وتبسمت ذات النقاب

الحلقة ( 1 ) – بداية الحكاية – :

كان صباحا باردا من أيام الشتاء ، بينما آشعة الشمس الدافئة تتراقص في أرجاء تلك الحجرة الواسعة الفاخرة لاحقتها “هانيا” بعينيها الزرقاوين العابستين و هي تكمل إرتداء ملابسها السوداء أمام المرآة ، فمنذ سبعة أيام من وفاة والدها و هي ترتدي الأسود حدادا و حزنا عليه ..
و لم يمهلها المحامي الخاص بوالدها وقتا كافيا لتستعيد توازنها الطبيعي الذي فقدته نتيجة لصدمتها بموت والدها المفاجئ ، بل أنه أسرع يطلب مقابلتها كي يتحدث معها بشأن أملاكها و إرثها الضخم ، و لكن في الحقيقة لم تكن “هانيا” مهتمة كثيرا بهذه الأمور خلال تلك الفترة العصبية ، فقد وقع عليها خبر وفاة والدها منتحرا كالصاعقة
في البداية لم تصدق ، و لكن لا جدوي من عدم تصديقها فتلك هي الحقيقة ، لقد مات والدها منتحرا ، و كم تساءلت مرارا ، لماذا فعل ذلك ؟ كيف يمكن لأببها رجل الأعمال الناجح المعروف و المشهور علي أوسع نطاق أن يقتل نفسه ؟ ما الذي دفعه إلي ذلك ؟ رجل بقدره و في مكانته ما السبب الذي يدفعه إلي الإنتحار و هو يملك كافة الأشياء !!
إرتعدت “هانيا” لذكرى مرآي جثة أبيها الغارقة في الدماء فوق أرضية مكتبه ، بينما فكرت في مرارة بالغة ، لقد أصبحت وحيدة بهذا العالم بعد وفاة والدتها منذ خمس سنوات ، ثم وفاة والدها منذ سبعة أيام ، لم يكن لها سوى عمها ، و لكن زوجته و أبنائه جعلوه صعب المعاشرة ، إنه رجل لطيف و حنون ، لكن أسرته تفتقر الكثير من صفاته الطيبة ، لا يوجد بينهم سوى التكبر و الغطرسة الوقحة ، و هذا ما جعل “هانيا” بعيدة تمام البعد عنهم ، فلا تزورهم أو تتعامل معهم و لا هم أيضا ..
رغم أن الجميع يحبون “هانيا” كثيرا وفقا لأعمارهم ذكورا أو إيناثا ، مفتونين بسلوكها الهذب و شخصيتها القوية ، إضافة إلي شكلها الجميل
كان أصدقاؤها يتفاوتون ما بين صبية صغار و متقاعدين وحيدين ، و كانت هي سعيدة جدا برابطتها الإجتماعية المتينة ، فقد كانت تهوى مساعدة الناس و حل مشكلاتهم ، لدرجة ظن البعض أن الطريق مفروش بالورد أمام فتاة جميلة مثلها في الثانية و العشرون من عمرها ، لا يعرفوا حقيقة ما تشعر به في قرارة نفسها
الذين عرفوها لفترة طويلة أدركوا تدريجيا أنهم يكادون لا يعرفونها ، و أنها و برغم ما تبدو عليه من روح إجتماعية منشرحة متحفظة للغاية ، لا تبوح بأسرارها أو بأي شئ يجول بخاطرها إلي أي شخص ..
إنتهت “هانيا” من إرتداء ملابسها ، ثم راحت تضع علي وجهها قليلا من مساحيق التجميل الخفيفة ، كي تداري شحوبها و ملامحها الحزينة ، لم تكن ” هانيا ” مجرد شابة جميلة فقط ، فتفاصيل وجهها الأشقر كانت كاملة إبتداءً من العينين الزرقاوين الواسعتين تحت رموش كثة حتي الشفتين المكتنزتين الحمراوين ، و قد تركت شعرها البندقي المتموج الطويل الذي ورثته من أمها الفرنسية منسدلا علي كتفيها ، ثم عقدت بعض خصلاته بربطة سوداء حريرية زادتها شبابا و أنوثة إلي الوراء ..
ثم أخيرا غادرت حجرتها ، و هبطت إلي الطابق السفلي حيث كان السيد ” شركس ناصف ” المحامي ، في إنتظارها إقبلت عليه ” هانيا ” مرحبة ، ثم جلست قبالته بعد أن طلبت من أحد الخدم جلب القهوة لكليهما
كان السيد ” شركس ” طويلا نحيلا ذا وجه بشوشا و متقدما في السن إلي حدٍ ما ، فيما بعد ما صافحها و قام بتعزيتها للمرة الثانية ، ركز إهتمامه عليها ، ثم قال بصوت هادئ عميق :
– انا اسف يا انسة هانيا اني طلبت اقابلك بالسرعة دي و انتي في الظروف دي .. لكن الأمر مستعجل و انا مش هاقدر آخره اكتر من كده صدقيني.
أومأت “هانيا” رأسها متفهمة ، ثم أجابته في هدوء :
– مافيش مشكلة يا متر ، انا مقدرة الوضع كويس و عارفة انك اتعاملت مع بابا فترة طويلة ، و علي فكرة مش عايزاك تقلق ابدا انا هدفعلك كل اتعابك.
إبتسم السيد ” شركس ” في خفة ، ثم قال بلطف :
– يا انسة هانيا انا ماجتلكيش لحد هنا عشان اناقشك في موضوع اتعابي ، والدك الله يرحمه و يحسن اليه كان بيدفعلي اول بأول يعني مسدد دينه معايا ماتقلقيش ، انا بس طلبت اقابلك بسرعة عشان ابلغك بأمور طارئة لسا عارفها من يومين بس.
تغضن جبينها بعبسة متسائلة ، ثم سألته في إهتمام:
– خير يا متر ؟؟
نظر إليها صامتا لبضع لحظات ، ثم أجفل في توتر و أجابها :
– والدك يا انسة هانيا .. من حوالي شهر تقريبا ، باع كل املاكه ، و انا اسف اني اقولك انتي مابقالكيش اي حاجة.
رمقته “هانيا” في صدمة بالغة ، ثم سألته فاغرة فاها :
– انت بتقول ايه ؟؟
ثم تابعت ثائرة :
– مستحيل اللي انت بتقوله ده ، مستحيل بابا يعمل كده ، مش ممكن طبعا !!!
هز السيد ” شركس ” رأسه في أسف ، ثم تابع بنبرته الهادئة نفسها :
– للأسف يا انسة هانيا ، ده اللي حصل ، انا في الاول كنت زيك كده مش مصدق لما كلمني محامي المالك الجديد من يومين و بلغني الاخبار دي ماصدقتوش ، لحد ما جالي منه امبارح صورة عقد كتابي بالبيع ، يعني توكيل بيع و شرى عليه إمضة مصطفي بيه والدك.
إنعقد لسان “هانيا” في تلك اللحظة ، و أُرغمت علي الصمت ، تحت تأثير تلك المفاجآة القاتلة ، بينما أضاف الأخير بنبرة مفعمة بالشفقة و الآسف :
– المالك الجديد بصفة ودية بيطالب بحقه في ضم كل الاملاك ليه بما فيهم الفيلا و عربيتك كمان لانها مش متسجلة بإسمك ، و لازم تخلي الفيلا انهاردة لانك لو ماعملتيش كده في ظرف 24 ساعة هيضطر يلجأ للمحكمة و الحكم في صالحه هيبقي سريع جدا لان ورقه سليم.
لا زالت “هانيا” تحت تأثير الصدمة العنيفة التي تلقتها منذ عدة دقائق ، و لكنها غصت بريقها ، ثم وجهت بصرها إلي الرجل الجالس قبالتها يحدثها في غاية الهدوء و الآسف ، ثم سألته بصوت أبح :
– مين المالك الجديد ده ؟؟
تحرك في مقعده بشئ من الإضطراب ، ثم أجابها و قد عادت معالم الجدية إلي وجهه :
– هو رجل اعمال معروف ، بس مش عارف اذا كنتي سمعتي عنه و لا لأ .. عموما هو اسمه عاصم ، عاصم الصباغ.
ساد صمت مطبق بينهما ، كانت “هانيا” تفكر بالكارثة التي وقعت عليها ، لماذا قد يفعل والدها شيئا كهذا ؟ لماذا قد يتنازل عن جميع أملاكه بهذه السهولة لأي شخص أيا كان يكون ؟؟ .. :
– في حاجة واحدة بس لسا ملكك يا انسة هانيا ، و محدش هايقدر ياخدها منك.
أعادها صوت السيد ” شركس ” إلي الحاضر المجنون ، بينما عادت تحدق به في إهتمام متسائلة :
– ايه هي دي يا متر ؟؟
– من خمس سنين بعد وفاة والدتك الله يرحمها مصطفي بيه اشتري بيت جديد و خدك و عزلتوا من الفيلا القديمة.
– ايوه مظبوط ، احنا عزلنا من بيتنا القديم بعد موت ماما ، ماقدرناش نعيش فيه منغيرها !
– اللي انتي ماتعرفيهوش بقي يا انسة ان والدك الله يرحمه كتب البيت القديم ده بإسمك من خمس سنين يعني اول ما سيبتوه و عزلتوا ، يعني هو بقي ملكك انتي من وقتها.
– قصدك ان دي الحاجة الوحيدة اللي هورثها ؟؟
سألته بمرارة هازئة ، فأجابها :
– تقريبا.
ثم عاد يقول بأسف من جديد :
– لكن بردو مع الاسف .. البيت ماعدش يصلح لحد يعيش فيه.
– قصدك ايه ؟؟
سألته مرتابة ، فتنهد بثقل و أجابها في لطف :
– والدك .. حوله لمخزن من سنتين ، فبالتالي مش هاتقدري تعيشي فيه ، الا اءذا كانت ميزانيتك المالية تسمح بإنك ترجعيه مكان يتعاش فيه من جديد.
تنفست ” هانيا ” بصعوبة و هي لا تزال غير مصدقة بأن والدها فعل بها كل ذلك بعد وفاته …

***************

في مكاناً أخر ، تحديداً ، بأحد أكبر و أفخر قصور المدينة ..
تواجد ” عاصم الصباغ ” داخل غرفة رياضة واسعة مزودة بالحبال و القضبان الحديدية و أدوات رفع الأثقال من مختلف الأشكال و الأحجام ، و في إحدي الزوايا دراجة مثبتة بالأرض للتمارين البدنية ، كان ” عاصم ” يمارس رياضة الجري منذ ساعة فوقها ، حتي تصبب جسده الرياضي المعضل عرقا بكمية هائلة ، بينما راح يضغط علي أحد أزرار الآلة ليزود من سرعة ركضه
و لم يتوقف إلا عندما وصل إلي سمعه صوت صديقه المقرب يقول :
– عاصم ! في اخبار مش كويسة.
عند ذلك ، أوقف ” عاصم ” الآلة فورا ، و إلتقط زجاجة مياه كانت فوق طاولة قربه ، ثم إستدار نحو محدثه و قال قبل أن يفتح الزجاجة و يشرب كل ما تحتوي من ماء جرعة واحدة :
– في ايه يا زين ؟؟
صمت ” زين ” لثوان ، ثم أجابه بخفوت :
– شهاب .. هرب من المصحة.
أغمض ” عاصم ” عينيه بشدة ، كما تقلصت أصابع يده القوية حول الزجاجة البلاستيكية في عنف أحالها إلي قطعة متعرجة بيده ، ثم صر علي أسنانه في غضب و سأله :
– هرب ازاي ؟؟
– الدكتور المشرف علي علاجه لسا قافل معايا ، قالي انه لما جه يمر عليه انهاردة لقا اوضته فاضية ، و مالوش اثر في المصحة كلها.
– ابعت حد يدورلي عليه.
صاح ” عاصم ” منفعلا ، ثم تابع في عنف :
– هاتهولي من تحت طقاطيق الارض ، عايز الاقيه واقف قدامي الليلة دي.
أومأ ” زين ” رأسه قائلا في هدوء :
– حاضر يا عاصم ، هيكون واقف قدامك الليلة دي ماتقلقش.
أطلق ” عاصم ” زفيرا غاضبا ، ثم إندفع خارج غرفة الرياضة و من ثم إجتاز أروقة المنزل الطويلة بخطي واسعة و العرق يقطر من جسده حتي صعد الدرج العريض الذي يربط الطابق السفلي بالطابق العلوي و دلف إلي غرفته تتآكله عصبيته ، ثم إلي الحمام حيث إغتسل سريعا و عاد إلي الغرفة من جديد لاففا حول خصره منشة بيضاء عريضة ، ثم توجه نحو حجرة الملابس الصغيرة إلي حدٍ ما و التي إحتوت بداخلها علي أفخر و أثمن الثياب و الكثير من الأغراض و الحاجيات ..
إرتدي ملابسه الداكنة التي يفضلها مسرعا ، ثم إتجه صوب المرآة ليمشط خصلات شعره السوداء الحريرية الثائرة ، و لكن سرعان ما وقعت عيناه علي جانب وجهه الأيمن ، حيث كانت هناك آثار جرح عميق إمتد من أسفل العين إلي منتصف الفك
و لا شعوريا رفع يده إلي الندبة في وجهه و مر بأنامله القوية فوقها ، بينما إرتسمت علي وجهه تعابير الوجوم و العبس ، إذ تذكر الحادث الذي سبب له تلك العاهة المستديمة التي حولته إلي مسخاً لا أحد يستطيع أن يتحمل النظر المطول إلي وجهه ..
منذ أكثر من عشرون عاما ، كان فتى صغيرا عمره لا يتجاوز السادسة عشر سنة ، عندما إنتهي والده في الحريق الذي ألتهم محتويات المصنع الوحيد الذي تبقي لهم بعد ما سُلبت منهم جميع أملاكهم عنوة من رجل إستطاع أن يخدع والده بمهارة فائقة و دون أن يورط نفسه بأدني دليل ، حين شب الحريق بمصنع الأقمشة كان السيد ” طايع الصباغ ” بداخله فإندفع “عاصم” كالمجنون صوب المصنع لينقذ والده ، وقتها لم يآبه لتحذير العُمال و الناس و تابع إندفاعه رغم الحرارة الشديدة التي مسته ، ثم فجأة دوى صوت إنفجار شديد و فقد ” عاصم ” وعيه آنذاك ، و عندما أفاق تلقي خبر وفاة والده بالحريق ، ثم خبر تشوه صفحة وجهه اليمني ..
و هكذا أصبح ” عاصم ” فجأة يتيم الأب و مسؤول عن أسرة مكونة من أم لا زالت في أوج شبابها ، و من أخ لا زال طفلا رضيعا ، تشردوا في بادئ الأمر خاصة و إنهم خسروا جميع أملاكهم و لم يعد لديهم أي شئ بعد وفاة عائل الأسرة السيد ” طايع الصباغ ” ..
فيما بعد لجأت السيدة ” هدي سليمان ” ربة الأسرة إلي منزل أحد أقاربها بإحدي القرى الريفية ، و بالطبع لم يكن مرحب بها هي و ولديها ، و لكن كان للعرف و التقاليد الرأي الأمثل الذي أجبر أقاربها علي أن يقدموا لها المأوى لئلا يثيروا أقاويل من حولهم عنهم ، فما أزاد ” عاصم ” من كل الذي حدث إلا تصميما و إصرارا علي الأخذ بثأره و ثأر والده ، فطفق يفكر بالعمل ، حتي بدأ حياته العملية في بيع أعواد الثقاب و السكائر في القرية و المناطق المجاورة علي دراجته في أول الأمر ، ثم إلي الأحياء القريبة و مع مرور الوقت بدأ ينجح في عمله بالجهد و الكد و العزيمة و الإصرار ، فزادت تجارته و راح يشتري بضائع مختلفة بأسعار بخسة و يبيعها بأسعار جيدة مما كان ينتج عنه هامش من الربح الجيد له ، و بعد مدة طويلة من العمل المستمر دون إنقطاع و عندما بلغ الخامسة و العشرون من عمره إستطاع أن يفتح مؤسسة صغيرة لمتابعة تجارته من خلالها ، أطلق عليها إسم
– A T S – Group

و التي تشير إلي الأحرف الأولي من إسمه و إسم والده و شقيقه ، علي النحو التالي :
(Asem – Taia – Shehap ) ..

إستمرت تجارته داخل قرية أهل والدته فترة من الزمن ، إلي أن شاء القدر و إلتقي بـ” زين الرويعي ” شاب متعلم مثقف و ذكي ، و لكنه ينحدر من طبقة متوسطة و لا يملك الفرصة المناسبة كحال معظم الشباب ، و لكن كان لقاؤهما منفعة لكليهما ، فقد عرض ” عاصم ” مؤسسته الصغيرة و المال الذي إدخره طوال السنوات الماضية ، بينما عرض ” زين ” أفكاره المتميزه و المختلفة ، و بذلك بدأت تتشكل معالم شركة
– A T S – Group
للإستيراد و التصدير ، حتي باتت من أكبر الشركات في الأسواق الكبرى العالمية ، و لكن ” عاصم ” لم يكتفي بتحقيق النجاح و إعادة المجد له و لعائلته فقط ..
لقد كانت فكرة الثأر دائما بحسبانه تنمو بداخله يوما بعد يوم ، و لم يتخلي عنها علي الإطلاق ، إلي أن جاء اليوم أخيرا و إنتقم لوالده شر إنتقام من الرجل الذي إحتال عليه و سلبه أملاكه و حياته أيضا
و ما أراحه أكثر و أكثر هو إنتحار ذلك الرجل ، عند ذلك شعر ” عاصم ” بلذة إنتصار حقيقية ..
أفاق من شروده فجأة مارا بيده من جديد فوق الندبة علي خده الأيمن ، كانت تلك هي الأزمة الأكثر مرارة في حياته التي دائما ما تنغص عليه يومه كلما نظر بالمرآة ..
قطب حاجبيه ، و قد علت وجهه تعابير الكبرياء و الأنفة ، فهو و رغم كل شئ لا يتحمل العطف أو الشفقة من أي إنسان
سمع في تلك اللحظة صوت طرقاً خفيفاً علي باب غرفته ، فأدار وجهه وصاح بصوته العميق آذناً بالدخول :
– ادخل !
فإنفتح باب الغرفة و ظهرت فتاة قصيرة نحيلة في عمر الربيع ترتدي الزي الرمادي الخاص بعملها في هذا القصر الشاسع المترف ، ثم خرج صوتها الهادئ يقول :
– عاصم بيه ، الست هدى بعتاني اقولك انها عايزاك في اوضتها.
أومأ ” عاصم ” رأسه مقطبا ، ثم سألها :
– هي خدت الادوية بتاعتها ؟؟
– لأ لسا حضرتك ، هي المفروض بتاخدهم بعد ما تتغدا علي طول.
– طيب روحي بلغيها اني هكون عندها بعد الغدا.
– حاضر.
قالتها الفتاة بأدب ، ثم إنسحبت في هدوء بعد أن أغلقت الباب من خلفها ، بينما تنهد ” عاصم ” بثقل ، ثم إندفع ينجز بعض أعماله …

***************

في منزل أخر لا يقل رقياً عن أي منزل مترف بالمدينة الحديثة ، تعالت أصوات الضجيج من داخل غرفة معينة ، يتبعها صوت إمرأة في أواسط العمر ، ذات شعر ذهبي قصير و بشرة عسلية رقيقة و عينان بنيتان واسعتان ، راحت تتوسل إلي زوجها باكية :
– عشان خاطري يا توفيق خليك معانا ، اقعد بس و هنتفاهم كل حاجة هتتحل.
بينما إنتهي السيد ” توفيق علام ” من حزم أمتعته داخل حقيبة سفر كبيرة ، ثم أخيرا إلتفت إلي زوجته صائحا في غضب جامح :
– انا خلاص مابقاليش لازمة في البيت يا هانم بعد قضية الحجر اللي رفعها عليا ابنك و اللي روحتي تشجعيه عليها لا يمكن استني ثانية واحدة بعد انهاردة ، اعتبروني مُت مش ورثتوني بالحيا ؟؟
هزت ” دينار ” رأسها نافية ، ثم هتفت منتحبة :
– ماتقولش كده يا توفيق احنا منغيرك و لا حاجة.
فأجابها ” توفيق ” بنزق :
– ربنا يخليه ابنك بقي ، دلوقتي بقي راجل البيت هايقدر يمشي نفسه و يمشيكوا لكن انا لأ ، سامعة يا دينار لأ.
– طب يا حبيبي اهدا عشان خاطري ارجوك ، اقعد يا توفيق و مروان سيبهولي انا هكلمه.
– هتتوسطيلي عنده يعني !!
هتف في إنفعال إستنكاري ، ثم تابع بصرامة :
– اسمعيني كويس يا دينار .. مش توفيق علام اللي عاش طول عمره بكرامته راجل حر يجي ابنه علي اخر الزمن و يحجر عليه ، دي تبقي الآية إنقلبت زي ما بيقولوا لما ابن يمشي ابوه و يتحكم فيه.
– ما عاش اللي يهينك او يتحكم فيك يا توفيق.
هتفت بصوت محشرج من شدة حدة البكاء ، فيما إبتسم ” توفيق ” في سخرية قائلا :
– لأ يا دينار ، ربنا يخليه و يديله طولة العمر كمان .. هو بردو ابني اولا و قبل كل شيء.
ثم تابع في ندم مرير :
– الغلطة كانت غلطتي من البداية ، لما سيبتهولك تربيه علي الحقد و الانانية لحد ما طلع تلفان سادي عدواني و مابيحبش الا نفسه.
ضغطت” دينار ” علي شفتيها بقوة ، ثم أطلقت أنيناً خافتاً ممزوجاً بدموع عينيها ، فيما أومأ ” توفيق ” رأسه في هدوء ، و أضاف :
– هي صحيح غلطتي يا دينار .. لكن انا خلاص مابقاليش سلطان عليه ، فات الآوان ، اديني سايبهولك و سايبلكوا الجمل بما حمل ، علي الله بس المركب تمشي و ماتغرقش.
و حمل حقيبته من فوق الفراش ، فقبضت ” دينا ” علي رسغه في هوان متسائلة :
– طب هتروح فين بس يا توفيق ؟ معقول هتسيبني ؟ انا ماليش غيرك !
أجابها ” توفيق ” بقسوة و هو يخلص رسغه من قبضتها :
– مالكيش دعوة انا رايح فين يا دينار ، المهم دلوقتي انك تحاولي تشاركي ابنك في ادارة البيت و الشركة اللي عيشت طول عمري بكافح و ببني فيها.
ثم أضاف علي مضض و هو يهبط السلالم المغطاة بالسجاد الأخضر :
– و انا هبقي اكلمك من وقت للتاني عشان اطمن عليكي.
وقفت ” دينار ” وحدها أعلي الدرج تراقب زوجها في حزن و قلة حيلة حتي إختفي عن ناظريها ، ثم إندفعت راكضة نحو غرفة نومها و أخذت تبحث عن هاتفهها الخلوي إلي أن وجدته ، فأجرت الإتصال سريعا بإبنها و هي ترتجف إنفعالا في كل أنحاء جسدها …

***************

بداخل قاعة حمام فسيحة مترفة ، وقف ” مروان ” عاري الصدر يحلق لحيته التي نمت قليلا أمام مرآة مثبتة بالجدار فوق حوض المياه الصغير ، بينما علي بعد أمتار قليلة منه كانت تجلس بـ( البنوار ) الملئ بالماء الدافء و فقاقيع سائل الإستحمام ذا الرائحة النفاذة ، تلك الفتاة التي رافقته منذ سهرة الليلة الماضية ، فيما إنطلق صوتها الناعم يسأله :
– بقولك ايه يا مارو يا حبيبي !
– قولي يا عمري ؟؟
هتف برقة و هو يباشر حلق لحيته متمهلا ، بينما تابعت الأخيرة سؤالها :
– مش هتتجوزني بقي ؟؟
عند ذلك أطلق ” مروان ” ضحكة مجلجلة تردد صداها عبر جهات الحمام الأربع ، فتظاهرت رفيقته بالغضب و قالت :
– بتضحك يا مروان ؟ للدرجة دي موضوع الجواز بقي نكتة بتضحكك اوي كده ؟؟
توقف ” مروان ” عن الضحك بصعوبة بالغة ، ثم أدار وجهه إليها قائلا :
– يا عبيطة ، انا بضحك عشان اكتشفت انك لسا ماعرفتنيش يا سالي ، انا احب اه اتجوز لأ ، لعلمك انا مؤمن جدا بالمثل اللي بيقول – إن دخل الجواز من الباب ، نط الحب من الشباك – و بعدين ما احنا عايشين سوا اهو احسن من المتجوزين ، بقي بذمتك يا شيخة لو كنا متجوزين كنت هعرف اقولك يا حبيبتي ؟؟
– يعني انت بتحبني ؟؟
– اه طبعا يا قلبي بحبك ، لكن بردو بحب إنجي و مايا و سوزي و كل البنات الجميلة اللي زيك.
– يعني مش هتتجوز ابدا ؟؟
سألته بصوت مفعم بالسخرية ، فأجابها :
– نو ، نون ، نيانتي ، لأ بكل اللغات يا حبيبتي هو انا مجنون اجيب واحدة تنكد عليا عيشتي صبح و ليل ! انا احب ابقي حر مش متكتف بواحدة تطلع عين اهلي و ..
قاطعه فجأة صوت رنين هاتفهه الذي تركه فوق حامل المرآة الرخامي ، فإلتفت إليه و ألتقطه ، و لما وقعت عينيه علي إسم المتصل تأفف في ضيق ، ثم أجاب بصوت هادئ متراخٍ :
– ايوه يا ماما !
– انت فين يا ولد ؟؟
وصل صوت أمه عنيفا علي مسامعه ، فتغضن جبينه بعبسه ضجرة و قال :
– ولد ايه بس يا ماما هو انا طالب مدرسة ! و بعدين من امتي يعني بتتصلي تسأليني انا فين و تحققي معايا بالشكل ده ؟؟
– ما جايز فعلا تصرفاتي دي هي اللي بوظتك و خليتك تلفان علي رأي ابوك ، بس انا هصلح غلطتي دي و هاوقفك عند حدك يا مروان.
تنهد ” مروان ” في نفاذ صبر ، ثم عاد يقول بنبرة هادئة :
– طيب يا ماما ، اقفلي انتي دلوقتي و لما ارجع البيت نبقي نتكلم.
– تجيلي حالا.
– حاضر يا حبيبتي سلام بقي.
ثم أغلق الخط مطلقاً زفيرا طويلا ، بينما سألته ” سالي ” ممازحة :
– ايه يا مارو ! ماما رفعتلك الشبشب و لا ايه ؟؟
فإلتفت ” مروان ” إليها في حدة مصطنعة قائلا :
– هتهزري معايا يا بت ؟؟
أجابته بغنج باسمة :
– اها يا حبيبي و ماله ؟ بلاش اهزر معاك ؟؟
إبتسم ” مروان ” بخفة بدوره ، ثم قال بحدة مصطنعة :
– طب يلا بقي قومي من البركة اللي انتي قاعدة فيها دي خليني اخد دوش انا كمان عشان يدوب امشي.
قهقهت ” سالي ” بنعومة عاليا ، و قالت :
– امرك يا حبيبي.

***************

دلف ” عاصم ” إلي غرفة والدته السيدة ” هدى ” بعد أن طرق بابها و آتاه صوتها سامحاً له بالدخول ..
نظر في إتجاه فراشها ، فوجدها نصف جالسة كعادتها ، مستندة بظهرها إلي وسائدها الوثيرة الناعمة ، بينما كانت السيدة المسنة حديثا ترتدي عباءة هفهافة من الحرير الأزرق يتناسب مع لون بشرتها البيضاء ، و شعر الأسود الذي غزاه لون الثلج .. :
– يسلام ! لسا فاكر تيجي تشوفني يا عاصم ؟؟
قالت السيدة ” هدي ” تلك الجملة في لكف معاتبة أبنها ، بينما خطي ” عاصم ” تجاه فراشها حتي وصل إليها ، ثم جلس علي حافة الفراش ألي جانبها و قال في هدوء معتذرا :
– اسف يا امي ، بس كان عندي شغل مهم و اول ما خلصته جتلك.
– يعني هو الشغل اهم من امك ؟؟
– لأ طبعا ، مافيش حاجة اهم منك ، و عموما انا تحت امرك قوليلي كنتي عايزاني ليه ؟؟
– هو انا لازم عشان اطلبك ابقي عايزة منك حاجة ؟ انت وحشتني بس و كنت عايزة اشوفك.
إنفرج ثغر ” عاصم ” بإبتسامة خفيفة ، ثم إنحني إلي يد أمه ليقبلها ، فمدت السيدة ” هدى ” يدها و ربتت علي شعره في حنان ، ثم مسحت بكفها جانب وجهه المشوه بعاطفة أمومية قائلة :
– ربنا يحميك و يخليك ليا يا حبيبي.
ثم سألته :
– هو شهاب لسا مارجعش من السفر يا عاصم ؟؟
تنفس ” عاصم ” بعمق كي يضبط إنفعالاته ، ثم أجابها في ثبات كاذبا :
– لأ يا امي لسا ، هيرجع كمان كام يوم ان شاء الله.
– وحشني اوي ، كان لازم يعني يسافر برا عشان يتفسح ! هو بيتصل بيك يا عاصم ؟؟
– اه بيتصل.
كذب مرة أخري ، بينما تابعت أمه سؤالها :
– طيب ما بيكلمنيش ليه ؟؟
– اول ما يتصل تاني هخليه يكلمك علطول.
ثم راح يحدثها بعض الوقت ، حتي سمعا صوت طرق علي باب الغرفة لاحقه دخول الوصيفة الشابة قائلة في خفوت تخاطب ” عاصم ” :
– عاصم بيه ، في واحد تحت طالب يقابل حضرتك.
– واحد !!
هتف عابسا ، ثم سألها :
– ماقلش اسمه ايه ؟؟
– قال حضرتك ، وجيه عليان.
ردد ” عاصم ” الإسم بين شفتيه في بطء ، ليهز رأسه في صبر نافذ ، ثم أصرف الخادمة و ترك أمه معتذرا لينضم إلي الزائر الذي ينتظره بالأسفل ، و في أقل من دقيقة ، كان ” عاصم ” قد هبط إلي الطابق السفلي آخذا طريقه تجاه غرفة الجلوس الواسعة التي تمتد علي طول المنزل من الجهة الأمامية ، بينما إنتصب السيد ” وجيه ” واقفاً حالما رأى ” عاصم ” مقبلا نحوه ، فمنحه إبتسامة واسعة ، ثم قال و هو يمد له يده للمصافحة :
– مساء الخير يا عاصم يا بيه ، ازي حضرتك ؟؟
مد ” عاصم ” يده و صافحة بسرعة و جفاء ، ثم دعاه للجلوس و جلس بدوره في مقعد قبالته قائلا بصوت خشن :
– ايه اللي جابك هنا يا وجيه ؟ انا مش في اخر مقابلة لينا قلتلك ماتتصلش بيا و لا تحاول تقرب مني و تنسي انك عرفتني اصلا ؟؟
إبتسم ” وجيه ” في تحفظ ، ثم أجابه بنظرة ماكرة :
– حد بردو ممكن يعرفك و ينساك يا عاصم بيه ؟ مستحيل طبعا !
– انت جاي عايز ايه ؟ انت مش خدت باقي فلوسك من زين ؟ و لا في حاجة تانية لسا ماتحسبناش عليها ؟؟
– خيرك سابق و فايض يا عاصم بيه.
– طب قصر و هات مـ الاخر.
هتف محتدا و هو لا يزال محتفظا بملامحه الباردة ، بينما تنحنح الأخير ، ثم قال و قد تلعثمت الكلمات علي شفتيه :
– حضرتك عارف انا اد ايه خاطرت و غامرت يوم ما خدعت مصطفي علام و خليته يمضي منغير ما ياخد باله علي توكيل البيع و الشرى اللي سيادتك اديتهولي ..
ثم بتر كلامه فجأة ، بينما لم يحرك ” عاصم ” ساكنا ، بل ظل يحدق به في صمت ، فتابع ” وجيه ” بشئ من التوتر :
– انا طبعا عملت كل ده عشانك.
– يعني عايز ايه مش فاهم ؟!!
قالها ” عاصم ” في تهكم لاذع ، فأجاب ” وجيه بصراحة و دون أن يماطل :
– عايز ارجع اشتغل تاني في المجموعة.
همهم ” عاصم ” متداركا الأمر ، ثم قال بلهجة قاتمة ساخرة :
– عايز ترجع تشتغل في المجموعة تاني يا وجيه ! ده انا اول حاجة عملتها لما ضميت المجموعة لشركتي هي اني اديت اوامر بفصلك ، جاي بقي دلوقتي تطلب مني ارجعك تاني ؟!!
-بس انا خدمتك يا عاصم بيه ، نفذت اوامرك بالحرف ، عملت كل ده عشانك آا ..
– لأ مش عشاني.
قاطعه ” عاصم ” في حزم صارم ، ثم تابع بجمود :
– انت عملت كل ده عشان العشرة مليون جنيه اللي عرضتهم عليك و قبلتهم.
ثم أضاف في هدوء :
– اللي خلاك تخون الراجل اللي عيشت طول عمرك بتخدمه ممكن جدا يخليك تخوني او تبيعني لو وثقت فيك و قبلت ارجعك الشركة تاني .. عشان كده يا وجيه طلبك مرفوض ، و زي ما قلتلك قبل كده ، ما تحاولش تتصل بيا او تقرب مني تاني ، اتمني يكون كلامي واضح لاني مش مستعد اعيده تاني بالكلام.
ثم هب واقفا ، و قال في برود و هو ينظر إليه بإستعلاء ؛
– شرفت يا وجيه.
سمعه ” عاصم ” يسعل في إرتباك ، بينما نهض ” وجيه ” من مجلسه ، ثم رمق ” عاصم ” بنظرة متوترة مطولة ، و رحل أخيراً مطرقاً رأسه و هو يجر في أعقابه أذيال الخيبة و التخاذل ….

***************

بعد جلستها المليئة بالصدمات العنيفة مع محامي والدها ، صعدت إلي غرفتها و هي لا تصدق أنها ستغادر منزلها في الحال مُجبرة كي يستولى عليه شخص أخر !
كانت تفكر منذ رحيل السيد ” شركس ” ، أنها حتما لن تترك الأمور تمضي بسهولة هكذا ، أو تمر مرور الكرام ، يجب أن تعلم السر وراء كل هذا ، يجب أن تعرف الأسباب التي دفعت والدها إلي القيام بتلك التصرفات ، فإذا تحقق مآربها هذا ، ستكشف سر إنتحار والدها ، و لكن كيف السبيل إلي معرفة كل ذلك ؟ كيف ؟
صعدت ” هانيا ” الدرج المؤدي للطابق العلوي الخاص بالغرف منهكة كأنها تختم يومها ، رغم أن الوقت لا يزال في الصباح ، و بينما كانت تدير مقبض باب غرفتها و دموع اليأس علي وجنتيها ، فاجأتها السيدة ” قوت القلوب ” بقدومها ، ثم إندفعت تقول في قلق بعد أن لاحظت حالتها المزرية :
– هانيا .. مالك يا حبيبتي ؟؟
إنتفضت ” هانيا ” منتبهة علي أثر صوت مدبرة المنزل السيدة ” قوت القلوب ” التي إلتحقت بالعمل في منزل عائلة ” مصطفي علام ” منذ كانت الإبنة بالمهد طفلة ، بينما رفعت ” هانيا ” يدها و كفكفت دموعها في سرعة قبل أن تلحظها ” قوت القلوب ” ثم أجابتها بصوت أبح :
– مافيش حاجة يا داده.
رمقتها الأخيرة في تشكك قائلة :
– مافيش حاجة ازاي يا بنتي ! هو انا مش عارفاكي ؟ انتي كنتي بتعيطي يا حبيبتي ؟؟
لم تجبها ” هانيا ” بل دفعت باب غرفتها و دلفت متجهة صوب خزانة ملابسها و فتحتها ، ثم أخيراً قالت لها بلجهة متماسكة :
– من فضلك يا داده قوت انزلي ادي خبر لكل الناس اللي هنا اني هسيب الفيلا و مش هرجع تاني ، قوليلهم لازم هما كمان يمشوا قبل الليل و انا هبقي ابعت لكل واحد فيهم بقيت حسابه بس يسيبوا عناوينهم.
علت الصدمة وجه ” قوت القلوب ” و هي تهتف غير مصدقة :
– انتي بتقولي ايه يا بنتي ؟ معقول هتمشي و تسيبي بيتك ؟ طب هتروحي فين ؟؟
تنهدت ” هانيا ” بثقل و هي تجذب حقيبة ملابسها الكبيرة من أسفل مرقدها ، ثم راحت تقول في هدوء :
– لحد دلوقتي يا داده لسا مش عارفة هاروح فين !!
– انا مش فاهمة حاجة خالص ! فهميني يا بنتي ايه الحكاية ؟؟
بقيت ” هانيا ” صامتة لفترة ، ثم عضت علي شفتها السفلي بقوة و هزت رأسها في محاولة لمنع دموعها من الإنسياب من مآقيها ، ثم راحت تفضي بالحقيقة كاملة لتلك المرأة الواقفة أمامها ..
أُصيبت ” قوت القلوب ” بصدمة عارمة لدي إنتهاء ” هانيا ” من سرد كافة التفاصيل عليها ، ثم راحت تردد عبارات مستنكرة :
– ايه اللي انا سمعته ده ؟ معقول ! معقول مصطفي بيه الله يرحمه يعمل كده ؟ لا لا مش ممكن انا مش مصدقة ابدا !!
لوت ” هانيا ” فمها في سخرية مريرة ، ثم قالت :
– للاسف الاوراق اللي شفتها بعيني سليمة يا داده ، بابا اتنازل عن كل املاكنا لواحد انا عمري ما سمعت بيه و لا عمر بابا جابلي سيرة عنه.
– طب ايه العمل دلوقتي يا بنتي ؟ هتعملي ايه ؟؟
– مش عارفة يا داداه .. بجد مش عارفة !!
– طب ما تروحي لتوفيق بيه.
صاحت ” قوت القلوب ” بحماسة عفوية ، ثم تابعت :
– ده بردو يبقي عمك و اكيد هيساعدك.
أبدت ” هانيا ” رفضها القاطع بقولها :
– لا لا مستحيل ، لا يمكن ألجأ لبيت عمي أبدا مراته و ولاده مايتعشروش مانتي عارفة يا داده.
– ما انا بردو لازم اطمن عليكي و ابقي عارفة فين اراضيكي ، اقولك تعالي معايا ، تعالي اقعدي معايا في البيت ، البت هنا هتفرح بيكي اوي اه و الله.
إبتسمت ” هانيا ” في لطف قائلة :
– شكرا يا داده علي اهتمامك ، لكن انا هقدر اعتمد علي نفسي ماتقلقيش عليا.
– مش هاسيييبك ، هتيجي تعيشي معايا يعني هتيجي تعيشي معايا.
قالتها ” قوت القلوب ” بتصميم لا يقبل النقاش ، بينما لم تجد ” هانيا ” مفر من رغبة السيدة و تصميمها ، فقبلت عرضها ، إذ لم يكن هناك بديل أخر ، فبيت المربية خاصتها هو المأوى الوحيد حاليا بالنسبة لها ..
و بعد ما تركتها السيدة ” قوت القلوب ” و ذهبت لتخبر باقي أفراد الخدم بأمر الإخلاء ، حملت ” هانيا ” حقيبتها فوق الفراش و راحت تجمع ملابسها و جميع أغراضها و تضعهم فيها كيفما إتفق ..
إنتهت بعد عشر دقائق من إغلاق الحقيبة و وضعتها بجوار الباب ، ثم جلست فوق الفراش تستند إليه بكفيها و هي تفكر بصوتٍ عالٍ :
– مش هروح اعيش عند عمي توفيق ده شئ مفروغ منه ، لكن لازم اروح ابلغه بالكوارث اللي وقعت فيها ، جايز يقدر يساعدني ……………… !!!!!!!!!!!!!!!!

الحلقة ( 2 ) – دروب متعرجة – :

عند إنتصاف النهار ..

خطي ” توفيق علام ” بقدمه علي أرض حي ( الغورية ) العتيق ، ثم راح يسير ببطء و عيناه تجولان علي جدران المنازل ، يبحث عن رقم منزل صديقه القديم الذي إنقطعت صلته به منذ أكثر من خمسة عشر عاماً ، و لكن عبثاً ، فقد تآكلت معظم اللوائح النحاسية المُعلقة علي أبواب المنازل بفعل الصدأ أثر مرور السنين ..
تأفف ” توفيق ” في ضيق و لم يجد بديلاً عن ذلك سوي أن يذهب و يسأل أحد القاطنين بالحي عن صديقه ، و بالفعل إتجه صوب مقهي قديمة الطراز ، و بينما كان يمر بين الزبائن شاب في أواسط العشرينات ، مد ” توفيق ” يده و أمسك بذراعه في لطف يستوقفه ، فتطلع إليه الأخير بريبة و هو ينقل عينيه بين وجه السيد الغريب و ذراعه النحيل بقبضته ..
إبتسم ” توفيق ” بخفة ، ثم ترك ذراعه و سأله بنبرة هادئة :
– قولي يابني لو سمحت ، فين بيت رقم 9 ؟؟
– بيت رقم 9 !!
ردد الشاب في وجوم إستنكاري ، بينما أومأ ” توفيق ” رأسه قائلا :
– ايوه ، بيت رقم 9 اللي ساكن فيه الاستاذ رشدي هلباوي.
عند ذلك ، صاح الشاب بحماسة عفوية :
– اااه ، قصدك عم رشدي مجالات ؟؟
عبس ” توفيق ” مستغرباً و عاد يقول :
– ايه !رشدي مجالات ايه بس يابني بقولك اسمه رشدي هلبا ..
قاطعه الشاب مسرعاً :
– هو عم رشدي مجالات ، مافيش هنا في المنطقة كلها الا رشدي واحد بس ، عم رشدي مجالات و اهو قاعد هناك اهو.
أشار له نحو طاولة في الوسط داخل المقهي ، ثم صاح عالياً :
– عم رشدي !
– في ايه ياض يا شبورة ؟؟
صدر السؤال عن رجل جلس مولياً ظهره للشاب الذي تابع قائلا و هو يتفحص ” توفيق ” بعينيه من أعلي إلي أسفل :
– في واحد بيه بيسأل عليك.
ثم مضي يلبي طلبات الزبائن ، بينما نهض السيد “رشدي ” متسائلا :
– يا تري مين البيه ده اللي جاي لحد الغورية مخصوص عشان يسأل عن رشدي مجالات ؟؟
ثم إلتفت إلي “توفيق ” أخيراً ، كان رجلاً من الصعب تحديد عمره ، فبنيانه بنيان شاب نحيل ، و رشيق أكثر قوة مما تكشف عنه حركاته المتراخية ، شعره أسود متموج خطه الشيب فوق أذنيه ، كما كان وجهه دقيق أيضاً و لكن هناك خطوطاً ظهرت حول عينيه أكدت حقيقة عمره الذي تجاوز الثانية و الخمسين منذ أشهر مثل “توفيق ” الذي كان لا يزال واقفاً بمكانه يتأمل الشخص الذي أقبل عليه ببطء و هو ينظر إليه مضيقاً عينيه ، بينما سيكارته البيضاء الرفيعة تميل علي حافة فمه الواسع الصارم ، و عندما وقف أمامه مباشرة ، رمقه مقطباً لبضع لحظات ، ثم صاح فجأة بإبتسامة واسعة :
– مش ممكن ! توفيق علام ؟!
– رشدي هلباوي.
هتف ” توفيق ” باسماً بدوره ، ثم راحا يتعانقان بقوة ، حتي إبتعد ” رشدي ” أولاً و قال و قد إنفرجت أساريره :
– يااااه يا توفيق ، و الله زمان يا صاحبي ، يا تري ايه اللي فكرك بيا ؟؟
كاد ” توفيق ” يتكلم فباغته الأخير بسرعة :
– تعالي نقعد نشرب حاجة الاول.
ثم قاده إلي أقرب طاولة و أجلسه ثم جلس قبالته ، و بعد أن طلب الشاي لكليهما ، إدار وجهه الباسم إليه قائلا :
– تصدق انا كنت فاكرك نسيتني يا توفيق ، بعد ما ربنا فتحها عليك قلت خلاص بقي ، راحت عليها الصداقة القديمة ، اللي بينا ، ماكنتش متخيل اني هشوفك تاني بعد كل السنين اللي فاتت دي !!
أجفل ” توفيق ” في خجل قائلا :
– انا اسف يا رشدي ، انا فعلا اهملت صداقتنا اللي دامت من ايام المدرسة ، لكن صدقني انا من يوم ما خلفت و ولادي واخدين كل وقتي.
– الا بالحق صحيح ، ولادك عاملين ايه ؟ هما كانوا بنت و ولد علي حسب ما انا فاكر صح ؟؟
أومأ ” توفيق ” رأسه باسماً و أجابه :
– ايوه يا سيدي ولد و بنت ، مروان الكبير و رضوي الصغيرة.
– ربنا يخليهملك و يباركلك فيهم.
إبتسم “توفيق ” في سخرية مريرة و قال :
– ربنا يوفقهم في حياتهم بقي ، انا خلاص بقيت مجرد اسم في شهادات ميلادهم و بطايقهم.
قطب ” رشدي ” حاجبيه مستغرباً ، ثم سأله :
– ايه اللي بتقوله ده يا توفيق ؟ ليه بتقول كده ؟؟
تنهد “توفيق ” بثقل ، و نظر إليه صامتاً لبرهة ، ثم قال بلهجة مفعمة بالآسي :
– هحكيلك يا رشدي.

***************
– ابوك لم هدومه و ساب البيت ، و ده كله بسبب عمايلك السودا.
هتفت ” دينار ” بحدة بالغة توبخ إبنها الذي وقف أمامها بغرفة نومها واضعاً كلتا يديه في جيبيه و علامات الضجر تعلو قسمات وجهه .. :
– حد قاله يمشي ؟؟
سألها متأففاً ، ثم أردف في هدوء :
– انا ماليش دعوة باللي حصل ده ، هو مشي من نفسه بمزاجه ، هو حر بقي.
تصاعدت الدماء إلي وجه ” دينار ” في تلك اللحظة ، فصرخت به في عنف :
– اخرس يا سافل يا قليل الادب ، مش عايزة اسمع صوتك ، خلاص كبرت و بقيت راجل ؟ شميت نفسك و اول واحد هتشد حيلك عليه ابوك يا مروان ؟ انما ارجع و اقول انا السبب في كل ده ، انا اللي وصلتك للنقطة دي ، انا اللي خليتك تقف قصاد ابوك في المحاكم و تحجر عليه.
عند ذلك ، زال برود “مروان ” و هتف بشئ من الغضب :
– ونبي يا ماما الله يكرمك ، بلاش الافورة دي كلها .. انتي سكتي علي كل اللي انا عملته ده عشان عارفة كويس عمايلي دي كانت لصالح مين .. و لا كنتي عايزاني اسيب املاكنا و فلوسنا تتبعتر يمين و شمال علي مصطفي بيه و بنته ؟!!
هتف أخر كلماته محتداً ، ثم أضاف مزمجراً :
– ما كل حاجة كانت قدامك ! مش كان عايز يغرف من فلوسنا و يدي اخوه ؟؟
هزت ” دينار ” رأسها مضطربة ، ثم قالت تعزز موقف زوجها و قد تلعثمت الكلمات علي شفتيها :
– ابوك ماكنش هيبعتر الفلوس و لا حاجة ، هو كان عايز يساعد اخوه في ازمته مش اكتر.
إبتسم ” مروان ” في تهكم قائلا :
– يساعده ببيع 45 % من اسهم شركتنا بالحب كده هاه !
ثم صمت لثوان ، و صاح منفعلاً :
– كان عايز يبعله نص الشركة تقريباً ، و كنتي عايزاني اسكت !!
أجابته ” دينار ” بعصبية :
– خلاص عمك مات الله يرحمه و الموضوع انتهى.
ثم أضافت بشئ من الهدوء :
– كلم ابوك و صالحه و قوله انك هترجع كل حاجة زي ماكنت.
هز ” مروان ” رأسه رافضاً ، ثم قال بحزم :
– لأ يا ماما .. مافيش حاجة هترجع زي ما كانت ، التركة كلها خلاص اتقسمت عليا انا و انتي و رضوي ، مافيش حاجة هتتغير و انا مش هتنازل عن جنيه واحد.
حدجته ” دينار ” بغضب متقد ، ثم صرخت بهستريا :
– انت ماتربتش ، انا حقيقي ماعرفتش اربيك ، ماعرفتش اربيك !!
إنفتح باب الغرفة في تلك اللحظة ، و دلفت فتاة في منتصف عشريناتها ، ذات شعر أسود طويل متموج ، و عينين واسعتين بين أهداب كثيفة بنفس لون شعرها ، لم تكن تفضل ميل غيرها من الفتيات للنحالة ، لذا كان جسدها ممتلئ برشاقة ، و هذا ما أظهرته ثيابها الضيقة ..
بينما تقدمت نحو منتصف الغرفة ، حيث كان ” مروان ” يقف بوجه مكفهر في مواجهة أمه الثائرة المنفعلة ، ثم هتفت متسائلة :
– في ايه يا جماعة ؟ مالكوا ؟ صوتكوا عالي كده ليه ؟ في ايه يا مروان ؟؟
أدار ” مروان ” رأسه إلي شقيقته و أجابها بخشونة :
-اسألي دينار هانم.
ثم إنصرف إلي الخارج بخطي واسعة غاضبة ، بينما صوبت ” رضوي ” ناظريها إلي والدتها ، ثم عادت تتساءل :
– في ايه يا ماما ؟؟
– اخرسي انتي كمان.
هتفت ” دينار ” صارخة ، ثم أضافت :
– انا مش ام حد ، خلاص انا كمان مابقاليش لازمة في حياتكوا زي ابوكوا بالظبط.
عند ذلك ، أومأت ” رضوي ” رأسها مهمهمة ، ثم تنهدت بعمق و قالت في هدوء :
– طيب اهدي من فضلك يا ماما .. انا عارفة انك زعلانة علي بابا و عارفة ان الوضع اللي حطيناه فيه صعب و مهين.
ثم هزت كتفيها بأسف و أضافت :
– بس للأسف ماكنش قدامنا اختيار تاني ، هو كان مصمم علي رأيه ، و لو ماكنش مروان لحق يتصرف بسرعة كانت فلوسنا و املاكنا كلها هتضيع ، تصرف بابا ماكنش منطقي و لا عقلاني عشان كده المحكمة حكمتلنا بمنتهي السرعة و السهولة.
أقرت ” دينار ” و الآسي يملأ قلبها بصدق أقوال أبنائها ، و لكن في الوقت ذاته رفضت أن تحذو حذوهما ، فصاحت بإبنتها في حدة باكية :
– اعملوا اللي يعجبكوا ، اتحكموا فيا انا و ابوكوا براحتكوا ، علي رأي توفيق ، الآية انقلبت.
ثم أسرعت إلي الخارج يتآكلها الغضب ، بينما هزت ” رضوي ” رأسها حائرة …

***************

– لا حول و لا قوة الا بالله ! معقول !!
صاح ” رشدي ” بذلك مشدوهاً ، ثم تابع :
– معقول العيال بعد ما كبرتهم و علمتهم و شقيت عشان تبنيلهم مستقبلهم ، اخرتها يعملوا فيك كده ؟ و عشان ايه ؟ عشان كنت عايز تساعد اخوك و تقف جنبه في محنته !!
إحتشدت الدموع بمقلتي “توفيق ” و هو ينظر إلي ” رشدي ” في خزي قائلا بصوت متهدج إنفعالاً :
– سألت نفسي كل الاسئلة دي يا رشدي ، مالقتش اجابة تريحني ، كأن راجل غيري هو اللي رباهم ، كأن راجل غيري كافح و شقي طول السنين دي عشانهم.
عبس ” رشدي ” قائلا بصوته العميق :
– جري ايه يا توفيق ؟ بتدمع و لا ايه ؟ لا اجمد كده و خليك شديد و ارمي ورا ضهرك مسيرهم يرجعولك و يستسمحوك كمان.
بمرارة تقطرت من صوته قال :
– يرجعولي ! بقولك ورثوني بالحيا و بقي معاهم ملايين.
ثم أردف بآسي :
– انا دلوقتي بقيت ميت في نظرهم يا رشدي.
ضغط ” رشدي ” علي شفتيه في تأثر آسف ، ثم مد يده عبر الطاولة الصغيرة و ربت علي كتف صديقه قائلا :
– و لا يهمك يا توفيق ، هما العيال كده ، لما بيكبروا بيحبوا يخرجوا عن طوع اهاليهم ، طيش ، طيش يا توفيق.
أومأ ” توفيق ” رأسه متنهداً ، ثم عاد ينظر إلي “رشدي ” قائلا في إستحياء :
– انا كنت قصدك في طلب يا رشدي.
– يسلام ! طلبين يا توفيق مش طلب واحد اؤمر ؟؟
كم وجد صعوبة في صياغة كلماته قبل أن يقولها ، لكنه إنطلق يقول بصوت مرتج قليلاً :
– كنت عايزك تشوفلي اي حتة هنا اقعد فيها ، انا زي ما قلتلك سيبت البيت و ..
– طب بس ماتكملش.
قاطعه ” رشدي ” واجماً ، ثم تابع مقرراً :
– انت هتيجي تقعد عندي في الشقة ، مين قالك اصلا اني كنت هسيبك تمشي من هنا و انت في الظروف دي !!
أهداه ” توفيق ” إبتسامة خفيفة ، ثم قال في تردد :
– متشكر يا رشدي ، بس انا مش عايز اكون ضيف تقيل علي المدام و الاولاد.
– مدام و اولاد !!
هتف ” رشدي ” باسماً في سخرية ، ثم إنفجر ضاحكاً و قال :
– مدام و اولاد ايه بس يا عم توفيق قول يا باسط.
– انت لسا ماتجوزتش يا رشدي ؟ معقول ؟؟
عاد ” رشدي “بجسده يستند إلي ظهر مقعده ، ثم تنهد قائلا :
– ماتجوزتش يا توفيق ، بس في واحدة ايه .. معششة في قلبي ، و مخيشة في نافوخي.
– طب ماتتجوزها يا اخي !!
هتف ” توفيق ” متعجباً ، بينما زم ” رشدي ” شفتيه آسفاً و قال :
– يا ريت ، بس ماينفعش.
– ليه كده ؟؟
لمعت عيناه خبثا ، ثم أجابه بإبتسامة واسعة :
– اصلها متجوزة.
– يخربيتك يا رشدي ! عامل علاقة مع واحدة متجوزة ؟!!
– ايه يا جدع ماتفهمنيش غلط ، انا علي علاقة بيها اه لكن عمري ما عملت معاها حاجة في الحرام ، انا بردو رشدي مجالات كبير الحتة و ليا سمعتي.
– اه صحيح !
صاح ” توفيق ” متذكراً ذلك اللقب الغريب ، ثم سأله :
– ايه حكاية رشدي مجالات دي ؟ الواد صبي القهوة لما سألته عن رشدي هلباوي اصر انه رشدي مجالات مش هلباوي ! ايه حكاية مجالات دي ؟؟
قهقه ” رشدي ” بمرح ثم أجابه :
– دي حكاية طويلة ، هبقي احكيهالك بعدين.
و فجأة سمعا صوت نزاع حاد آت من منتصف ( الحارة) فهب ” رشدي ” واقفاً علي قدميه ، ثم إتجه نحو التجمهر يتبعه ” توفيق ” بينما علي الطرف الأخر ، صاحت بصوت مجلجل تلك المرأة الأربعينية ذات القوام الشرقي الجذاب :
– هي الخمسة جنيه مافيش غيرها و لو مش عاجبك خلي عنك خالص.
بينما باغتها بوقاحة ذلك الشاب الأسمر الهزيل قائلا :
– صدقي انتي ولية ماعندكيش دم ، بقي جايبك من المشوار ده كله رايح جاي و تديني خمسة جنيه ! ليه ؟ هو التوكتوك فلوسه حرام و لا ايه ؟ طب عليا النعمة ما انا متعتع من هنا الا اما اخد في ايدي عشرة جنيه فوق الخمسة دي.
– بس يابني انت ، ايه مالك في ايه ؟؟
قالها ” رشدي ” بصوته العميق و هو يحول فيما بينهما ، بينما إلتفت إليه الشاب ذا الأسنان الصدأة قائلا بتبجح :
– الولية ام لسان ذفر دي جايبها من اخر بلاد المسلمين رايح جاي و في الاخر بتديني خمسة جنيه !!
– احترم نفسك ياض انت لأقل ادبي عليك بجد.
هتفت السيدة في حدة بالغة و قد تضرج وجهها بحمرة الغضب ، بينما تدخل ” رشدي ” في هدوء حازم قائلا :
– خلاص يا ست دلال ، اسكتي انتي لو سمحتي.
ثم توجه بالحديث إلي الشاب :
– و انت يابني ، خدت الست منين و وديتها فين بالظبط ؟؟
– خدتها من هنا يا بشمهندس و بعدين وديتها الضراسة ، و من الضراسة رجعتها هنا بردو.
– بس الضراسة مش بعيدة اوي يعني.
قالها ” رشدي ” متململاً ، ثم تنهد بثقل و سأله :
– ما علينا ، انت عايز كام يعني ؟؟
– عشرة جنيه.
أجابه مسرعاً ، فدس ” رشدي ” يده بجيب سرواله دون كلام و أخرج ورقة نقدية بعشرة جنيهات ، ثم أعطاها للشاب قائلا :
– خد يا سيدي.
تهلل وجه الشاب و هو يطوي النقود بيده ، ثم يضعها داخل جيبه ، بينما صاحت السيدة ” دلال ” معترضة بشئ من الخجل :
– انت بتعمل ايه بس يا سي رشدي مايصحش كده.
ثم أضافت و قد إحتدت نبرة صوتها :
– هو خد حقه علي داير مليم ، انما تقول ايه في الطمع و قلة التقوي !
– خلاص بقي يا ست دلال ، و انت يابني يلا اتكل علي الله و بعد كده ابقي اتعلم ازاي تتكلم بإحترام مع الناس.
شدد ” رشدي ” علي أخر كلماته و هر يربت علي كتفه بقوة ، فيما أومأ الأخير رأسه إيجاباً ثم رحل في هدوء و هو يرمق ” دلال ” شذراً ، بينما توجهت ” دلال ” صوب ” رشدي ” علي إستحياء باسمة ، ثم تطلعت إليه قائلة :
– انا مش عارفة اقولك ايه يا سي رشدي !
أهداها ” رشدي ” إبتسامة عذبة بدوره و قال :
– ماتقوليش حاجة يا ست دلال ، انا ماعملتش حاجة كبيرة يعني.
– عموماً ماتقلقش انا هردلك فلوسك ، قبل المغرب بأمر الله هيكونوا عندك.
قست ملامحه و هو يؤنبها :
– عيب كده يا ست دلال ، انتي كده بتشتميني.
فشهقت ” دلال ” قائلة :
– معاذ الله ياخويا ونبي ماقصدش انا بس آا ..
– خلاص يا ستي قولنا مافيش حاجة.
قالها بصرامة منهياً للمجادلة ، فإبتسمت هي برقة ، ثم حولت بصرها نحو ” توفيق ” الواقف إلي جوار ” رشدي ” يتابع ما يجري من حوله في صمت ، بينما راحت تتآمله لبرهة ..
لم يكن وسيماً ، و لكنه بالتأكيد كان جذاباً بنظرها ، فجذبيته تكمن بتلك الهالة العجيبة التي أحاطته ، إنه هادئ للغاية ، شديد الملاحظة ، بدا لها ساحر و لطيف ، كما أنه كان أنيقاً أيضاً و هو داخل بذلته الداكنة و جزمته اللامعة .. :
– ده الاستاذ توفيق علام ، صاحبي يا ست دلال.
قالها ” رشدي ” عابساً عندما لاحظ نظرتها المتفحصة لصديقه ، بينما إستطاعت أن ترسم إبتسامة مرتعشة علي شفتيها ، ثم ألقت عليه التحية بصوت أبح :
– اهلا يا استاذ .. الغورية منورة.
بادلها ” توفيق ” بإبتسامة ودودة ، ثم قال :
-اهلا بيكي يا مدام ، متشكر اوي لذوقك.
– العفو.
قالتها برقة متناهية و هي ترمقه في إعجاب بالغ و قد تلألأت مقلتيها ببريق لامع …

***************

في منزل أخر ، أكثر تواضعاً عن سوابقه ..
وقفت فتاة بمنتصف حجرة الجلوس الصغيرة تنظر حولها برضا ، ثم قالت و البسمة تعلو شفتيها الورديتين :
– و نضفتها اخيرا ، باقي اوضة ماما بقي.
ثم فجأة سمعت صوت جرس المنزل يدق ، فذهبت و فتحت الباب ، لتصطدم بأمها و بفتاة تقف خلفها مباشرة .. :
– ازيك يا هنا ؟؟
حيتها أمها السيدة ” قوت القلوب ” ببشاشة ، ثم أضافت حين لاحظت جمود إبنتها :
– معايا ضيفة.
ثم إلتفتت خلفها قائلة :
– ادخلي يا هانيا ، ادخلي يا حبيبتي البيت بيتك.
تراجعت ” هنا ” إلي الخلف بآلية حين رأت حقائب ملابس كبيرة رابضة أمام باب الشقة ، بينما أمسكت السيدة ” قوت القلوب ” برسغها قائلة :
– تعالي يا هنا عايزاكي في كلمتين.
ثم نظرت إلي “هانيا ” و قالت معتذرة :
– البيت بيتك يا حبيبتي خدي راحتك و انا مش هتأخر عليكي.
أهدتها ” هانيا ” إبتسامة بسيطة مترددة ، فقد إنتابها شعور خفي بأن وجودها بهذا البيت غير مرحب به من قِبل أحد سكانه ..
و لكنها خطت إلي داخل المنزل و هي تتفحصه بإهتمام و دقة ، كان السقف منخفضاً جداً مقارنة بسقف منزلها العال ، و الجدران مطلية بلون أبيض إستحال إلي الأصفر لفرط قِدمه ، كما كان الأثاث عتيق مهترئ ..
وقفت ” هانيا ” تتأمل ذلك المنزل ملياً و فكرت .. هل ستتحمل العيش هنا ؟ هل ستعتاد تلك الحياة الخشنة الجلفة ؟ و هي ربيبة القصور المدللة !!
أدركت أن ما بيدها حيلة ، و أن عليها تحمل هذا الوضع ريثما تجد حلاً و تفتش وراء هذا الرجل الذي قلب حياتها رأساً علي عقب في ليلة و ضحاها ..

***************

علي الطرف الأخر ..
ما أن إنتهت ” قوت القلوب ” من شرح الأمر إلي إبنتها حتي صاحت ” هنا ” حانقة :
– ليه يا ماما تعملي كده ؟ هي الحكاية ناقصها يعني ! و بعدين انتي كنتي خلفتيها و نسيتيها ؟ هي مالهاش اهل ؟؟
– وطي صوتك يا بت.
همست ” قوت القلوب ” بحدة ، ثم تابعت :
– اسمعي يا هنا ، انا اعمل اللي انا عايزاه و اتصرف بالطريقة اللي تعجبني ، هانيا هتعيش معانا من انهاردة معززة مكرمة.
ثم أضافت محذرة :
– و لو شفتك عاملتيها وحش او بطريقة مش اللي هي انتي حرة ، هبعتك لعمتك تعرف تربيكي هي بقي طالما انا مش قادرة عليكي.
جن جنون “هنا ” في تلك اللحظة بعد أن إستمعت لتهديد أمها ، فصاحت بغضب جامح :
– ايه اللي انتي بتقوليه ده ؟ يعني ايه تبعتيني لعمتي ! ده بيت ابويا الله يرحمه يعني بيتي.
– يبقي تسمعي كلامي و ماتوجعيش قلبي لو مش عايزاني ادخل عمتك في الموضوع و انتي عارفاها اكتر مني بقي.
نجحت السيدة ” قوت القلوب ” في زعزعت عزيمة إبنتها ، فتلك السيدة التي تدعي عمتها هي عجوز شمطاء سليطة اللسان ، قاسية الفؤاد و لا أحد يستطيع مجابهتها أبداً ، لذا إستسلمت ” هنا ” لإرادة والدتها مرغمة …

***************

أرخي الليل سدوله فوق قصر ” عاصم الصباغ ” ..
و بينما كان يجلس “عاصم ” بحجرة الجلوس فوق كرسي وثير إلي جانب مدفأة موقدة بالنيران ، دلف إليه ” زين ” بخطي واسعة ، ثم توجه نحوه و حياه قائلا :
– مساء الخير يا عاصم !
تجاهل “عاصم ” تحيته ، و باغته في جمود متسائلا :
– وصلت لشهاب ؟؟
خلع “زين ” معطفه الأسود ، و ألقاه فوق الأريكة إلي جواره ، ثم جلس بمقعد قبالة “عاصم ” و أجابه في هدوء :
– ايوه .. الرجالة اللي بعتهم يدوروا عليه لقيوه و زمانهم راجعين بيه في السكة.
– لقيوه فين ؟؟
– عند عيال ضاريبة في اكتوبر مشهورين اوي في ساحة الضرب.
ثم أضاف متململاً في جلسته :
– اتضح ان اخوك هرب من المصحة بمساعدة واحد زميله بقاله اربع سنين في المصحة يخف و بعدين يتنكس و يرجع.
تقلص وجه ” عاصم ” بغضب ناري إمتد إلي عينيه البندقيتين اللون ، فيما إنثنت أصابعه و كأنه يود لو يعتصر عنق شقيقه في تلك اللحظة ، بينما أضاف ” زين ” متردداً :
– و مش كده و بس .. لما روحت انهاردة المصحة بنفسي ، قابلت ممرض قالي ان شهاب من يوم ما دخل ماتحسنش إنش واحد ، و قالي لما الدكاترة راقبوا حالته كويس اكتشفوا انه لسا بيتعاطي البودرة و الكوكايين.
عند ذلك ، هب ” عاصم ” واقفاً ، ثم إنطلق كالسهم يقول بعنف :
– ازاي ده ! ده انا هوديهم في ستين داهية ، هقفلهم المصحة دي كلها ، هطربقها فوق دماغتهم ، هو انا كنت موديه هناك عشان يتعالج و لا عشان يكمل ضرب ؟!!
إنتصب ” زين ” واقفاً علي قدميه بدوره ، ثم إقترب من ” عاصم ” و قال يهدئه :
– اهدا يا عاصم ، الحاجات دي كانت بتدخل متهربة اكيد الدكاترة مايعرفوش بوحود حاجة زي دي !
– و لو ، دي مصحة لعلاج الادمان مش وقر للضرب ، و ديني لأوديهم كلهم ورا الشمس.
و في تلك اللحظة دق جرس المنزل ، بينما كان ” عاصم ” مركز بصره تجاه باب حجرة الجلوس العريض ، حتي دلف قائد طاقم الحرس الخاص بالقصر يتبعانه رجلان ضخمان يمسكان بذراعي ” شهاب ” من الجانبين ، فيما لم يتوقف الأخير عن مقاومتهما و محاولة التملص منهما و هو يصرخ بهم في إنفعال أن يتركوه دون جدوي ، بينما كان ” عاصم ” يتابع الموقف بنظر حاد و في صمت هادئ يتناقض مع تلك النيران المتآججة بصدره ..
و عندما أصبح أخيه يقف علي مقربة منه ، راح يتآمله ملياً ، كان يرتدي ثياباً رثة ، شعره أشعث و يبدو عليه التعب و الضياع ، كما أنه فقد الكثير من وزنه ، إضافة إلي تلك الظلال السوداء العميقة تحت عينيه الذابلتين الحمراوين ، و ذلك الإصفرار الذي صبغ طبقة جلده بأكملها ..
تطلع ” شهاب ” إلي شقيقه مرتاباً و هو يحاول أن يتظاهر بالبرود قدر إستطاعته ، بينما تصاعدت الدماء إلي وجه ” عاصم “المشوه و كأن مرآي أخيه علي تلك الحالة أفلت فيه عقال الغضب ، فإقترب منه بخطوة واحدة ، ثم أمسك بتلابيب قميصه الرث ، و جذبه بعنف صائحا :
– هربت من المستشفي عشان ترجع للقرف اللي كنت فيه ؟ يا شمام يا سرنجاتي ، عايز تموت نفسك ؟ طب قولي و انا اموتك بإيدي احسن و اسهل ، لما اضربك بالنار زي الكلب و محدش هيدري بيك هيبقي احسن.
عند ذلك ، إندفع ” زين ” نحو الشقيقان و قبض علي ذراعي ” عاصم ” حتي نجح في إبعاده عن “شهاب ” ، بينما صرخ ” عاصم ” في غضب حارق :
– اوعي يا زين ، اوعي بقولك ماتدخلش انت.
فيما أطبق ” شهاب ” فمه بتحد ، و إلتزم الصمت ناظراً لأخيه في تمرد ، فقال ” عاصم ” بصوت قاس و كأن الغضب يسحق الكلمات بين أسنانه :
– ه‘ديك مصحة تانية يا كلب ، و هحط علي باب اوضتك اللي يعرفوا مايخلوش الدبانة تدخلك.
في تلك اللحظة ، إنهار غلاف الثلج الذي غلف ” شهاب ” به نفسه ، ثم نطق أخيراً ، إذ قال واهناً بلهجة مختلجة :
– لأ .. لأ يا عاصم بلاش ، مش عليز ارجع المصحة تاني ، اعمل فيا اللي انت عايزه بس ماتودنيش هناك تاني ، انا مابنزلش من الديتوكس ، انا بموت هناك بالطئ.
و لما تكلم ” عاصم ” وقع صوته في أذن شقيقه بارداً مليئاً بالتهكم :
– يا راجل ! ده انت كنت عايش هناك باشا ، كنت بتضرب براحتك و مقضيها.
ثم تحولت نبرة صوته إذ قال بحدة :
– بس خلاص بقي ، انا هعرف شغلي معاك ، مش عايز ترجع المصحة ؟ تمام ، هخليك هنا و هعالجك بطريقتي يا شهاب.

***************

– ادخل !
هتفت ” رضوي ” بنعومة آذنة بالدخول لمن طرق بابها تواً ، بينما دلفت إليها إحدي الخادمات حاملة بين يديها علبة بيضاء كبيرة ، ثم خطت نحوها قائلة بخفوت :
– الطرد ده جه لحضرتك يا مدام رضوي ، لسا مستلماه حالا.
قطبت ” رضوي ” حاجبيها مستغربة ، و لكنها تناولت العلبة منها ، ثم أصرفتها ..
و إنتظرت حتي خرجت ، ثم شرعت في فتح العلبة البيضاء ذات الشرائط الزرقاء ……………………. !!!!!!!!!!!!!!!!!!

 

رواية / وتبسمت ذات النقاب
بقلم/ قمر فتحتي

.
الحلقة ( 3 ) – ربيبة القصور .. تسكن الأزقة – :

في صباح اليوم التالي ..
إستيقظت ” هانيا ” من نومها القلق باكراً ، ثم إنتصبت نصف جالسة علي الفراش الصغير ذا الليونة القاسية و هي تشعر بوخز آليم بعمود ظهرها الفقري نتيجة لنومها بفراش غير مريح إطلاقاً ، مقارنة بفراشها العريض الوثير ذا الوسائد و الألحفة الناعمة ..
تركت ” هانيا ” الفراش متأوهة لشعورها بآلم متفرقة بجميع أنحاء جسدها ، ثم إتجهت نحو نافذة الحجرة و مدت يديها و فتحتها علي مصراعيها ، فغمر ضوء الشمس الحجرة الصغيرة ذات الأثاث القديم المتآكل ، بينما راحت ” هانيا ” تتآمل المكان من موضعها ..
نظرت بإزدراء إلي تلك الأبنية العشوائية المكونة من طابقين أو ثلاثة طوابق علي الأكثر ، ثم إلي هؤلاء الباعة من الناس الذين أفترشوا الأرض لبيع و عرض سلعهم لكسب رزقهم اليومي ، أثار إشمئزازها أن ترى الطعام و الخضروات معرضة لذلك الجو الملوث ، كما أثار غثيانها مرآى القاذورات منتشرة في كل مكان ، بالكاد محجوبة أسفل مجموعات من ذباب ..
شعرت أنها علي وشك التقيؤ ، فأغلقت النافذة بسرعة و إستندت إليها بظهرها ، ثم راحت تنظم سرعة أنفاسها حتي إنتظمت شيئا فشئ ، حاولت جاهدة أن تتناسي تلك المناظر الغير مألوفة بالنسبة لها ، فإتجهت نحو حقيبة ملابسها الكبيرة الموضوعة فوق آريكة بمؤخرة الحجرة ، و فتحتها ، ثم إنتقت ملابس لها كما أخرجت منشفة نظيفة ، و خرجت من الحجرة قاصدة طريق الحمام ..
و بينما كانت تعدو الطرقة الصغيرة الضيقة ، قابلتها السيدة ” قوت القلوب ” فإبتسمت لها بود قائلة :
– صباح الورد يا حبيبتي ، ها يا ست البنات ! نمتي كويس ؟؟
أهدتها ” هانيا ” الإبتسامة عينها ، ثم ردت لها تحية الصباح في هدوء :
– صباح النور يا داده ، اه الحمدلله نمت كويس و داخلة اخد دوش عشان اروح المشوار اللي قلتلك عليه.
– ماشي يا حبيبتي ، علي ما تخلصي حموم الفطار هيكون جاهز.
عندما دلفت ” هانيا ” إلي الحمام المتواضع ذا القاعة شديدة الضيق و التي بالكاد تتسع لفرد واحد ، لم يخطر لها أبداً أن يأتي اليوم و تتحسر علي الحمام الضخم المترف الذي خلفته وراءها ..
حمامها ذي الأرضية الرخامية بلون الفيروز ، و المغطس العاجي ذي الحنفيتين المصممتين علي شكل ثعبان و اللتين يتدفق منهما الماء الدافئ بلا إنقطاع ، و الرفوف المكتظة بسوائل الإستحمام الفاخرة و الكريمات المرطبة و الكثير من أدوات التجميل باهظة الثمن ، و السجادة السميكة الحمراء كوهج الشمس التي كانت تغوص فيها حتي كاحليها ..
كل تلك أشياء تحسرت عليها في تلك اللحظة ، و حقدت علي من ينعم و يهنأ الأن بثروتها ، لكنها أقسمت بأغلظ الإيمان أنها سوف تكتشف دهاليز الحكاية حتي تصل إليه و تثأر منه …

***************

كانت ” رضوى ” تنظر للمرة المئة إلي محتويات ذلك الطرد الذي وصلها منذ ليلة أمس ..
تلك السلسلة الفضية التي تدلي منها قرص معدني علي شكل قلب صغير ، و ذلك الفستان الليلي الحالم باللون الأسود الذي إرتدته يوم زفافها ، و أيضاً ذلك الخاتم الذهبي الذي حُفر بداخله إسم حبيبها و زوجها السابق !
تساءلت بقلب واجف و أطراف باردة ، هل عاد ؟ و إذا عاد ، ما الذي يريده منها بعد أن إنفصلا عن بعضهما ؟ بعد زواج دام حوالي ثلاثة أعوام و بعد قصة حب دامت لخمسة أعوام !
لماذا قد يرسل إليها هدياه القديمة التي أعادتها إليه كي تتخلص من ذكراه إلي الأبد ، بعد أن طلب منها دون خجل أن تعمل علي مجارية أحد رؤسائه بالعمل ، عندها شعرت بصدمة شديدة ، كانت تود لو لم تصدق كلامه ، و لكنه أبدى جديته بوقاحة جعلتها تصفعه بقوة ، بينما لم يكتفي هو برد الصفعة لها ، بل أنه إنهال عليها بالضرب المبرح حتي أدمى جسدها ..
أغمضت ” رضوى ” عينيها بشدة في محاولة لمنع ذكرياتها من الإسترسال بعقلها ، ثم عضت علي شفتها السفلى بقوة و هي تغالب نشيجاً حاراً أوشك علي الإنفجار ، ثم تنفست بعمق لتهدئ ثورة مشاعرها المتضاربة ، فهي تحبه و تكرهه بنفس الدرجة في آن ..
تذكرت أول لقاء لهما ، فتنها منذ البداية ، كانت فتاة في التاسعة عشر من عمرها ، يافعة في سن المراهقة ، إستطاع أن يجذبها إليه بسهولة ، بتصرفاته و لباقته الزائفة ..
كانت تشعر بالإرتباك كلما تراه ، كما كانت لا تستطيع ضبط أنفاسها ، أو السيطرة علي آلم معدتها مما كشف لها مدى سرعة وقوعها في غرامه ، بينما راح يتودد إليها شيئاً فشئ ، حتي أوهمها أنه مفتون بجمالها و جاذبيتها ، كما أنه يحبها و يريد أن يتخذها زوجة له لينعما بالسعادة و الهناء ، و بالفعل ، تزوجا بعد مدة قصيرة ، و ما لبثت ” رضوى ” إكتشفت خباياه و نواياه ، فبعد مرور أشهر قليلة من زوجهما إعتادت منه صفات و آفات جديدة لم تعهدها فيه من قبل ..
فقد كان كثيراً ما يعود من صالات القومار إلي المنزل في ساعة متأخرة من الليل ، كما أن شراب الكحول كان شئ مقدس يقوم به مساء كل يوم ، غير قائمة النساء التي إكتشفتها مع مرور الوقت ..
أحياناً كانت تتذرع بالصبر لأنها تحبه ، و أحياناً أخرى تستعمل معه طريقة الصمت الغاضب إلي أن يأتيها ببقات الأزهار التي تحبها كثيراً ، فيستعيدها إليه من جديد دون عناء ، يمنحها نظرات مشحونة بالحب و العاطفة فتذوب برقته و عذوبته و كلماته المعسولة ..
و لكن سريعاً ما مزقت حقيقته فؤادها حين بدا لها أنه شخص وضيع لا يضيره أو يعيبه إذا دنس شرفه بيده ..
تنهدت ” رضوى ” بثقل ، ثم همست واهنة :
– فينك يا بابا ، اجيبك منين دلوقتي ؟؟

***************

كان ظهراً باردا يحيط بقصر ” عاصم الصباغ ” عندما دلف ” زين ” إلي المكتب الواسع صائحا في تساؤل :
– ايه يا عاصم في ايه ؟ جايبني من الشغل علي ملا وشي ليه ؟؟
تطلع إليه ” عاصم ” و العبس الممزوج بالغضب يملأ أركان وجهه ، ثم أجابه بصلابة مشيراً إلي بعض الأوراق فوق مكتبه :
– انت مش شايف ان الورق ده ناقص ؟؟
قطب ” زين ” حاجبيه مستغرباً ، ثم إتجه نحوه حتي وقف إلي جانب مقعده ، و إنحني بجزعه قليلا ليتفحص الأوراق ، ثم سأله :
– ورق ايه ده يا عاصم ؟؟
– مش واضح و لا ايه ؟؟
سأله محتداً ، فنقل ” زين ” بصره بين صديقه و بين الأوراق في شيء من الإضطراب ، ثم قال بتركيز و عيناه لا تزالان علي الأوراق :
– ده ورق حجج و ملكيات ، دي حاجات مصطفى علام صح ؟؟
– قصدك حاجات طايع الصباغ .. ابويا.
صحح ” عاصم ” كلامه بجمود ، فأومأ ” زين ” رأسه ، ثم إستدار حول المكتب و جلس فوق المقعد الجلدي قبالة صديقه ، ثم سأله :
– طب ايه اللي ناقص في الورق يا عاصم ؟ ما انت بيعت كل حاجة لنفسك بالتوكيل اللي عملناه و اللي وجيه عليان رجعهلنا بأمضة مصطفى علام !
– فيلا المنصورية.
– فيلا المنصورية !!
ردد ” زين ” جملته في إستغراب حائر ، فتابع ” عاصم ” :
– بيتنا .. بيتي اللي اتولدت فيه ، و اللي انطردت منه انا و عيلتي من عشرين سنة.
عند ذلك صاح ” زين ” متذكراً :
-اااه افتكرت .. بس يا عاصم البيت اتهد من سنين و اتحول لمخزن و انت عارف كد …
– انا عارف انه تحول لزفت.
قاطعه ” عاصم ” منفعلا ، ثم أردف بشيء من الهدوء :
– بس بما اننا ضمينا كل الاملاك لينا ! فين عقد او حجة الارض دي ؟؟
– اللي اعرفه وقت ما تممنا الموضوع كله ان مصطفى علام كان كاتب لبنته حتة ارض ممكن تكون هي اللي اتبنى عليها المخز ..
– بنته !!
هتف ” عاصم ” مشدوهاً ، ثم سأله مقطباً :
– هو عنده بنت مش ولد ؟!!
– اه عنده بنت ، مش صغيرة اوي و لا كبيرة اوي يعني في العشرينات كده.
– ازاي تبقي عارف حاجة زي دي و ماتقوليش ؟؟
سأله غاضباً ، فأجفل الأخير في توتر قائلا :
-انت ما سألتنيش .. و بعدين ايه اللي يهمك في كده يعني ؟!!
لم يجبه ” عاصم ” بل صمت يفكر لثوان ، ثم نظر إليه واجماً و قال :
– يعني قصدك تقول ان مصطفى علام كتب الارض اللي اتبنى عليها المخزن بأسم بنته قبل ما احنا نبيع لنفسنا كل الاملاك ؟؟
وافقه ” زين ” بقوله :
– تقريبا كده.
– انا عايز الارض دي يا زين ، دي ارضي انا.
هتف ” عاصم ” بصرامة ، بينما سأله ” زين ” بشيء من الإنفعال :
– و دي هناخدها ازاي يا عاصم ؟؟
– انا عايز اشوف البت دي ، هتهالي هنا و انا هتصرف معاها.
عند ذلك نظر إليه ” زين ” فاغراً فاهه ، ثم قال مستنكراً :
– بقي عايز تشوفها ؟ انت بتتكلم جد ؟؟
رمقه ” عاصم ” في بلادة ثم هتف بقوة :
– ايوه .. انا عايز اشوفها.

***************

أدار ” رشدي ” المفتاح في القفل ، ثم دفع الباب و تقدم خطوتين داخل شقته داعياً في حفاوة حارة صديقه للدخول :
– اتفضل يا توفيق .. خش ياخويا بيتك و مطرحك.
خطى ” توفيق ” إلي الداخل و قد لاحت علي ثغره إبتسامة خفيفة متوترة ، فيما راح يتأمل المكان بهدوء ..
صحيح أن الشقة ليست فسيحة كمنزله ، لكنها بالتأكيد متسعة تماماً للرجلين اللذين سوف يتشاركانها ، كما أن أثاثها رغم قِدمه إلا أنه نظيف و مرتب .. :
– البيت بيتك يا توفيق ، خد راحتك عالأخر.
قالها ” رشدي ” في صدق باسماً ، بينما شكره ” توفيق ” ممتناً :
– متشكر يا رشدي ، انا مش عارف اقولك ايه ؟؟
أنبه ” رشدي ” قائلا :
– ايه متشكر دي يا توفيق ؟ عيب يا اخي مافيش بينا الكلام ده.
ثم أشار إلي غرفة ما :
– دي يا سيدي هتبقي اوضتك من انهاردة ، احسن اوضة عندي في الشقة ، كانت بتاعة امي الله يرحمها ، هي مش نضيفة اوي اكمنها مقفولة من سنين بس ماتقلقش الست دلال ساكنة قصادنا ، هديها قرشين و هتوضبهالك عالأخر.
– ايوه يا رشدي ، بس مش هنحرجها كده ؟ هي مالها الست و مال تنضيف بيوت الناس ؟؟
أجابه ” رشدي ” بإبتسامة بسيطة :
– دي شغلتها يا توفيق.
فرفع ” توفيق ” حاجبيه ذاهلا و سأله :
– معقول ! بتخدم في البيوت ؟؟
– نص نسوان الغورية زيها يا توفيق ، الناس هنا غلابة ، اومال هتصرف علي نفسها منين و هي وحدانية !
– ايوه بس ، خدامة !!
هز ” رشدي ” كتفيه قائلا :
– و ماله يا اخي ! شغلانة شريفة ماتعيبهاش.
ثم أضاف بلا إكتراث :
– المهم دلوقتي ، خش خدلك دوش و غير هدومك علي ما اندهلها توضبلك الاوضة.
أومأ ” توفيق ” رأسه باسماً ، ثم إتجه إلي الحمام متبعاً إرشادات صديقه …

***************

كان منزلا جميلا بحجارته الرمادية البارزة و نوافذه الواسعة و رواقه ذي الأعمدة الرخامية ، بينما صعدت ” هانيا ” عدة درجات تؤدي إلي الباب ، حيث ظلام خفيف يغطي المدخل المسقوف ، و بعد أن ضغطت زر الجرس عدة مرات ، فتحت لها الخادمة الشابة ذات الوجه البشوش ، ثم قطبت حاجبيها متسائلة :
– افندم ! اي خدمة ؟!!
منحتها ” هانيا ” نصف إبتسامة و هي ترمقها من خلال عينيها النصف مغمضتين ، ثم قالت مُعرفة نفسها :
– انا هانيا علام .. الاستاذ توفيق علام يبقي عمي.
عند ذلك صاحت الفتاة مرحبة :
– اهلا اهلا بحضرتك يا هانم .. معلش انا اسفة سامحيني ، بس ماتشرفتش بحضرتك قبل كده.
ثم أفسحت لها الطريق و دعتها للدخول قائلة :
– اتفضلي يا هانم ادخلي.
وقفت ” هانيا ” تتنهد في بطء ، ثم دلفت أخيراً إلي الداخل بخطوات ثابتة واثقة ، حتي وصلت إلي منتصف البهو الواسع ، فيما إنتبهت إلي صوت منبعث من خلفها ، فإستدارت علي عقيبتها و إذا بها تري ” مروان ” يهبط الدرج الخشبي بعد أن غادر العُلية الأولي الخاصة بالغرف ، بينما إتسعت إبتسامته الخبيثة بشدة حين وقع بصره عليها ، فأسرع الخطي نحوها ،فيما رمقته بإبتسامة باهتة هازئة و هي تتآمله في صمت ..
كان أنيق الملبس كعادته ، وسيم الطلة أيضاً يخطو بخفة و تفاخر تماماً كالطاووس المتغطرس ، فهو لديه كل المؤهلات الكفيلة بجذب أجمل إمرأة إليه ، إبتداء من حذاءه اللامع الثمين ، حتي نظارته الشمسية الداكنة و التي تحمل أسم أشهر الماركات العالمية بالإضافة إلي وسامته الطاغية .. :
– اهلا اهلا.
صاح ” مروان ” في ترحيب زائف عند وصوله إلي ” هانيا ” ، ثم تابع و البسمة الخبيثة لا تزال تملأ وجهه :
– اهلا بسليلة الحسب و النسب ، اهلا بيكي يا هانيا ، اهلا يا بنت عمي ازيك ؟؟
وجهت ” هانيا ” إليه نظرة باردة ، ثم شمخت بذقنها للأعلي في كبرياء قائلة :
– اهلا يا مروان ، انا كويسة اوي الحمدلله.
– بجد ! طب الحمدلله.
إنسكب صوته في أذنيها مرحاً متهكماً ، بينما أضاف فجأة متسائلا :
– بس يا تري اعصابك ازيها دلوقتي بعد ما عرفتي اخيرا ان عمي ، مصطفي بيه علام باع كل حاجة يملكها لرجل الاعمال عاصم الصباغ ؟؟
أصيبت ” هانيا ” بصدمة قوية لدى تفوهه بتلك الكلمات ، لكنها أخفت مشاعرها بسرعة كي لا تعطيه فرصة الشماتة من دهشتها البالغة ، و عوضاً علي ذلك سألته بلهجة جامدة ثابتة و هي لا تزال تشمخ بذقنها :
– و انت عرفت منين يا مروان ؟ ده انا لسا عارفة الموضوع كله امبارح ، معقول الاخبار لحقت تتسرب بالسرعة دي ؟!!
عاد ” مروان ” برأسه إلي الخلف ، و قهقه بقوة ثم عاد ينظر إليها مجدداً ، و أجابها بقسوة متعمدة :
– يا حبيبتي انا عارف الاخبار دي من فترة كبيرة قبل ماتعرفيها انتي او تتسرب برا.
لقد نجح ” مروان ” الأن في زعزعت تحفظها ، فطرفت بشيء من الإضطراب و هي تعي تماماً غطرسة وجهه الوسيم أكثر من أي وقت أخر ، ما أصعب الكلام في تلك اللحظة بالنسبة إليها ، لكنها إستعادت رباطة جأشها من جديد ، ثم إنتفضت في آنفة قائلة :
– حاجة غريبة فعلا انك تكون عارف كل حاجة قبل ما انا اعرف اي حاجة.
ثم ضيقت عينيها و سألته مترقبة :
– يا تري عارف حاجة تانية انا ماعرفهاش يا مروان ؟؟
– هوووه ، عارف حاجات يا حبيبتي.
رفعت حاجبيها متصنعة الدهشة ، ثم سألته :
– بجد ! طب ايه اللي تعرفه ؟؟
تنهد بثقل ، ثم إبتسم معبراً عن سروره بحالتها المزرية التي حاولت إخفاؤها خلف قناع الشموخ و الكبرياء ، ثم أجابها متشدقاً :
– اعرف مثلا ان ابوكي اتغدر بيه ، مابعش حاجة بمزاجه ، و لو هتسأليني مين اللي غدر بيه هقولك بجد ماعرفش ، و اعرف كمان انه كان بينه و بين عاصم الصباغ عداوة قديمة و بردو للأسف ماعرفش اسبابها !
قطبت ” هانيا ” حاجبيها و هي تفكر ملياً بكلامه ، ثم صاحت متسائلة :
– فين انكل توفيق ؟؟
– ما دي بقي الاخبار القديمة اللي المفروض تكوني عرفتيها.
– قصدك ايه مش فاهمة ؟!!
– افهمك يا ستي .. انا ، رفعت قضية حجر علي عمك.
أصيبت ” هانيا ” بصدمة أكثر قوة هذه المرة ، بينما إستطرد ” مروان ” غير مكترث بتعبيرها المصدوم :
– هو بقي زعل و ساب البيت و مشي.
ثم أضاف بتهكم مزدر :
– عارفة انا عملت كده ليه ؟ عشان ابويا بطيبة قلبه كان عايز يساعد ابوكي في المطب اللي وقع فيه و جابه الارض ، ابوكي اللي يوم ما اغتني فجأة بقدرة قادر مافكرش يمد ايده بالمساعدة لأخوه ، فتفتكري بقي دلوقتي اني كنت هسمح لأبويا يدي مليم واحد لأبوكي !!
لم تستطع إخفاء غضبها بعد سماعها كلامه الفظ ، بينما إستمر يتأمل محياها الغاضب و شفتيها الرتجفتين إنفعالا ، ثم إنطلق يقول بنبرة خبيثة خافتة :
– بس علي اي حال انا مستعد اساعدك يا هني ، شقتنا القديمة اللي في المهندسين فاضية ، ايه رأيك تقعدي فيها و ابقي اجي اقضي معاكي يومين كده كل فترة !
إشتعلت زرقة عينيها بغضب حارق ، فإندفعت إليه رافعة كفها الصغير لتصفعه علي وجهه .. :
– يا حيوان ..
و لم تستطع أن تكمل ، إذ أمسكها و جمدها دون جهد يُذكر ، ثم نظر إليها متفحصاً بجرأة قائلا بأسلوبه الوقح :
– ايه يا هني ! اهدي مالك بس يا حبيبتي ؟ انا بس صعبان عليا الجمال ده كله يتمرمط و يتبهدل في الشوارع و عالأرصفة ، يعني انا اولي يا حبيبتي فكري كويس و انتي معايا مش هتتبهدلي و هتبقي بكرامتك ، و بعدين مش بيقولوا جحا اولي بلحم توره
نزعت يدها من قبضته بشراسة قائلة :
– القذارة حاجة مش جديدة عليك يا مروان.
إبتسم ” مروان ” و كأنها أمتدحته بأطراء ، ثم أجفل يشكرها :
– الله يحفظك يا حبيبتي شكرا.
رمقته في إزدراء من أعلي إلي أسفل ، و همت بالرحيل إلا أن صوت السيدة ” دينار ” الناعم إستوقفها :
– معقول ! هانيا عندنا ؟؟
إلتفتت ” هانيا ” مرة أخرى لتواجه السيدة بإعتداد بالنفس ، بينما تابعت ” دينار ” برقتها المعهودة :
– اهلا يا حبيبتي ، عاملة ايه ؟ اسفة ماقدرتش اجي اعزي في المرحوم اصل في مشاكل عندنا هنا ، مشاكل كبيرة مالهاش حل.
– و لا يهمك يا انطي.
قالتها ” هانيا ” بصلابة ناعمة ، ثم أردفت :
– انا كنت جاية لأنكل توفيق بس اكتشفت انه مش موجود.
– لو عايزاه ضروري اتصلي بيه ، هو مابيردش عليا ، بس اكيد هايرد عليكي انتي.
نطقت أخر كلماتها بفتور ، فأومأت ” هانيا ” رأسها بإبتسامة مصطنعة ، ثم إستدارت مرة أخرى لترحل ، فإستوقفها ” مروان ” هذه المرة قائلا بتراخ :
– استني يا هانيا انا خارج هوصلك في سكتي.
إدارت ” هانيا ” رأسها إليه قائلة بحدة :
– سكتتا مش واحدة يا مروان.
ثم غادرت منزل عمها ، يتآكلها الغضب و الهوان ، بعد أن قابلها ” مروان ” بوقاحة و فظاظة و أهانها بقسوة كما توقعت ..
حاولت أن تتناسي ما حدث منذ قليل و ركزت علي أشياء أخرى ، عندما تصل إلي منزل مربيتها الخاصة بحي ( الوراق ) ستتصل بعمها ، فيجب أن يتقابلا بأسرع وقت ..
كان من السهل الوصول إلي المنطقة المنشودة ، و ذلك بإتباع خطوط وسائل النقل و المواصلات ، لكنها أسرعت الخطى لأن الليل كان قد بدأ يخيم برغم الشمس الغاربة التي كانت تعزز جمال السماء و الأرض ، و التي جعلتها تخف سيرها بالرغم منها لتفكر ملياً بمشكلاتها …

***************
عندما فرغ ” توفيق ” من الإستحمام و أرتدى ملابسه الثقيلة التي حتماً ستقيه البرد في تلك الأيام الشتوية القارصة ..
خرج إلي غرفة الجلوس المتواضعة ، فوجد ” رشدي ” قد أعد الشاي الساخن و بعض الوجبات السريعة لكليهما ، بينما صاح ” رشدي ” لدى رؤيته :
– ها يا سيدي ! خلصت اخيرا ، تعالي بقي اشرب الشاي معايا و كلك لقمة لحد ما الست دلال تخلص الاوضة.
لبى ” توفيق ” دعوة صديقه بكل سرور ، أذ جلس علي الآريكة إلي جواره و أمسك بكوب الشاي و بدأ يرتشفه ممتناً لدفئه الغامر ، بينما آتت السيدة “دلال ” في تلك اللحظة قائلة و البسمة تعلو شفتيها :
– خلاص يا اسطى مجالات ، الاوضة بقت زي الفل.
إصطدم نظر ” توفيق ” بنظرها ، و لاحظ نظراتها المتفحصة له فأجفل مضطرباً ثم سعل في إرتباك ، بينما قال ” رشدي”:
– تسلم ايدك يا ست دلال.
ثم نهض متجها صوبها ، و مد لها يده ببعض النقود ، فنظرت إليه و قالت معترضة :
– لا و الله ماخد حاجة هو انا عملت ايه يا سي رشدي ؟ دي حاجة بسيطة.
أصر ” رشدي ” في حزم قائلا :
– معلش يا ست دلال خديهم عشان بعد كده اما اعوز منك حاجة ابقي اقولك.
إبتسمت ” دلال ” برقة ، ثم قبلت النقود قائلة :
– ماشي يا سي رشدي ، من يد مانعدمها ، تؤمرني بحاجة تاني ؟؟
– توشكري يا ست الكل.
ثم وجهت نظرها إلي ” توفيق ” قائلة بتمهل :
– طب عن اذنكوا بقي ، فوتكوا بعافية.
و غادرت الشقة أخيراً ، فزفر ” توفيق ” في إرتياح ، بينما عاد ” رشدي ” يجلس إلي جواره متسائلا :
– ايه يا توفيق ! مالك ؟؟
هز ” توفيق ” رأسه قائلا :
– مافيش ، مافيش حاجة يا رشدي.
ثم سأله مغيراً مجرى الحديث :
– مش هتقولي بقي ايه حكاية مجالات دي ؟؟
ضحك ” رشدي ” بخفة ثم أجابه :
– اقولك يا سيدي .. بقي انا زمان من ساعة ما امي اتوفت الله يرحمها ، سيبت شغلي و قعدت مكتئب في البيت فترة ، كانت حالتي زي الزفت ، اصل الحجة كانت ونيستي في الدنيا و كانت واخدة بحسي في البيت ، و لما ماتت حسيت بالوحدة ، المهم جيت في يوم و زهقت من القاعدة في البيت ، و في نفس الوقت حبيت يكون شغلي حر ، ففتحت ورشة حدادة هنا تحت البيت ، بقي يجيلي زباين ياما و منهم اللي كان بيسألني عن ورش لشغل تاني غير الحدادة فكنت بلم شباب المنطقة اللي متعلم فيهم اي صنعة كنت باخده هوا ، و زي ما بتقولوا عندكوا في الشركات وسعت نشاطي ، خدت محل تاني هنا في الحتة بردو و بقي عندي صنايعية كتير ، اللي حداد و اللي نقاش و اللي نجار و اللي مكيانكي و اللي حرامي.
– حرامي !!
هتف ” توفيق ” مشدوهاً ، فأومأ ” رشدي ” رأسه قائلا :
– اه حرامي بس شريف.
– طب تيجي ازاي دي يا رشدي ! حرامي شريف ازاي يعني ؟!!
– اقصد يعني واد جدع و ذكي و ايده خفيفة ، ما دي صنعة بردو ، بس ايه مابيسرقش عمال علي بطال كده لأ ، لما بيكون حد ناصب علي حد بنرجع الحق لاصحابه و كده يعني.
أومأ ” توفيق ” رأسه متفهماً ، بينما أضاف ” رشدي ” باسماً :
– بس يا سيدي ، و من ساعتها و انا شهرتي مجالات ، رشدي مجالات.
إبتسم ” توفيق ” بدوره قائلا :
– ماشي ياسطي مجالات.

**************

أعدت السيدة ” قوت القلوب ” وجبة العشاء ، ثم وزعت الأطباق علي طاولة الطعام ، و قالت تخاطب إبنتها التي وقفت إلي جانبها تعاونها :
– يلا يا هنا ، روحي خبطي علي هانيا ، قوليلها العشا جاهز.
نظرت ” هنا ” إلي أمها مغتاظة ، ثم قالت متذمرة :
– انتي بتستفزيني يا ماما ؟ انا مش طايقاها اصلا تقومي تقوليلي روحي قوليلها العشا جاهز ! مش رايحة.
تركت الأم أطباق الطعام من يدها صائحة :
– كده يا هنا ؟؟
ثم إستطردت بحدة :
– ماشي ، افتكريها كويس الحركة دي.
غمغمت ” هنا ” كلمات حانقة ، بينما ذهبت السيدة ” قوت القلوب ” بنفسها كي تجلب ” هانيا” إلي غرفة الجلوس ، حيث نُصبت طاولة الطعام المتواضعة ..
طرقت باب حجرتها ثلاث مرات ، و لكنها لم تلقى رداً ، فأدارت المقبض و دلفت لتجدها قابعة فوق الفراش الصغير ، منغمسة في تصفح حاسوبها المحمول ( اللاب توب ) .. :
– هانيا !
إنتفضت ” هانيا ” منتبهة علي صوت السيدة ، ثم إلتفتت إليها قائلة :
– نعم يا داده ؟ عاوزة حاجة ؟؟
– العشا جاهز يا حبيبتي.
ضغطت ” هانيا ” علي شفتيهابقوة ، ثم قالت :
– معلش يا داده ، مش هقدر اتعشي ، انا شبعانة.
– ايه اللي انتي بتقوليه ده يا بنتي ؟ انتي ماكلتش حاجة من الصبح نزلتي منغير ماتفطري و فضلتي طول اليوم منغير اكل لحد ما وشك بقي اد اللقمة و بقيتي عاملة زي ورقة الخص الدبلانة.
ضحكت ” هانيا ” لطرافة تشبيهاتها ، ثم عادت تقول بلهجة هادئة :
– بصراحة يا داده انا حاسة ان وجودي هنا غير مرغوب فيه ، حاسة اني تقيلة عليكوا يعني.
– مش عيب تقولي كده يا هانيا ؟؟
قالتها السيدة معاتبة ، ثم تابعت :
– ده لو ماشلتكيش الارض اشيلك في عيوني ، لا زعلتيني منك بجد.
ثم عبست بملامحها ، فنهضت ” هانيا ” و أمسكت بيديها قائلة :
– انا اسفة يا داده ماقصدش ازعلك.
ثم طرفت مضطربة و قالت :
– خلاص روحي انتي و انا هحصلك حالا.
أومأت ” قوت القلوب ” رأسها ، ثم خرجت دون أن تنبس ببنت شفة ، بينما عادت ” هانيا ” إلي حاسوبها مجدداً ، ثم تأففت في ضيق قائلة :
– معقولة ! معقولة راجل اعمال مشهور زيه مالهوش و لا صورة عالإنترنت ؟ ازاي؟!!
ثم فجأة تعالى صوت رنين هاتفهها ، فإلتقطته من فوق الطاولة الصغيرة قرب فراشها ، و نظرت إلي أسم المتصل ، فإذا هو السيد ” شركس ناصف ” المحامي ، فأجابت ” هانيا ” علي الفور :
– الو ! .. اهلا يا استاذ شركس .. مين ده اللي عايز يقابلني ؟ .. بتقول مييين …………………….. !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!
.

الحلقة 4 – لقاء الغريم
.

عند دقات منتصف الليل ..
بدأت سهرة جديدة بداخل أحد أكبر و أشهر ملهي ليلي في قلب المدينة ، بينما جلس ” مروان ” فوق آريكة حمراء مقوسة مرفقة بطاولة منخفضة مستطيلة ، وضعت فوقها المشروبات من مختلف أنواع و أصناف الكحول الفاخرة
و فيما تعالت ضحكات رفاقه الذكور و الإيناث ، إنطلقت صديقة له تقول و إمارات الثمالة واضحة عليها تمام الوضوح :
– انا ابويا ده باشا و الله .. بيقعد في البيت و مدور شغله كله من مكانه.
فسألها رفيقها الجالس ملتصقاً بها :
– ليه يا حبيبتي ابوكي بيشتغل ايه يعني ؟؟
ضحكت بغنج و أجابته :
– ابويا راجل محترم اوووي يا زومي ، بيتاجر بشرف.
– و بيتاجر في ايه بقي ؟؟
– في المخدراات.
تعالت الضحكات المرحة النصف ثملة من جديد ، بينما رفيقاً أخر إنطلق يسأل ” مروان ” :
– قولنا انت بقي يا مؤسسة ، ابوك راجل غني اووي ، بيشتغل في ايه ؟؟
إبتسم ” مروان ” بجاذبية ، ثم أجابه بمرح و هو يلهو بكأسه المعبأ بالشراب :
– ابويا كان عنده شركة سياحة يا سيدي.
– كان !!
أومأ ” مروان ” رأسه ، ثم سحب نفسا عميق و عاد يقول باسما :
– ايوه كان ، قبل ما اخد انا منه كل حاااجة ، كل الهلومة اللي كانت بأسمه دلوقتي بقت بأسمي انا ، اينعم مش كلها بس انا ليا اكبر حصة.
ثم شرب محتوي كأسه دفعة واحدة ، بينما صاحت ” سالي ” صديقته الحميمة التي كانت تجلس بجواره :
– واو يا مارو ، مدهش بجد ، انت فعلا عملت كده ؟ يعني انت دلوقتي البيج بوص ؟؟
– انا طول عمري بيج بوص يا بت.
هتف بخشونة مصطنعة ، فأطلقت ” سالي ” ضحكة مجلجلة ناعمة ، ثم عادت تنظر إليه و قالت :
– طبعا يا روحي.
و إلتقطت زجاجة النبيذ الفاخرة ، ثم عبأت له كأسه قائلة و هي تلف ذراعها في خفة و دلال حول عنقه :
– بصحتك يا بوص.
رمقها ” مروان ” بعينين ملتهبتين و هو ينظر إلي شفتيها الغليظتين المطليتين بلون أحمر كلون الدم ، ثم شرب كأسه دفعة واحدة و أدار رأسه نحو صديقاً أخر له و سأله بصوت أبح متأثرا بالكحول الباردة :
– و انت يا شادي ! ابوك بيشتغل ايه ؟؟
أجابه ” شادي ” نصف مركزاً لمشغوليته بإعداد السكائر الملفوفة :
– ابويا ! ابويا حرامي.
– حرامي !!
هتف ” مروان ” مشدوها ، ثم عاد يسأله :
– يا راجل ! سرق ايه ؟؟
– طول عمره بيسرق ، و من كام شهر كده عكش مبلغ محترم و كت برا البلد في اخر لحظة.
هز ” مروان ” رأسه في إعجاب قائلا :
– معلم ابوك و الله ، طب مابيصرفش عليك ياض ؟؟
– اهو كل اول شهر بيبعت لامي مبلغ مابشوفش منه مليم احمر.
– ليه كده ؟؟
– البركة بقي في الموضة و الازياء اللي هوسة امي ، بتصرف كل اللي وراها و اللي قدامها علي شكلها و مظهرها.
ثم حول نظره إليه ، و قال باسما في إستكانة محببة :
– و البركة فيك بردو يا كبير طول عمرك جدع و مبتنساش حد خصوصا صحابك.
رمقه ” مروان ” بإبتسامة خبيثة و هو مدركا تماما مقصده الإستغلالي المتخفي تحت بند الصداقة الزائفة ، بينما صاحت ” سالي ” و هي ترفع كأسها في الهواء :
– بصحة فلوسك يا مارو.
فردد الجميع هتافها ، بينما إبتسم ” مروان ” في غرور متعال مزهوا بهيبته الطاغية بين الجميع …

***************
تململ ” توفيق ” في ضيق بفراشه الجديد الذي إحتوي جسده بصورة جيدة ، ثم فتح عينيه بتثاقل و هو يدير رأسه نحو هاتفهه الرابض فوق الطاولة المجاورة للفراش ، و إلتقطه ثم إنتصب نصف جالسا ، و راح يحدق إلي أسم المتصل بعينين ضيقتين ناعستين ، فإذا هي إبنة شقيقه … :
– يا خبر ! ده انا نسيتها خالص !!
صاح ” توفيق ” متضايقا ، ثم أجاب مسرعا :
– الو يا حبيبتي ، معلش انا اسف سامحيني مسألتش عليكي بقالي مدة ، حصلتلي ظروف جامدة اوي.
جاء صوت ” هانيا ” هادئا إلي سمعه :
– و لا يهمك يا انكل ، انا كنت عند حضرتك انهاردة الصبح و عرفت كل حاجة.
– عرفتي ؟!
هتف ” توفيق ” متخاذلا ، بينما باغتته ” هانيا ” مسرعة :
– انكل توفيق مش هاينفع الكلام عالتليفون ، انا لازم اشوفك في حاجات كتير حصلت لازم تعرفها.
– انا عارف كل حا ..
– لا يا انكل !
قاطعته بقوة ، و أردفت :
– انا عارفة ان حضرتك كنت علي علم باللي حصل لبابا ، لكن انا عايزة اقابلك عشان في حاجات جديدة حصلت لازم تعرفها.
– ايه اللي حصل يا حبيبتي ؟؟
سألها بإهتمام ، فأجابته :
– لازم اشوفك عشان احكيلك يا انكل ، انت فين ؟؟
تنهد بثقل و أجاب :
– قاعد عند واحد صاحبي.
– طب اديني العنوان ، هكون عندك الصبح.

***************

عند دقات الثانية بعد منتصف الليل ..
إستمر بوق سيارة ” مروان ” الفارهة يصدح عاليا حتي فتح له الحارس البوابة الإلكترونية الضخمة علي مصراعيها ، فإنحرف ” مروان ” يسارا و مشي عدة أميال حتي أوقف السيارة بصورة تدريجية وسط ساحة المنزل ، ثم ترجل و أعطي المفتاح لأحد الحرس ليصفها بالكراچ الخلفي ، و بينما هو متجها صوب الدرجات الثلاث المؤدية لباب المنزل ، سمع صوت عويل و صراخٍ حاد ، فتجمد بمكانه للحظة ، ثم إلتفت إلي الحارس و سأله عابسا :
– ايه الصوت ده يا سعيد ؟؟
أجابه ” سعيد ” بلا إكتراث :
– ده تلاقيه عبيد هو و مراته يا باشا.
قطب ” مروان ” حاجبيه ، و راح ينصت جيدا ، ثم عاد يقول :
– بس دي بتصرخ جامد اوي.
– اه ما تلاقيه بيضربها زي عادته.
– بيضربها ! ليه ؟؟
– مراته و بيأدبها يا باشا ، اكيد غلطت فيه او عملت حاجة غلط.
عند ذلك ، صر ” مروان ” علي أسنانه بقوة ، كما شد علي قبضتيه أيضا ، ثم إندفع إلي مؤخرة ( الڤيلا ) حيث غرفة البستاني و زوجته ..
طرق الباب بعنف صائحا عندما إتضح له صوت الصراخ أكثر :
– عبيييييد !
لم تمر ثوان إلا و إنفتح الباب ، ليظهر المدعو ” عبيد ” من خلفه ، كان أصلع ذو جسد ممتلئ و أنف أفطس ينحدر إلي فما غليظ يعلوه شاربا كثيف .. :
– مروان بيه !
هتف ” عبيد ” لاهثا أثر الجهد الذي بذله في تأديب زوجته بالضرب المبرح ، ثم تابع متسائلا :
– مساء الخير يا باشا ، في حاجة حضرتك ؟؟
حدجه ” مروان ” بغضب ناري ، ثم سأله بحدة و هو يتنقل بعينيه بينه و بين تلك المرأة القابعة فوق أرض الغرفة و الدماء تسيل من أنفها إلي فمها :
– ايه الصوت العالي اللي سمعته من برا ده ؟؟
ثم أشار برأسه إلي إمرأته قائلا :
– و ايه اللي انت عامله في مراتك ده ؟؟
سحب ” عبيد ” نفسا عميقا ، ثم أجابه بهدوء :
– مراتي و بأدبها يا بيه ، حقي.
– التصرفات دي ماتحصلش في بيتي تاني.
صاح ” مروان ” غاضبا ، ثم أردف محتدا :
– مفهوم ؟؟
صمت ” عبيد ” للحظات ، ثم أومأ رأسه قائلا علي مضض :
– مفهوم يا بيه.
رمقه ” مروان ” شزرا ، ثم قال بلهجة آمرة قاتمة ، لا تقبل الإعتراض أو النقاش :
– مراتك هتيجي تبات الليلة دي جوا البيت مع باقي البنات اللي بيشتغلوا في المطبخ.
عجز ” عبيد ” عن الإحتجاج ، بينما وجه ” مروان ” كلامه إلي الزوجة الشابة :
– يلا يا حنة ، انا داخل البيت ، تعالي معايا عشان هتباتي جوا مع البنات.
أطاعته ” حنة ” مسرعة ، إذ وضعت شالها السميك الرث علي كتفيها العاريتين ، ثم تبعته في الظلام حتي داخل المنزل ، و ما أن دخلا و إنغلق الباب خلفهما ، حتي أمسك ” مروان ” بمعصمها و قادها بحذر إلي غرفته بالعُلية الأولي ، ثم أغلق الباب في هدوء و أسرع إليها ..
نزع عنها بقوة الشال الذي كان يححبها عنه ، ثم قبض بيديه القويتين علي كتفيها العاريتين ، و سألها بصوت أجش :
– ايه اللي حصل ؟؟
تطلعت إليه بأعين دامعة ، فهزها بنفاذ صبر ناقلا إليها عنف إنفعالاته من خلال يديه ، بينما لم تشعر ” حنة ” إلا و دموعها تنسكب علي خديها ، فعاد يسألها ملحا :
– حنة .. اتكلمي ! جوزك الحيوان ده ضربك ليه ؟؟
نطقت ” حنة ” أخيرا ، حيث قالت بصوت أبح و جسدها ينتفض نفضا بين ذراعيه :
– بني ادم مقرف ، مش كفاية صابرة عليه و مستحمله عمايله فيا ، اخرتها بيضربني.
– ضربك ليه ؟؟
– عشان مارضتش اديله الفلوس اللي ابويا بعتهالي من البلد.
قطب ” مروان ” حاجبيه غاضبا ، فيما إعتمل شعور العنف المدمر بداخله و هو يتأمل سيل دموعها الذي أغرق وجهها الحزين ..
لم تكن ” حنة ” مجرد فتاة عادية الجمال ، بل كانت ملامحها الريفية رائعة التفاصيل ، إستدارة وجهها الناصع النضر ، و عيونها شديدة الخضرة ، و أنفها الدقيق الذي ينحدرإلي فما مكتنزٍ و ناعم ، كما أن جسدها الممشوق و الممتلئ برشاقة هو أول ما جذب إنتباه ” مروان ” لها بمنحنياته و مرتفعاته المثيرة ، فراح يتودد إليها حتي نجح في إستمالتها إليه و جعلها عشيقته في الخفاء ، بينما إنغمست معه في الملذات المحرمة مسلوبة الإرادة ، مسحورة بجاذبيته و وسامته إضافة إلي دفعات الحنان التي كثيرا ما يغدقها عليها بلا نهاية !
– خليه يمد ايده عليكي تاني و انا اكسرهاله.
هتف ” مروان ” مزمجرا و هو يمسح بكفه علي شعرها الاسود الحريري الطويل ، ثم مد يده الاخري إلي جيب سترته و أخرج منديلا ، ثم طفق يمسح قطرات الدماء السائلة من أنفها و فمها ، بينما تأوهت بخفوت و قالت بعد قليل :
– انت اللي مصبرني عليه .. لو ماكنتش في حياتي انا كنت هجيت من زمان و لا خليته يعرفلي طريق جرة.
ثم رفعت كفها إلي وجهه قائلة و هي تتظر بعمق إلي عينيه البنيتين :
– انا بحبك اوي يا مروان بيه.
إبتلع ” مروان ” ريقه في شي من الإضطراب ، ثم قال متصنع الحدة :
– اتا مش قلتلك قبل كده ميت مرة لما نبقي لوحدنا تقوليلي مروان بس منغير بيه دي ؟؟
أومأت رأسها باسمة في إستحياء ، ثم رددت جملتها مع إختلاف نطق إسمه مجردا من الألقاب :
– انا بحبك اوي يا مروان.
إبتسم ” مروان ” بخفة قائلا :
– ايوه كده .. شاطرة يا حبيبتي.
ثم مرر أصابعه في شعرها ، و أزاحه برفق عن جبينها الناعم قائلا بصوت مرتج عميق و هو يتآملها برغبة :
– لو تعرفي انا بحبك اد ايه ! مافيش واحدة بتعمل فيا ربع اللي بتعمليه.
ثم إنحني و لثم خدها بشفتيه ، فأغمضت عينيها و سألته :
– بتحبني ؟؟
فأجابها هامسا بأذنها في شبه فحيح :
– اوي.
– يعني لو اتطلقت ممكن تتجوزني ؟؟
– انتي ملكي في كل الاحوال ، بجواز او منغير جواز.
و دفن وجهه لدي عنقها البض ، ثم ضمها في عناق دافئ غيبهما عن الواقع للحظات قبل أن يرفع رأسه و يسألها لاهثا :
– هو انتوا كنتوا بتعملوا ايه قبل ما يضربك ؟؟
عضت علي شفتها السفلي في خجل ، ثم أطرقت رأسها ، بينما إعتمل الغضب بنفسه ، فرفع ذقنها بإبهامه في قسوة و أعاد السؤال مجددا ، و عندما أجابته بالصمت مرة أخري ، صاح بها منفعلا :
– انا مش قلت مايلمسكيش ؟ قلت كده و لا ماقلتش ؟؟
– طب ازاي بس !!
هتفت بحيرة ، فأجابها بنزق :
– ماعرفش .. تتصرفي ، تعملي اي حاجة.
– حاضر .. بس لو رجع يضربني تاني ؟؟
– ماتقلقيش ، انا الصبح هيكونلي كلام تاني معاه ، مش هيقدر يهوب ناحيتك تاني .. وعد.
ثم آمرها بلطف صارم :
– و دلوقتي ادخلي خدي دوش بس بسرعة ، انا مستنيكي.
قالت في تردد :
– ايوه بس .. بس انا خايفة ممكن اي حد يعرف اني كتت عندك هنا !
– ماتخافيش ، قبل الفجر ما يطلع هنزلك اوضة البنات.

***************

في صباح اليوم التالي ..
وصلت ” هانيا ” إلي مسكن عمها الجديد بسهولة متبعة إرشاداته التي أملاها عليها ، و بينما كانت تجلس إلي جوار عمها فوق أريكة بحجرة الجلوس ، إنطلق ” رشدي ” يمتدحها قائلا :
– بسم الله ما شاء الله يا توفيق ، عندك بنت اخ زي القمر.
أجفلت ” هانيا ” ثم شكرته برقة :
– شكرا لحضرتك ، ميرسي علي المجاملة الرقيقة.
أهداها ” رشدي ” إبتسامة عذبة قائلا :
– العفو يا حبيبتي ، بس انا مش بجامل هي دي الحقيقة.
ثم نهض واقفا علي قدميه ، و توجه بالحديث إلي صديقه :
– انا هنزل الورشة تحت اشوف الشغل ماشي ازاي ، خد بالك بقي من القمر دي يا توفيق قوم بواجب كرم الضيافة معاها احسن تقول علينا بخلة.
أومأ ” توفيق ” رأسه مبتسما ، و قال :
– حاضر يا رشدي.
– يلا عن اذنكوا.
ثم غادر ” رشدي ” الشقة مسرعا ، بينما إلتفتت ” هانيا ” إلي عمها قائلة :
– انكل توفيق ، ازي حضرتك يا انكل ؟ عامل ايه ؟؟
تنهد ” توفيق ” بثقل ، ثم رسم إبتسامة باهتة علي شفتيه و أجابها :
– كويس يا حبيبتي ، عايش اهو زي مانتي شايفة ، المهم طمنيني عليكي انتي ، اخبارك ايه ؟؟
– اخباري مش كويسة خالص يا انكل ، انا عايزة اعرف ، عايزة افهم .. اللي حصل ده كله ، حصل ازاي و ليه ! أرجوك يا انكل لو عارف اي حاجة قولهالي !!
أطرق ” توفيق ” رأسه آسفا علي حالها و حاله في الوقت ذاته ، لكنه سرعان ما رفع وجهه إليها مجددا ، ثم تتفس بعمق و راح يحدثها في هدوء :
– بصي يا هانيا .. اولا انا عايزك تعرفي حاجة مهمة جدا .. انا و مصطفي اخويا الله يرحمه من زمان عمرنا ما كنا بنتفق علي حاجة ، كان كل واحد فينا افكاره و شخصيته مختلفة عن التاني ، كنا زي القطرين اللي ماشين علي القضبان جنب بعض ، بس كل واحد بياخد اتجاه عكس التاني .. و بناءً علي كده انا عمري ما قدرت افهمه ولا قدرت اتدخل في حياته ، ابقي كداب لو قلتلك اني اعرف اسرار الحكاية اللي حصلت ، رغم انه لجألي قبل ما يتوفي ، الا انه رفض يحكيلي اصل الحكاية.
– اصل الحكاية !!
رددت ” هانيا ” مقطبة ، فأردف “توفيق ” :
– ابوكي ما قاليش غير ان كان في بينه و بين رئيسه القديم في الشغل عداوة قديمة.
– ايه اسباب العداوة دي ؟؟
هز ” توفيق ” كتفيه و أجابها :
– هو قالي ان المجموعة بتاعته اللي كان بيديرها الله يرحمه قبل ما يتوفي ، زمان كانت ملك رئيسه القديم ، واحد اسمه طايع الصباغ ، و لما فلس الراجل ده ابوكي اشتري شركته و مصانعه بتراب الفلوس ، انا وقتها بصراحة اندهشت و قلت ابوكي جاب الفلوس دي منين ! بس المهم يعني مش موضوعنا ، من هنا بدأت العداوة ، بعد ما مصطفي اشتري الشركة و المصانع ، بس الراجل مات من عشرين سنة ، و اللي رجع عشان ينتقمله بعد كل السنين دي هو ابنه .. عاصم الصباغ ، اللي خد كل حاجة من ابوكي و ماسابش و لا حاجة.
عند ذلك ، إكتملت الصورة بأعين ” هانيا ” التي صمتت للحظات تستوعب و ترتب كلام عمها ، ثم حولت بصرها إليه و سألته :
– عشان كده بابا انتحر ؟ عشان فلس ؟!!
– ماكنش سهل يا هانيا علي ابوكي بالذات بعد ما بني إمبراطورية ضخمة زي دي ، يصحي في يوم و يلاقي المعبد كله اتهد فوق دماغه و شقي عمره بمنتهي السهولة بيتنسب لشخص تاني ، محدش يعرف ابوكي ادي ، انا ماتصدمتش اوي لما جالي خبر موته منتحر ، كان شيء متوقع بالنسبة لي ، ابوكي عمره ما قبل و لا كان هيقبل الهزيمة ، فإنتحر.
لوت فمها بسخرية مريرة قائلة :
– يعني مات بكرامته و ارتاح من كل ده ، و سابني انا اواجه المصايب و الكوارث لوحدي.
– المهم انتي قاعدة فين دلوقتي ؟؟
تنحنحت ” هانيا “ثم أجابته بفتور :
– قاعدة عند داده قوت في حتة اسمها الوراق ، هي منطقة بشعة ، بس انا مضطرة اقعد هناك ، ماعنديش اختيار تاني.
ثم صمتت لثوان ، و قالت :
– لحد ما اروح اقابله بكره.
قطب ” توفيق ” حاجبيه متسائلا :
– هتروحي تقابلي مين ؟؟
نظرت ” هانيا ” إلي عمها ، ثم أجابته في هدوء بالغ :
– عاصم .. عاصم الصباغ طالب يقابلني يا انكل.

***************

علي الطرف الأخر ..
جلس ” مروان ” بحديقة ( الڤيلا ) إلي طاولة مظللة بأوراق الشجر يتناول الإفطار ، بينما آتي إليه البستاني ” عبيد ” مهرولا ، ثم قال بأدب عندما وقف أمامه مباشرة :
– صباح الخير يا باشا .. حضرتك طلبتني ؟؟
نزع “مروان ” نظارته الشمسية و نظر إليه بتعال ، ثم قال في جمود حاد :
– طبعا انا مش محتاج انبه عليك تاني بخصوص اللي حصل ليلة امبارح ، لو مديت ايدك علي مراتك تاني بالطريقة العنيفة دي ، حسابك معايا هكون عسير.
لوي ” عبيد ” فمه الغليظ ممتعضا ، ثم قال عابسا :
– انا مابمدش ايدي عليها من الباب للطاق يا باشا ، لما بتغلط بأدبها.
– اسمع يا عبيد.
هتف ” مروان ” محتدا ، ثم إستطرد بلهجة آمرة :
– مراتك من انهاردة هتسيب الجنينة ، ماعادتش هتقعد معاك في الاوضة تاني الا في يوم اجازتها من حقها تختار المكان اللي هتقعد فيه ، لكن من انهاردة هتدخل تشتغل جوا البيت ، و ليها مكان في اوضة الشغالين.
ثم أضاف محذرا :
– و قسما عظما لو لاقيت علي وشها اثار ضرب غبي زي اللي شفته امبارح حرميك في السجن بإيدي.
نظر إليه ” عبيد ” متململا و هو لا يجرؤ علي الإعتراض ، بينما رمقه ” مروان ” بإزدراء متعال …

**************

عندما حل المساء ، و أوغل الظلام في إنتشاره ..
ذهب ” عاصم ” إلي غرفة مكتبه ليباشر عمله من خلال حاسوبه المحمول ( اللاب توب) بينما دلف ” زين ” إليه فجأة من دون إستئذان صائحا :
– خلاص يا عاصم ، البنت وافقت تتقابلوا.
ثم أضاف و هو يجلس في كرسي قبالته :
– المحامي بتاعها لسا قافل معايا ، قالي انها وافقت تقابلك ، بس مش هنا في القصر.
– اومال فين ؟؟
سأله ” عاصم ” متجهما ، فتنهد ” زين ” و أجابه :
– في الشركة.
أبدي ” عاصم ” إمتعاضه الشديد من هذا الطلب ، فهو قليلا ما يذهب إلي مقر شركته ، تقتصر زياراته علي نحو مرتين أو ثلاثة مرات في العام الواحد ، كان ” زين ” هو من يهتم بشئون العمل ، و يقوم بكل الواجبات علي أكمل وجه ، بينما ” عاصم ” يساعده من خلال موضعه بمنزله ، فقد كانت الندبة بوجهه أكبر عامل مؤثر في حياته ، جعلته يكره الظهور أمام الناس عموما .. :
– هتيجي امتي ؟؟
تساءل ” عاصم ” واجما ، فأجاب ” زين ” :
– بكرة الصبح الساعة تسعة ، انا اللي حدت الميعاد .. بكرة يومنا فاضي شوية من اوله.
راح ” عاصم ” يهز ساقه اليمني في حركة عصبية ، ثم عاد يسأله :
– جبتلي صورتها ؟؟
– اه ، لحظة.
ثم أخرج ” زين ” هاتفهه الخلوي من جيب سترته ، و نهض متجها صوبه ، ثم فتح صورة معينة و ناوله الهاتف و هو مركز بصره عليه يراقب ردة فعله من خلال تعابير وجهه ..
بينما تسمر بصر ” عاصم ” في ذهول و إنبهار علي شاشة الهاتف بيده ، فقد كانت الصورة تمثل فتاة زرقاء العينين ، في فستان ربيعي مزهر ، كان شعرها أشقر معقودا إلي الخلف و قد أفلتت منه خصيلات رقيقة كالريش علي صدغيها ..
حبس ” عاصم ” أنفاسه ، و لا شعوريا رفع يده إلي صفحة وجهه المشوهة يتلمسها بأنامله متمتما بأنفاس مبهورة :
– دي حلوة !
وافقه ” زين ” باسما :
– ايوه يا عاصم .. حلوة اوي.
و هنا تطلع إليه ” عاصم ” و التصلب باد علي قسمات وجهه ، ثم سأله بجمود :
– قولتلي اسمها ايه ؟؟
– اسمها هانيا.
– هانيا !!
ردد ” عاصم ” الأسم في بطء و هو يفكر بعمق فيما سيحدث غدا صباحا ……………. !!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!!

الحلقة ( 5 ) .. – مشوه ! – :

في تمام الثامنة و النصف صباحا ..
كانت “هانيا” تقف أمام المرآة ، تتحضر و تتهيأ إستعدادا لملاقاة عدوها
بعد أن تركت الفراش ، إستعادت حيويتها بحمام ساخن ، ثم إرتدت تنورة حمراء سميكة ، يعلوها قميص أبيض حريري ، ثم وضعت فوق كتفيها معطف ذا لون سماوي يتلاءم مع زرقة عينيها تماما ، و مع المظهر الذي أرادت أن تظهر به ..
ثم جلست فوق كرسي خشبي أمام المرآة و راحت تصفف خصيلات شعرها الأشقر ، فيما زمجرت بغيظ و هي تنظر إلي صورتها .. فهذا الصباح ستواجه محنة مقابلة “عاصم الصباغ” ..
كيف ستتحمل هذا اللقاء ؟ كيف ستتحمل النظر إليه دون أن تنقض عليه و تقتله إنتقاما لأبيها الراحل الذي تسبب هو في موته .. كيف ؟
و لكن فجأة ، و بعزيمة قوية ، أبعدت عن ذهنها صورة أبيها التي تعذبها ، مستعينة علي ذلك بتذكر الحرب التي ستبدأ عما قريب ، و لكن ذلك الأمر سوف يتحدد بعد اللقاء المنتظر ..
كانت فكرة الثأر كفيلة أن تجعلها دبلوماسية في المعاملة معه عندما تراه ، لهذا كانت تعمل علي تهدئة أعصابها طيلة الوقت
ألقت “هانيا” نظرة إلي ساعة يدها السوداء الجلدية ، لم يبق لها سوى عشرين دقيقة للوصول إلي مقر الشركة .. سوف تصل سيارة التاكسي التي طلبتها هاتفيا في أي لحظة الأن
و بعد ما نظرت مرة أخري إلي نفسها بالمرآة و تأكدت من حسن مظهرها ، حملت حقيبتها و علقتها بكتفها و هي ترسخ بأعماقها شعور العزة و الكبرياء ..
حمدت “هانيا” الله عندما تبين لها أن السيدة “قوت القلوب” لا تزال نائمة ، فهي ما كانت لتتركها تغادر دون أن تتناول الإفطار
هبطت “هانيا” السلالم المتعرجة بإحتراس و روية ، و لدى وصولها إلي عتبة الباب الرئيسي للبيت المتهالك ، وجدت سيارة التاكسي في إنتظارها ..
بعد ثلث ساعة .. أوصلها السائق أمام البوابة الرئيسية لمؤسسة – A T S – للإستيراد و التصدير .. و بعد أن دفعت له الأجرة ، ترجلت متوجهة إلي الداخل ، ثم ذهبت صوب مكتب الإستقبال و الإستعلامات برأس شامخة و خطى ثابتة ، إذ طلبت أن يصار إلي إعلام رئيس الشركة بحضورها ، بينما طلبت منها موظفة الإستقبال بدورها أن تدلى بأسمها و السبب الذي من أجله أتت لرؤية الرئيس ..
أدلت “هانيا” بأسمها الثلاثي ، و رفضت أن تصرح بأكثر من ذلك ، مشيرة بأن رب العمل هو من طلب رؤيتها و ليس هي ، و بناءاً علي ذلك رفعت الفتاة سماعة الهاتف ، و تحدثت لدقيقة بصوت خافت أقرب إلي الهمس ، ثم عادت تنظر إليها قائلة بإبتسامة خفيفة:
-مستر عاصم منتظر حضرتك فعلا.
ثم هتفت بإسم أحد العاملين في الإستقبال ، فجاء شاب يرتدي زي العمل الرسمي ، فطلبت منه أن يقود الزائرة إلي الطابق السادس من المبني الضخم حيث يقع مكتب المدير الرئيسي ..
أحني الشاب ذا البسمة الحلوة رأسه في أدب ، و طلب من “هانيا” أن تتبعه ، بينما شعرت الأخيرة بقدميها ترتخيان فجأة ، و لكنها إستعادت رباطة جأشها مسرعة و عادت تحصن نفسها بأسوار الشموخ و الكبرياء ..
تمكنت من عبور البهو المفروشة أرضه ببساط واسع مزين بألوان زاهية و رسوم فنية ، و لما إنفتح باب المصعد و خطت داخله ، خيل إليها أنها تغادر العالم المتزن الواضح ، لتدخل عالما أخر غير مألوف علي الإطلاق ، بينما كان الغم و الكدر يضغطان علي حنجرتها و هي تحاول جاهدة أن تنطق دون جدوى .. الطوابق تمر أمامها و هي عاجزة أن تطلب من الشاب الذي كلف بتوصيلها إلي مكتب المدير أن يعيدها إلي الأسفل ..
و بصورة مفاجأة ، توقف المصعد ، و خرج الشاب أمامها ، فتبعته و قدماها تدوسان البساط الأخضر السميك ، بينما كانا يتوجهان نحو صالة واسعة وضع بها مكتب صغير جلست خلفه السكرتيرة الخاصة بمكتب المدير ، و حالما رأت الزائرة المنتظرة ، راحت ترمقها في فضول ، و لكنها نهضت و توجهت نحوها مسرعة ..
رحبت بها في برود هادئ و علي فمها إبتسامة رقيقة باهتة ، ثم أصرفت الشاب و أخذتها إلي مكتب رب العمل .. طرقت الباب ، و فتحته عندما سمعت الصوت الصارم يدعوها للدخول ، ثم إلتفتت إلي “هانيا” قائلة:
-حدودي لحد هنا .. اتفضلي ادخلي.
أومأت “هانيا” رأسها و تنفست بعمق ، ثم خطت إلي داخل المكتب الفسيح ..
أغلقت السكرتيرة الباب وراءها ، بينما ركزت ” هانيا” بصرها نحو مركز الغرفة .. حيث إستقر “عاصم الصباغ” و قد ملأ مقعده الجلدي الوثير بكتفيه العريضتين
كان مستديرا بالمقعد نصف أستدارة ، حيث ظهر بالجانب الأيسر من جسده ، فيما كان متظاهرا بالإنهماك في إحدي مكالمته الهاتفية المهمة .. و من دون أن ينظر إليها ، أشار لها بيده أن تقترب ، ثم تجاهلها تماما ليستمع إلي محدثه الوهمي ..
بينما ظلت واقفة علي بعد مترين من مكتبه ، إلي أن تململت في ضيق و إنزعاج عندما إستغرق وقتا طويلا في مكالمته ، فيما كان هذا هدفه تماما ، أن يضجرها و يزعجها و قد نجح
و لما شعر بالكفاية ، أغلق هاتفهه ، و وضعه فوق سطح المكتب ، ثم إستدار لها بمقعده و بكامل جسده ، و نهض بطوله الفارع ليواجهها ..
الأن تستطيع “هانيا” أن تنظر إليه جيدا و تتبينه بوضوح عندما إحتوته بنظرها .. أحست بأن نفسها قد إحتبس برئتيها ، كما شعرت بالإرتباك و إختلطت عليها مشاعرها .. فالخصم الذي رسمت صورته في خيالها ، يختلف تماما عن هذا الرجل الواقف أمامها !
كانت ندبة عميقة ، خشنة طويلة فوق خده الأيمن أول ما لفت نظرها .. الأن عرفت لماذا لم تر له أية صورة علي مواقع الإنترنت ..
تابعت النظر إليه و هي تتفحصه بدقة ، كان ينتعل جزمة سوداء لماعة ، كما كان يرتدي بذلة من اللونين ، الأسود و الكحلي .. شعره أسود ناعم و غزير ، بدا ما بين الطول و القصر و هو مصفف بعناية إلي الوراء ، بينما بعض الخصيلات تموجت إلي جانبي وجهه لتضفي عليه لمسة وسامة ..
بينما إستطاعت “هانيا” أن تميز عبر المسافة الفاصلة بينهما ، حاجبين كثيفي السواد ، فوق عينين بمزيج من لون البندق و شذرات ذهبية ، و أنف مستقيم ، ينحدر إلي فم مغر بشفتين ممتلئتين شهوانيتي التأثير ، و جانب وجهه السليم المنحوت و الخالي من التشوهات ، أعطي وجهه شكلا كلاسيكيا فريدا ..
إنبهرت “هانيا” من ذلك التكوين المذهل وتساءلت .. هل يمكن أن يمتلك رجلا مثله كل هذا الكمال رغم عاهته ؟!!
أجفلت عابسة ، ثم أوقفت نفسها بسرعة عن الإسترسال في تأمل هيئته ، بينما ظهرت علي وجهه إبتسامة ساخرة و كأنه قرأ أفكارها و ما يختلج بنفسها من مشاعر متضاربة ، فيما هنأ نفسه بإنتصاره بالجولة الأولي ، فقد نجح في تطبيق عنصر المفاجأة عليها .. فهي بالطبع لم تكن تتوقع أن تر خصمها ذا وجه مشوه ..
شعرت “هانيا” بعينيه الثاقبتين تخترقانها إختراقا ، بينما بصوت عميق و أجش قال لها:
-صباح الخير يا انسة هانيا .. اهلا بيكي في شركتي ، نورتي.
ثم مد يده الكبيرة ليصافحها ، بينما لم تغب عن ” هانيا” رنة الإستهزاء في صوته ، لكنها مدت يدها في بطء و ثبات و صافحته ، ثم سحبتها بسرعة و حزم و هي ترمقه بكل ثقة قائلة:
-صباح النور .. ميرسي لذوقك.
إبتسم بخفة و هو يقول:
-انا اسف لو كنت خليتك تنتظري كتير ، بس كان معايا مكالمة شغل مهمة.
ثم دعاها للجلوس في أحد المقعدين الواقعين قرب المكتب:
-اتفضلي اقعدي.
لبت “هانيا” دعوته ، إذ جلست إلي حيث أشار قبالته في المقعد الجلدي الوثير ، بينما قبل أن يجلس بدوره ، راح يعينها في إمعان دقيق ..
و بعد أن تفحصها من قدميها إلي رأسها ، إشتبكت نظراته بنظراتها ..
تمكنت “هانيا” من رؤية الإعجاب في عينيه الجرئيتين ، فتلون وجهها قليلا ، بينما جلس “عاصم” أخيرا و سألها بنعومة هادئة:
-تشربي ايه يا انسة ؟؟
أجابته بإبتسامة خفيفة:
-شكرا .. و لا اي حاجة.
-لأ ازاي ! لازم تشربي حاجة .. انتي بتزوريني في شركتي و لأول مرة مش هاينفع.
غمغمت “هانيا” برقة قائلة:
-مممم ، لو لازم يعني يبقي قهوة سادة.
-سادة !!
هتف “عاصم” في تعجب إستنكاري رافعا حاجبيه ، فأكدت له بإيماءة من رأسها ، فهز هو كتفيه بخفة ، ثم رفع السماعة و آمر بإحضار فنجانين من القهوة إلي مكتبه ، ثم عاد ينظر إليها باسما و هو يقول:
-قبل اي حاجة انا بقدم التعازي في والدك الله يرحمه .. ماتتصوريش اتضايقت اد ايه لما جالي الخبر.
في تلك اللحظة .. كانت عيناها الزرقاوان تنفثان الغضب ، لم تشعر من قبل بمثل تلك العصبية التي إعتملت بنفسها نتيجة كلماته ، و لكنها بقيت تحافظ علي برودة صوتها
لن تترك لهذا الرجل الفرصة ليشعر أنها لا تستطيع السيطرة علي هدوء أعصابها .. :
-استاذ عاصم !
هتفت في جمود هادئ ، ثم سألته بلهجة رسمية:
-حضرتك طلبت تقابلني .. و اديني اهو جتلك زي ما طلبت .. خير ؟؟
مط “عاصم” شفتيه مهمهما ، ثم أجابها ببطء متعمدا إستفزازها:
-طبعا زي ما انتي عارفة .. كل املاك والدك الله يرحمه .. بقت ملكي حاليا.
و توقف عن الكلام قليلا ، يراقب تعابير وجهها المتصلب متلذذا ، ثم عاد يقول:
-كل حاجة بقت ملكي .. ماعدا حاجة واحدة بس.
حدجته “هانيا” في حدة ، و قد فطنت بالبديهة أنه يقصد تلك الأرض التي تركها لها والدها قبل وفاته بخمسة أعوام ..
بينما رفعت وجهها ، و عقدت حاجبيها في إستغراب متكلف و هي تقول:
-مش فاهمة يا استاذ يا عاصم ! تقصد ايه ؟؟
إبتسم بإلتواء و قد إستشف فيها نزعة عنيدة و مغامرة تحت قناع وجهها الإرستقراطي الجميل ، ثم أجابها بلهجة هادئة مستمتعا باللعبة التي يمارسها معها:
-في حتة ارض صغيرة للاسف فلتت من تحت ايدي .. لما جيت افرز الاملاك اكتشفت ان والدك كتبهالك من كام سنة كده.
-طيب ! فين المشكلة ؟!
هتفت في خشونة متهكمة ، بينما أجابها بإبتسامة خفيفة:
-الارض دي علي وجه التحديد و لاسباب شخصية تهمني اوي .. انا عايزها ، هاشتريها منك و هاديلك المبلغ اللي تطلبيه.
رمقته بعبسة متجهمة ، ثم سألته في إهتمام مترقب:
-ايه مدى اهمية الارض دي بالنسبة لك يا استاذ عاصم ؟؟
هز كتفيه و كأنه يجد الأمر برمته مسليا ، ثم أجابها قائلا كمن يشرح درسا:
-هي موقعها حلو ، مساحتها كويسة ، و انا بصراحة نفسي ابني فوقيها بيت.
ثم أضاف برقة هازئة:
-طبعا ده بعد ما اهد المخزن اللي عليها الاول.
خضب كلامه وجنتيها بحمرة الغضب ، إذ كان واضحا من نبرة صوته الناعمة و كأنه تعمد أن يشعرها بالذل و الحسرة علي إرثها الذي نهبه و إستولي عليه بأساليب الإحتيال ..
فيما غالبت شعور الغضب الذي راح يتصاعد داخلها ، حيث أخذت نفسا عميقا ، و حاولت أن تبادله ذلاقته الهازئة نفسها و هي تقول:
-قبل ما اجي هنا .. كنت متوقعة ان حقوقي هترجعلي بعد المقابلة دي .. كنت متوقعة اعتذار م وندم علي التصرفات الاحتيالية اللي حضرتك لجأتلها عشان تنصب علي ابويا و تسرق منه كل حاجة.
عاد يرسم علي شفتيه تلك البسمة الساخرة ، و رفض منحها تأكيدا شافيا لكلامها ، بل قال و هو يسترخي فوق مقعده:
-طالما كشفنا ورقنا يبقي مافيش داعي للتظاهر بالبساطة و تزويق الكلام.
أردف بهدوء و قد بدا وجهه قريرا متألقا:
-الضرب تحت الحزام شيء مشروع في شغلنا جدا يا انسة .. و اذا كنت انا نصاب زي ما بتقولي .. يبقي والدك العزيز شيخ منصر.
إشتعلت حدقتيها الزرقاوين بغضب حارق ، فهبت واقفة و هدرت بشراسة تدافع عن أبيها:
-والدي اللي بتتكلم عنه ده كان راجل شريف .. كان صاحب شركات و بيزنس محترم ، مش رئيس عصابة و لا حرامي زيك .. و علي فكرة ، اوعي تفتكر اني هسكت علي اللي حصل ، انا مش ممكن اسيب حقي ، و مستحيل اسيب تار ابويا.
منحها نصف إبتسامة باهتة ، ثم سألها ساخرا و هو يعبث بقلما فوق مكتبه:
-و يا تري في ايدك ايه تعمليه يا انسة ؟ مافيش في ايدك غير شوية التهديدات الفارغة اللي بتستخدميها ضدي دلوقتي كسلاح فاسد .. انا معايا السلطة و النفوذ و الفلوس .. انما انتي.
و مسح جسدها بعينيه من الأسفل إلي الأعلي في تقييم ساخر ، و أضاف:
-انتي مش معاكي اي حاجة .. صوتك عالي بس ، لكن ده بردو انا اقدر اسكته بطريقتي.
في تلك اللحظة ، كان قادرا علي ملاحظة الحقد الوحشي يلمع بعينيها الواسعتين ، بينما أحست بموجة عارمة من الغضب في صدرها ، و بالنار تشتعل في عينيها ، فصاحت بعنف تكيل له الصاع صاعين:
-بكرة تعرف ان اللي قلته ماكنش مجرد تهديد .. مش هاسيبك تتهني بشقي ابويا ، و الارض مش هتاخدها ، بعينك ، و قريب اوي هرجعك من الصفر عشان تشحت من اول و جديد بعد ما اخد منك كل حقوقي هعمل معاك اللي عمله ابويا مع ابوك من عشرين سنة.
ثم أضفت إلي صوتها نبرة متعالية لتضعه في مكانه:
-هشتري شركتك دي و كل املاكك بتراب الفلوس .. و ساعتها هتبقي واقف متكتف ، مش هتقدر تعمل حاجة .. زي السيد الوالد.
قالت هذا و شمخت بذقنها متحدية ، فإتقدت عيناه ، و أسود مزاجه ، فأدركت للحال بأنها أخطأت في التكلم بهذه الطريقة عن والده ..
و لكن قد سبق السيف العزل .. إذ أنه رمى قلمه من يده فجأة ، فأجفلت لحركته المفاجأة ، و لكنه تأملها بقوة طويلا حتي أحست بنظراته ستقتلعها من مكانها .. ثم نهض واقفا بحركة خاطفة عنيفة
فتراجعت تلقائيا عندما رأته يتجه نحوها بخطي واسعة ، يدنو منها بجسده الضخم المكسو بالبذلة الأنيقة ..
توترت و هو يزيد من إقترابه منها ، لكنها تجمدت بمكانها متحدية بوجه متصلب ، بينما غمغم هو من بين أسنانه:
-مبدئيا .. الارض بتاعتي .. و هاخدها بأي طريقة ممكنة ، اما انتي بقي .. ففتحتي باب لسكة انتي مش ادها .. مش هحاسبك علي كلامك دلوقتي ، بس اوعدك انك في الايام الجاية ، هاتشوفي اللي عمرك ما شفتيه.
قطبت حاجبيها و هي تنظر إليه واجمة .. كان وجهه شاحبا ، و الندبة أشد إحمرارا عما رأتها لأول مرة ..
إنفتح باب المكتب في تلك اللحظة ، بعد أن طرقه الساعي الذي دلف بالقوة التي آمر بها رئيس العمل ، بينما تنهد “عاصم” بعمق ، ثم دعا “هانيا”للجلوس مجددا بنبرة متكاسلة و كأن شيئا لم يكن:
-اتفضلي اقعدي عشان تشربي قهوتك.
فأجابته بجفاف:
-اشربها انت.
ثم أحضرت حقيبة يدها من فوق المقعد ، و غادرت مسرعة بخطوات واسعة أقرب إلي الركض ..
قطعت مسافة طويلة ، بعيدة عن مقر الشركة ، إلي أن ضاقت ذرعا بنفسها ، فتوقفت تستند إلي شجرة ، تتوق إلي قدر من رباطة الجأش ، خاصة و أنها شعرت بدوار شديد
حمدا لله علي أن لا أحد هنا يشهد ضياعها و وهنها ، فهي لم تشعر في حياتها بمثل هذا الذعر الذي إستبد بها من جراء تهديده ..
ترى ماذا سيفعل ؟ .. ربما ينوي معاقبتها علي مضايقتها له بكلماتها اللاذعة .. و لكن كيف ؟!!
أن “عاصم” هذا لن ينفك أبدا عن فعل أي شيء ليحصل علي ما يريد ، ذلك ما إستنتجته بعد ما فعله ، و ما تأكدت منه بعد أن قابلته ..
لا تستبعد أن ينفذ تهديده ، فعيناه كانتا تشعان نار ، كما أن صوته الهادئ عكس غضب عنيف لا ينذر بخير علي الإطلاق
إنها حاليا لن تستطيع التصرف وحدها ، ستذهب ألي عمها لتأخذ برأيه .. هذا ما ستفعله الأن …

**************

-لأ يا عاصم !
هتف “زين” بقوة معترضا و هو يجلس قبالة صديقه بالمكتب ، ثم تابع منفعلا:
-لحد هنا و كفاية اوي .. انا اذا كنت وافقت اساعدك علي اللي عملته قبل كده فأنا عملت كده عشان كنت متفهم وضعك و عارف ان ماكنش في طريقة تانية ترجع بيها حقك غير الطريقة دي .. لكن كل اللي فات كوم و اللي انت عايز تعمله دلوقتي ده كوم تاني ، البنت مالهاش ذنب في اللي حصل ، خرجها من اللعبة يا عاصم و سيبها في حالها و كفاية اللي عملته فيها.
رمقه “عاصم” في برود ، ثم همهم بهدوء متسائلا:
-همم ! خلصت ؟؟
قطب “زين” مستاءاً ، بينما مد “عاصم” جسده إلي الأمام ، و سند مرفقيه فوق المكتب و هو يقول بلهجة آمرة:
-هتخرج من عندي دلوقتي ، و هتنفذ اللي قلتلك عليه.
كاد”زين” يتكلم ، فقاطعه “عاصم” بصرامة قائلا:
-انا عارف انا بعمل ايه كويس اوي يا زين .. و اظن انت مش غريب عني ، انت معاشرني بقالك سنين و فاهم تصرفاتي.
-ايوه يا عاصم ، بس اللي انت عايزه يحصل ده خطر .. انت فاهم انت بتعمل ايه ؟ انت كده ممكن تضيع مستقبل البنت و تنهي حياتها.
لوى “عاصم” فمه القاسي بإبتسامة بالكاد ظهرت ، و قال:
-قلتلك انا عارف انا بعمل ايه يا زين.
زفر “زين” في كدر و هو يحدق بصديقه ، لقد كان “عاصم” طوال السنين التي مضت ، نموذجا للرجل المستعد لفعل أي شيء لتزويد ثروته
قد يتفهم دوافعه نظرا لنشأته الصعبة ، و لكن لا يمكن أن تصل الأمور إلي هذا الحد ، رغبته في الإنتقام أعمته ، قد يدمر حياة أشخاص ليس لهم أدني ذنب فيما حدث بالماضي .. و “هانيا” في نظر “زين” واحدة من هؤلاء الأشخاص …
أفاق “زين” من شروده فجأة علي صوت صديقه ذا النبرة الحازمة:
-هتنفذ اللي قلتلك عليه.
أطرق “زين” رأسه مذعنا ، ثم قال بخفوت:
-حاضر يا عاصم.

***************

عندما ذهبت إلي مسكن عمها الجديد في “حي الغورية”العريق ، قصت عليه تفاصيل لقاءها ب”عاصم الصباغ” و أخبرته عن التهديدات المخيفة التي أفاض بها ..
كان ” توفيق” يستمع إلي حديث إبنة شقيقه في إهتمام بالغ ، لم يقاطعها للحظة حتي إنتهت .. فتنحنح ثم قال بهدوء:
-انتي غلطتي يا هانيا لما اتهجمتي عليه بالكلام و لما اتكلمتي عن والده بإسلوب مهين .. ده اولا .. ثانيا بقي ، رفضتي عرضه ليه ؟ تقدري تقوليلي هتعملي ايه بحتة الارض اللي فوقيها مخزن فاضي ؟ لو كنتي قبلتي تبيعيله ساعتها كان ممكن تحطي الرقم اللي انتي عايزاه و كان هيدفع طالما طلب يقابلك مخصوص عشان يشتري الارض منك.
تنهدت “هانيا” بعمق ، و قالت بسأم:
-الطريقة اللي اتكلم بيها حسستني بالقهر و الذل يا انكل .. و بعدين ازاي كنت عايزني اوافق علي طلبه و ابيعله الارض بمنتهي السهولة ! الراجل ده هو اللي اتسبب في موت بابا ، و انا لا يمكن احط ايدي في ايده ، ده غير انه سرق مني كل حاجة كمان عايز ياخد الارض !!
هتفت أخر كلماتها بإستنكار إنفعالي ، ثم أضافت في عند صلب:
-مش هبيعهاله ، حتي لو كنت ناوية ابيعها بعد ما قابلته انهاردة مستحيل هبيعها حتي لو مت من الجوع.
و صمتت لثوان تستجمع أنفاسها .. و لكن فجأة غاض الدم من وجهها حين تذكرت تهديداته .. فعادت تقول بنبرة متهدجة و قلبها يخفق في وجل:
-تفتكر ممكن ينفذ تهديده يا انكل توفيق ؟ يا تري ممكن يعمل ايه ؟؟
مط “توفيق” شفتيه قائلا:
-ماعتقدش انه ممكن يعمل حاجة .. مافيش في ايده حاجة تانية يعملها.
ثم مد يده و أمسك بيدها الباردة ، و شد عليها مطمئنا بقوله:
-ماتقلقيش يا حبيبتي .. في كل الاحوال انا جمبك و في ضهرك .. و لا يمكن هسمح لمخلوق انه يمس شعرة منك.
أومأت رأسها مبتسمة في توتر ، فيما راح التورد يخبو في وجنتيها .. إذ عاد إليها الدوار ، و بالكاد أحست عمها ينهض ثم يعود و يضع بين أصابعها المرتجفة فنجانا و يآمرها بلطف أن تشربه:
-اشربي الشاي يا حبيبتي و هدي اعصابك خالص .. كفاية تفكير و حاولي تسترخي.
أحتست “هانيا” الشاي في عصبية .. فعاد لونها المفقود .. لكنها إستمرت تفكر خائفة …

أفاقت “هانيا” من شرودها فجأة علي صوت سائق الحافلة الجهوري و هو يقول:
-يا انسة .. انتي يا انسة خلاص وصلنا الوراق.
طرفت “هانيا” مضطربة ، فجمعت شتات نفسها سريعا ، ثم تلفتت حولها ، و تنبهت إلي خلو الحافلة و وحدتها بها ، فغادرت بدورها ..
و لدي وصولها إلي منزل مربيتها .. فتحت لها باب المنزل الإبنة “هنا” بوجه قاتم سرعان ما إستحالت تعابيره إلي الإستغراب و الحيرة عندما شاهدت وجه “هانيا” الأبيض الشاحب ..
بينما عبرت السيدة “قوت القلوب” الصالة الصغيرة بخطوات واسعة نحوها و القلق باد علي ملامح وجهها ، و قبل أن تفكر “هانيا” في وسيلة للهرب ، وصلت إليها الأخيرة .. :
-هانيا !
هتافها المختصر جمدها بمكانها ، فإستدارت إليها متسائلة:
-نعم يا داده ؟؟
-كنتي فين ؟؟
سألتها بلطف قلق ، فأجابت “هانيا” بهدوء:
-انا مش قلتلك امبارح ان عندي ميعاد مهم ؟؟
-ايوه .. بس انتي نزلتي قبل ما اصحي ، و اتأخرتي اوي قلقتيني عليكي.
عللت “هانيا” سبب تأخرها بقولها:
-بعد ما خلصت المشوار اللي كنت فيه روحت ازور انكل توفيق عشان كده اتأخرت شوية.
أومأت “قوت القلوب” رأسها في تفهم ، بينما إستأذنت “هانيا” قائلة:
-عن اذنك يا داده هدخل انام.
إحتجت “قوت القلوب” بإستنكار قائلة:
-مش هتتعشي !!
منحتها “هانيا” أبتسامة رقيقة ، و شكرتها قائلة:
-شكرا يا داده .. بس انا مش قادرة آكل .. عايزة انام بس .. تصبحي علي خير.
تنهدت “قوت القلوب” بإشفاق علي حال الفتاة التي ربتها كإبنتها منذ نعومة أظافرها ، بينما دلفت “هانيا” إلي غرفتها و إستلقت علي الفراشة متهالكة بعد أن خلعت حذائها و نزعت معطفها و القميص الذي كبل حركتها ..
ثم تكومت علي جانبها الأيمن ، و ضمت ساقيها إلي صدرها آخذة وضعية الجنين في بطن أمه .. و ما هي إلا ثوان معدودة حتي غطت في نوم عميق من فرط إرهاقها ، و ما شهدته اليوم من خوف و إضطراب …

****************

كانت مستغرقة في نوم سيطرت عليه الكوابيس التي نسيتها .. أحست ألما عنيفا يغزو رأسها .. حاولت أن تنهض و لكنها لم تستطع حتي تحريك أصبعها ..
ما سبب ثقل جسمها الغريب ؟ .. ربما لو حاولت التحامل علي نفسها لنهضت .. و لكن هناك صوت لم يصدر عنها سمعته فلسانها كان ثقيلا جدا و كأنه قطعة من حجر ..
أحست بأنها بالفعل ليست وحدها في الغرفة .. هناك من يتنفس في مكان قريب منها ..
حاولت إختراق الظلام بعينيها لتراه .. فلمحت خياله الأسود يقترب منها ببطء .. تسلل شعور الخوف و الذعر إلي داخلها عندما بدأت ملامحه تضح لها ..
التقاسيم الوسيمة المألوفة ذات التعبير الساخر المخيف .. إتسعت عيناها و زادت محاولاتها في الحركة و الهرب دون فائدة ..
و هنا قال الصوت الساخر ليجفف الدماء في عروقها:
-انتي ليا انا و بس يا رضوي .. اوعي تفتكري اننا خلصنا لحد كده لأ .. مسيرك ترجعي لحضن اكرم حبيبك .. و جوزك.
تدفقت دموعها و هي تراقبه يقترب منها و ملامحه الوسيمة تستحيل تدريجيا إلي أخري شيطانية ، و المخالب تبدأ بالظهور من أطراف أصابعه ..
في تلك اللحظة ، أطلقت “رضوي” صرختها المختنقة و هي تهب جالسة فوق السرير و قد تبلل جسدها تماما بالعرق رغم برودة الجو ، نظرت حولها لاهثة برعب .. كانت الغرفة غارقة في الظلام حتي إنفتح الباب بقوة ، و دلفت والدتها السيدة “دينار” مهرولة تجاه إبنتها .. :
-رضوي ! بسم الله الرحمن الرحيم مالك يا حبيبتي ؟؟
قالت “دينار” ذلك و هي تضم جسد إبنتها المنتفض ، و تمسد ظهرها في محاولة لتهدئتها .. بينما صاحت “رضوي” بهلع:
-ماما ، ماما خليه يمشي يا ماما .. خليه يمشي عشان خاطري.
-هو مين ده يا حبيبتي ؟؟
-اكرم .. اكرم يا ماما.
جابت “دينار” ببصرها أرجاء الغرفة ، فوجدتها خاوية تماما إلا منها و من إبنتها ، فعادت تقول لإبنتها بصوت هاديء ناعم:
-حبيبتي الاوضة فاضية .. مافيهاش حد غيري انا و انتي.
صرخت “رضوي” قائلة:
-لأ .. بقولك اكرم هنا .. كان واقف جمب السرير دلوقتي.
أضاءت “دينار” مصباحي الطاولتين اللتين حاصرتا الفراش العريض قائلة:
-بصي كده يا حبيبتي .. اهيه الاوضة فاضية قدامك .. اكرم مش هنا ، و مستحيل يدخل هنا ، انتي كنتي بتحلمي.
ثم عادت تهدئها بصوتها الدافيء:
-ماتخافيش يا رضوي .. انتي في وسطنا .. انا و اخوكي حواليكي ، محدش يقدر يهوب ناحيتك و لا يأذيكي.
إبتلعت “رضوي” ريقها بصعوبة ، و راحت تسمع صوت أمها يطمئنها ، كما شعرت بها تمددها علي الفراش ، و هي تربت علي شعرها بحنان ..
فإنحسرت الأحلام القاسية .. و إستغرقت “رضوي” في نوم هاديء و هي تشعر بالراحة و الأمان ، فيما والدتها تربت علي خدها ، ثم تنحني لتضع قبلة علي جبينها …

****************

في صباح اليوم التالي ..
أستيقظت السيدة “قوت القلوب” علي صوت طرقات عنيفة علي باب المنزل ، فخرجت من غرفتها مسرعة ، و إتجهت صوب الباب مهرولة و هي تفرك بعينيها لتزيل عنهما أثر النعاس ، ثم صاحت:
-ايوه ايوه جاية اهو .. يا ساتر يا رب ، مين ده اللي بيخبط بالطريقة دي ؟؟
و فتحت الباب لتتفاجأ برجلان يرتديان الزي الرسمي الخاص بالشرطة ، فشهقت في فزع ، ثم قالت بشحوب تحدث القائد الذي يواجهها:
-صـ صباح الخير يا باشا .. خير ؟؟
رد الأخير بغلظة قائلا:
-هانيا مصطفي علام .. قاعدة هنا ؟؟
.

الحلقة ( 6 ) – فراشة .. عالقة في شرك -:

إنضمت “هنا” في تلك اللحظة إلي أمها ، و تساءلت بوجه عابس:
-ماما ! في ايه ؟؟
تجاهلتها السيدة “قوت القلوب” و عادت تسأل الضابط في توجس:
-هي عملت ايه يابني ؟ عايزينها ليه ؟؟
صاح بها الضابط بفظاظة:
-مالكيش دعوة يا ست انتي ، جاوبي علي اد السؤال و بس ، هانيا مصطفي علام قاعدة عندك هنا ؟؟
و قبل أن تنطق “قوت القلوب” بحرف ، أتت “هانيا” من خلفها بخطي ثابتة و وجه متجهم متصلب ، ثم أجابته بصوت مرتج:
-انا هانيا مصطفي علام يا حضرة الظابط .. خير ؟؟
صوب الضابط ناظريه نحوها .. عاينها للحظات قبل أن يقول:
-مطلوب القبض عليكي يا انسة .. اتفضلي معايا بهدوء لو سمحتي.
علت نبرة “قوت القلوب” و هي تسأله مستنكرة:
-ليه يا باشا ؟ هي عملت ايه بس ؟؟
أجابها الضابط بإقتضاب حاد:
-و الله ماعرفش يا ست ، كل اللي اعرفه ان معايا امر بضبط و احضار الانسة و لازم انفذه.
-طب ممكن اغير هدومي الاول ؟؟
قالتها “هانيا” بجمود ، فأومأ الضابط رأسه قائلا:
-اتفضلي بس بسرعة.
إستدارت “هانيا” علي عقبيها ، و إتجهت إلي غرفتها ..
بدلت ملابسها بآلية و هي تفكر بقلب واجف .. تري ما طبيعة الفخ الذي نصبه لها “عاصم الصباغ” ؟؟

***************

كان “عاصم” يحتسي الشاي في ركنه المفضل بحديقة قصره ، عندما أقبل “زين” عليه بخطي واسعة ..
و بدا أن إحتقان وجهه غمر وجه “عاصم” بالرضا ، إذ أنه إبتسم بقوة ، و قال بعد أن جلس صديقه في مقعد قبالته:
-ها ! طمني ايه اللي حصل ؟؟
رد “زين” بإقتضاب حانق:
-حصل اللي انت عايزه بالظبط ، و زمانها في القسم دلوقتي.
إزدادت إبتسامة “عاصم” إتساعا ، و هو يرفع عينيه نحو سماء النهار مرددا بإنتصار:
-وقعت في المصيدة .. و محدش ممكن يحررها غيري .. دلوقتي هتنفذ اوامري كلها بالحرف ، و مش هتقدر ترفع عينها فيا حتي.
قطب “زين” متعجبا و هو يسأله:
-ليه بتعمل كده يا عاصم ؟ ذنبها ايه البنت في العداوة اللي كانت بينك و بين ابوها ؟؟
نظر له “عاصم” صامتا لبرهة ، ثم أجاب بصوت هادئ و ملامح عدوانية:
-ذنبها انها بنته .. بنت الراجل اللي دمرني و دمر عيلتي .. انا انتقمت لابويا منه خلاص و خدت تاره .. لكن حاسس اني لسا مارتحتش يا زين.
و أردف في شر مطلق ، و عيناه تقدحان نارا:
-بنته هي اللي هاتريحني .. هي اللي هتشفي غليلي ، هي اللي هاتبرد النار اللي قايدة جوايا من 20 سنة.
نظر إليه “زين” في ريبة ، و عاد يسأله:
-انت ناوي علي ايه تاني يا عاصم ؟؟
قست تعابير وجهه ، و هو يجيبه بصرامة:
-ناوي اخد بتاري.
هز “زين” رأسه في يأس ، بينما أتي فجأة أحد أفراد الحرس ، ثم قال بهدوء و هو يدنو من “عاصم”:
-عاصم باشا ، في واحد جه برا بيقول انه صاحب شهاب بيه و عايز يدخلله.
سأله “عاصم” متجهما:
-فتشتوه ؟؟
-ايوه يا باشا و نضيف.
تغضن جبين “عاصم” بعبسة متململة ، لكنه أعطاه الأذن بإقتضاب:
-خليه يدخل.
أنحني الحارس لسيده ، و إنسحب في هدوء ..
فيما عاد “عاصم” يهتم بجلسته مع صديقه ، فقال له و هو يشير إلي وعاء الشاي البلوري:
-هعزم عليك بالشاي و لا ايه ؟ ما تصب لنفسك يا اخي !

**************

مال النهار إلي الإنتصاف ..
عندما وصلت “هانيا” إلي نقطة الشرطة برفقة الضابطين اللذين كُلفا بإحضارها ..
راحت تتلفت يمينا و يسارا متفحصة المكان و الجدران ذات الرائحة المقززة ، و تلك الطرقات التي تعج بالسارقين و المجرمين ، كان المكان وقتها كالطوق الذي يزيد ضيقه إختناقها ..
حتي إنحرف بها الضابط المسؤول يمينا ، و أدخلها حجرة مكتب السيد “وكيل النيابة” ..
كان رجلا في منتصف الثلاثينات ، يجلس خلف مكتبه مشغولا ببعض الأوراق ، إلي أن أنتشله صوت الضابط الشاب من أوج تركيزه:
-تمام يافندم ، هانيا مصطفي علام حضرتك.
رفع الأخير رأسه عن الأوراق ، و تبادل مع “هانيا” النظرات في صمت ، ثم قطع نظراتهما بقوله:
-ماشي يا احمد .. اتفضل انت دلوقتي و ابعتلي عادل عشان يكتب المحضر.
أدي الضابط “أحمد” التحية العسكرية أمام رئيسه الأعلي رتبة ، ثم إستدار علي أعقابه ، و غادر المكتب ..
بينما راحت “هانيا” تفرك بكفيها في عصبية قبل أن يأتيها صوت الضابط الهادئ:
-اتفضلي اقعدي يا انسة.
و أشار لها أن تجلس بمقعد قرب مكتبه ..
تقدمت “هانيا” بضع خطوات حتي وصلت إلي المقعد ، فجلست فوقه مرتعدة الأوصال ، ثم تطلعت إليه في ريبة متسائلة بنبرة مختلجة:
-اقدر اعرف انا هنا ليه يا حضرة الظابط ؟؟
كانت تحاول إستعجال الأمور ، فكلما تلقت المصائب تباعا بصورة سريعة ، كلما كانت الصدمات قليلة
قاطعهما فجأة دخول شاب عشريني نحيل ، يرتدي قميصا و سروالا لا ينتميان إلي زي الشرطة الرسمي ..
ألقي علي الضابط تحية الصباح ، ثم تقدم نحوه ، و أخذ مكانه في مقعد بجوار المكتب مباشرة ..
بينما نظر الضابط إلي “هانيا” صامتا لبضع دقائق ، يتأمل هيئتها الأرستقراطية ، ثم غرق في كرسيه ، و أخذ ينقر بقلمه فوق سطح مكتبه قائلا:
-قوليلي الاول يا انسة هانيا .. يا تري عندك علم بمخزن في المنصورية كان ملك لوالدك قبل ما يكتبه بإسمك ؟؟
إزدردت ريقها مرتابة ، و حاولت أن تبلل شفتيها اليابستين بلسان جاف و هي تقول بصوت خرج منها بصعوبة:
-ايوه .. يا تري في مشكلة ؟؟
إعتدل في جلسته و هو يجيبها:
-في بلاغ اتقدم فيكي انهاردة الصبح بإنك بتستعملي المخزن كوسيلة في تجارة و ترويج المخدرات.
هنا هبت “هانيا” واقفة غير قادرة علي الجلوس من هول ما سمعته ، فهذه التهمة كانت بعيدة تمام البعد عن تصورها .. فصاحت مذعورة:
-مخدرات ايه ؟ مستحيل ! ايه الكلام الفارغ ده ؟؟
هتف الضابط بصرامة:
-من فضلك يا انسة اقعدي ، انا لسا ماخلصتش كلامي.
و بدت “هانيا” و كأنها رفضت ، لكنها عاودت الجلوس محدقة فيه بقوة ، بينما فتح هو أحد أدراج المكتب ، و أخرج كيسا شفافا يحوي مادة بيضاء اللون ، ثم نظر إلي “هانيا” قائلا بهدوء:
-الكيس ده كان من ضمن مجموعة اكياس كتير جوا صناديق في المخزن بتاعك يا انسة هانيا .. و اعتقد انتي خمنتي ايه اللي جوا الكيس ده !
صمتت “هانيا” تحت تأثير الصدمة القاتلة ، فسألها الضابط:
-لو ليكي شركا اعترفي عليهم .. الكمية اللي لاقيناها كتيرة ، و لو اعترفتي ده هيكون في صالحك.
تابعت “هانيا” صمتها مكتفية بشعور الرعب الذي أخذ يتعاظم بداخلها ..
تنهد الضابط في تكاسل ، و وجه بصره إلي مساعده قائلا بعد أن فقد الأمل في إنتزاع الكلمات الدفاعية منها:
-اكتب يابني .. اُقفل المحضر في تاريخه .. عقب إثبات ما تقدم .. و قررنا نحن .. طارق الحُسيني .. وكيل النائب العام .. أولا .. حبس المتهمة .. هانيا مصطفي علام اربعة ايام علي ذمة التحقيق .. علي أن يراعي التجديد لها في الميعاد .. ثانيا .. يتم إستدعاء .. فريق مشكل من أعضاء هيئة الطب الشرعي لفحص المضبوطات .. قبل إتخاذ النيابة أيا من قراراتها .. و أخيرا .. يتم أخطارنا بمحضر الاجراءات.
في تلك اللحظة ، نطقت “هانيا” بصوت مبحوح بعد أن غص الريق في حلقها حتي كادت تختنق به:
-ممكن اعمل مكالمة ؟؟

**************

لم يصدق “شهاب” عينيه حين رأي صديقه يدلف إلي غرفته ..
فقفز من فوق فراشه ، و هرول نحوه ، بينما أغلق صديقه باب الغرفة مسرعا و هو يرتعد خوفا:
-شادي ! اتأخرت كده ليه ؟؟
هتف “شهاب” منفعلا بنبرة متهدجة و قد أصابه الرشح ، كما كان يتعرق بقوة رغم برودة الجو ، مما يوحي بأعراض إنسحاب المواد المخدرة من جسده ..
إلتفت “شادي” إليه ، و أجابه بصوت أقرب إلي الهمس:
-شششش يا عم هتفضحنا .. ده انا قبل ما ادخللك اتفتشت تفتيش ذاتي ، كان ناقص يقلعوني البوكسر.
قبض “شهاب” علي رسغه بقوة و هو يسأله بأضطراب شديد:
-يعني ايه ؟ ماجبتش اي حاجة ؟؟
إبتسم “شادي” و هو يتطلع إلي صديقه مستمتعا بحالته المزرية تلك ..
فقد إستحوذت عليه المخدرات بشكل كامل ، و قد إستولي عليه الضياع بعد أن كان نعم الشباب و أفضلهم في المستوي الإجتماعي و الثقافي ..
تنهد “شادي” مسرورا لتحقيق مآربه ، و هو إفساد واحدا من بنو الطبقة الرفيعة المترفة ، فعل ذلك إنتقاما للطبقة المعدمة التي ينحدر منها ، و حقدا علي شخص يحيا حياة لطالما كان يتمناها بلا أمل ..
بينما خلع ساعة يده ، و فك إطارها المعدني مخرجا منها لفافة بلاستيكية صغيرة .. لمعت عينا “شهاب” لمرأي تلك اللفافة ، فمد يده بسرعة البرق و خطفها من بين أصابع “شادي” الذي صاح مذعورا:
-بتعمل ايه يا محنون ؟ دول جرامين ، استني انا هاديك نص جرام علي ادك.
أحاط “شهاب” اللفافة بيديه مبتعدا عن صديقه و هو يقول بأنفاس متلاحقة:
-انا هاخد الجرامين يا شادي .. انا محتاجهم اوي ، انت ماتعرفش انا استنيتك تيجي و تجيبهملي اد ايه !
-يابني كده مش حلو .. الجرعة هتبقي شديدة اوي عليك ، و ممكن تموت Overdose بـ(جرعة مُفرطة).
-انا مش هاضرب التذكرة كلها.
حاول “شهاب” أن يقنع صديقه بلا جدوي ، فتوجه نحو أحد أدراج خزانته ، و عاد إليه من جديد ، ملوحا له بالمال الذي سال له لعابه ..
أخذ “شادي” المبلغ المالي من “شهاب” و نصحه للمرة الأخيرة بعدم الإفراط في التعاطي ، ثم رحل في حذر و توجس ..
بينما جلس “شهاب” خلف طاولة مستطيلة منخفضة توسطت غرفته الفخمة الواسعة ، و أفرغ محتوي اللفافة فوق اللوح الزجاجي للطاولة ، و بعد أن أعد كل الطقوس و الوسائل اللازمة ، دنا برأسه ، و راح يستنشق بشراهة تلك المادة البيضاء حتي أنهي الجرامين بالكامل ..
ثم عاد بجسده يسترخي متهالكا فوق الأريكة الجلدية البيضاء و قد بدا منتشيا إلي أقصي حد ..

**************

إنتابت ” توفيق” حالة من الذعر و القلق الهستيري فور تلقيه مكالمة “هانيا” ..
لم تقل له هي سوي أنها محجوزة بقسم الشرطة لإتهامها بالإتجار في المخدرات ..
و في الحال قفزت صورة “عاصم ” أمام أعينه ، و تذكر مخاوف إبنة شقيقه من تهديداته .. لم يعرف “توفيق” كيف إرتدي ملابسه بسرعة جنونية ، و كيف إنطلق كالسهم إلي القسم الذي أحتُجزت به “هانيا” منذ الصباح ..
توجه مسرعا إلي مكتب وكيل النيابة بعد أن سأل عنه أحد العساكر ، بينما إستوقفه بحدة ذاك العسكري الشاب الذي وقف أمام مكتب وكيل النائب العام ليحرسه:
-رايح فين يا استاذ انت ؟؟
أجابه “توفيق” بنبرة متوترة جراء المجهود الخرافي الذي بذله في المجيء إلي هنا بأقصي سرعة ممكنة:
-انا توفيق علام ، عايز اقابل وكيل النيابة ، بنت اخويا محجوزة عندكوا هنا من الصبح ، من فضلك ادخل اديله خبر اني عايز اقابله.
تغضن وجه العسكري و هو يقول بجفاف:
-طيب .. استني هنا و ماتتحركش من مكانك.
أومأ “توفيق” رأسه موافقا ، بينما طرق الأخير باب المكتب ..
دلف ، و غاب للحظات ، ثم عاد و سمح له بالدخول .. فإندفع “توفيق” إلي الداخل بسرعة
فيما بدا أن السيد “طارق” وكيل النائب العام كان جالسا في إنتظار قدومه ..
إذ أنه نهض واقفا علي قدميه ، و مد يده عبر المكتب الفاصل بينهما ليصافحه قائلا بلهجة رسمية مؤدبة:
-مساء الخير ، اهلا بيك يا توفيق بيه.
مد “توفيق” يده بدوره و صافحه قائلا بصوت مرتجف ممزوج بشيء من العصبية:
-مساء النور ، اهلا بحضرتك .. فين بنت اخويا يا باشا ؟؟
هز “طارق” رأسه و هو يقول بهدوء:
-اتفضل اقعد الاول يا توفيق بيه.
رمقه “توفيق” بعبسة متململة ، و جلس علي مضض ..
عاود المحقق “طارق” الجلوس بدوره ، و بدأ حديثه قائلا:
-اولا انا عايز حضرتك تعرف و تفهم كويس ان الموضوع مش بسيط نهائي .. انتوا عيلة معروفة و اشهر من نار عالعلم ، لكن بنت اخو سيادتك تهمتها مش بسيطة ابدا .. انهاردة الصبح جالنا بلاغ انها متحفظة علي كمية كبيرة من المخدرات في مخزنها اللي علي طريق المنصورية .. و لما بعتنا قوة تتحقق من الكلام ده اتضح انه مظبوط.
و أخرج “طارق” الكيس الذي أراه إلي “هانيا” ، و وضعه فوق سطح المكتب أمام “توفيق” متابعا بقوله:
-كيس البودرة ده جبناه من جوا المخزن يا توفيق بيه .. و للأسف في منه كتير جدا ، و دي قضية مش سهلة زي ما انت عارف ، اقل حكم فيها 25 سنة .. و جايز اعدام.
حدق “توفيق” فيه كالأخرس ، و بعد أن تدارك معني كلماته ، هتف منفعلا:
-مستحيل ، الكلام ده مش مظبوط ، هانيا دي لسا بنت صغيرة بتدرس ماتمتش 22 سنة ،و هي اصلا عمرها ما انضمت لشركة والدها و لا اشتغلت في البيزنس من اساسه ، ده غير انها حاليا افتقرت ماتحتكمش علي و لا مليم ، يبقي ازاي بتاجر في المخدرات و بالكمية الكبيرة اللي حضرتك قلت عليها دي ! مش معقول !!
هز الضابط “طارق” رأسه آسفا و هو يقول:
-للأسف يا توفيق بيه كلام حضرتك ده لا هيقدم و لا هيأخر .. المخدرات إتظبطت جوا المخزن ، و المخزن ملك الانسة هانيا ، يعني بأسمها و الضرر كله واقع عليها لوحدها مش علي حد تاني ، حضرتك مش هتقدر تعملها حاجة.
صر “توفيق” علي أسنانه غاضبا لشعوره بعجزه الذي لم يشعر به إلا الأن و هو يري إبنة شقيقه تكاد تسقط في هوة بلا قرار ، بينما لم يستطع هو أن يفعل لها شيئا ..:
-انا عايز اشوف بنت اخويا لو سمحت.
هتف “توفيق” بصلابة ، فأومأ الأخير رأسه مرارا ، و في هدوء رفع سماعة الهاتف و تحدث بالآتي:
-ايوه يا ماهر .. هاتلي الانسة هانيا علام علي مكتبي من فضلك .. بسرعة.
و لم تمر دقيقة إلا و دلف الضابط الأقل رتبة و معه “هانيا” التي ركضت صوب عمها فور رؤيتها إياه
بينما إنتصب “توفيق” واقفا ، و إحتوي إبنة شقيقه بين ذراعيه ..
إستأذن “طارق” و غادر المكتب ليعطيهما بعض الخصوصية
فيما تفجرت الدموع من عيني “هانيا” و هي تجهش بالبكاء المُر فوق صدر عمها .. فأخذ “توفيق” يربت علي شعرها بلطف ، و يمسد ظهرها في محاولة لتهدئتها دون فائدة .. فقال يطمئنها بصوته الدافئ:
-بس يا هانيا .. ماتخافيش يا حبيبتي انا مش هاسيبك ، هخرجك من هنا و الله ماتخافيش.
أصدرت “هانيا” أنينا متشنجا قبل أن ترد بصوت مخنوق من شدة البكاء:
-مش هتقدر تعملي حاجة يا انكل .. انا خلاص ضيعت .. هو دمرني زي ما دمر بابا .. ماكنتش متخيلة ابدا انه ممكن يعمل فيا كده ، ده مش بني ادم ، مستحيل يكون بني ادم.
أطلق “توفيق” لعنة مختنقة ، لكنه عاد يُطمئن “هانيا” بصوت أجش هذه المرة:
-ماتخافيش يا هانيا .. وثقي فيا .. ثقي في عمك ، مش هاسيبك تتحبسي في السجن و لا يوم صدقني.
صمت “هانيا” أذنيها عن كلمات عمها المطمئنة ، و تابعت نحيبها المرير ، فضاق “توفيق” ذرعا بذلك ، و أمسك بوجهها الصغير بين كفيه الكبيرين ، ثم رفعه لينظر إليها في قوة ، قائلا بعزم:
-و رحمة ابوكي .. و حياتك عندي لهخرجك من هنا.
سألته “هانيا” واهنة و هي تمسح دموعها بقبضة متقلصة:
-هتعمل ايه يا انكل ؟؟
إلتحفت عيناه بالغموض ، و تقلص فمه واجما حين لاحت صورة “عاصم الصباغ” بذهنه ، و ما نوي أن يفعله بعد خروجه من هنا ..
بينما رأت “هانيا” في عيني عمها وعود صادقة طمئنتها و أخافتها في آن …

***************

قطع دوي رنين الهاتف حديث “عاصم” و “زين” ..
فإلتقط “عاصم” هاتفهه من فوق الطاولة أمامه ، و نظر إلي أسم المتصل ، و إبتسم ، ثم أجاب:
-الو .. اهلا يا طارق بيه ، ها طمني ، ايه الاخبار ؟؟
أجاب الطرف الأخر بقوله:
-كله تمام يا عاصم باشا .. ماشيين علي تعليمات حضرتك بالظبط ، و عمها لسا واصل من شوية و قاعد معها جوا في مكتبي دلوقت.
أومأ “عاصم” رأسه مهمهما ، ثم سأله و قد برقت عيناه بترقب:
-حالتها .. عاملة ازاي يا طارق بيه ؟؟
-بصراحة البنت منهارة عالأخر و أعصابها مدمرة.
إتسعت إبتسامة “عاصم” الخبيثة لسماع ذلك التصريح من الضابط المحقق الذي جنده للعمل لصالحه ، فيما عاد يقول منبها:
-مش هاوصيك يا حضرة الظابط .. المعاملة لازم تكون كويسة ، و الضيافة لازم تكون كريمة ، الموضوع كله مش هياخدله يومين زي ما الاستاذ زين فهمك.
-اه طبعا طبعا يا باشا انا فاهم .. احنا من اول ما جبناها و هي قاعدة عندنا معززة مكرمة ، ده انا حتي وصيت العساكر ينقلوا الستات القلق من الحجز لحد ما الموضوع يخلص عشان مايتعرضولهاش.
-حجز !!
صاح “عاصم” بغضب ، و تابع بصوت عنيف إستنكاري و كأنه يتوعده:
-انت نزلتها الحجز يا حضرة الظابط ؟؟!
تلعثم “طارق” مرتبكا و قد شعر بإضطراب شديد من لهجة “عاصم” السافرة ، فإن إثارة غضب واحدا مثل “عاصم الصباغ” لن تكون أبدا نقطة في صالحه
فهو يعلم جيدا إلي أي مدي نفوذه واسعة ، كما أن أمواله طائلة ، يستطيع أن يفعل من خلالها ما يحلو له عن طريقه أو عن طريق ممن سواه أيضا ..
لهذا إنطلق صوته المرتبك يقول ملطفا في حذر:
-يا باشا ننقلها في احسن حتة عندنا في القسم حالا و لوحدها ، و لا تضايق نفسك اوامر معاليك علي راسنا.
بوجوم و خشونة رد “عاصم”:
-انا بنفسي هاجي اشوفها بكرة .. و يا ريت ألاقيها كويسة و مش متبهدلة.
-اكيد يا باشا ، انا تحت امرك.
و أغلق “عاصم” الخط معه متنهدا ، بينما سأله “زين” مترقبا:
-ها ! قالك ايه طارق الحسيني ؟؟
أجابه “عاصم” بترفع و إنتصار:
-عمها معاها في القسم دلوقتي.
ثم إشرق وجهه قريرا راضيا ، فقد حاكي جيدا رداء التهمة فوق جسد “هانيا” بحيث إستطاع بسلطته الطاغية ، و وسائله الملتوية أن يخلق لها مأزق وهمي ليجعلها ترضخ له و تنفذ كافة أوامره .. :
-طب وبعدين يعني ؟ ايه اللي هيحصل دلوقت ؟؟
وجه “زين” تلك التساؤلات إلي “عاصم” الذي صمت لبرهة ، ثم هز كتفيه بخفة و أجابه ببرود:
-و لا جاجة .. اكيد عمها هيشرفنا انهاردة في اي لحظة .. و انا مستعد للمقابلة دي اوي .. اما هي.
و أضاف متشفيا بعد تنهيدة عميقة:
-هاروحلها بكرة القسم زي ما سمعت من شوية .. و هشوف بقي دماغها هاتوديها علي فين !
و هنا آتي أحد أفراد الحرس مهرولا و هو يقول لاهثا بوجه شاحب:
-عاصم باشا ، الحق يا باشا شهاب بيه !
هب “عاصم” واقفا كما العاصفة و هو يهتف بقلق محتد:
-ماله شهاب ؟؟
في إرتباك و وجل أجاب الحارس:
-شـ شوقي دخل يوديله الغدا فـ فـ ..
-فـ ايه انطق ؟؟
صاح به “عاصم” في عنف أجاب الحارس علي إثره مرتعد الأوصال:
-فلاقاه مرمي عالأرض و قاطع النفس خالص يا باشا.
إتسعت حدقتاه في رعب مطلق ، و بسرعة البرق ، إجتاز “عاصم” حديقة قصره ركضا يتبعه “زين” و من ثم صعد الدرج المؤدي إلي العُلية الأولي إثنتين إثنتين قفزا حتي وصل إلي غرفة شقيقه ..
دفع باب الغرفة الموارب ، و ولج إلي الداخل ..
كان صدره يعلو و يهبط ، و يتسرب من بين شفتيه صوت لهاث و هو يبحث عن أخيه بعينيه .. إلي أن وجده ملقي فوق الأرض الرخامية بجوار فراشه ، و بجانبه لفافة بلاستيكية شفافة و ورق نحاسي صغير ..
علت الصدمة وجه “عاصم” و هو يري من موضعه لون بشرة شقيقه تزداد شحوبا و إصفرارا ، كما رأي تلك الرغوة البيضاء منبعثة من جوفه تسيل علي جانب فمه
فأسرع نحوه ، و جثا إلي جانبه ، ثم قام بجس نبضات معصمه .. فوجدها ضعيفة و بطيئة للغاية ..
شعر “عاصم” بخوف بارد يدب في قلبه ، و غمره إحساس مألوف بالفقد أثقل صدره بوطء مفزع لأمر لم يقع بعد و هو يري وجه أخيه و قد غارت الدماء منه حتي إعتراه الشحوب التام
إلتقط”عاصم” اللفافة البلاستيكية و لوح بها في الهواء ، و هو يهدر بصوت كالرعد في وجوه حرس القصر الذين إجتمعوا دفعة واحدة داخل غرفة “شهاب” فور سماعهم بالكارثة التي وقعت:
-المخدرات دي دخلت لأخويا ازااي ؟ الزفت ده وصلله ازاااي ؟ انتوا كنتوا فين يا شوية *****
هدئه “زين” بصرامة قائلا:
-اهدا يا عاصم مش وقته التحقيق ده ، هنتصرف معاهم بعدين ، المهم دلوقت نلحق شهاب.
و بسرعة أخرج هاتفهه ليطلب سيارة إسعاف ، بينما تكلم أحد أفراد الحرس لإقصاء الذنب عن نفسه ، و مدافعا عن باقي زملاءه:
-يا عاصم باشا اكيد صاحب شهاب بيه اللي جه من شوية هو اللي اداله الحاجات دي ، مش ممكن احنا اللي هندخلهاله من ورا حضرتك يعني.
أكفهر وجه “عاصم” في تلك اللحظة و بدا قادرا علي القتل ، فقد كان عذر الحارس أقبح من ذنبه ، فهو من المتفرض أن يقوم بتفتيش كل من يدلف إلي القصر و إلي غرفة “شهاب” بالأخص تفتيشا دقيقا ، إذن كيف وصلت تلك السموم المخدرة إلي شقيقه ..
قال “عاصم” و هو يصدح بصوته العنيف:
-معني كده ان سيادتك خيال مآته ! اي حد ممكن يغفلك و يدخل القصر بأي حاجة.
كاد الحارس يتكلم ليدافع عن نفسه مجددا ، فقاطعه “عاصم” مزمجرا بشراسة:
-و ديني و ما اعبد لو اخويا حصله اي حاجة لهدفنكوا كلكوا بالحيا.

****

وصلت سيارة الأسعاف في وقت قصير ، و حُمل “شهاب” علي السرير النقال من غرفته إلي العربة ..
بينما إنضم “عاصم” إلي سيارة ” زين” و إنطلقا بسرعة ليلحقا بسيارة الإسعاف المتجهة إلي المشفي العام بقلب المدينة …

علي الطرف الأخر ..
ترجل “توفيق” من سيارة الأجرة التي أوصلته أمام قصر “عاصم الصباغ” ..
دفع الأجرة للسائق ، ثم إتجه صوب البوابة المفتوحة ، فإعترضا طريقه رجلان ضخمان الجثة ، و سأله أحدهم:
-علي فين يا استاذ انت ؟؟
رد “توفيق” بخشونة:
-عايز اقابل الاستاذ عاصم الصباغ.
أجابه الحارس الثاني:
-الباشا مش موجود ، خرج.
تجهم “توفيق” فصاح بهما محتدا بصوته الجهوري:
-يعني ايه خرج ! انا مش ماشي من هنا الا اما اقابله.
هتف الحارس في لطف حازم:
-يافندم بقول لحضرتك خرج ، لسا خارج حالا راح المستشفي ورا شهاب بيه اخوه عشان تعب فجأة.
أجفل “توفيق” غير مصدق أقوالهم ، لكنه إستدار علي عقبيه ليغادر ..
فأستوقفه صوت الحارس قائلا:
-لما يرجع الباشا .. اقوله مين سأل عليه يافندم ؟؟
وقف “توفيق” ثم أدار جانب وجهه الأيمن قائلا من فوق كتفه:
-انا هبقي اجيله تاني.
و غادر “توفيق” و نيران الغضب تتأجج بداخله …

***************

إقتحمت سيارة الإسعاف فناء المشفي العام ، ثم توقفت بالساحة الرئيسية أمام بوابة الدخول الأمامية ..
بينما أسرع “عاصم” في أعقابه “زين” نحو “شهاب” المحمول علي السرير النقال ..
رافقاه حتي ولج إلي حجرة الكشف مع طبيب الإستقبال الجالس متأهبا للحالات الطارئة ..
هتف الطبيب الثلاثيني منفعلا بالممرضة التي إنضمت إليه لتساعده و هو يكمل فحصه لحدقة عين “شهاب” المسجي فوق الفراش الطبي:
-قيسيلي ضغط الدم بسرعة.
و بينما شرعت الممرضة في تنفيذ الأوامر .. كان “عاصم” يقف أمام باب حجرة الكشف و عضلات وجهه منقبضة بقوة ، فيما عيناه تلمعان بنزف حارق خائفا من أن يتجرع مرارة الفقد مرة أخري ..
و في تلك اللحظة ، إنطلقت بغتة الذكريات داخل رأسه و قد حالت دون إهتمام بما يحدث ..
أبيه يوم أن شب الحريق بمصنعه فإنتهي بموته متفحما .. تشوه جزء من معالم وجهه .. تشرده هو و أمه و أخيه الرضيع .. نضوجه المبكر .. تصميمه علي إعادة المجد له و لعائلته الصغيرة و لإسم والده أيضا .. جمعه الأموال الطائلة أولا بهدف تحقيق الإنتقام الذي عاش ينشده ، و ثانيا لتأمين حياة الرغد و الترف إلي شقيقه الذي رأي فيه نفسه .. شقيقه !!
عاد إلي أرض الواقع مجددا ، فأنتفض مذعورا لفكرة خسارته ..
فإن خسارة شقيقه الوحيد تعني نهاية المطاف بالنسبة له ، قد تتبدد آماله ، و تخبو أحلامه التي حُرم من تحقيقها إذا رحل “شهاب” ..
قد ينتهي كل شيء ..
قد يغدو الكد و الإجتهاد و الجهد الذي بذله بالحياة العملية بلا منفعة ..
الأن تلك الإمبراطورية الضخمة التي بناها مهددة بالإنهيار ..
إندفع “عاصم” صوب باب حجرة الكشف دون أن يتوقف إنفعاله لهنيهة و هو يبحث عن شقيقه بعينيه من خلال الزجاج الدائري الصغير المرفق بالباب المعدني ..
إقترب “زين” منه ، و مد يده و ربت علي كتفه بلطف مواسيا إياه بقوله:
-ماتقلفش يا عاصم .. ان شاء الله سليمة ، ماتخافش هيبقي كويس.
تجعدت قسمات وجه “عاصم” بألم عصبي و هو يحاول أن يري ما يجري بالداخل دون فائدة ، فتحرك في مكانه كالنمر الحبيس وضرب الحائط بقبضته مغمغما:
-غبي .. ليه بيعمل فيا كده لييييه ؟ نقصه ايه ؟ انا قصرت معاه في ايه ؟؟
وضع “زين” يديه علي كتفي “عاصم” و هو يقول مشفقا علي حالته:
-اهدا يا عاصم مش كده.
أغمض “عاصم” عينيه بقوة ، ثم أطلق تنهيدة حارة و قال بصوت متحشرج من فرط إنفعاله:
-ليه اخويا بيعمل فيا كده يا زين ؟ ليه ؟ .. ده هو مستقبلي .. هو احلامي و هو طموحي .. انا عملت كل ده عشانه .. من صغري و انا ماسبتش شغلانة متعبة و لا مهينة الا و اشتغلتها عشان اقدر اقف علي رجلي و احقق الثروة دي .. كل اللي معايا بتاعه و ملكه .. يبقي ليه بيعمل في نفسه كده ؟ ليه عايز يحرمني منه ؟؟!!
قطب “زين” متأثرا بكلمات صديقه ، و مط شفتيه متأسفا علي ذلك الوضع الصعب ..
خرج الطبيب أخيرا من حجرة الكشف و هو يتنفس الصعداء ، فأقترب منه “عاصم” متسائلا بصوته الخشن:
-اخويا عامل ايه يا دكتور ؟ جراله حاجة ؟؟
منحه الطبيب إبتسامة بسيطة ، و قال يطمئنه:
-الحمدلله بقي كويس.
زفر “عاصم” بإرتياح مستندا إلي الجدار البارد من خلفه ، بينما تابع الطبيب كلامه بجدية:
-لو كنتوا اتأخرتوا شوية كان وصل هنا متوفي ، لكن الحمدلله انكوا جبتوه بسرعة ، ظبطنا معدل ضغط الدم لكن للأسف في خراريج و إلتهابات في الكبد لو ماتعلجوش صمامات القلب هي كمان هتلتهب و هنا الخطر هيبقي اقوي.
فغر “عاصم” ثغره و قد تلقي صدمة أعنف هذه المرة ، بينما أضاف الطبيب متنحنحا:
-التحاليل كشفت انه اتعاطي جرعة هيروين مفرطة كانت كفيلة انها تموته في الحال .. بس واضح انه مش بيتعاطي من فترة طويلة اوي لان نسبة الهيروين في جسمه مش عالية بدرجة كبيرة ، و ده يبين انه بيزود الجرعة في كل مرة عشان يوصل لدرجة النشوة اللي حققها في اول مرة اتعاطي فيها .. انا انصحكوا انكوا تودوه مركز اعادة تأهيل للمدمنين ، هناك هيقدموله العلاج الصحيح و العلاج النفسي كمان هيبدأوا معاه من الاول خالص بس اهم حاجة دلوقتي اننا نعالجله الأعضاء المتضررة.
-اعمل اللازم يا دكتور .. و انا هاتصرف في الباقي.
قال “عاصم” هذه الجملة واجما ، بينما أومأ الطبيب رأسه موافقا ، ثم إستأذن منهما ليرحل ..
شكره “عاصم” قبل رحيله ، فيما نظر إليه “زين” و سأله بإهتمام:
-ناوي علي ايه يا عاصم ؟؟
أجاب “عاصم” بفم متقلص و ملامح ثائرة:
-شهاب هيرجع البيت و هيكمل علاجه بجد المرة دي .. و طقم الحراسة كله هيتغير بس بعد ما اعرف شغلي معاهم واح واحد و اعرفهم ان الغلطة معايا بفورة خصوصا لو كانت حاجة تخص اخويا.
ثم تابع بشراسة:
-اما الواد صاحبه ده اللي جاله انهاردة انا هاجيبه و هاوريه هو غلط مع مين.
-عمرك ما كنت مؤذي كده يا عاصم !
قالها “زين” ممتعضا ، فرمقه “عاصم” بنظرة ثاقبة و هو يهتف بقوة:
-ده اخويا يا زين .. اخويا اللي ماليش غيره.
و أضاف يتحدث بشراسة إلي “زين” أو ربما إلي نفسه:
-و يا ويله اللي يقرب منه او يمسه بالشر .. يا ويله.

***************

أمام قسم الشرطة ..
وقفت “هنا” تستجدي أمها بإسلوب إنفعالي قائلة:
-يا ماما احب علي راسك يلا بينا نرجع البيت ، احنا مالناش فيه ما تتحبس و لا تولع بجاز احنا مالنا !!
نهرتها “قوت القلوب” بقسوة قائلة:
-اخرسي يا بت انتي ، احترمي نفسك بقي و اياكي اسمع منك كلمة زيادة ، انا اصلا ماكنتش عايزاكي تيجي معايا انتي اللي شبطي فيا.
ردت “هنا” في سخط إستنكاري:
-كنتي عايزة تدخلي القسم لوحدك ؟؟!
-و ايه يعني ياختي هايكلوني و لا هايكلوني ! و بعدين اتهدي و اسكتي خليني ادخل اطمن عالبت ، ده انا اللي ربيتها من يوم ما امها اتوفت الله يرحمها و من كتر حبي فيها سميتك اسم مقارب لأسمها في الاول ماكنتش بعرف انطق اسم هانيا ده ، و الله ما كان هيغمدلي جفن لو ما كنتش عرفت فين اراضيها لولا اتصلت بعمها الاستاذ توفيق ماكنتش هعرف انها محجوزة هنا.
و نظرت إلي بوابة القسم الحديدية ، و هي تبتهل قائلة:
-منه لله اللي كان السبب.
ثم خطت إلي الداخل تتبعها “هنا” علي مضض ..
توجهت نحو أقرب مكتب بالرواق الأقل إزدحاما في تلك الساعة ، حيث غربت شمس النهار ليحل محلها الليل الحالك ..
ثم سألت بتلقائية ذلك الضابط صاحب رتبة – أمين الشرطة – :
-لو سمحت يابني ، في واحدة محجوزة عندكوا هنا من الصبح اسمها هانيا مصطفي علام .. اعمل معروف دخلها الاكل ده احسن دي ياعيني علي لحم بطنها من ساعة ماجبتوها هنا.
و رفعت سلة الطعام الصغيرة ، ثم وضعتها فوق سطح المكتب قائلة:
-و لو انها تقالة لو قدرت تخليني اشوفها و اطمن عليها يبقي كتر خيرك.
باغتها الأخير في عنف و هو يلوح بيده بقوة:
-شيلي الحاجات دي من قدامي يا ولية انتي ، انتي فاكرة نفسك فين !!
عند ذلك ، تدخلت “هنا” قائلة و قد إرتفعت نبرة صوتها بقدر جذب الإنتباه نحوها:
-ولية مين يا حتة نطع انت ؟ انشالله يولولو عليك ، ما تحترم نفسك و اتكلم بأدب.
إكتست ملامح الضابط بذهول إستحال إلي غضب متقد و هو يقول مستنكرا:
-انتي اتجننتي يا بت انتي ؟ بتكلمي مين كده ؟؟
إهتاجت “هنا” و هي تصب سبابها فوق رأسه:
-بت في عينك يا قليل الادب ، لم نفـ …
كممت “قوت القلوب” فم إبنتها قبل أن تكمل عبارتها و هي تقول محاولة التمويه عن رعونة إسلوب “هنا” الدفاعي:
-معلش يابني سامحها هي ماتقصدش و الله.
حاولت “هنا” تخليص فمها من كف أمها المطبق عليه لتكمل سيل لعناتها دون فائدة ، بينما نظرت إليها “قوت القلوب” و زجرتها بغضب قائلة:
-اتأسفي للباشا يا هنا.
و بقوة أزاحت “هنا” يد أمها عن فمها قائلة بعصبية:
-مين اللي يتأسف لمين ؟ ده انا ممكن اعملله محضر دلوقتي و انزله من عالمكتب اللي فرحان بالقاعدة فوقيه ده.
إبتسم الضابط في تهكم ، و إسترخي فوق مقعده ، ثم صمت لثوان قبل أن يقول بهدوء خبيث:
-بمناسبة المحاضر .. انا عندي هنا في درج المكتب شريطين برشام محتار اوديهم فين ! .. تاخدي واحد ؟؟
شهقت أمها و همست لها متوسلة:
-يابنتي بالله عليكي انكتمي ليلبسك تهمة بجد و انتي واقفة.
إلتمعت عينا “هنا” بالغضب و هي تحدق بذلك البغيض عاجزة عن الرد عليه ، حتي شنف سمعها من خلفها صوت رجولي يقول:
-ايه الدوشة دي ؟ ايه اللي بيحصل هنا ؟؟

بقلم قمر فتحي.

رواية وتبسمت ذات النقاب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *