خدعني لكن

1
الحلقة الأولي

في أحد المكاتب بشركة كبري للمقاولات في السعودية كان يجتمع الأستاذ “حمدي” مع شريكه في العمل وصديق عمره الأستاذ “توفيق” و يتحدثان عن ترتيبات الصفقة القادمة ..

حمدي:فهمني بس انت قلقان من ايه؟

توفيق:بصراحة يا حمدي مش مطمن للصفقة دي ،شوف اللي داخلين فيها ناس أول مرة نشوفهم..

حمدي : طيب ما ده اللي عاجبني فيها احنا لينا اسمنا في السوق و هنكسبها ان شاء الله.

توفيق : مش عارف أنا قلقان و خلاص.. ربنا يستر..

وفي منزل “حمدي” كانت الزوجة الحاجة “سناء” تحضر وجبة الغذاء و تنتظر قدوم زوجها حمدي و إبنتيها “منة” و “هالة”..حضر الجميع وجلسوا علي المائدة و بدأوا بالحديث..

حمدي:ايه يابنات عاملين ايه في الجامعة؟

منة:تمام يا بابا الحمدلله..

هالة:والله أنا اتخنقت من الكلية دي أنا مش عارفة ايه اللي خلاني أدخلها.

سناء:انتي اللي قعدتي تقولي عايزة أدخل طب محدش غصبك علي حاجة..

حمدي :ليه يا “هالة” مالها الكلية؟

هالة : صعبة أوي يا بابا مبلحقش أخد نفسي من المذاكرة..

منة : معلش يا هلولة انتي قدها و قدود ..

حمدي:وانتي يا “منة” ماشية في كليتك كويس اتجدعني دي اخر سنة ليكي و عايز تقدير مش أقل من امتياز..

تنحنحت منة :احم احم حاضر يا بابا بس اعمل حسابك ان كلية الهندسة صعبة برده..

ضحك حمدي : ماشي ربنا يقويكوا يا بنات..

رد الجميع:اللهم اامين..

وفي منزل “توفيق” اجتمع توفيق و ابنه “سامح” علي فنجان القهوة ليتبادلوا أطراف الحديث علي تلك الصفقة..

سامح:الحياة تجارب يا بابا وأكيد أونكل “حمدي”مش هيدخلنا في صفقة كبيرة كدة و هو مش واثق في نتيجتها..

توفيق : علي الله يابني بس اهتم برده يا “سامح” عايزك تسأل و تعرفلي كل صغيرة و كبيرة عن الصفقة دي…

سامح:تمام يا حاج ماتقلقش..

وبعد شهر تقريبا أصاب “حمدي” المرض و كان من الضروري له إجراء عملية قلب مفتوح وانتقل إلي المستشفي لإجراء العملية ولكن ما أصعبها و خصيصا في هذا العمر فتوفته المنية و ترك وراءه أسرة من زوجة و بنتين أحسوا بالإنكسار و الضعف بفقدان عائلهم الوحيد فقد كان الأب والسند و الأمان ، لم يتبق لهم في السعودية ما يقيموا فيها من أجله فقرروا الإنتقال إلي مصر للإستقرار في القاهرة مسقط رأسهم واستقروا في منزل الأسرة القديم الذي يحمل ذكريات كانت في يوم ما سعيدة و تبدلت بالآلام..بدأت البنات بإجراءات الإنتقال إلي جامعة القاهرة و تم بالفعل انتقالهم و متابعة دراستهم فيها..لم يكن ل”منة” و “هالة” أصدقاء في كلياتهم فهم مازالوا جدد و لم يتعرفوا علي أصدقاء بعد فكانوا يحضرون محاضراتهم و يلتقوا سويا للعودة إلي منزلهم و هكذا ظلت وتيرتهم ..

وفي صباح ذات يوم ذهبت البنات كعادتهم للجامعة وانتهت”منة”من محاضراتها فجلست تنتظر “هالة” في كافتريا الجامعة لحين انتهاءها من محاضراتها هي الأخري وأثناء جلستها وهي تراجع في إحدي الكتب تقدم عليها أحد الأشخاص..

-السلام عليكم ،ازيك يامنة؟

-وعليكم السلام،محمد ..ازيك؟

محمد :الحمد لله ،اخبارك ايه؟

منة : تمام الحمد لله واخبار عمي و طنط و يحيي و نهلة ايه كويسين؟

محمد : الحمد لله كلهم بخير , انتي مش بتقابلي يحيي و نهلة هنا خالص؟

منة: لا اصلنا بنروح علي طول انا و هالة..

محمد : خلاص هنتجمع بكرة ان شاء الله..

عقدت منة حاجبيها : ليه بكرة ؟في حاجة ولا ايه؟

محمد: لا عادي عازمنكوا عالغدا بكرة و زمان ماما و بابا كلموا طنط و اتفقوا ..

منة : ااه اوك خلاص ان شاء الله..

في حضور هالة …

هالة : السلام عليكم ..ايه ده محمد ازززيك؟؟

محمد: الحمد لله يا هالة ازيك انتي ؟

هالة : الحمد لله كويسة عاملين ايه كلكوا و عمي ؟

محمد : الحمد لله كلنا بخير.. وبعد انتهاء حديثهم قام محمد بتوصيلهم الي المنزل بعد محايلات فصعدت البنات لشقتهم و عاد محمد الي منزله..

وفي اليوم التالي اجتمعت العائلتان و رحب الجميع بالبنات ووالدتهم و جلسوا لتناول الغذاء وبدأوا بسرد ذكرياتهم و بكي من بكي و ضحك من ضحك حتي انتهوا و انتقلوا لجلسة الشاي المعتادة عليها أسرنا المصرية بعد وجبة الغذاء وبعد قليل طلب “محمد” من “منة” الذهاب معه قليلا الي الشرفة…

محمد : اتفضلي..

منة : ايه ده؟

محمد : ده ألبوم صور كنت عاملهولك مخصوص..

فتحت منة الألبوم و لمعت عيناها : ايه ده دي صوري من وانا صغيرة ..ده في صور اول مرة اشوفها.. جبتهم منين ؟!

محمد : كان عندي شوية وكنت لما بروح عند اي حد من قرايبنا اقعد ادور عليكي في الصور و اخدها…

احمرت وجنتيها خجلا : شكرا يا محمد بجد تسلم ايدك..

محمد : العفو يا منة ..

تقدم عليهم “هالة” و “نهلة” و “يحيي” و جلس الشباب و البنات معا ليسردوا بعض من ذكريات الطفولة التي لا تنسي مهما مر عليها العمر ..واتفقوا ألا يبتعدوا عن بعضهم البعض مرة أخري..

انتهت جمعتهم الجميلة و عادت البنات و والدتهم إلي منزلهم ..وبدأت تقترب العلاقات بينهم أكثر فأكثر واقتربت البنات من “نهلة” و “يحيي” و في الجامعة كانوا يتقابلوا كل يوم عدا “محمد” الذي كان يخطف يوما أو يومين من الأسبوع للإجتماع معهم نظرا لظروف عمله..

وفي الجامعة ذات صباح اقترب أحد الشباب مرة أخري علي “منة” الجالسة بمفردها و ألقي عليها السلام..انتبهت “منة” ورفعت رأسها موجهة للمتحدث فعقدت حاجبيها لرؤيته وابتسمت وردت السلام..

منة: سامح ايه المفاجأة دي ،انتوا رجعتوا؟

سامح: اه من أسبوع تقريبا ، عاملين ايه و طنط و هالة؟

منة: تمام الحمدلله وانت و أونكل توفيق كويسين؟

سامح: الحمد لله بخير..صمت سامح لوهلة ثم ابتسم..

منة بخجل : في ايه؟

سامح: بصراحة..كنتي وحشاني..

اكتفت منة بإبتسامة تحمل وراءها كل معاني الخجل و الفرحة والدهشة أيضاً..فلقد كانوا جميعاً معاً في السعودية قبل وفاة والدها و لم تشعر للحظة إهتمامه بها هكذا…

سامح: مالك؟

منة: أبداً مفيش..

و أثناء حديثهم أقبل عليهم محمد..

محمد: السلام عليكم..

رد الجميع السلام ونظر محمد لسامح بإستفهام فأسرعت منة : سامح ابن أونكل توفيق صاحب بابا الله يرحمه وده محمد ابن عمي ..ابتسم الشباب لبعضهم البعض كل منهم بإبتسامة باهتة تحمل مشاعر مختلفة و أتبع سامح : طيب يا منة أنا همشي و أكيد هنتقابل تاني ان شاء الله و سلميلي علي طنط و هالة..

منة: الله يسلمك و سلملي كتير علي أونكل توفيق..

سامح: يوصل ان شاء الله…

رحل سامح وتبقي محمد بنظراته الحارقة الغيورة فسألها : هو انتي ينفع تقعدي لوحدك مع أي حد كدة؟؟

نظرت له منة بإستنكار : ايه اللي بتقوله ده ..دة واحد انا عارفاه كويس اوي و أفتكر اني عرفتك عليه..

شعر محمد بتسرعه فهو انسان طيب وتلقائي لأبعد حد فاعتذر منها دون تردد : خلاص حقك عليا ..انا اسف..

انتهي يحيي و نهلة من محاضراتهم و أقبلوا عليهم ..

نهلة : السلام عليكم ..ازيكوا ؟

يحيي : أمال هالة فين؟

منة بإقتضاب: نازلة كمان شوية..

نهلة : مالك يا منة وشك متغير ؟

منة: لا أبدا عادي..

حضرت هالة بمرحها و عفويتها : ازيكوا يا شباب ..فلم يجب أحد..يا ساتر مالكوا قافشين كدة ليه؟

محمد : لا عادي يا هالة مفيش حاجة..

منة : طيب يلا عشان نروح..

وفي منزلهم..

هالة: مالك يا منة بجد شكلك مش مظبوط؟

منة:هو انا باين عليا اوي كدة؟

هالة : اه وشك متغير ..في حاجة حصلت؟

منة: اه ..تخيلي مين جالي الجامعة النهاردة قبل ما تنزلي..

هالة: مين ؟؟

منة: سامح …

هالة: سامح ابن اونكل توفيق ..ايه ده هما نزلوا ..غريبة كانوا بيقولوا هيستقروا هناك..

صمتت منة و شردت…

هالة : طيب ماشي بردو معرفتش مالك متغيرة ليه…ده انت المفروض تبقي مبسوط يا باشا..

منة: فاكرة يا هالة لما كنت بقولك انه عمره ما انتبهلي و نفسي بس يفكر فيا ولو ثانية..

هالة: اه والبعيد كان في التراوة…

منة: تخيلي النهاردة قاللي ايه..

هالة: ايه؟؟

منة : قاللي اني كنت وحشاه..

رفعت هالة حاجبها : سامح!! قالك انتي ؟؟ لا ليكي حق تتنحي بصراحة…

منة: تفتكري كان بيداري عليا كل الفترة دي …

هالة: بصي سامح شخصيته غامضة شوية و تقيل حبتين ..يمكن كان معجب بيكي ومش مبين..

ابتسمت منة: تفتكري؟

ضحكت هالة : اصبري اما نشوف اخرته ايه..

و انتهي يوم البنات و ناموا لإستقبال غدهم الجديد بما يحمله من طيات و مفاجآت…..

 

الحلقة الثانية

وفي صباح يوم جديد في جامعة القاهرة انتهي الشباب والبنات من محاضراتهم و اجتمعوا للذهاب معاً لنزهة بالإتفاق من اليوم المسبق وأثناء خروجهم من الجامعة التقوا بسامح الذي وقف للتحدث مع منة و هالة متنحيين جانباً من الطريق و ينتظر الباقي علي الجانب الآخر ولكن تحت أنظار محمد و يحيي …
سامح: ازيك يا هالة؟
هالة: الحمدلله منورين القاهرة ..بس مش كنتوا قلتوا انكوا هتستقروا هناك؟
سامح: حصل ظروف كدة واضطرينا ننزل..ثم التفت الي منة بإبتسامة : ازيك؟
منة: الحمدلله..واندهشت هالة من نبرته الهادئة وإبتسامته الغير معتادة ..وأتبع سامح : كنت عايزأتكلم معاكي شوية بس شكلكوا مستعجلين و وجه نظره ناحية الباقيين علي الجانب الآخر…
منة: اه خارجين شويةبس خير كنت عايز تتكلم في ايه..
إبتسم سامح نصف إبتسامة :شكلكوا متعودين علي ولاد عمكوا أوي..
نظرت البنات لبعضهنالبعض و قالت هالة : عشرة عمر بقا..
سامح: طيب ممكن رقمكيا منة؟!!
ترددت منة كثيرا وظهر عليها الإرتباك: اه،اوك..أخذ سامح الرقم و حفظه وودعهم بنظرات خاصة إلي منة وعلي الجانب الآخر كان محمد و يحيي متذمرين مما يروا..
وصل البنات إليمنتظريهم كل منهم بنظرته إليهن ..فبدأت نزهتهم و وجه يحيي سؤاله لهالة: مين دهاللي حضرتك كنتي واقفة معاه؟
ضحكت هالة بطفولية:ههههه ومالك بتتكلم كده ليه؟
رد يحيي بضجر:أنا مبهزرش مين ده؟
هالة: ده سامح ابن صاحببابا الله يرحمه.
يحيي بعصبية: وانتي ازاي انتي و منة تقفوا معاه كدة أنا كنت ماسك نفسي لولا ان محمد هداني بس ماينفعش كده علي فكرة
هالة: نعم يعني كنتناوي تعمل ايه ان شاء الله وبعدين احنا عارفين بعض من زمان جداً و كنا علي طول معبعض في السعودية
يحيي:وتفتكري الناساللي كانت واقفة حواليكو عارفين كل اللي بتقوليه ده ،الناس مالهاش غير المظاهر ياهانم..
توترت هالة وقالت:يا سلام طب ما انتوا بتقفوا معانا انتوا كمان والناس مش عارفين انكوا ولاد عمنا بردو ..ازاي الحال بقا؟
صمت يحيي وشعر أنهوقع في مأزق حتي اقترب عليهم نهلة و محمد ومنة وكأنهم أنقذوه من مأزقه هذا..
نهلة : في ايه صوتكوا عالي جدا مش هتبطلوا نقار في بعض بقا؟
منة: علي رأيك يانهلة كأنهم مولودين فوق راس بعض …
نهله: ههههههه دهأنا و يحيي اللي مولودين فوق راس بعض فعلا مبنتخانقش كدة زيكوا…
وظلت منة و نهلة يتبادلن الضحكات و النكات في صمت من باقي الأطراف..حتي انتهي يومهم و ودعوا بعضهم البعض و ذهب كل منهم إلي بيته..
منة: خلاص يا هالة فكي بقا ما أنا كمان محمد قعد يقطم فيا والله..
هالة: سيبك سيبك المهم ..ايه اللي حصل ده ،انا حاسة ان مش ده سامح اللي كان معانا هناك ،مين ده؟
منة: والله ما أناعارفه يا هالة انا الموضوع ده شاغلني أوي..
هالة: بس أنا بقاعندي تحليل للموقف..
منة: حللي يا ست الدكتورة ..
هالة وهي تضع سبابتها علي جبهتها: احساسي ان سامح كان معجب بيكي من زمان وهو واد تقيل كدة ومش مبين ولما نزلنا مصر و عرف اننا مش هنرجع تاني قام نازل وراكي علي ملا وشه…
منة: ده احساس ولاتحليل …نامي يا هالة..
هالة : ههههههه طيببكرة تشوفي..
و بعد قليل رن هاتف منة برقم سامح فارتبكت كثيراً و ترددت في الرد ولكن هالة شجعتها : ألو..
سامح:إزيك؟
منة: الحمدلله ،اونكل توفيق عامل ايه؟
سامح: بصراحة تعبان شوية..
منة: الف سلامةعليه، ماله؟
سامح: عندو جلطة فيرجله ومنعته من الحركة للأسف..
منة: لا حول ولا قوة إلا بالله ،صدمتني يا سامح وزعلتني بجد ،ألف سلامة عليه..
سامح: الله يسلمك يامنة ،الحمد لله..منة؟
منة: نعم..
سامح: بصراحة كنت عايز أفاتحك في موضوع هو المفروض مايبقاش في التليفون بس أنا مش عارف ألاقيكي غير في الجامعة و مابعرفش أتكلم معاكي هناك خالص،ممكن نتقابل في أي مكان؟
شعرت منة بإحراج وإرتباك شديد جداً ولم تستطع أن تقول سوي: أنا آسفة يا سامح بس ما أعتقدش ماماهترضي ..
سامح: اممم طيب مشهضغط عليكي و مضطر أقولك في التليفون …
حدقت منة عيناها وبجانبها هالة التي التصقت أذنها في الهاتف لتسمع ما يقوله سامح…
سامح: تتجوزيني!!
تجمدت منة و توقف قلبها فهي لم تتوقع تماماً ما قاله و شهقت هالة واضعة يدها علي فمها و لم يتم الرد…
سامح: الو ..الووو
ردت منة بصوت يكادأن يُسمع: أيوة..
سامح: سمعتيني؟
منة : اه
سامح: وقلتي ايه؟
منة: بصراحة انتفاجئتني يا سامح ..
سامح: طيب هسيبكتفكري براحتك بس مش براحتك أوي متتأخريش عليا ..
منة : ان شاء الله..
وانتهي الحديث وتبلمت كل من منة و هالة لدقائق ثم نطقت هالة: شفتي احساسي طلع في محله…و فجأة قفزت من مكانها بفرحة: مبروك يا منوووون روروروروي..
وضعت منة يدها عليفم أختها: هشششش بس وطي صوتك.
هالة: نعم أوطي صوتيليه ما احنا هنطلع نقول لماما أصلا..
منة : مش عارفة أتلمعلي أعصابي ، مش مصدقة …
هالة : هههههههه ولاأنا بس أهو حصل و سحبت منة من يدها : يلا بقا نقول لماما..
وخرجت البنات لوالدتهم لإخبارها فبكت بمجرد سماع الخبر و تذكرت زوجها و قالت : كان نفسي يبقي معانا ويفرح بيكي يا منة ..
بكت منة هي الأخري:الله يرحمه يا ماما ،وأنا كمان..
بكت هالة هي الثالثة: والله انتوا عالم نكدية خلاص بقا… فتصبح الفرحة دائماً في منزل به عزيز فقيد”موجعة” مغلفة بدموع و قلب منكسر مهما كانت ضحكات الوجه فالقلب يحملالألم بالحنين….
وفي صباح اليوم التالي كالعادة اجتمع البنات و الشباب في الجامعة و أثناء جلستهم وقفت هالة فجأةوقالت :عندي خبر تحفة،يلا كلنا نقول مبروك لمنة…
نهرتها منة بنظرةطويلة و إرتجف قلب محمد و قالت نهلة: في ايه يا منة نتيجتك طلعت قبل ما نمتحن ولاإيه ههههه..
أكملت هالة وكأن لمتنهرها منة بنظرتها: لا يا نهلة منة هتتخطب قريب..
احمرت وجنتي منة ونظرت للأرض بينما انصدم الجميع فنهلة و يحيي يعلموا جيدا ما يحمله محمد في قلبه منحب صادق لمنة و تبقي محمد بقلبه المرتجف كالذي فقد جميع حواسه في لحظة و دمعتعيناه و خاف أن يراها الآخرون فانسحب بهدوء دون كلمة ..ابتسمت نهلة ابتسامة باهتةوقالت : بجد ؟مبروك يا منة بس فجأة كدة؟
و وجه يحيي بعدمقبول مباركته لمنة و نظرة غامضة لهالة واستأذن و ذهب لمواساة أخيه..و ظلت البناتلتسرد هالة لنهلة من هو الخاطب وباقي التفاصيل.
وهناك تنحي محمد جانباً علي إحدي المقاعد بالجامعة بدموعه المحبوسة بمقلتيه و أقبل عليه يحيي وربتعلي كتفه: علي فكرة دي لسة خطوبة و لسة ماتعملتش كمان ، ماتكلمها يا محمد ،صارحهابحبك..
محمد بنبرة منكسرة وصوت مكتوم: معني ان هالة قالت كدة ان منة خلاص وافقت ، تفتكر بعد ما وافقت علي حد تاني أروح أكلمها وأتبع بيأس : ده معناه إنها ماحستش بحبي ليها خالص ولا بتبادلني أي مشاعر من ناحيتها….
يحيي محاولاً التخفيف عنه: انت هتاخد علي كلام هالة ..دي مجنونة..
وضع محمد رأسه بين راحة يديه مسنداً بهما علي ركبتيه و شرد ذهنه..
انتهي اليوم الجامعي وذهب كل منهم إلي بيته و في طريقهن..
منة: انتي يا بنتي مسحوبة من لسانك، انا قلتلك تقولي؟
هالة: طب وايه يعني ماهم مسيرهم هيعرفوا..
منة: ماشي بس لسةأصلا،شفتيني وافقت؟
هالة: ده علي أساسانك هترفضي ما احنا عارفين انك موافقة…
زفرت منها منة: يييه مش هخلص من غلبويتك دي ..أفهمها ازاي دي يا ربي ،يا بنتي انتي قلتي الخبر كدة فجأةو أديكي شوفتي انصدموا ازاي و محمد قام ازاي ،أنا كنت عاوزة أمهد للموضوع مش خبطةواحدة كدة…
صمتت هالة و لوت شفتها: اممم في دي عندك حق ، من ناحية انصدموا فهما انصدموا فعلا و صعبان عليامحمد أوي..
منة بحزن : أمال أنا أقول إيه ،لما أبقي عارفة ان أنا اللي كسره قلبه كده بس غصب عني يا هالة والله محمدبالنسبة ليا أخويا وابن عمي وبس مش قادرة أحس من ناحيته غير كدة…
هالة: معلش هو بكرةينسي و يحب تاني..
منة: يارب بجدبدعيله من قلبي يلاقي واحدة يحبها و تحبه و تبقي طيبة زيه كده…
هالة: يارب..وأتبعت بمرح :ولو انه مش هيلاقي زيك يا منوون…
إبتسمت منة ونهرتها بض*ربة خفيفة…
وفي منزل الحاج صلاحعم البنات..
نهلة: علي فكرة يايحيي منة لسة ما وافقتش عالخطوبة ..
يحيي: وعرفتي منين؟
نهلة: هالة حكتليلما مشيت انت و محمد..
يحيي:امممم ، طب وبعدين محمد أخوكي ده هينقطني الصراحة ما بيتكلمش خالص ..
نهلة: يمكن لما يعرفكدة يتكلم و يخطبها بقا مش يمكن هي مستنياه يتكلم …
يحيي بتفكير: تفتكري؟طيب ما تكلمي هالة و تفهمي منها بالظبط..
نهلة: اممم اوك…
و علي الفور تحدثت نهلة مع هالة ولكن صدمتها هالة كعادتها بعفوية أن منة تكمن بداخلها مشاعر قديمة لسامح و أنها ستوافق علي الخطبة بلا تردد..فأسردت نهلة الحوار ليحيي فقال: خلاص يانهلة هو نصيبه كده ،ربنا يصبره…
بكت نهلة لحال أخوهاوقالت :يارب يا يحيي…
وانتهي اليوم ونام الجميع و نامت علي الوسادة أحلام مختلفة تحمل ما تحمله من آلام و آمال
……

 

الحلقة الثالثة

أشرقت شمس نهار جديد داخل أسوار الجامعة وقد قررت هالة ألا تخبر منة بإتصال نهلة لها وإستفساراتها و داخل محاضرة منة استقبلت مكالمة من سامح فردت عليه بصوت خافت وأخبرته أنها لن تستطيع محادثته وأن ينتظر لحين انتهائها و بمجرد نهاية موعد المحاضرة كرر سامح اتصاله ليسألها عن رأيها في موضوعهم فردت بخجل :اللي تشوفه يا سامح..
سامح: يعني موافقة؟
منة بخجل: امم..
سامح: طيب تمام أوي ، حدديلي ميعاد مع طنط بقا عشان نتفق..
منة: شوف انت الميعاد اللي يناسبك..
سامح: النهاردة ممكن؟
منة:بالسرعة دي؟
سامح: خير البر عاجله ونقرا فاتحة النهاردة كمان..
خفق قلب منة سريعاً : ان شاء الله..وما أن أنهت اتصالها ،أقبلت عليها هالة فوجدتها واقفة شاردة…
هالة: ألوون..ايه مالك؟
منة:انتي جيتي؟
هالة: لا لسة هههههه ايه يا بنتي انتي ضايعة خالص..
منة: يلا يلا عشان نروح..
هالة: مش هنستني نهلة ويحيي؟
منة وقد سحبت هالة من يدها و أسرعت خطواتها:لا ماينفعش،اتصلي بيهم قوليلهم هنمشي احنا ، مفيش وقت..
هالة: ايه السربعة دي، مفيش وقت علي ايه؟
منة: سامح جاي النهاردة ،يادوب أجهز و أقول لماما ونشتري حلويات و نوضب الشقة وأكلم عمي و..
قاطعتها هالة:بااس ايه علي مهلك،كل ده النهاردة حرام عليكي أنا مهبطة خالص من الحر..
منة:يلا بقا ياهلولة ياحبيبتي مش وقته دلع عقبال ما أخدمك يوم فرحك يارب..
هالة: ياعيني عالتثبيت ،يارب يختي يارب..بس ماقلتليش كلمك امتي وقولتيله ايه؟
منة: هقولك كل حاجة بس نروح..
واتصلت هالة بنهلة و أخبرتها…
مر الوقت وجاء سامح بحلته الأنيقة و الكرافت الأزرق فإزداد جاذبية و وقار فكان سامح شاب طويل القامة ذو جسم قوي البنيان و شعر أسود ناعم و مرتب وبشرة خمرية..
تقدم سامح إلي المنزل واستقبله عم البنات و والدتهم و وهالة بترحاب شديد حتي جلس الجميع في غرفة الصالون و بدأ التعارف بين سامح و حاج صلاح عم البنات وسأله عن سبب عدم مجئ والده فأخبره بمرضه حتي ظهرت العروس بفستانها القرمزي و حجابها الأبيض مع حمرة وجهها فكانت منة بنت طويلة القامة إلي حد ما ذات البشرة البيضاء والعيون العسلية و ملامحها الصغيرة..اعتدل سامح لرؤيتها، حاملاً باقة من أطيب أنواع الورود و أجملها وقدمها لها علي الفور مع إبتسامة علي وجهه ،مدت منة يدها المرتجفة وأخذت الباقة بخجل ،جلس الجميع و اتفقوا علي قراءة الفاتحة ولكن بعد أن قال سامح:أنا بستأذن منة إننا هنتجوز مع بابا في الشقة لأني مقدرش أسيبه لوحده و كمان إحنا شقتنا واسعة أوي ..نظر عم منة لها منتظراً ردها فإبتسمت منة وقالت: مفيش مشكلة..
وأتبع سامح : وفيه حاجة كمان معلش،أنا آسف مش هقدر أعمل فرح هتبقي زفة عربيات بس ونروح علي شقتنا ،ايه رأيك يا منة؟
اندفعت هالة بعفويتها: ايه؟ لا طبعا ماينفعش ، أنا عايزة أفرح أنا وأختي..
نهرها عمها بنظرة: استني يا هالة، أهم حاجة رأي العروسة و حاجة سناء..
هالة بحزن:كدة يا عمو وأنا ماليش رأي؟
والدة البنات:أنا مش فارق معايا المهم منة..
ردت منة بخجل و إحراج: عادي مفيش مشكلة..
زفرت هالة و أشاحت وجهها عن الجلسة …
سامح: خلاص كدة تمام ان شاء الله…
عم البنات: طيب وناوي إمتي يا ابني؟
سامح: والله يا عمي خير البر عاجله ،ياريت نقرا فاتحة النهاردة و نكتب الكتاب و نتجوز بعد كام شهر كدة..
انتبهت منة لكلامه و قالت : كام شهر ايه، ماينفعش عايزة أجيب حاجات كتير و مش هلحق..
ردت والدتها: ماتشيليش هم حاجة يا منة ،كل حاجة هتيجي وتمت قراءة الفاتحة و كان سامح محضراً خواتم الخطوبة وفاجأ الجميع بهم واتفقوا علي إتمام الزواج بعد ثلاثة أشهر فقط….
وفي المساء بعد انتهاء جلستهم ، دخلت البنات إلي غرفتهن و كانت منة مبتسمة سعيدة علي عكس هالة التي كانت تود أن تض*ربها: كدة يا منة مش عايزة فرح ، ماتتصوريش أنا مخنوقة قد ايه..
منة: معلش بقا يا هالة ، انتي بقا نعملك أحلي فرح.
هالة : بصراحة سامح قفلني منه من أولها كدة يعني لا فرح ولا شقة كمان ..
منة: هههههه يا ستي أنا راضية أهم حاجة الدين و الأخلاق وكل الباقي ده مظاهر..
هالة : اوف منك انتي مثالية زيادة عن اللزوم…
منة: أبدا والله ولا مثالية ولا حاجة ،طيب ما أنا كمان كان نفسي في فرح و شقة زي بقية البنات بس خلاص مادام ظروفه كدة يبقي أستحمل…
هالة بمزح : أيوة يا عم لأجل الورد بقا…
ابتسمت منة : بس يا بت بقا بطلي غلاسة..
وفي منزل الحاج صلاح عم البنات كانت نهلة و يحيي و والدتهم منتظرينه لمعرفة منه الأخبار علي عكس محمد الذي لم يطق يجلس لحظة واحدة و رحل ..جاء الحاج صلاح مبتسماً فهو لم يكن يعلم ما يكنه ابنه من مشاعر تجاه منة ابنة أخيه حتي أخبرهم بموعد الزفاف و تفاصيله ولكنه لم يجد إستحسان من الآخرين فالكل بارك بعدم قبول وإتجه إلي غرفته شارداً ..
وهناك كان يجلس علي إحدي المقاهي بمنطقته شارد الذهن لم يتخيل أن حبيبة عمره سيمتلكها غيره فهي أول من نبض لها قلبه، ما إن أقبل عليه يحيي و جلس بجانبه دون كلام فإلتفت إليه محمد :ايه الأخبار؟
أجاب يحيي بخفوت ولم ينظر إليه:قروا فاتحة و حددوا ميعاد الجواز.
مسح محمد وجهه بكفه والذي كان يشع حرارة وتذكر وجه منة أمامه وأنه سيُحرم عليه النظر لهذا الوجه الجميل الذي طالما حلم به و بقضاء الباقي من عمره معه حتي يتجعد الوجهان معاًو يظل حبها محفوراً بأعماق قلبه..
عاد محمد و يحيي إلي منزلهم و دخل كلاً منهم إلي غرفته وكانت والدتهم ساهرة يجافيها النوم من كسرة قلب ابنها فهي تعلم جيداً ما به..أطرقت عليه الباب فسمعته من الداخل : مين؟
_أنا يا محمد ..
_ ادخلي يا ماما..
دخلت والدته لتجده مسطحاً علي فراشه بنفس ملابسه التي خرج بها يسند رأسه علي وسادته التي تعرف أسراره أكثر من نفسه..جلست والدته بجواره علي طرف الفراش وربطت علي يده في حنان : ماتزعلش نفسك يا حبيبي ، ربنا شايلك الأحسن..وكأنها ضغطت بكلامها الحنون علي جرحه النازف فخانته دمعته التي بللت جفون أعينه ..فحين نظل نخبئ و نكتم أوجاعنا ثم نسمع فقط كلمة “مواساة” تخوننا العبرات و تفضح ما خبأناه في لحظة ..ضمته أمه إلي حضنها و ياله من حضن الأم أعمق من البحار و أملس من الحرير وقالت له: لا يا محمد ،لا يا حبيبي، خليك أقوي من كدة ،الدنيا عمرها ما بتقف علي حد، كانت كل الناس اللي ماخدتش اللي بتحبه ماتوا من الحزن يا ابني، ربنا خلق النسيان ،و الحزن خلقه كبييير أوي و الحاجة الوحيدة اللي بتصغر و بتقل مع الأيام ودايماً ردد آية ربنا سبحان وتعالي “فصبرٌ جميلُ والله المستعان”..نزلت كلمات أمة كالثلج علي قلبه لتبرده قليلاً و تمنحه قسط من الصبر…وظلت تهدهد عليه و تقرأ بصوتها العذب بعض من آيات الله تعالي حتي دخل في سبات عميق كالطفل …
*******
دخلت والدتها عليها و كانت هالة قد خلدت للنوم و تبقت منة بأحلامها توقظها علي فراشها ..جلست أمها بجانبها علي الفراش وهي تتأمل ملامح ابنتها الراضية و السعيدة فقالت: مبسوطة يا حبيبتي؟
ردت مبتسمة :الحمدلله يا ماما..
_يعني مش زعلانة من موضوع الفرح ده؟
_لا يا ماما ده نصيبي و انا راضيه ..ثم ألقت نظرة علي أختها النائمة بفراشها المجاور لها : بس في ناس هنا مش مبسوطين خالص..
نظرت الأم علي هالة سريعاً و ابتسمت و عادت بنظرها الي منة: سيبك منها المهم انتي.. وأتبعت: طيب و موضوع الشقة
يا منة مش مضايقك؟
هزت رأسها بالنفي:لا يا ماما ، ماهو بيقول الشقة كبيرة و كمان أونكل توفيق طيب جداً و بيحبنا أوي…
_طيب يا بنتي ربنا يسعدك و يكملك بعقلك يا حبيبتي و اعتدلت من جلستها لتذهب إلي غرفتها حتي تذكرت شيئاً فإستدارت لها مرة أخري: اه صحيح يا منة ، ابقي اتكلمي معاه يا حبيبتي في موضوع الدراسة ،هيبقي لسة فاضلك ترم ..
خبطت منة علي جبهتها : نسيت خالص نتكلم في الموضوع ده بس كويس انك فكرتيني يا ماما ، خلاص بكرة ان شاء الله أكلمه..
_ماشي يا حبيبتي،تصبحي علي خير..
_وانتي من أهل الخير ..
ومرت المهلة المحددة لتحضير تجهيزات الزفاف حتي تبقي يوم واحد علي الميعاد و بمرور الوقت يزداد توتر منة و يكبر جرح محمد الذي اختفي من يومها عن الجامعة كغير عادته..
وجاء اليوم الموعود و توجت منة بطرحتها البيضاء وتاجها المرصع بالفصوص البراقة و فستانها التل الأبيض و كانت في غاية الجمال واستقبلها سامح فطبع قبلة علي كفها و انتهي يومهم سريعاً دون حفل كما في الإتفاق و ذهب العروسان إلي شقة الزوجية و خطت منة أول خطوة لها داخل حياتها الجديدة المليئة بالمفاجآت….
خطت منة أول خطواتها في حياتها الجديدة و دخل معها زوجها سامح الذي لم يعرها انتباهاً ، دخل سريعاً إلي غرفته ، ظلت منة واقفة في مكانها ينتابها الخجل و تذوب في نفسها و لا تدري ماذا تفعل أتظل واقفة منتظرة سامح أم تدخل وراؤه أم ماذا تفعل ، ظلت مكانها قرابة الربع ساعة حتي جلست أخيرا علي إحدي كراسي الصالون بجانبها وهي لا تعلم أين ذهب سامح و تركها دون كلمة منه و أيضاً توفيق الذي يفترض أنه موجود داخل الشقة حتي سمعت صوت خطوات تأتي من خلفها و تجده سامح قد أبدل حلته بملابس النوم وقال لها ببرود: ادخلي غيري فستانك ده!!
ابتلعت لعابها و ثقل لسانها و هي تقول : هو فين اونكل توفيق؟
_نايم هيكون فين؟
لم تدري ما سر هذه النبرة الحادة في صوته و توقعت أنه تزمر منها لفعلها أي موقف لم يعجبه ولكن ما هو؟ جمعت حروفها الثقيلة وقالت: كنت متخيلاه هيستنانا عشان يسلم علينا..
بنفس النبرة:لا هو بينام بدري..
جمعت قواها و قالت: مالك يا سامح أنا ضايقتك في حاجة؟!
_لا ،يلا أدخلي غيري البتاع ده عشان عايز أنام..
دخلت منة غرفتها و تبدلت فرحتها و ملامحها إلي العبس و ترقرقت دموعها و شحب وجهها ” ايه اللي حصل، هو بيكلمني كدة ليه، بقا هو ده الجو الهادي اللي المفروض يدخلني فيه عشان يقلل من خوفي وتوتري” و زاد توترها حتي سمعت طرقاته الشديدة علي باب غرفتها والتي كادت أن تخلع قلبها: اخلصي عايز أنااام…
بدأت بخلع حجابها و فستان زفافها الذي كان صعباً عليها خلعه و لكنها فعلتها و دموعها لم تتوقف حتي أتلفت زينة وجهها و ذاب كحل عينيها ، ارتدت ملابس نومها علي إستحياء و أصلحت ما يمكن اصلاحه من زينتها و رتبت شعرها البني الأملس الذي وصل لأسفل ظهرها و فتحت باب الغرفة ، وجدته يقف مستنداً علي الحائط حتي رآها فاعتدل علي الفور ثاقباً إياها بنظرة اخترقت ضلوعها فنظرت للأسفل علي إستحياء و احمرت وجنتيها تلقائياً ، أشاح وجهه بعيداً و كأنه أفاق من تركيزه بها وقال ببرود: عندك الأوضة اللي هناك دي وأشار بعيداً آخر الردهة: روحي نامي فيها و تركها و دخل غرفته و أوصد الباب خلفه..
ظلت منة العروس الحزين واقفة متجمدة و كأن وقع عليها دلواً من المياه المثلجة تريد أن تلملم ما تبعثر من كرامتها و أنوثتها لتختبئ بين أربعة جدران يحموها من ما شعرت به من صقيع الشتاء في يوم حار ،أسرعت متلهثة علي الغرفة المشار إليها و أوصدت بابها و احتضنت نفسها و جسدها المرتعش بذراعيها يلتفا حولها و جلست علي الفراش و ألف سؤال و سؤال يدور حول رأسها و ما من إجابة تحنو عليها حتي نامت لا تعلم كيف نامت و بللت وسادة غريبة عنها بدموعها لتسأل الوسادة من هذا الغريب الذي يحتاجني فعطفت عليها وسادتها الجديدة و استقبلت دموعها بصدر رحب ….

 

الحلقة الرابعة

مضت ليلتها الحزينة و راحت في سباتها العميق بينما الآخر ظل شارداً جافاه النوم و جافاه قلبه ، كانعقل محمد يكاد ينفجر من كثرة التفكير بمنة و لا يتخيلها عروس لغيره ،صعب عليه الحال لا يعلم ما حالها و كيف هي الآن…
فاقت منة من سباتها علي طرق شديد علي الباب و الذي جعلها تفيق بفزع فتسارعت نبضات قلبها : مين؟
أتاها صوته منالخارج: افتحي ، هيكون مين..
“هو لسةبيتكلم بنفس النبرة” وفتحت الباب فقال: كنتي سايبة تليفونك برة مامتك اتصلت وزمانهم جايين..
منة: ماشي..
دخلت منة غسلت وجههاو توضأت وصلت ما فاتها و دعت الله كثيراً في سجدتها بما يفطر قلبها ،دخل سامح عليها ليجدها علي وضع السجود و أطالت به فتركها و خرج ،انتهت من صلاتها و بدأت بإرتداء عباءة بيضاء مطرزة بأرق ألوان الفصوص علي شكل فراشة جميلة من الصدر وأسدلت شعرها خلف ظهرها بغرة بسيطة، خرجت من غرفتها فاصطدمت بسامح في الردهة فاحمرت وجنتيها خجلاً ،قال لها بقسوة:طبعاً مش محتاج أقولك ماتجبيش سيرة لأي حد على حياتنا حتي مامتك و لو حد سألك عاملة ايه قولي الحمد لله و خلاص..
أومأت برأسها : أكيد،هو أونكل صحي؟ نفسي أشوفه..
_صحي بس فيأوضته..
ابتسمت منة: طيب ممكن أدخل أسلم عليه؟
_براحتك..
أطرقت منة الباب علي توفيق فسمعته من الداخل: أدخل..
فتحت الباب و دخلت عليه بإبتسامتها العذبة الحنونة: أونكل توفيق ازيك وحشتني أوي..
لم تلقي منة ردة الفعل التي كانت تنتظرها فقد كان بالنسبة لها صديق حميم لوالدها يتبادلا الضحكات ويعاملها أفضل حالاً من والدها ، فقط رد علي تهافتها بكلمة واحدة وإبتسامة باهتة :أهلاً!!
تعجبت منة من هذا الرد البارد وقالت بحنان: ألف سلامة عليك يا أونكل ،ربنا يشفيك يارب..
_شكراً..
وخرجت منة متعجبةلمعاملاتهم الجافة وزادت حيرتها وتساؤلاتها لنفسها”نفسي أفهم فيه ايه؟!”
خرجت لسامح وسألته:أحضرلكم الفطار؟ وما أنهت كلمتها حتي رن جرس الباب فذهبت منة لغرفتها مسرعة و فتح سامح بإبتسامة واسعة : أهلاً ، اتفضلوا..
والدة منة: صباحيةمباركة يا عريس..
سامح: الله يبارك فيكي يا حماتي..
هالة: ازيك يا سامح مبروك..
سامح: الله يباركفيكي يا هالة عقبالك..
هالة : شكراً ربنا يخليك.. خرجت منة عندما سمعت صوت والدتها و أختها بلهفة : ماما حبيبتي ازيك؟
حضنتها والدتها :الحمدلله يا حبيبتي ،ازيك انتي؟
منة: الحمدلله ياماما وإلتفتت إلي هالة وحضنتها: منووون حبيبتي وحشاااني..
هالة: يا بكاشة لحقتأوحشك..
بعدت منة عن حضنهاقليلاً ونظرت لعين أختها بعين ممتلئة بالدموع: كدة يا هالة يعني أنا ماوحشتكيش؟
حضنتها هالة مرة أخري : وحشاني بس..هو أنا عرفت أنام امبارح أصلاً…
جلس الجميع و تبادلاالحديث فإستئذنت منهم منة و دخلت مطبخها لتحضر بعض العصير و البسكويت و الكحك ،تسحبت هالة من وراءها و لفت يدها حول خصر أختها وقالت بمرح: عملتي ايه يا عروسة؟!
خجلت منة ولم تنظرلأختها : الحمدلله..
هالة: شكلك قمر وانتي عروسة ،ومدت يدها بالدعاء: عقبالي ياااارب.
ابتسمت منة بهدوء:ان شاء الله يا حبيبتي..
شعرت هالة بشئ غريب في أختها ولمعة في عينيها:مالك يا منون؟
منة محاولة إخفاءشعورها:مفيش يابت،مالي؟
هالة: معرفش شكلك متغير..
حتي دخلت والدتهمفسمعت كلمة هالة الأخيرة:بس ياهالة ،خدي الصينية من أختك طلعيها برة..
أخذت هالة الصينية ومشت في الردهة: امم حلوة أوي الطردة دي ،متشكرة يا ست ماما..
ضحكت الإثنتان ثمنظرت والدة منة لها: طمنيني عليكي يا حبيبتي؟
قالت منة بإستحياء:ما قلتلك الحمد لله يا ماما..
والدتها: يعني سامحكويس معاكي؟
منة وهي تلملم ماحولها من علي رخامة المطبخ: أيوة طبعاً يا ماما الحمد لله..
قبلتها أمها عليوجنتها : ربنا يسعدك يا بنتي و يفرح قلبك..
لمست الدعوة قلب منة فترقرقت عينيها بالدموع و لكنها حاولت إخفاءها و خرجوا لإستكمال الحديث بالخارج فسألت والدة البنات سامح: أمال بابا فين يا سامح؟
_هو في أوضتهجوة تعبان شوية..
_لا ألف سلامةعليه، ربنا يشفيه..
و انتهت جلستهم وحين وداعهم كادت منة أن تبكي لكن تمالكت نفسها و تظاهرت بعكس ما تشعر..
أغلق الباب و تحولتمعاملة سامح مرة أخري : قالولك ايه؟!
منة: عادي بيطمنوا عليا..
سامح: ورديتي قلتلهمايه؟
تعصبت منة قليلاً:علي فكرة يا سامح أنا مش طفلة صغيرة و فاهمة كويس ان مش أي حاجة ينفع أحكيها وديني علمني كدة..
اندفع إليها سامح ومسك ذراعها بقسوة : اياكي صوتك ده يعلي عليا ،انتي فاهمة؟
وتركها و دخل غرفته، مسكت منة ذراعها من شدة الألم و تحررت الدموع التي حبستها أمام والدتها ما إنخرج توفيق من غرفته علي كرسيه المتحرك فمسحت منة دموعها علي الفور و لحقت به: أناآسفة يا أونكل هحضرلك الفطار حالاً..
توفيق بحنق: لا مش هاكل، أنا هشرب شاي بس …
منة: حاضر هعملك شاي..
أحضرت منة الشاي ومعة قطع من البسكويت و ذهبت به إلي توفيق : اتفضل يا أونكل و جبتلك بسكويت مع الشاي فطار بسيط كدة..
توفيق: قلت مش فاطر،شيلي البسكوت ده..
منة بإضطراب: حاضر..
وتوالت الزيارات المتعارف عليها في هذه المناسبات من الأقارب و الأحباب حتي انتهي اليوم ، دخل سامح غرفته دون كلام ،لم تستطع منة الصبر فكان لابد عليها أن تعلم ما الأمر و لماذا هذه المعاملة السيئة ،ذهبت وراءه علي الغرفة وطرقت عليه الباب: في حاجة؟
منة: عايزة أتكلم معاك شوية..
_مش وقته،عايز أنام..
_معلش يا سامحلو سمحت..
_استغفر الله العظيم ، ادخلي..
دخلت منة فوجدته مسطحاً علي فراشه فإنتابها الحرج و تنحنحت : احم ممكن أتكلم معاك..
اعتدل من نومته وجلس علي طرف الفراش: نعم،خير..
منة بلهجة هادئة وحنونة: مالك يا سامح بتعاملني كدة ليه؟
سامح بعند: ده طبعي و ده نظامي..
منة بنفس نبرتها: لايا سامح هو أنا أول مرة أعرفك احنا يعتبر متربيين مع بعص..
سامح: وأنا يعني كنت بهزر معاكي قبل كدة..
منة: لا بس عالأقل كنت بتعاملني كويس مش بقسوة كدة وجلست أمامه علي ركبتيها علي الأرض: سامح انتمكنتش كدة قبل ما نتجوز حتي، انت اتحولت 180درجة بعد ما دخلنا الشقة دي ودمعتعينيها :أنا زعلتك في حاجة؟ضايقتك في حاجة؟
وكأن قلبه من حجر غليظ لا يلينه كلمة حنونة ولا دمعة ضعيفة تخرج من قلب ملائكي و كأنه شخص لم تقابله من قبل و لم يدق قلبها من أجله في يوم من الأيام فهل كان قلبها سئ الإختيار أم أنه ليس لديه قلب..لم ينظر لها و لم يحن ،ظل قاسياً كالصخر وقال: أنا كده و هفضل كدة ان كان عاجبك،ممكن تسيبيني أتخمد بقا.. خرجت منة من غرفته منكسرة و ضعيفة ودخلت الي غرفتها كما في الليلة الماضية و استقبلت الوسادة دموع صاحبتها مرة أخري..
وفي اليوم التالي استيقظت منة مبكراً لتحضير الفطار حتي أفاق سامح و توفيق من سباتهم و تناولوا فطورهم معاًو ظلت منة ترتب غرفة نومها و غرفة نوم سامح و باقي الشقة لحين إستقبال ضيوف جدددون طعام فما من أحد إنتظرها علي المائدة أو حتي إستدعاها لتناول الطعام و ظل السكون و الصمت في المكان حتي امتلأ المنزل مرة أخري بالمباركين للعروسين و جاء دور زيارة صلاح عم منة و زوجته و نهلة ،جلس الجميع و تبادلت منة و نهلة الأسئلة على إنفراد..
نهلة واكزة منة في ذراعها : ايه يا باشا هما العرايس بيحلووا بسرعة كدة؟
ابتسمت منة: سبحان الله انتي و هالة فولة وإنقسمت نصين…
ضحكت نهله: قصدك تلاتة انتي نسيتي يحيي..
منة: هههههه اه صحيح ما انتوا توأم و هالة قدكوا تحسي انها توأمكوا التالت…
كانت منة تود السؤال علي محمد للإطمئنان عليه ولكنها ترددت كثيراً حتي تشجعت: محمد عامل ايه؟
تبدلت ملامح نهلة قليلاً:الحمدلله كويس..
لم تستطع منة السؤال علي حاله مرة أخري فأتبعت :ويحيي؟
نهلة: تمام الحمدلله،التيرم التاني قرب استعدي بقا..
منة: اه فكرتيني،ربنا يسهل و يعدي علي خير..
نهلة: يارب،الحمدلله خلصنا من التيرم الأول و نجحنا عقبال التاني يارب..
منة: يارب..
وتبادلا الجميع أطراف الحديث و كانت زوجة عم منة تنظر لها من الحين للآخر و تتحدث بداخلها” كاننفسي تبقي لمحمد يا منة وكانت فرحتنا تبقي فرحتين بدل كسرة قلبه دي” وانتهى اللقاء وودع الجميع بعضهم البعض علي أمل اللقاء مرة أخري…. رحل الجميع و اعتزل توفيق عنهم داخل غرفته و جلس سامح لمشاهدة التلفاز و كأن بين الثلاثة أطراف خصام يمنعهم من الكلام ، كان محمد و يحيي معاً عند جارهم سامر الصديق الصدوق لهم منذ زمن والذي لم يُخفي عليه شئ عن محمد و حاله،كان سامر خفيف الظل و مرح ويحاول دائماً التخفيف عنه بطريقته و لكن هذه المرة الجرح أعمق من أن يخفف بنكته أو مزحة،فظل محمد شارداً و كأن حياته توقفت عليها..
وهناك ظلت منة ترتب في مطبخها و تجهز الطعام حينها شعرت بدوار و تشوشت رؤيتها تركت ما بيدها و مسكت رأسها ولكن سرعان ما أغشي عليها وارتطمت علي الأرض بقوة سمع صوتها سامح فهرول إليها مسرعاً ليجدها علي الأرض ،حاول إفاقتها برشة عطر ،فاقت علي الفور لتجده أمامها فقال لها: انتي كويسة؟ايه اللي حصل؟
منة بصوت خافت:معرفش دخت فجأة ومحستش بحاجة..
حملها سامح بين ذراعيه و دخل بها إلي غرفته و سطحها علي فراشه وتركها و ذهب دون كلام، بكت منة لحالها فلماذا هذا الجفاء من أين أتي به و أين كان يخفيه ،حتي رأته مقبلاً عليها مرة أخري حاملاً كوباً من العصير ، جلس بجانبها علي طرف الفراش و رأي دموعها: خدي اشربي ده ، بتعيطي ليه؟
هزت رأسها: مفيش..
_طيب نامي شوية وارتاحي..
قال جملته بقسوة رغم ما بها من كلمات حانية…
خرج سامح وأوصد عليها الباب ولكن أين هي الآن علي فراشه ،تضع رأسها علي وسادته ،تشم رائحته بها وتحقد علي تلك الوسادة،ظلت مبتسمة لمجرد نومها علي فراشه فهي أحبته كثيراً و مازالت تحبه رغم ما يفعل ..راحت منة في سباتها العميق وبعد قليل فاقت علي صوته بجانبها يوقظها بهدوء ،انتفضت منة لرؤيته بجانبها فقال: ايه ايه اهدي..قومي عشان في ناس قرايبنا برة..
نهضت منة و حضرت حالها و خرجت لإستقبال الضيوف بصدر رحب..وانتهي اليوم وعاد كل إلي غرفته،قررت منة أن تدخل هذه المرة إلي توفيق في غرفته فهي لا تستطيع أن تتحمل عدم فهمها لما يحدث أكثر من ذلك ..
دخلت منة بعد أن استأذنت منه بالدخول و قالت : أونكل توفيق بعد اذنك عايزة أتكلم مع حضرتك شوية..
توفيق بحدة: انتي شايفة الوقت مناسب؟!
منة: معلش يا اونكل انا اسفة بس مش هقدر أنام إلا لما أتكلم مع حضرتك..
توفيق : عايزة ايه؟
منة: مالك يا أونكل توفيق متغير من ناحيتي ليه ،انت زعلان مني في حاجة؟؟
أشاح بوجهه بعيداً ولم يتفوه بكلمة.. بدأت منة بالبكاء: والله ما فاهمة حاجة و مخنوقة جدا من اللي بيحصل ،حاسة اني مضايقاكوا ومعرفش ايه السبب ، عشان خاطري يا أونكل توفيق بصلي واتكلم معايا..
ومازال صامتاً….
منة: أنا مكنتش متخيلة كدة خالص بصراحة ، كنت متخيلة أول ما هدخل عليك هتاخدني بالحضن و تكون فرحان بينا أوي ،ده انت و بابا الله يرح……
قاطعها توفيق بحدة:ماتجبيش سيرته قدامي ،فاهمة؟؟!!
عقدت منة حاجبيها وتوقفت دموعها : ماجبلكش سيرة بابا؟؟ ازاي؟وليه؟ ده انتو كنتو أكتر من اخوات..
توفيق: كنا ،لحد ماخاني وسرقني..!!
وكانت منة في صدمة مما سمعت أعظم من صدمة وفاة والدها فإنهالت دموعها كالبحر الثائر وبدأ يعلو صوتها و كأنها تصرخ : ايه اللي بتقوله ده ؟ بابا ؟ بابا كان أشرف واحد في الدنيا،ازاي تقول كدة علي صاحب عمرك ازاي؟
وبدأت دموع توفيق تبلل جفونه: صدمتي ماكانتش أقل منك ويمكن كانت أكبر و كان نفسي أعرف عمل فيا كدة ليه بس هقول ايه، ربنا افتكره قبل ما أفهم منه..
منة وقد زاد عليها البكاء: فهمني ، ليه بتقول كدة؟
وبدأ توفيق بسرد ماقد حدث في تلك الفترة الوجيزة التي لا تتجاوز الشهر بعد مرور الصفقة : كنت داخلها بملايين و مكنتش عايز أدخل الصفقة دي من الأساس بس هو شجعني و سمعت كلامه لحد ماخلصت الصفقة وخسرتها واكتشفت بعد كده ان رجل أعمال تاني هو اللي كسبها بس لحساب أبوكي عشان مايظهرش هو في الصورة..
كانت منة منصته له ودموعها منهمرة و مازال الذهول و الصدمة يسيطران عليها : مش قادرة أصدق..وشردتقليلاً حتي فاقت من شرودها و نظرت لتوفيق: طيب وسامح اتجوزني ليه؟؟؟
تنهد توفيق تنهيدةطويلة ليس بعدها كلام…
منة: اتجوزني ليه،عشان ينتقم مني؟؟!!
توفيق بتلعثم و صوت مخنوق: عشان يرجع اللي حمدي سرقوا مننا ، قلتلوا مش بالطريقة دي ،بس سامح عنيدوتفكيره من دماغه..
أغمضت منة عينيها بدموع تنعصر من كلتيهما،حتي دخل عليهم سامح، إلتفتت إليه بسرعة البرق بنظرة هي نفسها لا تدري أنظرة لوم أم إستحياء مما فعل والدها، تقدم عليها بخطوات ثابتة،أمسك ذراعيها بعنوة و أوقفها،كاد أن يمزق ذراعيها و قال: فلوسنا هترجع وانتي اللي هترجعيها و مرض أبويا ده اللي أبوكي السبب فيه هطلعه عليكي، هتعيشي في ذل طول عمرك لحد ما ناخد حقنا منكو فاهمة؟؟
تجمدت بين ذراعيه،لن تتخيل أن من أحبته وتزوجته هو نفسه من يعاديها و يقسو عليها هكذا ، زارت أمام عينيها كل ذكريات عمرها في لحظة وهي تنظر لعينيه ،نعم رأتها داخل عينيه و ما شعرت بجسدها المتجمد حتي أفقدت الوعي..
توفيق بحزن: لا حولولا قوة الا بالله..بالراحة عليها يا ابني دي مالهاش ذنب وطول عمرها بتحبك..متاخدهاش بذنب أبوها..
سامح :اسكت انت يابابا خليني أرجع حقنا وشقا عمرك اللي نهبوه ..وبدأ بإفاقتها ولكن فشل هذه المرة فحملها و سطحها علي سرير توفيق و حاول مرة أخري و لكن باءت محاولته بالفشل..
سامح : أعمل ايه ،أكلم الدكتور؟
توفيق: أيوة يا ابنيطبعاً..
وجاء الطبيب الخاص بتوفيق و فحصها: ضغطها وطي فجأة ،إدتلها حقنة مهدئة ،ياريت تهتموا بأكلها والسوائل ضروري جداً ،اهتم بالمدام شوية يا عريس مش كدة وألف مبروك يا سيدي..
سامح: ان شاء الله يا دكتور ،الله يبارك فيك..
وظلت منة نائمة علي وضعها و نام توفيق في غرفتها هذه الليلة..
كان سامح في غرفته قلق عليها و كان ينهر قلبه لذلك الشعور ولكنه أراد الإطمئنان عليها محدثاً نفسه أنها نائمة ولن تشعر به فدخل عليها في هدوء تام فوجدها منغمسة في سباتها العميق بوجهها الملائكي و شعرها الأملس المنسدل علي الوسادة بجانبها،نظر لها نظرة عميقةوشرد في ملامحها حتي أفاق من شروده و ذهب سريعاً
……..

 

الحلقة الخامسة

أذن المؤذن لصلاةالفجر و كأن صوت آذان الفجر أصبح منبه إلهي لقلوب امتلئت بطاعة الرحمن،استيقظت من تلقائياً ،جلست علي فراشها و عاد إلي ذاكرتها الحوار الذي دار بينها و بين سامح وتوفيق ،تألمت و بكت كثيراً و تعددت أسباب ألمها و بكائها ،هل يعقل أن أباها فعل ذلك وهو رمز الشرف والأمانة لها و لأسرتها، هل يعقل أن حبيبها خدعها وتزوجها لمجرد الانتقام ،ولكن من قال أنه حبيبها هي من قالت لنفسها ،هي من خدعت نفسها وظل تفكيرها و صراعها مستمران حتي تفاجئت بسامح يفتح باب الغرفة ويدخل عليها و تفاجأهو الآخر بوجودها مستيقظة علي فراشها ، وقف مكانه صامتاً للحظة ثم قال: كنت جايآخد حاجة لبابا،مش وقته بقا..و أدار بجسمه كاملاً ليخرج من الغرفة فأوقفته منة:سامح
التفت اليها مرةأخري دون حديث ..اعتدلت منة وخطت إليه خطوتين وقالت بعينين تملأهما الدموع: كان ممكن تفهمني كدة من غير ما تتجوزني..
أجابها سامح بجفاء:اتجوزتك عشان أذلك و أعرف آخد حقنا منكوا..
أغمضت عينيها للحظة في صمت ثم عادت و قالت: سامح انتوا اتأكدتوا من الموضوع ده؟
سامح بضحكة ساخرة:الله..هنبتدي نلاوع بقا..
منة بنبرة مرتفعة:سامح من فضلك أنا عمري ما هاخد حاجة مش بتاعتي و فلوسكوا هترجعلكوا ،احنا مابناكلشحق حد.
سامح: لا ماهو واضح بأمارة السيد الوالد..
نظرت له منه نظرةحارقة و تركته و توجهت إلي باب الغرفة حتي أمسكها من ذراعها بعنوة و أدارها تجاهه:لما أكون بكلمك ماتسبينيش وتمشي ،فاهمة؟
تنهدت منة لتهدئ منروعها: طيب ممكن أمشي؟
ترك سامح ذراعها ودفعها قليلاً: اتفضلي..
أسرعت منة إلي دورةالمياة لتتوضأ لصلاة الفجر حينها اختلطت دموعها بماء الوضوء ،انتهت من صلاتها ودعائها إلي ربها أن يخفف عنها بلاءها و أن يغفر لوالدها و يرحمه..
وفي صباح اليوم التالي أجرت والدة منة اتصالاً بمنة: أيوة يا حبيبتي عاملة ايه؟
منة: الحمدلله ياماما،انتي عاملة ايه و هالة وحشتوني أوي؟
والدة منة: الحمدللهيا حبيبتي ،بقولك ايه عمك عازمنا كلنا علي الغدا النهاردة،وقال تيجي هي و جوزها..
تلعثمت منة :ها، مش عارفة يا ماما هينفع ولا ايه، هسأل سامح و أقولك..
والدة منة:وهو سامح هيرفض ليه دي عزومة العرسان دي حاجة ضروري و عمك هيزعل لو موافقش..
منة: خلاص يا ماماهقوله وأعرفك..
-ماشي ياحبيبتي،مع السلامة..
-الله يسلمكيا ماما..
وأغلقت منة الاتصال وظلت تحدث نفسها”ياربي هقوله ايه دلوقتي و لا هقول لماما ايه ومنظرنا هيبقي ايه لو مارحناش” استجمعت شجاعتها و خرجت إلي سامح الذي كان يحضر حاله للذهاب الي عمله وهو مكتب المقاولات لفرع الشركة الخاصة بهم بالقاهرة ..دخلت منة عليه بعد أن سمح لها بالدخول ووقفت مترددة فقال لها: ها ،ارغي ،عايزة ايه عالصبح؟
لملمت غرتها خلف أذنها لشعورها بالإحراج من طريقته بالحديث ثم قالت: عمي عازمنا عالغدا النهاردة..
التفت اليها سامح وهو يستكمل ارتداء حلته:نعم ،ايه الجو ده ، انتي فاكرانا متجوزين بقا و عزومات وكدة ؟!
منة: لا أنا فاهمة،بس قلت نروح عشان محدش ياخد باله..
سامح: لا أنا مش فاضي للهبل ده، ممكن تروحي انتي و تقوليلهم عنده شغل ..
منة: ماشي..وهمت بالإنصراف حتي أوقفها بحديثه مرة أخري: مش عايز تأخير..
منة: ان شاء الله ..وخرجت و تحدثت مع والدتها لإخبارها..حتي جاء وقت ذهاب منة إلي عمها ولكنها رفضت الذهاب قبل تحضير الغذاء لسامح و توفيق فأحضرته و خرجت حتي جاء سامح من عمله فوجد الطعام جاهزاً علي السفرة و مغطي ،ابتسم سامح وأيقظ والده و تناولوا الطعام معاًوقال توفيق: أما مراتك دي عليها شوية طبيخ فكرتني بأكل أمك الله يرحمها.. ابتسم سامح وقال: بس ماتقولش مراتي..
توفيق بحزن: منة صعبانة عليا يا سامح طول عمرها هادية و رقيقة و مش حمل الشخط والزعيق كل شوية ده..
سامح : ايه يا بابا،انت هتضعف من أولها كدة؟
توفيق: لا حول ولاقوة الا بالله ،والله ماعارف أقولك ايه يا ابني انت دماغك ناشفة..
وهناك اجتمعتالعائلة معاً وسألها عمها : أمال فين جوزك يا بنتي؟
منة: معلش يا عمو هو بيعتذرلك لأنه عنده شغل كتير أوي..
*************
وكان في غرفته تراوده مشاعر مختلفة ما بين الفرحة لقدمومها و رؤيتها و بين الألم لخسارتها كحبيبةو زوجة فخرج من غرفته ليجد الجميع يقوموا بتجهيز المائدة فسلم علي الجميع و وقف عندها بنظرة يملأها الحنين و الألم: ازيك يا منة؟
-الحمدلله يامحمد،ازيك انت؟
-الحمدلله..
وكانت هالة و نهلةفي الشرفة تتمازحان حتي أقدم عليهم يحيي و وكز هالة في ذراعها : مفيش ازيك يايحيي؟
هالة: تؤ ،بطل ض*رب بقا ..
نهلة: ارحموا نفسكوالسة الليلة مابدأتش..
وخرجت نهلة لتساعد الباقين في ترتيب السفرة ..فنظر يحيي لهالة : وحشتيني يا قردة..
هالة بطفولية: والله يا يحيي لو ما بطلت تقولي يا قردة هزعل منك..
يحيي: هو أنا بقولهاغير بيني و بينك يا قردتي..
نهرته هالة بض*ربة منقبضة يدها الصغيرة علي كتفه : طب اوعي بقا و تركته وخرجت لمساعدة الآخرين..
التف الجميع حول المائدة وبدأوا بالطعام و تبادل الحوار وكانت منة تقلب في صحنها و هي شاردة ويراقبها محمد الذي كان يجلس أمامها ..مالت عليها نهلة الجالسة بجانبها : مابتاكليش ليه؟
منة: مش جايلي نفس.
نهلة:ايه ده حامل ؟وربنا حامل؟ وبدأ يعلو صوتها..
أوقفتها منة: بس يانهلة حامل ايه هو أنا لحقت؟
نهلة: وايه يعنييمكن في الاول يا منة..
منة: لأ مش حامل،اهدي بقا لحد يسمعك..
قاطعهم عم منة: وجوزك عامل ايه معاكي يا منة؟
منة بتلعثم:الحمدلله يا عمو كويس ..
عم منة: يعنيبيعاملك كويس هو وباباه و مرتاحة معاهم في البيت؟
منة بنظرات زائغة:اه يا عمو الحمدلله ،دول طيبين أوي..
قامت منة أول من قاممن علي المائدة و دخلت لتغسل يديها و خرجت لتصطدم بمحمد أمامها في الردهة وفجأة قال محمد بدون مقدمات: جوزك مزعلك؟
انصدمت منة من كلمته وأمأت برأسها وهي تقول : لا ،ليه بتقول كدة؟
محمد: حسيت..
منة: لا مفيش حاجة،بعد اذنك وما أكملت خطوة حتي سمعت عمها من الخارج: علقي عالشاي يا منة لو سمحتي..
منة: حاضر ياعمو..فدخلت إلي المطبخ و يلاحقها محمد: مبسوطة معاه؟
منة وهي تملأالبراد: اه الحمدلله..
محمد: مش باين عليكي..
التفتت اليه : ليهبتقول كدة؟
محمد:احساسي هو الليبيقولي كدة
منة وعادت لتحضيرالشاي: لا سامح كويس وأنا مبسوطة معاه أوي..
محمد: وأنا بتمنالك كدة .. وتركها وخرج..تدفقت من عينها دمعة تائهة وصلت إلي مرساها فمسحتها سريعاً حتى لا يراها أحد..
جلس الشباب و البنات في الشرفة كعادتهم و كان المرح والضحك يسود المكان حتي رن هاتف منة وردت: ألو
سامح بصوت مرتفع: هوده اللي بقولك مش عايز تأخير؟
نظرت منة حولها لترىهل من أحد يسمعها: أنا جاية..و سمعت صوت الصافرة دون رد منه فأكملت حديثها وكأنهمازال معها علي الهاتف : ماشي مع السلامة..
وقفت منة واستعدت للرحيلفقالت هالة: ايه ده انتي هتمشي دلوقتي دي السهرة لسة في أولها؟
منة: معلش يا هالة،ابقي هاتي نهلة وتعالوا اقعدي معايا شوية..
نهلة: ماشي يا منة ،هنسيبك تمشي علشان لسة عروسة و جوزك مايتخنقش مننا
ابتسمت منة و قبلت البنات و وودعت الشباب و خرجت وودعت الآخرين و قالت والدتها: هتمشي لوحدك؟
منة: عادي يا ماماهركب تاكسي..
عم منة: تاكسي وعربية عمك راكنة تحت دي حتي عيبة، يا محمد تعالي وصل
بنت عمك..
أسرع محمد إليهم وهوسعيد لأنه سيراها لمزيد من الوقت..استقل محمد و منة السيارة و انطلق محمد وفيالطريق: ماتزعليش مني عالكلام اللي قولتهولك..
منة وهي تلهوبحقيبتها: لا عادي ..
محمد: انتي عارفة انتي غالية عندي ازاي و محبش أشوفك حزينة أو مهمومة..
منة: لا يا محمد ماتقلقش عليا أنا كويسة..
وقد اقتربت المسافةو شعر محمد أن روحه العائدة له بدأت تنسحب منه مرة أخري : منة لو احتجتي أي حاجةماتتردديش واطلبيها مني..
منة: أكيد يامحمد،ومتشكرة علي التوصيلة.
محمد: العفو علي ايه..
ترجلت منة من السيارة وكان سامح يقف في الشرفة فدخل ليستقبلها بحفاوته المعهودة..و بمجرد دخولهاإلي الشقة وما أكملت سلامها لتجد سامح يدفعها بشدة في إتجاه غرفته: ادخلي يا هانم..
حتي وصلا الغرفة فدفعها علي الفراش وكاد أن يصفعها :هو ده البدري بتاعك أنا غلطان اني سبتك تروحيفي حتة، ابقي قابليني لو عتبتي باب الشقة تاني ..
وخرج سامح و سحب الباب خلفه بقوة ولم يعطيها فرصة للحديث وظلت هي كما هي لبضع ثواني ثم قامت وأبدلت ملابسها و خلعت حجابها و هنا استوقفتها جملته وهو يقول: انتي فاكرانا متجوزين!!
ظلت منة تفكر في هذه الجملة بدقة وبعد قليل خرجت من غرفتها مرتدية عباءة فضفاضة و الحجاب فوق شعرها ودخلت علي المطبخ لتلملم ما به،دخل عليها سامح ليستكمل حديثه اللاذع فأوقفته هيئتهافقال: انتي هتتحجبي في البيت ولا إيه؟
منة:اه
سامح: وده من إيه؟
منة: ده لأننامتجوزين سوري بس قدام الناس ،انما قدام ربنا مفتكرش..
رفع سامح حاجبه وغير مجري الحوار: عملتي ايه هناك؟
منة: عادي اتغدينا وقعدنا مع بعص كلنا و سألوا عليك قلتلهم عنده شغل..
_امم وماتكلمتوش في حاجة؟
_حاجة ايه؟
_ماحكتلهمش حاجة؟
_لأ طبعاً،عمري ما هقول لماما الموضوع ده ،أنا هقول لهالة وهتصرف أنا وهي..
سامح: امتي؟
_لما أشوفها تاني يا سامح..
_طيب اعملي شاي..
_حاضر..
وخرجت منة بالشاي لسامح و والده الذي قال: تسلم ايدك يا منة عالأكل..
توفيق:بجد يا أونكل،بألف هنا و شفا..
سامح: خلاص كفاية رغي و ادخلي شوفي كنتي بتعملي ايه..
دخلت منة إلي مطبخها ووجه توفيق اللوم لسامح: يا ابني بالراحة عليها ،واحدة غيرها ماكنتش سكتت علياللي بيحصلها ده بس منة بنت متربية..
سامح بتهكم: من مين من حمدي؟
شرد توفيق في صديقه الخائن و لمعت عيناه حزناً..

 

الحلقة السادسة

هل هناك أكثر وجعاً!.. من أن تريد تفسيراً لموقف يؤرقك من شخص نام في قبره ، ظلت منة هكذا تدور في مخيلتها أسئلة ليس لها تفسير أو إجابة إلا عند والدها الذي يرقد تحت الثري ،ظلت وتيرتها أسبوعاً كاملاً وهي حبيسة في بيتها ممنوعة من الخروج حتي بدأت الدراسة وتوالت الإتصالات عليها من هالة…
هالة:ايه يا منون هنتقابل بكرة في الجامعة ان شاء الله..
منة: ربنا يسهل ياهالة،يارب أقدر آجي عشان عايزاكي في موضوع مهم..
هالة: ومتقدريش تيجيليه ،ايه المشكلة؟
منة: لا مفيش مشكلة ولا حاجة ،ربنا يسهل.
هالة:طيب عايزاني في ايه يا بطتي؟
منة: لا لازم لما اشوفك..
هالة: عن ايه يعني،موجز كدة؟
منة: يا بنتي ماينفعش ومن دلوقتي بعرفك أهو عشان عارفاكي مسحوبة من لسانك ،ماتجيش تسأليني عن الموضوع قدام حد يا هالة فاهمة؟
هالة: فاهمة يا ستي ،حدقالك اني هبلة؟
منة: هههه لا من غير ماحد يقولي ،أنا عارفة
هالة: كدة ااامنوون ماااشي..
منة: ههههه بقولك ايه، أخبار يحيي ايه؟
هالة: وأنا مالي ومال يحيي؟
منة: والله ؟علي ماما يا لولو؟
هالة: هههههه عادي بقا عايز يخطبني وكدة..
منة بفرحة: بجد يا هالة؟ يا حبيبة قلبي
هالة: اه وربنا ،كذا مرة يقولي كلمي ماما بس أنا مطنشة..
منة: ليه يا رخمة؟
هالة بطفولية: كدةب حب أغيظه..
منة: تصدقوا انكوا شوية عيال،بطلوا جنان بقا واعقلوا شوية..
هالة: هو فيه أحلي من الجنان اامنون..
منة: ماشي يا مجانين،بس انجزي بقا عشان خاطري
هالة: ان شاء الله…
*******
وفي مكتبه كان سامح يجلس مع صديقه الوحيد مصطفي والذي كان بمثابة الصديق و الأخ لسامح فعلاقتهم ممتدة منذ سنوات …
مصطفي: ايه يا سموحة،أخبار المدام ايه؟
سامح: ميت مرة أقولك ماتقوليش يا سموحة دي شايفني سماح قدامك..
مصطفي :هههههه خلاص ماتزقش بس، قولي عامل ايه مع مراتك؟
سامح: انت كمان هتقولي مراتك؟
مصطفي: يعني أقولك ايه عليها طيب ؟
سامح: ولا حاجة لسة هتكلم أختها..
مصطفي: امم ولسة بتعاملها زفت كدة؟
سامح: وهفضل زفت كده لحد ما آخد اللي عايزه..وصمت سامح لوهلة ثم قال: بس تصدق ساعات بتصعب عليا..
مصطفي: الله يكون في عونها والله ماتخف عليها شوية يا سامح، ده أنا صاحبك أهو ومش مستحملك يا أخي..
سامح: ماشي يا عم اللطيف،لخص عشان عايز أروح..
مصطفي: خلاص أهو هانت الفاكس علي وصول..
سامح: طيب..
***********
خرجت منة من غرفتها لتجد توفيق يجلس علي كرسيه في الأنتريه ويشاهد التلفاز فدخلت علي مطبخها لتتابع طهي الطعام وبعد قليل سمعت منة صوت أنينه من الخارج فخرجت سريعاً ،وجدته يتألم كثيراً فأقبلت عليه بلهفة: مالك يا أونكل ؟فيه ايه؟
توفيق وهو يتألم:هاتيلي الدوا بتاعي من عالكومدينو جوة..
هرولت منة علي غرفته وهي تقول : حاضر حاضر.. وحين عادت إليه وجدته ملقي علي الأرض ..فصرخت منة وهي تجري عليه: أونكل توفيق ايه اللي حصل ؟ ولكنه كان فاقد الوعي ،كانت منة تائهة و لا تدري ماذا تفعل حتي توصلت إلي أنها اتصلت بالطبيب الخاص به فأبلغها أنه قادم ، حاولت منة رفع توفيق من علي الأرض مخيل لها أنها ستستطيع ذلك لتضعه علي فراشه ولكنها فشلت فما استطاعت إلا أن تسطحه علي الأرض و تضع وسادة تحت رأسه ،حاولت إفاقته برشة عطر ولكن دون جدوي حتي سمعت جرس الباب وجاء الطبيب فسردت عليه ما حدث فجلس بجواره علي الأرض ليفحصه و ظلت هي واقفة محاولة الإتصال بسامح ولكن هاتفه كان خارج الخدمة..
وأثناء فحص الطبيب،فتح سامح باب شقته ليجد هذا المشهد أمامه فطرح حقيبة عمله أرضاً :في ايه؟ايه الليحصل؟
منة : وقع من علي الكرسي و طلبتله الدكتور..
صرخ سامح بوجهها:وانتي كنتي بتهببي ايه لما وقع..
نظرت له منة بوجوم..وهدأه الطبيب بعد أن فحصه: اهدي يا أستاذ سامح ،دي غيبوبة السكر ماتقلقش هو هيبقي كويس و هيفوق دلوقتي وقاموا بحمل توفيق و أدخلوه غرفته ورحل الطبيب…
ظلت منة في الخارج فأقبل عليها سامح بعاصفته:انتي اللي وقعتيه صح؟ عايزة تكملي عليه انتي كمان؟
عقدت منة حاجبيها :حرام عليك يا سامح ايه اللي انت بتقوله ده؟
حتي سمعا صوت توفيق من الداخل ينادي علي سامح فأسرعوا إليه: بابا حمدلله علي سلامتك..
منة: عامل ايه دلوقتي يا أونكل؟
توفيق وهو ينظر لمنة: الحمدلله يابنتي ثم عاد بنظره إلي سامح: ماتزعقلهاش دي هي اللي ساعدتني ،لو كنت لوحدي كان زماني رحت فيها..
منة و سامح : بعد الشر عنك..
شمت منة رائحة حرق الطعام فصرخت وهي تجري علي المطبخ : عاا الأكل!
فضحك سامح و توفيق علي عفويتها وقال توفيق: ربنا يهديك ليها يا ابني ، أنا ان كان عليا احتسبت أمري ومالي عند ربنا و مش عايز حاجة من حد ..
سامح: ايه اللي بتقوله ده يا بابا ،لو كنت انت هتفرط في حقك فأنا لا…
فهكذا دائماً تكون مشاعر الشباب متوهجة صعبة الخمود …
بدأت منة في طهو طعام جديد و طهت شوربة الخضار خصيصاً لتوفيق و بعد أن انتهت دخلت إليه بها وأصرت أن تطعمه إياها بنفسها فخضع لها و حينها دخل عليهم سامح وقال لها بحدة: لما تخلصي أبقي تعاليلي..
منة: حاضر..وأتبعت:الأكل عالسفرة..
خرج سامح دون رد وقال توفيق بحنان: وانتي مش هتاكلي؟
منة مبتسمة: لا أنانقنقت كدة في المطبخ..
ابتسم توفيق: تسلم ايديكي..
انتهت منة و خرجت لسامح وهو يتناول طعامه علي المائدة فقالت: عايزني دلوقتي ولا لما تخلص؟
سامح بدون مقدمات:بطلي تلعبي علي الوتر الحساس عند بابا ،أنا عارفه عاطفي بزيادة..
نظرت له بحزن دون حديث وأتبع سامح: هتكلمي أختك امتي ،احنا مش هنخلص من الموضوع ده؟
منة: ما أنا كنت مستنياك تيجي عشان أقولك
سامح: علي ايه؟كلمتيها؟
منة:لا ،أصل بكرة أول يوم في التيرم التاني و…
قاطعها سامح: ولا تيرم تاني ولا تالت ،انسي الموضوع ده!
عقدت حاجبيها: أنسي ايه ياسامح ؟ دي آخر سنة ليا وانت وعدتني اني هكمل..
سامح: أي حوار دار بيننا قبل الجواز ، انسيه! ده كان تثبيت بس كدة..
دمعت عينيها: بس كده حرام عليك ،أنا مش فاضلي غير التيرم ده بس..
سامح: مش عايز كلام كتير، وبعدين ايه دخل ده في سؤالي ،بقولك كلمتي أختك؟
ردت منة بدموع تنهمر علي وجنتيها: ما أنا كان قصدي اني أروح بكرة و أكلمها في الجامعة عشان نبقى براحتنا و لوحدنا..
فكر سامح قليلاً:اممم، يبقي بكرة بس تروحي عشان نخلص و ماتطلبيش مني تروحي الجامعة تاني ،تقفلي علي الموضوع ده..
منة: يا سامح لوسمحت بس اسمعني..
قاطعها سامح: ششششش،اجري اعمليلي شاي..
جرت منة أذيال الخيبة و الحزن و دخلت إلي المطبخ…
**********
وفي الصباح الباكر بدأت الحياة العلمية مرة أخري لتضج الشوارع بالزحام و تتلاحق الطلاب علي محاضراتهم و تتقابل الأصدقاء من جديد…
تقابل هالة و يحيي ونهلة من جديد و ظلت هالة تتصل بأختها منة فردت عليها: أيوة يا هالة أنا جايةأهو،الدنيا زحمة جداً
هالة: وسامح ماوصلكيش ليه في طريقه؟
منة: مش فاضي، يلاسلام أنا جاية..
وأنهت هالة الإتصال ليتفاجأوا بمحمد الذي جاء لغرض ما بداخله تاركاً عمله ولكنه لم يراها منذ فتره وزاده الشوق لرؤياها فقط ..
محمد: السلام عليكم..
رد الجميع: وعليكم السلام..
يحيي: ايه يا هندسة،سايب شغلك ليه؟
وكزه محمد في ذراعه:عادي وحشتوني يا خفيف..
تألم يحيي قليلاً:ااه ،ماتشوفش وحش يا سكر..
وظل محمد يلتفت يمنةو يسرة يبحث عنها بين الطالبات فمال عليه يحيي: زمانها جاية هتفضحنا..
محمد: هي مين ؟
يحيي:ماعلينا..
ورفع صوته:ها،تشربوا ايه؟
نهلة: عصير فريش..
يحيي: ياختي يارايقة..
فضحك الجميع وقالت هالة: أنا نسكافيه..
يحيي: عيوني..
ابتسمت هالة خجلاً..وقال محمد: وأنا قهوة..
ذهب يحيي لإحضار المشروبات فجاءت منة وأقبلت عليهم ،رآها محمد من بعيد فخفق قلبه بشدة..
منة: السلام عليكميا جماعة..
رد الجميع: وعليكم السلام..ورد محمد علي حدي: ازيك يا منة؟
منة: الحمدلله يامحمد،ازيك انت؟
محمد: الحمدلله..
جاء يحيي بمشروباته ليجد منة فسلم عليها وسألها : تشربي ايه؟
منة: لا لا مش هشرب حاجة ،أنا بس جاية أشوف حاجة وأمشي علي طول..
نهلة: ليه يا منة،ماعندكيش محاضرات؟
منة: معرفش والله ماشفتش الجدول..
فأخرج محمد ورقة منجيبه وأعطاها لمنة: خدي ده جدولك..
هالة: ايه ده وانا جدولي فين؟
نهلة: وأنا؟
يحيي : انتوا ايه؟انتوا كياس جوافة هنا..
فضحك الجميع و قالتهالة: والله ده اللي ربنا قدرك عليه، روح هاتلي جدولي..
يحيي: يختي اتنيليمش لما أجيب جدولي الأول..
وضحك الجميع مرةأخري وقالت منة : شكراً يا محمد..
محمد: العفو يا منةعلي ايه؟
نظرت منة لهالة :طيب ممكن يا هالة تيجي معايا شوية كدة؟
هالة: أكيد عايزاني في الموضوع اللي قلتيلي عليه،صح؟
كادت منة أن تصاببالشلل من أختها : اه صح ياناصحة ،ايه الذكاء ده؟
فاستئذنت منة و هالةمن الآخرين و ذهبوا بعيداً..
منة: تصدقي هتجبيلي جلطة..
هالة: هههههههه بعدالشر عليكي يا قلبي وربنا ماحسيت بنفسي إلا بعد ما خلصت الجملة..
منة: فعلا؟
هالة: ههههه خلاص بقا قولي عايزة ايه؟
صعب علي منة الحال وهي تري أختها في قمة مرحها و حيويتها أن تطفئ وميضها بهذا الموضوع الصادم فحين يقف الكلام في الحلق، إن تخرجه آلمت من حولك و ان أخفيته تألمت وحيداً..كان بإمكانها حقاً أن تتألم بمفردها ولكن يحتم عليها إخبارها ليحسنوا التصرف فوحدها ستفشل صنيعاً…..
كانت منة شاردة ولاتسمع هالة وهي تحدثها: منة ..منة انتي يا بنتي..
فاقت منة من شرودها:ها ،ايه؟
هالة: ايه ايه؟ رحتي لحد فين؟ ماتقولي ايه الموضوع اللي عايزاني فيه ده؟
منة: حاضر هقول، بس الأول يا هالة عايزاكي توعديني انه يفضل سر بيننا ،الموضوع ده عايز تركيز يا هالةبالله عليكي ..
هالة: قلقتيني يامنة ،في ايه؟
منة: اوعديني الأول..
هالة: أوعدك، في ايهبقا؟
منة بتلعثم: بصي أنا مش عارفة أبدأ منين بس أولاً أنا وسامح متجوزين منظر كدة قدامكو وبس..
رفعت هالة حاجبها:ده اللي هو ازاي يعني؟
منة: هو كدة وخلاص،أنا وسامح بينا و بين ربنا نبقي أغراب عن بعض..
تعجبت هالة : ليه يعني؟
منة: ما هو ليه دي بقاهي الموضوع المهم.
هالة: وهو اللي انتي قلتيه ده مش مهم؟!
منة: لا بالنسبة للموضوع ده مش مهم..
هالة:طيب كملي يامنة عشان أعصابي تعبت خلاص..
منة: بصي يا هالة انتي عارفة ان بابا الله يرحمه و أونكل توفيق كانوا شركا و أصحاب..
هالة: اه
منة: سامح و أونكل توفيق بيقولوا يعني ان بابا يعني الله يرحمه يعني كان بابا..
قاطعتها هالة: في ايه يا منة عمالة تقطعي اخلصي بجد أعصابي باظت مش قادرة..
منة : بصي هم بيقولوا ان بابا الله يرحمه كان داخل معاهم صفقة و..و خان أونكل توفيق و سرق فلوسه..
اعتدلت هالة و هي تصرخ في وجه أختها وكأنها هي التي تقول هذا علي والدها: ايه؟ انتي اتهبلتي ولا ايه يا منة ،انتي اتجننتي تصدقي كدة علي بابا ،لا كله إلا بابا ،محدش يجيب سيرته بوحشأبداً
وقفت منة لتحاول تهدئة هالة وهي واضعة يدها علي فم أختها: اهدي يا هالة ،وطي صوتك أبوس ايدك هتفضحينا…
وكأن هالة فاقت من صدمتها فصمتت فجأة و خرت جالسة و تدفقت دموعها من مقلتيها : مش ممكن يا منة ،باباعمره ما يعمل كدة..
حضنتها منة لتخفف عنها صدمتها فالصدمات دائماً في بدايتها أصعب : اهدي يا حبيبتي ، أنا عايزاكي هالة أختي القوية عشان نفكر مع بعض و نقوي بعض..
اعتدلت هالة من حضن أختها: انتي متأكدة من الكلام ده ، ايه اللي يثبتلنا ان الكلام ده صح؟
منة: معرفش بس هماهيعملوا كل ده ليه يعني يا هالة و سامح يتجوزني و يذلني كل الذل ده ليه ،أكيد همامتأكدين..
هالة: مفيش حاجة اسمها هما متأكدين ..وفجأة عقدت حاجبيها: يذلك ؟! الندل الجبان هو متجوزك عشانيذلك ؟
منة بحزن محاولةإخفاؤه: مش مهم الموضوع ده دلوقتي ،المهم هنعمل ايه؟
هالة: مش عارفة بس أنا هاجي معاكي النهاردة ،لازم أتكلم معاهم و يثبتولنا ان الكلام ده صح..
منة: طيب انتي هتمشي دلوقتي ولا وراكي حاجة؟
هالة: معرفش بس مش همشي دلوقتي شوية كدة ،أعصابي فكة خالص..
منة: بس أنا لازم أروح..
هالة: في ايه يامنة؟ انتي مالحقتيش أصلاً..
منة : ماهو أنا جاية بس عشان اقولك عالموضوع ده وأمشي..
نظرت هالة إلي منة بتركيز: هو انتي مكنتيش بتيجي عندنا ليه بقالك فترة و بتتحججي كل مرة بسبب شكل؟
تلعثمت منة: لا مش بتحجج ولا حاجة..
هالة: قوليلي يا منة ، سامح بيعمل معاكي ايه فهميني؟
منة: يا هالة مفيش حاجة ،عادي هو مجرد بس اتجوزني عشان يعرفوا ياخدوا حقهم..
هالة: بس انتي قلتي من شوية انه بيذلك..
منة: ماهو مجرد انه يتجوزني كدة يا هالة يبقي بيذلني ،المهم يلا نقوم عشان نسلم عليهم ونروح و ماتنسيش يا هالة اوعي تجيبي سيرة لحد..
هالة:حاضر..
و عادت البنات إلي نهلة و يحيي و محمد واستئذنوا منهم للرحيل حتي لاحظ يحيي تغيير ملامح هالة فشدها من يدها ليبعدوا قليلاً :مالك؟
هالة:مفيش حاجة وقالت محاولة إلهاؤه: وبطل تشدني كدة من ايدي..
يحيي: ماشي يا هالةوظل محمد عالقاً نظره بمنة التي تذبل كالوردة يوماً بعد يوم : منة انتي كويسة؟
منة:اه تمامالحمدلله..
نهلة: شكلك مرهق أوييا منة..
منة: عادي قلة نوم..
محمد: خدي بالك مننفسك..
منة: ان شاءالله..وعاد كل من هالة و يحيي واستئذنت البنات بالرحيل فعرض عليهم محمد أن يقوم بتوصيلهم فوافقوا بعد إلحاح و ظل محمد يخطف بعض النظرات إلي منة لعله يحتفظ بها وتهون عليه لحين اللقاء المقبل..حتي وصلوا و ترجلت البنات من السيارة و عرضت منة علي محمد أن يصعد ليشرب معهم الشاي و لكنه رفض و ذهب لعمله… صعدت البنات إلي الشقة وكلما صعدوا درجة زادت نبضاتهم نبضة و زاد توترهم و خوفهم من هذه المقابلة

 

الحلقة السابعة

قد تؤلمنا المواجهات بما تحمله من صدمات ولكنها أهون ألف مرة من دفن رؤوسنا في الرمال كالنعام..وصلت البنات إلي منزل سامح و صعدن معاً بخطوات واهنة خوفاً من المواجهة و ألم الحقيقة وبمجرد دخولهن الشقة أجرت منة اتصالها بسامح..
سامح: أيوة؟
منة: أيوة ياسامح،ممكن تيجي البيت دلوقتي؟
سامح: ليه خير؟
منة:هالة معايا وكانت عايزة تتكلم معاك انت وأونكل توفيق شوية..
سامح: انتي قولتلها؟
منة:اه..
سامح: امم وهي عايزة تتكلم في ايه بقا؟
منة: عايزة تفهم اللي حصل بالظبط ،هتيجي؟
سامح: اه طبعاً هاجي،سلام..
منة: سلام..
نظرت هالة إلي منة بتمعن وسألتها: جاي؟
منة: اه جاي دلوقتي،عشان خاطري يا هالة اتكلمي بالراحة..
هالة: حاضر هحاول أمسك نفسي..
منة: أنا هخبط علي أونكل توفيق عشان يطلع معانا..
هالة: ماشي..
وجلست هالة في الصالون بإنتظار ما لا تطيقه و ما ليس عالبال وما أطولها” لحظات الانتظار”..دخلت منة علي توفيق بعد أن استئذنت منه فوجدته يجلس علي كرسيه المتحرك و يقرأ في كتاب بيده..
منة: ازيك يا أونكل؟
توفيق: الحمدلله يامنة، رحتي الجامعة؟
منة: اه ولسة جاية ومعايا هالة أختي برة و..تنحنحت منة..كانت عايزة تتكلم مع حضرتك و مع سامح شوية..
توفيق: بخصوص ايه؟
منة:بخصوص موضوع بابا الله يرحمه..
تنهد توفيق تنهيدةطويلة : حاضر، هطلعلكوا..
منة: طيب محتاج مني اساعدك في حاجة..
توفيق: لا شكراً،أناهحصلك علي طول..
وخرجت منة لهالة وقالت : طالع دلوقتي ،هتشربي ايه؟
هالة: مياه..عطشانه جداً..
منة: حاضر..ودخلت منة علي المطبخ لتحضر الماء في لحظة دخول سامح من باب الشقة فوجد هالة جالسة..
سامح: السلام عليكم..
ردت هالة السلام بفتور: وعليكم السلام..
في حضور منة و خروج توفيق من غرفته ،اجتمعت جميع الأطراف وبدأت المواجهة
التي أطلقت فيها هالة أول مدافعها : ممكن أفهم بقا ايه الكلام الفارغ اللي بتقولوه عن بابا الله يرحمه ده؟
ضحك سامح بتهكم: اهدي بس كدة.. وقال توفيق بهدوء و حكمة: اسمعي يا هالة ،انتي عارفة كويس كانت ايه مدي علاقتي بحمدي و صدمتي فيه ماكانتش أقل منكم..
قاطعته هالة: بس أنا لازم أفهم كل حاجة..وازاي حصل الكلام ده؟
سرد عليها توفيق ماقد سرده علي منة من قبل بخصوص الصفقة ..قالت هالة : طيب وانت مين قالك يا أونكل ان بابا عمل كده، وليه واخد كلام رجل الأعمال ده ثقة يعني؟
تدخل سامح في الحوار بغلاظة موجهاً حديثه لمنة: أنا لو كنت أعرف اني جاي عشان الست أختك هتكدبنا كدة ماكنتش جيت..
توفيق: اهدي يا سامح،من حقهم يفهموا يا ابني..
هالة موجهة حديثها لسامح: انت بتكلمها كدة ليه ، لاحظ انك بتكلم بنات ناس و عيب كدة علي فكرة..
وبدأ يزداد توتر منة..
اعتدل سامح وهو يلوح بيده في وجه هالة: عيب ، انتي جاية تعرفيني ايه هو العيب؟
اعتدلت منة هي الأخري و حاولت تهدئة الموقف: يا جماعة وحدوا الله احنا كدة مش هنعرف نتكلم و لانتفق..
ردد الجميع: لا إله إلا الله..وكأنها مهدئ روحاني للقلوب..فجلس الجميع مرة أخري وأتبعت منة: احنا اسفين يا أونكل،بس حضرتك ماتزعلش اننا عايزين نفهم ليه بابا يعمل كدة وهو مش محتاج أصلاً و سامحني اللي بتقولوه ده مش دليل ضده خالص ؟
أشاح سامح وجههبعيداً بتزمر وهو يقول : أهلاً ..أهي اتعدت من أختها..
هالة وهي تهز رجليها في توتر: اللهم طولك يا رووح..
توفيق: أكيد مش هزعل من حاجة زي دي يا منة ، وأنا نفسي ألاقي تفسير للي حصل..
هالة: طيب هو المبلغ اللي بتقول ان بابا أخده كام يا أونكل؟
توفيق: مليون و نص!!
هالة بذهول:ايه؟كام؟ مش ممكن..
منة: ازاي يا أونكل، بابا الله يرحمه لما اتوفي ماسبلناش مبلغ زي ده.
سامح وهو يكز علي أسنانه:انتوا متفقين مع بعض و جايين ترسموها علينا بقا…
نظرت له منة نظرة حارقة دون كلام و التفتت مرة أخري لتوفيق: يا أونكل افهمني لوسمحت ميراثنا كلنا مايجبش المبلغ ده و فيه بنوك و أوراق تشهد علي كل كدة..
وأتبعت هالة: أصلاًاحنا كنا متوقعين ان ميراثنا من بابا الله يرحمه يكون أكبر من كدة بكتير و اتصدمنا يوم اعلان الميراث من المبلغ اللي خارج لكل واحدة فينا ..
نظر سامح و توفيق الي بعضهم البعض وأحسوا بغموض و شئ ما في ذلك الموضوع فقال توفيق لسامح: انت تعرف توصل للرجل ده؟
سامح: معرفش بس هحاول..
هالة: لازم توصله هو اللي هيفهمنا بالظبط ايه اللي حصل، ثم عادت بنظرها إلي توفيق: طيب انت ماتكلمتش مع بابا بعدها يا أونكل؟
توفيق بأسي: للأسف حمدي تعب بعد ما عرفت الخسارة بتاعة الصفقة علي طول و راح في غيبوبة و بعدها اتوفي..
منة: غريبة..
هالة: بتفكري في ايه يا منة؟
منة: معرفش مخي اتلخبط خالص ..ووجهت حديثها لتوفيق: بس مش يمكن بابا كمان تعب بعد ما سمع خسارة الصفقة دي زيه زي حضرتك بالظبط..
عم الصمت المكان وكل منهم يدور بمخيلته ألف سؤال و سؤال و تكمن الإجابة إما تحت الثري أو مع تلكالرجل و يظل الغموض سيد الموقف و تظل سوء النية بقلب سامح حتي تنكشف الحقيقة…
انتهت جمعتهم بالوصول إلي الحل الذي يرضي جميع الأطراف وهو بحث سامح عن تلك الرجل لعله يفسر لهم شئ ،وفي نهاية اللقاء…
هالة: لو سمحت يا أونكل أنا هاخد منة معايا مادام مالهاش لازمة في البيت هنا..ووجهت نظرة لسامح من شعر رأسه إلي أسفل ساقيه..
تفاجئت منة بطلب هالة و رد سامح مندفعاً: منة مش هتمشي من هنا و محدش ليه دعوة ولا دخل بحياتنا..
قالت هالة بعصبية:انت بتكلمني كدة ليه؟ ثم وجهت نظرها لمنة: وانتي ساكتاله علي المعاملة دي ليه أنا مش فاهمة؟ هو ماسك عليكي ذلة يعني؟
دمعت منة عيناها ونظرت للأسفل في صمت..ورد سامح: أيوة يا آنسة، ماسك عليكوا كلكوا ذلة ،ولا أناغلطان؟
فقدت هالة أعصابها:انت بجد انسان مستفز ونظرت إلي منة:وانتي مستفزة أكتر منه وتركتهم و توجهت ناحية الباب و توجهت وراءها منة تنادي عليها: هالة يا هالة استني ..حتي وصلا باب الشقة فتحت هالة الباب و نزلت و ما ان خطت منة خطوة خارج الباب حتي وجدت ذراع سامح أمامها يحول بينها و بين الخروج ،نظرت له فقال: ادخلي أوضتك..
دخلت منة متذمرة إلي الغرفة تتساقط منها العبرات يميناً ويساراً ،أوصدت عليها الباب وخلعت حجابها وارتمت علي الفراش في حالة من البكاء الشديد..ثم اعتدلت و أمسكت بهاتفها و أجرت اتصالاً بهالة التي لم تجب من المرة الأولي وأخيراً..
هالة: أيوة يا منة..
منة وهي تبكي: كدة يا هالة مش عايزة تردي عليا..
هالة: ممكن ماتعيطيش،يا منة مش عايزاكي ضعيفة كدة،طول ماانتي ضعيفة هيستقوي عليكي أكتر..
منة: انتي ناسية ياهالة انتي بتتكلمي عن مين ؟ده سامح؟
هالة: ماتقوليليش يامنة انك لسة بتحبيه بعد كل ده؟
صمتت منة وما يُسمعمنها إلا صوت بكاءها..
هالة: استغفر الله العظيم، طيب اهدي يا حبيبتي..
منة: المهم يا هالة دلوقتي اوعي تجيبي سيرة لماما ، ماما لو عرفت هتروح فيها يا هالة…
هالة: لا طبعاً مش هقولها حاجة..
منة: ربنا يستر..
هالة بمزح محاولة التخفيف عن أختها: معندكيش ثقة فيا خالص كدة؟
منة مبتسمة بدموع علي وجنتيها : بصراحة لا..
هالة: ماشي يامنة..هشوفك بكرة في الجامعة ان شاء الله؟
منة: ها ،مش عارفةربنا يسهل..
هالة : ماشي ،هبقي أكلمك يلا باي عشان أنا وصلت أهو..
منة: ماشي سلميلي علي ماما..
هالة: الله يسلمك..وما أنهت كلمتها حتي دخل عليها سامح فانتفضت منة وأسرعت بإرتداء حجابها مرةأخري و هي لم توجه النظر له ،جلس سامح بجانبها علي طرف الفراش فاقشعر بدنها وانكمشت في نفسها..قال سامح بهدوء: كنتي بتكلمي مين؟
منة: هالة
سامح:من بكرة هدورعلي الرجل ده..
منة: ان شاء الله..
ابتسم سامح وقال:طيب أنا عصافير بطني بتزقزق ،مش هتأكلينا حاجة من ايديكي.
ابتسمت منة خجلاً وأومأت برأسها:حاضر ونسيت ما بها من هم فتلك هي النساء تضعف أمام كلمة حنونة ممن يعشقن..خرج سامح و توجهت منة إلي غرفتها أبدلت ملابسها ثم توجهت إلي المطبخ بكامل سعادتها فقد تغير مزاجها للنقيض و ظلت تطهو أشهي الأطعمة حتي انتهت و حضرت مائدتها و استدعت سامح للطعام ،حضر سامح و جلس علي المائدة..
منة: هروح أنادي أونكل توفيق..
سامح : لا هو قال هينام شوية ،لما يصحي هياكل..
منة: طيب بعد اذنكو ،،، ما استدارت عنه حتي شعرت بيده تمسك يدها فاحمر وجهها تلقائياً وسحبت يدها في هدوءورقة فقال سامح : آسف..مش هتقعدي تاكلي معايا؟
منة: عشان تبقيبراحتك..
سامح: لا ماتقلقيش أنا هم*وت من الجوع ومش هتكسف منك..يلا اقعدي..
قالت منة بداخلها:”بعد الشر عنك” و جلست أمامه و كانت المرة الأولي منذ زواجهم يجتمعون على مائدة واحدة و يعاملها بهذا اللطف فكانت منة في أسعد لحظاتها…حتي انتهوا وساعدها سامح برفع الأطباق من علي السفرة ..دخل سامح ليغسل يده ولكن لم يتركه شيطانه يهنأ قليلاً و ظل يوسوسه ” انت بتعاملها كده ليه؟ حاسس انك ظلمتها ؟طيب ما تصبر إما تتأكد ، ولا علي طول كده استسلمت؟” خرج سامح متجهاً إلي غرفته حتي لا يتقابل معها …
أما هي فكانت تحلق بأجنحتها كالفراشة في غرفتها تتمايل يميناً و يساراً وهي تحتضن وسادتها التي اعتادت علي دموعها و حزنها حتي رقصت وسادتها معها فرحة لفرحها حينها شعرت بدوار فإرتمت علي فراشها هي ووسادتها مبتسمة وأغمضت عينيها وراحت في سبات
عميق…
*******
وهناك في منزل والدتها..دخلت الأم علي هالة فوجدتها شاردة علي غير عادتها فجلست بجوارها: ايه ياحبيبتي مالك سرحانة في ايه؟
فاقت هالة من شرودها: ها..مفيش حاجة يا ماما..
الأم: مفيش ازاي؟شكلك مخبية حاجة؟
هالة: أنا؟لاخالص..اه صحيح في حاجة..
الأم: ايه هي؟
هالة فجأة وقداختلقت موضوع تلهي به والدتها: أنا جايلي عريس..
الأم: بجد ياحبيبتي،وقبلتها من وجنتيها..مين هو؟
هالة: يحيي ابن عمي..
الأم: يا حبيبي ده يحيي ده واد زي العسل..
هالة بطفولية: ايه واد دي يا ماما شايفانا بنلعب أستغماية في الشارع..
ضحكت والدتها: يخرب عقلك يا هالة دمك زي العسل، طيب ناويين علي ايه؟
هالة: أكيد خطوبة طبعاً ،مش هعمل أنا زي منة وأتجوز وأنا لسة مخلصتش..
الأم: ماشي ياحبيبتي اللي تحبيه،انتي شفتي منة النهاردة؟
تلعثمت هالة:منة،أناشفتها أه..
الأم: وهي عاملةايه؟ وحشتني أوي
هالة:الحمدلله ياماما ،ادعيلها..
الأم بقلق: ادعيلها؟ ليه يا هالة أختك مالها؟
شعرت هالة أنها علي وشك الإعتراف فأمعنت تركيزها وقالت: لا يا ماما مفيش حاجة أقصد يعني الدراسة بدأت بقى و بيتها و حماها معاها برده حمل عليها وكدة يعني..
الأم :ربنا يقويها يا بنتي..
هالة: يارب يا ماما و يلا بقا عشان انتي خدتي وقت إضافي كدة و أنا فاصلة من مشوار الجامعة و عايزة أنام ..
الأم: ماشي يالمضة،تصبحي علي خير..
هالة: وانتي من أهله..
خرجت والدتها وأجرت هالة اتصالاً بيحيي..
يحيي:هو القمر بيطلع من التليفون؟
هالة: قديمة!
يحيي: رخمه أوي،عايزة ايه يا قردة؟
هالة: طب تصدق بقا خسارة فيك الخبر الحلو اللي كنت هقولهولك..
يحيي: خبر حلو؟ ياروح قلب يحيي ده أنا بهزر معاكي..
هالة: والله؟ ماشي..
يحيي: ها يا قمر،ايه الخبر الحلو ده؟
هالة:قلت لماما عليك..
قفز يحيي من مكانه في فرحة: أيوووة بقا،
أخيراً يا هالة ،ده انتي نشفتي ريقي يا شيخة..
هالة بعناد: طبعاً هو أنا أي حد ولا ايه؟
يحيي: طبعاً يا باشا ده انتي البرنسيسة،وظل يهتف :يا برنسيسة يا برنسيسة..
ضحكت هالة:ههههه بسبس خلاص ،يلا بقا عشان عايزة أنام.
يحيي: ماشي يا قمر نوم الهنا يارب وبكرة بقا نتفق في الجامعة..
هالة: اوك ان شاءالله..
يحيي: لا إله الا الله..
هالة: محمد رسول الله..
أنهي يحيي مكالمته وصاح بأعلي صوت يا ماما يا نهلة..تجمعوا عليه وقالت والدته: ايه يا ابني ؟ايه الهليلة اللي انت عاملها دي؟
يحيي وهو يغني ويرقص: والنهاردة فرحي يا جدعان ،عايز كله يبقي تمام..
وظلت نهلة وووالدتها ينظران إلي بعض ويضحكن..
نهلة:  انت اتهبلت يا يحيي ولا ايه؟
ومستمر يحيي:وهتجوووز هتجوووز
وصرخت نهلة فجأة وبدأت بالرقص معه: عاااااااا روروروروي و هيصة هيصة عند العروسة هيصة..
وقفت الأم تشاهد توأمها المرح وهي تضحك و تقول: صبرني يارب علي ما بلاني..
وظل التوأم يلتفان حول والدتهم في مرح وسعادة و أخيراً أخبروها بسر هذه الفرحة ففرحت لإبنها كثيراً وترقرقت عينيها بالدموع وهي تتذكر محمد و تدعو له :عقباله يارب..
********
كان محمد عند صديقه سامر وكان يحكي له عن يومه مع منة في الجامعة فقال له سامر: يا محمد حرام عليك نفسك ،انت عارف انها خلاص اتجوزت ومابقتش ليك ،بتدور عليها و بتروحلها لحد عندها ليه؟
محمد: والله يا سامر ماأعرف ،أنا لاقيت نفسي رايح هناك و بدور علي جدولها و بدور عليها ،مش مصدق انها مابقتش ليا واتجوزت حد غيري..
سامر: لازم تصدق يامحمد و تنساها ، أنا عارف ان اللي بقولهولك صعب بس لازم تساعد نفسك ماتفضلش معلق نفسك بحبال دايبة..
شرد محمد في كلام سامر و لكن صورتها لم تفارق عينيه و الحب يملأ قلبه فهذا الحب وُلد معه و كبر معه،كيف أن يمحيه في لحظة وينساها فهي له الحياة و الأمل…..

 

الحلقة الثامنة

في صباح جديد..إستيقظت منة بكامل نشاطها و حيويتها علي رنين هاتفها….
منة: الو..
هالة: صباح الخير يامنونة..
منة: صباح النور ياهلولة..
هالة: صوتك مبسوط كدة و ملعلع..
ضحكت منة:  أنتي هتحقدي عليا ولا ايه؟
هالة: لا طبعاً يارب تبقي مبسوطة دايماً ،بس ليه يعني في حاجة حصلت؟
منة: لا عادي بس سامح كان لطيف معايا خالص إمبارح و كلنا مع بعض كمان.
هالة: اممم..لطيف!والله انتي اللي لطيفة و ظريفة كمان..
منة: بطلي رخامة بقا،ماتضايقنيش..
هالة: لا وأنا أقدر أضايقك،المهم يلا قومي البسي بقا عشان ننزل الجامعة..
منة: امم طيب شوية كدة و هكلمك..
هالة: اوك،باي..
منة:باي..
خرجت منة من غرفتها و غسلت وجهها ثم توجهت إلي غرفة سامح وأطرقت عليه الباب ،فتح لها و هو يرتدي ثيابه للذهاب إلي عمله..
منة مبتسمة: صباح الخير..
سامح وقد أغواه شيطانه فرد بفتور: صباح النور..
استغربت منة فتراجعت عن سبب دخولها و قالت: تحب أحضرلك الفطار؟
سامح: لا مش مهم،انا نازل ..
منة: اوك..واستدارت لتخرج من الغرفة فأوقفها بسؤاله: انتي كنتي عايزة حاجة؟
استدارت له: لا أبداً..كنت بس بستئذنك أروح الجامعة..
سامح : لا..أنا قلت مش هتخرجي..
لمعت عينيها ونظرت له بوجوم ثم رحلت..دخلت غرفتها تفكر ” هو بميت حال يوم حلو وعشرة لا، ايه اللي غيره تاني بس ياربي؟” وظلت شاردة تتحدث مع نفسها حتي فاقت علي صوت وصد الباب من الخارج فقد خرج سامح…
أجرت منة اتصالها بهالة: معلش يا هالة مش هقدر آجي النهاردة ..
هالة: ليه؟
منة:مفيش..مكسلة شوية.
هالة: مكسلة؟ ماشي يا منة..
********
وفي الجامعة..
يحيي:ألو..ايه ياعروستي ،اتأخرتي ليه؟
هالة: أنا جاية أهو..
يحيي: ماشي يا حبيبتي مستنيكي في الكافيتريا..
هالة :اوك..
دقائق ووصلت هالة:صباح الخير.
يحيي:صباح النور ياقمر..
هالة: أمال نهلة فين؟
يحيي: عندها محاضرة بدري..ومنة ماجتش؟
هالة:لا بتقول مكسلة..
يحيي:طيب ها هنعمل ايه؟
هالة: في ايه؟
يحيي: في الفرح ياهالة..
هالة: ااه ،اصبر يايحيي لما نخلص محاضرات و نتجمع كلنا و نتفق..
يحيي: اوك بس مالك،شكلك فيه حاجة؟
هالة: أنا ..لا خالص مفيش حاجة..واعتدلت هالة: يلا أنا هقوم بقا عشان عندي سكشن كمان شوية..
يحيي : طيب يلا هوصلك وأرجع تاني..
********
وفي المكتب..
مصطفي: ايه يا باشا،عملتوا ايه إمبارح؟كلمت أختها؟
سامح:اه ده كان يوم عالمي إمبارح..
مصطفي:  ليه ايه اللي حصل؟
سامح: حصل شد بيني وبين أختها، بس مش دي المشكلة؟
مصطفي: أمال ايه المشكلة؟
سامح: المشكلة انهم انصدموا لما سمعوا المبلغ و قالوا ان اللي معاهم ميكملش المبلغ ده خالص و ان ورثهم كان أقل جداً من اللي كانوا متوقعينه..
مصطفي بإستغراب:الله..يبقي ايه بقا الحكاية؟
سامح : مش عارف المهم عايزك تفصصلي فايلات الصفقات في الوقت ده و تجبلي اسم رجل الأعمال ده وأي معلومات كانت موجودة عنه..
مصطفي: اوك ،بس ناويعلي ايه؟
سامح: ناوي أوصله وأفهم منه اللي حصل بالتفصيل..
مصطفي: تمام..
********
خرجت منة من غرفتها و بدأت بوضع لمساتها في المنزل من نظافة و ترتيب حتي انتهت و أطرقت علي باب غرفة توفيق فسمح لها بالدخول فوجدته كالعادة يجلس علي كرسيه المتحرك و يقرأ فسألته :أحضرلك الفطار؟
توفيق : أنا مابفطرش يا منة بس ممكن كوباية شاي؟
منة: عونيا طبعاً..وأحضرت منة الشاي و جلست أمامه: اتفضل ..حضرتك شكلك بتحب القراية أوي.
توفيق: اه بعد اللي حصلي لقيت ان الكتاب هو أكتر صديق ممكن يواسيني و يسليني ويفضل معايا مايتخلاش عني أبداً..
ابتسمت منة: أناكمان بحب القراية أوي ..ممكن أستلف كتاب من مكتبة حضرتك ؟
توفيق بصدر رحب:طبعاً ،اختاري الكتاب اللي نفسك فيه..
وقفت منة أمام مكتبته العملاقة المفعمة بأرقي و أغلي الكتب و بدأت تختار: ياااه يا أونكل المكتبة متربة جداً و الكتب مردومة تراب..
نظرلها توفيق بحزن:معلش يا منة ،كنت بنضفها علي طول والله بس مابقتش بقدر..
منة: اممم طيب ممكن حضرتك تطلع برة عشان التراب وأنا هنضفهالك …
توفيق: لأ طبعاً ماتتعبيش نفسك..
منة: تعب ايه ياأونكل ،دي متعة عشان أختار براحتي كدة و أمسكت بكرسيه المتحرك : يلا أنا هطلعك شوية صغننين بس عشان التراب..

و دفعت الكرسي بهدوء وأخرجته من الغرفة و أعطته فنجان الشاي..
أغلقت الباب على نفسها، خلعت حجابها ،شمرت أكمامها ،أحضرت درجاً خشبياً صغيراً كان بجانب المكتبة،صعدت عليه و بدأت رحلة التنفيض وكأن عاصفة قدمت من الصحراء الشرقية و غمرت المكتبة بما فيها من كتب….
وبعد مرور بعض الوقت وأثناء رحلتها بالتنفيض فوجئت بمن يفتح عليها الباب فإنتفضت وانزلقت رجليها من على الدرج و سقطت ناثرة ما كانت تحمله من الكتب حوليهما فإلتقطها سامح بين ذراعيه وتساقطت عليهم الكتب فضحكا الإثنان معاً وصمتا معاً ..قال سامح: انتي كويسة؟
أومأت برأسها فقط فمد طرف إصبعه ببطء ليزيل بعض الغبار من علي جبهتها فإصطدمت سبابته بغرتها البندقية ،أزاحهها برقة وهو يتلمسها و ينظر لعينيها العسليتين بعمق و كأنه يراها للمرة الأولي ،أما هي فذابت في نفسها خجلاً واختلج قلبها للمسته و صُبغت وجنتيها باللون الأحمر ولكنها فاقت من خجلها واعتدلت سريعاً و هربت منه إلي غرفتها..

دخلت غرفتها وأوصدت خلفها الباب وهي تسند عليه ،وضعت يدها المرتجفة علي قلبها الذي كانت تتسارع دقاته وكأنها كانت في مسابقة للعدو ،أغمضت عينيها مع إبتسامة ناعمة.. وفي وقع الحادث ظل سامح مكانه و افترش علي الأرض مبتسماً وكأنه سد منيع إنهار من لمستها…حتي أقبل توفيق علي باب الغرفة ليجد سامح مفترش علي الأرض شارداً تتبعثر حوله الكتب فهتف :ايه يا ابني البهدلة دي؟
أفاق سامح من شروده فاعتدل و قبل رأس والده وقال : هنلمهم يا بابا وتركه وإتجه نحو غرفتها ،أطرق عليها الباب وهو ينادي عليها بصوت خافت: منة..منة..ممكن أدخل؟
كاد قلبها أن يخرج من بين ضلوعها وهي تومئ برأسها بالنفي وكأنه يراها من خلف الباب..ففتح الباب يدفعها من خلفه فاضطربت أكثر و اندفعت بعيداً..
سامح: أنا آسف ماكنتش أعرف انك ورا الباب..
أومأت برأسها بالإيجاب وكأن لسانها توقف عن الحركة..اقترب منها بخطواته وهي ترجع للخلف بخطواتها حتي اصطدمت بالحائط فقال: مالك مخضوضة كدة ليه؟
وظلت الإيماءات تفسير كلامها وكأنها تقول له “مفيش ،امشي بالله عليك”..
قرب سامح وجهه من وجهها وقال: عارفة أنا نفسي في ايه؟
حدقت عينيها مستفهمة..
سامح: نفسي في صينية مكرونة بالبشاميل من اللي بتعمليها يا خرااااشي علي طعامتها..
ابتسمت منة ابتسامة أظهرت أسنانها البيضاء و خفق قلبها بشدة وأومأت برأسها بالإيجاب..
سامح: طيب هروح أنا ألم الكارثة اللي حصلت في المكتب دي أحسن بابا يقتلنا و انتي جري عالمطبخ..
منة وأخيراً حلت عقدة لسانها: لا هاجي أخلصها معاك و بعدين هعمل المكرونة..
سامح: ياريت بصراحة..فذهبا الإثنان إلي الغرفة و قاموا بتنظيفها معاً ولم تخلو هي من نظراته لها و لم يخلو هو من نظراتها له..
**************
وفي الجامعة..
نهلة:ياربي المحاضرة كانت مملة جداً..
هالة: ومين سمعك..
يحيي: طيب انجزوا بقا..
نظرت نهلة و هالةلبعضهن البعض و ضحكن معاً…
يحيي: مالهم دول،أنا قلت حاجة غلط؟
تحدثت هالة بلهجةالأطفال : لا يا يغتي مس تزعلي نفسك خالث..
نهلة:  اسكتي يا هالة ده احنا عملنا فرح امبارح انا ويحيي انما ايه…..
هالة: بجد،يا وحشين من غيري..
نهلة: لا ما احنا هنولعها مع بعض في الفرح بقا..
فضحك الجميع…
واذا بسامر قادم عليهم..
سامر : السلام عليكم..
رد الجميع السلام،يحيي: سمورة ايه المفاجأة الجامدة دي،بتعمل ايه هنا؟
سامر: كنت بخلص شويةأوراق من الجامعة ،قلت أعدي أشوفك في مكانك المفضل ولا غيرته..
وكزت هالة نهلة في ذراعها وهي تهمس لها: مين ده ؟ ومال وشك جاب ألوان كدة ليه؟
نهلة هامسة: ده سامر جارنا وصاحب محمد ويحيي أوي..
هالة: والسؤال التاني؟
نهلة: سؤال ايه ياهالة؟
هالة: مالك اتلخبطتي كده ليه ووشك جاب ألوان الطيف كلها؟
نهلة بخجل: مفيش حاجة يا بنتي ،اسكتي بقا لا ياخد باله..
هالة: اممم طيب هسكت..
يحيي: ماشي يا سمورة،نورت والله..
مال سامر علي يحيي قليلاً: ماتقوليش يا سمورة قدام البنات كدة ،احترمني شوية..
ارتفعت صوت ضحكته:هههههه ماشي يا باشا..
سامر :يلاسلام..ووجه نظره للبنات و بالأخص لنهلة: السلام عليكم..
البنات: وعليكم السلام ورحمة الله و بركاته..
يحيي: اخلصوا بقا هنحدد معاد الخطوبة امتي؟
نهلة : براحتكوا انتوا..
يحيي: الأسبوع الجاي كويس يا هالة؟
تفاجئت هالة: بسرعة كدة؟ مش هلحق..
نهلة : دي خطوبة ياهالة مش محتاجة تحضيرات كتير هنحجز كله في يوم و ننقي الفستان في يوم..
هالة: طيب مش هسألماما الأول؟
يحيي: ده علي أساس اننا مع نفسنا كده ، ما احنا هنجيلكوا النهاردة كدة في السريع بس احنا بنحدد اليوم مع بعض الأول..
هالة: اممم اوك ماشي..
*********
انتهت منة من طهيها و وزعت الطعام علي السفرة و جلسوا الجميع لتناول الطعام فتذوق سامح أول ملعقة :امممم تسلم ايديكي..
ابتسمت منة بخجل:بالهنا والشفا..
توفيق: تاعبينك معانا يا منة ..
منة: تعبك راحة ياأونكل ماتقولش كدة.. وبعد الغذاء أحضرت منة الشاي و جلسوا أمام التلفاز ليتبادلا أطراف الحوار..
توفيق: سألت عن الرجل ده يا سامح؟
سامح:وصيت مصطفي يابابا وزمانه بيدور..
توفيق: علي الله نوصل لحاجة..
منة:يارب..
*******
ابتاعت هالة بعض من الحلويات و الجاتوه والعصائر وبعد وصولها إلي منزلها..
هالة: ماما عمي وطنط ويحيي جايين النهاردة..
الأم: والله؟
هالة: اه ،حضري نفسك بقا وأنا هدخل أحضر نفسي أنا كمان و جبت الحلويات معايا..
الأم: ماشي ياحبيبتي ربنا يتمملك علي خير بس اتصلي بأختك عرفيها و خليها تيجي..
هالة : حاضر..
دخلت هالة غرفتها واتصلت بمنة..
منة: ألو..
هالة: ايه يا منونتي عاملة ايه؟
منة: الحمدلله ياحبيبتي،انتي عاملة ايه؟
ضحكت هالة: أنا عاملة عروسة..يلا تعالي عشان يحيي و عمو جايين النهاردة و نتفق بقا وكدة..
منة بفرحة لاحظها الجميع: بجد يا هالة ألف مبروك يا حبيبتي ربنا يتمملك علي خير يارب..
هالة: يارب يا منةيلا بقا جهزي نفسك و تعالي..
وجهت منة نظرها لسامح وهي تقول : آجي؟ فأومأ سامح برأسه بالموافقة مبتسماً..
هالة: أيوة طبعاًتيجي ولا هتقولي مكسلة بردو..
منة: لا يا حبيبتي هجيلك طبعاً..
هالة: طيب يلا متتأخريش..
منة: اوك ،باي..
هالة: باي
أغلقت منة المكالمة و قالت لسامح بفرحة: شكراً بجد يا سامح..
توفيق: ألف مبروك يامنة..
منة: الله يبارك فيكيا أونكل..بعد اذنكوا.. ودخلت غرفتها و دخل سامح وراءها..
سامح: تحبي آجيمعاكي؟
لم تصدق منة ماسمعته: بجد ؟!
سامح: وليه لأ بس لوحبيتي؟
منة: اه طبعاً ياريت..
سامح: اوك هدخل ألبس..
منة: ماشي وأنا كمانهلبس..
ارتدت منة فستانها بلونه الأزرق و حجابها الأبيض وكانت في غاية الجمال.. وكان سامح بحلته السوداء وربطة عنقه الزرقاء، خرج سامح و انتظر منة التي خرجت بعده
بقليل فأطلق صافرة حين رآها : ايه الشياكة دي؟
خجلت منة: من بعض ماعندكم..
فخرجا الإثنان واستقلا السيارة و توجها إلي منزل العروس2

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *