عرف صعيدي3
الفصل التاسع
( تَمَرُد )
______________________________________
_ أشرق نهاراً جديد محمل بين طياته العديد من الأقدار للجميع، خرجت من غرفتها مسرعة ما أن استيقظت لعلها تطمئن على صحة العمدة، كانت تقدم قدم وتؤخر الأخري خوفاً من تصرفات السيدة نادرة المبهمة التي لا تعلم سببها ولما تفعل معها ذلك فلم يصدر منها أي أخطاء تُعاقب عليها
_ وقفت في منتصف الطابق في ذلك المرر الذي يجمع بين جميع الغرف وقبل أن تخطوا خطوة للأمام تفاجئت بيد تدغدغها من خلفها، أصدرت صرخة متوجسة خيفة من ذاك المجهول فأسرعت الأخري بوضع يدها أعلى فمها لكي تمنع صراخها الذي حتماً سيسبب مشكلة كبيرة
_ إلتقطت ورد أنفاسها التي إنحشرت داخلها من فرط الخوف حين رأت صفاء تقف أمامها، رمقتها بغيظ ورددت معاتبة:-
حرام عليكي يا صفاء جلبي وجع في رجليا ديي عاملة تعمليها بردك
_ إلتوى ثغر الأخرى متبسمة بإنتصار فلقد أخافتها على التمام والكمال، أخذت نفساً وأجابتها بمرح:-
وليه متجوليش أنتِ اللي خفيفة وبتخافي من خيالك؟
_ عقدت ورد ما بين حاجبيها بذهول ثم إستشفت لُعبتها ولم تعقب فهي ليست بارعة فيما تبتكر صفاء في فعله، بادلتها إبتسامة راضية وقالت:-
ماشي ياستي هعديهالك بس جوليلي الست نادرة فينها؟
_ لوت صفاء شفتيها كما قلبت عينيها بتذمجر ورددت مستاءة:-
ست نادرة بتحضر الفطور للعمدة تحت
_ تنهدت ورد براحة وأردفت بتلهف:-
زين جوي هدخل أطمن على عمي خليل طوالي جبل ما هي تاجي
_ أماءت لها صفاء بقبول ثم إنسحبت للطابق الأول سريعاً قبل أن يراها أحدهم، إستغلت ورد تلك الفرصة الذهبية وتوجهت نحو غرفة خليل سريعاً قبل أن تعود السيدة نادرة لكن لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن فصوتها الذي دوي عالياً قد أخاف ورد وخفق قلبها رعباً إثره:-
وجفي عِندك رايحة فين كأنها تيكية بوكي تروحي وتاجي على كيفك؟
_ إقتربت منها بمشوخٍ وقامة مستقيمة ثابتة وواصلت حديثها بقوة:-
إستاذنتي جبل ما تدخلي أوضتي ولا متعلمتيهاش ديي في داركم؟
_ صعقت ورد من إهانة نادرة التي لا تنتهي وحاولت الدفاع عن نفسها بنبرة مهزوزة:-
أني كنت هستاذن من العمدة جبل ما أدخل..
_ قاطعتها الأخرى بصياح مهاجمة إياها:-
وتدخلي للعمدة وحديكي! مهتخلجيش عاد؟ ولا أنتِ متعودة على أكده
_ إتسع بؤبؤ عيني ورد بصدمة جلية رُسمت على تقاسيمها الرقيقة التي إنكمشت في نفسها من صدمتها، فغرت فاها وكادت أن ترد عليها رافضة لتلك الإهانة التي تمس كرامتها لولا خروج مصطفى من غرفته في تلك الأثناء فأسرعت والدته بمنادته بإنفعال:-
تعالى يا ولدي شوف مرتك وهي عترد عليا، أني نادرة على سن ورمح مفيش واحدة جدرت ترفع عينها عليا جبل أكده مرتك بترد عليا أني
_ حملقت بها ورد مذهولة مما تصغي إليه أذنيها لكنها لن تقف صامتة وتترك لها المجال لتقول ما ليس فيها:-
أني مجولتش ح..
”ششش اسكتي أنتِ هتردي على أمي إياك؟”
_ هتف بهم مصطفى بنبرة أمرة فكانت الصفعة الاقوى، هي الأن وحيدة بينهم ينفردون بها ولا تقدر على إعفاء نفسها أمامهم فهم من يرمونها بالباطل عمداً فماذا تنتظر منهم
_ زفيراً وشهيقاً فعلت هي ثم أردفت متعمدة تبرئة نفسها:-
أني مردتش عليها ومغلطتش وأنت زي ما سمعت منيها تسمع مني أني مرتك..
_ هاجمها مصطفى رافضاً لتلك الحقيقة التي لا يعترف بها للأن:-
متجوليش مرتي..
_ إستدار لليمين ورفع سودتاه عليها فلم يري سوي وشاحها الغبي الذي يزيده حنقاً منها وواصل بغضب :-
وسبج وجولت أني مشايفكيش غير مرت أخوي يعني كل اللي بينا حتة ورجة لا راحت ولا جت، وأمي خط أحمر وعجبك على أكده عجبك ليكي رأي تاني الباب يفوت جمل وعنزة مهتجيش عليكي
_ رجفت شفتيها مهددة بعاصفة بكاء شديدة على وشك الوصول، لقد تبخر تماسكها تماماً لطالما حاولت جاهدة بأن تتلبس ثوب القوة أمامه خصيصاً، إنها رت قوتها وتحولت إلى شهقات حاولت هي إخفائها قد الإمكان إلى أن تبتعد عنهم، فلم تستطيع النجاح في ذلك وصدرت آنه من بين آنينها وقعت على مسمع مصطفى
_ شعر بإنعدام رجولته في تلك اللحظة حين تأكده من بكائها، حسناً يعترف بأنها لا تعنيه لكنه لا يريد أن يجرح قلبها بهذا الشكل المؤذي، نعم هو حاد الطباع ولا ينظر خلفه في تصرفاته مهما كانت بلهاء لكنه قد ندم على فعلته الحقيرة تلك
_ حرك رأسه عفوياً مع سيرها بعيداً عنه لكنه سرعان ما أعتدل عن ما يراود أفكاره ونظر في الفراغ أمامه يذكر كبريائه بأنه لن ينحني لأنثي!
_ عدل من وضع وشاحه الذي يعتلي كتفيه بنظرة تحولت إلى العجرفة والتعالي وهو يذكر عقله من يكون هو، دنت منه السيدة نادرة وملست على صدره بفخر واإعتزاز شديد ورددت برضاء كامل عن تصرفه:-
عشت يا ولدي دايماً رافع راسي
_ تنهدت وسألته بفضول:-
على فين من بدري أكده ؟
_ أجابها مختصراً حديثه بعبوس:-
على الشغل
_ تراجع للخلف وأولاها ظهره ثم توجه نحو السُلم، خطاه كانت تسير على نهج بطيئ للغاية وسودتاه تطالع باب غرفته التي إختفت خلفها ورد، لا يرضي بما فعله لكن هيهات لتكبره فهو لن يتنازل ويعتذر من أجلها ..
_ أسرع من خطاه وهبط للأسفل سريعاً ليثبت لنفسه بأن الأمر لا يعنيه وأنه فقط فعل الصواب بينما ظهر طيف بسمة طفيفة على محيا السيدة نادرة بإنتصار لكونها ليست بمفردها من تتصرف بقسوة مع تلك الفتاة فبالأخير مهما طالت فترة مكثوها في السرايا ستفر هاربة منهم ..
_ عادت إلى غرفتها تتغنج وتتراقص بسعادة عكس الحالة المذرية التي كانت عليها ورد، إنهارت بالكامل كلما تردد داخل عقلها حديثهم، هي من وافقت بسهولة على تلك الزيجة إذاً فلتتحمل عواقبها..
______________________________________
في منزل آخر، إجتمع من في المنزل حول مائدة الطعام يتناولن الفطور، الصمت سيد الجلسة حيث قاطعه بقوله ساخراً:-
منوياش تهملينا انتي كمان يا صباح بت عمك إتجوزت بدل المرة تنين حتى في ديي أنصح منك
_ شرقت صباح وإرتفع سعالها، رمقه طاهر بغيظ عارم ثم نهض عن مقعده وضرب براحة يده الغليظة على ظهرها بقوة وساعدها على إرتشاف القليل من الماء لكي تبتلع كلماته التي وقفت في حنجرتها ولم تستطيع إبتلاعهم، نهره طاهر بتجهم:-
نصيبها لسه مجاش ولا أنت نسيت النصيب هو كمان؟
_ وضع حمدان قطعة الخبز التي بيده دفعة واحدة في فمه، إنتظر حتى هضمها بالكامل ثم تشجأ في وجههم وحدثه بجمود:-
لا منسيتوش يا سي طاهر وإبجي اتحدت معايا زين بدل العنتزة اللي عتحدت بيها بوك ديي
_ كز طاهر على أسنانه بغضب يحاول كظمه ثم إنسحب من بينهم ودلف للخارج بخطى مهرولة يود أن يهرب منه ومن المنزل ويترك خلفه حياته السابقة بأكملها، رفعت ثريا بصرها على حمدان وعاتبته بهجوم:-
عاجبك أكده الواد مكملش لجمته وإحنا ما صدجنا يجعد ياكل إمعانا
_ رمقها حمدان بطرف عينيه شزراً كما لوى شفتيه للجانب الأقرب لها وهمس لها بتحذير:-
كان العلجة بتاعت كل يوم إتوحشتك يا ثريا
_ سرت رجفة قوية في أوصال ثريا متوجسة خيفة في نفسها من تحذيره، نهضت عن مقعدها بهدوء وتركت له المكان يفعل به ما يحلوا له فهي ليست على إستعداد بتلقينها ضرباً مبرحاً من يديه الغليظة فعلاماتها الزرقاء لازال أثرها موجود على جسدها، نهضت صباح هي الأخرى فلن تعطيه الفرصة ليختلي بها ويسُم بدنها بالكلمات البذيئة، دلفت للخارج لعلها تلحق بطاهر حتى تواصل ما بدأته البارحة..
_ تفاجئت بوقوف طاهر مع زوجة عمها وشقيقها أمام منزلهم، لم تتردد وأسرعت خطاها نحوهم ربما تعلم أي شيئ عن تعيسة الحظ إبنة عمها
“على فين يا مرت عمي؟”
_ خرج السؤال من فاه طاهر بإهتمام فأجابته السيدة سنية بلطف:-
رايحين نطمن على ورد يا ولدي عشان نتوكل على الله نعاودا مصر جبل ما الليل يدخل علينا
_ إرتخت ملامح طاهر وباتت تعابيره جامدة لا تدل على شيئ، إستشفت سنية ما خلف تطلعاته الباردة وربتت على كتفه بآسي:-
كله نصيب يا ولدي إرضي بنصيبك وربنا أن شاءالله يعوضك بلي تستاهلك وتستاهل جلبك الطيب يا طاهر بس رايدة منيك طلب واحد
_ تحول برود عينيه إلى شغف وهم بسؤالها مهتماً:-
رايدة إيه يا مرت عمي جولي
_ تقوس ثغرها ببسمة سعيدة وشدت على كتفه بإمتنان وأردفت موضحة طلبها:-
ورد أختك يا طاهر أطمن عليها يا ولدي أني مهبجاش موجودة وانت إهنه حمايتها وجت ما تحتاج لضهر كون لها أخو حنين أني عارفاك مهتهملهاش واصل بس جلب الأم بجا لازمن أمشي وأكون مطمنة عليها
_ على الرغم من صعوبة إقتناعه بأنها شقيقته كما لقبتها زوجة عمه إلا أنه لن يتخلي عنها حتى وإن كان النصيب لا يرضيه، إلتوى ثغره للجانب مشكلاً إبتسامة متهكمة ورد عليها بشموخٍ:-
متخافيش يا مرت عمي ورد في عنيا التنين
_ بادلته إبتسامة حين روادها شعور الطمأنينة وسكن قلبها، شدت على كتفه بحب وقالت مودعة كليهما:-
أشوفك وشكم بخير
_ غادرت برفقة شقيقها وزوجته وبناته متجهين إلى السرايا ليطمئنوا على ورد قبل سفرهم، لم تتحرك بؤبؤة عيني طاهر على السيارة التي اختفوا فيها
_ ”شقيقة” تلك الكلمة التي لا تريد الإقتلاع من عقله، يتردد صداها داخله، ألم يحين وقت الإقتناع بها؟
”أخرتها تبجي أختك؟، عالم ناجصة”
_ هتفت بهم صباح بحنق وهي تتابع طيف سيارتهم التي بدأت في الإختفاء، إلتفتت حيث طاهر وتابعت حديثها بإزدراء:-
مآنش الأوان تشوف اللي تستاهلك يا خوي؟ أنت جلبك طيب كيف البفتة البيضة وتستاهل واحدة تشبهك تعوضك عن اللي فات، وصدجني مفيش أحسن من مروة أنا خبراها زين وبأكدلك أنها المناسبة ليك..
_ سحب شهيقاً وأخرجه ببطئ ثم حرك قدميه للأمام قاصداً الخروج فأوقفته صباح بسؤاله:-
جولت إيه يا خوي؟
_ أجابها مختصراً:-
مش وجته يا صباح بعدين
_ نفخت بتزمجر شديد فهي تريد أن تتم العلاقة بينهما سريعاً لكي تلقن ذاك الضيف درساً لن ينساه مدي حياته..
______________________________________
_ رحبت صفية بضيوفهم بحفاوة عكس الشعور المسيطر داخلها فهي على دراية تامة بما حدث البارحة، صعدت للأعلى لكي تخبر ورد بوجودهم، طرقت بابها بخفة لم تسمع أي صوت أو حركة تدل على وجودها
_ أعادت طرقاتها بقوة أكبر قائلة:-
يا ورد يا بتي والدتك وخالك تحت ورايدين يطمنوا عليكي
_ فتحت الباب وظهرت من خلفه بعينين متورمة من فرط البكاء، أصدرت صفية شهقة خافتة حين وقع بصرها على حالتها المذرية، نظرت يمينها ويسارها ثم ولجت للداخل وأوصدت الباب خلفها وسألتها بإهتمام:-
مالك عاد يابتي ليه البكا ديه كلاته؟
_ مسحت ورد بسبابتها على أنفها لتجفف الماء الذي يسيل منها وردت عليها بنبرة مرتجفة:-
أني تعبت، مخابراش بيحوصلي إكده ليه؟ متهنتش بجوازتي من هلال وبعدها متهنتش بجوازتي من خوه كاني شوم كيف ما بتجول الست نادرة
_ فرت دمعة على مقلتيها حزناً حين تذكرت هجومها وإفترائها عليها في الصباح وواصلت حديثها بتلعثم:-
حتى الست نادرة حالها اتبدل أو يمكن كانت أكده واني موخداش بالي دي افترت عليا وجالت لولدها اني برد عليها وأني والله مرديت عليها ولا رفعت صوتي حتى
_ لم تستطيع التماسك لأكثر وجهشت باكية ورددت من بين بكائها:-
حتى ولدها عام على عومها وداس على كرامتي لاجل أمه
_ وضعت كلتى يديها على وجهها وانهمرت في البكاء الغزير، أشفقت صفية على حالتها التي أثرت بقلبها، إقتربت منها وضمتها لحضنها محاولة التخفيف عنها:-
والله معرفاش أجولك إيه يا بتي ربنا يعوضك خير عن اللي شوفتيه ..
_ إبتعدت عنها ورد وأردفت ما عزمت عليه:-
أني مهجعدش إهنه تاني أني مستاهلش المعاملة ديي أنا لساتي صغيرة على كل بيحوصلي ديه
_ ربتت صفية على ذراعها وأردفت مشجعة إقتراحها:-
معاكي في كل اللي هتعمليه المهم تكوني مرتاحة
_ حركت ورد رأسها عدة حركات متواصلة حاسمة أمرها على الهروب من ذلك السجن التي حُسرت بين جدرانه، شهيقاً وزفيراً فعلت ثم دلفت للخارج بعدما إرتدت وشاحها الأسود الذي لا يظهر منها أي أنش وهبطت للأسفل بتريُث
_ أسرعت خطاها ما أن رأت والدتها بتلهف، ألقت بنفسها بين أحضانها الدافئة، لا تعلم كيف تماسكت في ذلك الحضن الحنون ولم تخر قواها وبكت، إبتلعت ريقها لتتحلى بالتماسك أكثر أمامهم
_ إبتسمت لها السيدة سنية وبدأت بالحديث:-
جيت أطمن عليكي يا جلب أمك جبل ما أهمل البلد
_ دنت منها وسألتها بهمس:-
طمانيني عليكي، حوصل؟
_ أهذا الكلام بمثابة تخليها عنها؟ لا تدري حقاً لقد تشتت عقلها، طالعتها لوقت قبل أن تردف:-
هتمليني لوحدي ياما؟
_ خفق قلب السيدة سنية تأثراً بنبرتها التي شعرت من خلفها بتخليها عنها، أخرجت تنهيدة مليئة بالهموم وأجابتها بنفاذ صبر:-
مليت يا ورد من جرف حمدان اللي مهيخلصش، بيتحكم فيا كاني جارية عنديه مش أمانة خوه، طهجت يا بتي رايدة أرتاح لي شوية بس طبعاً لو جولتي لاه مههملكش وحديكي يا حبة عيني أني مليش غيرك
_ رفعت ورد بصرها وحملقت في معالم السرايا بتفحص وإهتمام، تشاور عقلها فيما نوت عليه، أتكمل فيها أم تغادرها؟
_ لكن مواصلتها للعيش في ذلك السجن لن يكون منصفاً لها وإن غادرت لن يكون منصفاً لوالدتها حتماً لن يغادروا البلدة قبل إنتهاء ورد من عدتها إن تم الطلاق دون رفض من الجهة الأخرى وستضطر لأن تتعامل مع سخافة حمدان..
_ تريد أي علامة توجهها إلى أي طريق تسلك، أعادت النظر إلى والدتها التي تنتظر إجابتها بفروغ صبر
”سافري ياما اموري بخير”
_ هتفت بيهم ولا تدري ما الذي دفعها لقول ذلك والسماح بسفرها، لم تترك لها الحياة خيار لتختار أفضلهم ففي كلتى الأمرين لن تترضي عواقبهم ..
_ أدركت أنها أكثر نضجاً الأن حين فضلت راحة والدتها على ذاتها فمن المستحيل أن تضحي من أجل أي شخص إلا لها فهي من أحبتها بصدق ولم تندم على قرارها السريع التي لم تحسب عواقبه بعد لكن حتماً سيرضيها الله..
_ لم تكتفي سنية بجملتها فهي أكثر الانُاس حفظاً لنبرتها حين ترفض شيئاً، سحبت نفس وأردفت مؤكدة:-
ليه حساكي مش بتجوليها من جلبك؟ جولي لو ريداني أجعد وحداكي المهم تكوني مبسوطة يا جلب أمك
_ رسمت ورد بسمة زائفة وردت عليها تنكر حدسها:-
أكيد ياما زعلانة عشان هنتفارجوا بس هكون مبسوطة وأنتِ مرتاحة وبعيدة عن حمدان وعمايله
_ ربتت ورد علي ذراع والدتها وتابعت مضيفة:-
سافري ياما متشليش همي أني بخير في سرايا جوزي طلع طيب وعيخاف عليا كيف أبوي الله يرحمه أنا إهنه في أمانته
_ كلماتها بثت الطمأنينة في قلب السيدة سنية وشعرت بالراحة المفرطة داخلها، ضمتها للمرة الأخيرة قبل مغادرتها ومن ثم تلاها خالها وزوجته ثم بناته الحبيبات ..
_ وقفت ورد على باب السرايا تلوح لهم بيدها مودعة إياهم وقلبها ينفطر حزناً لكونها باتت وحيدة لا يعولها أحد، أعادت يدها لجانبها ما إن إختفى طيف السيارة من أمام مرأي عينيها، حسناً لقد حان الوقت لأن تنهار قوتها وها قد بدأت عبراتها في النزول بألم شديد يكاد يخترق ثيابها من شدته ..
_ رأته يعود من جديد إلى السرايا، لا تعلم أي شعور يصف تلك اللحظة لكنها تريد معانقته لعل عناقه لها يهدئ من روعها قليلاً ويبدل حالها إلي الأفضل
_ سار بجوارها كأنها نكرة لم يراها ولم يهتم لوقوفها على تلك الحالة التي لا داعي لها، إستدارت حيث يسير ولم ترفع زرقاوتاها الذي إنطفئ وميضهم من عليه بقهرة كبيرة سكنت قلبها ..
_ عادت إلى غرفتها تجر خيباتها التي إنسدلت عليها خلف بعضهم دون رأفة لقلبها الرقيق، أوصدت باب غرفتها وببطئ شديد تركت جسدها يهبط رويداً رويداً إلى أن احتضنت الأرض التي نالت نصيبها من الدموع التي تختفي بين ثغراتها، لم تكف عبراتها في الهطول، بكاء صامت يقطعه أنين خافت من حين لآخر، ظلت على حالتها تلك إلى أن أنهال عليها التعب وغفت رغماً عنها بمشاعر جامدة خالية من أي شعور ..
في المساء،
جلس مصطفى برفقة والدته على المائدة يتناولون العشاء بمفردهم فلا يوجد غيرهم، حمحمت نادرة وقالت متسائلة بنبرة مندفعة:-
هتعمل إيه مع اللي ما تتسمي؟
_ إحتقن وجهه بغضب ورد عليها بعبوس:-
مخابرش مش في دماغي من أساسه، وجودها زي عدمه
_ ظهرت شبح إبتسامة على ثغر نادرة ثم أخفتها سريعاً قبل أن يلمحها مصطفى وتابعت حديثها معه:-
طليجها يا ولدي وشوف حالك بدل الإسم متجوز وإتحسبت عليك جوازة الندامة
_ أماء رأسه بقبول فهذا ما يدور في عقله لكن بطريقة مختلفة بعض الشيئ، تنهد وأردف بقوة:-
ده اللي هيحوصل بس لما بوي بنفسيه يجولي طليجها!!
_ عبست الأخرى بعدم إعجاب ولامته بإمتعاض:-
وبوك مش هيجولك طليجها ده الود وده يظبط الأمور بيناتكم يعني إنسي يا ولدي
_ طالع أمامه بجمودٍ وردد:-
العمر لساته منتهاش والبادي أظلم
_ رفعت نادرة إحدى حاجبيها بتعالي وتريث لكون ولدها بذاك الدهاء، ستنتظر لا تملك سوي الصبر فهو مفتاح الفرج وفي النهاية ستجني ثمرة صبرها ..
_ تابعوا تناولهم للطعام في صمت إلى أن شبعت بطونهم، عادت نادرة إلى غرفتها تطمئن أن زوجها قد أنهى طعامه، فلقد إمتنع عن مشاركتهم المائدة العائلية منذ إصابته بتلك الوعكة بينما إنسحب مصطفى للخارج يجلس برفقة عسران، مرت مدة ليست بقصيرة إنضم إليهم ضيف وأكملوا ثلاثتهم سهرة ذكورية على أصولها ،
فعل عسران فعلته المعتادة كل مساء وهي الاستماع إلى الطرب القديم أسفل ضوء القمر والنجوم مع إرتشاف فنجان قهوة سادة ثقيلة فذلك ما يعدل صفوه ..
_ كانت الأغنية تلك المرة مختلفة كانت تعود للشحرورة ”صباح”
أنا هنا يا ابن الحلال
لا عايزه جاه و لا كتر مال
بحلم بعش
أملاه أنا سعد و هنا
أنا هنا يا ابن الحلال
_ إستقيظت ورد إثر دندنة الأغنية، رفعت رأسها بثقل قد شعرت به في الجزء الأيسر من رأسها، قاومت حتى نهضت مستندة على الحائط إلى أن صلبت قامتها وتوجهت إلى الشرفة تتبع صوت الأغنية.
مليت لك القله.. عطشان تعالا
عطشان تعالا يا جميل يلا
مليت لك الابريق عطشان تعالا
عطشان تعالَا و سلامه طريق
أنا ورا الشباك سهرانه بستناك
علمت قلبي هواك من قبل ما تجيني ولا أتملاك
_ شعور قوي قد رادوه في تلك الأثناء ورفع بصره عفوياً على شرفة غرفته فتفاجئ بطيفها واقف كوقوفها بالأمس، لم يرفع بصره عنها وظل مثبتاً نظريه على الشرفة مع دندنة الأغنية ..
بحلم بعش
أملاه أنا سعد و هنا
أنا هنا يا ابن الحلال
_ دندنت ورد مع كلمات الأغنية التي شعرت بوصف حالها متعجبة من نظراته التي تطالعها دون غيرها :-
و إن جيتني يا مهنّي ندرن عليا
ندرن عليا العين و النني
و إن جيت تدق الباب ندرن عليا
ندرن عليَّا القلب يشيله حجاب
فرشت لك رمشي اخطر عليه و امشي
من شوقي ما بنامشي
باستنا حتا العمر مستني
بحلم بعش
أملاه أنا سعد و هنا
أنا هنا يا ابن الحلال
فى الغيبه انا شايفاك انا انا شايفاك
قلبي انكشف عنه الحجاب و لقاك
فى الغيبه انا شوفتك انا انا شوفتك
قلبي شاور لي عليك وعرفتك
انت اسمراني جميل
لك غيه فى المواويل
والقلب لك بيميل
من قبل ما يكون لي نصيب وياك
بحلم بعش
أملاه أنا سعد و هنا انا هنا يا ابن الحلال
_ أخفض بصره ما أن إنتهت كلمات الأغنية، رمق من هم بجواره ليتأكد أن الأمور تسير على ما يرام، تنهد براحة حين رآهم يتبادلون أطراف الحديث ولم ينتبه له أحد
_ لمح ضيف طيفها يظهر من خلف باب المطبخ، أعاد النظر مراراً لكي يتأكد من هويتها، إلتوى ثغره للجانب مشكلاً بسمة عذبة حين تأكد منها، نهض فجاءة وسار متجها نحوها فأوقفه مصطفى بسؤاله:-
على فين إكده؟
_ وقع قلب ضيف في قدمه فهو لم يحسب لذلك السؤال مطلقاً، إلتفت إليه وحمحم ثم أجابه بإرتباك حرِج:-
ها.. لا كنت هروح أشرب مية من القُلة اللي هناك ديي بحب ميتها
_ أماء له مصطفى متفهماً ثم إنصرف ضيف سريعاً من أمامه، أزفر أنفاسه براحة كبيرة لم يستوعبها عقله فكاد أن يفضح أمره وبالتأكيد العواقب ليست محمودة ..
_ إقترب من القارورة الفخارية ورفعها للأعلى يرتشف منها فجائته الأخرى على استحياء تاركة مساحة كافية بينهم، أخفض القارورة من على فمه ولازال محتفظ بها بين قبضتيه وطالعها بأعين مُتيمة مردداً بنبرة ولهانة:-
إتوحشتك جوي
_ أخفضت بصرها في حياء كما احمرت وجنيتها وسارت كالبندورة في تمام جنيها، إبتسمت بعذوبة وقالت:-
جولتلك بلاها الحديت ديه
_ ظهرت بسمة سعيدة على محياه فهو يعشق حيائها الذي يتعامل معه باستمرار والذي يدل على برأئتها الأنثوية، إبتلع ريقه وسألها بمرح:-
أومال أجوله ميتي؟
_ رفعت بصرها عليه وقد إنعقد حاجبيها تلقائياً كما عقدت ذراعيها بتزمجر ورددت بحنق:-
جوله وجت ما أكون مرتك حلالك كيف ما وعدتني ولا نسيت الوعد إياك؟
_ أسرع هو بالرد عليها ينفي حديثها:-
لا طبعاً منسيتهوش أني بس مستنظر الوجت المناسب اللي أجي اتجدم لك فيه عشان أليج بحضرة الداكتورة
_ لم تمنع ضحكتها التي خرجت عفوية فخفق لها قلبه وتسببت في إضطرابات مشاعره التي تحثه على التودد معها أكثر، ماذا إن سمح لهما الوقت والمكان؟
_ تقابلا في نظرة حب صادق طالت لوقت قطعها ذلك الصوت الدخيل:-
واجفة حداكي بتعملي إيه يا صفاء؟
_ إتسعت حدقتي صفاء على آخرهم بصدمة حين إنسدل سؤال والدتها عليها، رجف جسدها من فرط الإرتباك والتوتر التي إنحشرت داخلهم، حاولت أن تستيعد جزءاً من رونقها وإلتفتت إليها مجيبة إياها بتلعثم:-
كنت بملي القُلة عشان لو الغفر إحتاجوا مية
_ أوماءت لها صفية باقتناع ثم صوبت بصرها على ضيف فلم يروق لها وقوفه في الوقت ذاته مع خروج إبنتها، لم تريد أن تطيل في الأمر أثناء وجوده وأمسكت بذراعها أمرة إياها:-
همي جدامي يلا..
_ لم يرف له جفن منذ أن تفاجئ بوجود والدتها، أوصد عينيه ما أن إختفت من أمامه يتنفس الصعداء، حاول ضبط أنفاسه المتهدجة التي يصغي إلى صداها داخله ثم عاد إلى صديقه بهدوء..
_ رمقه مصطفى متعجباً من حالته المريبة وسأله مستفسراً:-
المية عجبتك للدرجة دي، مجدرتش تفوت القُلة وحديها؟
_ أنتبه ضيف لتلك القارورة التي لازالت تتوسط صدره ، ابتسم بتهكم فهو لازال أسفل تأثير المفاجأة وقال:-
مختش في بالي معلاش بجا الظاهر إني محتاج أنام، يلا تصبحوا علي خير
_ ألقى بجملته ثم إنصرف سريعاً بينما إستأذن مصطفى هو الاخر ونهض ليعود حيث غرفته التي لم يعتادها بعد، وقبل أن يولج للداخل راوده ذاك الشعور مرة أخرى فرفع رأسه للأعلى قاصداً شرفة غرفته لكنها لم تكن واقفة كما توقع، أخفض رأسه وأكمل سيره إلى الداخل حيث غرفته ثم فراشه الذي ألقى ببدنه عليه وكما أعتقد تماماً لن ينام بسهولة كسابق أيامه في تلك الغرفة اللعينة ..
______________________________________
_ إعتادت ورد على الليالي التي تقضيها بمفردها وحيده بين أربعة جدران، يزداد اكتئابها في الظهور كل يوم كما فيه الشهور الماضية من بعد وفاة هلال، منعت الطعام لفترات طويلة فقط تأكل حين تحتاج أجهزة جسدها لذلك ..
_ مر أسبوع لم يتغير به شئ، لا تبرح فراشها إلا لدخولها المرحاض، كما تزداد قساوة السيدة نادرة كل لحظة تجمعها بيها، لم يحدث بينها وبين مصطفى أي لقاء حتى وإن كان عابراً فقط تنتظر الليل لتقف في الشرفة تصغي إلى الأغنية الجديدة الذي يختارها عسران وتدندن معها بشغف قل تدريجياً مع الوقت إلى أن التزمت غرفتها ولم تعد تخرج إلى الشرفة ..
_ على الرغم من يومه الروتيني المعتاد الذي لا يتغير نظامه إلا أنه ينتظر لحظة وقوفها مع بدأ ترنيم الأغنية ثم يعود إلى غرفته التي أعتاد النوم فيها مؤخراً..
_ إستعاد خليل جزءاً من صحته وعاد يتابع أعمال أراضيه بنفسه كما كان يفعل لكن الفجوة تتسع بينه وبين مصطفى كأنه عزم بألا يحادثه مرة ثانية قبل أن يوطد علاقته مع ورد التي خربها بغشوميته
_ تزداد السيدة نادرة حنقاً وإمتعاضاً كلما مرت الأيام ولازالت تلك الفتاة تعيش معها أسفل سقف واحد لكنها لا تملك سوي الصبر لبعض الوقت لحين تتغير الأحداث بمفردها
_ إستمرت صباح في الإلحاح على طاهر لعله يوافق على ما تريده هي، إستحوذت على عقله وتفكيره بطريقة تُشبه أساليب السحر وربما تتفوق عليها فتأثير الزن المستمر أشد حقاً من مفعول السحر، لا تكِل ولا تمل لحظةٍ بل تزداد تشبثاً في تحقيق مرادها ..
_ أيام ثقال مملة تسير ببطئ شديد على الجميع لأ يحدث أي جديد بها يبدل مجري حياتهم، حسمت صفاء على إفتعال خطةٍ ما ربما تنجح في توطيد علاقة ورد ومصطفى ..
_ نهضت من الصباح الباكر وصعدت إلى غرفة ورد قبل أن يستيقظ أحدهم وطرقت بابها بخفة ثم ولجت للداخل قبل أن تأذن لها، لم تتفاجئ برؤيتها غافية فالوقت لازال باكراً، إقتربت منها بخطى خفيفة لكي لا تزعجها، جلست بجوارها تنتظر إيقاظها ..
_ مرت دقيقتان بالتمام فلم تتحمل إنتظارها للدقيقة الثالثة، إنحنت عليها وضربت على ذراعها بخفة تحاول إعادتها لأرض الواقع:-
ورد جومي صباح الخير، رايدة أخبرك بلي في راسي مجدراش استني لما تصحي ..
_ شعرت ورد بأن ذلك الصوت في أحلامها لكن مع تكراره تأكدت أنه حقيقي، فتحت أهدابها ورمقت صفاء لبرهة دون إستعياب لما يحدث بعد
_ جذبت صفاء انتباهها بحديثها الذي يحثها على النهوض ط:-
صباح الخير يا جلبي يلا جومي ورانا شغل ياما نعمله
_ نهضت ورد من نومتها وفركت عينيها بكسل فهي تشعر كأنها غفت للتو ولم تأخذ كفايتها من النوم، رمقتها بطرف عينيها وقالت بصوت متحشرج:-
في إيه يا صفاء الساعة كام؟
_ قهقهت الأخرى بمكر مع نظرة عابثة إستشفت ورد منها أن الوقت لازال باكراً، سحبت نفساً عميقاً وسألتها:-
شغل إيه عاد اللي ورانا؟
_ نهضت صفاء عن الفراش وجابت الغرفة ذهاباً وجيئا وهي تخبرها بحماس ما استحوذ على أفكارها طوال الليل لكي تحل مشكلة علاقتها بمصطفى ..
_ أنهت حديثها وسألتها بتلهف بنفس بداية حديثها:-
ها جولتي إيه؟
_ قابلتها الأخرى بجمودٍ فلقد تعكر صفوها تماماً من تلك العائلة ولا تريد خوض تجربة نسبة فشلها كبيرة، حتماً ستنتكس ما أن رأت ردة فعل لن تعجبها من خلف ما ستفعله فأسرعت بالرفض:-
بلاها الفكرة ديي أني ملياش نفس اعمل اي حاجة واصل همليني لحالي يا صفاء الله لا يسيئك
_ صممت صفاء علي تنفيذ فكرتها وأردفت بإصرار واضح:-
لا مههملكيش لحالك وهنفذوا اللي جولته بحذافيره وأني متوكدة أنك هتطلعي مجبورة الخاطر
”وإن متجبرش بخاطري وجتها اعمل ايه؟”
_ رددتهم ورد بفروغ صبر فهي حقاً باتت هاشة المشاعر ولن تتحمل خذلان آخر ، وقفت صفاء أمامها وقد إنعكست تعابير وجهها للغضب وأجابتها بإنفعال:-
تبجي تطلجي وبلاها العيشة اللي مش عيشة ديي
_ أوصدت ورد عينيها بإرهاق بادي على تقاسيمها ثم إختفت معالمها خلف يديها التي وضعتهم أمام وجهها فأشفقت صفاء على حالتها المذرية وأقتربت منها ضمتها بحنان وقالت ربما تخفف من عليها:-
مش بيجولوا أإن ربنا لما يحب عبد بيبتليه أنتِ ربنا إبتلاكي بتنين مش واحد بس
_ إبتعدت عنها ورد وقطبت جبينها بغرابة فوضحت لها صفاء قصدها:-
نادرة وولدها..
_ اإنفجرت كلتاهن ضاحكتين على مزحة صفاء التي دقت أسارير السعادة قلبها حين نجحت في رسم الإبتسامة على وجهها، تنهدت بصوت عالٍ وقالت:-
أيوة إكده اضحكي محدش واخد منيها حاجة
_ أخرجت ورد تنيهدة مرهقة وأعادت تكرار خطة صفاء التي علقت في ذهنها، رفعت زرقاوتاها عليها وأطلقت سؤالها بخجل:-
هنبدأوا كيف؟
_ إتسعت ضحكة صفاء التي طالت أذنيها من فرط سعادتها الممزوج بحماسها، وبدأت تعيد ما قصته عليها قبل دقائق معدودة ولاحظت إصغاء ورد لها بإهتمام فزدادت تلهفاً بمبادرة ما تنويان علي فعله ..
_ فعلت ورد كل ما أخبرتها به صفاء دون زيادة أو نقصان بمساعدتها ثم هرولن للخارج لمتابعة بقية خطتهن، تفاجئن كلاً من صفية وهويدا بخطة صفاء الداهية وكالمعتاد نهرتها والدتها ورفضت تدخلها لكن لم تكترث لها صفاء ووقفت أمام باب المطبخ تنتظر نزول مصطفى على أحر من الجمر ..
_ نفخت بتزمجر فالوقت يمر ببطئ عليها وهي لا تطيق الإنتظار من فرط حماسها، ها هو ظهر طيفه من ذلك الممر ثم هبط الأدراج بتريث وثبات، فصرخت صفاء ما إن رأته يقترب منهم مهللة:-
نزل نزل نزل …
#عُرف_صعيدي
الفصل العاشر
( رُبَّ صُدْفَةٍ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ ميعادٍ )
______________________________________
_ أنهى مصطفى آخر درجة في السُلم فتفاجئ بخروج إحداهن من المطبخ، رفع ذراعه للأعلى أمام وجهه يمنع عينيه من التمعن بها وهتف متسائلاً بغلظة:-
مين اللي خالعة راسها ديي متعريفش أن فيه رجالة في السرايا!!
_ لم تتحمل صفاء الوقوف خلف الباب ومراقبة ما يحدث دون أن تضع بصمتها، دلفت للخارج مسرعة ولم تكترث لندائات والدتها الآمرة التي تحثها على التوقف مكانها وعدم التدخل فيما لا يعنيها، أقتربت من مصطفى وأردفت بخبث:-
دي ورد مرتك يا سي مصطفة معرِفهاش ولا إيه؟
”ورد!”
_ ردد بإسمها يستوعب حديث صفاء، إزدرد ريقه فهو ليس على إستعداد لمواجهة ذات الوشاح الأسود، لا يريد الإختلاط معها على حالتها تلك فتحسبه زواجاً حقيقياً ما إن رأها..
_ لا يوجد مفر أمامه، أخفض ذراعه ببطئ وتعمد أن يتحاشي النظر عنها لكن شئ ما جذبه لأن ينظر إليها وكأنه رأي تلك الهيئة من قبل، سمح لسودتاه أن تلتفت حيث تقف فذُهل مما وقع أمام مرأي عينيه
_ إنها هي! التي تفارق عقله في النهار ولا يعلم للنوم سبيل لصورتها التي يبدأ برسمها بوضوحٍ في مخيلته ليلاً، تمعن النظر فيها بعدم تصديق أهي كانت أمامه طوال الوقت ولا يعلم أنها نفسها من جمعتهم الصدفة ليلة زفافهم!
_ كم آراد لكم نفسه بكل قوته ندماً على هروبه منها، إضطرابات غريبة قد أصابته لحظتها ناهيك عن تدفق الادرينالين في الدم المندفع في شرايينه فتسبب في خفقان قلبه بقوة كما زاده حماساً و عنواناً ..
_ تفحص كل أنش بها بإهتمام واضح، صوب بصره على زرقاوتاها التي تشبه صفاء السماء والتي تختفي بين أهدابها الكثيفة التي تسر الناظرين، أخفض بصره قليلاً ليري وجنتيها الحمروتين وشفاها الوردية المنتفخة كحبة البرقوق، ثم تمعن النظر أكثر على إنحناءات جسدها الصارخة ذات اللون الحليبي، لم تكن نحيفة بل مليئة بعض الشئ ذات قوام ممشوق وياحبذا فستانها بنفسجي اللون الذي يتماشي بتناسق مع منحنياتها وينتهي طوله قبل ركبتيها..
_ ماهي إلا ثوانٍ قليلة إلا أنها قلبت كيانه بالكامل، إقترب منها حين إستشف أن ذاك الجمال الرباني يمكن لغيره رؤيته، هرع إليها ووقف قبالتها فخفق قلبها رعباً من طوله اليافع الذي شعرت به للمرة الأولي فعلى الرغم من كونها طويلة القامة إلا أنها شعرت بضئالتها أمامه..
_ جف حلقها من شدة التوتر التي وقعت بين ثناياه وخصيصاً بعد قربه منها لتلك الدرجة، خرج مصطفى عن صمته حين طُرق باب السرايا وهتف بعصبية:-
محدش يدخل إهنه
_ أمسك بيدها وأمرها بوجه محتقن:-
همي جدامي
_ أجبرها على السير خلفه بخطى سريعة كادت أن تتعرقل إثرها ، حركت رأسها عفوياً لتنظر إلى صفاء موحية إليها بإشارات معاتبة لخطتها اللعينة التي ستسبب لها المتاعب حتماً، غزت الإبتسامة شفاه صفاء حين طالعتها ورد ثم غمزت إليها بمرح وإنسحبت سريعاً داخل المطبخ بسعادة فلقد نجحت خطتها ..
_ وصل مصطفى إلى غرفته السابقة وأوصد الباب خلفه والغضب يتطاير من عينيه، أوقفها أمامه ونهرها معاتباً بغلظة:-
كيف توجفي في نص السرايا بخلاجتك ديي؟ متعرفيش أن فيه رجالة داخلة خارجة على السرايا إياك؟!
_ إزدردت ريقها فالتوتر والإرتباك سيديان الموقف ولقد تملكوا منها حتى كادوا ينهوها بالكامل، فتلك مرته الأولى لمحادثتها وبالأحر معاتبتها فكيف ستواصل الحوار معه؟، فغرت فاها لتبدأ بالحديث لكن الكلمات لا تريد الخروج من جوفها، إبتلعت ريقها مراراً لتبلل حلقها الجاف وقالت بتلعثم:-
الغفر بتدخل السرايا بعد ما يستأذنوا يعني مفيش حد هيشوفني
_ رفع حاجبه الأيسر بعدم إعجاب لهرائاتها وردد:-
وأبوي! هيستاذن هو كماني وهو هيمشي في سرايته؟
_ أجابته مبدية إستنكارها لحديثها الساذج:-
بوك مش حرام يشوفني أكده
_ أسرع مصطفى بالرد عليها بنبرة حادة لا تريد النقاش:-
ولو.. خجلاتك ديي أني بس اللي أشوفك بيها!
_ إزدادت نبضات قلبها كما إرتفعت وتيرة أنفاسها المتهدجة التي تسمع صداها داخلها، لم ترفع زرقاوتاها من عليه إطلاقاً فقوله لمس شئ ما داخلها لا تعلم ماهو لكنه أزاد من انجذابها إليه..
_ كذلك لم يرف لمصطفى جفن وهو يطالع زرقاوتاها بتمعن يتأكد من كونهما حقيقيان وهي نفسها من تسببت في هروب النعاس من عينيه طيلة المدة الماضية بسبب التفكير والانشغال بها، لكن ليس بتلك السهولة علي عقله يستطيع إستيعاب ما توصل إليه في دقائق معدودة، إنسحب من أمامها فأسرعت هي باللحاق به وأمسكت بيده فرجف جسده إثر قبضتها الرقيقة ..
_ إلتفت إليها مصطفى عاقداً حاجبيه مستفسراً عما تريد:-
في حاچة؟
_ ترددت في السؤال الذي تريد طرحه عليه لكن دفعته في وجهه دون تفكير زائد قبل أن تتراجع قائلة:-
لساك معتبرني مرت خوك؟
_ وقع سؤالها على عقله فنشط كل ذكرياته وقد تذكر أنها كانت إمرأة لأخيه قبله فكيف له أن يتقبل فكرة أن من انشغل العقل وطالب القلب بها نفسها زوجة أخيه رحمة الله عليه..
_ حرر يده من بين قبضتها وأولاها ظهره وانصرف من الغرفة سريعاً أسفل نظراتها المبهمة عليه، فلم يجيب على سؤالها إذا ما الذي عليها إفتراضه الأن؟ كلماته ومعاتبته لن تكون إلا لزوج لزوجته لكن ماذا عن هروبه وعدم رده عليها؟
_ نفخت بتزمجر شديد فعلى ما يبدو أن هناك المزيد من الوقت تقضيه في الإنتظار المرهق التي تكرهه من أعماق قلبها، أسوء شعور هو الإنتظار، إنتظار الأشياء التي يتمناها قلبك وتطالبها حاجتك، إنتظار كلمات حنونة صادقة تربت على القلب وما يعيشه من حزن طالت أيامه، إنتظار حدث عظيم يغير الحياة إلى الأفضل، صراع أزلي تعيشه مع ذاتك المغلقة لا يشعر بك من حولك، لا يشاركك أحدهم ذلك الإنتظار الذي يشبه الموت بحد عينه لكن ببطئ شديد..
_ عادت إلى الخلف وجلست على طرف الفراش، تشتت عقلها بالأفكار اللعينة التي تسببت في خنقتها، فهناك الأحلى فيما حدث منذ ثوانٍ وهو أنه تجرأ وأمسك بيدها ووقف قبالتها ونظر بسودتاه إلى عينيها، لقد لمست في نظراته بشئ ما، تجزم أن شعورها لن يخدعها وحدسها سيكون في محله وما شعرت به كان صحيحاً حقيقياً وأنه لم يعد يعتبرها زوجة أخيه كما أدلى من قبل لكن عقله يأبي قول ذلك ..
_ ظهرت إبتسامة عريضة على ثغرها الوردي وهي تتمني أن يصيب حدسها تلك المرة ولا تعود وحيدة كما كانت ولازالت تعيش كذلك ..
______________________________________
_ ولج للغرفة وتوجه نحو المرآة مباشرةً، وقف أمامها يطالع سودتاه التي بدت حدتان تشبه طباعه، رفع يده وأدخل إصعبين داخل عينيه وإقتلع عدساته اللاصقة ثم أعاد فعلته في العين الأخرى لتظهر عينيه بلونهما الاصلي ..
_ طالع عيونه باهتمام بالغ فالأن يبدوان كعينان ورد تماماً، تشبهان زرقاوتاها وكأنهما نفسهما، شعور ما قد تغلغل إلى أوتاره فاجبره على لوي شفتيه للجانب مشكلاً إبتسامة على ذلك التشبيه المريب ..
_ سرعان ما أختفت إبتسامته حين تردد داخل عقله سؤالها التي طرحته عليه، أهو انسحب لأن أمره قد فضح أمامها أم لأنه لا يتقبل فكرة زواجها من رجلاً آخر؟
_ رمق صورته المنعكسة في المرآة وأغلق على أسئلة رأسه داخله دون أن تخرج للحياة، لقد تمنى زوجه لم يقترب منها رجلاً غيره، فماذا الأن؟
هل سيقبل بها فقط لأنه رآها مرةٍ واحدة! كان تفكيره دوماً يعود به إليها كلما حاول نسيانها حتى لا يعيش على أمل كاذب لكن ما حدث اليوم كأنه دليل قاطع على أن الامل يمكن أن يتحقق بين ليلة وضحاها ويكون حقيقة يلمسها بمشاعره قبل لمسها بالأيدي!
_ حرك رأسه ينفض أفكاره التي لا يتوصل معها لنهاية ترضيه، أعاد وضع عدساته اللاصقة ودلف من الغرفة وهبط سريعاً دون أن يلتفت وينظر خلفه ..
_ لمحت صفاء طيفه فانتظرت حين غادر السرايا وأسرعت نحو الطابق العلوي لكي تعلم نتيجة خطتها، طرقت على الباب ثم فتحته دون إستئذان فالحماس يكاد يتساقط منها، فلم تلحق ورد رفع عينيها على الباب فتفاجئت بولوجها، شعرت بالضيق لفعلتها المتكررة وعزمت أن تحادثها في تلك المسألة إن كررتها مرة أخرى
_ ركضت إليها صفاء ووقفت أمامها متسائلة في عجالة:-
ها جوليلي حوصل إيه؟ خطتي نجحت؟ إوعاكي تجولي لاه أزعل والله
_ نهضت ورد من الفراش وأجابتها بتهكم:-
محوصلش حاجة جالي مينفعش أجف بخجلاتي أكده والسرايا داخلها وخارجها رجالة
_ نفخت ورد بضجر بائن ورددت بعدم إستعياب:-
أني معرفاش طاوعتك كيف في اللي جولتيه ديه منابنيش غير التأنيب وبس
_ قطبت الآخرى جبينها مستنكرة حديثها وأسرعت بتوضيح اعتقادها الساذج:-
تبجي خطتي نجحت، طلاما عاتبك يبجي غيران عليكي العتاب من الحب
_ قلبت ورد عينيها غير متقبلة حديثها وأردفت وهي تحرك رأسها بعدم تصديق:-
غيرة إيه وحب ايه ده أني سألته لساك معتبرني مرت خوك سابني وخرچ من غير ما يرد عليا، تبجي غيرة كيف ديي؟
_ لم تختفي الإبتسامة من علي وجه صفاء وأوضحت لها ما تقصده:-
هو مردش عليكي يبجي أكده فيه إحتمالين يا أيوة يا لاه، لكن لما يرد عليكي يبجي حسم أمره ومهيغيرش عليكي إفهمتي؟
_ جلست ورد على الفراش بإهمال ورددت بنفاذ صبر:-
أني زهجت من كل اللي بيحوصل يارتني ما جولت لامي تسافر يارتني مشيت وياها
_ نفخت بضيق شديد تشعر به فحاولت صفاء التخفيف من عليها:-
هانت يا جلب أختك أني متوكدة أن اللي عملناه ديه هيرضيكي بس انتي إصبري وشوفي..
_ أوصدت عينيها فلقد نفذ صبرها ولم يعد له مكان داخلها، نظرت إلى الأعلى وهتفت بحنق:-
صبرت كاتير جوي يارب هون اللي جاي بجا..
_ عاد مصطفى إلى السرايا بعد أن بدأت الشمس في الغروب وكالمعتاد إستقبلته والدته بحفاوة شديدة وقالت:-
ثواني والوكل هيكون جاهز
_ بادلها الإبتسام فأسرعت هي إلى المطبخ تؤمر خادمتها بإعداد الطعام ووضعه على المائدة، تفاجئ مصطفى بنزول والده فتوجه نحوه دون تردد يريد مساعدته:-
يدك يابوي اساعدك
_ أبعد خليل يديه عن مصطفى وهدر به شزراً:-
لساتني واجف على رجليا ممحتاجش مساعدتك
_ هتف مصطف وهو يطالع الأرض بخجل:-
ربنا يديك الصحة يا أبوي
_ تابع خليل نزوله إلى الأسفل ثم نادي بنبرة جهورية:-
صفية يا صفية
_ جائته السيدة نادرة راكضة فلم تساعها السعادة حين سمعت نبرته تتردد في أرجاء السرايا مهللة بفرحة:-
يا ألف نهار أبيض يا عمدة حمدالله على سلامتك
_ لم يعقب على ما قالته وكرر ندائه بنبرة مرتفعة:-
يا صفية
_ جائت مهرولة فنهرها بإنفعال:-
مش بنادم عليكي مبترديش ليه؟
_ إزدردت ريقها بخوف واجابته بتلعثم:-
ستي جالتلي خليكي مطرحك وأني هشوفه بنفسي
_ مرر أنظاره بين السيدة نادرة وصفية ثم أمرها بغضب:-
بعد أكده لما أنادم عليكي بالاسم تاجي طوالي
_ أماءت رأسها بطاعة فواصل حديثه:-
جهزيلي الوكل يلا عشان اروح أشوف مصالحي
_ اؤمات برأسها وهتفت:-
أمرك يا عمدة
_ أولاته ظهرها وأسرعت داخل المطبخ لكي تكمل إعداد الطعام وهو معهم، جلس ثلاثتهم حول المائدة، بدأ خليل في تناول طعامه سريعاً حتى يغادرهم ما إن ينتهي منه، وزع مصطفى أنظاره بين الجالسين وبين باب غرفة ورد الذي يظهر منه جزءاً أمامه، تردد في فعل ذلك لكن داخله يحثه على فعلها فنادي بنبرته الرخيمة:-
صفاء..
_ لم يكرر ندائه فهي كانت متابعة لما يحدث وجائته مهرولة ما إن صغت إلى إسمها فقال:-
جولي لصفية تحضر طبج زياد واطلعي نادي ورد تاجي تاكل معانا
_ الدهشة دون غيرها قد تشكلت عليى تقاسيم الجميع، إتسعت حدقتي صفاء بذهول على أمره ورددت بعدم تصديق:-
أطلع انادم ورد تاجي تاكل وياكم!
_ رمقها بطرف عينيه وأردف مؤكداً :-
أيوة جولت حاجة غريبة إياك ؟
_ أسرعت بتحريك رأسها يميناً ويساراً نافية سؤاله وهتفت بحماس:-
هنادم عليها طوالي
_ إرتفعت نبرتها وهي تخبر والدتها بإحضار صحن زائد لورد قبل أن تصل إلى المطبخ، فحماسها قد أنساها ثباتها التي تتلبس ثوبه أمامهم، صعدت إلى الأعلى ما أن أخبرت والدتها وتلك المرة لم تتطرق باب ورد بل ولجت للغرفة مباشرةً ..
_ إنتفضت ورد من مكانها إثر دخولها المفاجئ، لم تتحمل تصرفها تلك المرة وكادت أن تعاتبها لكن لم تترك لها المجال لتتحدث وأسبقت هي بالحديث بأنفاس لاهثة:-
سي مصطفى جالي أنادم عليكي تنزلي تاكلي معاهم تحت!!
_ إبتسمت صفاء ما أن أنهت جملتها بينما عقدت ورد جبينها بغرابة ورددت متعجبة:-
جالك تجوليلي أكده ولا ديي لعبة من ألاعيبك؟
_ أسرعت صفاء بالرد عليها نافية ظنونها:-
جسماً بالله جالي كيف ما جولتلك أكده يلا إنزلي طوالي
_ إرتبكت ورد على تلك الخطوة التي لم يسبق وأن خطتها من قبل سوى مرةٍ واحدة لكن لم يكن مصطفى زوجها بعد، فهل حان فعلاً جني ثمار صبرها؟
_ إختارت عباءة باللون الأخضر مطرزة بالفضة، لا تعلم لما إرتدتها فبالأخير سيغطيها وشاحها لكنها شعرت أن عليها التألق لذاك النداء الأول ..
_ وضعت أعلاها وشاحها وهبطت الأدراج سريعاً، إرتخت ملامح خليل وقد تحولت إلى الراحة ما إن لمح طيفها ناهيك عن سعادته بطلب مصطفى لمشاركتهم المائدة، بينما لم تبعد السيدة نادرة نظريها عن مصطفى بغضب شديد لطلبه المبهم، تتآكل غيظاً من الداخل كذلك أحمر وجهها بسبب كظم غضبها، تقابلت عينيها مع أعين مصطفى فأرسلت إليه إشارة موحية بعدم رضاها عن طلبه فحاول هو توضيح الأمر لها بنظراته التي يشير بها على والده فاستشفت أنه إفتعل ذلك من أجل أن يوطد العلاقة بينه وبين والده..
_ إلتوت شفتي نادرة للجانب بتهكم ما إن رأت هطول ورد عليهم عكس إبتسامة خليل التي إتسعت بسعادة وهلل مرحباً بوجودها:-
ايوة أكده الوكل بجا له طعم تاني مع الجمر
_ أخفضت بصرها في حياء قد إنعكس على ملامحها فاحمرت وجنتيها لكن حمدلله لم يراها أحد، تنهدت وردت عليه بإرتباك حرِج:-
ربنا يخليك يا عمي
_ أسرع خليل بالرد عليها قائلاً:-
لاه جوليلي يا بوي لو تحبي يعني
_ رفعت ورد بصرها عليه بإمتنان كبير ورددت بحياء:-
أكيد طبعاً أحب أكده
_ بادلها خليل إبتسامة فسارت هي متوجهة نحو مقعدها التي إعتادته بجوار هلال، توقفت قبل أن تجلس حين وجه مصطفى حديثه لها:-
تعالي إجعدي جاري يا ورد
_ إتسعت مقلتيها بعدم تصديق لما وقع على مسامعها وطالعته من أسفل وشاحها ثم أقتربت منه وهي لازالت أسفل تأثير الذهول، نهض مصطفى ما إن جلست هي فخفق قلبها رعباً من إبتعاده عنها فهو من طلب أن ترافقه مقعده فما هذا إذاً؟
_ إقترب مصطفى من باب السرايا تحت نظرات الجميع المندهشة عليه ونادي بنبرة جهورية قائلاً:-
عسران..
_ جائه ملبي ندائه فأمره مصطفى بثبات:-
تؤمر الغفر محدش منيهم يهوب داخل السرايا واصل وأني هؤمر صفية تطل كل شوية عليهم تشوف لو محتاجين حاجة وأي دخيل تعرفني بوجوده جبل ما يدخل السرايا مفهوم؟
_ أماء له بطاعة وقال:-
مفهوم يا باشمهندز
_ أغلق الباب خلفه وعاد لمقعده، إلتفت حيث تجلس ورد وأردف بلطف:-
دلوك تجدري تخلعي وشاحك وتطلعي وتنزلي على كيفك ..
_ إنحني بقرب أذنها وواصل حديثه هامساً:-
مش بكيفك جوي يعني إعملي حساب أبوي
_ إبتعد عنها فلم تستطع هي منع إبتسامتها العذبة التي أشرقت وأضافت لوجهها حيوية وأزادته عنفواناً ..
_ كانت السيدة نادرة تتابع ما يحدث أمام مرأى عينيها بعدم تصديق، تكز على أسنانها ببغض واضح وهي تري إبتسامة ورد تزداد إشراقاً، لكنها لن تقف تشاهد في صمت بالطبع ستوقف ولدها عند حده وقبل وقوعه فيما تخشاه ..
_____________________________________
_ أعدل من وضع جلبابه ليكون مهندماً ودلف للخارج بخطى متريثة قاصداً سرايا العمدة لكي يطمئن على إبنة عمه وأمانة زوجته، توقف عن السير وردد بنبرة خافتة:-
وعشجي…
_ سحب شهيقاً عميقاً وتابع سيره متلهفاً لسماع نبرتها مع تذكره لملامحها الطفولية اخر ما يتذكره منها، أوقفه والده بسؤاله:-
على فين العزم
_ أوصد عينيه لثوانٍ ثم إستدار إليه وأجابه على مضضٍ مختصراً الحديث معه:-
على سرايا العمدة هطمن على ورد!
_ رمقه حمدان لبرهة ثم بدأت ترتفع ضحكاته في العلن بسخرية، حاول التحدث من بين قهقهته مردفاً:-
لساك عايش على الأحلام اللي معتصحاش منيها ديي
_ دنى منه حمدان وواصل سخريته:-
البت إتجوزت رملناها جامت اتجوزت خوه، خايف تترمل تاني تتجوز عسران نفسيه
_ طالعه طاهر بتقزز وقال بإزدراء ناهي الحوار:-
عتتحدث براحة غريبة أني نفسي معارفش أعيشها من يوم اللي حوصل وأني مليش علاقة بالموضوع، كانهم شالو جلبك وحطوا مكانه حجر!
_ إتسعت حدقتي حمدان بذهول لسماعه ما تفوهه طاهر، رفع ذراعه للأعلى يريد تأدبيه بصفعة تعيد إليه صوابه لكنه تفاجئ بمنعه للوصول إلى وجهه، قبض طاهر علة يد والده بقوة وهو يكز على أسنانه بغضب، كم يكرهه ويبغض تلك الحياة التي يعيشها معه أسفل سقفٍ واحد..
_ سحب طاهر يده إلى جانبه ثم توجه إلى الخارج بخطى سريعة يهرب من مخاوفه لطالما تمنى أن ينتصر عليها لكنه لا يمتلك الشجاعة فبالأخير هو والده وله حق الطاعة، نفخ بضيق شديد ربما يحاول إخراجه مع أنفاسه التي يزفرها، عاد ليكمل سيره متجهاً إلى سرايا العمدة..
_ وصل بعد دقائق ليس إلا وتفاجئ بأحد رجال الغفر يمنعه من دخول السرايا موضحاً:-
ديي أوامر الكابير، خليك إهنه على لما نعطيه خبر
_ قطب طاهر جبينه بغرابة فالأمر لم يكن هكذا من قبل لم يملك سوى الإنتظار لحين إعطائهم خبر بوجوده بينما هاتف الرجل مصطفى وأخبره بنبرة خشنة:-
طاهر ولد حمدان المنشاوي إهنه
_ ألقي مصطفى بسؤاله متعجباً:-
وديه جاي يعمل إيه عندينا؟
_ رفع الرجل بصره على طاهر وسأله بحدة:-
رايد إيه؟
_ مفاجئة أخرى قد تلقاها طاهر من خلف سؤاله المريب الذي لا يوجد له معني، حاول التحلي بالصبر قدر المستطاع وأجابه على مضضٍ:-
جاي أطمن على بت عمي
_ أخبر الرجل مصطفى ما قاله له طاهر فنهض مصطفى عن مقعده ونظر إلى ورد وأردف:-
طاهر بيجول جاي يطمن عليكي، خير يطمن عليكي من إيه؟
_ عقدت ورد حاجبيها بغرابة فالأمر بدي مريياً بعض الشيئ وخصيصاً سؤال مصطفي الذي يليه العديد من الأسئلة المحملة بالتهم وأجابته بنبرتها الرقيقة:-
مخابراش، أني هروح أشوفه رايد إيه
_ نهضت هي الأخرى فتفاجئت بيد مصطفى تمنعها من المرور قائلاً:-
خليكي إهنه أني هشوفه
_ عارضته بلطف:-
معلاش سيبني أني أشوفه رايد إيه
_ سمح لها مصطفى بإيماءة من رأسه فأسرعت هي بوضع وشاحها أعلى رأسها وأقتربت من الباب فظهر طاهر من خلفه بملامح مشدودة بسبب تصرفات هؤلاء الحمقى، وقف قبالتها وسألها بتوجس:-
أنتِ زينة؟
_ حركت رأسها مؤكدة سؤاله وقالت بقلق :-
أني بخير في حاچة جلجتني؟
_ سحب نفساً وأوضح لها سبب زيارتة:-
مرت عمي وصاتني عليكي جبل ما تهمل البلد وأني جيت أطمن عليكي لو محتاجة حاجة كيف ما جالتلي
_ شعرت ورد بالإمتنان لإهتمامه فهي حقاً في أشد الحاجة لوجود من يهتم لأمرها، كادت أن تجيبه لكن أسبق مصطفى بالحديث بنبرة جامدة:-
هيوحصلها إيه عاد وهي في سرايا العمدة؟
_ أقترب منه قليلاً وربت على كفته وواصل حديثه:-
أطمن يا طاهر ورد في حِمايا
_ رفعت ورد بصرها عليه ما إن أدلى أنها في حمايته، لم تستطيع السيطرة على نبضاتها التي إزدادت بإضطراب شديد، أجبرت عقلها على العودة إلى الواقع فليس بحين يسمح لتصرفاتها البلهاء في الحضور، نظرت إلى حيث طاهر وهتفت ممتنة:-
أني زينة متجلجش عليا وشكراً على مجيتك ديي حسستني إني ورايا أهل مش لحالي
_ تقوس ثغر طاهر ببسمة لم تتعدي شفاه وردد حديثه الذي يأباه قلبه ساخراً لكن حان وقت الإقتناع به:-
أنتِ في مجام خيتي وواجب أطمن عليكي وبما إنك زينة هستأذن أني بجا، العوافي
_ رددت ورد ممتنة له عكس نبرة مصطفى الحادة:-
الله يعافيك ..
_ أولاهم طاهر ظهره وغادر وقلبه يعتصر حزناً فأي شعور يمكن أن يصف وجهه في تلك اللحظة التي يعترف بكونها شقيقته وهي لم ولن تكون كذلك!
_ إلتفتت ورد إلى يمينها فتفاجئت بسودتاه يطالعنها وأحست أن خلفهما شي يريد قوله، انتظرته ربما يدلي ما في جوفه لكنه لم يفعل فولجت للداخل بخطى متريثة فقلبها يرقص فرحاً علي تلك الأحداث الجديدة التي حدثت اليوم ..
_ كان يقف العمدة في إنتظارها وحين إقتربت منه إبتسم في وجهها وأردف معاتباً بلطافة:-
بجا أكده بردك متاچيش تطمني عليا مش بتعتبرني كيف بوكي ولا إيه يا ورد؟
_ شعرت ورد بغصة مريرة في حلقها فهي حاولت مراراً لكنا دوماً تتلقى الرفض من السيدة نادرة، وجهت بصرها عفوياً خلف خليل حيث تقف نادرة فاستشف خليل الأمر كله من خلف نظراتها، حرك رأسه مستنكراً أفعال نادرة الدنيئة ثم حاول تغير مسار الحوار الذي بدأه:-
بس الوكل كان له طعم تاني وأنتِ مشاركانا فيه ربنا يديمها نعمة يابتي
_ إلتوى ثغرها للجانب مُشكلة إبتسامة خجولة وردت عليه بحياء:-
ربنا يخليك يا أبا الحاج ويديم وجودك بيناتنا
_ ربت خليل على ذراعها بحنو وردد:-
ويديمك في حياتنا يا بتي ويتعرف جميتك
_ قال آخر جملته وهو ينظر إلى مصطفى الذي استشف ما يرمي إليه جيداً، أخفض رأسه بخجل ثم حاول نهى ذلك اللقاء بإقترابه من ورد قائلاً:-
بكفياكي واجفة في نص السرايا إطلعي على أوضتك أو ادخلي أوضة الضيافة أهي مجفولة بردك ..
_ إنتظر تلبيتها لأمره لكنه فوجئ بحديثها:-
شيفاك عتؤمرني في الراحة والجاية كاني مش مرت خوك عاد؟
_ تعمدت ورد إلقاء حديثها لكي تأخذ منه إعتراف صريح بإعتبارها زوجته، تقوس ثغر خليل ببسمة حاول إخفائها حين فهم ما تحاول هي فعله ووقف يتابع رد مصطفى على أحر من الجمر عكس نادرة التي كانت تقف كمن يقف على جمر متقد لا ترضى نبرة تلك اللعينة التي تحادث بها والدها كما تعترض كل ما حدث من مصطفى إلى الآن فهي كانت مطمئنة حيث تري عصيانه لأمر والده وتمرده على تلك الفتاة!، خرجت من شرودها وتابعت الأحداث على مضضٍ
_ وقف مصطفى يتخبط بين إجاباته، لا يجد إجابة واضحة صريحة يرد عليها بها فهو في الأساس لا يعلم ماذا يَكِن لها داخله
_ حسناً الإنسحاب في ذلك الوقت هو الحل الوحيد، لم يتردد مصطفى في الخروج من السرايا بخطى مهرولة قبل أن تعيد سؤالها مرة أخرى والنتيجة ستكون ساحقة أمام الجميع ..
_ ظهرت شبح إبتسامة على ثغر ورد فهي توقعت هروبه لكنها لن تتراجع عن إعترافه بها زوجةٍ له وأمام من أدلى لهم من قبل أنها في إعتبار زوجة أخيه وليست زوجته!
_ عادت بأدراجها إلى غرفتها فقط يكفيها ما حدث اليوم من روائع فلقد فقدت الأمل في حدوث نصفها ، أستلقت على الفراش وهي تعيد كلماته التي همس بها في أذنها فقشعر له بدنها فلم يسبق وأن تقرب منها رجلاً بتلك الحميمة برضائها، ستعترف أنها إستمتعت بقربه كثيراً ربما لأنها أرداته هو عكس أخيه التي نفرت منه ..
مساءاً،
تردد قبل أن يفاتح والده في ذلك الموضوع لطالما تأخر عنه كثيراً، حسم أمره أن ينهي ذاك الحب الذي يعيشه معها في الخفاء ويخرجه للنور أمام الجميع بدلاً من اللقاءات التي تجمعهم صدفة ولا يحق له أن يحادثها على راحته بل يختلس النظر إليها كالسارق الذي يسرق شئ ليس من حقه..
_ شهيق وزفير فعل هو ثم بدأ حديثه مباشرةً قبل أن يتراجع:-
بجولك يا أبوي كنت رايد أفاتحك في موضوع أكده
_ أنتبه جميع الجالسين إليه ثم إلتقط والده جهاز التحكم وأغلق التلفاز وأجبر أذنيه على الإصغاء إليه جيداً حيث تابع الآخر حديثه بتلعثم:-
عايز اتجدم لصفاء بت عم رياض الله يرحمه
_ شهقت والدته بصدمة ورددت بدون تصديق:-
صفاء بت صفية الخدامة!!
_ تدخلت شقيقته معاتبة والدتها:-
مالها صفاء ياما بت زينة ومتتعايبش
_ استشاطت والدتها غيظاً وهدرت بها شزراً:-
اجفلي خشمك أنتِ وملكيش صالح عاد بالموضوع ديه
_ تضايقت مروة من أسلوبها الفظ معها وانسحبت من بينهم فتابعت الأخرى حديثها برفض تام:-
أنت متعرِفش انت مين ومن عيلة مين إياك عشان تطلب أننا نناسب بنت الخدامة!
_ شعر ضيف بالإختناق الشديد يجتاحه بسبب حديثها الذي تقلل به من شأن حبيبته وحاول أن ينفيه:-
صفاء في كلية الطب ياما وبت ناس محترمين وكيف ما مروة جالت ميعبهاش حاچة يبجي إيه المانع؟
_ إنتفضت من مكانها والغضب قد سيطر على تقاسميها وصاحت بإنفعال:-
الموانع كاتير أولهم أنها متناسبش عيلة الحمايدي وتانيهم متناسبش ضيف ولد أميمة، أودي وشي من الخلج فين وولدي عيتجوز بنت خدامة ومش أي خدامة ديي خدامة نادرة يعني تاكل وشي لما تِعرف
_ لقد بلغ ضيف ذروة تحمله، نهض من مقعده وأجابها بصوت عالٍ:-
ديي مش طريجة حديت ديي أني لا ليا دخل لا بنادرة ولا بغيرها اني عحب البت ورايدها في الحلال
_ دني من والدته وواصل حديثه بغضب:-
وبعدين إيه خدامة خدامة كانها عيبة! مش بتشتغل من عرج جبينها وبسبب شغلها ديه دخلت بنتها كلية الطب
_ دوي صوت والدته في المكان بعصبية بالغة:-
كلية طب كلية طب، خلاص عرفنا إن السانيورة في طب بس برده لاه لو آخر واحدة مهاتخدهاش يا ضيف، وعايز تعرف مالهم الخدامين هجولك
_ صاحت عالياً:-
بت يا عزة أنتِ يابت
_ جائتها خادمتها راكضة ملبية ندائها:-
أمرك يا ست أميمة
_ توجهت أميمة إلى الطاولة التي تبعدها بضعة سنتيمترات ثم إلتقطت الكوب من عليها وألقته أرضاً حتى بات حطاما، وجهت نظرها إلى عزة وأمرتها بتعالي :-
جمعي يابت اللي اتكسر ديه بسرعة
_ انتظرت أميمة حتى إنتهت عزة من جمعها لحطام الكوب والتنظيف بعده ثم أعادت النظر إلى ضيف وقالت بتهكم :-
يارب الرسالة تكون وصلت لمخك الضلم ديه
_ لن يخضع لها ضيف بتلك السهولة، حرك رأسه لليسار قليلاً حيث يجلس والده ويتابع ما يحدث في صمت وقال له :-
ساكت ليه يا أبوي جول حاچة
_ نهض الحاج حنفي بشموخٍ وتحدث ناهياً الحوار:-
البت متلِجش بعيلة الحمايدي خلص الحديت
_ مر بجواره دون إضافة المزيد فصعق ضيف من رده الذي حسم الأمر ، لم يرفع عيونه على مكان وقوف مكان والده بصدمة قد حلت عليه وإنعكست على تقاسميه، تركته السيدة أميمة وغادرت وهي تتمتم بالحديث:-
معتش إلا بنتة الخدامين كماني
_ إزدادت أنفاس ضيف بإضطراب فلقد شعر لوهله أنه لا يستطيع التنفس بشكل صحيح، جلس على المقعد خلفه لعله يعود إلى رشده لكن صدمته كانت أكبر وغطت على تفكيره في أي شيئ ولم يستطع أن يهدئ من روعه بسهولة..
_ نهض عن مقعده وغادر المنزل وهو يشعر بالضياع ولا يري أمامه فلقد أصبحت الرؤية مشوشة بسبب سيطرة حديث والديه الذي يتردد داخله ويمنعه من رؤية وسماع شي آخر سواه ..
_ قادته قدماه إلى حيث سرايا العمدة ربما يحالفه الحظ ويراها فيشعر بالتحسن القليل أو يصادف صديقه ويبوح له بما يخفيه لعله يشعر بالراحة ..
______________________________________
_ رفض ضيف أن يخرج ما يخبئه الأن ربما لأنه شعر بضعفه في تلك الأثناء وهو يكره ما يتفوه به في تلك الحالة ، إلتزم الصمت طيلة الجلسة على الرغم من إلحاح مصطفى عليه أن يخبره سبب تحوله هكذا لكنه دائما يتلقيى الرفض منه ..
_ كان ميعاد بداية السهرة لدي عسران فلقد أنهى جميع ما عليه من أعمال شاقة اليوم، جاء بجهاز الصوت الخاص به وحرص على تنقية أغنية مختلفة اليوم لكنها حتماً لن تبعد عن مسار الطرب القديم، فكانت تلك المرة لـ ”سعاد محمد” ..
وحشتني عدد نجوم السما
وحشتني عدد كلام الهوى
وحشتني في كل يوم انما
وحشتني اكتر واكتر واحنا سوا
تعالى نخلي الحلم حقيقة تعالى تعالى
تعالى نعوّض كل دقيقة تعالى تعالى
من خوفي لبكرا يفرقنا
واحنا يا روح قلبي ما صدقنا
اشتقتلي ورجعتلي
وقلتلي وحشتني
_ آخر كلمات المقطع الأول كان يضغط على وتر حساس في قلب ضيف، فهو فعلياً يخشى فراقاها، هو يحبها حباً جما ولا يقدر على تحمل فكرة فراقهم، لن يتنازل عنها بتلك السهولة فإن كان للعمر بقية سينازع حتى تُكتب علي إسمه!!
_ لم يتجرأ مصطفى على رفع بصره تلك المرة على الشرفة، فليس لديه القدرة على مواجهة عينيها حتى وإن لن يراها فحتماً تراه هي بوضوحٍ، اأكتفي بسماع كلمات الأغنية وتخيل ملامحها التي فوجئ بها اليوم على تناغم الموسيقي ..
ليالي ليالي ليالي
مافارقتش ثانية خيالي ليالي
بستنى الفرحة وبستناك
وبغني وانا بحلم بلقاك
الله على لقا الحبيب بعد الغياب
حلاوتو بتخلي الهوى يرجع شباب
_ مع إنتهاء آخر كلمات المقطع الثاني تغلب مصطفى على نفسه ورفع بصره للمكان المراد النظر فيه وفوجئ بعدم وقوفها كما إعتاده في تلك الأثناء، لم يرفع بصره من على الشرفة لعله يلمح طيفها لكنها لم تفعل، تسلل القلق داخله فاليوم قد عاملها بلُطف بالغ فما المانع أن تقف؟
ياقمر ياسهر
راجعين راجعين بحنين كل العاشقين
اسهرو ونورو ليالينا
دا الشوق ياما دوب فينا
ربنا يوعدنا ويسعدنا
ولا تخلص ابدا مواعيدنا
ونقول لبكرا يستنى
ونقول لبعدو ابعد عنا
تعال نخلي الحلم حقيقه تعال تعال
تعال نعوض كل دقيقه تعال تعال
من خوفي لا بكره يفرقنا واحنا يا روح قلبي ماصدقنا
اشتقت لي ورجعت لي وقلت لي وحشتني
_ أنتهت الأغنية ولم تظهر إلي الأن، نهض مصطفى ولم يلتفت لأحدهم وسار متوجهاً داخل السرايا حيث غرفته السابقة ليعلم سبب اختفائها، طرق بخفة على الباب فلم تجيبه، أعاد تكرار فعلته مراراً والنتيجة واحدة، تملك منه القلق وقد توجس خيفة في نفسه خوفاً أن قد مسها ضراً وحسم أن يولج للداخل ليطمئن عليها ..
_ لم يجد لها أثراً في الغرفة لكن هناك مصدراً لصوت ما يأتي من داخل المرحاض، أقترب بخطى سريعة فتفاجئ بما رآه أمام عينيه وخفق له القلب والفؤاد…
يا تري مصطفى شاف إيه؟
عُرف صعيدي
الفصل الحادي عشر
( إنتظار.. )
______________________________________
_ تتمايل بجسدها فهي محاوطة حوله منشفة قصير مفتوحة من الجانب الأيمن ، تمسك بخصلاتها وترفعها للأعلى بحركة مغرية وهي تتابع رقصها بتأني وثقة ..
_ إبتلع لُعابة وهو يتابع حركاتها باهتمام شديد، فلم يسبق له ورأى رقصاً بهذا الشكل، شعر بضعف قوته البدنية التي يتحلى بها، خار ثباته أمام ما تفعله تلك الفتاة بربك ألا ترحمي ضعفه وقلة حيلته!
_ يحلوا له ما تفعله ولا يريد رؤية شيئ آخر يعكر جمال ما رأته عينيه، عليه الإنسحاب الأن فإن مرت عليه دقيقة أخرى حتماً سيحدث عواقب يمكن أن يندم عليها في وقت لاحق ..
_ إنسحب بهدوءٍ تام إلى أن خرج من الغرفة، استنشق الصعداء ما أن أغلق باب الغرفة ومر الأمر مرار الكرام، توجه إلى غرفته مباشرةً فهو في حالة لا يرثى لها ولن يستطيع إكمال السهرة معهم ..
_ نهض ضيف قاصداً المغادرة حين تأخر مصطفى في عودته بالتأكيد لن يأتي في ذلك الوقت المتاخر من الليل، أوقفه عسران بقوله:-
على فين يا ضيف لسه السهرة طويلة
_ رد عليه بنفسِ غير سوية:-
السهرات جاية كاتير أني تعبان ورايد أفرد جسمي
_ أنهى جملته وغادر السرايا وعقله لازال يفكر في طريقة ما يقنع بها عائلته بزيجته من صفاء، لا يصل إلى أي حلول وهذا ما يزيد الأمر سوءاً، نفخ بضجر بائن وصاح بتذمر:-
يارب أني بحبها ورايدها في الحلال متصعبهاش عليا يارب
_ عاد إلى منزله يريح عقله تلك الليلة وفي اليوم التالي حتماً ستطرق الحلول بابه ..
______________________________________
_ عاد طاهر إلى المنزل على مضضٍ، فالعودة إليه باتت ثقيلة على قلبه للغاية ويتمني بألا يعود مرةٍ أخرى إليه، حسم أمره على قبول ما يرفضه عقله وتأباه مشاعره لكن ما باليد حيلة ربما هذا الافضل له ..
_ كانت صباح في انتظاره لكي تفاتحه في زواجه من مروة فهي لن تهدأ قبل أن تسير الأمور كما تريد، نهضت مسرعة وأقتربت منه قبل أن يفر هارباً كعادته لكنها تفاجئت به يقترب منها ويقول:-
أني موافج..
_ قطبت جبينها بغرابة وسألته بفضول:-
موافج على إيه؟
_ أخرج تنهيدة مليئة بالهموم وأجابها بتجهم:-
موافج على مروة!!
_ ألقى بحديثه ثم أولاها ظهره وصعد إلى غرفته وتركها تستوعب ما قاله بمفردها، لم ترفع بصرها من على طيفه الذي بدأ يختفي رويداً من أمامها، تطالعه بعدم تصديق أحقاً وافق على تريده؟ كان الحظ حليفها تلك المرة ونجحت في شئ تخطط له، وها هي نجحت في أولى مخططتها التي رسمته لكي توقع ضيف في شر أعماله فهو من جني على نفسه بالتسلية بها إذا فليتحمل قذارتها التي تنوي فعلها ..
_ دقت أسارير السعادة قلبها من خلف موافقة طاهر، تقوس ثغرها ببسمة عريضة انعكاس لسعادتها الداخلية، نظرت حيث اختفى وهتفت بحماس:-
سيب الموضوع ده عليا يا خوي
_ أخفضت من نظرها وواصلت حديثها هامسه وهي تكز عل أسنانها بحقد:-
متجلجلش هيمشي كيف ما رتبت له صوح!!
______________________________________
في اليوم التالي،
استيقظت ورد من الصباح الباكر وارتدت إحدى عبائتها الملونة التي تليق مع بشرتها وضفرت خصلاتها التي أضافت لوجهها بهجة وجمال، ترددت في وضع بعض المساحيق التجميلية لكنها رفضت فجمال ملامحها الطبيعية أحلى بكثير من أن تعكرها بمساحيق صناعية، فاكتفت بوضع مرطب شفاه أضاء من شفاها الوردية …
_ هبطت السُلم وهي تدندن بنشاط وحيوية على غير العادة وولجت للمطبخ المقصود الوصول إليه، رحبت بها صفية بحفاوة:-
طلتك ولا الجمر يا ورد
_ ابتسمت لها ورد بحياء وأردفت برقة:-
ربنا يخليكي يا صفية
_ بحث ورد بعينيها يميناً ويساراً وسألتها باهتمام:-
فينها صفاء السرايا ملهاش حِس عاد
_ قهقهت صفية وأخبرتها بمكانها:-
والله عنديكي حج يابتي الهدوء موجود مطرح ماتكون غايبة عنيه، هي في جامعتها وزمناتها راچعة
_ دعت لها ورد بحب:-
ترجع بالسلامة، بس جوليلي فين الوكل عشان ناوية أحضر الفطور النهاردة بيدي
_ ابتسمت لها صفية وبدأت تحضر ما تطلبه ورد وكانت مساعدتها اليوم تتابعها باهتمام على الرغم من كونها طباخة يشهد لها الجميع إلا أنها أعجبت بطريقة تحضير ورد للفطور ورسمه في الصحون كأنه تحفة فنية، حتماً سيحرص الجميع في الاقتراب منه خشية أن يمحو جماله ..
______________________________________
_ في الاعلى،
استيقظت السيدة نادرة قبل زوجها وعزمت بأن تحادث مصطفى وتعارض تصرفاته الحمقاء التي فعلها بالأمس، طرقت بابه بخفة وولجت للغرفة حين سمح لها ..
_ كان قد انتهى من ارتدائه للجلباب، استدار إليها قائلاً:-
صباح الخير ياما
_ ردت عليه بنبرة جامدة:-
صباح النور يا مصطفى
_ أضاق عينه عليها لتلك اللهجة المريبة التي تحادثه بها، جلست هي على طرف الفراش وبدأت حديثها معاتبة بوجه محتقن:-
اللي حوصل جبل اليوم ديه مش على هوايا ديه وعدك ليا أنك هطليجها! بدل ما تباعِدها عنك تجوم تجلعها وشاحها وتشوفها كماني؟! لاه واللي يفور الدم أنك تمنع الغفر من دخول السرايا إلا بإستئذان وديه من ميتي إن شاءالله؟ كانك اعتبرتها مرتك بحج وحجيجي!!
_ أسرع مصطفى بالرفض لتوقعها:-
لاه، حديت إيه اللي عتجولي ديه كل الحكاية إني رايد أرضي أبوي أنتِ مشوفتيش فرحته كانت مش سيعاه كيف لما عملت اللي عملته؟
_ نهضت عن مقعدها وتابعت رفضها الجلي للأمر:-
ولو، البت ديى مينفعش معاها حنية واصل أني مطيجهاش من وجت ما خوك هرب منيها ليلة دخلته وبعدها بيوم اتجتل وهاه لساتنا موصلناش للجاتل وهي عايشة حياتها ٢٤ جيراط مش هاممها حد واصل وبلي عملته ديه هتديها فرصة تزود في عمايلها..
_ وقف عقل مصطفى عند تذكيرها لمشاركة رجل غيره فيها، لقد دعست على جرحه ولم تكترث، شعر بالنفور من ورد فهي لم تخلق له وحده بل كان الرجل الثاني في حياتها، ضغط على أسنانها بعصبية فلقد تعقدت الأمور بفضله بعد أفعاله بالأمس بالتأكيد خُـيل لها أنه تقبلها زوجة له، لكن لا سيذكرها بمن تكون هي حتى تعود إلي رشدها وتعرف مكانتها جيداً..
_ هبط كليهما إلى الطابق الأول وفوجئوا بإحضار مالذ وطاب ووجود جميع الأصناف التي يحبونها قد ملئت الطاولة بشكل حضاري رائع، انتبهوا لصوته المتحشرج من خلفهم:-
واه إيه كل الوكل اللي يفتح النفس ديه مين اللي راضي عنينا النهاردة؟
_ أجابته صفية وهي تضع أخر صحن قد أعددته ورد:-
ديه كله تحضير ورد أني مليش صالح عاد بيه
_ ظهرت ورد من خلفها مبتسمة بحياء يكسو وجهها بالحُمرة، خفق قلب مصطفى بطلتها الجميلة التي لا تفشل في قلب كيانه، بينما لم تهتز خصلة للسيدة نادرة بل نظرت إلى صفية وأمرتها بحدة:-
جبيلي صحن مالح وفوجيها طماطماية همي
_ ردت عليها صفية بعفوية:-
ورد أصرت تعرِف أنتِ بتحبي إيه عشان تعملهولك بيدها والعجة اللي بتحبيها أهي
_ نهرتها نادرة بعصبية شديدة:-
جولتلك هاتيلي صحن مالح يبجي مترطرطيش حديت ملوش عازة
_ رمقتها صفية مستاءة من تصرفها وعادت إلى المطبخ تحضر ما طلبته بينما لم تبعد ورد نظريها عنها فهي تشعر بالحرج الشديد من طلبها التي أعلنت به رفضها لتناول طعامها، خرجت من شرودها على شُكر خليل لها:-
تسلم يدك يابتي الوكل جميل اجعدي كُلي
_ رسمت بسمة متهكمة على محياها ثم اقتربت من مقعدها وجلست أعلاه، رفعت بصرها على مصطفى في انتظار جلوسه بجوارها لكنها تفاجئت به يتوجه إلى باب السرايا، هو يريد مشاركتهم المائدة لكن حديث والدته لا يقتلع من عقله ويتردد صداه داخله كلما وجد لنفسه حجةٍ يقترب بها منها ..
”مصطفى”
_ نادته بنبرتها المبحوحة التي أربكته وتوقف إثرها، اقتربت منه ووقفت أمامه حين لم يستدير لها وحادثته بحزن مرسوم علي تقاسيمها:-
رايح على فين من غير ما تفطر مرايدش تاكل من يدي؟
_ تبخر تمرده حين شعر بالحزن الذي يشع من زرقاوتاها ناهيك عن نبرتها التي نجحت في محي أي ذرة غضب داخله ؛ أحقاً جائت وبكل سهولة بخرت عصيانه وغضبه في ثوانٍ، أهذا هو مصطفى عقل الحجر الذي لا يلين ولو انقلبت السماء على الأرض!
_ لم يشعر بنفسه سوى وهو يجيبها بنبرة هادئة:-
كنت هشوف الغفر لو محتاجين حاچة..
_ انعكست تعابيرها تماماً عن ذي قبل حيث ظهرت سعادتها لكونه لم يرفض مشاركتهم الفطور، دقت طبول قلبه بتلك الإبتسامة التي تبسمتها فقط من أجله، عادت ورد إلى مقعدها وهو خلفها دون تفكير..
_ رفعت السيدة نادرة حاجبيها مستنكرة عودته بتلك السهولة، لم تستطع المشاهدة دون تعكير صفو تلك اللعينة وخرجت عن صمتها موجهة حديثها إلى مصطفة:-
كانك عاودت تاني يا مصطفى؟
_ أجابها مختصراً:-
هفطر يا اما جعان
_ اتسعت مقلتيها بذهولٍ ورددت بتهكم:-
كُل يا جلب أمك كُل تلاجيك هفتان
_ تدخل خليل ناهياً سخافاتها:-
اجعدي كلي يا نادرة وبلاها حديت معرفينش ناكل لجمة
_ أخذت نادرة الصينية من صفية وقالت وهي توليهم ظهرها:-
المكان خنجة جوي هفطر في أوضتي فيها هوي يرد الروح
_ حرك خليل رأسه باستنكار لتصرفاتها الخرقاء التي لا تنتهي، لكنه لن يعكر صفوه فهناك أطعمة كثيرة لابد من تناولها بشهية مفتوحة ..
_ انتهوا من تناول الطعام وأستاذن مصطفى للذهاب إلى عمله، نادت ورد على صفية قائلة:-
هاتي اللي حضرناه يا صفية
_ حضرت صفية ومعها كيس بلاستيكي وناولته لورد التي لحقت بمصطفى قبل أن يغادر وأوقفته بقولها:-
اتفضل ، أنت بتتأخر وأكيد بتتعب في الشغل لازمن تاكلك حاچة عشان تجدر تصلب طولك
_ عارض تصرفها مستاءً:-
لاه مهينفعش أكل وسط الفلاحين وهما معياكلوش
_ أسرعت ورد بإلقاء حل سريع:-
ثواني نحضرلهم كلاتهم واكل
_ لحق بها مصطفى قبل أن تغادر بمسكه ذراعه، أخفضت ورد بصرها على قبضته فأسرع هو بسحب يده إلى جانبه وأوضح تصرفه:-
الفلاحين كاتير فوج ال ٣٠٠ فلاح بيشتغل في الأرض مينفعش تحضري واكل لكل دول، متشغليش نفسك بيا أني زين
_ رمقته بحزن فهي من أحضرت له الطعام والآن هو من يرفض أخذه، أولاها مصطفى ظهره وسار نحو الباب عدة خطوات ثم استدار إليها فرأى معالم الخيبة على تقاسيمها، عاد إليها وأخذ العُلبة من بين يديها ثم غادر دون إضافة المزيد ..
_ دقت طبول السعادة قلب ورد لفعلته وتقوس ثغرها بإبتسامة عذبة، عادت إلى أرض الواقع على صوت نادرة التي دوى في الأرجاء:-
كانك بلي بتعمليه ديه مفكره هتكسبيه لصحالك!!
_ استدارت إليها ورد لتتابع نادرة حديثها معنفة:-
تبجي بتحلمي، أني ولدي راچل ومهيخيلش عليه حركات البنتة البطالة ديي
_ أولاتها السيدة نادرة ظهرها وقبل أن تخطو للأمام أوقفتها ورد متسائلة بفضول:-
صدر مني حاچة عفشة تخليكي تعامليني أكده؟
_ حركت نادرة رأسها لليمين قليلاً وأجابتها باستعلاء دون أن تنظر إليها:-
مشيفاكيش تليجي بمجام ولدي!!
_ لم تتفاجئ ورد بما قالته فلقد سبق وقالت الحديث نفسه لكنها لا تفهم لماذا رضيت بها في بادئ الأمر؟
_ شعرت بعدم الرغبة في شيئ، فقدت رونقها وحماسها لطالما تحلت به منذ استيقظاها إلى أن عكرت تلك المرأة صفوها، عادت إلى غرفتها بخيبة أمل سكنت قلبها وأطفئت من روحها لا تدري ما الخطأ الذي اقترفته لتنال كل هذا النصيب ذو الحظ السيء…
______________________________________
_ أسرعت في خطاها والابتسامة لا تختفي من على وجهها بانتصار لنجاح أولى خطتها وسيرها على ما يُمرام، فتحت بوابة المنزل الصغيرة ورمقت المنزل بوجه ملئ بالدماء النشيطة من فرط حماسها فهي لا تطيق السنتيمرات التي تبعدها عن إكمال خطتها الداهية..
_ قرعت الجرس وانتظرت أمامه بفروغ صبر، فُتح لها الباب من قِبل ”ضيف” الذي انعكست تقاسيمه وتحولت إلى الغضب ما أن رآها أمامه، التفت برأسه للخلف يتفحص المكان جيداً ثم أعاد النظر إليها وهمس لها بوجه محتقن تفور به الدماء:-
إيه اللي جابك إهنه يا وجه البرص إنتي؟
_ لم تعيره صباح إهتمام ودنت منه هامسة بفتورٍ:-
سبج وجولتلي ملكيش صالح عاد بيا وأني دلوك اللي بجولك ملكش صالح بيا
_ رفعت ذراعها ووضعته على كتفه مُبعدة إياه لكي تمر للداخل، نادت بعلو صوتها ما أن توسطت الردهة:-
مروة يا مروة
_ حضرت مروة إلى مصدر الصوت فتفاجئت بصباح، رسمت بسمة على وجهها واقتربت منها مرحبة بها:-
الدار نورت إلك زمن معتاجيش عندينا
_ بعتاب زائف أجابتها الأخرى:-
كنتي أنتِ سألتي يعني يا ندلة، يلا ممنوش العتاب دلوك أني رايدة اتحدت معاكي في موضوع
_ أضاقت مروة عينيها بغرابة ولم تستطيع الصمود وسألتها والفضول يتآكلها:-
إيه هو الموضوع؟
_ نظرت صباح علي ضيف الذي يتابع حوارهما باهتمام بائن وأردفت:-
مهينفعش إهنه تعالي في أوضتك
_ تعلقت صباح في ذراع مروة ثم ساروا معاً إلى غرفة مروة بينما كز ضيف على أسنانه بضيق شديد فتصرفاتها لا تروق له وبالتأكيد لن يأتي من خلفها سوى المتاعب ..
_ لمح طيف والده وهو يهبط الأدراج متكأ على عصاه فلم يريد المغادرة قبل أن يعيد تكرار طلبه لعله يؤثر عليه تلك المرة في عدم وجود والدته ..
_ انتظر حين جلس في مقعده الخاص في الردهة ثم سحب شهيقاً عميق وهو يستعد لتلك المواجهة الحاسمة، أخرج زفيره على بطئ ثم توجه نحوه بخطى متريثة، ألقى عليه التحية ومن ثم بدأ فيما يريده بنبرة متلعثمة:-
حديثنا مخلصش يا بوي، لساتني عند كلامي ورايد اتجدم لصفاء..
_ حرك والده رأسه وطالعه بملامح جامدة فأسبق ضيف بالتأثير عليه قبل أن يتلقي رفضه:-
يا بوي صفاء بت زينة وأخلاجها عالية وتعليمها كمان عالي يعني دي اللي تليج بيا وبعيلة الحمايدي مش واحدة من عيلة كابيرة وهي نفسها صفاتها ونعتها عفشين!!
_ نفخ الحاج حنفي بإمتعاض وبفتورٍ قال:-
جولت لاه ي…
_ قاطعه ضيف حين ركع أمامه وهو يتوسله بنبرة لحوحة:-
أبوس يدك مترفضش جبل ما تعرفها اني جلبي مرايدش غيرها، ولو رفضتها صدجني مهاشوفش واحدة غيرها واصل
_ انتفض الحاج حنفي من مقعده وضرب بعصاه الأرض مبدي غضبه وهتف بإنفعال بالغ:-
اعتبر ده تهديد ولا ايه يا ولد الحمايدي؟
_ اعتدل ضيف في وقفته وطالعه بنظرات تتوسله بإشاراته التي يتمني أن يرأف به من خلفها وأجابه بنبرة منسكرة:-
مش تهديد يا بوي بس أني مشايفش غيرها تنفع تكون مرتي وعلى إسمي وأني مش هينفع يتغصب عليه الجواز كيف البنتة.
_ بقامة منتصبة أردف بتمرد:-
أني آسف يا بوي لا هي لا بلاها جواز من أساسه
_ أولاه ظهره وتوجه نحو الباب بينما صاح والده شزراً:-
بلاها جواز، عنك ما شوفت غيرها كان اللي خلجها مخلجش غيرها
_ بصق أرضاً ثم مسح على فمه وتابع انفعاله بغضب:-
مناجصش إلا العيال كمان اللي هيهددونا!!
_ حرك رأسه باستنكار ثم عاد لمقعده بمشوخٍ وهو يتوعد لتمرد ضيف عليه
_ في الطابق العلوي وبالتحديد غرفة مروة، رفعت صباح يدها أمام مروة وأشارت لها لكي تجذب انتباهها، نجحت صباح في استعادتها إليها وسألتها باهتمام:-
ها جولتي إيه في اللي سمعتيه عاد؟
_ احمرت وجنتي مروة بخجل ناهيك عن فركها لأناملها بإرتباك حرِج، لقد فاجئتها صباح بذلك الحديث الذي لم يكن علي البال، ابتلعت ريقها وأردفت بنبرة خافتة:-
مخابراش أجول إيه؟
_ عقدت صباح ما بين حاجبيها بتهكم ثم لكزتها في كتفها بخفة وأردفت مازحة:-
جولي رأيك إيه؟ موافجة ولا لاه
_ أخفضت مروة بصرها في حياء وأجابتها مختصرة:-
مخابراش يا صباح متضغطيش عليا، خليه يكلم أبوي هو أدري مني..
_ وضعت صباح سبابتها على ذقن مروة ورفعت وجهها للأعلى لتري عينيها وهي تحادثها:-
أكيد طاهر هيكلم بوكي بس لاول هو محتاج يعرف رأيك موافجة عليه ولا لاه، متعرفيش هو متحمس لجربه منيكي كيف، رايح جاي يجولي كلميها أساليها هتوافج عليا ولا لاه، يطلع وينزل على اسم مروة لما جبهالي في مخي
_ قهقهت صباح عالياً لتضيف للحديث لمسة حتى تؤثر على قرار مروة التي لم تهدأ نبضات قلبها كلما أضافت صباح حديث عن طاهر وتمسكه بها
_ تأففت صباح بضجر بائن وسألتها بتهكم:-
يابتي انطجي وجولي أجوله يطمن ولا ايه
_ إلتوى ثغر مروة للجانب بتهكم معانق للحياء الشديد فهي تخجل التصريح بموافقتها علناً أمام صباح فحتماً ستخبر شقيقها بقرارها ولن تستطيع النظر في عينيه أن صادفته يوماً، جف حلقها وهي لا تعلم ما عليها قوله في تلك الأثناء، شعرت بالاضطراب والضياع كلما ضغطت عليها صباح في انتظار ردها عليها وأخيراً نطقت بنبرة سريعة غير مفهومة:-
ماشي موافجة..
_ انشرح قلب صباح للغاية فتلك الخطوة الثانية التي نجحت في تنفيذها وكانت أكثرهم سهولة، فغرت فاها ببلاهة وقلبها يتراقص على أنغام السعادة، دنت من مروة وهللت بحماس:-
الود ودي ازغرط بس لولا العيبة، على العموم أني هروح افرحه بالخبر ديه وهو يبجي يتحدت مع بوكي بجا، العوافي
”الله يعافيكي”
_ همست بها مروة بنبرة خافتة لم تصل إلى أذان صباح التي قفزت الأدراج بشعور سيطر عليها وهو الإنتصار، لم يعد هناك إلا القليل علي وصولها إلى مرادها، أطلقت ضحكة عالياً ما أن دلفت خارج المنزل وهي ترتب أفكارها بعناية لكي تأتي بضيف راكعاً يتمني أن ينال استحسانها.
_ مساءاً
انتظرت عودته حتى نفذ خزان صبرها، لماذا تأخر اليوم عن سابق أيامه، تأففت بضجر وقررت أن تسأل أحدهم عن سبب تأخيره
_ إلتوى ثغرها للجانب مُشكلة بسمة متهكمه فهي ستسأل الخادمات عن سبب تأخير عودة زوجها!، أخرجت تنهيدة مليئة بالهموم والإرهاق ثم حركت قدميها للامام حتى وصلت إلى الطابق الأول
_ استقبلتها هويدا بترحيب على باب المطبخ قائلة:-
وجهك ولا الجمر اتوحشت طلتك
_ بادلتها الأخرى ابتسامة صافية حين رآتها وهتفت:-
ربنا يخليكي يا هويدا وأني كمان اتوحشتك جوي، ليه معتاجيش كل يوم؟
_ أوضحت هويدا سبب عدم وجودها باستمرار في السرايا:-
أني باجي الأيام اللي بيكون فيها الضغط كابير عشان أساعدهم لكن مجدرش اسيب بيتي وزوجي وأجعد إهنه اليوم كامل
_ حركت ورد رأسها بإيماءة حين تفهمت الأمر، ترددت لوقت قبل أن تردف متسائلة:-
العمدة لساته معاودش وديي مش عادته حد يعرف ليه؟
_ طالعتها صفاء بمكر من خلف هويدا بطرف عينيها وهي من تولت الرد بمزاح:-
النهاردة يوم الجبض يعني بيتأخروا عشان بيجبضوا الفلاحين..
_ نهضت عن مقعدها واقتربت منهن وهي تتمايل بجسدها حتى وصلت بجوار هويدا، أسندت مرفقها على كتفها وواصلت حديثها بمكرٍ:-
بس على حد علمي يعني إن العمدة يدوب بيشرف على اللي بيحوصل بس وممكن يعاود في أي لحظة لكن سي مصطفى هو اللي بيجبض الفلاحين بيده عشان يعرف مين أخد ومين مخدش يعني سهرته طويلة ويمكن ميعادوش غير وش الصبح!!
_ اتسعت مقلتي ورد بذهول مرددة:-
واه ديه مأكلش حاچة من وجت الفطور!
_ غمزت إليها صفاء وتابعت مزاحها بخفة أسلوبها:-
واه تصدجي عنديكي حج يا حرام طيب ما تاخديله وكل وروحي له!
_ ردت عليها ورد بعفوية:-
بجد ينفع؟
_ من بين ضحكاتها أجابتها الأخرى بتلقائية:-
أومال، بس منعرفوش إذا كنتي هتعاودي من غير رجبة ولا دراع!!
_ صُدمت ورد بآخر كلماتها واستشفت أن الأمر ماهو إلا لعبة من ألاعيبها المعتادة، أضاقت عينيها بغيظ عارم وأردفت بحنق:-
بجا اكده يا صفاء بتتمجلصي عليا .. ماشي
_ لكزتها هويدا في ذراعها بخفة معاتبة:-
اتركي البنية في حالها يا صفاء مش كد ألاعيبك ديي
_ أخفضت وردت بصرها وقد سرق الحزن حيوية بشرتها التي بهتت للغاية وتشكل على تعابيرها بسهولة استشفننها الأخريات ورددت بنفاذ صبر:-
حياتي ديي غريبة جوي كانها فيلم هندي
”لا وانتي الصادجة دي ولا كانها رواية كيف اللي بجراهم”
_ هتفت بهم صفاء رداً عليى حديثها، رفعت ورد بصرها عليها وطالبتها بلطفٍ:-
ابجي جبيلي رواية من رواياتك دي أضيع وجتي فيهم بدل الزهج اللي مأنسني دييه
_ أشارت صفاء علي عينيها مرددة بحبٍ ظاهر:-
من عنيا التنين
_ ابتسمت ورد ممتناً لها:-
تسلم لي عنيكي
_ قفزت صفاء في الهواء مهللة بسعادة حين راودتها أحد الألعاب التي سيشاركنها ثلاثتهن:-
جاتني فكرة بما أن ورد زهجانة وهويدا لسه على وجت مرواحها هبابة إيه رأيكم نلعبوا لعبة
_ وافقنها الفتيات فبدأت هي بشرح اللعبة بسلاسة:-
هكتب كلمة واحدة في ورجة صغيرة وأطويها ونحطها في لجن غويط وكل واحدة تختار ورجة وتجول الكلمة ديي بتعني لها ايه هيكونوا تلت حاجات إما ( خوف ) وإما ( فرح ) وإما ( شجن )، زين؟
_ رددن الاخريات في نفسٍ واحد:-
زين
_ افتتحت ورد اللعُبة وبدأت تلقف إحدى الأوراق الصغيرة بعد أن انتهت من كتابتهم صفاء، لَقِفت إحداهم وقامت بفتحها فتفاجئت بالكلمة المدونة بها ( إنتظار )، نفخت بصوت مسموع فهي تهاب تلك الكلمة كثيراً، نظرت إليهن وقالت موضحة:-
الإنتظار بالنسبة لي خوف، أخاف عمري يمشي وأني مستنية كل اللي بتمناه يتحجج، يومي بيضيع وأني مستنية جُرب مصطفى مني، بخاف أمي متطمنش عليا واجعد استني مكالمتها بفارغ الصبر، اني خايفة أموت وأني لساتني بستني!!
_ كان يطالعنها بتأثر وشفقة مرسومان على تقاسيمهن، ابتسمت لهن ورد وأردفت مازحة:-
بطلوا بحلجة فيا وكملوا يلا..
_ جاء دور صفاء فالقِفت ورقة أخرى وقامت بفتحها وقرأت ما بها بصوت عالٍ:-
| الوعد |
_ أخرجت تنهيدة مهمومة وأوضحت ماذا تعني لها الكلمة:-
خوف بردك، بخاف اللي يوعد يتخلي وميوفيش بوعده أو حتى ميجدرش ينفذه!
_ صمتت لبرهة ووعد ضيف قد حضر في ذهنها وتمنت بداخلها بأن ينتهي خوفها عاجلاً، أعادت هويدا تكرار ما فعلنه الفتيات قبلها وقرأت المدون في الورقة التي لقفتها:-
| البيت |
_ تبسمت بشغف وهي تردد:-
البيت طبعا فرح بحس بطعم الدفا في بيتي وسط جوزي وعيالي وبفرح بردك لما بزور بيت أهلي بالنسبة لي البيوت دي جنة مش بس فرح!
_ واصلن لعبهن حتي قرع صوت رنين هاتف هويدا معلناً عن انتهاء وقت عملها فاستأذنتهم وغادرت السرايا سريعاً قاصدة العودة إلى منزلها، بينما نفخت ورد بتذمر وهي تطالع النافذة بفتور لعدم ظهور مصطفى إلى هذا الوقت المتاخر من الليل بعد ولم تشعر بأعين صفاء التي ترمقها بتردد كبير، تود الإفصاح عما بداخلها لعلها تشعر بالراحة إن شاركتها مخاوفها ..
_ ابتلعت ريقها وسارت نحوها بخطى بطيئة تقدم قدم وتؤخر الأخرى خوفاً من ردة فعل ورد إذا علمت، كانت تطمئن قلبها بأن ورد ذو عقلٍ متفتح وقلب رقيق وبالتأكيد لن تشي بها وستساعدها في الوصول إلى الراحة الداخلية التي تفتقر إليها منذ معرفتها بضيف..
_ وصلت إليها وخبطت على ظهرها بخفة فاستدارت اليها ورد متسائلة حين رأت فركها لأناملها بإرتباك:-
نعم؟ كانك رايدة تجولي حاجة؟
_ أماءت لها الأخرى مؤكدة فقالت لها ورد بغرابة:-
تحبي تتحدتي إهنه ولا في أوضتي
_ اختارت صفاء الصعود لغرفة ورد حتى تطمئن بأن لن يسمعها أحد، قصت عليها بدايةً من تبادلاهما النظرات ثم توطدت علاقتهم وتودد ضيف إليها أكثر فأكثر وحدث بينهما حوار تحول مع الوقت إلى لقاءات خفية يسرقنها حين يأتي هو الى السرايا، أخبرتها باعترافه لها وأنه يَكُن لها من المشاعر قدراً ووعده بأنه سيتزوجها وأنهت حديثها بنبرة بتوجس:-
خايفة جوي ميوفيش بوعده أو ميجدرش ينفذه كيف ما بيوحصل في الروايات والأفلام
_ حركت ورد رأسها مستنكرة تفكيرها الساذج وأردفت متهكمة:-
يحرج الروايات اللي لحست عجلك، سبينا من الروايات والأفلام دلوك أنتِ واثقة فيه يعني وواثقة في حبه ولا بيتسلى وخلاص؟
_ أخرجت صفاء زفيراً مرهقاً وأجابتها بقلة حيلة:-
أوجات ببجي واثقة من حبه ليا لما بتفكر كلامه الحنين وتسبيلة عنيه اللي معيرفعهاش واصل طول ما هو واجف جصادي، واوجات تانية بحس أنه بيتسلي بيا مهو مفيش جوازة تمت وكان جبلها بيحوصل المجابلات ديي دايما الراجل بيتخلى عن البت اللي حبيته لمجرد أنها كلمته فبيشوفها انها مش زينة ومتليجش بيه..
_ حاولت ورد تلوين أفكارها السوداوية بتوقعاتها الوردية:-
أني معارفهوش بس يمكن مختلف عن الباجي، يكون راجل صوح ويوفي بوعده، العيال اللي عتهرب من الجواز ديي دايما بيتهربوا من الحديث فيه هو أكده؟
_ أسرعت صفاء بنفي سؤال وردت مجيبة إياها بشغف وحب يشع من عينيها:-
بالعكس هو اللي بيفتح الحديت عنيه، على طول يجولي ميتي تيجي مرتي حلالي وأخلف منك دستة
_ رققت من نبرتها كما أخفضت بصرها خجلاً وتابعت قول كلماته على لسانها:-
على طول يجولي رايد أليج بمجام الداكتورة، بشوف الفخر في عنيه التنين وهو هيتحدت عني وعمره ما حسسني إني أجل منيه على الرغم أنه من عيلة كابيرة جوي وأني يدوب لا روحت ولا جيت
_ لوت شفاها للجانب بتهكم فحاولت ورد تغير الحوار عن مساره الذي أخذه:-
زين اللي عتحكيه دييه بس سؤال أخير عشان أطمن وهو اللي هيحسم إذا كان هو راجل ولا عيل
_ حملقت بها صفاء باهتمام فهي في أشد الحاجة إلى الاطمئنان من علاقتها المعقدة تلك، ابتسمت ورد لانتباهها بهذا الشكل وألقت بسؤالها الحاسم:-
بيحاول يتجرب منك يعني لمس يدك جبل أكده أو..
_ قاطعتها صفاء بنفي ما قالته بلهجة سريعة:-
لاه لاه محوصلش هو بيحاول دايما يحافظ عليا حتى أني اللي اوجات بتوحشه وبطلب منيه ياجي السرايا يشوفني بس هو بيرفض عشان محدش يشوفني معاه وياخد عني فكرة بطالة
_ تنهدت ورد براحة وهتفت:-
يبجي هو أكده راجل صوح وزين وإن شاء الله عن جريب يبجي من نصيبك
”اللهم آمين يارب”
آمنت عليها صفاء بتمني ورغبة شديدة، نظرت إلى ساعة الحائط فشهقت لتأخر الوقت ورددت وهي تنهض من مقعدها بذعر:-
الوجت اتاخر جوي أمي هتموتني، تصبحي على خير
”وأنتي من أهل الخير”
قالتها ورد وهي تقهقه على تصرفاتها الطفولية بينما التفتت إليها صفاء معدلة حديثها:-
جولي وانتِ من أهل ضيف
_ لم تستطيع ورد تمالك نفسها وانفجرت ضاحكة لكن سرعان ما اختفت ضحكتها حين تذكرت مصطفى وتأخيره عن ميعاده المعتاد عليه، نهضت وتوجهت إلى الشرفة لعلها تحظى برؤيته التي ستطمئن قلبها، طالت مدة انتظاره على أمل رؤيته حتى غفت علي سور الشرفة وتبخر أملها وذهب مع الرياح.
______________________________________
_ عاد إلى منزله أخيراً بعد انتظار طال مدته، ركضت نحوه مهرولة لكي تلقي عليه بذلك الخبر السعيد، وقفت أمامه وعاتبته بهجوم:-
اتأخرت أكده ليه غفيت وأني بستنظرك
_ قطب جبينه بتهكم وسألها بجمود:-
ليه حوصل مصيبة رايدة تخبرهالي
_ قلبت عينيها مستاءة منه وأوضحت سبب انتظارها له حتى الأن:-
لاه يا خفيف بس أني روحت لمروة وجولتلها أنك رايد تتجدم لها والبت عينك ما تشوف الا النور مكنتش مصدجة حالها، بجد يا صباح احلفي يا صباح تجولش كانت مستنظراك تتجدم!!
_ لم تهتز له خصله فهذا الهراء لا يعنيه وبفتورٍ أردف:-
زين..
_ مر بجوارها دون إضافة المزيد فامتعضت هي لفعلته واستدارت بجسدها في نفس اتجاهه وسألته بتجهم:-
أفهم أني إيه من زين ديي
_ أجابها وهو يُكمل صعوده للأدراج:-
رايداني أجول إيه عاد؟
_ تقدمت نحوه وقالت وهي تسير خلفه:-
تجولي هتطلب يدها من بوها ميتي؟
_ أخذ طاهر شهيقاً عميقا وأخرجه بصوت مسموع:-
أوف
_ وقف أمام باب غرفته وحرك رأسه لليسار قليلاً حيث تقف صباح وأردف على مضضٍ:-
بكرة اروح له..
_ أنهى جملته ثم اختفي خلف الباب وهو لا يرضي ما ينوي على فعله لكنها الطريقة الوحيدة التي سينسي بها ورد، في الخارج توجهت صباح إلى غرفتها وهي تتغنج بجسدها فرحاً لدهائها التي أوصلها إلى تلك النقطة.
______________________________________
_ عوداً حميداً مع فزوغ الفجر، ركن سيارة العمل الربع نقل جانباً ثم ترجل منها وهو لا يرى أمامه فاليوم كان شاقاً وثقيل للغاية كثقله من كل أسبوع.
_ رفع عينيه تلقائياً على شرفتها فتفاجئ برأسها التي تستند بها علة حافة السور، عقد حاجبيه متعجباً لتصرفها الأرعن، أسرع خطاه نحوها ونادى عليها بنبرة خافتة يجذب انتباهها له:-
ورد يا ورد
_ لا يريد أن يصدق حدسه الذي يخبره بأنها غافية، لم يتوقف مكانه لحظة وركض مهرولاً إلى الأعلى حيث غرفتها التي اقتحمها دون سابق إنذار، وكما توقع تماماً أنها غافية على سور الشرفة، حرك رأسه باستنكار واقترب منها دون تردد
_ خبط برفق على كتفها مع ندائه المتكرر الخافت لكي لا يتسبب في فزعها:-
ورد جومي اصحي..
_ مع تكراره لنطق إسمها الذي تردد داخل عقلها فانتفضت هي بذعر إثره ورددت بتعلثم:-
هاا، أنت جيت
_ خفق قلب مصطفى بشدة حين رأى ذعرها ورجفة جسدها المتسبب بهما، حاول تهدئة روعها بكلماته الرقيقة:-
اهدي أيوة جيت..
_ ساعدها على الدخول إلي الغرفة وأجلسها على الفراش ثم أحضر لها كوب من الماء ترتشفه ليهدئ من روعها، لم يصبر وألقى بسؤاله معاتباً:-
كيف تغفي على السور أكده ممكن لاجدر الله تجعي
_ أجابته بنعاس مسيطر عليها:-
اتأخرت الليلة فكنت بستنظر رجوعك
_ شعر بتأنيب الضمير تجاهها فلماذا لم يخبرها بتأخره اليوم؟
هو لم يكن لديه علم بانتظارها لعودته فلا إثم عليه، تنهد بعد برهة من الصمت وأردف:-
بتأخر النهاردة عشان بجبض الفلاحين
_ أماءت له برأسها فهي على علم بذلك، وضعت الكوب بجوارها أعلى الكومود ونهضت من على الفراش ووقفت مقابله فأسبق هو بالحديث يريد إنهاء الحوار معها:-
ابجي نامي أنتِ وملكيش صالح برجوعي لأن مواعيدي مش ثابتة
_ اقتربت بخطاها أكثر منها فشعرت بأنفاسه الحارة التي يحاول حشرها داخله كلما اقتربت منه، ثبتت قدمها على الأرض وأردفت برقة مبالغة تعكس مشاعرها التي تكُمن بداخلها:-
مبيرفش ليا جفن جبل ما اطمن عليك!
_ رباه!! على تلك النبرة التي همست بها كلماتها التي فاجئته، لم يكف قلبه عن التسارع والتخبط بين نبضاته التي حتماً ستفضح أمره أمامها.
_ يريد الفرار من أمامها لكن زروقاتها تجذبه إليه كأن بهما سحراً لا يعرف كيفية إبطال أثره، فالوضع يزداد سوءاً فسودتاه لا تكتفي بالنظر إلى عينيها، لقد أخفض بصره على برقوقتيها بعد أن تفحص معالم وجهها باهتمام.
_ شفتيها تحثه على التودد معها أكثر كأنهما يناديان غريزته التي بحاجة إلى الإرتواء، لم يقاوم جوارحه التي لبت ندائها برحب ووتلمس وجهها بأنامله، أنخفض قليلاً وملس على ترقوتيها بنعومة.
_ ابتلع ريقه في محاولة بحثه عن ثباته الداخلي لكن أي ثبات سيتحلى به أمام جمالها الخلاق، خارت قواه تماماً وضعفت نفسه فتودد لها أكثر شاعراً بحرارة أنفاسها التي تضرب وجهه دون رأفة.
_ بنبرة خافتة قشعر لها بدنها همس:-
عُرف صعيدي
الفصل الثاني عشر
( إعتراف )
______________________________________
”تصبحي على خير يا ورد”
_ هذا ما همس به مصطفى بجانب أذنها، أي خير يتمناه لها بعد أن أنهى بجملته أي سُبل للوصول إليها، تراجعت للخلف قليلاً لكي تري ملامحه جيداً وتشتشف ما إن كان يمازحها أم يحادثها بجدية
_ أولاها مصطفى ظهره سريعاً فلن يقدر على مواجهة زرقاوتاها التي تعاتبه في صمت، أسرعت ورد بمسك ذراعه قبل أن يفر هارباً منها كما يفعل دوماً ثم توقفت أمامه فقطعت كل السُبل له في الخروج وأردفت متسائلة:-
كانك لسه معتبرني مرت خوك إياك!
_ انتظرت إجابته بفروغ صبر، نبضاتها تتحدث عن توجسها من سماع إجابته التي يمكن بأن لا ترضيها، ازدردت ريقها وهي تتابع حدتيه التي يطالعها بهما بوجه بارد يعكس نوياه السيئة اتجاها
_ بملامح جامدة أجابها بتجهم:-
عمري ما شوفتك غير مرت أخوي يا ورد رايدك تفهمي أكده عشان متصعبيش الأمور بيناتنا..
_ تلقت صفعة صادمة بحديثه الذي لم يرأف بمشاعرها وهو يدلي به بكل برود، ارتخت قبضتها عن ذراعه فلم يتردد عن مغادرة الغرفة التي شُيدت بناء جدران سجنها بعدما هدمت ورد بعضاً منه على أملاً قد تبخر مع خروج كلمات مصطفى من فمه..
_ تعجبت من حزنها لرفضه لها على الرغم من أنها لم تكن المرة الأولى، وضعت راحة يدها اليمني أعلى يسار صدرها وأخرجت زفيراً بطيئاً وهي تتسائل في نفسها ماذا يحدث هنا؟
_ لما كل ذلك الحزن التي تبدد داخله، يخفق قلبها ألماً وليس نبضاً، أمعقول أنها أحبته بتلك السرعة؟ كيف وهي لم تري سوى الرفض والنبذ الدائم منه!
_ تراجعت للخلف وهي على نفس وضعها حتى وصلت إلى الفراش التي اعتلته وظلت منكسة الرأس تتخبط بين عدة ذكريات تراودها لعقل الحجر ذاك، من بين الذكريات كانت إحداهما يوم زفافهم حين انسحبت من بين المعازيم بعدما كَثُرت وقاحتهم في الهمزات واللمازات ووقفت في إحدى نوافذ السرايا التي تطل على حديقتها ومنها رأته يرقص بعصاه بثباتٍ وثقة عمياء، تذكُر جيداً تلك الإبتسامة التي رُسمت على محياها رغماً عنها لاستيعاب عقلها أن تلك الجاذبية والوسامة الطاغية ستكون لها في النهاية، عجرفته التي يُعرف بها هي من نالت إعجابها وجذبتها إليه.
_ انتقلت إلى الذكري التالية في نفس اللحظة حين لمحتها أحد النساء وألقت عليها كلمة غير مفهومة لكنها استشفت سوء نيتها من خلف نظراتها، أرادت الهروب من السرايا بأكملها لكن أين المفر؟
_ حسناً ستختبئ برهة من الوقت في المبطخ بالتأكيد لن تزعجها إحداهن هناك، سارت بخطى مهرولة قاصدة المطبخ وهناك تلقت مفاجأة من العيار الثقيل وهو وجود مصطفى في تلك الأثناء، كانت المرة الأولى لها أن تقف أمامه بالحالة التي كانت عليها فشعرت بالارتباك يسيطر على خلاياها بسبب ذلك الوضع المُريب وخصيصاً أنه لم يخفض بصره من عليها وكأن لنظراته معانٍ يود الإفصاح عنها..
_ تبخرت أحلامها الوردية مع إصدار حكمه بعدما صعدا كليهما معاً ذاهبين إلى عُشهم الجديد بأنه لن يضعها في اعتبار الزوجة وهي ليست سوى زوجة أخيه!!
_ عادت من شردوها على زقزقة العصافير التي ترى طيفها يحلق عالياً في السماء من خلف باب الشرفة، نهضت وتوجهت إليها وأغلقت بابها ثم ألقت نظرة على خزانتها وفكرة واحدة تتردد في عقلها مابين التنفيذ والإقلاع عنها ..
______________________________________
_ على الجانب الآخر أزفر مصطفى أنفاسه بإرتياح ما أن نجح في هروبه من أمامها قبل أن يقع في براثين جمالها، توجه إلى غرفته وعقله مشوش تماماً فهو يلوم ضعف رغبته أمامها وفي الوقت نفسه يتمني لو لم يتذكر هلال في تلك اللحظة وواصل ما بدأه..
_ لا يتركه هلال وشأنه كلما شعر بالسكينة تجاهها يظهر هلال ويخرب سكينته بحضوره للأفكار السوداوية داخل عقل مصطفى كأنه يُذكره بأمتلاكه لها أولاً!!
_ قطعت حبال شروده بصوتها الجهوري الذي دوى في الأرجاء:-
خارج من عنديها في وجت متأخر ليه يا مصطفى؟ ضعفت جدامها؟ نجحت في خطفك يا ابن الجبلاوي!!
_ أوصد عينيه لثوانٍ قبل أن يستدير إليها ويقول بهدوء ما قبل العاصفة:-
لاحظي إنك بتجللي مني ياما في كل مرة تتحدتي معايا عنيها!
_ إلتوت شفتيها للجانب بتهكم وأردفت ساخرة:-
على أساس بلي بتعمله ديه مش بتجلل من نفسك يا مصطفى! دخولك وخروجك عنديها وفي الآخر تاجي تاكل بعجلي حلاوة وتجولي برضي أبوي، شايفني مخبولة إياك؟
_ فرك ذقنه بعصبية وإرتباك فهو وقع في حيرة من أمره لا يدري بأي حُجة سيخبرها بها تلك المرة، فضل الصمت عن حديثه الذي لن يجدي نفعاً فنادرة لن ينطلي عليها هرائاته مطلقاً.
”مش لاجي حاجة تتحجج بيها المرة ديي؟ زين عشان متصغرش في عين أمك اكتر من أكده”
_ هتفت بهم بندم شديد لتربيتها التي تجني ثمارها الفاسدة، أولاته ظهرها وعادت إلى غرفتها مهمومة حزينة، تتحسر على كلتي أبنائها فالصغير تأكله الدود أسفل التراب والبكري تمرد على أوامرها ويفعل عكس ما تريده دون خجل ولا حياء.
_ ”اااه” مكلومة بقلبٍ يعتصر حزناً على فلذات أكبادها التي لم تذق للنوم طعم من أجلهم وفي نهاية المطاف لم تجد التعويض التي كانت تنتظره ويرضيها، قلق خليل على صوت نحيبها فأعدل من وضعه ثم أضاء المصباح من جانبه والتفت إليها في قلق:-
في إيه يا نادرة عتبكي ليه؟
_ مسحت عبراتها براحة يدها وأجابته بصوت متحشرج:-
بفتكر دم ولدي اللي راح هدر ولا أنت ولا ولدك بتوصلوا لحاچة واصل، يا تري مستريح في جبرك يا ولدي ولا عتنازع على روحك اللي منعرفش مين السبب في جتلها، يا حسرتي عليك يا ولدي وعلى شبابك.
_ لم تتوقف عن النواح والندب متعمدة عدم ذكر مصطفى وقربه من ورد فهي على دراية تامة بأن خليل يريد أن تسير علاقتهم على يُمرام بينما أخرج الآخر تنيهدة مكلومة فلقد دعست على وتر حساس للغاية، يشعر بانعدام رجولته وبعدم استحقاقه للقب الأبوة لعدم عثوره عليطى قاتل ولده بعد مضي تلك المدة الطويلة.
_ لم يعقب على حديثها فلا يوجد للرد سبيل في تلك اللحظة كما هرب النوم من عينيه فقرر النهوض ومغادرة الغرفة وعدم مواجهة إيلام نادرة الموجه له بينما لم تتوقف هي عن العويل متحسرة على حالها.
_ في غرفة مصطفى، لم يترك المجال لأفكار ما قبل النوم أن تحضر وتشتت عقله فبدنه بحاجة إلى الراحة لكي يقف صامداً أمام العقبات التي لا تتركه وشأنه.
______________________________________
_ ارتفع ذلك الرنين المزعج الذي يكره سماعه فهو يقطع عليه أجمل مراحل يومه، مع رنينه المتكرر استيقظ بعدما فشل في استعادة سلامه الداخلي والنوم مرةً أخرى، مد يده إلى جواره وأغلقه على مضضٍ.
_ استمع إلي مأذان المساجد وهي تصدح عالياً معلنة عن بداية خطبة الجمعة، انتفض من مكانه وهم بدخول مرحاض غرفته وتوضأ سريعاً ثم انسحب للخارج وبدل جلبابه بأخر أبيض اللون ثم أسرع للخارج بخطى مهرولة لكي يلحق الصلاة قبل بِدأها.
_ قابل والده على باب السرايا فرافقه إلى المسجد لكنه شعر بأن هناك خطبً ما فتقاسيمه جامدة وأسلوبه فظ على الرغم من أنه لم يرد سوى التحية لكنه استشف ضيقه بسهوله فهو جدير بأحوال والده، عزم على سؤاله لكن بعد أدائهما للصلاة التي على وشك البدأ
_ أديا الصلاة في جماعة وانتهوا من التسليم على بعض أهالي البلدة ثم خرج كليهما من المسجد ولم يصبر مصطفيى أكثر فسأله ما أن ابتعدا أقدام عن المسجد:-
مالك يا بوي كانك مهموم حوصل حاچة؟
_ أخرج الاخير تنهيدة مهمومة وصلت إلى أذان مصطفى التي أكدت حدسه بوجود مصيبة كبيرة وأعاد سؤاله متوجساً خيفة:-
خير يا أبوي شكل الموضوع كابير
_ توقف خليل عن السير ونظر إلى مكانٍ ما وعبراته تتلألأ في عينيه مهددة بالنزول لكنه تماسك قدر المستطاع، صوب مصطفى بصره على الجهة التي ينظر إليها والده فإذا به مكان الحادث يظهر من على مقربة منهم، أصدر هو الآخر تنيهدة موجوعة وهي يعيد مشهد هلال وهو ينازع الألم إلى أن سرقه الموت منهم.
_ أنتبه على صوت والده المتحشرج:-
خوك مات أهنكه وإحنا واجفين محلك سر معارفنيش نرجعوله حجه، أني مستاهلش أكون بوه مستاهلش اكون أي حاچة واصل!!
_ كلماته كانت كالذي يطعن في صدره بخنجر ذو سن حاد، لم يكن أمامه سوى مواسته فإنهما لا يمتلكَ سوي مأزرة بعضهما البعض إلى أن يجد جديد في قضية قاتل هلال، اقترب منه مصطفى وربت على ظهره مواسياً إياه:-
هون على حالك يا بوي إن معطرناش عليه اليوم هنعطر عليه بكرة
_ حرك خليل رأسه بقلة حيلة ثم سارا معاً عائدين إلي السرايا، قرع مصطفى الجرس ففتحت له صفاء بعبوس، انقضت عليه ما إن رأته أمامها كأنها كانت في انتظاره حيث قالت متلهفة:-
إلحج يا سي مصطفى ورد رايدة تهمل السرايا وأني مجدراش أمنعها.
_ قطب مصطفى جبينه بغرابة ووجه بصره على تلك المتمردة التي تقف ممسكة بحقيبتها حاسمة أمرها على المغادرة، اقترب بخطاه منها متسائلاً في حيرة من أمرها:-
واخدة شنطتك وعلى فين أكده من غير إذني؟
_ قلبت عينيها كما إلتوى ثغرها للجانب بتهكم ورددت ساخرة:-
بعد عني الله يرضيك أني منجصاش مجلسة على المسا
_ استشاط مصطفى غضباً من أسلوبها الساخر وصاح بإنفعال:-
مين اللي عيتمجلس على مين دلوك؟ واظبطي أكده وأنتِ عتتحدتي معايا
_ تأففت ورد متذمرة وهتفت بنفاذ صبر:-
ماشي يا سيدي بعد عني بجا خليني أمشي
_ تدخل العمدة في تلك الأثناء بسؤاله حين رآي إصرارها علي المغادرة ناهيك عن لهجتها المريبة التي تحادث بها مصطفى:-
مالك بس يابتي إيه اللي حوصل عاد عشان تهملي السرايا، يعني هو يتعدل أنتِ تتمردي!
_ أوصدت ورد عينيها لبرهة في محاولة استعادة سلامها النفسي فلابد من محادثة حماها بذوق وأدب، ازفرت أنفاسها ثم رفعت رأسها بعزة نفس و أجابته بثبات:-
معاودة دار أبوي أني جوزي مات الله يرحمه وجعدتي إهنه ملهاش عازة
_ فغر خليل فاهه بصدمة من وراء حديثها، لم يستوعب عقله ما قالته بسهولة، حل الصمت لوقت قبل أن يواصل خليل حديثه محاولاً إيفاقتها:-
واللي جدامك ديه يابتي معيجبكش ولا إيه، كيف يعني ممعتبرهوش چوزك؟
_ شدت ورد بقبضتها على حقيبتها وبعبوس ونبرة باردة أردفت:-
هو اللي ممعتبرنيش مرته وجالها كاتير وأني مهجدرش على العيشة اللي مش عيشة ديي، وكيف ماهو مراضيش بيا أني كماني مرضيهوش في حياتي بكفياني جلة جيمة من وجت ما عتبت السجن ديه.
_ رمقها خليل بذهولٍ لتسميتها للمنزل بالسجن، استشفت هي سكوته المذهول وتابعت موضحة بنبرة قوية:-
إيوة يا عمدة السرايا ديي سجن بالنسبة لي معارفاش اتحرر منه ولا عارفاش الإفراج هيبجي ميتي، دخلته وأني جوايا أمل مات واندفن مع موت هلال، جعدت بين أربع جدران مههملهمش واصل لما كانوا بيضيجوا كل يوم عليا اكتر عن اليوم اللي جبليه، جطعت الوكل والشرب والكلام وجضيت شهور العدة وأني بجسد هزيل وروح ميتة، الأمل اتتجدد تاني وجولت خلاص حكم الإفراج صدر وهيتنفذ جومت جيت أنت يا عمدة وأجبرتني أعاود من تاني لسجني جولت وماله هانت بردك، وبعدها فاجئتنا بطلب يدي للمحروس ولدك اللي جولت أكيد ده عوض ربنا ليا ورضيت وجدران السجن اتهدمت وأتبني مكانها جدران جاديدة رسمت عليها صورة ولدك اللي اختفت أول ما رماني وجالي أنه مشايفنيش غير مرت خوه، بدأت أول حيطة تجع وست نادرة بتتشفي فيا من ورا عملة ولدها، والحيطة التانية انهدمت لما أمي سافرت وبجيت لحالي وباجي الحيطان اتهدموا جبل اليوم لما ولدك رفضني تاني.
_ صمتت ورد وقهقت بتهكم وأضافت ساخرة:-
أو تالت ورابع ممتذكراش
_ رفعت بصرها عليهم وشدت علي قبضتها الصغيرة حول حقيبتها وأردفت بتحدٍ:-
معتش حدايا حديت أجوله عن اذنكم..
_ تقدمت نحو مصطفى فكان الأقرب إليها ومرت بجواره دون أن تلتفت له لكنه أبي ذهابها وأوقفها برجعوه للخلف وشكل أمامها حاجزاً يمنعها من إكمال طريقها للخارج، حاول سحب حقيبتها من بين قبضتها لكنها شدت عليها بكل ما أوتيت من قوة لكي لا يأخذها، رفعت زرقاوتيها في سودوتاه وهتفت بحنق:-
سيبني لحالي وروح لحالك بجا مش ديه اللي أنتِ رايده وأني هريحك مني وهرتاح منيك بردك!
_ بقوته التي فرضها على قوتها الضعيفة نجح في إلتقاط الحقيبة من بين يدها وألقاها بعيداً وقال بأمر موجهاً حديثه إلى صفاء:-
رجعيها الاوضة تاني
_ أماءت له صفاء بطاعة بينما أسرعت ورد لتستعيد حقيبتها لكنه شد على ذراعها حتى يمنعها من الوصول إليها، انحنى عليها وهمس لها بجمود:-
همي جدامي رايد اتحدت معاكي
_ أعادت النظر إليه باحتقار ورددت معنفة إياه بتجهم:-
مريداش اسمع منيك حاچة واصل بكفياك اللي جولته واللي حسستني بيه
_ حسناً لن تليق الحُسنة معها ولن تجدي نفعاً مع عنادها في تلك الأثناء، فرض مصطفى قوته عليها للمرة الثانية وانحنى عليها وقام بحملها لتتفاجئ هي بتصرفه المتهور ولم تكف عن ضرب الهواء بقدميها مرددة:-
نزلني، بجولك نزلني
_ لم يكترث لها واستدار بجسده متوجهاً نحو باب السرايا فصرخت هي بحياء:-
رايح بيا على فين علي حالتي ديي جدام الخلج، نزلني يا مصطفى
_ تفاجئت ورد بحدتي رجال الغفر يرمقانها وهم يتبسمون على حالها، تباً لذلك العنيد الذي لا يكترث لمظهرها أمام الجميع، لم يكن أمامها سوى تخبئة ذاتها من أعين المتطفلين بسكونها داخل صدر مصطفى، أخفت وجهها في كتفه وتابعت إيلامه:-
منك لله يا مصطفي على حطتي في الوضع ديه..
_ لم يعقب على قولها بل ترك نفسه يستمتع لذلك الوضع المحبب لقلبه، سكونها بين ذراعيه كان بمثابة سلاح قوي ضعفت قوته أمامه، لقد ظن لوهلة أنه يشعر بصدى قوة نبضاتها داخل صدره.
_ تبخرت مشاعره الجميلة لوضعها في مقعد السيارة الأمامي، أغلق الباب ومن ثم أكد توصيده بضغطه على زر ما في مفتاح سيارته، التف هو للجانب واستقل خلف مقوده ثم دعس بقدمه على المحرك وتحرك مبتعداً عن السرايا.
_ لم تكف هي عن الأسئلة منذ إجباره لها بركوب السيارة:-
جولي إحنا رايحين على فين، انطج ورد عليا متسبنيش أكلم في روحي أكده
_ لم يرد عليها فهو لا يعلم ماهي وجهته، يسير بالسيارة على أمل يرادوه مكانٍ ما يذهبان إليه، بعد مدة صف سيارته أمام مكانه الخاص الذي يأتيه كل يوم جمعة من كل أسبوع وكذلك الأوقات التي لا تساعه الأماكن فيها فهذا المكان يربت على قلبه بحنان ولا يسمح بمغادرته قبل امتصاص كل همومه وتحولها إلى سلام داخلي يساعده على الاستمرارية.
_ ترجل من السيارة وتوجه إلى تلك العنيدة التي رأى فيها عناده الذي يشبهها تماماً، فتح لها الباب وأردف بهدوء:-
انزلي..
_ نفخت ورد متذمرة وعقدت ذراعيها بتمرد:-
منزلاش جبل ما أعرف احنا فين وليه؟
_ تأفف مصطفى بصوت مسموع فلقد بلغ ذروة تحمله على سخافتها التي لا تنتهي وصاح عالياً:-
انزلي لاول وأنتِ تعرفي جايين إهنه ليه
_ رمقته بطرف عينيها ثم عاودت النظر أمامها بعناد طاغي عليها، حرك مصطفى رأسه بعدة إيماءات وهو يكز عليى أسنانه بعصبية ثم انحنى بجسده عليها قاصداً حملها فأسرعت هي بالصراخ في وجهه قائلة:-
هنزل لحالي بعد عني
_ رفع مصطفى بصره عليها وهو داخل السياره فاستشفت هي غضبه من تقاسيمه التي تهدد بالانفجار بها، ازدردت ريقها خوفاً من حدتيه التي يطالعها بهما وحاولت الفرار منه بقولها:-
رايدة أنزل هتفضل تبحلج لي كاتير؟
_ بهدوءٍ أخرج مصطفى نفسه من السيارة وأولاها ظهره وتقدم للأمام دون أن يلتفت ومع شعوره بترجلها من السيارة ضغط على زر في مفتاحه أوصد به السيارة بالكامل للأمان وواصل سيره في صمت.
_ سارت خلفه وهي تتفحص المكان بزرقاوتاها جيداً متعجبة من وجودها في طوالة الخيل، وصلت للداخل ووقفت تتابع مصطفى وهو يملس بنعومة على أحد الخيول السوداء ذات اللمعة المضيئة والشعر الكثيف الذي يتطاير مع نسمات الهواء.
_ تابعت ما يفعله باهتمام واضح فعلى ما يبدو أنه عاشق للخيل وتلك هي خاصته فاهتمامه بها زائد عن بقية الخيول، تنهدت بصوت عالٍ لكي تجذب انتباهه وأردفت بتهكم:-
جايين إهنه عشان توكل حصانك؟
_ لم يلتفت إليها مصطفيى بتلك السرعة التي توقعتها بل تابع اطعام الخيل في هدوء وما أن انتهى من اطعامه بالكامل سار نحو بئر يتوسط الطوالة وغسل يديه جيداً ثم عاد إليها
_ أحضر لها مقعداً خشبي قديم لكنه أفضل حال مما أحضره لذاته، أعتلى مقعده ثم أمرها بالجلوس قائلاً:-
اجعدي.
_ لم ترضي أسلوبه الأمر لها فأعاد مصطفيى حديثه مازحاً:-
جعمزي يابه
_ استشاطت ورد غيظا من بروده ولم تلبي أمره، أوصد مصطفى عينيه لثوانٍ قبل أن يردف بنفاذ صبر:-
أباه عليكي من ميتي وأنتِ بتعندي ويايا إكده؟
_ رفعت ورد إحدى حاجبيها وأجابته بلهجة سريعة حادة :-
ممتحملنيش ساعة وأني شوفت منيك اللي أكتر من أكده!
_ نظر مصطفى في الفراغ جواره وهو يحك مؤخرة رأسه بعصبية فلقد نفذ صبره ولم يعد لديه ذرة تحمل لسخافة أخرى ستصدرها هي، شعر بتحركها فأعاد النظر إليها فاذا جلست وأخيراً حمداً لله
_ جلست أعلى المقعد وانتظرت بِدأُه للحديث، بعد برهة لم يطيل عنها بدأ حديثه بنبرة هادئة لا تشبهه:-
أني خابر زين أنك متستاهليش كل اللي بيصدر مني وأنك ضحية في العلاقة ديي بس أني كمان ضحية كيفك تمام، أبوي أجبرني على جوزاتي منك وأني مرايدش
_ تفاجئت ورد بحديثه الذي أحاطها بسور خجل شديد، صاحت معارضة حديثه بإزدراء:-
وانت لساك صغير عاد عشان تتجبر على حاجة كيف ديي؟
_ سحب شهيقاً وأخرجه بتمهل وقال متوسلاً:-
اسمعيني للآخر ومتجاطعنيش تاني
_ هدأت ورد من روعها سامحه له بمواصلة ما يريد قوله فتابع هو ما يدور في عقله:-
أني كيف أي شاب رايد واحدة على كيفي أني اللي اختارها اكون شايفها وراضي بها شكلاً وموضوعاً، مش أي واحدة والسلام ومتتكشفش عليا غير ليلة دخلتي عليها كيف البطيخ اللي بنتفاجئ بيه بعد ما نكون اشترناه ومينفعش نعاوده تاني، أني كنت رافض عُرف عيلتنا لحد ما أبوي جبرني على الجوازة اللي معارفش لدلوك ليه أجبرني، أسبابه كانت وضيعة متتصدجش جالي إنك أمانة أخوي ميعريفش إن بلي جاله ديه بني حاجز بيني وبينك حتى لو كان فيه أمل أني أرضي بالجوازة!،
بجيت شايف هلال جدامي مطرح ما أشوفك، وجت ما الحرب اللي جواتي تبتدي تهدي هبابة حديت أبوي يتردد جوا مخي والجيامة تجوم والحرب تبتدي من تاني
_ حمحم مصطفى ليتخلص من تجمع البلغم في حلقه لكي يواصل حديثه دون عائق:-
كل حاجة تشعلل جوايا وناري مهتهداش واصل كل ما افتكر إني مكنتش رايد جوازتي تتم بالشكل ديه، أجل حجوجي كنت اختارت اللي عحبها وأكمل معاها بجيت عمري، كنت اختارت واحدة اتخجلت لمصطفى الجبلاوي ملمسهاش راجل غيري، جلبها ممالش لغير جلبي، كل دول اتبخروا مع جبر أبوي للجوازة ، رايدة مني أعاملك كيف؟
_ مالت ورد للأمام قليلاً بعد أن صغت إلى كلماته بعناية، وضعت كلتى يديها أمام وجهها في محاولة بائسة في البكاء لكن تلك أيضاً فشلت بها ولم تجدر بفعلها كسابق أيامها
_ أين البكاء الذي كانت تتسابق عبراته في النزول، أين المفر التي تلجئ إليه الأن؟ فصدرها يطبق على رئتيها ويحشر أنفاسها بداخلها ولا يود الإقلاع عنها لتسعيد روعها المضطرب
_ أزاحت يديها عن وجهها ورمقته لبعض الوقت وأردفت بنبرة محتقنة:-
اني مخنوجة جوي معرفاش حتى أطلع البكا يهدى من خنجتي ديي
_ وضعت يدها اليُمني على صدرها الأيسر ورددت بأنفاس لاهثة:-
إهنه واجعني جوي، صدري هيطبق عليا معارفاش اتنفس زين
_ نهض مصطفى من مقعده واقترب منها، مد لها يدها فرفعت بصرها عليه بغرابة من أمره متسائلة في فضول:-
في إيه؟
_ بثباتٍ قال:-
تعالي معايا
_ طالعت سودتاه لثوانٍ قبل أن تمد له يدها، شعور قوي داخلها حثها على الرحيل معه دون سؤاله عن وجهتهم، سارت بجواره وعلقت عينيها على يدها التي اختفت تماماً بين قبضتيه الغليظة، شعور السكون قد أحست به حينها لا علم لها من أين أتى تحديداً لكنها ليست مزعوجة من الأمر.
_ اقترب بها مصطفى من جواده الحبيب، رفع يدها برفق لألى تتأذى ورد منه لكونها دخيلة لا يعرفها جواده وملس بيدها على ظهره بنعومه، لم ترفض ورد ما يفعله بل كانت ساكنة وراضخة لما يفعله إلى أن وضع يدها على وجه الحصان فنفرت هي متوجسة خيفة منه وازدادت رعباً حين صغت إلى صهيل الحصان مع رفعه لأقدامه الأمامية
_ حاول مصطفى تهدئة روع الجواد وطمئنته بوجوده، ثم مد ذراعه باتجاه ورد وأردف بلطف:-
تعالي متخافيش
_ أماءت له برفض تام موضحة سبب خوفها:-
لاه أني خايفة منيه
_ ردد ببعض الكلمات التي تطمأنها منه:-
مُهرة طيبة ومعتأذيش بس هي مش واخدة على حد غيري عشان إكده كنت بمشي يدك عليها عشان تعرفك بس لما أنتِ خوفتي منيها هي خافت منك وعِملت اللي عملته
_ أحبت ورد التحدث معه أكثر فلم تحظى بحوارٍ ثمين معه هكذا من قبل، تنهدت وأردفت متسائلة:-
شكلك بتحب الخيل!
_ رد عليها مصطفى تلقائياً دون تفكير:-
دول عشجي وخصوصاً مُهره لأنها من أحسن سُلالات الخيول من سلالة مورجان والسلالة ديي كيف ما أنتِ شايفة أكده جميلة وجسمها متناسق وعنديها بِنية جوية وضخمة
_ أعاد مصطفى مد يده لها ما أن انتهى من حديثه محاولاً طمئنتها:-
تعالي وملسي عليها براحة وهي مش هتأذيكي، متخافيش أني موجود
_ لن تنكر أن وجوده بث فيها الطمأنينة وسكنت قلبها، توجهت نحوه وأمسكت في يده فرجف جسدها بقوة استشفها مصطفى، أوقفها أمام الحصان ووقف خلفها حتى يعتادها الجواد، رفع ذراعها ووضعه على مُهرة بحذر ثم سحب يده ما أن شعر باعتياد ورد على الحصان دون خوف لكنه لم يبتعد عنها بل ظل واقفاً ملاصقاً لظهرها ليمنع حدوث أي خطر قد يصيبها.
_ اعتادت ورد على ملامسه الجواد حتى شعرت بالراحة في ذلك لكنها شعرت بالذعر ما أن ابتعد عنها مصطفى الذي أسرع بتوضيح سبب ابتعاده:-
متخافيش أني هجيب له وكل
_ أحضر له بعض الأطعمة الخاصة به وعاد إلى ورد ليطعموه معاً، شعر مصطفى بصدا تنهيدتها التي خرجت لتوها فسألها باهتمام:-
مالك عاد؟
_ أجابته بشعور من الإختناق مختصرة:-
رايدة أصرخ بعلو حسي يمكن أرتاح
”غالي والطلب راخيص”
_ هتف بهم مصطفى فافترضت أنه يسخر منها، التفتت له وهي ترفع وشاحها عن وجهها لكي توبخه لكن سودتاه قد لمعي ما أن تقابلا مع زرقاوتاها فانعقد لسانها ولم تعرف للحديث سبيل.
_ صمت قد حل بينهما لم يتجرأ أحدهم على قطعه فاللحظة فريدة من نوعها وخلقت منها مشاعر جديدة داخلهما.
_ ابتعد عنها مصطفى ثم فتح الباب لجواده وأخرجه من طواله ومد له يدها مردفاً:-
تعالي
_ عقدت ما بين حاجبيها بغرابة وصاحت متسائلة:-
أجي فين؟
_ أجابها بنبرته الرخيمة:-
هنركبوا الحصان
_ اتسعت حدقتي ورد بذهول ورددت برفض تام:-
لاه لاه
_ ترك مصطفى جواده وتوجه إليها، أمسك بيدها وأردف ببعض الكلمات مشجعاً إياها ولكي يطمئنها أيضاً:-
تجربة مهتندميش عليها واصل وأني معاكي متخافيشي
_ ابتلعت ريقها وهي ترى وميض عينيه اللامع منتظراً ثقتها فيه بفروغ صبر، مدت يدها لتملئ أناملها فراغ يده وكأنها خلقت هي لتملئ تلك الفراغات، سارت بجواره إلى الحصان ثم تأكد من مُتن الرِكاب وهي حلقة من حديد جهتها السفلى مفلطحة معلقة بالسرج يضع فيها الفارس قدميه لكي يظل مثبتاً وهو يمتطي جواده، أشار لها مصطفى على الِركاب حين تأكد من متانته:-
حطي رجلك إهنه واطلعي
_ فعلت هي ما قاله لكنها لم تثبت قدمها جيداً فانزلقت من على الرِكاب وكادت أن ترتطم بالأرض إلا أن لقفها مصطفى بذراعه قبل أن تلمس الأرض، أعادها بحركة سريعة إليه فباتت هي أسيرة ذراعيه
_ انتبه مصطفى على ضحكاتها التي صدرت من أسفل وشاحها، انعقد حاجبيه عفوياً على ضحكاتها المبهمة وسألها بنبرة متحشرجة:-
بتضحكي على إيه؟
_ تراجعت للخلف وهي تجيبه من بين ضحكاتها:-
ديي علامة أني منفعش أركب أحصنه يدوب اتفرج عليهم من باعيد
_ حرك رأسه رافضاً ما يدور حول كلماتها مردداً بإصرار:-
لاه هتركبيه يلا حاولي تاني بس ثبتي رجلك كويس على الرِكاب وامسكي في الحزام اللي فوج وأنتِ هتعرفي تطلعي
_ أخرجت ورد زفيراً مرهقاً ثم أعادت تكرار فعلتها إلى أن نجحت بعد المرة الثالثة، ظهرت ابتسامة لم تتعدي شفتي مصطفى حين امتطت ظهر الجواد أخيراً ولم يأخذ ركوبه ثوانٍ حتى امتطاه هو الآخر.
_ أمسك باللجام الجلدي بقوة وقبل أن يسير به أكد عليها:-
امسكي فيا زين
_ حاوطته ورد بذراعها جيداً ومالت برأسها على ظهره محتمية فيه من تلك التجربة الجديدة التي تخشاها
_ شهيقاً وزفيراً فعل مصطفى فتلك المرة الأولى لمشاركته أحدهم الركوب على الخيل، لكن ليست كأي شخص أنها ورد من تحتضنه بقوة وتحتمي به.
_ أمر جواده بالسير هادئاً ثم بدأ الخيل في الركض ببطئ ثم متوسط وأخيراً بسرعة فائقة خشتها ورد وشدت من تمسكها في مصطفى خوفاً من سرعته المفاجئة، مال مصطفى برأسه للجانب وهتف عالياً:-
جت لك الفرصة صرخي وطلعي كل اللي جواكي
_ قطبت ورد جبينها متعجبة منه فهي ظنت أنه يسخر منها لم يكن في مخيلتها أنه جدي في تلك المسألة، ابتعدت عنه قليلاً لكنها مازالت محاوطة إياه بذراعيها، تفحصت المكان من حولها، شعرت بالراحة لخلوه ثم أوصدت جفنيها وبأعلى نبرةٍ تمتلكها حنجرتها صرخت وصرخت
لم تكف عن الصراخ لمدة طالت ما يقرب العشر دقائق إلى أن فقدت صوتها بالكامل وباتت حنجرتها هزيلة لا تقدر على التحدث بقوتها السابقة.
_ أوقف مصطفي الخيل وترجل منه ثم ساعد ورد على الترجل، أعاد مُهرة إلى منزلها وعاد بأدراجه إلى ورد وسألها في فضول:-
ها بجيتي زينة ولا لساتك كيف ما كنتي؟
_ حركت رأسها بإيماءة خفيفة وأجابته بنبرة خافتة ضعيفة:-
بجيت أحسن كاتير ارتحت جوي
_ فوجئ مصطفى ببحة صوتها التي يستطيع بالكاد سماعها، حرك رأسه باستنكار وأردف معاتباً بلُطف:-
أني جولت لك صرخي بس مش للدرجة دي صوتك اختفي خالص
_ سحبت ورد بعض النسمات العليلة الذي شعرت بدفئهم وعادت ببصرها عليه متسائلة:-
لساك معتبرني مرت خوك؟
_ رمش مصطفى بأهدابه مرات تليها مرات أخرى يفكر فيما يجيبه عليها وبنبرة رخيمة قال:-
لساتك رايدة تهملي السرايا؟
_ أخفضت رأسها في حيرة من أمرها فإجابته عليها هي من ستحدد بقائها أم ذهابها لكنه دوماً يتركها تتخبط بين أفكارها اللعينة التي لا تأتي بفكرةٍ في آخرهم، جذب مصطفي انتباهها بقوله:-
لو جولت لك متهمليش السرايا هتمشي بردك؟
_ علقت بصرها على سودتاه بامتنان لـ لُطفه الذي حل به تعقيدات أفكارها، أخرجت تنهيدة ولازالت مثبتة زرقاوتيها عليه وبرقة وحياء تحدثت:-
لاه مهمشيش!!
_ إلتوى ثغره ببسمة سعيدة لقرارها التي أخذته من أجل خاطره على الرغم من رفضها للبقاء في السرايا معهم، مد لها يده للمرة التي لا تعلم كم اليوم لتحتضن هي يده بدون تفكير ثم عادا بأدراجهم إلى السيارة التي أوصلتهم بعد مدة ليست بطويلة إلى السرايا.
_ ولجوا للداخل وهم متشابكين الأيدي، تعمد مصطفى دخولهم بهذا المظهر الذي يليق بأزواج جُدد، قابلتهم السيدة نادرة على باب السيارة وبيدها حقيبة ورد التي تناولتها من صفاء من أجل المغادرة التي لم تتم وألقتها في وجه ورد التي صعقت من فعلتها كذلك مصطفى لم يكن أقل منها صدمة!
_ بجبروتٍ وقامة شامخة هدرت بها شزراً:-
لو عندك كرامة مع اني أشك غوري من إهنه ومتوريناش خلجتك ديي تاني!!
_ تتلقى صفعات متتالية تنسدل على قلبها التي ينفطر ألماً بسبب كلماتها المؤذية، سحبت يدها من بين قبضتي مصطفى وانحنت على حقيبتها لَقِفتها ثم أولاتهم ظهرها تريد المغادرة، إلى هنا ويكفي إلى هذا الحد.
_ لحق بها مصطفى بترديده لكلماتها التي قالتها قبل عدة دقائق:-
أنتِ جولتي مهتمشيش..
_ برزت عروق السيدة نادرة واستشاطت غيظاً من تمسكه بها وصاحت به بإنفعال:-
هملها تمشي من إهنه وتعاود مطرح ما جت
_ شد مصطفى على يد ورد وأجبرها على الإلتفاف والوقوف إلى جواره وأفصح بكل ثبات وشموخ:-
ورد مرتي ومطرحي هو مطرحها وكيف ما أكون تكون هي ولو هي مشت صدجيني همشي جبلها!!
_ اتسعت مقلتي نادرة بصدمة ممتزجة بالذهول الشديد فلم يستوعب عقلها ما أفصح به ولدها، لقد وقف أمامها يصرح بأنها زوجته لطالما خشيت حدوث ذلك، ها هي تتجسد مخاوفها وتخرج للنور بدون وجه حق، لن ترضخ لهذا الوضع الذي تأباه كل جوارحها، ستنهي تلك السخافة حالاً لكن أين يذهب بها ذلك الغبي.
_ تحرك مصطفى برفقة ورد مبتعداً عنها وصعدا سوياً إلى الطابق العلوي قبل أن تردف بقية الحديث، تأججت النيران داخل قلبها وهي تراه يرافقها إلى غرفتها التي باتت فيها وحيدة لمدة، لم تستطع السيطرة على غضبها الذي كان من نصيب خادماتها.
_ أوصد مصطفى الباب بقدمه وسار بورد نحو الفراش ثم أجلسها على طرفه وجلس إلى جوارها، انهارت قوة ورد تماماً وضعفت نفسها فلم يعد للتماسك مجال الأن، جهشت بالبكاء الشديد وكلمات نادرة لا تقتلع من عقلها.
_ لم يتحمل مصطفى بكائها الذي مزق قلبه إلى أشلاء، فعلي ما يبدو أنها أسرت قلبه وتمكنت من عقله فألمه الذي يشعر به بمثابة دليل قاطع أنها تربعت على عرش قلبه!!
_ حاوط ظهرها بذراعه وضمها بهدوءٍ إلى صدره وكأن الوقت يمشي بالتصوير البطيء، شد على ظهرها بقوة لتستكين أكثر بين أضلعه، شهقاتها التي يتردد صداها بقرب قلبه تزيد من ضيقه، لم يستطع التحمل لأكثر وأردف بتوسل:-
بكفياكي بُكا عاد يا ورد
_ رفع رأسها بسبابته لينظر إلى زرقاوتيها التي انطفئ وميضهم من كثرة عبرات عينيها التي تهبط بغزاره وهمس بتريث:-
مرت مصطفى خليل الجبلاوي متبكيش واصل، اوعديني أن مفيش دمعة تنزل من عنيكي طول ما أني عايش علي وش الدنيا.
_ مسحت ورد بأناملها أنفها وأردفت بتلعثم:-
ديه وعد كابير جوي أني مهجدرش أوعدك بيه
_ سحب نفساً عميقاً وأصر على أخذ وعده منها:-
لاه رايد منك الوعد وتكوني كده، وأني طول مافيا النفس مهسمحش لأيتها حاچة تبكيكي
_ تقوس ثغرها بتهكم ورددت ساخرة:-
كان الحديت ديه كابير جوي، فيه حاجات مش بيدنا نعملوها!
_ رمقها بطرف عينيه وهتف مستاءً:-
يبجي متعرفيش مين هو مصطفى عاد، أني كلمتي واحدة عمري ما خالفت حديتي واصل، يلا إوعديني وخليكي واثقة فيا هبابة أنتِ متجوزة مصطفى الجبلاوي يا ورد
_ سألته للتأكيد بنبرةِ رقيقة:-
اعتبرتني مرتك صوح؟
_ سمح ليده في التسلل خلف أذنها حيث مرر أنامله عليها بنعومة بالغة، مالت ورد بحنان على قبضته التي سببت لجسدها القشعريرة، أوصدت عينيها تستمتع بتلك اللحظ الثمينة لربما لن تتكرر مرة أخري
_ دنى منها مصطفى وأسند جبينه على جبينها وأجاب على سؤالها بثبات:-
اعتبرتك مرتي من أول لحظة شوفتك فيها يا ورد من جبل ما أعرف ان اللي شوفتها في المطبخ ديي نفسها انتي!!
_ اتضح لورد مدى رومانسيته التي لم تتخيله عليها قط ، حسناً ربما يجدر عليها الإعتراف لكونها مازالت تحتفظ بعذريتها..
_ نهضت مبتعدة عنه، فركت أصابع يدها بإرتباك وتوتر فهي في أكثر الأوقات صعوبة، ماذا إن لم يسعد بذلك الخبر؟ ماذا إن كانت ردة فعله عكس توقعاتها ؟ لكنه من أخبرها بتمنيه لملكيته لامرأة خلقت فقط من أجله !!
_ حسمت أمرها على الإعتراف بما تخفيه عنه، استدارت إليه ونظرت إليه لبرهة قبل أن تردف:-
مصطفى أني……