جنتي على الارض2

الفصل السادس

” و عن تلك النظرةِ ….أبحث”
————————————————–

دلفت جنه إلى الشقه لتواجه بوابل من الاسئله من سماح.

قالت جنه : طب سبيني استريح الأول .

قالت سماح: انتي متتخيليش قلقت عليكي ازاي.

قالت جنه : مش الدكتوره نوال كلمت المشرفه و طمنتكم عليا.

قالت سماح : ايوه …بس مقلتش التفاصيل و انا دماغي كانت بتودي و تجيب.

تنهدت جنه و قالت: طب أنا هاحكيلك كل حاجه بس اديني فرصه.

قصت عليها جنه ما حدث لها و كيف أصرت د.نوال على بقائها و كرمهم معها.

قالت سماح : الدكتوره نوال دي مفيش أطيب من قلبها.

قالت جنه : نسيت اقلك نسرين عزمتني على عيد ميلادها و أصرت إنك تحضري الحفله.

قالت سماح بتردد: اه هي عزمتني بس أنا كنت اعتذرتلها.

قالت جنه : طب عشان خاطري .. أنا نفسي أغير جوو انتي كمان بلاش النكد اللي معيشه نفسك فيه ده.

قالت سماح بأسى: غصب عني يا جنه.

قالت جنه : يعني عشان تجربه صعبه مريتي بيها يبقى تدفني نفسك بالحيا.

قالت سماح : انتي مش فاهمه.

قالت جنه بمرح : ما هو يا تفهميني …يا نروح الحفله.

قالت سماح مستسلمه: طب يا غلباويه… خلاص نروح و امري لله.

**************************
شعرت نسرين بالحرج مره أخرى من نفسها و للمره الثانيه كان هذا الحرج بسبب كريم..فلقد عاملت جنه بأسلوب سيء للغايه لمجرد أن أبدى كريم اهتمامه بها .. لم تقترف جنه أي ذنب بل على العكس كان باديا على محياها الضيق الشديد من أسئلة كريم .. لذا حاولت نسرين تصليح موقفها بإصرارها على حضور جنه لحفل عيد ميلادها و لم يكن ذلك السبب الوحيد فهي بالفعل أحست بالراحه من خلال تعاملها مع جنه و تعاطفت معها بسبب ظروفها.

أما كريم فقد حان الوقت بالمضي قدما و نسيانه ..ليس بالكلام فقط..عليها أن تتخذ خطوه فعليه.

حملت نسرين أفكارها تلك و طرقت غرفة والدتها.

د.نوال : اتفضل.

أطلت نسرين برأسها و قالت : الجميل فاضي نقعد ونتكلم سوا.

ابتسمت نوال وقالت: و لو مش فاضيه يا حبيبه افضيلك نفسي ثم ربتت بيدها على طرف السرير و قالت: انتي لسه واقفه تعالي هنا.

جلست نسرين حيث أشارت والدتها و قالت : باختصار يا ست الكل … أنا موافقه مبدئيا اني ارتبط برائد ابن طنط ثريا.

هتفت نوال : بجد يا نسرين بجد !

قالت نسرين بجديه : طبعا يا ماما هي الحاجات دي فيها هزار.

قالت نوال و الابتسامه تعلو شفتيها: طب انتي فاكره المفاجأه اللي قلتلك رائد هيعملها فعيد ميلادك؟

قالت نسرين : اه يا ماما و حياتي عندك تقولي هيعمل ايه …أنا مبحبش المفاجآت.

قالت نوال : هو اتفق معايا يطلب ايدك فعيد ميلادك يعني قدام المعازيم و جو الرومانس بتاع الشباب ده.

كادت نسرين أن تصرخ رافضه لتلك الفكره و لكنها تداركت نفسها ألم تعزم على المضي قدما في حياتها و التخلص من حب كريم … فهذه المفاجأه ستضمن لها فعليا المضي قدما في نسيانه.. و في نفس الوقت ستعيد بعضا من ماء وجهها الذي فقدته ليلة راس السنه ، فكريم بالتأكيد سيحضر حفل ميلادها و مفاجأة رائد ستثبت أنها مرغوبه ..إن لم يكن من كريم فهناك غيره الكثير ممن يتمنى رضاها .. و سترضي كبرياؤها في نفس الوقت.

افتعلت نسرين بهجه مزيفه وقالت: دي فكره مجنونه .. ام م م تفتكري اقوله ايه؟

قالت نوال بانفعال: انتي يا بت انتي مش لسه قلتي موافقه.

ضحكت نسرين و قالت : متقلقيش يا ست الكل.

****************

في أحد المقاهي على ضفاف نهر النيل .. جلس الصديقان إياد و كريم يتبادلان أطراف الحديث.

قال كريم : تعرف انا بفكر في مين دلوقتي؟

سأل إياد : في ايه يا دوك .؟

قال كريم : جنه.

صاح إياد : نعم !

قال كريم : مش عارف البنت دي دخلت قلبي مره واحده.

قال إياد بعصبيه : اسمع يا كريم ..البنت دي ظروفها صعبه و ملهاش فجو الأمريكان بتاعك ده…فشيلها من دماغك خالص.

قال كريم نافيا : لا لا انت فهمتني غلط.

I’m not attracted to her in that way

انا مش مشدود لها بالطريقه دي خالص.

قال إياد متاففا: دي و لا غيرها .. المهم تطلعها من دماغك.

و قام مغادرا المكان تاركا كريم مندهشا من انفعاله الشديد
و محدثا نفسه
what’s wrong with him
هو ماله ده؟

***************************
It’s our body we can do what we want
…….It’s our body

كانت كلمات تلك الأغنيه تصدح في شقة تامر لتفيقه من نومه غاضبا.

صاح تامر و هو مازال مستلقيا في فراشه : وطي الزفت ده مش ع الصبح كمان.

جاءه الرد الأنثوي سريعا : صبح ايه …احنا داخلين ع العصر!

رد تامر غاضبا : و لما احنا داخلين عالعصر ..بتعملي ايه هنا.؟ مش المفروض تروحي تشوفي مصالحك !

ضحكت بدلال و قالت: ما أنا قاعده بسلي صاحبك .. وكله مصالح .

قال تامر متاففا : و ده عايز ايه ….

أزاح الأغطيه و دلف إلى الحمام …ليخرج لاحقا و يستقبل صديقه هيثم .

قال تامر : أهلا يا وحش… أخبارك..؟

قال هيثم : depressed يا مان و اوي كمان.

قال تامر ساخرا : و ده شعر و لا ايه ؟

قال هيثم : أنا بتكلم جد .

تنهد تامر و قال : انت مش ناوي تشيل البت دي من دماغك ؟

قال هيثم : مش قادر…. تفتكر ممكن اقابلها تاني؟

قال تامر بتهكم : تقابلها تاني …على أساس كنتو زمايل في كي جي تو وتوهتو من بعض..ده انت كنت ناوي و لا بلاش اكمل احسن تزعل.

قال هيثم مؤنبا : ما هو كله من الزفت اللي ادتهولي .

ضحك تامر و قال : يا راجل !

ثم أضاف : يابني ما البحر مليان سمك… اغطس و بلبص .

قال هيثم : بس زي ما قلت الحاجه اللي بنتعب عليها ليها طعم تاني خالص .

قال تامر : عارف أنا دلوقتي جتلي فكره إنما ايه .

قال هيثم : قول يا برنس .

قال تامر : بما إن سبق ليلة راس السنه فشل فشل ذريع و محدش يقدر يكمل …أنا بفكر أعمل حاجه في الفلانتاين و بالمره اكسب فيك ثواب .

سأل هيثم : ازاي يعني؟

قال تامر : مبدئيا كده لازم نجيب الواد زيكو .

قال هيثم : يابني ماتفهمني الاول ايه هي الفكره .

قال تامر : شوف هنعمل مسابقه اللي يلاقي السندريلا بتاعتك ياخد الجايزه و انت ياوحش مع نفسك ترسم و تخطط و توقعها زي ما تحب.

قال هيثم : عارف دي اكتر فكره سخيفه سمعتها في حياتي ..ازاي هيلاقوا واحده لا يعرفوا اسمها و لا شكلها .

قال تامر موضحا : الشكل انت هتوصفه للواد زيكو لحد ما يرسم صوره طبق الاصل عنها..و الاسم ساعتها مش مهم..و بعدين هي كانت شايله شنطه يعني معقول جدا تكون مسافره هنا للدراسه و كل متسابق و شطارته و غير جروبات الفيس لما الصوره تتشير اكيد حد هيعتر فيها .

قال هيثم : انا نفسي افهم العيال دول بيسمعوا كلامك و يشتركوا فالهبل ده ازاي؟

قال تامر مستنكرا : هبل ! ده اسمه متعه .. لما يكون عندك كل حاجه بتلاقي ولا حاجه ليها طعم لكن games دي بتدخلها و انتم مش ضامن انك هتوصل فيبقى ليها طعم تاني .

هيثم: فعلا البت دي ليها طعم تاني خالص !

قال تامر : اطمن .. العيال دول مجانين رسمي و مش هيغلبوا هنلاقيها ….

**************************
لم يجد إياد سببا مقنعا للثوره التي شعر بها عندما أخبره كريم بمشاعره تجاه جنه.. كما لم يفهم سابقا سبب انزعاجه من اهتمام كريم و أسئلته المتلاحقه لجنه هذا الصباح…و مره أخرى وجد عقله يؤنبه على السماح لمشاعره بالانجراف في ذلك الاتجاه، و لكن الجيد أن عقله ما زال مسيطرا.. نعم ..لن يسمح لتلك المشاعر بالنمو ، أما عن حنقه من تصرفات كريم فالسبب منطقي لأنه يعتبر نفسه المسئول عنها ، ألم يخبره الضابط بذلك .
نعم.. هي الظروف من أجبرته على ذلك الدور و حالما تطمئن نفسه على سلامتها ستختفي تلك المشاعر بالتدريج .

و بالرغم من هذا الجدال وجد نفسه أمام سكن الطالبات يطلب من المشرفه الاطمئنان على حالة جنه الصحيه فلقد أخبرته نسرين بما حدث لها هذا الصباح و كلاهما لاحظ ايضا ان قدمها تؤلمها .

قالت المشرفه : انا مكنتش اعرف إنها تعبانه ..أنا هاطلع دلوقتي حالا اطمن عليها و اطمنك .
قال إياد : أنا عارف القوانين و إن ممنوع حد يطلع يزورالبنات ..لكن لو حالةجنه تسمح ممكن تطلبي منها تنزل هنا تقابلني .

جز إياد على أسنانه و أكمل : في موضوع مهم بخصوص إقامتها هنا محتاج أبلغها بيه .

لم يعتد إياد الكذب و لكن مع حاجته الملحه لرؤية جنه و الاطمئنان عليها ، لم يجد مناصا من افتعال كذبة ما ، فلقد رأى الاستياء الواضح باد على وجه المشرفه حينما طلب مقابلة جنه.

زمت المشرفه شفتيها و قالت : حاضر يابشمهندس بس ياريت تتفضل على البوابه لان زي ما حضرتك عارف ممنوع مكوث الرجال في البنايه !

نعم .. لقد صدق حدس إياد ، فلقد أستاءت المشرفه جدا ، كاد أن يتراجع و يعتذر عن طلبه و لكن فات الآوان فلقد صعدت المشرفه لاخبار جنه بالفعل .

خرج لينتظرها على البوابه .. دقائق و كانت أمام ناظريه تسأل بقلق : خير يا بشمهندس ..هو الظابط سألك عني امبارح ؟

رد إياد : و هيسألني عنك ليه ؟

أجابت جنه : يعني حضرتك قلت للمشرفه عايزني فموضوع يخص إقامتي هنا في السكن !

تدارك إياد نفسه فا هو كذب و الآن يحتاج للتبرير : اه فعلا ….

قاطعته جنه : هو حضرتك قلتله إني مبتش هنا امبارح ؟

سألته ذلك و نظرت إليه تلك النظره ثانيه …كما نظرت إليه ليلة رأس السنه في قسم الشرطه ، النظره التي وضعت فيها كل ذلك الأمل و الثقه بأنه سيكون منقذها من تلك الورطه ، كانت لمجرد ثوان و ها هي تعيدها مره ثانيه ، مجرد ثوان ، ثوان تصرخ فيها بصمت تستنجد به ….أطلق زفره من الهواء الذي كان يحبسه في صدره.

نعم ..لقد جاء هنا لرؤية تلك النظره مره أخرى ، ليرى أنها مازالت محتاجه إليه ، ليتأكد أنه سيكون أول من تلجأ إليه إن وقعت في مشكلة ما .. لم يأت لأنه يريد الاطمئنان على حالتها
الصحيه كما أقنع نفسه بل ليطمئن بأنه ما زال منقذها …ليخمد تلك العاصفه التي ثارت في داخله هذا الصباح عندما رأى رجلا اخر يتقرب إليها حتى لو كان أعز أصدقائه.. فمن جنه ممنوع الاقتراب .. حتى يسمح لعقله باحداث التوازن مره أخرى.

قالت جنه و قد أقلقها صمته : هو في مشكله؟

أفاق إياد من شروده وقال : اطمني الظابط مسألش بس بعد اللي حصل امبارح أنا محتاج أتأكد إنك مش هتتهوري و تجيبي لنفسك مشكله.

قالت جنه بغضب : مش معنى إني وقعت فمشكله مره..ابقى متهوره و بتاعة مشاكل !

سأل إياد : طب كنتي بتعملي ايه امبارح قصاد الفيلا .. نسرين قالت إن الساعه كانت حوالي سبعه يعني بعد ما خلصتي دوام المكتبه .. وشارعنا مش في طريق السكن بتاعك و لا في طريق اي حاجه الحقيقه .

قالت جنه : انا عارفه إن حضرتك اتحملت ريسك كبير لما ضمنتني عند الظابط و أحب اطمنك إني مستحيل اسببلك أي مشكله …

ثم أضافت بتلعثم : و عموما امبارح انا كنت حابه اتمشى شويه و الوقت سرقني و حصل اللي حصل .

قال إياد : طب انتي ليه على طول قفله موبايلك… انا حاولت اكلمك امبارح وانهارده و على طول مغلق !

ثم أضاف : يعني اقصد عشان اكون عارف أخبارك لو الظابط سألني عنك .

*************************
تمنت جنه أن تنشق الأرض و تبتلعها …فهي لم تعرف كيفية استخدام الهاتف الذي أعطاه لها و بعد محاولات عديده لاستكشافه ظهرت لها رساله تحذيريه ومن ثم أصبح شاشه سوداء .

قالت جنه بحرج : أصل .. الحقيقيه ..مش عارفه اقول لحضرتك ايه ..بس أنا إن شاءالله هدفعلك تمنه زي ما اتفقنا .

قال إياد : اوك ،..بس مفهمتش ليه على طول مغلق ..؟

أغمضت جنه عينيها و استجمعت شجاعتها و قالت : أصلي كنت بحاول ..يعني اعرف ازاي استخدمه و شكلي كده بوظته …..

قهقه إياد ليزيد احراجها احراجا و قال من بين ضحكاته : طب أنا بكره هابعت حد المكتبه يشوفلك حل .

قالت جنه : أنا لازم اطلع حالا… و دلفت داخل البوابه.

حاملة معها الكثير من الحرج و بعض من الفرح و الكثير الكثير من الامان و كعادتها كلما رأته حاولت تهدئة ض*ر*بات قلبها التي باتت تقرع كالطبول الصاخبه في إحدى حفلات الروك اند رول.
***************
صاح رمزي قائلاً : بقالك شهر و مجبتش أي خبر عنه !

قال الصحفي : و الله يا فندم ده ماشي مستقيم من شقته للشغل أو الفيلا عند أهله.. ولو خرج يبقى مقابلة عمل أو مع حد من أصحابه..مفيش حاجه كده و لا كده نقدر نعمل بيها موضوع عنه.

عاد رمزي للصراخ مجدداً، و إخراج احباطه من فشل محاولاته النيل من إياد الحداد.

في هذه الأثناء وصل صوت توبيخ رمزي إلى مسامع معتز قنديل الذي وجدها فرصةً سانحه لعرض خدماته و أفكاره على رئيس التحرير ، فلربما توصل إلى سبق صحفي أو إلى طريقة للربح السريع.

طرق الباب و أستأذن بالدخول.

قال رمزي : اتفضل أنت و المره الجايه تجيني و معاك خبر عدل.

و أكمل موجهاً حديثه لمعتز : اتفضل..اشجيني انت كمان .

قال معتز : اسف يا فندم ، بس غصب عني سمعت حديثكو.

قال رمزي متأففاً : و عايز ايه دلوقت.

قال معتز بثقه : عايز أعرض خدماتي على سيادتك ، ثم قص عليه كيف استطاع أن يتوصل إلى أدق الأسرار الخاصه بأحد نجوم المجتمع و نجمة السينما و كيف رفضها رئيسه آنذاك.
و أضاف : أنا اقدر اجبلك قرار أي أحد، بس المهم تعبي ميروحش هدر و تيجي على اخر لحظه و حضرتك ترفض النشر.

قال رمزي مفكراً : من الناحيه دي متقلقش ، المهم إنك تجبلي أي حاجه تشبه اللي اسمه إياد الحداد ده.

قال معتز بخبث : مفيش حد معندوش أسرار قذره ، و اطمن ممكن نشغل دماغنا و بشوية معلومات عنه نخلقله مصيبه، بس الأول لازم اجمع معلومات كفايه عنه ، وده بيتطلب شوية مصاريف.

قال رمزي : من الناحية دي متقلقش !

***************************

أنهت جنه ارتداء هندامها و فتحت النافذه ، تستنشق الهواء المعطر برائحة المطر، شاكرةً ربها على نعمه الكثيره و كرمه العظيم ، ليُخرجها من تأملها صوت سماح التي قالت : الدنيا تلج يا جنه..أبوس إيدك تقفلي الشباك ده.

قالت جنه معتذره : آسفه..بس أصلي بحب ريحة الجو و الدنيا بتمطر.

قالت سماح ساخرةً : تيرارارار… أوعي تكوني في حالة حب !!!!

ردت جنه : اتريقي اتريقي.

قالت سماح بهمه : طب كفايه رغي بقى ، هنتأخر…

و خرجت كلٌ منها ذاهبةً إلى مكان عملها.

و في الطريق تذكرت جنه طلب إياد البارحه بإحضار هاتفها معها إلى المكتبه ، عادت أدراجها مسرعةً لجلب الهاتف الذي نسيته في الشقه.

و عندما وصلت لم تجده حيث وضعته في المنضده المجاوره لسريرها ، بحثت عنه في المنضده المجاوره لسرير سماح لتجد هناك ظرفاً مكتوباً عليه بخط كبير ” حبيبة قلب ماما ” ، أثارت فضولها تلك الكلمات و بدون أن تفكر كثيراً فتحت الظرف ، لتجد كومه كبيره من الأوراق و الرسومات بخط يد سماح، أمسكت بالورقة الأولى و قرأت كلاماً أدمى قلبها…….!

سرقها الوقت و هي تقرأ صفحه تلو الأخرى …نظرت لساعتها ثم أعادت ترتيب الأوراق داخل الظرف ، محدثةً نفسها : ” معقول يا سماح تخبي عني إنه عندك بنوته…طب ليه .. و يا ترى هي فين؟؟..و ايه سبب الحزن اللي مالي عينيكِ ..معقول سببه حاجه حصلتلها لا قدر الله “.

لم تدرِ جنه أتواجه صديقتها باكتشافها أم ستتسبب لها بالاحراج ..أجلت قرارها فقد داهمها الوقت و حتى الآن لم تجد الهاتف ، عادت للبحث مره أخرى لتجده في حقيبتها..و انطلقت مسرعةً إلى المكتبه.

 

الفصل السابع

” ليس مثالياً … و لكنه بطلي ”

————————————-

أنهت جنه إعادة ترتيب الكتب في رفوفها ، فبعد زياره حافله بالأطفال من إحدى الرحلات المدرسيه ، قٌلبت المكتبه رأسا على عقب ، و استغرق إعادة ترتيب الكتب حوالي الساعتين ، جلست تستريح على مقعدها واضعة رأسها على سطح المكتب و لثوان أغمضت عينيها.
أفاقها صوت نقرات خفيفه بجوار رأسها ، فتحت عينيها لتجد زوجا من الأصابع ، و بسرعه رفعت رأسها لتجده واقفا أمامها و الابتسامه تعلو ثغره.

قال إياد : اسف ..هو أنا صحيتك

وقفت جنه تفرك يديها و تعدل من ملابسها ثم قالت بغباء: لا لا أنا كنت بدور على حاجه تحت المكتب و بعدين….

قال إياد : و بعدين عترتي فيها.

أومأت جنه برأسها ليكمل إياد : طب أنا جيت عشان اشوفلك الموبايل..معاكي ؟

ردت جنه : ايوه و أخرجته من حقيبتها

– اتفضل و آسفه إني بوظته

نظر إياد للهاتف و ضغط بعض الأزرار و قال : مش بوظتيه و لا حاجه ، بس محتاج شحن ، معاكي الشاحن ؟

-ثوان …و أخرجته من حقيبتها

-اتفضل

قام إياد بوضعه في أحد المقابس و بعد ثوان أضاءت الشاشه.

– لما يخلص شحن هيظهرلك Full battery
تشيليه و كل ما تشوفي العلامه دي نقصت.. و اشار بيده الى مربع اخضر اللون و اكمل يبقى محتاج شحن.

قالت جنه : أنا آسفه..تعبت حضرتك معايا.

قال إياد : لو مش عايزاني اتعب ، يبقى على طول تطمنيني عليكي.

أومأت جنه برأسها غير فاهمه مقصده.

أكمل إياد : يعني اول ما توصلي السكن ابعتيلي مسج تطمنيني انك وصلتي ، و لو خارجه مكان برده يا ريت تبلغيني .

حاولت جنه استيعاب طلبه و فهم دوافعه، هل فعلا يظن انها ستتسبب له بمشكله.

قالت جنه : حضرتك اطمن .. انا مش بخرج الا على المكتبه .

و أضافت مبتسمه : يعني من البيت للمكتبه ومالمكتبه للبيت.. متقلقش حضرتك.

ابتسم اياد بدوره وقال : برده مفيهاش حاجه اما تطمنيني..

****************
تأففت جنه و كتبت “انا وصلت بيت الطالبات دلوقتي” ثم ضغطت إرسال.

رد إياد برساله ” تمام ..استريحي و انا هابقى ابعت عبدالله يوصلك”.

أرسلت جنه ” يوصلني فين.. أنا في البيت فعلا”.

رد إياد برساله ” اقصد هيوصلك على حفلة نسرين”.

أرسلت جنه ” متشكره ، مفيش داعي ، أنا هاجي مع سماح و هنركب مواصله عادي”.

رن هاتفها ليعلن وصول مكالمه من إياد.

تلقت المكالمه : الو

إياد : بعد ساعتين تكوني جاهزه انتي و صاحبتك و مش عايز رغي كتير.!!!

ثم أقفل الخط قبل أن يسمع ردها.

بعد ثوان .. وضعت الهاتف جانبا بعد ان ظلت تنظر له مصدومه !

لقد ظنت أن بطلها مثل باقي ابطال الروايات مثالي لا تشوبه شائبه
و لكن يبدو ان منقذها لديه عيوب فعلى ما يبدو أن ” خلقه ضيق” و وممكن “عصبي”

تمتمت محدثه نفسها : بطل ايه .. اهي الروايات دي اللي هتجيبني ورا

قالت سماح : مالك، هو ده حد بيعاكس ؟

– لا ده البشمهندس إياد ، بيقول هيبعت عبدالله ياخدنا الحفله.

– وده بمناسبة ايه؟

– مش عارفه انا قلتله هناخد مواصله ، قام كلمني بزعيق و قفل الخط فوشي.

– جنه .. متخبيش عليا ، في ايه بينك و بينه ؟؟؟

– يوه يا سماح ما أنا قلتلك ، عشان كفلني قدام الظابط فحاسس بالمسئوليه.

-مسئوليه ها …طب يا جميل نمشيها مسئوليه.

*************
وقفت نسرين أمام المرآه لتكمل زينتها ، بعد قليل ستتخذ أهم خطوه في حياتها.
************
كانت نسرين منشغله بالحديث مع ضيوفها عندما همس لها كريم : ممكن دقيقه ؟

أجابته : معلش أنا لازم أرحب بالضيوف ، عن اذنك.

و ابتعدت قدر ما استطاعت عنه، فبعد ليلة راس السنه وضعت النقاط على الحروف و لن تستطيع العوده مره اخرى للعب دور الاخت، فهذه المره الاولى التي يطلب محادثتها بعد فعلتها تلك، بالتاكيد اراد ان يمر بعض الوقت ، وقت يتناسى كلاهما فعلتها و كأنها لم تحدث ، لا لن تستطيع العوده و كأن شيئا لم يتغير، عليها الان التركيز فيما هو قادم .

لم تندم نسرين كثيرا عل قرارها ، فا هو كريم مره أخرى يقف بجوار جنه مبدياً اهتماما شديدا بما تقوله.

****************

قال كريم: أنا من ساعة ما شفتك و أنا حاسس إني أعرفك من زمان.

قالت جنه و قد شعرت بالاحراج الشديد : عن إذنك أنا لازم أسلم على نسرين .

قال كريم مدافعا : l’m not hitting on you

مش بعاكسك والله ، بس أنا متأكد إننا اتقابلنا قبل كده ، و هام*و*ت وأعرف امتى و فين .

قالت جنه : بس أنا متأكده إننا متقبلناش قبل كده ، أنا حتى معرفش اسمك ايه كامل.

قال كريم على الفور : أنا اسمي كريم حسن ثابت.

هتفت جنه : مش معقول !

” هو ايه اللي مش معقول ”

استدارت جنه لدى سماعها تلك النبره الحاده لتجد إياد خلفها و قد بدا عليه الضيق الشديد.

رد كريم باستخفاف: أبدا يا سيدي ، بقولها اسمي كريم حسن ثابت بس شكلها مش مصدقاني !

قالت جنه بحرج : لا مش قصدي أكذب حضرتك.

قال كريم مداعبا : ايه حضرتك دي..هوانتي بتكلمي جدو رفعت، صحيح أنا دكتور بس مش عجوز و على فكره..

قاطعه إياد وقال : بمناسبة جدو ، ممكن تروح تسلم عليه ده من بدري بيسأل عنك.

قال كريم : لا ازاي ، أنا هروحله حالا، عن اذنك يا جنه.

قال إياد فور مغادرة كريم : يا ريت تحاسبي أكتر على تصرفاتك.

قالت جنه مغتاظه : تقصد ايه،مش فاهمه ؟

رد إياد بعصبيه : بقالك ساعه واقفه بترغي مع راجل كل معرفتك بيه متتعداش الخمس دقايق.

ردت جنه بعنف و قد آلمها أن يفكر فيها بتلك الطريقه : أولا أنا واخده بالي من تصرفاتي جدا ، و يا ريت تطمن إني مش هسببلك أي مشكله عند الظابط ، و مش معني إن حضرتك كفلتني و قدمتلي مساعده يبقى من حقك تدخل في كل تصرف أو حركه بعملها.

قال إياد بهدوء: لا من حقي .

عقدت جنه ذراعيها و قالت : بأي صفه ، و إن كنت تقصد عشان كفلتني عند الظابط ..أنا من بكره هاروح القسم و أعفيك من المسئوليه.

قال إياد ببرود : هو لعب عيال .. طب هتقولي للظابط عنوان أهلك ساعتها ….؟؟؟

صمتت جنه فأردف إياد قائلا : يبقى تسمعي الكلام .

و تركها لينضم بجوار أخته استعدادا لإطفاء الشموع.

***********************
أطفأت نسرين الشموع و علا التصفيق .. و بعد ثوان وجدت رائد أمامها راكعا على قدم واحده و في يده صندوق قطيفه وقال : أنا هيكون أسعد يوم في حياتي لو وافقتي و تكرمتي و قبلتي تتجوزيني ؟

صفق الحضور بشده ..نظرت نسرين حولها فوالدتها تهز رأسها بالايجاب ، أما إياد وقف و في عينيه نظره لم تفهمها، وعندما التفتت لتبحث عن كريم وجدت الصدمه في عينيه، عادت لتنظر للراكع أمامها و قالت : موافقه !

علا التصفيق و التصفير مره أخرى و تقدم الجميع لتهنئتها بعد أن لبست خاتم رائد…
بحثت عنه مره أخرى فلم تجد له أثرا…لقد غادر كريم قبل أن يبارك لها خطبتها.

*************************
أصر إياد أن يقوم عبدالله بتوصيلهما هي و سماح إلى السكن.

و في الطريق لاحظت جنه الانزعاج الشديد على وجه صديقتها، اذن فليست وحدها من تكدر مزاجه في هذا الحفل، و لكن الذي غفلت عنه هو اضطراب سائقهما لهذه الليله.

توقفت السياره أمام السكن و همت جنه بفتح الباب ليوقفها صوت عبدالله : ممكن دقيقه يا آنسه سماح ؟

قالت سماح بسرعه : اسفه مضطره اطلع دلوقت.

في داخل شقتهما سألت جنه بقلق : مالك يا سماح و عبدالله كان عايز منك ايه.؟

قالت سماح : مش عارفه و مش عايزه اعرف.

سألت جنه بقلق : هو عمل حاجه دايقتك؟

قالت سماح : لا بالعكس ، ده حد ذوق و محترم جدا.

ابتسمت جنه وقالت : امال ليه ادايقتي أما طلب يكلمك؟

قالت سماح بأسى : عشان مينفعش.

جلست جنه على فراشها و تنهدت قائله : سماح هو انتي مش بتثقي فيا؟

قالت سماح معاتبه : ليه بتقولي كده ..ده انتي أقرب حد ليا فالدنيا.

قالت جنه برقه : طب احكيلي اللي مدايقك ..يمكن أقدر أساعدك..عبدالله كان عايز ايه؟

قالت سماح : أصله حاول يكلمني و احنا فالحفله و قصت على جنه ما حصل

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

قبل ساعه في حفل نسرين …..

كانت سماح تستمع إلى عزف الفرقه الموسيقيه التي أحيت الحفل ، عندما لاحظت عينان تراقبانها ، عينان اعتادت مع مرور الوقت على مراقبتها لها، فأينما اجتمعا تظل العينان السودوان تتابعان تحركاتها و لكن الليله وجدته يتقدم نحوها، ظنت للحظات أنه في طريقه لإحضار شيء ما و لكنه فاجأها بالتوقف أمامها و قال بتلعثم : آنسه سماح، أنا .. أنا كنت عايز اتكلم معاكي في موضوع مهم.

أشفقت سماح على حالته، فقد بدا عليه الارتباك الشديد وقالت : خير..اتفضل .

مسح عبدالله جبينه بأنامله و قال : الحقيقه ..مش عارف ابتدي منين ..أنا من زمان و عايز أفاتحك في الموضوع ده ،بس ظروفي مكنتش تسمح….

توقف عن الكلام ليلتقط أنفاسه و لتزداد دهشتها اصطبغ وجهه باللون الأحمر ، على الفور قامت سماح بجمع واحد زائد واحد لتحصل على إجابتها ، فمراقبته الدائمه لها و ارتباكه الشديد الآن يوحيان بشيء واحد، شيء غير مستعده له البته.

قالت بسرعه : معلش ممكن نتكلم وقت تاني، أصل سايبه جنه لوحدها و هي متعرفش حد هنا…

قالت كلماتها و انطلقت مسرعه غير عابئه بإجابته !

♡♡♡♡♡♡♡♡♡♡

قالت جنه بعد أن استمعت إلى رواية سماح : طب لو عايز يتقدملك ، ايه المشكله، انتي لسه بتقولي حد ذوق و محترم جدا.

قالت سماح : اولا هو ميعرفش إني مطلقه.

قالت جنه : و دي حاجه هتعيبك فايه ؟

قالت سماح : مش ده المهم ، أنا مش عايزه اتجوز لا عبدالله و لا غيره.

قالت جنه معاتبه : برده مش عايزه تفتحيلي قلبك ؟

قالت سماح و الدموع تملأ عينيها : ازاي هيجيلي قلب افرح و اتجوز و يمكن اخلف غيرها، و انا مش عارفه اذا كانت حيه ولا ميته ، جعانه و لا شبعانه، بردانه ،،،و لم تكمل جملتها فقد دخلت في نوبة بكاء شديده.

جلست جنه بجوارها و عانقتها بشده، ظلت تقرأ لها القرآن حتى هدأت.

قالت جنه : انا قريت الظرف و عرفت ان عندك بنت، ليه خبيتي عليا يا سماح.

قالت سماح : مكنتش عايزه اشيلك همي ، كفايه اللي انتي فيه.

قالت جنه : اخص عليكي ، انا بقى مش هرتاح الا اما تحكيلي كل حاجه.

قالت سماح بصوت حزين : أنا حتى مشفتهاش ، محملتهاش و لا مره.

قالت جنه : ايه اللي حصلها ؟

قالت سماح : بعد ما طليقي دخل السجن ، كنت خلاص على وشك إني أولد و كنت تعبانه جدا واهلي ما صدقوا يخلصوا مني ، لا حد بيجي و لا حتى بيسأل، كنت طفله ..طفله هتولد و تبقى ام كنت مرعوبه ، مراة طليقي ربنا ينتقم منها قالت مفيش داعي أقلق و إنها هتجبلي الدايه و دي شاطره جدا وفعلا جت الدايه وولدتني و كنت تعبانه جدا ، الدايه خدت بنتي و خرجت و بعديها جت مراة طليقي و قالتلي جبتي بنت زي القمر و لما طلبت اشوفها قالتلي استريحي الاول و اما الدايه تحميها هتجبهالي و نمت و اطمنت لكلامها، فقت لقيت نفسي لوحدي فالاوضه ، فضلت انده محدش رد عليا، سندت نفسي و قمت فتشت البيت حته حته ملقتش حد، خبطت على جارتنا قالتلي إنها شافت مراة طليقي واخده بناتها و شنط كتير و لما سألتها رايحه فين قالت راجعه لاهلها و قالت إنها كانت شايله لفه و قالت إنها بنتي و إني قلتلها تاخدها معاها.

سألت جنه : طب روحتي عند أهلها.

قالت سماح : للاسف محدش يعرف عنوانهم و لما وقفت على رجلي و زي ما انتي عارفه الدكتوره نوال ساعدتني برده مقدرتش اوصل للعنوان.

قالت جنه : طب طليقك اكيد يعرف عنوانهم.

قالت سماح : للاسف كان خرج من السجن ، لانه حصلت مخالفه في طريقة القبض عليه و افرجوا عنه و اتعذبت لما قدرت اطلق منه لانه اختفي و محدش عارفله طريق.

شعرت جنه بالحزن الشديد على حال صديقتها و تمنت لو أن باستطاعتها فعل شيء لمساعدتها و لكن من أين تبدأ.

قالت جنه بحماس : احنا مش لازم نيأس.

قالت سماح : يعني هنعمل ايه.

قالت جنه : نرجع ندور من البدايه ..عند جارتك.

قالت سماح : مش عايزه اتعبك معايا.

قالت جنه : و بعدين تعب ايه بس يا عبيطه .. وان شاء الله هنلاقي حد يدلنا عل حاجه.

قالت سماح راجيه: يارب يا جنه يا رب.

********************

بقي إياد منزعجا بقية الحفل و حتى بعد انتهائه فمن جهه أزعجه موافقة نسرين على الارتباط برائد، فنظرة الفرح المرسومه على وجهها كانت مجرد قناع، و لكن عليه أن يؤجل محادثته معها حتى تكون قد أدركت تماما طبيعة قرارها.

أما سبب ضيقه الآخر مكون من ثلاث حروف ج ن ه ، لقد شعر بالضيق الشديد عندما رآها تتحدث مع كريم ، أهي الغيره…لا لا صحح نفسه هو فقط يشعر بالمسئوليه تجاهها ، و محاولات كريم للتقرب منها لن تجلب لها سوى المتاعب ، ليس لأنه لا يثق بصديقه و لكن كريم من بيئة مختلفه جدا عن جنه فلقد تربى في امريكا بلد العلاقات بين الجنسين فيها منفتحه و لا تقتصر فقط على علاقات الارتباط و الزواج ، ولربما ترجمت جنه اهتمامه على النحو الخاطىء و علقت آمالا وهميه ، نعم هو يخاف على مشاعرها.

وضع إياد ذلك السيناريو ليُخمد صوت قلبه الذي غضب و بشده من جنه لأنها وضعته في موقف غير مريح بالمره ، موقف يضطر فيه للدخول في المنافسه مع أعز أصدقائه.
لم يستطع الخلود إلى النوم ، أحضر هاتفه و كتب بعض الكلمات و ضغط ارسال ثم تدثر في فراشه.

**********************
شيء واحد بقي عالقا في ذهن جنه من أحداث هذه الليله ، فلم يفاجأها انهيار سماح فلقد عرفت السبب عندما قرأت تلك الكلمات ، كلمات تبث فيها حبها و اشتياقاها لصغيرتها التي لم تراها يوما ، أما عن إياد فلديه عذره في تصرفه الليله، فعليه الحفاظ على اسمه و مركزه و أي تصرف سيء من قبلها ربما عرضه للمساءله من قبل الشرطه، نعم عليها التماس العذر له ، ففي النهايه هو من ساعدها و صدق روايتها بدون أي دليل ملموس.

أما ما لم تجد له تفسيرا هو

كريم حسن ثابت

أهو مجرد تشابه أسماء …أم …

قطع عليها تفكيرها صوت هاتفها معلنا وصول رساله

فتحت الهاتف و قرأت :” لولا إن عبدالله طمني إنك وصلتي كنت هدايق جدا، شكلك نسيتي اتفاقنا ، عموما تصبحي على خير و
أحلام سعيده”

أعادت الهاتف إلى مكانه و تدثرت في فراشها مبتسمه ، و بالفعل كانت أحلامها سعيده.

 

الفصل الثامن

” إنها هنا .. اذن فليصمُت صوت العقل ”

———————-

أصيبت سماح بنزلة برد حاده ، أدت إلى تأجيل مخططهما للعوده و البحث عن عنوان زوجة طليقها .

قالت جنه و هي في طريقها إلى المكتبه: انهارده هاقبض أول راتب ليا ، القمر يحب أجبله ايه معايا.

– تسلميلي يا حبيبتي ، عايزه سلامتك.

قالت جنه برقه : و إنشاء الله سلامتها ، لو احتجتي حاجه كلميني على طول.

– حاضر ، بس انتي متشغليش بالك بيا ، أنا الحمد لله بقيت كويسه.

ودعت جنه صديقتها و انطلقت إلى المكتبه، عاقدة العزم على تسديد القسط الأول من ثمن الهاتف كما اتفقت مع إياد .

و بالفعل بعد انتهاء دوامها بالمكتبه ، توجهت إلى مقر شركة الحداد، في الاستقبال سألت عن مكتبه، ثم ركبت المصعد للطابق الثالث حيث يتواجد، قابلتها السكرتيره.

– افندم ، أي خدمه ؟

– ممكن أدخل أقابل البشمهندس إياد ؟

– في معاد سابق ؟

– لا … بس ضروري أقابله.

-اسفه هو عنده اجتماع حاليا، و مش عايز حد يزعجه.

– طب متعرفيش هو هيخلص الاجتماع ..امتى ؟

– معرفش ، ممكن ساعه ..ساعتين حسب!

– طيب ممكن أقعد استناه هنا ؟

-براحتك ..بس مضمنش بعد كده أنك تدخلي تقابليه.

أومأت جنه برأسها ، و جلست تنتظر ريثما ينتهي من الاجتماع،و بعد ما يقارب الساعه خرج بعض الرجال من مكتبه ، و تعللت السكرتيره بأنه يتلقى مكالمه خارجيه و من ثم حضر أحد رجال الأعمال لتقوم بادخاله فورا …
لم تستطع جنه الانتظار أكثر من ذلك ، نظرت لساعتها و غادرت المكتب، و عندما وصلت إلى ردهة الاستقبال، استوقفها أحدهم مناديا : آنسه جنه.

استدارت لتجد عبدالله

آنسه جنه ممكن دقيقه من وقتك ؟

– اتفضل .

-انا كنت عايز اطمن على الآنسه سماح، بقالها يومين مش بتيجي المصنع.
– أصلها تعبانه شويه.. بس الحمد لله دلوقتي أحسن .
رن هاتف عبدالله و تلقى المكالمه ثم قال : ده البشمهندس إياد خلص شغل..هاروح احضر العربيه و أرجوكي تبلغي سلامي للآنسه سماح.
انطلق عبدالله إلى وجهته أما جنه بقيت في الردهه فبعد قليل كما سمعت من عبدالله سيغادر إياد ، ستنتظر لتعطيه المبلغ المخصص لاول قسط كما وعدته .

*****************************

قالت دنيا بتأفف : ايه لحد دلوقتي مفيش أي خبر عنها ؟

قال جميل : للأسف ..دي فص ملح و دابت.

قالت دنيا : طب ما نطلعلها شهادة وفاه و تصرف الميراث.

قال جميل بتهكم : اللي بيعجبني فيكي يا زوجتي العزيزه، هو ذكائك.. دي مكملتش سنه .

قالت دنيا : اها …مش يمكن راحت عند أخوها.

قال جميل : يعني دي حاجه تفوتني ..ما أول ما اختفت كلمت المحروس و كان فامريكا ، و بعدين هو ميعرفش بوجودها اصلا ، فاساسا مسألتوش لكن من كلامه معاايا كان عاادي جدا زي كل مره.

قالت دنيا : مش انت بتقول انه على طول بيجي زيارات.

قال جميل : ايوه بس هي هتعرف طريقه منين ، و بعدين أنا مفهمها من زمان ان اخوها و ابوه مش بيحبونا و لا بيطيقوا مامتها ، فايه اللي يخليها تفكر تدور عليه اصلا.

قالت دنيا : و الله ما انا عارفه .. صحيح جنس نمرود تاكل و تنكر مش كفايه صرفت عليها السنين اللي فاتت دي كلها.

قال جميل : يعني هتروح فين .. مسيري اعتر فيها و ساعتها …

********************
خرج إياد من المصعد ليجدها جالسه أمامه على أحد المقاعد في الاستراحه، تلك التي حاول مرارا و تكرارا أن يخرجها من تفكيره في الأيام الماضيه و لكن بمجرد رؤيتها أعلن قلبه رفع حظر التجوال ، تقدم بخطى مسرعه نحوها، وقفت هي الأخرى و سارت باتجاهه، ليتقابلا في المنتصف، بادرها قائلا : ايه اللي مقعدك هنا .؟

أجابته بحرج : ازيك يا بشمهندس..أنا جيت عشان ادفعلك أول قسط .

سأل إياد : قسط ايه .. مش فاهم .

– قسط الموبايل زي ما اتفقت مع حضرتك.

– اه ، طب ليه قاعده هنا …كنتي طلعتي عندي فالمكتب.

– ما انا طلعت و السكرتيره قالت حضرتك عندك اجتماع و بعدين فضلت مشغول ، فاضطريت امشي لان الوقت اتأخر.

– المفروض ادتني خبر … وبعدين انتي كنتي قاعده مستنياني لما اروح !

– لا انا كنت همشي و بعدين عبدالله قال إن حضرتك هتروح فقلت استنى عشان اديك الفلوس .

سأل إياد منزعجاً : و انتي كنتي بتتكلمي مع عبدالله ليه ؟

أجابته : أبدا ، ده كان بيسألني عن سماح أصلها تعبانه شويه .

ثم و قامت باخراج النقود من حقيبتها قائله : اتفضل يا بشمهندس .

قال إياد بعنف : ايه اللي بتعمليه ده؟

أجابته : دي فلوس اول قسط زي ما اتفقنا.

لم يشأ إياد أن يأخذ النقود ، و في نفس الوقت لاحظ الاصرار في عينيها، لذا حاول التهرب من احراجها و قال: كده ميصحش .. الموظفين هيقولوا عني ايه .. بياخد فلوس من واحده ست !

قالت جنه بحزم : حضرتك لو مخدتش الفلوس يبقى تاخد الموبايل تاني.

قال إياد بخبث : و مين قال إني مش عايز الفلوس … بس قصدي مش قدام الموظفين.

قالت جنه : امال فين ؟

قال إياد على الفور : تعالي اوصلك و هاخدهم فالعربيه.

هزت جنه رأسها و قالت : مقدرش .

قاطعها إياد : الوقت متأخر و الدنيا بتمطر و مش هتلاقي مواصله بسهوله..شكلك عايزه تعيدي اللي حصلك ليله راس السنه.

بالفعل الوقت تأخر جدا، و لن تجد مواصله بسهوله و إن وجدت هل ستضمن أنها آمنه!
فلم تخاطر بالركوب مع شخص لا تعرفه؟

قالت جنه : بس اوعدني إنك هتاخد الفلوس.

أومأ إياد موافقا و قال : اتفضلي اوصلك.

********************
في الطريق انشغل إياد بإجراء اتصالات على ما يبدو خاصه بالعمل و كأنه تعمد تجاهلها حتى لا تجد فرصه لاعطاءه المبلغ .

كانت تحاول ايجاد طريقه ما لاعطاءه النقود عندما أوقف عبدالله السياره أمام أحد المطاعم الراقيه.

قال إياد : معلش أنا ميت من الجوع والسكه طويله ..هننزل نتعشى و بعدين أوصلك.

قالت جنه : معلش حضرتك اتفضل اتعشى و انا هاخد تاكسي و اروح.

قال إياد : يعني انتي مش عايزه تدفعي فلوس القسط.

قالت جنه على الفور : مين قال كده؟ اتفضل الفلوس اهي..

و قامت بفتح حقيبتها لاخراج النقود.

فتح إياد باب السياره و ترجل منها قبل أن تتمكن جنه من إعطائه النقود، لحقت به بسرعه و قالت : لو سمحت ..استنى خود الفلوس…

قال إياد بعصبيه : برده هتديني الفلوس قدام الموظفين.

قالت جنه باستغراب : بس مفيش موظفين هنا.. احنا فالشارع!

قال أياد : و عبدالله يبقى ايه ؟

قالت جنه بحرج : أنا آسفه مش قصدي احرج حضرتك.

قال إياد : خلاص تعالي نتعشى و هآخدهم فالمطعم.

قالت جنه : مش هقدر اتعشى مع حضرتك بس هادخل المطعم و اديك الفلوس .

قال اياد : براحتك بس كده هتذنبي عبدالله بدل ما يقعد يتعشى هيضطر يوصلك و يرجع تاني عشان يوصلني !

قالت جنه : لا مفيش داعي انا هاخد تاكسي.

قال إياد : كده ميصحش انا وعدتك هوصلك ..و قام باستدعاء عبدالله آمرا : عبد الله معلش مفيش عشا.. هتضطر دلوقتي توصل الانسه جنه.
قاطعته جنه بعد ان رأت الضيق باد على محيا عبدالله ، فلربما كان يأمل بأن ينهي يومه بعشاء مجاني في هذا المطعم الفاخر و قالت : انا هدخل استنى جوه مع حضرتك..

ابتسم إياد و هنأ نفسه لقد نجحت مناوراته.. كان يعلم جدا أنها سترفض اصطحابه لها للعشاء ، فاضطر لاستخدام الحيله و ها هي حيث أرادها على الأقل حاليا، حتى يقرر ما هي ماهية مشاعره نحوها.

جلست أمامه مضطربه تلتفت تاره لليمين و تاره لليسار ، إلى أي شي عداه، هل هو الاحراج أم الخوف من يُحركها ، ربما الاحراج فلقد علت الحمره وجنتيها.

و عندما قدم النادل لأخذ طلباتهما ، رفضت إبداء رأيها مدعيه الشبع حتى التخمه، مما اضطره لطلب عدة أصناف عل أحدها يحوز على استحسانها.

ثم عاد الصمت سيدا للموقف مره أخرى ، من ناحيه يبدو أن القطه قد أكلت لسانها و من جهته كان مستمتعا بالنظر إليها ، و لكن لم تدم متعته طويلا، فقد عبثت مره أخرى بحقيبتها و أخرجت النقود ثم قالت : دلوقتي تقدر تتفضل تاخد الفلوس.

قال إياد متأففا: تاني ، انتي مش شايفه عبدالله قاعد فالطربيزه اللي جنبنا.

– مظنش هياخد باله.

قال إياد بحزم : استنى اما نخلص و يروح يشغل العربيه.

تنهدت جنه فقد سئمت من المجادله المستمره معه بهذا الخصوص ، بعض من الصبر و ستعطيه نقوده.

أحضر النادل الطعام متمنيا لهم عشاء هنيئا.

قال إياد بعد أن لاحظ احجامها عن الاكل : ايه انتي مصره متاكليش؟

قالت جنه : معلش اصلي شبعانه.

قال اياد مداعبا : طب انا مش هامد ايدي على حاجه الا اما تاكلي الاول.

و اضطرت جنه في النهايه لمشاركته العشاء بعد أن أصر على موقفه ، و هي بالتأكيد لا تحتاج إلى المزيد من التأخير!

حاول إياد التحدث في مواضيع عامه ليخفف من توترها قليلا، فما زالت بالنسبه له كاللغز عقله يخبره بالتوقف عن محاولة فك رموزها ، أما قلبه فيحثه على الاستعانه بكل الطرق المشروعه و غير المشروعه للحصول على الاجابات.

فقط لهذه الليله سيصغي لنداء القلب و غدا بالتأكيد سيعيد دفة القياده للعقل مره أخرى .

و لكن لم يدم جداله مع نفسه طويلا..فها هي للمره المليون عادت تخرج النقود من حقيبتها!

قالت جنه : اهو عبد الله خرج..تقدر تتفضل تاخد الفلوس.

قال إياد : طب قبل ما اخدهم في سؤال محيرني و عايزك تجاوبي عليه.

قالت جنه : معلش خدهم الاول و بعدين السؤال.

قال إياد : لا مش هينفع.

قالت جنه بانفعال : هو ايه اللي مينفعش ، مش حضرتك وعدتني هتاخد الفلوس اول ما عبدالله يخرج.

قال إياد : انا عايز اغير اتفاقنا… بصي انا مش محتاج الفلوس دي اصلا.

قاطعته جنه : انا متأكده ان حضرتك مش محتاجها، بس المسأله عندي مسألة مبدأ.

قال إياد : اسمعيني للاخر.. انا هآخد الفلوس بشرط تجاوبي على سؤالي.

تنهدت جنه و قالت : بسيطه..اتفضل اسأل.

أراد إياد طرح العديد من الأسئله مثلا لماذا تركت أهلها و ما الذي أرغمها على السير تلك الليله معرضه نفسها لكل ذلك الخطر.. و لكنه متيقن انها لن تجيب على اي منها .

لذا سأل : ايه اللي حصل خلاكي تفتكري إنك في الجنه ؟

– مش فاهمه تقصد ايه .؟

– فاكره اما جدي حكي عن اصابته انتي قولتي ساعتها انك كمان افتكرتي انك رحتي الجنه و حصلك زيه بالظبط؟

انا عايز اعرف ايه اللي حصلك و ايه المكان اللي شفتيه؟

أجابت جنه بتلعثم : اه حصلتلي حادثه بسيطه و دخلت المستشفى و مش فاكره المكان.

و أضافت : اتفضل الفلوس.

أحس إياد بعدم صدقها .. مد يده و قال : أنا هاخد جنيه واحد بس و الباقي أما تجاوبي على بقية السؤال !

ثم أمسك كفها ووضع باقي الجنيهات بداخلها.

سحبت جنه يدها بسرعه و نهضت من مقعدها ، فلقد اكتفت من هذه اللعبه التي يديرها باستمتاع ، المره القادمه ستترك المبلغ لدى سكرتيرته ..سواء احس بالاحراج امام موظفيه ام لا… هذا لا يعنيها.

******************
أغلقت نسرين نافذتها بعد أن اطمأنت على عودته ، كما اعتادت طيلة السنوات الفائته ، فرغم ابتياعه لشقه فاخره كان دوما يؤثر البقاء في قسم الضيوف التابع للفيلا خاصتهم ، و تساءلت هل ستتغير الامور عندما يتزوج ؟

آلمتها هذه الفكره ، كانت تظن أنها بمجرد ارتباطها بشخص آخر ستتوقف عن التفكير به ، حاولت اقناع نفسها بأن انتظارها له مجرد شيء اعتادته طيلة سنوات عمرها، و عليها فقط الاعتياد و التطبع بعادات جديده ، و لكن لماذا رقص قلبها فرحا عندما رفع كريم رأسه و نظر باتجاه نافذتها كما اعتادت منه دوما.

عليها التوقف عن تلك الأفكار فربما هي حركه لا إراديه و لا يقصد بها النظر إلى نافذتها لا اليوم و لا أي يوم مضى.

*******************
“ايه اللي بتعمله ده”

كان هذا السؤال الذي عجز إياد عن إجابته طوال طريق عودته بعد عشاءه مع جنه ، أو بالأصح إرغامها على العشاء معه….
ما الهدف من تقربه منها..هل يرى فيها مواصفات زوجه له و بالأخص هل يستطيع أن يستأمنها أن تكون أما لأولاده؟
فتاه لم تجد حلا لمشاكلها سوى الهرب ، كما فعلت ساره ، هل يُعيد التجربه ليلقى نفس النتيجه !

لا جدوى من التقرب إليها أكثر من ذلك فهو لم يعتاد على مصادقة الفتيات و العبث بمشاعرهن ،فما لا يرضاه لأخته لا يرضاه لغيرها.
لاحظ إياد الضوء في غرفة جده ، نظر لساعته ثم طرق الباب.

أطل برأسه و قال : مساء الخير يا جدي.

قال رفعت طه : أهلا أهلا ..تعال واقف عندك ليه .

قال إياد : ايه اللي مسهرك لحد دلوقتي ؟

قال رفعت طه : مش جيلي نوم .

سأل إياد بقلق : خير يا جدي ، في حاجه بتوجعك ؟

أشار رفعت طه إلى قلبه و قال : البنت نسرين تعبتلي قلبي اوي .

قال إياد : مش فاهم حضرتك.

قال رفعت طه مؤنبا : انت برده اللي مش فاهم ، ده إنت تفهمها و هي طايره.

تنهد إياد و قال : أنا شايف نسيبها شويه تشوف نتيجة قرارها .

قال رفعت طه : و انت يا هندسه ، مفيش حاجه جديده عندك .

قال إياد مازحاً : أوعى تعمل زي ماما و تقولي شفتلك عروسه حلوه .

ضحك رفعت طه و قال : الحقيقه ، آه فعلا أنا عندي ليك عروسه ممتازه .

ابتسم إياد و قال : لا بقى الحكايه محتاجه قعده ، بقى جدي اللي ليل نهار بيحكلنا عن قصة الحب العظيمه اللي بينه و بين جدتي ، غيَر أفكاره و عايزنا نتجوز صالونات.

قال رفعت طه معاتباً : الحق عليا ، و أنا اللي قلت إنت أولى من الواد كريم .

ضحك إياد و قال : كريم ، مش لما يعرف هو عايز يستقر فين الأول و لا هيتجوز و يشحططها معاه .

سأل رفعت طه بخبث : يشحطط مين ؟

تنهد إياد ، فلقد فهم مقصد جده من هذا السؤال ، و لكن أشياء كثيره تغيرت ، فما عاد اللغز المخفي المُعلن له وجود ، ووالدته فطِنت لذلك من فتره كبيره و ربما هذا عائد لطبيعتها العمليه ، فالجميع سواء إياد أو والدته أو جده ادركوا وجود مشاعر ما بين نسرين و كريم ، و بالنسبه لإياد كانت مشاعر نسرين واضحه للغايه ، أما كريم فقد ظن و لفتره كبيره أنه يُراعي صداقتهما و يحتفظ بإعلان مشاعره في اللحظه المناسبه، على الأقل عندما يقرر أين سيكون مستقبله ، و لكن ها هي نسرين خُطبت لرجل آخر ، و كريم …يبدو أن لديه الآن اهتمامات أخرى، ربما يوماً لم ينظر لنسرين سوى كأخت ، و ربما والدته كانت محقه منذ البدايه.

أجاب إياد : يعني أقصد اللي هيتجوزها .

قال رفعت طه : لا متشغلش بالك العروسه دي نقاوتي و أنا ليا نظره في الناس ، و دي اللي تشيلك على المره قبل الحلوه ، مش هيهمها شوية شحططه.

قال إياد متعجباً : ايه ده كله ، ده شكل حضرتك تعرفها كويس.

قال رفعت طه : أنا شفتها يمكن مرتين ، بس قدرت أعرف معدنها كويس .

قال إياد : الحقيقه يا جدي شوقتيني أعرف هي مين ؟

قال رفعت طه مبتسما ً : جنه ..كريم و جنه تصدق لايقين على بعض ، عارف أنا من بكره هاكلمه في الموضوع.

قال إياد على الفور : اوعي يا جدي ، أقصد يعني كريم شايل فكرة الجواز من دماغه على الاقل دلوقتي.

ابتسم رفعت طه و قال : طيب لما يغير رأيه ، ابقى اديني خبر .

*************************
تيقن رفعت طه من حدسه ، فحفيده بالفعل مشغول البال و لكنه لم يتوقع أن يصدق احساسه بأن من يشغله هو تلك الفتاه ، فقد لاحظ ضيقه الشديد عندما ابدى كريم اهتماما بها ، و لكن هل يصدُق حدسه أيضا بالنسبه لحفيدته .

و بدون أن يشعر امتلأت عيناه بالدموع ، ليس على حال حفيديه فهو واثق كل الثقه بأنهما حتما سيصنعان جنتهما على الأرض و مع الشخص المناسب و لكنه تذكر في هذه اللحظه زوجته الراحله فهي من علمته لغة الاحساس و القلوب ، فلولاها لما فَطِنَ لمشاعر حفيديه….

 

الفصل التاسع

” بطلي و أيضاً …أخي الأمير ”

————————

تلقى الضابط نورالدين معلومات مفصله عن المخطط القادم لمجموعة السبق، فكما يبدو بعد فشل تنظيمه أرادوا التعويض عما فاتهم من لهو و متعه، و حسب المعلومات القادمه من قسم الIT .

لعبتهم القادمه يُطلقون عليها حورية الفلانتاين، و لحوالي ساعتين قام نورالدين بدراسة كل البيانات المحوله له و لكن الذي استوقفه هو صورة الفتاه التي استُمد منها عنوان اللعبه، و اخيرا و بعد طول انتظار استطاع أن يحصل على خيط ملموس لتلك الشله ، فجميعهم حتى الآن كانوا مجرد مجموعه من الأسماء الوهميه التي تخطط خلف ستار الشبكه العنكبوتيه و لكن تلك الفتاه لديها اسم و عنوان .

لكن ..لكن ..لكن هل هي فعلا متورطه معهم ، فهيئتها ليلة راس السنه كانت مريبه للغايه ، و لِمَ يبحثون عنها إن كانت ضمن شلتهم ، هل فعلت شيئا أثار غضبهم ، أم تُرى تلك اللعبه مجرد ستار لما هو قادم ، ربما تكون تمويهاً للعبه أخرى .

حسنا ، التحقيق معها لن يكون مثمراً ، فليلة راس السنه أنكرت و بشده أي علاقه لها بذلك السبق، ربما عليه محادثة إياد الحداد ، كفيلها .
نقر نوالدين بالقلم على سطح مكتبه و أحجم عن هذه الفكره ، فتلك الفتاه جميله جداً ، جمال يُذهب بتوازن أكثر الرجال حكمه.

وإياد الحداد بالرغم من سمعته الطيبه الا أنه في النهايه رجل ، رجل أصر و بشده على الدفاع عنها ليلة راس السنه .. بل استمات في الدفاع عنها .
و ربما استطاعت أن تَنفذ إلى قلب كفيلها ، فإن حادثه بشأنها لربما حذرها وأخذت حيطتها .

أغلق نورالدين الملف أمامه ، و توجه إلى مكتب رئيسه للتشاور معه .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

《we need to talk about lot’s of things my dear Nessrin..plz don’t ignore me like you did since new year’s eve.》
《عزيزتي نسرين ، احنا محتاجين نتكلم عن حاجات كتير، من فضلك بلاش أسلوب التجاهل اللي
مصممه عليه من ليلة راس السنه《

بدأت نسرين صباحها بتلك الرساله من كريم ، و ما الجدوى من الحديث معه الآن ، ليُذكرها بليلة راس السنه.. لا لن تسمح له بإحراجها أكثر مما فعلت هي بنفسها، ضغطت زرالحذف و تخلصت من رسالته كما أملت أن تتخلص قريبا من دقات قلبها المتسارعه كلما رأته أو تلقت رساله منه .

حملت حقيبتها و غادرت الفيلا ، على البوابه استوقفها منادياً : نسرين .

استدارت ، ألقت عليه نظره ثم تابعت السير .

نادى كريم بحده : نسرين .. استنى عندك …!

أحست نسرين بخطواته خلفها ثم أحست بيده تقبض على معصمها و أدارها لتواجهه.

قالت نسرين بلامبالاه : معلش أصلي أتأخرت و لازم امشي ، ورايا التزمات كتير انهارده .

قال كريم بانفعال : بطلي شغل العيال ده .. احنا محتاجين نتكلم .

زمت نسرين شفتيها و قالت : اوك .. عايز تقول ايه ؟

سأل كريم بعصبيه : انتي ازاي توافقي عليه ؟ !!!

قالت نسرين مدعيه عدم الفهم : تقصد ايه … مش فاهمه .؟

قال كريم بنفاذ صبر : مستر رائد .

قالت نسرين بامتعاض : دي حاجه متخصكش ..و أنا مش مضطره أوضحلك أي حاجه تخص حياتي الشخصيه.

رد كريم بعنف : انتي مش بس مضطره، انتي مجبره كمان !

ضحكت نسرين باستخفاف و قالت : كونك صديق أخويا ميدليكش أي حق تتدخل فحياتي ، و مش معني إن ماما و جدو بيعتبروك زي إياد بالظبط يبقى أنا كمان لازم اعاملك زي ما تكون أخويا الكبير!

ثم أضافت بحده : أنا عندي أخ واحد ..واحد و بس.

قال كريم بهدوء: بس اللي قلتيه و عملتيه ليلة راس السنه بيقول غير كده.

شعرت نسرين بالحنق الشديد لتذكيره لها بذلك الموقف المذل و قالت بتهكم : انت لسه فاكر .. ده رهان عبيط عملته مع مايا…بس شكلك ترجمته غلط.

اقترب كريم منهاو قد علت شفتيه ابتسامة المنتصر : مستحيل يترجم غلط .. ده انتي و بكل اللغات اللي في العالم ادتيني الحق مش بس ادخل في حياتك الشخصيه، لا كمان شفايفكو دول قالوا إن أنا الربان و القائد.

ثم اقترب منها أكثر و همس في أذنها : ايه مش فاكره .. تحبي أنعشلك الذاكره .. و قام بتمرير أحد أنامله على شفتيها…

و قال : ها افتكرتي.

أحست نسرن بالاحتقار الشديد لنفسها فبسبب تصرفها الأرعن ذاك هو من جعل كريم ينظر لها بتلك الجراءه الآن.

أبعدت يده بعنف و بعنف أشد قالت : حقير.. و استدارت مبتعده عنه ..

فيما بقي كريم في مكانه يتابعها حتى اختفت عن ناظريه، و لكن لم يختفي الغضب بداخله، غضبه منها أو من نفسه ، ماذا يريد الآن تلقينها درساً ،و لكن هل الوضع يسمح بإضاعة المزيد من الوقت .؟

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

تأملت سماح صديقتها جنه بعيون حانيه ، فتلك البراءه و ذلك النقاء البادي على وجهها ما هو الا مرآه لما بداخلها من صفاء و طيبه ، و ربما سذاجه ، سذاجه تجعلها غير مدركه لحقيقة تصرفات من حولها ، فبعد الذي قصته عليها جنه ليلة أمس عما حدث مع إياد الحداد جعلها عاقدة العزم الآن على الحديث الذي خشيت أن تجريه معها سابقا بخصوص ابن الحداد، فبالرغم من السمعه الطيبه لعائلة الحداد الا أن تصرفات إياد مع جنه أقلقتها ،و ما يقلقها أكثر هو النشأه التي نشأتها جنه ، فوالدتها كانت تخاف عليها بشده و نظراً لكونها ارمله فقد كان عالمها منغلقاً ، و أما عن إقامتها مع خالها في السنوات الماضيه فكانت أكثر انغلاقا فالبكاد سمح لها بالخروج للمدرسه أو الكليه ، و تلك المعاناه ربما أصقلتها لتحمل الظروف الصعبه و لكن بالتأكيد لم تهيؤها للتعامل مع المجتمع و خاصة الرجال.

قالت سماح بعد أن أنهيتا فطورهما : لسه عند قرارك وهتروحي ترجعي الفلوس .

– أيوه .. بعدما خلص دوام هاسيبهم عند السكرتيره.

– طب ايه رأيك لو ترجعيهم كلهم.

– ازاي كل مرتبي ميكفيش نص تمن الموبايل.

– ما أنا محوشه قرشين ، خوديهم و ادفعي تمنه كامل.

شعرت جنه بالامتنان تجاه صديقتها و قالت : طبعا مقدرش و بعدين انتي محتاجه الفلوس دي جدا وخاصه دلوقتي.

قالت سماح : مش فاهمه ، خاصه دلوقتي ليه ؟

قالت جنه مداعبه لصديقتها : يعني أقصد في جهازك ، مش بردو عبدالله ناوي يتقدملك.

ردت سماح بحزن : بلاش هزار في الموضوع ده ، و بعدين اسمعيني كويس ..أنا مكنتش ناويه اتكلم و كنت بفترض حسن النيه عنده.

سألت جنه باهتمام : تقصدي مين ؟

قالت سماح : أقصد البشمهندس إياد ، لكن بعد اللي حكتيه امبارح لازم ترجعيله الفلوس و مش ناقصه مليم كمان ، و متزعليش مني فاللي هاقوله بس ده لاني خايفه عليكي ، واحد زي إياد الحداد وفي شكله و مركزه و ثروته لما يجي يتجوز هيبص لواحده من نفس المستوى..

قاطعتها جنه : ايه اللي بتقوليه ده، أنا اساساً مبفكرش فيه بالطريقه دي و كل الحكايه إنه اتحمل مسئوليه قدام الظابط و خايف أسببله مشكله.

قالت سماح : يبقى حرص و لا تخونش ، ما هو يا جنه مفيش راجل يجيب هديه لواحده و يصر يعزمها على العشا لله كده ، أكيد عايز مقابل …لكن خلينا نفترض حسن النيه ، بس كمان نحط حدود للتعامل و أول حاجه تعمليها انهارده ترجعي كل الفلوس و مش عايزه نقاش .

ثم أضافت مازحه : و انا اول كل شهر هاستنى و ازن على دماغك و اطالب بالقسط بتاعي .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

شعرت جنه بالضيق لأنها قبلت مساعدة سماح ، و لكن صديقتها أصرت و بشده .

خرجت جنه من المصعد و توجهت إلى مكتب السكرتيره و بادرتها قائله : مساء الخير.

رفعت السكرتيره نظرها عن جهاز الحاسوب ثم قالت و قد علا الارتباك وجهها : مساء النور ، ثوان بس أبلغ البشمهندس بحضورك.

قالت جنه : لا ..لا مفيش داعي .

و لكن لم تعر السكرتيره كلامها أي اهتمام ، و بالفعل قامت بإخبار إياد على الهاتف بحضورها.

ثم قالت بحزم : اتفضلي ، تقدري تدخلي للبشمهندس دلوقتي .

ردت جنه بحزم هي الأخرى : قلت لحضرتك مفيش داعي ، ثم فتحت حقيبتها و أخرجت ظرفاً ، و أضافت : يا ريت توصلي الظرف ده للبشمهندس و هاكون شاكره جدا ليكي .

أغلقت جنه حيبتها وهمت بالانصراف ، و لكن استوقفتها شهقة الفتاة التي قالت متوسله : من فضلك استني ، البشمهندس إياد هيدايق مني جدا لو عرف إنك مشيتي .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

دقيقتان ، دقيقتان امتدتا كأنهما دهرا ، دقيقتان ينتظر بلهفه دخولها مكتبه ، متناسياً تماماً قراره البارحه ،
و مع دخول الدقيقه الثالثه غادر مكتبه ، ليجدها تتحدث مع سكرتيرته ، تقدم منهما و قال موبخاً : أنا مش قلتلك تدخل حالا.

حاولت سكرتيرته الدفاع عن نفسها و لكنه تجاهلها و أكمل موجهاً حديثه لجنه : اتفضلي ..نتكلم فمكتبي .

ثم عاد و قال لسكرتيرته: و انتي حسابك معايا بعدين.

قالت جنه : حضرتك فهمت غلط..

قاطعها إياد وقال : كلامنا ميكونش هنا قدام الموظفين ، تفضلي فالمكتب.

دخلت جنه المكتب و تبعها إياد الذي قال بعد أن أشار عليها بالجلوس : تحبي تشربي ايه ؟

ردت جنه بحزم : متشكره مش عايزه حاجه ، و بالنسبه للسكرتيره هي فعلا قالتلي أدخل لحضرتك ، بس أنا كنت مستعجله و عايزه امشي، هي ملهاش ذنب.

سأل إياد : مش فاهم هتمشي ليه ..ثم أضاف غاضباً : هو انتي بقالك كتير هنا قبل ما تبلغني بحضورك ؟

قالت جنه : لا لا انا لسه جايه بس مكنتش حابه ازعج حضرتك ، و كنت جايه اديك تمن الموبايل و سبت الفلوس في ظرف عند سكرتيرة حضرتك.

ثم أضافت : أنا هاقوم اجيبه لحضرتك.

استوقفها إياد و قال : لا ، استني أنا هاخليها تجيبه هنا .

و في غضون دقيقه دخلت السكرتيره و سلمت الظرف إلى إياد ، ثم غادرت بعد أن رمقت جنه بنظره تقطُر سُما ً.

أمسك إياد الظرف و فتحه مطلعاً على محتواه ، ثم وضعه على المنضده الموجوده بينهما و قال : أولا ، احنا مش اتفقنا بلاش تديني الفلوس قدام الموظفين .

ردت جنه : أعمل ايه ما هو حضرتك مش راضي تاخدهم .

قال إياد : تقومي تحطيني قدام الأمر الواقع و تحرجيني قدام اللي بيشتغلوا عندي .

قالت جنه معتذره : آسفه ، بس ملقتش طريقه غير كده عشان تاخدهم .

قال إياد متأففا : ما أنا قلتلك أنا مش محتاج الفلوس دي و متفرقش معايا.

قالت جنه بحزم : و أنا قلت لحضرتك المسأله مسألة مبدأ بالنسبالي .

قال إياد بحنق : طالما هي مسألة مبدأ ، تقدري تقوليلي جبتي المبلغ ده كله منين ؟

أجابت جنه بتلعثم : أنا استلفت الفلوس دي من سماح و هابقى اردهم براحتي .

لسبب لا يفهمه إياد ، أزعجه أن تكون مدانه لأحد ، و إن كان لا بد من استدانتها للمال فليكن منه هو و ليس من غيره ، حتى لو كانت صديقتها.

سأل إياد معاتبا : طب اشمعنى قبلتي تستلفي من سماح ؟

ردت جنه : سماح زي أختي بالظبط ، و مفيش فرق بينا.

قال إياد على الفور : أنا كمان بعتبرك زي أختي نسرين بالظبط.

نطق إياد بتلك الكلمات التي ربما تعتبر أكبر كذبه قالها في حياته ، فمشاعره تجاه جنه و إن كان لم يجد لها مسماً بعد ، فهي بالتأكيد بعيده كل البعد عن مشاعر الأخوه.

و لكن لم يجد حلا سوى الكذب لاقناعها و أضاف : بس الظاهر انتي مش بتعتبريني زي أخوكي .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

شعرت جنه مره أخرى بالاطمئنان تجاه إياد ، و نفضت عنها المخاوف التي زرعتها سماح هذا الصباح بداخلها ، فهو يراها كأخته ، ربما إن كانت صادقه تماماً مع نفسها لقالت أن ذلك أزعجها و لو قليلا و لكنها تغاضت عن هذا الصوت ، فإن كان يريد أن يلعب دور الأخ في حياتها سترحب بذلك وبشده، بل ستسعد بأي صفه منطقيه تبقيها قريبه منه .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

أجابته جنه بابتسامه عريضه : لا بالعكس، دي حاجه تشرفني .

لم يدر إياد أيشعر بالغبطه لأنه جعلها تطمئن له مره أخرى ، أم بالضيق لسعادتها من فكرة الاخوه بينهما .

قال إياد محاولا إخفاء ضيقه: طيب بما إننا اخوات يبقى تاخدي الظرف ده و ترجعيه لصاحبتك.

أخذت جنه الظرف و قالت باضطراب : اوك، بس حضرتك ضروري تاخد أول قسط.

و أخرجت بعضاً من الجنيهات و قالت : اتفضل .

تنهد إياد و قال بفروغ صبر : طب موافق، بس دول مش هاخدهم ، ايه رأيك لو تروديلي عزومة امبارح.

لاحظ إياد ارتباكها ، فأكمل ليحثها على الموافقه : أصلي مقدرش آخد فلوس من بنت ، و في نفس الوقت مش عايزك تزعلي لو مخدتهمش ، فده حل هيرضيني و يرضيكي .

قالت جنه بتردد : بس …

قال إياد : مفيش بس.. و أضاف مازحاً : بعدين ميغركيش مكتبي و الشركه ، أنا انهارده مفلس و مفيش جنيه واحد فجيبي و هينوبك فيا ثواب لو قبلتي تعزميني .

ابتسمت جنه و قالت : بس بلاش المطعم بتاع امبارح .

سأل إياد بقلق : ايه في حاجه دايقتك هناك ؟

هزت جنه رأسها بالنفي و قالت : لا مش كده بس أصله ..

– أصله ايه …؟

أجابت جنه بحرج : أصله ..غالي اوي و كده مش هقدر على تمن العزومه .

ضحك إياد بسبب عفويتها الشديده في الاجابه ،ثم استدرك نفسه عندما رأى الاحمرار يغزو وجهها و قال : طب خلاص انتي اختاري المكان اللي يعجبك.

أجابته جنه : ما أنا لسه معرفش الأماكن هنا ، مش بخرج الا عالمكتبه أو جنب البيت.

قال إياد : خلاص أنا عندي الحل ..هنروح مطعم واحد صاحبي و هو دايما دايما بيعملي تخفيض.

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

أنهت سماح مهامها الاشرافيه على فتيات المصنع و بعد أن تأكدت من إغلاق جميع الآلات خرجت من البوابه بعد أن ألقت التحيه على الحارس.

ثم انضمت إلى جموع المنتظرين على الرصيف للحصول على مواصلة العوده للبيت ، و تساءلت متى ستعود و في انتظارها ابنتها الحبيبه، و بمجرد تذكرها لابنتها ملأت الدموع عينيها ، و لكن على الأقل الآن لديها جنه ، ألم تكن هذا الصباح كسيده في الخمسين من عمرها تُسدي النصح لابنتها الشابه ، ضحكت لتلك الفكره و مسحت دموعها، و تذكرت اتفاقها مع جنه على العوده لبيت جارتها القديم و السؤال عن زوجة طليقها ..و لكنها طلبت من جنه أن يؤجلا هذا البحث .. اه يا سماح مم تخافي ..أتخافي أن تعودي للأمل مره أخرى لتلقي نفس النتيجه ..كانت غارقه في أفكارها عندنا لاحظت عينان تراقبانها و مره أخرى تقدم باتجاهها، حتى وقف لا يفصل بينهما سوى بضعا من السنتيمترات و قال : ازيك يا آنسه سماح ؟

ردت سماح باقتضاب : الحمد لله ..ثم أشاحت بوجهها عنه.

قال عبدالله بتلعثم : الآنسه جنه قالتلي إنك كنتي تعبانه.

قالت سماح و قد عادت تنظر إليه مره أخرى : بس دلوقتي بقيت كويسه الحمد لله.

ابتلع عبدالله ريقه ثم نظر إلى الأرض و قال بصوت مرتعش : إنتي متتخيليش أنا قلقت عليكي ازاي ، و كنت هآجي بنفسي اطمن عليكي بس كنت خايف لتدايقي.

ثم أضاف : آنسه سماح ….. أنا …

《 عبدالله ..ازيك يا عبدالله…》

كانت تلك إحدى الفتيات العاملات بالمصنع و إن لم تخطىء فهي قريبة عبدالله ، استغلت سماح انشغال عبدالله بالقادمه لتحيته و ابتعدت لتستقل أول مواصله سنحت لها ، فلا جدوى لتعريض نفسها لنظرات اللؤم من تلك الفتاه.

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

شعرت ماهيتاب بالضجر الشديد و تساءلت إلى متى ستمنع نفسها عن الاستمتاع بحياتها و الخروج للهو مع أصدقائها ، أرادت أن تثبت لإياد أنها تغيرت ، و لكن يبدو أن انتظارها سيطول ، و فكرت ما الضير إن خرجت الليله و استمتعت قليلا ، فإياد بالتأكيد لا يراقبها أو تصله تحركاتها طوال الوقت.

أمسكت هاتفها و طلبت صديقتها جيرمين التي أخبرتها بعدم استطاعتها الخروج الليله بسبب زيارة بعض الأقارب لهم.

تأففت ماهيتاب قليلا ثم تذكرت ذلك الشاب الذي قابلته في أحد النوادي الليليه و الذي ما انفك يلاحقها و الغريب في الأمر أنه توقف منذ فتره عن الاتصال بها ، ترى هل فهم لعبتها، فلطالما انتشت ماهيتاب على ملاحقة الرجال لها ، فذلك يرضي غرورها و بالطبع لا تسمح لهم بالنيل منها ، فهي ليست بالغبيه و لكنها توقفت عن ذلك طمعا في نيل رضا إياد مره أخرى ، حسنا ربما عليها الاتصال بذلك الشاب ، لن تسمح له بأن ينتصر عليها ستكون الكلمه الأخيره لها .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

استيقظ هيثم على صوت هاتفه معلنا وصول رساله جديده ، تناول الهاتف و فتح الرساله و قرأ :

《فينك يا بنتي ، مش بتردي ليه، ده في ريستورانت فتح جديد و بيقولوا أكله كله دايت و تحفه ، تحبي أمر عليكي و نتعشى سوا》

كانت الرساله من تلك الفتاه اللعوب ماهيتاب ، لو لم يفطن لألاعيبها لظن أن تلك الرساله وصلته بالخطأ كما يدل محتواها ، و لكن نظرا لخبرته بها قرأ ما بين السطور فهي دعوه مبطنه له شخصيا ، يبدو أنها شعرت بإهماله لها فمنذ ليلة راي السنه أصبح مهووسا بتلك الفتاه، و لكن ما الضير الآن سيبدأ سهرته الليله مع ماهيتاب و يوما ما سينال منها ، فتلك اللعوب تحتاج إلى النفس الطويل .

فرك عينيه ليزيل عنهما آثار النوم ثم أرسل برساله إلى ماهيتاب .

《رب صدفه خير من ألف ميعاد، أنا كمان كنت ناوي اتعشى فالمطعم ده، يارب تقبلي عزومتي》

جاءه الرد سريعا 《 اوبس … اسفه بعتهالك بالغلط》

و بعد حوالي ربع ساعه، تدعي فيها التمنع قبلت أن يمر و يصطحبها للعشاء.

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

ركبت جنه في المقعد الأمامي بجوار إياد الذي تولي قيادة سيارته و سألته : امال فين عبدالله ؟

أجابها إياد : قلتله يروح ، حابب أسوق بنفسي ، و لا انتي مش عجباكي سواقتي ؟

ابتسمت جنه و قالت : لا ابدا ، بس هو عبدالله بيشتغل عند حضرتك ايه بالظبط ؟

قال إياد : أولا ، بلاش حضرتك دي ، احنا مش اتفقنا إني زي أخوكي ، و بعدين يا ستي عبدالله تقدري تقولي عليه دراعي اليمين ، يعني مفيش مسمى معين لوظيفته.

سألت جنه : يعني هو حد بتثق فيه ؟

رد إياد بعصبيه : ايه هو احنا هنفضل نتكلم عن عبدالله طول الطريق !

لم تُرد جنه بأسئلتها سوى الاطمئنان على صديقتها سماح ، و التأكد أن عبدالله شخص ثقه ، و لكن يبدو أنها تعدت حدودها و الآن سيظن إياد أنها شخصيه فضوليه تتدخل فيما لا يعنيها .

و حدثت نفسها : دلوقتي هيقول دي ما صدقت أقولها أنا زي اخوكي و هتفتكر نفسها واحده من العيله.

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

أصرت ماهيتاب على اختيار مائدتهما في نهاية المطعم حتى تكون بعيده عن الأنظار و تتمكن من ممارسة لعبتها المفضله بدون أن يراها أحد من معارفها فلربما وصلت أخبارها إلى إياد.

قال هيثم متأففا : مش كنا قعدنا ع الطربيزه اللي فالنص دي.

ابتسمت ماهيتاب و قالت بدلال : ايه ده ، احنا يدوب وصلنا و بالسرعه دي ادايقت من طلباتي .

أمسك هيثم يدها وقبلها قائلا : ايه الكلام ده ، في حد يدايق و القمر جنبه ، أنا كنت أقصد إن الاضاءه هناك أحسن و أقدر أملي عنيا منك.

ضحكت ماهيتاب و قالت : هو القمر محتاج إضاءه .!

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

شعر إياد بالاستياء من نفسه ، و عدم مقدرته عل التحكم في أعصابه ، فلقد أزعجه اهتمام جنه و أسئلتها عن عبدالله …

عظيم ..فا هو الآن يشعر بالغيره من الموظفين تحت إمرته ، و لكنه سرعان ما نفض تلك الفكره من رأسه ، ليست غيره و لكنه خوف و إحساس بالمسئوليه تجاه جنه ، خاصه لو دخل في المشهد رجل آخر ، فمن خلال تعامله معها أحس بطيبتها الشديده و براءتها التي تثير فيه غريزة الحمايه ، و خير دليل على تلك البراءه ، هو سهولة اقناعها بالخروج معه هذه الليله.

عكس الليله الماضيه ، كانت تشعر بالقلق و كأن ما تفعله خطأ ، و لكن الليله بعد أن طمأنها بأنها في مقام أخته نسرين ، أخذت كلامه محل ثقه و صدقته.

و لثوانٍ أحس بتأنيب الضمير و لكنه سرعان ما عذر نفسه ، فهو يفعل ذلك ليجعلها تطمئن له و تخبره لِم َهربت من بيت أهلها و بالتالي يستطيع أن يقدم لها المساعده الملائمه لوضعها.

قال إياد محاولا كسر الصمت الذي خلقه بعصبيته : مش هتقوليلي رحتي فين ؟

سألت جنه : مش فاهمه ..تقصد ايه ؟

أجاب إياد : أقصد المكان اللي رحتيه زي ما حصل مع جدي.

أجابته جنه بصدق : حقيقي مش عارفه ، آه أنا فاكره المكان كويس و لو شفته هاعرفه ، بس للاسف معرفش هو فين و لا حتى ايه بالضبط .

أوقف إياد السياره بعد أن وصلا إلى وجهتهما و قال : بس كده هتتعبي لغاية أما تلاقي نصك التاني زي ما حصل مع جدي.

و كما توقع فقد احمرت وجنتاها خجلا ، فقال ليريحها من احراجها : وصلنا .

همت لتفتح الباب و لكنه استوقفها و قال : لا استني و ترجل من سيارته و التف ليفتح لها الباب قائلا بطرقه مسرحيه : اتفضلي يا أميرتي الصغيره .

ضحكت جنه برقه و قالت : متشكره يا سمو الأمير.

قال إياد بعد أن دخلا المطعم : و دلوقتي هتسمعي كلام أخوكي الأمير و تاكلي كويس مش زي اكل العصفوره بتاع امبارح.

قالت جنه بحماس : لا متخفش ، أنا جايه و ناويه آكل بضمير من غير وصايه .

سألها إياد : اشمعنى ؟

ردت جنه بمرح : مش أنا اللي هدفع .

و للمره الثانيه في هذه الليله شعر إياد بتأنيب الضمير فهو يعلم جيداً أنها لن تدفع ثمن هذا العشاء .

 

الفصل العاشر

” و اشتعلت نارُ الغيره ”

————————-
” وصلت كتب جديده انهارده و لسه محتاجه وقت عشان أصنفهم ..هاضطر اتأخر شويه ، متقلقيش ”

كانت تلك هي الرساله التي ردت بها جنه على رسالة صديقتها سماح و التي بعثتها مستفهمه عن سبب تأخرها .

لم تستطع جنه البوح بالحقيقه لصديقتها على الأقل ليس بمجرد رساله، فسماح لن تفهم ، نعم فهذا الصباح حذرتها بشده من أياد ، بالتأكيد لن تفهم أن هذا الشخص الذي تشك بدوافعه هو مصدر الأمان الوحيد لها ، فلقد غادرها كل من أحبت .

في البدايه والدها الذي لم تره قط في حياتها ، لتلحق به والدتها التي كانت هي عالمها بأسره ، و من ثم جدها ، حتى سماح رحلت عنها ، حتى و إن عادت الآن هل تضمن بقاءها ، لا أحد يستطيع أن يضمن القدر .

و شيء ما يحدثها بأن إياد لن يرحل أبدا من حياتها ، ألم يصر على البقاء معها في القسم مع أنه وقتها لم يكن قابلها قبل ذلك …

أخرجها من شرودها سؤال إياد الذي أنهى لتوه اخبار النادل بطلبهما : ممكن أعرف المسج دي من مين و لا ده سر ؟

أجابته جنه على الفور : لا مش سر و لا حاجه ، دي من سماح بتسأل اتأخرت ليه.

سألها إياد مازحا : و قلتلها بتتعشي مع أخوكي الأمير ؟

أجابته جنه بتلعثم : آه …طبعا .

دخل إياد في دوامه من الشكوك بعد ما لاحظ ارتباكها في الاجابه على سؤاله ، هل كذبت عليه ، و ممن تلك الرساله حقا ، لن يبقى في تلك الشكوك طوال الأمسيه عليه أن يختبرها .

سألها إياد بخفه : انتي متأكده إن المسج دي من سماح.

رفعت جنه كتفيها و أجابت : طبعا .

قال إياد متصنعا المزاح : طب وريني كده ، اتأكد .

و بدون تردد ناولته جنه الهاتف .

حرك إياد يده بالنفي و قال : انتي صدقتي ، أنا كنت بهزر.

أعادت جنه الهاتف إلى حقيبتها و على وجهها علامات الاستغراب من تصرفه .

أما هو فشعر بالحماقه الشديده ، و مشاعر أخرى لم يفهمها ، هل تولد لديه حب التملك تجاهها لدرجة أنه كان سيُجن لمجرد شكه بأنها تخفي عنه شيء ما، و أن من حقه معرفة أدق التفاصيل عن حياتها .

عليه التخلص من تلك المشاعرو بسرعه ، و الطريق الى ذلك سيتحقق بمعرفته ممَ تخاف و لم هربت من بيتها ، حينها سيستطيع مساعدتها، و ستختفي كل هذه المشاعر .

سألها بدون مقدمات : انتي عندك اخوات يا جنه ؟

أجابته جنه بحزن : أعتقد .

ضحك إياد على إجابتها الغريبه و قال : تعتقدي ! هو فيلم هندي و هتلاقيهم في النهايه ، ما هو يا عندك اخوات يا معندكيش.

فركت جنه يديها و قالت : أقصد معنديش ، ثم أضافت بمرح : بس دلوقتي بقى عندي أخ و أمير كمان .

ابتسم إياد لدعابتها ، ابتسامه لم تلامس قلبه ، فرغم تكراره طوال اليوم أنه بمثابة أخاها ، الا أن تلك الكلمه لم ترقه عندما خرجت من شفتيها .

حضر النادل و قام بوضع العشاء على المائده أمامها .

قال إياد بعد انصراف النادل : على فكره الأكل هنا كله دايت ، أصل صاحب المطعم دكتور تغذيه .

قالت جنه بحزن : ماما كان نفسها تتخصص في التغذيه .

سأل إياد : و ايه اللي منعها ؟

أجابته جنه باقتضاب : جدي أصر إنها تتجوز قبل ما تكمل الكليه ، و بعد ما بابا توفى بقت مسئوله عني و مقدرتش توفق بين الشغل و المذاكره.

أحس إياد بحب جنه الشديد لوالدتها ، و لكن يبقى اللغز ، لماذا هربت من البيت ، هل كان في الصوره زوج أم صعب المراس جعلها تفضل الهرب على المكوث مع والدتها ، الطريق الوحيد للتأكد هو بسؤالها .

سأل إياد آملا أن يلقى إجابه : شكلك متعلقه اوي بمامتك ، امال ليه سبتي البيت و جيتي هنا ؟

أجابته جنه و قد ملأت الدموع عينيها : ماما توفت من زمان .

شاهد إياد جنه و هي تحاول جاهده السيطره عل دموعها و عدم البكاء ، و لعن نفسه لأنه أثار حزنها و قال : أنا آسف إذا كنت دايقتك .

اكتفت جنه بهز رأسها بالنفي و أخذت تعبث بالطعام أمامها .

لم يشأ إياد أن يسبب لها المزيد من الضيق ، و لكن فضوله غلبه لمعرفة كيف كانت حياتها قبل مجيئها هنا، وجد نفسه يسأل : كنتي عايشه مع مين بعد ما توفت ؟

نظرت جنه إليه بصمت لثوان ، أحس فيها بترددها ثم قالت : مع قرايبنا .

أتبعت جوابها بسؤال : و إنت درست ايه ، أنا عارفه إنك مهندس بس لغاية دلوقتي معرفش تخصصك ايه ؟

سألت بصوت مليء بالمرح المزيف ، لم يعرف إياد هل أرادت أن تكسر الحزن الذي ساد قبل قليل ، أم تلك طريقتها في التهرب من الإجابه على المزيد من الأسئله .

أجابها إياد : هندسه معماري زي بابا الله يرحمه .

قالت جنه بمرح : يعني حضرتك مش بس أمير لا كمان فنان .

ضحك إياد و قال : هو احنا مش اتفقنا بلاش حضرتك ، و بعدين بالراحه عليا أمير و فنان كده هاتغر ، بس فعلاً العماره محتاجه موهبه و الموهبه دي ورثتها من والدي ، و أنا صغير كان دايما يلعب معايا بالليغو و كنا كل يوم نبني بيت شكل ، و لما كبرت شويه بقينا نروح الأرض بتاعتنا و نبني بيوت بالخشب و آخر مشروع عملناه سمناه بيت الشجره بس للاسف والدي توفى قبل ما نكمله .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

أثار حديث إياد عن والده الشجن في قلب جنه ، فهي قط لم تلتقِ بوالدها و عندما ذهبت للعيش مع خالها ، كان بعيداً كل البعد عن صورة الأب التي طالما رسمتها في مخيلتها ، أما عن مشروع إياد الأخير مع والده ، تساءلت جنه هل من المعقول …

قام إياد بفرقعة أصابعه أمام وجهها ليخرجها من شرودها قائلا ً : ايه يا دوده رحتي فين ؟؟؟

رمقته جنه بنظره حانقه و قالت : ايه دوده دي !!!!!!

ابتسم إياد و أجابها : دودة قرايه ، عشان كده تخصصك مكتبات مع ان مجموعك عالي جدا، أنا قريت السي في بتاعك وواضح جداً إنك بتعشقي القرايه .

عضت جنه على شفتها السفلى و سألته : انت قريتها كلها ؟؟؟

أجاب إياد و قد ازدادت ابتسامته : لو تقصدي الخاطره ، أيوه قريتها و الحقيقه أبهرني أسلوبك.

شعرت جنه بالاحمرار يغزو وجهها ، بسبب ما كتبته في تلك الخاطره.

قام إياد بالتنحنح ثم أكمل : خاطرتي بعنوان ” أنا و عشقي الأول ..القراءه ” .

صمت مفكراً ثم قال : كنت بتقولي إن القراءه ليست مجرد هوايه بل هي حياه …و ايه كمان يا إياد .. اها افتكرت ، من أحب الكتب عندك الروايات الرومانسيه و خاصة لما البطل بيكون …

قاطعته جنه و قد أخفت وجهها بيدها : خلاص ..كفايه .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

دخل إياد في نوبه من الضحك فطريقتها الطفوليه في إخفاء حرجها أغبطته ، أراد الاسترسال في أحراجها حتى يرى المزيد من الطفله بداخلها و لكنه أشفق عليها و قال من بين ضحكاته : آسف ، أنا كنت عايز اساعدك ، أصل طريقة كتابتك للسي في محتاجه شوية تعديلات ، بس الخاطره تاخد 10/10.

” طب و الأكل يا مان ”

التفت إياد و جنه في نفس الوقت ليريا من هو صاحب ذلك السؤال.

ثم قال إياد : مش محتاجه سؤال ، 10/10 يا دوك.

أجابه كريم : شكرا يا هندسه .

سأل إياد : هو انت مش كنت هتسافر انهارده ؟.

أجابه كريم : مكنتش فالمود ، ثم نظر إلى جنه وقال : ازيك يا جنه ، و قبل أن تجيبه أضاف : اسمحيلي اقلك جنه من غير ألقاب ، أصلي حاسس إني أعرفك من زمان و كمان مبحبش جو الرسميات اللي بتعملوه هنا .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

نظرت جنه مطولاً إلى صديق إياد ، كريم حسن ثابت ، تفرست فيه للحظات ، تدرس ملامحه و لكن للأسف لم تجد في وجهه شيئاً مألوفاً ، و قالت : أكيد يا دكتور.

أحضر كريم كرسياً و جلس على المائده و قال : ممكن اقعد معاكو شويه ؟

أجابه إياد : ما انت قعدت خلاص .

قالت جنه وقد وجدتها فرصه لمعرفة المزيد عنه و التأكد من شكوكها : اه طبعا اتفضل .

ثم سألت : هو حضرتك صاحب المطعم ؟

أجابها كريم : أيوه ، هو إياد مقلكيش ، و إن شاءالله هفتتح مطعم تاني و ده هيكون للأكلات الشعبيه بس بطريقه صحيه و مختلفه ، يعني هندخل شوية تكات أمريكاني للأكلات المصريه .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

دفع هيثم ثمن الفاتوره و همَ بمرافقة ماهيتاب و المغادره ، ليفاجأ بها تشهق و تعود للجلوس مره أخرى .

سأل هيثم بقلق : ايه مالك ، في ايه ؟

قالت ماهيتاب بتوسل : معلش خلينا قاعدين كمان شويه .

قال هيثم بفروغ صبر : بس كده هنتأخر عالبارتي .

أعادت ماهيتاب توسلها : عشان خاطري خلينا كمان شويه .

لاحظ هيثم نظرات ماهيتاب المصوبه خلفه ، التفت ثم سألها : هو في حد هنا مش عايزاه يشوفنا و لا ايه الحكايه ؟

أجابته ماهيتاب بضيق : أيوه ، ابن عمي و خايفه يشوفني و يعملي مشاكل مع ماما أصله يا سيدي معجب و عايز يتجوزني ، بس أنا مش بطيقه و لو شافني هيشغل الاسطوانه لماما ، بنتك محتاجه حد مسئول عنها والكلام الخنيق ده .

استدار هيثم مره أخرى لينظر خلفه و قال : هو فين ، انهي طربيزه ؟

أجابته ماهيتاب : اهي اللي ع اليمين ، جنب جروب البنات اللي هناك.

أشاح هيثم بنظره حيث أشارت ماهيتاب ليفاجأ بوجه تلك الفتاه، فتاه راس السنه .

سأل هيثم بلهفه : و البنت اللي قاعده دي أخته ؟

نظرت ماهيتاب مره أخرى و قالت : لا مش أخته .

سأل هيثم : امال مين و لا يمكن تبع اللي قاعد معاه ده .

أجابت ماهيتاب : تقصد كريم ، ملوش أخوات بس يمكن تبعه و لا يمكن الاتنين بيتسلوا عليها ، أصل كمان لبسها مش مستوى كريم خالص.

استمر هيثم في النظر لتلك المائده ، بالفعل هندامها متواضع جداً ، عكس شريكيها في المائده يرتديان بذلات من أرقى الماركات العالميه ، و ليست قريبه لأحد منهما ، اذن فقد صدق حدسه ليلة راس السنه و حدث نفسه : فعلا واحده من إياهم ، و لما شافتني مسطول خافت مدفعش تمن الليله ، و أنا فكرت إني ظلمتلك ، ده انتي مقضياها جوز فالليله.

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

استمر كريم بالتحدث عن نفسه و مشاريعه كما ألِفه إياد ، و لكن المختلف اليوم هو شعور إياد بالضيق ، و للمره الأولى استثقل إياد أن يكون كريم نجم المكان ، فكريم اجتماعي بطبيعته ، كثير الكلام و العلاقات ، و أينما حل ينصت الجميع لأحاديثه المشوقه ، فلديه كاريزما محببه إلى القلب ، و لطالما سَعُد إياد بالتغير الذي حل على صديقه فمن طفل منطو إلى الرجل اللبق الاجتماعي ، أما الآن تمنى لو أن باستطاعته أن يطفىء هذا البريق الذي يحيط بصديقه فمنذ جلوسه معهم لم تُزح جنه بنظرها عنه و كأنما نسيت أنه موجود و كأنما أصبحت أسيره لكل كلمه ينطقها صديقه .

سألت جنه : و ايه سبب اختيارك للطريقه الأمريكاني ؟

أجابها كريم : أصلي بقالي سنين عايش فامريكا ، و أنا صغير كنت بنزل هنا فالاجازات ، بس بعد ما خلصت دراسه وقتي متوزع نص هنا و نص فامريكا ، بس خلاص أخيرا قررت استقر في مكان واحد.

قالت جنه باهتمام : و أهلك عايشين فامريكا ؟

قال كريم : والدي مقيم دائم فامريكا .

سألت جنه بلهفه : ووالدتك ؟؟؟؟؟؟

وصل ضيق إياد إلى ذروته و بدون مقدمات نهض من مقعده و قال قبل أن يجيب كريم على سؤال جنه : احنا لازم نمشي ..كده هتتأخري.

شاهد إياد جنه تنتفض من مكانها هي الأخرى ، ثم أمسكت بحقيبتها و قالت : حاضر بس استنى ادفع الحساب الأول.

تدخل كريم قائلا بمرح : حساب ايه اللي تدفعيه ، الأكل هنا مجاني لإياد و كل مَن مع إياد .

قالت جنه بحرج : بس إياد …

قاطعها كريم :بس ايه ، هو في ايه يا إياد … انت عامل فيها مقلب ما إنت عارف إني موصي الموظفين مياخدوش فلوس منك .

قال إياد بضيق : حاجه كده ، ويلا احنا اتأخرنا ، عن اذنك.

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

قال هيثم : اهم قاموا ، يلا بينا.

قالت ماهيتاب بعصبيه : يا سلام على ذكائك ، استنى أما يخرجوا.

أراد هيثم الخروج و اللحاق بهم لمعرفة عنوان تلك الفتاه و لكن من المحتمل جداً أن تقضي الليله برفقه ابن عم ماهيتاب .

قال هيثم بعد أن غادروا المطعم : يلا بقى هنتأخر.

كان هيثم يحث الخطى للحاق بهم ليفاجأ عند خروجه من البوابه بشهقه أخرى من ماهيتاب : يا نهار اسود.

قال هيثم بنفاذ صبر : ايه في ايه تاني ؟؟؟

قالت ماهيتاب بحنق : بص قدامك ، مش شايف الراجل اللي بيصور ده .

رد هيثم بعصبيه : و احنا مالنا بيه .

قالت ماهيتاب بغضب : يعني ايه مالنا بيه ، ده شكله خاد صوره لينا وبكره الاقيها نازله فكل مكان .

تأفف هيثم و قال : طب ماتنزل ، هيحصلك ايه يعني .

قالت ماهيتاب : انت اتجننت ، بدل ما تروح تكسر الكاميرا دي على دماغه .

شاهد هيثم ماهيتاب تتقدم باتجاه ذلك الرجل ، و ركب سيارته غير عائبا بها ، فعليه أن يلحق بتلك الفتاه.

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

أطفأ الكاميرا و استعد معتز لينطلق خلف سيارة إياد الحداد ، فلليله الثانيه على التوالي يسهر برفقة تلك الفتاه ، فتح باب سيارته لينهال عليه وابل من الشتائم ، استدار ليرى من صاحبة ذلك اللسان السليط و قال : حضرتك تقصديني أنا ؟

أجابته : امال مين خيالك ؟

أمعن معتز النظر إليها ، نعم تلك ماهيتاب خطيبة إياد الحداد السابقه ، فالشهر الماضي قام بجمع المعلومات عنه و مما توصل إليه أن فسخ الخطبه جاء غير موافقا لهواها .

سددت ض*ر*به إليه بحقيبتها و قالت : أنت ازاي تجرؤ و تاخد صوره لينا .

أجابها معتز بخبث : أنا كنت بصور ابن عمك و حبيبته .

سألت ماهيتاب باهتمام : حبيبته ؟ و انت تعرف ازاي شكل علاقتهم ، و ازاي تعرفني أساسا ؟

صفق معتز لنفسه ، لقد ألقى قنبلته و صدق توقعه فلقد غضبت من ذلك الخبر و ها هي الفرصه سانحه أمامه للحصول على المزيد من المال و الأهم ربما كانت ماهيتاب طريقه للوصول إلى المزيد من الفضائح في ذلك المجتمع الراقي .

قال معتز : ا مممم انتي كده عايزه التفاصيل ببلاش .

قالت ماهيتاب بعصبيه : طب عايز ايه .

قال معتز : طب ايه رأيك اوصلك و نتفاهم ، بما إن صاحبك ركب عربيته و مشي يجي من خمس دقايق.

نظرت ماهيتاب حولها ثم قالت : مش قبل ما تقولي انت بتراقب إياد ليه و الاصح تبع مين ؟

قال معتز : مش حد غريب ، جوز أختك .

قالت ماهيتاب باستخفاف : و ايه اللي يأكدلي كلامك ؟

أخرج معتز بطاقه من جيبه و قال : ادي الكرنيه بتاع الشغل .

قالت ماهيتاب بهدوء : انا بقى مش عايزه معلومات عن اياد ، عايزه اعرف كل حاجه عن البت دي و كله بتمنه.

اتاها رد معتز سريعا : و انا تحت أمرك.

قالت ماهيتاب : يبقى كده deal

لم تكن مواعدة الفتيات و السهر لليالي متتابعه بدون رابط رسمي من شيم إياد ، و سهره مع تلك الفتاه لليلتين متتاليتين له معنى واحد فقط ، أنه حتما سيخطبها ، لذا عليها معرفة التفاصيل حتى يتسنى لها إعداد العده و القتال في سبيل الحصول على إياد مره أخرى، فلن و لم يخلق من يتركها ، فالكلمه الأخيره ستكون لها دوما، و فسخ خطبتها من إياد كانت أكبر طعنه وجهت لكبرياؤها و أنوثتها في نفس الوقت ، و الأدهى إن اتخذ إياد تلك الفتاه زوجه له ، فمن منظرها يبدو أنها من أسره متواضعه ، اه كم ستكثر شماته الشامتين بها ، يترك ماهيتاب ذات الجمال و الحسب و يتزوج بتلك الحشره ، لا لن يحدث ذلك ، على الاقل بدون قتال ، ففي الحب و الحرب كل شيء مباح كما يقولون ، و بالحب تعني حبها لذاتها بالتأكيد.

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

غلب القلب على العقل و الكرامه و بالتأكيد الأمانه ، فا هي تلبس خاتم رجل و تقف على نافذتها للاطمئنان على وصول رجل آخر ، رجل شغل قلبها و كيانها لسنوات ، لم يكف إذلالها هذا الصباح لتتغلب على تلك العاده ، فهي تعلم جيداً أنه لن يغمض لها جفن حتى تطمئن على سلامته.

و لحسن حظها لم يدم الانتظار طويلا هذه الليله فلقد رأت سيارته تدخل إلى الفيلا ، تابعت تحركاته حتى وقف في تلك البقعه التي طالما رفع رأسه و نظر إلى نافذتها منها .

و بالفعل رفع رأسه …آه …هل أرسل لها قبله في الهواء ، أم تراءى لها ذلك !

انشغلت نسرين بحيرتها ثم شاهدته يشير بيده ناحية نافذتها ، ثم رسم قلباً في الفراغ و من ثم ربت بيده على صدره ، و غادر بعد أن وصل صدى ضحكته لمسامعها.

همست نسرين ، حقير ، فما زال مصراً على تذكيرها بذلك الموقف المذل ، حسنا الليله حتما ستضغط زر delete له من قلبها.

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

صمت رهيب ساد طريق العوده ، فلم تجرؤ جنه على التفوه بكلمه ، فمنذ مغادرتهم المطعم أحست بالتغير الرهيب في تصرفات إياد ، و احتارت في السبب ، هل كان السبب هو تباسطها مع صديقه كريم ، أيظن أنها تحاول فرض نفسها بالقوه على محيطه و أصدقائه .

لقد غضب سابقا ً من سؤالها عن عبدالله ، و ربما سبب ضيقه الآن هو أسئلتها لكريم ، و الأهم من ذلك أنه ما كان عليها أن توافق على العشاء معه ، صحيح أنها متيقنه من دوافع إياد ، و لكن ماذا عن البقيه ، ماذا لو رآها شخص يعرفها ، هل سيُحسن النيه و تذكرت انضمام كريم لهم ، بالفعل منظرها يثير الشبهات لمن يعرفها.

فتاه تسهر برفقة شابين لا تجمعها بهم سوى معرفة شهر أو أكثر بقليل .

بالفعل أخطأت و خطأ فادح للغايه .

أذعن إياد لإشارة المرور هذه المره و أوقف السياره ، حمدت جنه ربها في السر ، فالاشاره السابقه تخطاها و لولا ستر الله لكانا الآن إما في المشفى أو في عداد الم*و*تى .

قال إياد و هو يفك ربطة عنقه : أنا هنزل اجيب حاجه اشربها .

بعد لحظات عاد و بيده قدحين من مشروب ما .

مده يده بأحدهما لها متأففا ناظرا أمامه و دون أن يقول شيئا .

شعرت جنه بالحرج و بأن وجودها غير مرحب به فقالت : متشكره ، بس مش هقدر اشرب حاجه.

انطلق إياد بالسياره مجددا ، ثم ألقى القدحين من النافذه و قال : ان شاءالله عنك ما شربتي.

تبدد الحرج ليحل مكانه الغضب من أسلوبه معها الآن و قالت بحده : لو سمحت وقف العربيه ، انا هنزل و آخد تاكسي .

رد إياد بعنف : عشان خاطر ميتينك يا شيخه ، بطلي شغل العيال ده .

قالت جنه بعصبيه : انت بتعاملني كده ليه ، هو أنا اللي اتحايلت عليك عشان نتعشى سوا ، ولا اترجيت جنابك عشان توصلني ، أنا مش هاغلب و المواصلات كتير ، وقف لو سمحت .

ض*ر*ب إياد بيده على المقود و قال : قلتلك بطلي شغل العيال ده .

ردت جنه مغتاظه : أنا بعمل شغل عيال ، و لا حضرتك ، كنت عارف و متأكد إن صاحبك موصي الموظفين مياخدوش فلوس تمن العشا ، و انا بما إني مغفله صدقت إنك هتقبل عزومتي عشان القسط و طبعاً حضرتك طول القعده مستمتع بلعبتك ، مين بقى اللي بيتصرف تصرفات العيال .

قال إياد بهدوء يخفي كثيرا من الغضب : حاسبي إنتي بتقولي ايه .

قالت جنه بصوت حزين : و انت محاسبتش ليه على شكلي ، كنت واقفه زي الهبله قدام صاحبك…

قاطعها إياد و قال بعنف : آه ، ماله صاحبي بقى ، يهمك فايه شكلك قدامه .

ردت جنه بأسى : و لا حاجه ، لا إنت و لا صاحبك تهموني فأي حاجه .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

بركان ، تلك الكلمه التي تصف المشاعر التي عصفت بإياد في الساعه الأخيره ، ألهذه الدرجه أخلت جنه بتوازنه فأصبح مهووساً بها ، يغضب إن سألت عن أحد الموظفين ، ثم يُجن لمعرفة مَن يراسلها ، هل ظن أن ذلك أحد حقوقه البديهيه ، من الواضح أنها لا تشاطره نفس الرأي ، أو نفس ذلك الشعور الجامح كلها رآها.

فبمجرد وصول صديقه نست تماماً أنه موجود و كأن ما يقوله كريم هو نغمات تطرب آذانها ، وبالتأكيد لن ينسى تلك اللحظات التي قضتها تتفرس في ملامح صديقه ، و هي التي بالكاد تنظر إلى وجهه ، وتأبي دائما أن تتلاقى نظراتهما سوى لخطفات من الثانيه .

إن علمته الليله شيئا ً فهي أن عليه العوده إلى قواعده ، فكم المشاعر التي تثيرها في نفسه ربما أدت إلى عواقب غير محموده ، ألم يكد أن يتسبب في حادث قبل قليل ، هل ينتظر حتى يجد نفسه في ورطه أخرى كما فعل سابقا بارتباطه بماهيتاب ، و التي كانت بسبب مشاعره القويه تجاه ساره آنذاك ، لا ، لن يكرر ذلك السيناريو ، و ربما أوقعته جنه في سيناريو أسوء من ذلك .

أوقف السياره أمام بيت الطالبات ، ليجدها تعبث في حقيبتها مخرجه الهاتف ثم وضعته على التابلوه قائله : اتفضل .

وجد إياد نفسه يمسك بحقيبتها واضعا الهاتف بها و هو يقول بعصبيه شديده : يخربيت سنين الموبايل ده .

لتقول جنه بغضب : انا من بكره هروح للظابط و اعفيك من المسئوليه ، متقلقش.

و نزلت تغالب دموعها ، وانطلق هو متصارعا مع غضبه …

الفصل الحادي عشر

” مَنْ جُنَ حقاً ؟ ”

———————

” أرجوكي يا سماح ، أرجوكي سبيني دلوقتي ، أنا حتى مش قادره اتنفس ”

رقدت سماح في فراشها حزينه عل حال صديقتها ، و لكنها تعي جيداً السبب ، فلليله الثانيه على التوالي تصل جنه في ساعه متأخره و في سيارة إياد الحداد.

ربما هي غير مستعده بعد للتحدث و الافضاء بما أزعجها، لذا انصاعت سماح لتوسلاتها و لم تُلح لمعرفة سبب تكدرها ، ستتركها الليله تهدأ و من ثم ستحدثها في الأمر غداً .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

قبَلت ساره ابنتها النائمه ، و جلست بجوارها تقرأ لها ما تيسر من آيات القرآن الكريم ، راجيه الله أن يحفظ ابنتها من كل سوء .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

تقلب رمزي في فراشه فللمره الخامسه تصحو ساره من نومها وتتجه إلى غرفة ابنتهم ، أزاح الأغطيه و نهض عازماً على معرفة سبب قلق زوجته هذه الليله .

وقف رمزي على باب الغرفه يستمع لتلاوة زوجته بصوتها الأجش ، اقترب للداخل و قبل زوجته ثم قال : صدق الله العظيم ، يلا يا حبيبتي عشان تلحقي تناميلك ساعتين .

ابتسمت ساره و تبعت زوجها ، و في داخل غرفتهم سأل رمزي : مش هتقوليلي ايه اللي مطير النوم من عينك الليله ؟

قالت ساره بحزن : رولا .

سأل رمزي : مالها صاحبتك ؟

أجابت ساره : أنا ياما نصحتها بس هي صممت تمشي ورا عواطفها و آدي النتيجه .

قال رمزي : و الله ما أنا فاهم حاجه .

قالت ساره بأسى : خطيبها بيهددها بصور و عايز منها مبلغ و قدره .

سأل رمزي بقلق : و خطيبها هيهددها ليه و صور ايه دي ؟

أجابت ساره بحرج : أصلها كانت عايزه تفسخ الخطوبه ، بعد ما عرفت أنه طمعان في فلوس أهلها ، بس ربنا يهديها كانت بتعمل تجاوزات معاه ، و الندل كان بيصورها و دلوقتي ياما تدفعله فلوس ، ياما هينشر صورها ع النت و يبعتها لكل معارفهم .

قال رمزي بحنق : تستاهل ما هي لو واحده محترمه مكنتش تقبل تعمل كده من الاول .

ردت ساره : و الله محترمه و أهلها ناس قمه في الاحترام و الأخلاق بس هو الشيطان أوقات بيزين الحاجات الحرام و حتى لو هي أذنبت ، ايه ذنب أهلها يتفضحوا ، دول ناس طيبين اوي .

ثم أضافت : متقدرش انت يا رمزي تشوفلها حل أو تكلم خطيبها .

قال رمزي مفكرا : في شرطة مباحث الانترنت ، تقدر تقدم شكوى و هما هيساعدوها.

قالت ساره : طب ايه رأيك نروح أنا و انت معاها ، أصل هتبقى بهدله عليها تروح أقسام .

رد رمزي بعنف : احنا مالنا بيها ، خليها تتحمل نتيجة غلطها .

قالت ساره متوسله : عشان خاطري يا رمزي ، احنا عندنا بنت ، حط نفسك مكان أهلها تخيل لو لا قدر الله بنتنا وقعت فمصيبه مش هتحب حد يقف جنبها و يساعدها.

قال رمزي بحده : تفي من بؤك ، احنا هنربي بنتنا أحسن تربيه…

قاطعته ساره : ما أهلها برده ربوها أحسن تربيه ، و رولا دي تتحط ع الجرح يبرد و مع ذلك غلطت ، احنا هنعمل خير عشان يتردلنا في بنتنا .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

جلس إياد برفقة نسرين يتناولان طعام الإفطار في الحديقه ، فكلاهما يعشقان رائحة الهواء التي تحمل في طياتها آثار المطر ، أما والدتهما و جدهما فآثرا البقاء بالداخل .

قالت نسرين معاتبه : بقالنا كتير مقعدناش و فطرنا سوا فالجو ده .

سيطر الاحساس بالذنب على إياد ، فنسرين محقه ، ففي الفتره الأخيره انشغل عن عائلته و خاصه نسرين ، فهي مقدمه على خطوه هامه جداً في حياتها ، و منذ بداية خطبتها خالجه شعور قوي بأنها غير مقتنعه بما تفعله .

رد إياد معتذراً : معاكي حق ، أنا فعلا كنت ملهي مع نفسي و يدوب قادر أركز فالشغل ، بس احنا فيها أخبار أختي الغلباويه ايه ؟

وضعت نسرين كوب الشاي على المائده و قالت : أخبار ايه ، ده انت اللي باين عندك أخبار و جامده كمان .

أراد إياد النفي ، فأوقفته بإشاره من يدها و قالت : تؤ تؤ تؤ اوعى تنكر لسه قايل بعضمة لسانك ، إنك ملهي و مش مركز فالشغل ، و إياد الحداد مش ممكن دماغه متركزش فالشغل إلا لو كان في سبب قوي و قوي جدا كمان .

ضحك إياد و قال : انتي شكلك عايزه تتهربي من الاستجواب اللي هاعملهولك فقلتي تقلبي الطرابيزه ، بس على مين أنا فاهمك و حافظك ..
ثم أضاف بصوت حانٍ : أنا ليه عندي احساس قوي إنك مش سعيده بخطوبتك من رائد .

همت بالرد و لكنه قاطعها و قال : متخبيش عليا يا نسرين ، و لو انتي مش مستريحه أو مدايقه من حاجه يا ريت تقولي …..

” good morning و لا اقول صباح الانسجام”

قطع ذلك الصوت استرسال إياد في الحديث و التفت ليشاهد صديقه كريم قادماً باتجاههم .

جلس كريم على المائده يتوسط كلا من نسرين و إياد : ايه مالكم محدش بيرد الصباح ليه !

انتقل كريم بنظره بين إياد و نسرين ثم قال : لا ده أنا باين وجودي غير مرحب بيه بالمره ، أقوم أحسن .

أمسكه إياد من معصمه و قال : اقعد اقعد ، انا بس كمان شويه هاقوم ورايا معاد مهم .

سأل كريم ضاحكا : معاد مع الموزه بتاعة امبارح ؟

رد إياد بحده : كريم مش وقته الكلام ده .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

نسيت نسرين قرارها بتجاهل كريم ، و سألته و قد غلبها فضولها : تقصد مين ؟ و ايه اللي حصل … أرجوك تسيحله !

أجابها كريم : صاحبتك جنه ..

نظرت نسرين إلى إياد غير مصدقه و قالت : جنه !

أضاف كريم : Yes … كانوا بيتعشوا عندي فالمطعم .

قال إياد منزعجاً : مش مكسوف من نفسك ، امتى هتبطل شغل العيال ده !

سألت نسرين : يعني الكلام ده مش صحيح .

قال كريم مؤكدا : و أنا هاكدب ليه يعني !

قال إياد بحزم : الحكايه و ما فيها ، كان عندها مشكله و كنت بساعدها مش أكتر .

قال كريم ساخراً : فعلا في امريكا بيقولوا العشا مع شمعتين بيساعد جداً في حل المشاكل .

ثم أضاف : و إن شاء الله قدرت تحل المشكله ، و لا محتاج مساعدة صديق ،انت عارف أنا رقبتي سداده .

ضحكت نسرين و قالت : كفايه بقى يا كريم ، بس أنا لحد دلوقتي مش مصدقه بقى جنه القطه المغمضه دي قدرت تتوغل و تنفذ و تكسر القفل الحديدي اللي حاطه على قلبك !

رد إياد بعصبيه : انتي هتعومي على عومه .. دي بنت غلبانه و كنت بساعدها ، لا أكتر و لا أقل .

قال كريم بخبث : اها يعني الطريق أمان لو في حد صاحبنا معجب بيها ، تبقى طريقه بيس يا مان .

رد إياد بفتور : أنا مالي ، ربنا يوفقها و يوفقه .

ثم انصرف متعللاً بذلك الموعد.

كانت نسرين مستمتعه بالحديث مع إياد و كريم ، و كعادتهم دوماً لم يخلو حديثهم من المرح ، و لكن ما أفسد متعتها الآن هو تذكرها التوتر الذي خلقته مع كريم بفعلتها تلك ، نعم للحظات نسيت نفسها و غلبتها عادتها ، فلطالما أحبت الاشتراك في المزاح مع كريم و استفزاز أخاها الرصين .

و لكن ما أزعجها حقا الآن هو سؤال كريم الأخير ، هل حقا هو معجب بجنه ؟

و لِمَ لا ؟ فجنه فتاه جميله ، ألهذا السبب نفى إياد أن يكون معجبا بها ، ألأنه أحس بمشاعر صديقه نحوها !

أخرجها سؤال كريم من شرودها : سرحتي فايه … اوعي تقوليلي في مستر رائد بتاعك ، لأنه مستحيل أصدق .

تعلم جيدا أنه أراد استفزازها ، و لكن هناك ما هو أهم تود التيقن منه .

سألته مباغته : انت ايه رأيك في جنه ؟

رأت الدهشه في عينيه ثم قال : و يهمك فايه رأيي فيها ؟

ابتسمت نسرين و قالت :لا اوعى تكون فهمتني غلط ، أنا بس عايزه اطمن على إياد ، مش لسه حضرتك كنت بتلمح أنه معجب بيها .

تنهد كريم و قال : و أنا هجاوبك بصراحه ، مع إني مشفتهاش و لا كلمتها غير تلات مرات بس حاسس إني أعرفها من زمان ، مش عارف ليه بحس براحه غريبه اوي ناحيتها …

قاطعته نسرين وقالت مغتاظه : أنا سألتك رأيك فيها ، مش طلبت منك تسمعلي قصيدة شعر.

ثم غادرت مسرعه و لم تلاحظ الابتسامه العريضه التي ارتسمت على شفتي كريم.

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

نظرت جنه إلى هاتفها الملقى على مكتبها و قالت محدثه نفسها : مين يصدق إن موبايل يعمل المشاكل دي كلها ، مكنش لازم أوافق و آخده من البدايه ، على رأي سماح لازم ابطل عبط.

و تذكرت التأنيب الشديد الذي تلقته من سماح بعد أن روت عليها هذا الصباح ما حدث الليله الماضيه ، ترى هل سماح محقه في تخوفها من إياد؟

صفعت جنه وجهها و عادت لتحدث نفسها : فوقي انتي لسه بتفكري فيه ، مشفتيش اتجنن ازاي امبارح لما كلمتي صاحبه ، صحيح بيساعدك ووقف جنبك و كتر خيره ، بس مش معنى كده إنه هيتشرف بيكي و يقول دي زي أختي قدام الناس .

انتي بالنسباله زي الصدقه ، ايده الشمال متعرفش اليمين ادت ايه !

مسحت جنه دمعه نزلت رغما عنها ، و تذكرت مشكلة سماح و كيف بانشغالها نسيت وعدها لها بالذهاب و البحث عن عنوان تلك المرأه .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

قام رمزي باستدعاء معتز إلى مكتبه للاطلاع على آخر تطورات المهمه التي كلفه بها بخصوص إياد …

سأل رمزي : ها عملت ايه ؟

قال معتز بهدوء : شوف يا فندم أنا عندي صور لإياد الحداد و هو مقبوض عليه مع واحده و شكلها كده مش تمام.

قال رمزي بلهفه : انت بتتكلم جد .. طب هو دلوقتي فالحجز و ليه مقلتش من بدري ؟

أجابه معتز : لا حجز ايه ، أنا هافهم حضرتك ، لما كلفتني بالمهمه بدأت اجمع معلومات عنه ، و لما شفته كنت متأكد إني صورته قبل كده ، فين و ازاي مكنتش فاكر ، فضلت ادور فالصور اللي عندي لغاية أما عترت فصورته دي .

سأل رمزي بفتور : يعني الحكايه قديمه ؟

أجاب معتز بسرعه : لا قديمه ايه .. القبض عليه كان في ليلة راس السنه ، بس لما رحت ودعبست عرفت إنه خرج فليلتها ، بدون أي تهمه .
قال رمزي : يعني طلعت على فشوش .

أجابه معتز بثقه : لا فشوش ايه ، اسمعني للآخر ، هو صحيح خرج منها بس البت اللي اتمسكت معاه قالت إن في شخص حاول يعتدي عليها ، و قالت إنها مقدرتش تشوف الشخص ده ، لان الدنيا كانت ضلمه اوي ، و كمان رفضت تدي عنوانها للظابط و مخرجتش الا تحت كفالة إياد الحداد.

قال رمزي : مش فاهم ، عايز توصل لايه ؟

أجابه معتز مبتسماً : أنا بقالي فتره برسم و اتكتك ، بس عايز اجمع شوية معلومات عن البت دي، لانه فايدها هيكون نجاح الخطه اللي رسمتها .

سأل رمزي : خطة ايه ؟

قال معتز : لو احساسي طلع صح ، و البت دي هربانه من أهلها ، يبقى بالصور اللي عندي نقدر نهددها و نخليها تغير أقوالها و تدعي إن إياد هو نفس الشخص اللي حاول يعتدي عليها ، حتى لو التهمه مثبتتش عليه ، كفايه بس إننا ننزل اللقاء معاها فالجريده و فضيحته هتبقى بجلاجل.

قال رمزي بحزم : طب انت اجمع معلوماتك الاول عن البت دي و متتخذش أي خطوه معاها بدون ما ترجعلي .

و بقي رمزي يتساءل لم شعر بالضيق الشديد من خطة معتز ، فإياد فعلا يستحق الفضيحه ، ألم يحاول استدراج زوجته إلى شقته و .. ، و لكن ما ذنب تلك الفتاه !! !

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

قالت جنه محدثه نفسها : هو الراجل ده مبيفكرش الا في بطنه .

لقد اختفي الساعي مره أخرى معطلا جنه عن المغادره ، عليها الآن أن تنتظر عودته ،و دعت في سرها أن يكون ذاهب لقضاء حاجته ، و ليس كما يفعل دوما للتسامرو مشاركة العشاء مع حارس البنايه المقابله للمكتبه .

عادت و جلست على مكتبها ، تاره تعبث في هاتفها ، و تاره في جهاز الحاسوب ، و من حين لآخر تنظر إلى البوابه على أمل أن يعود الساعي قريبا .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

لم يسلم اليوم أي من الموظفين من غضب إياد ، فقد أمضى ليلته ينفث غضبه في كيس الملاكمه الموجود بغرفته ، و ما إن هدأت أعصابه حتى عاد هذا الصباح لنفس الحاله ، و السبب هو ذلك الحديث مع نسرين و كريم عنها .

على أحدهم أن يذكر اسمها فقط لتنتابه تلك المشاعر الجامحه من جديد .

أخذ إياد نفسا عميقا ، فكل مشكله و لها حل ، و الحل هنا يتحقق بالتفكير بالعقل و تنحيه المشاعر ، اذن فجنه مجرد فتاه تحتاج إلى مساعدته ، أما شعوره تجاهها فهو شعور بالمسئوليه فقط .

أما عن غضبه طوال اليوم فبالتأكيد هو غاضب من تصرفه الأرعن معها ليلة أمس و ربما نفذت قرارها و ذهبت للضابط.

و بالتالي عليه الآن أن يذهب للمكتبه فقط ليتأكد من عدم مضيها فعليا في هذا القرار .

و في غضون دقائق كان في سيارته متجها الى المكتبه .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

تأففت جنه فللمره المليون تفشل في تخطي المستوى الأول لأحد الألعاب الموجوده على هاتفها ،وضعت الهاتف في حقيبتها و تمتمت : اهو انت مش جاي من وراك غير الهم ، خليني في الكتب أحسن، بفهمها و تفهمني.

همت جنه بالنهوض و إحضار أحد الكتب عندما لمحته بطرف عينها ، و ببطء شديد دخل المكتبه ، و اتجه إلى ركن الكتب المصوره .

رقص قلبها فرحا لعودته ، فلقد ظنت أنها أخافته عندما لحقت به المره الماضيه ، و لكن يبدو أن هذا الشقي الصغير لا يخاف بسهوله .

بقيت جالسه في مقعدها تراقبه من بعيد ، فلقد أحدثت ثغره عمداً في رف الكتب المصوره حتى يتسنى لها رؤيته إن عاد .

لاحظت جنه وجود كدمه سوداء على عينه اليمنى ، انفطر قلبها حزنا ، نهضت من مقعدها و سارت بهدوء شديد نحو ركن الكتب المصوره .

شاهدته عن قرب ، و لم تكن مجرد كدمه سوداء ، بل هناك جرح في ذقنه و يده اليسرى مليئه بعلامات على ما يبدو من آثار حرق ما .

بقيت للحظات تحملق فيه ، أما هو فمثل المره الماضيه ، التفت يمينا و يسارا ليتأكد من خلو المكان ، و لكنه اليوم قام بإخراج كتابا من سترته ووضعه على الرف ، ثم أخفى الكتاب الذي كان يطالعه مكانه .

ابتسمت جنه فصغيرها ليس بسارق ، هو فقط يستعير الكتب ، ثم يعيدها ، و تساءلت أي أسره تلك التي تض*ر*به و تهمله و في نفس الوقت تزرع وازع الأمانه في داخله .

لن تكتفي بالمشاهده عليها مساعدته ، فبشكل أو بآخر يذكرها هذا الصغير بحياتها القاسيه في بيت خالها .

خرجت جنه من خلف الرف ، و دخلت الممر الموجود به ثم اقتربت منه و قالت : ازيك يا حبيبي، أنا مبسوطه إنك رجعت تاني .

تسمر الصبي في مكانه و ظهرت علامات الفزع على محياه ، فقالت جنه : متخفش ، انا بس عايزه اتكلم معاك شويه ، ممكن ؟

بقي متسمرا في مكانه ، و لم ينطق بحرف ، قالت جنه : انت بتحب الكتب اللي فيها صور …صح ؟

أومأ الصبي لها برأسه .

قالت جنه : و أنا كمان ، كده ينفع انا و انت نبقى صحاب .

ابتسم لها فقالت : أنا اسمي جنه ، و انت يا بطل اسمك ايه ؟

نظر الصبي إلى الأرض ثم عاد بنظره إليها و قال : الست بتقولي يله ، و العيال محمد .

انفطر قلب جنه أكثر عند سماعها إجابته و سألت برقه : الست ..تقصد مامتك ؟

هز الصبي رأسه بالنفي و قال : هي بتقول إنها أمهم و بس .

سألت جنه : طب انت فين مامتك ؟

” آنسه جنه ، آنسه جنه انتي لسه هنا ؟ ”

ظهر الخوف على وجهه فور سماعه صوت الساعي ، قالت جنه مطمئنه : ده عمو فريد ، و هو طيب خالص .

و لكن لم تنجح محاولتها في طمأنته ، ثوان و كان خارج المكتبه .

قالت جنه للساعي على الفور : أنا مروحه ، تقدر تقفل المكتبه يا عم فريد .

حملت حقيبتها و غادرت المكتبه ، وقفت على البوابه تنظر يمينا و يسارا تبحث عنه ، وجدته يسير بالقرب من كشك الصحف ، و من ثم دخل في أحد الشوارع الفرعيه .

انطلقت جنه تحث خطاها للحاق به ، توقفت عند ذلك الكشك و نظرت باتجاه الشارع الفرعي ، وجدته قد وصل إلى نهايته ، لحقت به مسرعه …و صرخت مناديه محمد استنى شويه …

و لكن يبدو أن نداءها أتى بنتيجه عكسيه فلقد أسرع بالعدو هارباً منها ، لم تجد جنه بداً سوى بالعدو خلفه و استمرت تتبعه من شارع لشارع ، تلهث و قد انقطعت أنفاسها ، و إذ بيد أحدهم تجثم على كتفها و صوت غاضب يقول : ” انتي اتجننتي !!! ”

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

ألقت سماح التحيه على الفتيات الملتفات حول شاشة التلفاز في الصاله الموجوده في الطابق الأرضي للسكن ، و ذهبت لاستقلال المصعد إلى شقتها ، عندما استوقفتها إحدي الفتيات قائله : استني يا سماح …

قالت سماح : خير …

– في ست كبيره جت من حوالي نص ساعه و عايزه تقابلك .

– مقلتش اسمها ايه ؟

– بتقول الحاجه رقيه .

– هي فين ؟

– في مكتب المشرفه .

– طب أنا هاروح أشوفها عايزه ايه .

طرقت سماح الباب و دخلت ، حيتها المشرفه و استأذنت تاركه المجال لها للحديث مع تلك المرأه .

مدت سماح يدها و قالت : ازيك يا حاجه رقيه ؟

– الحمد لله ، ازيك انتي يا بنتي !

– الحمد لله ..خير كنت عاوزاني فايه ؟

ابتسمت الحاجه رقيه و قالت : الظاهر انتي مش عارفاني … أنا أم عبدالله .

زفرت سماح بقلق ، فهي بالتأكيد غير مستعده للحديث الذي ستجريه معها أم عبدالله .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

زفر إياد بقوه و تساءل من فيهما الذي جُنَ حقاً !

هو الذي ظل لحوالي الساعه قابعاً في سيارته أمام المكتبه متردداً هل يدخل و يُحادثها ، أم عليه فقط أن يتبعها ليرى إن كانت حقا ستذهب إلى قسم الشرطه .

ساعه كامله قضاها حائراً ، ليجدها تخرج من المكتبه كالتائهه تلتفت يمينا و يسارا ، ثم و كأنها وجدت ضالتها لتنطلق مهروله بسرعه و عندما اختفت في ذلك الشارع الفرعي جُن عقله ، ترجل من سيارته و لم يجد بداً سوى اللحاق بها للاطمئنان عليها .

استدارت جنه لتقول بأنفاس متقطعه بعد أن رأته : خضتيني ..حرام عليك .

رد إياد بعصبيه : خفتي مني ؟ لكن مخفتيش و انتي بتجري من شارع لشارع متعرفيش حتى رايحه فين ؟

قالت جنه بصوت متقطع من آثار العدو : مين قالك معرفش رايحه فين ؟

رمقها إياد بنظره مليئه بالسخريه و قال : طيب يا شاطره ،احنا فين دلوقت ؟

نظرت جنه حولها ثم قالت : هنكون فين يعني ، في الشارع .

و تابعت قائله : هو انت كنت ماشي ورايا ؟

أجابها إياد : أنا اللي أسأل مش انتي ، ايه اللي خلاكي تخرجي زي المجنونه و تجري كده من شارع لشارع ؟؟؟

تنهدت جنه و قالت : اسمع يابشمهندس ، زي ما قلت كنت بجري من شارع لشارع ، فأنا تعبانه و مجهده و مليش خُلْق أكمل التحقيق ده .
ثم ثبتت حقيبتها على كتفها و قالت : عن اذنك .

جذبها إياد من مرفقها و أعادها إلى مكانها السابق في مواجهته و قال : ما هو انتي مش هتزحزحي من مكانك ده الا ما أعرف كنتي رايحه فين؟

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

أحست جنه بالدوار ، و شيئا فشيئا تباطتء دقات قلبها، فركت عينيها علَ هذا يخفف من شعورها بعدم الاتزان .

و لكن دون جدوى ، ليأتيها صوت إياد : كمان ده سر زي عنوان أهلك !

قالت جنه متوسله : إياد ..أرجوك ، بجد مش قادره .

¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤

كانت تلك المره الأولى التي يسمعها تنطق باسمه ، مما أثار قلقه ، هل هي متعبه حقاً أم تحاول فقط التهرب منه ؟ ؟ ؟

لم تدم حيرته طويلا ، فلقد ترنحت أمامه و لولا أن أسندها في اللحظه الأخيره لسقطت ارضا .

قالت ووجها ملتصق في صدره : مش قادره آخد نفس ، حاسه إني هام*و*ت .

أبعدها إياد قليلا عنه حتى يتفرس في وجهها و قال بصوت هادىء لا يعكس القلق الذي اعتراه : أنا هآخدك دلوقتي و نروح المستشفى ، تقدري..

لم يكمل طلبه فلقد شاهدها تغيب عن الوعي أمام عينيه.

حملها و عدى راجيا الماره إيقاف سيارة أجره لينقلها إلى أقرب مشفى .

 

رواية جنتي على الأرض.

بقلم Fallen Angel

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *