عدي رأسه بـ قلة حيلة لم يرد..بينما ركض أحد الضباط وبعدما أدى التحية العسكرية..قال بـ ذعر
-بيت سيادة الوزير عز الدين ولع بـ المسئولين اللي فيه…
****************************************
أغلقت الهاتف مع عدي والذي بدى وكأنه يُصارع الرياح..الجميع يتكالب ضده..أخذت تُهدأه وتبث في قلبه الإطمئنان إلا أنها كانت تشعر بـ أن هناك خطبًا ما سيحدث..ظلت تبتهل إلى الله أن ينتهي كل شيئًا على ما يُرام…
دلفت إلى غُرفتها هى تستجدي النوم ولكن كيف وحبيبها يُعاني..تنهدت بـ تعب ثم جلست وأخرجت إحدى الكُتب المفضلة لديها وأخذت في قراءتها حتى غفت مكانها…
بعد مرور عدة ساعات..إستيقظت روضة على صوتٍ غريب مُنبعث من المطبخ..نهضت وهى تعقد حاجبيها بـ تعجب..ثم همست لنفسها
-هو في قطة دخلت المطبخ ولا إيه!!
ولكنها هزت منكبيها بـ فتور وتحركت إلى الخارج..أضاءت الأنوار ثم توجهت إلى المطبخ وكما توقعت هرة تعبث بـ محتويات المطبخ..زفرت روضة بـ يأس ثم قالت وهى تنظر إلى الهرة
-يعني أعمل فيكوا إيه عشان تبطلوا تخشولي فـ نص الليل كدا…
ثم تحركت في إتجاهها وأخرجت لها بعض الطعام لتأكل..سمعت مواء الهرة والتي تدل على سعادتها في الحصول على الطعام أخيرًا..سارت بـ يدها على جسد الهرة وتساءلت فجأة
-أنتي دخلتي إزاي!!
ونظرت إلى نافذة المطبخ لتجدها مفتوحة زفرت بـ ضيق وقالت
-دخلتي من الشباك..بس أنا قفلاه..يمكن مقفلتوش كويس…
هزت رأسها بـ نفاذ صبر ثم أخرجت الهرة بعدما أنهت طعامها..أغلقت النافذة وعادت إلى الغُرفة..وما أن دلفتها حتى وجدت من يُكمم فاها..ظلت تصرخ صرخات مكتومة وتركل حتى خبت قواها وفقدت الوعي..وضع ذاك المُلثم يده أسفل ظهرها والأخرى أسفل رُكبيتها ثم حملها وإتجه إلى الخارج…
*****************************************
إستيقظ سيف على صوت هاتفه بـ الصوت الخاص بـ وصول رسالة..نهض بـ تكاسل ثم أضاء الأنوار ومدّ يده إلى الهاتف وإلتقطه..فتح الرسالة وما أن أبصرها حتى إنتفض كـ الملسوع وهو يرى حبيبته فاقدة للوعي و مُقيدة..لم يسعفه الوقت لـ التفكير فـ أتاه إتصال من رقم روضة..وعلى الفور وضع الهاتف على أُذنه وتشدق بـ لهفة
-روضة!. حبيبتي أنتي كويسة!!
-أتاه صوت غليظ وهو يقول:حبيبتك مش فاضية دلوقتي..تقدر تقول مسافرة رحلة فـ عالم تاني
-هدر سيف بـ عنف وعيناه تقدحان شرر:أقسم بالله لو إيدك مستها..لاكون مقطعك حتت…
لم يسمع رد سوى صوت تنفس هادئ..ليعود ويصدح بـ برود
-والله كل دا متوقف عليك..هتعمل خدمة وترجعلك حبيبتك صاخ سليم
-على جثتي و روضة هترجع..
-متتأملش كتير عشان روحها و روحك فـ إيدي..دي خدمة صغيرة..تعملها حبيبتك ترجعلك…
صمت قليلًا وهو يستمع إلى أنفاس سيف الحارقة ثم قال
-هااا..قولت إيه؟!
-كز سيف على أسنانه وهتف بـ زمجرة:عاوز إيه!
-إتسعت إبتسامة الرجل وقال بـ هدوء:هنبعتلك صورة شخص..تجيبه ع عنوان هنديهولك وبكدا ترجعلك حبيبتك
-مين!
-قولتلك هنبعت الصورة..موافق ولا لأ!!
-رد عليه سيف بـ غضب:ماشي..بس أقسم بالله…آآآ…
ولم يُكمل حديثه إذ أغلق الرجل في وجهه..قبض على الهاتف بـ غضب حتى كاد يُهشمه..ظل يُحدق أمامه بـ قتامة وبداخله يتوعد إذا أصابها سوء..أفاق على صوت الرسالة ليفتحها..ثم صرخ بعدها بـ غضب جامح
-هقتلك يا عز..ورحمة أمي هقتلك يا *****…
***************************************
دلفا معًا إلى المنزل وقد بدى عليه السكون..أضاء يونس الأنوار ودفع بتول إلى الدلوف..فـ بعد حديثه الطويل مع أبيها حتى وافق أن يُرسلها اليوم معه..أغلق الباب وهمس
-أدخلي…
ولكن فجأة فُتح باب غرفة والدته..التي دمعت عيناها..وهمست بـ نشيج
-يونس!!…
أسرع يونس يحتضن والدته والتي لم تكف عن تقبيله والنحيب على رجوعه..قبّل كفها عدة مرات وهى لا تسمح له بـ الخروج من بين أحضانه..همست صفوة مرة أخرى بـ إشتياق
-وحشتني يا قلب أمك
-قبّل جبينها وقال بـ إبتسامة:وأنتي كمان يا ست الكل
ولكن والدته ظلت تبكي..أزال يونس عبراتها وقال بـ حنو
-خلاص متعيطيس يا ست الكل..أنا أهو فـ حضنك ومش ناوي أبعد خالص
-جذبته مرة أخرى إلى أحضانه وقالت بـ صوتٍ مبحوح:فكر بس تعملها وأنا أقتلك بجد المرادي…
ضحك يونس وهو يربت على ظهر والدته..رفع أنظاره إلى والده الذي أدمعت عيناه سعادةً..ترك والدته وإتجه إلى قدوته في الحياه..رفع رفعت يده وأخذ يتلمس وجهه وأنه حقيقة وأصبح بينهم الآن..كانت عينا الأول تنظر إلى والده بـ إشتياق فـ تشدق الأخير
-حمد لله ع سلامتك يا سيادة المقدم
ثم إرتمى في أحضان ولده وأكمل بـ صوتٍ مُختنق
-كانت روحنا رايحة من غيرك يا بني..
-ربت على ظهر والده وقال:وأديها رجعت
-برجوعك يابني..برجوعك…
جذب يونس يد والده قبّلها عدة مرات وعيناه تلمع بـ عبرات أبت النزول..ربت رفعت على رأسه ولده..ثم رفع أنظاره إلى تلك التي تُتابع المشهد بـ عبرات تنساب ممزوجة بـ إبتسامة..إبتسم هو الأخر وقال بـ هدوء
-تعالي يا بنتي…
ترددت في التحرك ولكن نظراته الحنونة ونظرات والدة يونس شجعتها على التحرك..وصلت إليه وهى تبتسم بـ توتر..أمسك يونس يدها وقال لـ والده بـ إبتسامة
-دي بتول..مراتي
لم تتغير ملامحه الحنونة ولم يبدُ عليه الصدمة..بل إتسعت إبتسامته وقال بـ جدية زائفة
-مش واجب عليكي برضو تسلمي على حماكي!!
إرتبكت بتول كثيرًا ثم إتجهت بسرعة وهى تمد يدها..تشدقت بـ توتر وهى تنظر إلى والده وقد علمت مِن منْ ورث يونس ملامحه البشوشة
-أسفة يا عمي..إزي حضرتك!
-ضحك رفعت وقال:حضرتي كويس..
ثم أكمل بـ صرامة زائفة
-ومفيش عمي تاني..من النهاردة بابا وبس
ضحكت بتول بـ خجل ولكنها أماءت بـ موافقة..ثم إتجهت إلى صفوة وإحتضنتها بـ حب..لكز رفعت ولده بـ خفة ثم هتف بـ مرح
-أيوة يا واد وعرفع تنقي
-ضحك يونس وأكمل:أيوة يا واد خدت السنيورة…
وضحكا كِلاهما…
وبعد مدة من الجو المرح والملئ بـ الأجواء العاطفية وقد تفاجئت بتول من ردة فعلهم الودودة ..لم تتوقع كل ذاك القدر من الترحيب والسعادة بها..بل ظنت أنها ستُنبذ وسيثور والده ما أن يبصرها..إلا أنه حدث العكس تمامًا…
أخذت تُحدق بـ غرفة حبيبها والتي تتسم بـ الطابع الرجولي..إستشعرت منها هيبته و وقاره الهادئ..حنون ورائع..نطقت غُرفته بـ كل ذلك…
شعرت بـ يده تحاوط خصرها وقُبلة رقيقة توضع على منكبها وهمسه المُغري يُداعب أُذنها
-هتنامي الليلة فـ حضني…
إلا أن بتول إبتعدت عنه ورمقته بـ غضب تفاجئ به..ثم تشدقت وهى تضع يدها في خصرها بـ حدة
-لا يا بابا لا..مضمنكش وأنت وعدت بابا…
وضع إصبعه أمام فاه وبـ وداعة طفل في الخامسة من عمره تشدق
-والله هنام مؤدب
-ضحكت بتول وهى تضرب كف على أخر ثم قالت:وعد!!
وضع يده على أُذنيه وبـ مرح تشدق
-وعد…
وبـ حركة خاطفة جذبها إلى أحضانه..حاوط خصرها وهو يقربها إليه..إستند بـ جبهته على جبهتها وقال بـ عبث
-بس دا ميمنعش إني أحكيلك حكاية قبل النوم
وقبل أن تستفسر كانت شفتاه تتكفل بـ الشرح وهى تضم شفتيها إليه بـ تملك وكأنه يصك ملكيتها له..تحركت يده عن خصرها وإرتفعت إلى ظهرها تحاوطه كله..عاصفة مجنونة..هذا هو حبهما..جنون وعشق لا مُتناهي..كان يونس يظن أنه ستكون قصة حب من طرف واحد وسيظل يتلظى بنار العشق..أما بتول لم تكن تظن في أعظم أحلامها أنها ستعشق يونس إلى تلك الدرجة..شعرت به يسرى بـ روحها..عشق كامل لا يتخلله ثغرة سوى ذاك الخطر المُحدق بهم…
إبتعد يونس عن مرمى شفتيها فـ لو بقى لحظة أخرى..سيرمي كل وعوده خلف ظهره ويجعلها زوجته قلبًا وقالبًا..إستند جبهته بـ جبهتها وظل صدريهما يصعدان ويهبطان بـ جنون مُتأثرًا بما عايشاه مُنذ قليل..هتف يونس وهو يتحسس شفتيها المُتورمة بـ إبهامه وقد غلب على نبرته العاطفة
-حبك طوفان غرقني…
يونس 31
داعبت كلمته قلبها بـ رقتها..كلمة إنبعثت من شفتاه لتُصيب قلبها..إبتسمت بـ خجل ومن ثم هتفت بـ خفوت
-الكلام دا هياخد منحنى تاني..و..وكدا مش هينفع..أنت وعدت بابا
ظل بعض الوقت ينظر إليها دون حديث حتى ظنت أنه قد غفى في وقفته..نظرت إليه بـ تدقيق لتلمح نظرات الخبث التي تراقصت في حدقتيه..ليقول بعدها بـ همس عابث
-امممم..هتاخد منحنى تاني..زي إيه مثلًا يا بتولي!!
-تضرجت وجنتيها بـ حمرة خجلة وقالت بـ تلعثم:آآ..أنت..أنت عارف
-إتسعت إبتسامته خبثًا وأكمل:لأ معلش عرفيني…
تأففت بـ حنق ثم أبعدت يده عن خصرها وإبتعدت هى..ضيقت عيناها بـ حدة وأشارت بـ سبابتها تحذيرًا..ثم تشدقت من بين أسنانها
-أنت ع فكرة مش محترم..وأنا هقول لبابا يرجعني…
وضع يده على فكه وظل يحركها عليه بـ بطئ جعلها تتيقن أنها نطقت بـ حروف حمقاء مثلها..وهذا ما سمعته وهو يقترب منها بـ خفة فهد
-عيبك يا بتول الكلب إنك بتنطقي بحاجات أنتي مش قدها
-إبتعلت ريقها بـ صعوبة وهتفت ب شجاعة زائفة:لأ قدها..وهروح دلوقتي…
وقبل أن تتحرك بـ خطوات واهية كان هو ينقض عليها ويحملها على كتفه..تدلت رأسها على خصره وظلت تركل بـ قدميها بعد شهقة قوية صدرت منها غير قادرة على الصراخ..همست بـ تحذير
-يونس أهلك بره..وهياخدوا عنا فكرة مش حلوة…
لم يرد عليها بل يبدو أنه لم يسمعها من الأساس..وبلا أي مقدمات..رماها على الفراش ..تأوهت هى بـ قوة وكادت أن تنهض ولكنه كبّل حركتها ورفع يده أعلى رأسها..ظهرت إبتسامة متسلية وهو يتشدق
-طب ما ياخدو..ملهمش حاجة عندنا…
ظلت تتلوى أسفله بـ عنف علها تتملص منه ولكنه كان يتراقص بـ حاجبيه بـ إستفزاز..إلى أن سكنت وهتفت بـ تعب لاهثة
-خلاص تعبت
-إرتسمت ملامح خبيثة على وجهه وقال:خلاص أريحك أنا
-هتفت بـ ذعر:يونس..بلاش تهور…
إنخفض بـ وجهه حتى إقترب من خاصتها وظل يُداعب أنفها بـ أنفه ثم تشدق وهو يراها قد بلغت من الذعر ما يكفي
-خلاص مفيش التهور النهاردة..نخليها بكرة
-زفرت بـ إرتياح وقالت:جميلك دا فوق راسي…
ضحك يونس ملئ فاه ثم نهض عنها..ولكنه ما أن ترك يدها حتى لاحظ حلقته النُحاسية التي لم تنزعه عنها كما وعدته..نظر إلى زيتون عيناها ليجدها تنظر إليه بـ إبتسامة رائعة ثم همس بـ عدم تصديق
-مقلعتيهاش!!
-هزت رأسها بـ نفي ثم قالت وهى لا تزال تحتفظ بـ إبتسامتها:أنا وعدتك..وبعدين دي شبكتي…
لمعت عيناه بـ وهج رائع جعلها تتيه فيه..وإبتسامتها تتسع عشقًا..ليجذب يدها ثم أزال الحلقة من يُمناه تحت نظراتها المُتعجبة ثم وضعها بـ يسراها..رفع يدها وقبلها بـ حنو ثم قال بـ نبرة عذبة مُشبعة بـ العشق
-بعشقك يا بنت السلطان…
وضحكت ملئ فاها على ذلك اللقب الذي لا ينفك ويلقبها به..بالفعل تشعر بـ أنها إبنة سلطان من العصور القديمة ما أن تتواجد بـ جانبه..هدأت ضحكاتها ثم همست بـ فضول
-عوزاك تحكيلي حكاية يونس وعزيزة كلها
-رفع حاجبيه ثم قال بـ مُداعبة:تؤ
-وضعت يدها على صدرها وقالت بـ إلحاح:عشان خاطري
-تراقص بـ حاجبيه مرة أخرى وقال:مش قادر..بعدين…
لوت شدقها بـ ضيق ثم قالت بـعبوس
-خليك فاكر هيجي اليوم اللي هتعوز تحكيلي فيه الحكاية ومش هسمعك
-قرص وجنتها بـ خفة وقال:لما يبقل يجي اليوم..هخليكي تسمعيني غصب عنك…
***************************************
أنت بـ خفوت وهى تفتح عيناها..لتجد ظلام يُحيط بها إلا من خيط رفيع من الضوء الصادر عن القمر..رفعت رأسها وهى تتأوه لتتسع عيناها بـ ذعر وهى تتأمل السكون والفراغ حولها..حاولت النهوض ولكنها وجدت نفسها مُكبلة..ظلت تصرخ ولكن خرج صوتها مكتوم من تلك القماشة التي تمنع فمها عن الصراخ..ظلت تبكي بـ نحيب وخوف..أخذت تتلوى بـ عنف ونحيبها يزداد…
فُتح باب ذاك المكان الدامس ومعه صوت أزيز مُنفر..تبعه صوت خطوات رتيبة هادئة هدوء يبعث الرهبة في النفوس..توقفت حركتها وظلت تتطلع إلى الجسد الذي يتقدم إليها..كان الظلام يحجب عنها الرؤية..حتى أبصرت وجهه البغيض..إتسعت عيناها بـ هلع وهى تهمس بـ صوتٍ مكتوم
-عز الدين!!!
إبتسامة حقيرة إرتمست على وجهه..ثم دنا بـ جسده الضخم إلى جسدها الضئيل..شعور من الرهبة والذعر تملكها وهى تبصر وجهه وعيناه التي أُصيبت بـ الجنون..كانت تسمع عنه من عدي و سيف ولكنها لم تتخيله بـ ذلك الجنون وقد لمحت بعض الهوس…
إبتلعت ريقها بـ صعوبة وهى تراه ينظر إليها نظرات بثت الرعب في جسدها..مدّ يده ليُزيح القماشة عن فاها ولكنها تراجعت بـ هلع..إرتفع حاجبيه بـ ذهول مُصطنع وقال بـ براءة مريضة
-الله مالك!!..دا أنتي حبيبة الوحش..معقول تخافي مني..دا سيف حبيبي…
دمعت عيناها مرة أخرى ولم ترد عليه..رفع إبهامه يُزيل العبرات ولم تملك سوى البكاء أكثر وملامحها ظهر عليها النفور جليًا..همس بـ فحيح أفعى سامة
-مكنتش أعرف أنك حلوة أوي كدا..صحيح أول مرة أشوفك والظروف مش مساعدة..بس أحب أتعرف عليكي…
أخفضت رأسها بـ تعب وأكملت نحيب..جلب هو مقعد حديدي كـ المُقيدة عليه وجلس أمامها..رفع يده إلى خُصلاتها الحريرية وبـ حركة سريعة جذبها منها ليرفع وجهها إليه..تأوهت بـ صراخ حاد ولكنه لم يكترث..مال إلى وجهها وأكمل همسه بـ نعومة
-طول ما أنا بكلمك..متحطيش وشك فـ الأرض…
زاد نحيبها وقد بدأت ضربات قلبها في التصارع من لهجته وملامحه المُريعة..خفت قبضته عن خصلاتها وأخذ يُملس عليها بـ رقة..همست في داخلها
-أنت واحد مريض…
إبتلعت ريقها الذي جف ثم همست بـ خوف
-آآ..أنت عاوز مني إيه!!
-مستعجلة ليه أدينا بندردش…
توقف عن تمليس خصلاتها وإستراح في جلسته..ثم أكمل حديثها بـ هدوء
-أنتي خطيبة سيف المستقبلية..مش كدا!
توسعت عيناها بـ ذهول ولكن لم تملك سوى أن تومئ بـ رأسها إتقاءًا لجنونه..إبتسم بـ خبث وأكمل
-عظيم..طب هو عارف إن ست الحسن بتعط من وراه..لأ ومع مين!…
شحب وجها بـ درجة كبيرة وقد فقدت قدرتها على النطق..ليُكمل هو حديثه بـ نبرة قاسية
-الرائد عدي أبو شادي…
ألجمت الصدمة لسانها وقد زاد شحوب وجهها وشفتيها تحولتان إلى اللون الأبيض..شعر هو بـ رجفتها وعيناها التي بدأت في ذرف العبرات مرة أخرى..لتتسع إبتسامته الشيطانية وهو يهمس
-أنا هوريكي عرض مجاني..كمان كام ساعة…
******************************************
جلس على الأريكة بـ غضب بعد أن طردته بتول شر طرده عقب إستفزازه لها..نزع عنه قميصه القطني وبقى عاري الصدر عله يُخفف من حراره جسده التي أصابته من الغضب..ظل يهز قدمه بـ عصبية ثم نهض بـ عنف قائلًا
-البيت بيت أبونا والغرب بيطردونا…
وبـ خطوات غاضبة توجه إلى الغُرفة وقبل أن يطرق بابها بـ عنف..وجدها تفتح الباب مع إبتسامة ناعمة..حدق بها بـ بلاهة وهو يراها ترتدي منامة من اللون البني ذات بنطال واسع من خامة الحرير..تعلوه كنزة من نفس اللون بـ الكاد تصل إلى بداية البنطال وحمالاتها رفيعة..رفيعة جدًا..فـ أظهر جمال منكبيها المرمري…
دلف إلى الغرفة مسلوب الإرادة فارغ الفاه..نسى غضبه وتطاير أدراج الرياح..فتح فاه كي يتحدث ولكن تطايرت الحروف وهو يرى خُصلاتها السوداء الممزوجة بـ اللون الذي حاكى لون منامتها وهو ينسدل حول وجهها كـ هالة..إبتسمت بـ رقة تُذيب القلوب وهى تقول
-مالك يا يونس!
-رد هائمًا:يونس!!..يونس عظيم…
ضحكت بـ رقة أكبر ولم ترد..توجه إليها حتى وقف أمامها ثم همس وعيناه تدور على معالم وجهها الرقيقة
-والمفروض أكون قديس وأنا معاكي بـ المنظر دا..صح!!
أماءت بـ رأسها بـ قوة..ليضع يده على وجهه ويفركه بـ عنف صاعدًا إلى خصلاته..أخفضت وجهها ولم تتحدث تاركه إياه يتلظى بـ مظهرها الذي يسلب الألباب..تشدق بـ صوتٍ أجش
-روحي نامي يا بتول..وأنا هغير وأجيلك…
-طيب…
قالتها بـ خفوت ومن ثم ركضت إلى الفراش..تمددت عليه ثم أعطت إلى يونس ظهرها والذي كان يتحرك بـ عصبية إرتفاعًا وهبوطًا..أبدل ثيابه إلى بنطال قماشي من اللون الأسود يعلوه كنزة بلا أكمام من ذات اللون وإتجه إليها..ظل يزفر عدة مرات بـ ضيق وقلبه كـ مضخة جبارة لا يستطيع إسكاتها..فـ قربها منه إلى تلك الدرجة وهنام رابط قوي يربطهم يجعله في موقف لا يحسد عليه…
رفع الغطاء وتمدد عليه مُعطيٌا ظهره إليها..أغمض عيناه يستجدي النوم وكذلك أنفاسه الهاربة والتي توقفت وهو يشعر بـ أنفاسها تحرق ظهره..تصلب جسده كله وما زاد تلك الصاعقة التي ضربت مراكزه الحسية ما أن شعر بـ يدها تلتف حول خصره..ثم سمع همسها الخجول
-كنت عاوزة أجرب إحساسي وأنا حضناك…
ثم دفنت رأسها في ظهره تتنفس رائحته الرجولية بـ عمق..ستهلكه..ستهكله لا محالة..لا يتسطيع التحكم في نفسه بـ مجرد قربها والآن تُبادر بـ إحتضانه..إبتسم بـ عشق لتلتف يده حول يدها المُلتفة حوله ثم رفعها وقبلها..همس بـ نبرو عذبة تبعث الأمان في نفسها
-تصبحي على جنة
-إتسعت إبتسامتها وهى تهمس بـ حب:وأنت من أهل الجنة…
***************************************
إرتدى ملابسه بـ عشوائية ولم يهتم إلى هيئته..أخذ هاتفه ومفاتيح سيارته وإنطلق لا يدري إلى أين..إتصل بـ عز الدين ولكنه لا يرد..مرة وأثنان وثلاث ولكن لا رد..صرخ بـ صوته كله وهو يُدير المُحرك…
إنطلقت السيارة ومعها رنين هاتفه..أخرجه ليجده عز..فتح الخط وصرخ بـ كره
-أقسم بالله هقتلك يا عز خلاص أنت جبت أخرك معايا…
أتاه صوت عز الدين يضحك بـ صخب ثم تشدق بـ عتاب خبيث
-أخص عليك يا سيف..وأنا اللي كنت هقولك تعالى عشان تستلم السنيورة…
تجمدت ملامح سيف وكذلك يده القابضة على الهاتف..فـ أكمل عز الدين بـ فحيح أفعى
-تعالى ع العنوان دا وهتلاقي روضة هناك
-هدر سيف:عاوز أسمع صوتها
-من عنيا…
ثم سمع صوت خطوات وبعدها بكاء مكتوم..ثم صوت روضة الضعيف يهمس
-سيف!!
-رد عليها سيف بـ لهفة:أيوة يا قلب سيف..أذاكي؟!
ولكنه لم يستمع إلى ردها بل إلى صوته الكريه وهو يقول
-أهي كويسة أهي ومش ناقصة صابع حتى..تعالَ ع العنوان اللي هديهولك…
ثم أملاه العنوان و سيف قد قست ملامحه دون أن يرد..أكمل عز الدين حديثه بـ جدية إتسمت بـ الخبث
-تعالَ بعد ساعتين وهتلاقيها هناك…
ولم يمنحه الوقت للرد إذ أغلق الهاتف بـ وجهه…
وعلى الجانب الأخر..مال عز الدين إليها وقال بـ فحيح أفعى
-إستعدي للـ show (العرض) اللي هيحصل
ملس على وجنتها بـ تقزز ثم عبث بـ هاتفه..ثوان وفُتح الخط ثم جاء صوته الرخيم
-أيوة مين!!
إتسعت عيناها بـ هلع وقد فطنت لمخططه القذر..إرتفع نشيجها وأخذت تتلوى بـ عنف..نظر إليها عز الدين بلا مبالاه ثم رد على عدي بـ صوتٍ ماكر
-عندي أمانة تخصك!
-جاؤه صوت عدي الغاضب:أمانة إيه يا ***!
-رد عز الدين بـ عبوس:طب وليه الغلط!..عمومًا هسمعك صوتها…
مد الهاتف إلى فاها ثم قال بـ نبرة شيطانية
-سلمي على حبيب القلب
هزت رأسها بـ نفي..لتتلقى صفعة مدوية على وجنتها جعلتها تتأوه..ثم عاد حديثه بـ صوتٍ جهوري
-إخلصي
-همست بـ نحيب:عدي…
تسارعت أنفاس عدي في تلك اللحظة وقد أظلمت عيناه بـ درجة مرعبة..ولكنه قد بدى وأنه فقد النطق..جاؤه صوت عز الدين الذي تحدث بـ مكر
-إيه رأيك فـ المفاجأة؟..تهوس مش كدا؟!
-صدح صوت عدي الجهوري:أقسم بربي لو لمستها لكون قتلك بـ أبشع الطرق…
قهقه عز الدين بلا أي مرح ثم قال بـ تجهم
-قدامك ساعتين بالظبط..تيجي تستلمها ومعاك الـ***أخوك..غير كدا صدقني هتستلمها جثة متقطعة…
أملاه العنوان وهو يستمع إلى سباب عدي إلا أنه لم يعطِ للأمر أهمية وأغلق الهاتف..دسه في جيب بنطاله..ثم إنحنى ومر بـ إبهامه على وجنتها إلى عنقها هامسًا بـ إنتشاء
-أتمنى إن عرضي البسيط يعجبك…
وتحرك بـ خطىٍ رتيبة كما دلف تمامًا..تاركًا إياها في الظلام يُؤنسها نشيجها…
****************************************
فتحت جفنيها بـ تثاقل وهى تشعر بـ ألم رهيب في رأسها..كل ما تتذكره أنها إنتفضت فزعة على صوت عدي وهو يزأر كـ أسد جريح…
“عودة إلى وقتٍ سابق”
إنتفضت من نومها وصوت عدي قد صدح بـ الخارج
-يونس..بسرعة أطلع…
نهض يونس مُسرعًا وقد إنتفض قلبه بـ فزع..فتح باب الغُرفة ليجد عدي يسحبه وقد هاله منظر وجهه البشع..تساءل يونس بـ قلب مُنقبض
-في إيه يا عدي؟!
-رد عدي بـ كلمات إمتلأت رعبًا:خطفها..خطفها يا يونس ومحتاج مساعدتك
أوقفه يونس جبرًا وقد خرج الجميع على صوت عدي..ثم تساءل بـ هدوء
-مين اللي خطفوها!!
-روضة..أبوس إيدك يلا قبل ما يعمل حاجة فيها
-لم يفكر مرتان:ثواني هلبس وجاي…
ثم تركه ودلف يُبدل ملابسه..توجهت بتول تُواسيه وقد إرتسمت ملامح الحزن على وجهها
-هتلاقيها إن شاء الله
-رمقها بـ قسوة قائًلا:أنتي السبب..لو جرالها حاجة..مش هتكفيني عيلتك
شهقت بتول ولم ترد. بينما إلتمعت عيناها بـ عبرات أبت النزول..نهره والدته و والده كما أنهم واسوه..ربتت صفوة عل كتفها وقالت بـ إحراج
-معلش يا بنتي أكيد ميقصدش
-إبتسمت بـ بهوت وقالت:أكيد يا طنط ربنا معاه…
خرج يونس في تلك اللحظة وسحب عدي خلفه..دون حديث دون وداع..هكذا تركهم جميعًا..كانت تعلم جيدًا أن الحرب القذرة ستشتعل ولكنها مبكرًا..فلم يكد يفوت أكثر من ساعات حتى بدأ عز الدين في شن هجومه…
دلفت إلى الغرفة واجمة..ولكنها إستمعت إلى صوت هاتفها والذي أعلن عن وصول رسالةً ما..فتحتها فـ وجدتها من يونس يطلب منها على عجالة جلب سلاحه..قذفت الهاتف ثم أخذت تبحث عن ذاك السلاح فـ وجدت أحدهم دون أن تعلم ما نوعه حتى..وضعت سترة سوداء على كنزتها الفاضحة وخرجت..سألتها والدة يونس فـ أخبرتها بـ إختصار ثم تحركت سريعًا حتى لا تتأخر…
لكنها لم تكد تخطو خارج المنزل حتى وجدت من يُكمم فاها ثم ضربة على رأسها أفقدتها الوعي…
“عودة إلى الوقت الحالي”
وأفيقت هنا على ذلك الفراش الغريب عنها..نهضت بـ تثاقل وهى لا تزال تترنح إثر الدوار..توجهت إلى باب الغُرفة وكادت أن تفتحه إلا أنه فُتح على مصرعه ليدلف هو..إرتجف بدنها بـ قوة وقد شحب وجهها فجأة كـ شحوب المـ,ـوتى..إتسعت عيناها هلعًا وهى تهمس بـ رعب
-عز الدين!!
إبتسم أبشع إبتسامة قد تراها يومًا وهو يقترب منها..أغلق الباب خلفه..ثم نظر إليها بـ نظرات أحرقتها..عقد ذراعيه أمام صدره وقال بـ غموض
-عارفة أنتي فين؟!
لم ترد عليه بل ظلت تتراجع..إلا أنه صرخ بها بـ صوته الجهوري
-ردي..عارفة أنتي فين؟!
هزت رأسها سلبًا..ليعود ويتقدم منها بـ خطاه التي تُسبب الرعب في النفوس..ثم أكمل حديثه بـ مرارة
-دا المفروض هيكون بيتنا..دا بيتنا يا بتول..كنت عاملهولك مفاجأة…
إبتلعت ريقها بـصعوبة وهى تشعر بـ إنسداد حلقها..ثم همست بـ خوف
-عز..سبني أمشي بالله عليك…
توقف لحظة ثم عاد يتقدم منها وقال بـ هدوء خطير
-عاوزة تمشي عشان تروحيله!!..نجوم السما أقربلك…
صمت ثم أكمل بـ قسوة وقتامة
-البيت دا كان هيشهد على حبنا..دلوقتي هيشهد على حاجة تانية…
كانت تتراجع وهى تهز رأسها بـ هستيرية..ولكنه بـ لمح البصر جذبها من ذراعها بـ قوة..لتصرخ صرخة شقت هذا الهدوء القاتل..أمسكها من كِلا ذراعيها وضغط بـ قسوة عليهما..ثم إقترب منها وأخذ يشتم عبقها..أغمضت عيناها بـ نفور وأكملت نحيبها الهلِع..تشدق عز الدين بـ غضب و صوته دوى كـ الرعد
-أنا شامم فيكي ريحته..هو لمسك صح؟!
إرتفع نحيبها مع صوت الصرخات إلا أنه هزها بـ عنف
-ردي عليا..لمسك!..سبتيه يلمسك ليه!..أنتي كلك ملكي..أنا بس اللي مسموحلي ألمسك…
ثم دفعها بـ عنف إلى الفراش لتتسع عيناها بـ هلع وإزدادت صراختها قوة..كبل هو يديها أعلى رأسها وبـ قدميه كبّل قدماها..إقترب من وجهها وهمس بـ حدة وشهوة
-كنت مانع نفسي عنك عشان خاطرك..وفـ الأخر تخليه يلمسك!!..لأ يا بتول..أنتي كل حاجة فيكي بتاعي..مش هتخرجي من هنا غير وأنا مالكك..
ثم مال أكثر وهمس في أذنها ما جمدها وجعل الدماء تهرب من عروقها
-أنا عاوز أدوق اللي داقه يونس…
وكانت الصرخات تتوالى ولكنه يكتمها بـ شفتيه القذرتين..صفعها عدة مرات ولكن مقاومتها لم تخبو..ظلت تتحرك أسفله بـ هستيرية إلا أنه لم يزده إلا إصرارًا..مال على عنقها يلتهمه وهى لا تزال تصرخ حتى شعرت بـ أحبالها تتمزق..وفي ظل غمرته أفلت يدها لكي يشق كنزتها فـ إستغلت ذلك وخدشته في وجهه بـ أظافرها..تأوه عز الدين وإبتعد عنها…
إستغلت تلك الفرصة ونهضت تركض..إلا أنه أمسك قدمها لتقع أرضًا..سحبها له لتعود وتصرخ..إلا أنها ركلته بـ قدمها في وجهه ونهضت بسرعة تركض…
فتحت باب الغرفة لتسمع صوت أقدامه خلفها..إزدادت هلعًا لتخرج من الغرفة سريعًا..إلا أنه أمسك يدها لتظل تجذب نفسها بـ عنف وكانا قد وصلا إلى الردهة..وفي ظل شراسته لم تجد سوى أن تنبش أظافرها بـ معصمه وهى تجذب نفسها..وتحت شراسة أظافرها ترك يدها مُتأوهًا..إختل توازنها لتعود بضع خطوات إلى الخلف لتجد نفسها تتخطى سور الردهة القصير وصرخة وحيدة طويلة إتطلقت منها قبل أن يسمع صوت إرتطام عنيف على الأرضية الرخامية…
إتسعت عيناه بـ صدمة ثم إتجه إلى السور بـ خطى بطيئة ونظر إلى الأسفل..ليجد جسدها يفترش الأرضية وبقعة الدماء تتسع حول رأسها..ساكنة بلا حراك..همس بـ شرود
-أنا قتلتها
يونس 32 الأخيرة
دلف كـ المجنون وهو يزأر بـ صوته
-بتوووول..بتـ…
ولكن توقفت الكلمات في حلقه وتصلب جسده كله ما أن وقعت عيناه على بقعةً ما..شعر بـ أن روحه تُسحب منه بـ طريقة مُؤلمة..مُؤلمة للغاية..تجمعت العبرات في عيناه وأخذت تسيل على وجنتيه في سباق..توجه بـ ساقين مُتخاذلتين إليها..جثى على ركبيته وهزها بـ رفق ثم قال بـ إبتسامة مهزوزة وقلبًا يخفق بـ رعب
-بتول قومي وبلاش هزار..قومي عشان خاطري..متسبنيش كدا وتمشي…
ولكن لا رد..وبدأ هو في هزها بـ قوة وهو يهتف بـ غضب وذهن لا يُريد تصديق تلك النهاية البشعة
-قومي وبطلي هزارك السخيف دا..أنا مش هستحمل هزار من النوع دا
وأيضًا لا رد..صدى صوته هو كان مؤنسه الوحيد..علا صوت نحيبه وهو يجذب رأسها إلى صدره وصرخ بـ وجع..صرخة تلتها صرخة تُعلن عن إستسلام قلب عاشق خفق بـ جنون لمن قررت الرحيل..هكذا دون وداع…
شدد من إحتضان رأسها إلى صدره وأخذ يتأرجح إلى الأمام والخلف وصوت صرخاته مُمتزج بـ بكاء رجل هُزم في حربه شر هزيمة…
أغمض عيناه بـ ألم وتضرع وهو يضم جسدها إليه..ذراعها مفرودان على الأرضية يهتزان مع إهتزاز جسد يونس ورأسها مدفون في صدره الذي تلوث بـ دماءها..ظل يبكي ويكبي وما تلا ذلك لم يشعر به..من دلوف شيقيقه والذي أخذ منه الأمر سويعات حتى يستدرك ماحدث..ولم يشعر بـ إنتزاعه لها من بين يديه وركضه إلى الخارج بها..ليركض خلفه و صوت عدي يصدح بـ صرامة ولكنها وصلت مشوشة إلى يونس
-هنطلع ع المستشفى العسكري..هى أقرب مستشفى
-ولكن رد يونس بـ شرود حزين:بس هى ماتت…
لم يستوعب يونس تلك الصفعة التي دوت على وجهه..ثم نظر إلى عدي بـ وجهً مصدوم..إلا أن الأخير صرخ بـ جموح
-فوق يا يونس..بتول عايشة وأنتو هتعيشوا اللي معشتهوش…
ثم جذبه وأدخله إلى السيارة عنوة..وفي ثوان إنطلقت السيارة مُحدثة صرير تقشعر له الأبدان…
وها هم بـ المشفى وما يمر به يونس ما هو إلا عرض سنيمائي أقنع به نفسه المُلتاعة..لحظات وأتى الفراش المُتنقل وبعض الممرضين يجروه خلفهم وبتول مُستلقية عليه بـ هدوء لا يعجبه..فهو إعتادها صاخبة ولا يزال يُريدها صاخبة..أما ذاك الهدوء فـ كم أشعره بـ النفور والضعف..دلفوا إلى غرفة الجراحة ومن ثم أمرهم الطبيب والذي كان يعرف يونس جيدًا
-أستنى هنا يا سيادة المقدم..وإن شاء الله هتكون كويسة…
رفع أنظاره إلى الطبيب وبـ الفعل كان يحتاج إلى أن يُطمأنه أحدًا ما..دلف الطبيب تاركًا يونس يُكمل بكاء..حقًا لقد شعر بـ الضعف والضياع من دونها…
****************************************
سار في الطرقات هائم الوجه..شريد القدمان..لم يأبه لـ أؤلئك الذين أخذوا يتهامسون عنه..بل ظل واجم الوجه..ولسان حاله ينطق بـ لا وعي
-أنا قتلتها..قتلت بتول..قتلت حلمي والحاجة النضيفة اللي فـ حياتي…
ذرف العبرات وأخذ يُكمل بـ صراخ
-خلاص معدتش موجودة..قتلتها وهى كرهاني…
ولم يجد نفسه سوى أمام أحد الأقسام..دلف إليه مُحطم النفس ورثّ الهيئة لم يقترب منه أحد فهم يعلمون من هو..وأول مكتب قابله دلفه لينتفض الضابط واقفًا بـ قلق
-سيادة الوزير!!…
ثم قال بـ لهفة
-أتفضل..أتفضل…
رفع عز أنظاره الضائعة وهمس بـ عدم تصديق لما آثمته يداه
-أنا قتلتها
-تعجب الضابط وتساءل:أفندم!
-همس مرة أخرى بـ شرود أكبر:سبتها تقع..أنا قتلتها…
تقدم الضابط منه و وضع يده على منكبه وقال ب توجس
-طب إتفضل إقعد
-دفعه عز بـ عنف ثم هتف بـ شراسة:بقولك قتلتها..يعني إرميني فـ الحبس..إعدمني..أنا قتلتها…
حاول الضابط تهدئته ولكن عز الدين ظل يدفعه وأخذ يصرخ بـ وحشية
-أنا قاتل..أنا قتلت الحاجة النضيفة فـ حياتي..وديني الحبس..عاوز أتعفن فيه
-لم يجد الضابط سوى أن يقول بـ خنوع:طيب..طيب..زي ما حضرتك تؤمر…
وفعل ما طلبه من أجل عز الدين والذي بدى أنه على حافة الجنون أو أنه سقط في هوة الجنون..جلس الضابط ثم رفع سماعة هاتفه وتحدث إلى أحدهم…
*****************************************
كان يونس جالس على الأرضية يضع رأسه بين كفيه وعدي بـ جانبه يتذكر ما حدث في الساعات الفائتة…
“عودة إلى وقتٍ سابق”
كان عدي يقود السيارة ويداه تشتد على المقود بـ عنف حتى كاد أن يُهشمه..ويونس بـ جانبه يُحاول تهدئته..إلا أن عدي صرخ
-الـ***..مش هرحمه والله مش هرحمه
-ربت يونس على منكبه وقال بـ هدوء:إهدى يا عدي..هو عايزني وأدينا رايحين
-تأسف عدي بـ ألم:أسف يا يونس..بسلـ…
-ولكن يونس قاطعه بـ إبتسامة:متقولش كدا أنت أخويا وأفديك بروحي…
لم يرد عدي ولم يبتسم من الأساس وكل شئ يسير ضده وضد شقيقه الذي لم تدم فرحته سوى سويعات…
وبعد نصف ساعة وصلا إلى المكان المنشود..ترجل عدي من السيارة بسرعة دون أن يستمع إلى نداءات شقيقه..تقاتلا مع رجلين من ذوي العضلات المفتولة..ودلفا من الباب في نفس الوقت الذي دلف من سيف من باب أخر..وبقى الثلاثة يُحدقون بـ بعضهم بـ شراسة وحقد..وروضة في المنتصف تصرخ وتبكي…
كان أول من تحرك هو سيف..بينما عدي كاد أن يتحرك ويقتله إلا أن يونس أمسكه وعيناه مُثبتتان على روضة وسيف…
حلّ سيف قيد روضة التي ثبتت نظرها بـ رعب على عدي والذي كانت نظراته جامدة..شرسة..تحوي الشر الذي كانت تتوقع أن تراه..وقف أمامها ثم أنهضها وتساءل بـ لهفة
-عملك حاجة!..أذاكي؟!…
هزت روضة رأسها ب نفي وعيناه لا تزال مُثبتتان على عدي..والذي تحرك خطوات هادئة بعدما نفض يده من يونس..ثم قال بـ صوتٍ هادئ ولكنه يحوي شيئًا من الخطورة
-إبعد عنها…
وبـ الرغم من تعجب سيف من الحديث وطلبه الغريب..إلا أنه إبتعد عن روضة وإلتفت إلى عدي وعلى ثغره إبتسامة ماكرة..وهتف بـ تسلية
-سيادة الرائد عدي!..إيه سر الزيارة دي !
لم يرد عدي بل بقى جامدًا ومن ثم تحرك مرة أخرى وهمس بـ حدة
-قولتلك إبعد عنها أحسنلك
-عقد سيف ذراعيه أمام صدره وقال بـ هدوء:بمناسبة إيه!..عارف إن عز إستدرجنا إحنا كلنا عشان نخلص على بعض..بس ليه يا ترى!!
نطق الأخيرة بـ نبرة ذات مغزى وهو ينظر إلى يونس الذي وقف مُتأهبًا شاعرًا بـ إنقباضة عنيفة رجت قلبه…
كانت روضة تبكي وتدعو الله في نفسها أن يخرج الجميع سالمًا من هذا الجحيم..إلا أن صوت سيف البغيض همس
-وبما أنه تعب عما جابنا..فـ إحنا هنحققله أمنيته…
ثم أخرج سلاحه تحت أنظار عدي و يونس المشدوهه وقذفه إلى رُكنًا بعيد وقال بـ شيطانية
-إيه رأيك نبدأ بيك يا سيادة الرائد
-همست روضة من خلفه وهى تضم قبتضيها إلى صدرها:لأ…
ولكن لم يستمع أحد ويبدو أن عدي كان ينتظر تلك المواجهه فعل المثل ولحظات وهجما على بعضهما البعض..دارت معركة طاحنة بين الأثنين وروضة تصرخ وكادت أن تركض للفصل بينهما لكن يونس منعها..نفى بـ رأسه قائلًا
-متخافيش على عدي…
هذا ما نطقه بـ جمود ولكن داخله براكين تثور من جملة سيف الغير مفهومة أخذ يُتابع المعركة الدائرة في أستعداد إن حدث شئ..وكما توقع كان النصر حليف سيف وهو يُشهر مسدسه إلى وجه عدي..ومنه إلى يونس ثم قال بـ خبث
-نزل سلاحك يا حضرة المقدم..نزله…
ظل يونس مُتصلب الجسد وعضلاته تأبى الإنصياع إلى أوامره..ضحك سيف وقال بـتحذير
-يلا يا سيادة المقدم…
وبـ الفعل قذف السلاح إلى قدم سيف وظل ينظر إليه بـ جمود..كانت روضة تصرخ وتبكي إلى أن لاحظت سلاح عدي في أحد الأركان..نظرت إلى سيف الموليها ظهره ثم إتجهت بـ خطى ثقيلة إلىالسلاح..وفي تلك الأثناء تشدق سيف قائًلا
-مش عاوز تعرف عز الدين قصده إيه من وجودنا هنا!!
تصلبت عضلات فكه وما لبثت أن إتسعت عيناه هلعًا وهو يهمس بـ خوفًا بائن
-بتووول
-ضحك سيف وقال:اسم الله عليك..بتول
كور يونس قبضته وقد طار كل هدوءه وثقته أدراج الرياح وسيف يُكمل
-بيرجع الحق اللي أخدته منه..لأ وعارف أخدها فين؟
عاد يُكمل ضحك وهويستشعر لذة الإنتصار ناظرًا إلى يونس الذي كاد ينفجر غضبًا وهلعًا..إلا أن صوت روضة الجامد جذب كل الأنظار إليها
-سيب مسدسك يا سيف…
إستدار بـ بطء وهو يراها تُشهر السلاح في وجهه وعيناه تلمعان بـ عزيمة لا يعلم أهى لقتله أم لسلامته!..همس سيف بـ إبتسامة متوجسة
-سيبي المسدس يا حبيبتي..أنا هخلص عليهم وهنمشي مع بعض
-صرخت روضة بـ عصبية:متقوليش حبيبتي..أنا عمري ما كنت حبيبتك ولا هكون..أنا مبحبكش..وبكره الوقت اللي بقضيه معاك..كرهت نفسي لما بسمحلك تلمس إيدي..كرهت وساختك وعدم ضميرك…
شحب وجه سيف تدريجيًا وهو يسألها بـ توتر
-يعني إيه!!..أنتي كنت بتضحكي عليا!..طب وحبي ليكي و و…
لم يستطع الحديث أكثر وهو يشعر بـ غصة في حلقه..وخاصةً تحت نظراتها الجامدة وملامحها التي لم تتقلص إلى الندم..فـ أكمل
-يعني عمرك ما حبتيني!..كل دا وهم عيشتيني فيه!!..طب ليه؟!
صرخ بـ الأخيرة لتصرخ بـ المثل
-لأخويا اللي قتلتوه بدم بارد لما دخل السجن بسببكوا..لنفسي وأمي اللي ضاعوا بسببكوا..لحاجات كتير أوي..أهمها كرهي ليكم…
ثم تشدقت بـ حدة
-ودلوقتي سيبه وسيب المسدس بدل أما أقتلك
-همس بـ عدم تصديق وكأنه أدرك لتو:بتحبيه!
لم ترد عليه وظلت تنظر إليه بـ كره..ليعود ويصرخ
-بتحبيه؟!
-هتفت بـ قوة:أكتر من أي حد فـ حياتي…
كان يونس يقف على أحر من الجمر وهو يُتابع ذلك الحديث ويتمنى أن يعلم أين هى بتول وأين أخذها عز الدين..وعدي الذي كان يصرخ بهم أن يوقفا هذا الحديث ولكن لا أحد يستجيب..كان يصرخ بـ سيف أن يحدثه هو لا روضة ولكن لا حاية لمن تُنادي…
بينما سيف كان على وشك الإصابة بـ ذبحة صدرية..أخفض رأسه ثم رفعها مرة أخرى وأبتسم قائلًا
-كنت عاوز أنضف عشانك..عشان أستحقك..كنت عاوزلك ديمًا الخير والأحسن..لو كنت شايف سعادتك بمـ,ـوتي كنت قتلت نفسي…
تعجبت روضة من هدوءه وحديثه فـ إبتلعت ريقها بـ توجس ولم تتحدث. هتف سيف بـ غموض
-عز الدين عنده بيت فـ……دا كان البيت اللي هيتجوزا فيه..هتلاقيها هناك أكيد…
ثم نظر إلى روضة وهو يرى كم الكره والحقد النافذ من عينيها وأدرك أنها النهاية هى لم تحبه ولن تحبه قط..كلن يشعر بها ولكنه أوهم نفسه أنها تشعر بـ النفور من عمله..يرى التصميم على قتله في سبيل إنقاذه..يرى كم تعشقه ونظراتها تنضح قلقًا وخوفًا عليه..إبتلع تلك الغصة المريرة في حلقه ثم قال بـ إبتسامة
-عاوزك تعرفي يا روضة أني حبيتك..حبك كان الشئ الطاهر فـ حياتي..حبك الحاجة الوحيدة اللي مش هندم عليها..سلام
تصاعدت ضربات قلبها وهى تستمع إلى حديثه الغريب وتتساءل عما أصابه من جنون..ثوان وإتسعت حدقتيها بـ رعب وهى تراه يرفع السلاح إلى رأسه مُبتسمًا ثم أطلق النار لتخترق رأسه من أحد جوانبها..ويسقط بعدها جثة هامدة وسط صرخات روضة ودموعها المُرتعبة…
وما تلا ذلك ركضهم خارج المكان وإيصال روضة إلى منزلهم وإنطلاقهم إلى ذاك المنزل وبعدها المفاجأة المفجعة…
“عودة إلى الوقت الحالي”
تنهد عدي بـ حزن وهو يرى أخيه في قمة ضعفه وعجزه..ربت على منكبه وقال بـ مواساه
-هتكون بخير إن شاء الله…
وبعد لحظات خرج الطبيب..فـ إنتفض يونس يسأله بـ لهفة
-بقت كويسة مش كدا!
-إبتسم الطبيب بـ مجاملة ثم قال:الحمد لله ربنا كتبلها عمر جديد…
تنفس يونس الصعداء وكأن روحه عادت إليه..ثم إستمع إلى باقي حديث الطبيب
-حاليًا المؤشرات مستقرة..لكن الخبطة كانت جامدة جدًا ع المخ عشان كدا هى دخلت فـ غيبوبة
-تلاشت إبتسامة يونس وسأل بـ قلق:يعني إيه؟!
-يعني دي حاجة طبيعية..المسافة مكنتش هينة والنزيف كان شديد..بس إحنا سيطرنا ع الوضع وإن شاء الله لما الحالة تتحسن هتفوق…
ثم تحرك الطبيب ولكنه عاد مرة أخرى يُخرج شيئًا من جيب مئزره الطبي
-إحنا إضطرينا نشيل الخاتم من إيدها..إتفضل…
أخذه يونس وقبض عليه بـ قوة دون حديث…
*****************************************
بعد عدة ساعات كان يجلس بـ جانبها على الفراش..يُملس على رأسها بـ رقته المعهودة وإبتسامته التي أصبحت حزينة..عينان تذرفان الدمع دون إنقطاع وهو يراها ساكنة ذات وجه شاحب ورأسها يُحيطه الشاش الطبي..همس بـ صوتٍ مبحوح
-أسف يا حبيبتي خذلتك..أسف إني جيت متأخر…
إنخفض يُقبل جبينها بـ حنو ولم يسلم من العبرات التي بللته..ثم عاد يهمس بـ ألم
-أسف..والله أسف وهاخد بالي منك بس إرجعيلي..إرجعيلي..أنتي وحشاني..وحشاني أوي…
وأجهش في بُكاء مرير..إشاراتها الطبية تصدر صوتًا يبعث الإنقباض بـ لحنه الرتيب..مسح عبراته بعد مدة من البكاء وأخذ يتلو بعض أيات القرآن بـ صوته العذب ذات البحة الطبيعية..ثم حدثها بـ ندم
-يارتني كنت حكيتلك حكاية يونس وعزيزة..ليه قولتي ان هيجي اليوم اللي مش هعرف أحكيلك فيه؟..كان قلبك حاسس واليوم جه قريب أوي..أوي أوي..
تنهد بـ حرارة ثم قال بـ إصرار
-إصحيلي أنتي بس وأنا هحكيلك كل اللي نفسك فيه…
ولكن صوت الأجهزة الطبية طغى على صوت تنفسه..هى لا تجيب والغُرفة تبدو كئيبة..وهو يشعر بـ الإختناق..ولكنه لن يتركها أبدًا…
إنحنى بـ رأسه مره أخرى وقبلها على شفتيها المفتوحة الموضوع به خرطومًا ما ثم همس بـ لوعة
-بحبك با بنت السلطان…
***************************************
بعد مرور شهر….
كان يجلس على ذلك المقعد الموضوع بـ جانب النافذة التي تطل على حديقة تعج بـ المرضى وحولهم الأطباء و بعض الأهالي..يجلس مُنذ ما يُقارب عشرون يومًا بعدما أحاله الطبيب الذي قررأنه يجب نقله إلى مشفى الأمراض العقلية..نظرًا لحالته التي كان يهذي بها مُنذ أن دلف إلى القسم…
الأحداث تتوالى أمام عينه..يُقبلها بـشراسة وهى تهرب..يترك يدها ألمًا وهى تسقط فاقدة الحياة..أغمض عيناه ودمعتان وحيدتان هبطتان على وجنتيه..وظل يُردد عبارته الهستيرية
-أنا قتلتها..قتلت الحاجة النضيفة فـ حياتي…
لم يتوقف عن ترتديها مُذ أن نقلوه إلى هنا..تذكر أنه بعد أيام قليلة كان قد تم نقله بعد مُعاينة الطبيب له والأحداث التالية كانت مُبهمة…
سمع صوت أقدام تدلف إلى الغُرفة وصوت إغلاق الباب والأقدام تقترب..لم ينظر ولم يتحدث كعادته..إلا أن ظل جلس أمامه على الطاولة..رفع عز الدين أنظاره ليجد يونس يجلس أمامه بـ جمود…
لم يُصدم عز الدين بل نظر إليه نظرة خالية من الحياة وعاد ينظر إلى النافذة..أخرج يونس من خلف جذعه سلاحًا ما ثم وضعه على الطاولة وقال بـ جمود ونبرة ميتة
-ماتت…
ثم تركه و رحل..أغلق الباب خلفه..مضى في طريقه وسمع صوت طلق ناري من غُرفته..لم يجفل ولم يشعر بـ الصدمة وظل يسير بـ خيلاء يشعر بـ إنتصار عظيم وها قد إنتقم لذاته وإنتقم لها..إنتقم لحبيبته ولكنه ناقصًا يشعر بـ الفراغ والألم لعدم وجودها..يتدافع العاملين بـ المشفى يتخبطون به وهو لا يتأثر بهم إطلاقًا بل تفكيره إنحصر عن تلك الغائبة عن عالمهم ولم يشعر بـ عبراته التي غرقت وجنته….
*****************************************
وبعد مرور شهر أخر..كانت والدة بتول تجلس معها بـ الغرفة تقرأ بـ المصحف الشريف وبعد أن أنتهت ظلت تضرع إلى الله..فُتح الباب بعد قليل يطل منه يونس وعلى وجه إبتسامة صغيرة..إبتسمت بدرية ونهضت..ربتت على كتفه وقالت بـ خفوت
-متيأسش يابني
إبتسم يونس بـ بهوت وقلبًا لا يضخ سوى عشقًا خالصًا لها..جلس على نفس مقعد والدتها ثم أمسك يدها يُقبلها كـ عادته مُنذ ستين يومًا ثم أخرج الحلقة النُحاسية من جيب بنطاله وهمس بـ حنو
-بقالك كتير مش لابساها..وأنتي وعدتيني…
أمسك يدها اليُسرى ثم ألبسها الحلقة ولم يترك يدها بل إنحنى بـ جذعه أكثر ويده الأخرى تُملس على خُصلاتها التي إستطالت قليلًا..وأكمل حديثه بـ إبتسامة حزينة
-هحكيلك حكاية يونس وعزيزة..بس تفوقي بعدها…
ضحك على عبارته ولكنه أكملت يداه سيرها على خُصلاتها ثم أكمل بـ شرود
-يونس دا يا ستي كان ابن اخت أبو زيد الهلالي..كان فيه واحدة اسمها عزيزة بنت معبد السلطان حاكم تونس..كانت بتحب يونس حب مش عادي..عرضت عليه كتير مقابل بس انه يحبها بس برضو مقدرتش..انتهت بحبسها ليه لمدة سبع سنين ولما عرضت عليه الجواز مقابل أنها تفك أسره..رفض وقالها مينفعش الحرية تكون مشروطة..مينفعش أقايض حريتي بـ مشاعري..بس هو فضل أسير عندها لحد أما أبو زيد فك أسره…
تلألأت العبرات في عيناه وهمس بـ ضحك
-يونس اللي فـ القصة نال حيرته..بس يونس الحقيقي لسه منلهاش…
تشوشت الرؤية بـ فعل تلك العبرات التي أبت الإنهمار..إلا أن الصدمة أاجمته وهو يشعر بـ تأوه خافت يصدر عنها..أزال عبراته ليجدها بـ الفعل تُكابح من أجل فتح عيناها…
لا يعلم كم إنتابته المشاعر..تتنقل من الصدمة إلى عدم الإستيعاب إلى السعادة..وجدها تبتسم وتقول بـ نعومة
-هاي…
ضحك يونس بـ تحشرج ولا تزال يده تُملس على خُصلاتها وهمس بـ المقابل
-هاي
رفعت يدها تُملس على ذقنه التي إستطالت وهتفت بـ شوق حقيقي
-وحشتني..أوي
إنهال عليها يُقبل وجنتها وجبهتها ويدها ثم قال بـ صوتٍ مبحوح
-وأنتي وحشتيني أوي..أوي يا قلب يونس وروح يونس من جوه…
ضحكت بتول ولا تزال يدها على وجنته وعيناها تسيران وتلتهمان من ملامحه التي إشتاقت إليها..لروحه التي تبعث في نفسها الإطمئنان..لعيناه التي تُخبرانها بـ أن العالم جميل..وهو فعل بـ المثل ولكن نظره مُثبت على عيناها التي إشتاقها حد الجنون..إلى زيتون عيناها الذي يتيه فيهما بـ كامل قواه العقلية..همس يونس بـ صوته العذب
-بحبك يا بنت السلطان
-ردت عليه يونس بـ نبرة أكثر عذوبة:وأنا بموـ,ـت فيك يا أسير بنت السلطان…
*****************************************
بعد يومان كان يُطعهما طعام الإفطار وذهنه شارد..بعد أن إستيقظت وإقتظت الغرفة بـ العائلة..سألته بتول عما حدث وأنها لا تتذكر أي شئ..كيف حدث هذا لا تعلم..إلا أن يونس أخبرها بـ إبتسامة متوترة
-عملتي حادثة…
وعندما سأل الطبيب عن حالها أخبره بـ إختصار
-حصلها إرتجاج فـ المخ وأكيد لازم تنسى اللي حصل..دا طبيعي…
وبعدها لم يُثير معها مرة أخرى ذاك الحديث ولم يُحاول تذكيرها..ربما القدر يقف بـ صفه كي يجعلها تنسى اللحظات الذي خذلها فيها…
أفاق من شروده ثم نظر إليها مُطولًا وقال بـ نبرة حذرة وقلب يخفق بـ جنون
-عز مات…
تبعها صمت ثقيل..لحظات مرت عليه كـ سنون..لم يجرؤ على رفع عيناه لها وينظر إلى عمق عيناها..إلا أن ردها جعل الذهول يرتسم بـ حرفية على وجهه مُصطحبًا معه مشاعر أخرى لم يستطع تحديدها
-مين عز!!
حينها رفع رأسه سريعًا ينظر إلى حاجبيها المعقودان بـ تساؤل..وملامح البراءة مُرتمسة على وجهها..صمت يستشف ما أن تصتنع الجهل أم حقيقي..إلا أنه تنهد وقال بـ هدوء نسبي
-حد مش مهم
-هزت كتفيها بلامبالاه وقالت:طيب…
ظل يُراقبها ولكنها لم تتوتر ولم تهتز حدقيتها..لا شئ سوى أن القدر حليفه بـ أن تنسى أسوء الشخصيات التي عرفها يومًا..ذلك الحقير الذب قتل قرية كاملةً من أجل النفط فقط..من أجل بضع قطرات تُهرب إلى بلاد لا تعرف سوى إراقة الدماء…
إبتسم يونس لها بـ حنان قبل أن يدنو منها مرة أخرى وهمس بـ عبث
-هو أنا قولتلك أني بحبك!
-هزت كتفيها بـ دلال وقالت:امممم..دلوقتي!..لأ
-ليقول بـ عبوس:لأ إخص عليا..غلطة وهصلحها حالًا…
ثم مال على شفتيها يمتص رحقيًا لا يرتوي منه أبدًا..وكأن حياته تتوقف على تلك القطرات التي ينهلها منها..وهى لا تسطيع مُجابهه جموح عشقه وعنفوانه..لا تجد بدًا سوى الإنجراف وراء عشقه الذي تتعلم أبجادياته على يديه وهى حقًا محت تلك الفترة السابقة وكان يونس هو أول عشق عذري يكتسحها بـ براءة وطهارة….
*****************************************
بعد مرور ستة أشهر…
كانت بتول تقف بـ المطبخ الخاص بـ منزل عائلة يونس وبـ جانبها روضة التي عُقد قرانها قبل شهران بـ حضور والدتها لمدة يومًا واحد خارج دار رعايتها..واليوم يعدان مأدبة يحضر بها الجميع..إحتفالًا بـ زوال المحنة وترقية يونس إلى رتبة نقيب..وقد تم طمس الحقائق المُتعلقة بـ مـ,ـوت وزير البترول وأنتهى بـ مـ,ـوته على أنه أحد أبطال الوطن الشُرفاء…
سمعت بتول صوت روضة يأتي من خلفها
-بتول..أنا هشوف ماما صفوة إتأخرت ليه
-غمزتها بتول بـ وقاحة:ماما صفوة برضو!
إشتعلت وجنتي روضة بـخجل ثم هتفت بـ حنق مُفتعل
-بتول كدا عيب..مش مصدقاني يعني!
-رفعت منكبها وهتفت بـ نبرة ذات مغزى:لأ مصدقاكي..حتى هتلاقي ماما صفوة فـ البكلونة مع عمو رفعت ويونس بتلعب طاولة معاهم…
وكزتها روضة ثم خرجت من المطبخ وقبل أن ترنو إلى داخل أحد الغُرف كانت يد صلبة تلتف حول خصرها وتسحبها إلى المرحاض..شهقت روضة بـ هلع ثم هتفت بـ توتر
-عدي..إفرض حد…
ولم تُكمل حديثها وهى تجد شفتاه تُسكتها كما تعود مُنذ عقد قرانها..لا يشبع منها ولا يمل من إغضابها ومُصالحتها كما يعشق..مرت العاصفة ليضع جبهته على جبهتها ثم هتف بـ عشق
-بعشقك يا روضتي
-قبلت وجنته بـ نعومة وتشدقت بـ نبرة توازي نبرته:وأنا بعشقك…
****************************************
بحث بـ عيناه عنها وقد إشتاقت إليها كثيرًا وقد تحجج بـ أن يذهب للإستراحة قبل ميعاد الغداء..ولكن عيناه تبحث عنها بـ كل السبل حتى وجدها تقف بـ داخل المطبخ وخصرها يتمايل مع دندنة خافتة من بين شفتيها بـ أغنية شعبية…
كانت تُقلب محتويات القدر وهى تتمايل مع نغمتها الخافتة…
-دا تاعبني وبرضو عجبني وأنا لا حول ليا ولا قوة…
لتتفاجئ بعدها بيد صلبة تُحيط خصرها بـ قوة يضمها إليه بـ قوة أكبر وهو يهمس بـ عبث
-دا مين دا اللي تاعبك وأنا أقطعه؟!
أغلقت الشُعلة بعد نضوج الطعام ثم إلتفتت إليه ليجدها تُحيط عنقه وتتحدث بـ دلال يغوي القديس
-أقطعلك إيدك لو مديتها عليه..وبعدين هو عاجبني
-رفع أحد حاجبيه وتساءل بـ تسلية:عاجبك!
-غمزته بـ أحد عينيها وقالت:جدًا…
ضحك يونس ملئ فاه وعيناه تبعثان لها معاني العشق السامية..لم يقترب منها طيلة الستة أشهر إلتزامًا بـ وعده لأبيها وهو يُخبره أن حفل زفافه سيكون مع أخيه..ولكنه لا ينفك ويبُثها العشق بـ طرقه الخاصة…
تشدق بـ مرح
-اممم..طب أغنيلك أنا!
-تحمست بتول وهى تتعلق بـ عنقه أكثر:أيوة أيوة..
-ضحك يونس بـ خبث وقال:هغنيلك أغنية”هاتي حتة يا بت”
إمتعضت ملامحها وقد خبت حماستها ثم قالت بـ تقزز
-حتة إيه اللي أجيبها!!
شهقت وهى تراه يحملها ثم يتجه إلى الخارج..هتفت بتول بـ جزع
-رايح فين يا مجنون!
-غمزها بـ وقاحة:هقولك حتة إيه اللي عاوزها…
ثم إتجه إلى باب المنزل وفتحه..كادت أن تعترض بتول ولكنها تاهت مع شفتاه التي تنثر حبات القُبل بـ نعومة على وجهها و شفتيها الورديتين و وجنتيها الناعمتين وهو يبثها كلمات الغرام حتى وصل إلى سقفية المنزل..دفع الباب بـ قدمه وقد عمل على إلهاءها عن مفاجأته…
شعرت به يتجه إلى ركنًا ما ثم أنزلها وهو يهمس بـ إبتسامته التي تُذيبها
-بصي هناك…
نظرت إلى ما أشارت له رأسه..لتتسع عيناها بـ دهشة وهى ترى أرجوحة في مُنتصف السقيفة المنزل..حبلان قويان يلتف حولهما أفرع من النبات المُتسلق ذو زهرات جذابة والمقعد خشبي قد أصطبغ لونه بـ الوردي…
شهقت بتول وهى تضع يديها على فاها من الصدمة والسعادة..نظرت إليه بـ عينان مغروقتان بـ الدموع..ليبادلها الإبتسامة الحانية والنظرة التي تختصها هى فقط..ثم إتجه إليها وجذبها من يدها ليجلس أولًا وبعدها أجلسها على قدماه..أخذ يتأرجح بها بـ واسطة قدمه ولم يقدر أحدهما على الحديث فـ قد تكفلت العيون بـ ذلك..دفنت رأسها في صدره القوي وأحاطت خصره بـ قوة خشية أن يهرب..وهو ماثلها في فعلته إذ إلتفت يداه حول خصرها والأخر تُحيط بـ عنقها ثم همس بـ نبرة تحمل في طياتها عشق أبدي
-كان نفسي أعملك حاجة مميزة بـ إيدي..حاجة رقيقة زيك..ملقتش غير دي
-تشدقت وهى لا تزال مُختبئة في صدره:من النهاردة دي مملكتنا ومحدش هيدخلها
إنحنى يُقبل عنقها وهمس بـ تأكيد
-دي مملكتنا الصغيرة..اللي بينا وبين أطفالنا هتكبر..بحبك يا بنت السلطان وهفضل لأخر نفس أحبك…
وما كان منها أن تزداد في ضمه لها وكأنها تُخبره بـطريقتها عن مدى عشقها له…
***************
يونس (مشهد النهايه)
فتح باب شقته التي سيسكن بها بعد إتمام زواجه من بتول ثم دلف وأغلق الباب بـ قدمهِ نظرًا لما يحمله من أطعمة يأمل من الله أن تُكفي زوجته
ناداها بـ صوتهِ الرخيم ولكنهت لم تجب..وضع الأطعمة وبحث عنها بـ أرجاء الشقة حتى وجدها بـ أحد الغُرف..تقف أعلى درجات سلم خشبية وترتدي ثياب طفولية ، مُغوية
تفحص ساقيها الظاهرين من ذلك السروال الچينز القصير والمُتصل بـ حمالتين مُتشابكتين حول عُنقها وكنزتها الوردية الفضفاضة
كانت مُنهمكة بـ طلاء الحائط بـ فُرشاةٍ صغيرة وتُدندن بـ خفوت..إبتسم يونس واضعًا يديه بـ خصرهِ ثم صعد إليها دون أن تشعر
وقف خلفها ثم أمسك كف يدها وهمس بـ مرح
-من فوق لتحت بلاش شُغل الكُنافة دا…
صرخت بتول بـ فزع وإهتزت ولكن ذراعيه القويتين أمسكتها بـ حرص..زفرت بـ حنق وقالت
-كنت هتوقف قلبي
-ضحك وقال:إحمدي ربنا إني لحقت العك اللي بتعمليه دا
-نظرت له بـ نصف عين وقالت:عك!..والله أنت مش بتفهم فـ الفن
-فن إيه يا أم فن..يلا يلا إنزلي عشان جبت الأكل
-تهللت أساريرها وقالت بـ حماس:أوعى تكون نسيت الكبدة!…
هبط يونس الدرج وتمتم بـ غيظ
-وأنا أقدر..دا أنتِ تمدي إيدك وتاخدي كبدي بدال السندوتشات
-مطت شفتيها بـ حنق وقالت:خليك دايمًا سادد نفسي
-إبتسم بـ تهكم قائلًا:وهو أنتِ فيه حاجة بتسد نفسك
-نظرت إليه بـ إزدراء قائلة:نزلني وأنت ساكت…
هبطت درجة ليرفع يونس ذراعيه يلتلقف خصرها بين يديه ثم حملها وأنزلها..من المُفترض أن يتركها لتخرج ولكنها وجدته يجذب خصرها إليه حتى إلتصقت به..حاوطت عُنقه بـ دلال قائلة
-مش المفروض ناكل يعني ولا إيه!
-إبتسم بـ عذوبة وقال:المفروض ناكل الفاكهه قبل الأكل يا بنت السلطان…
عضت شِفاها السُفلى بـ خجل وأنزلت رأسها أرضًا..ليقترب يونس بـ وجهه قائلًا بـ همس
-السكوت علامة الرضا…
صعدت يده تُحاوط عنقها وكاد أن يقتنص شفتيها إلا أنها شهقت فجأة وتراجعت تُتمتم بـ تأوة
-يح إيدك ساقعة…
فغر يونس شفتيه بـ عدم تصديق ثم همس بـ إستنكار
-يح إيدي ساقعة!…
نظر إليها ليجدها تضع يدها فوق عُنقها وتنظر إليه بـ تعبير طفولي برئ تلجأ إليه عندما تعلم أن القادم ليس بـ الهين..عض شفتيه بـ غيظ وتمتم
-أه يا بتول الكلب أنتِ مش هتتغيري
-ضربت الأرض بـ قدمها هامسة بـ حنق:الله إيدك ساقعة لسعتني
-حك فكه وقال بـ غموض:إيدي ساقعة ولسعتك ها؟!…
أومأت بـ تردد وهي تنظر إليه بـ توتر..نظرت إلى يده التي إتجهت إلى حزام بنطاله ثم قال بـ غضب
-ليلتك اللي شبه بلوزتك دا مش معدي…
إستدارت تركض ولكنه كان أسرع إذ ضربها بـ حزامه أسفل ظهرها بـخفة لتصرخ بـ ألم
-يا ماميييي
-هدر هو من خلفها:تك موّ يا روحي…
ركضت وركض خلفها..وجدها تتجه إلى باب الشقة ولكنه كان أسرع منها واضعًا يده خلفها ليُغلقه وبقت هي حبيسة ذراعيه والباب من خلفها
تنفست بـ هلع وهي تراه يدنو منها بـ تعابير شيطانية لتهمس بـ خوفٍ مُغمضة لعينيها
-سوري..سوري إيدك سخنة مش ساقعة..مش هعمل كدا تاني…
إبتسم يونس ولكن سرعان ما محى تلك الإبتسامة ليُحمحم قائلًا بـ صوتٍ أجش
-بتول!..بُصيلي…
فتحت عينها اليُسرى ثم اليُمنى وهر تُحدق بـ تعابيره المُبهمة لتقول بـ توسل
-لو زعلان أوي ممكن نعيد المشهد من الأول…
أخفض رأسه حتى تلامست مع كتفها ثم قال ضاحكًا
-مفيش فايدة فيكِ…
رفع رأسه مرةً أُخرى ثم قال ويده تتحس وجنتها يليها عنقها
-بس بمـ,ـوت فيكِ يا بنت السُلطان…
إبتسمت بتول بـ عذوبة لترتفع على أطراف أصابعها تُحيط عنقه بـ بُطء ثم بادرت بـ تقبيله..إلتفت يداه حول خصرها يقربها منه وظل يتراجع حتى سقط بها فوق الأريكة..شهقت بتول وإبتعدت عن شفتيه اللاتي تلتهمناها بـ نهم وقالت بـ رُعب
-بتخطط لإيه يا ظابط يا عديم الثقة!
-نظر إليها بـ إزدراء وقال:أنتِ اللي تفكيرك زبالة…
مطت شفتيها بـ عبوس لطيف ليضحك يونس ثم عاد يجذب رأسها إليه يُكمل رحلته التي لم تنتهي بعد..لتنحدر قُبلاته إلى فكها ثم عُنقها لتهمس بتول بـ صعوبة
-يونس!..بـ..باباك يدخل…
أبعدها عنه حتى لا يفقد الباقية المُتبقية من عقله ثم قال بـ صوتٍ أجشٍ ، لاهب
-قومي أحسنلك يا بتول…
نهضت سريعًا ثم جلست فوق الأرضية الرُخامية وبدأت بـ فضّ الأكياس تُخفي خجلها عنه
نهض وجلس بـ جوارها ثم جذب الطعام من يدها وهمس بـ رقة لا تليق إلا بها
-مينفعش بنت السُلطان تعمل حاجة بـ إيديها…
إلتصق بها ثم وضع الشطيرة بـ فمها تقضمها بـ إبتسامة..تُحدق بـ بُنيته بـ زيتون عينيها الساحر..ليقول بـ صوتهِ الرخيم
-سبيها على وِلد الهلالي..اللي وقع لعزيزة بنت السُلطان وبدأ حكاية تانية غير المعروفة..حكاية فيها وِلد الهلالي عَشقْ بنت السُلطان…
تمت.