عقد زواج 3

الحلقه الحادى العشرون

قادت جاكلين سيارتها عائدة لقسم الشر…طة، وكلمات ريهام تدور في رأسها بشدة،
حقاً أمرها غريب هي وزوجها هذا.. أي اتفاق هذا الذي اتفقا عليه، هل يوجد في
تلك الدول من يفكر كيوسف هذا، زوجته ولن يلمسها لمجرد رفضها الفكرة!
… هذا تصرف متحضر بكل تأكيد، وكأن وجوده في بالدها قد جعله أكثر تحضرا
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتيها وهي تتذكر كلمات ريهام عن بلادهم
المتحضرة، لقد صدقت.. فالوغد الذي كانت زوجته كاد أن يقتـ,ـلها عندما أطـ,ـلق
عليها النا.ر بعد أن كال لها العديد من اللكمات.. وهو من بلادها المتحضرة.
.كم.تتمنى أن يتعـ,ـفن في سجـ,ـنه ولا يخرج منه أبداً.. شيئاً ما يخبرها أن تلك المرا
صادقة، لكنها لا تستطيع أن تفعل لها شيء.. سوى العمل والبحث عن الادلة..
وسيكون الامر جلياً . للجميع
وصلت إلى قسم الشرطة، وقد عزمت على أمر ما.. اتجهت للز….نزانة التي حبس
بها يوسف، لتجده جالساً على فراش صغير وقد أمسك كتابه المقدس يقرا فيه،
فتحت باب الزنزانة فرفع يوسف بصره إليها، قائلًا:
ـ ماذا هناك؟!
لم تجبه ظلت تحدق به قليلًا ثم دخلت لتغلق باب الز…..نزانه خلفها، فعقد يوسف ،
حاجبيه وشعر بالقلق فهذه المرة الاولى التي تفعل فيها شيء كهذا، فقال في قلق
واضح:
ـ ماذا هناك؟؟.. ماذا تريدين؟!
اتجهت نحوه فهب واقفاً قائلا بعصبية:
ـ قلت ماذا تريدين؟!
اهدأ… أريد التحدث معك قليلًا. ـ
نظر لها بشك قائلًا:
ـ لماذا هنا؟!.. لماذا ليس في غرفة التحقيقات؟!
جلست على الفراش قائلة:
ـ لانه حديث ودي.
أشارت له ليجلس بجانبها فقال:
ـ أنا بخير هكذا.
أطلقت ضحكة ساخرة وهي تهز رأسها قائلة:
ـ هذا ليس اختبار لا تقلق.. مجرد حديث.
ـ فليكن.
اكتفى بتلك الكلمة وظل مكانه فنظرت له قليلًا قائلة:
هل حقاً ـ تكره لمس النساء؟
مط شفتيه قائلًا:
لن أكون رجًلا ـ طبيعياً إن قلت نعم … لقد جبلنا على حب
النساء لكن هذا ليس
أمرا مطلق..فنحن نحب المال أيضاً فهل هذا معناه ً أن نسعى لكسب المال بأي
طريقة بغض النظر عن الوسيلة.. لقد وضعت لنا حدود.. تحكم حبنا للنساء.. وأنا
أحب الالتزام بهذه الحدود.. فهذا يجعل حياتي أفضل… وان كنت لا تفهمين ما
أقصد.. ففي كل الاحوال أنا رجل متزوج ولست بحاجة المرأة أخرى.
رفعت إحدى حاجبيها قائلة:
امممم..لم ترد خيانة زوجتك إذا.. يبدو أنها تشبع رغباتك بشكل جيد. ً
عقد حاجبيه وأشاح بوجهه بعيداً محاوًلا إنهاء هذا الحوار الذي لم يفهم سببه..
قائلًا:
ـ هذا ليس من شأنك.. ثم.. أنا كنت أتحدث عن معتقداتي وليس زوجتي فقط.
قامت من مجلسها لتفتح باب الزنزانة وقالت وهي تغلقها خلفها:
ـ لقد التقيت برجال مسلمين غيرك.. فال تحاول اقناعي أن جميعكم هكذا.
التفتت له فرمقها بنظرة صغيرة قائلًا:
ـ كنت أتحدث عن معتقداتي وما أؤمن به.. وليس ذنب المسلمين الحقيقيين أنك
التقيت بمن أكتفوا من الاسلام.. بالاسم فقط.
تبادلا نظرات صامتة قبل أن تبتعد مغادرة.
***************
كان البرد شديد فجلست ريهام تشرب كوب من القهوة الساخنة وكذلك رامي الذي
قال:
ـ تفتكري المحققة دي هتقتنع بكلامك؟!
ـ والله ما بدعيش غير بكده.
ـ ـنا هروح بكره مع نضال ليوسف.. مش هتيجي؟!
تطلعت للادخنة التي تخرج من كوبها وبدا وكأن عينا يوسف تلومها وبشدة فقالت:
ـ لا.. أنا قررت أني مش هشوف يوسف إلا بره القسم ده.. يوسف هيطلع قريب
جدا.. ساعتها هشوفه.. وهعمل المستحيل علشان ده يحصل.
زي ما أنت عايزة.
زم شفتيه فالتفتت له قائلة:
ـ عايز تقول حاجة؟.
قال وهو يحارب كي يتفادا النظر لوجهها:
أنت كلمت نهى؟.
حدقت به للحظات ثم قالت:
ـ لا.. لسه.
ـ طب مش تكلميها.. أكيد هي كمان قلقانه.
تنفست بعمق وهي تشعر بحرج أخيها وهو يذكر نهى، أمر لم تتصور أن تراه
يوماً:
ـ هكلمها.. رامي.. أنت بتحب نهى بجد؟.
رفع بصره لها قائلًا:
ـ هو في حب بهزار!!.
شعرت بالعصبية في رده فقالت:
انت حبتها امتى أصالً؟؟. ـ طب بشويش.. أنا مش قصدي..
أعاد رامي رأسه للو ارء قائلًا:
ـ مش عارف.. أنا فجأة حسيت أني بحبها…
ابتسم وهو يتذكر حاله الذي تغير بين ليلة وضحاها ولم يفهم متى حدث ذلك ولا
كيف.. فجأة أصبح يهتم بكل كلمة تنطق بها.. ضحكتها أصبحت سبب رئيسي
لشعوره بالسعادة.. الغضب يملاه حين يراها تنظر لاي شاب آخر بنظرة إعجاب..
مشاعر صارت تتأجج داخله جعلته يعي أنه يحبها وحسب، فأصبح يحب أن يراها
طوال الوقت يمزح أمامها ليرى ابتسامتها التي تشرق يومه.. لم يفكر فيما يفكرون
هم فيه.. السن.. هل هذا هو الشيء الوحيد الذي يضمن نجاح الزواج؟.. كم من
ثنائي كان سنهما مناسب من وجهة نظر الاخرين وانتهى زواجهما بالفشل
الذريع… كيف يحكمون على العلاقات بالسن فحسب.. ماذا عن التفاهم والحب
المتبادل.. ألا يكفيان لنجاح العالقة الزوجية؟.. وهل عليه الاستسلام الان كما
قرر أن يفعل؟… يعلم أن رفض نهى ليس له.. هي تخاف من رد فعل الناس..
تخاف من فشل التجربة كما يقول العرف عندهم.. لكن ألا تبدأ أي علاقة زوجية
مع احتمال الفشل.. من يضمن لاحد نجاح الزواج.
ـ رامي.. أنت رحت فين؟!!
التفت لريهام قائلًا:
أبدا سرحت شوية. ً ـ
أنا هكلم نهى دلوقت الوقت مش متأخر عندنا ممكن تكون صاحية.. تكلمها
معايا؟.
اعتدل قائلًا:
لا مش لازم.. أنا هسمعك و أنت بتكلميها بس.
عقدن حاجبيها قائلة:
انت فعًال صرفت نظر عن الموضوع؟! ـ
هز كتقيه قائلًا:
ـ مش عارف.. الكلام سهل.. بس ما اعتقدش أن الفعل كده.. أنا بحبها قوي يا
ريهام.. بس هي خايفة.. أنا متأكد من كده.. عقدة السن دي طلعت أكبر مما
تخيلت.. مش عارف أطمنها ازاي.. مش عارف!.
شعرت بالصدق في كلامه وتأثرت بنبرة الحزن التي في صوته.. هي تشعر به
بكل تأكيد.. هي أيضاً ذاقت معنى الحب أخيراً.. وأيضاً تعرف الالم الذي يعانيه
الان بإمكانية فقد هذا الحب فها هي الان تشعر بأنها قد تفقد يوسف.. حتى إذا
خرج من أزمته إذا قصد كل ما قاله فبالتأكيد سيرغب في فراقها، نظرت له قائلة:
ـ مش من عادتك تستسلم بسرعة.. أنا عارفة نهى كويس.. يمكن زي ما بتقول هي
خايفة.. وعلشان تطمنها كل اللي هي محتاجة أن أهلك يوافقوا الاول قبل ما
تكلمها في الموضوع.. رغم أني مش مصدقة أني بقول كده.. لكن ليه ما يكونش
ليك نصيب معاها مادام بتحبها، نهى محتاجة حبك ده يا رامي.. خليك على
طبيعتك..
منحته نظرة ثقة لتكمل:
ـ بس لازم تثبت لها إنك قد المسئولية وقت اللزوم.. أنك هتعرف تدافع عنها إذا
حد فكر يأذيها ولو بالكلام.. إنك مش هتستسلم وتدير ضهرك ليها مع أول مطب
في طريقك ناحيتها.. اثبت علشان تصدقك.
ابتسم رامي وهو ينظر لاخته قائلًا:
شكرا يا ريهام.
ردت له الابتسامة وان بدت حزينة وهي تقول
ـ هدعيلكم أ لو ربنا هيوفقكم في جوازكم ييسر الموضوع.. أما لو لا.. فربنا ييسر
لك و ييسر لها الافضل.
ـ آمين.
قالها رامي بصدق، فهناك أحساس داخله يخبر ه أن علاقته بها ستنجح بالتأكيد..
فقط يريد الفرصة لاثبات ذلك.. كل ما يتمناه هو تلك الفرصه فقط.. لكن ما الذي
عليه فعله لاثبات نفسه أمامها.. هي تعرفه لسنوات.. فلما لا تثق به؟.. ولكن لا
بأس.. ريهام على حق.. يجب أن تعرف أنه جديرا بها.. وأنه قادر على حمايتها
في أي وقت ومكان.. لن ييأس.. سيعود ليقاتل من جديد من أجل حبه الاول
والاخير.
**
جلس رامي أمام ريهام ليستمع لمكالمتها لنهى.
ـ ألو نهى.. إزيك؟!
“ريهام.. كده برضو.. أنا همو…ت من القلق هنا”
ـ معلش يا نهى.. احنا بنعمل اللي نقدر عليه علشان الموضوع ينتهي على خير
ونرجع إن شاء الله.. عندي كلام كتير عايزة أقولهولك.. اسمعي.. كلمي رامي
الاول..
عايز يسلم عليك .. وبعدين نتكلم احنا براحتنا. رفع رامي حاجبيه فليس هذا ما اتفق عليه معها فرفعت له السماعة مشيرة له بأن
يكلمها، فأمسك رامي السماعة قائلا بتردد:
ـ ازيك.. نهى؟!
أجابه صمت للحظات أصابه بالاحباط.. هي لا تريد حتى التحدث معه، لكن
صوت زفرة حارة منها وصلت تبعها صوتها:
“الحمد لله يا رامي.. بخير… أنتو ا عاملين إيه؟!”
ـ الحمد لله
تمنى لو قال لها كم يفتقدها ويتمنى أن يراها لكنه يعلم أنه لا يستطيع فقال:
ـ ادعي لنا يا نهى.. ادعي ليوسف.
“بدعي لكم كلكم.. إن شاء الله محنة وتزول.. وترجعوا بالسلامة.”
شكرا يا نهى… كلمي ريهام. ً

أعطاها الهاتف فأشارت له أن يغادر، فهز أرسه متعجباً منها ثم غادرها، فأمسكت
بالهاتف لتقول:
ـ نهى.. كان نفسي تكوني معايا.. أنا تعبانة قوي يا نهى.
“سلامتك يا حبيبتي.. معلش أنا عارفة أن الوضع صعب.. بس إن شاء الله كله
ينتهي على خير”
ـ لو تعرفي قالي إيه لما شافني؟!
“مين؟… يوسف”
ـ آه.. يوسف خلاص.. كرهني.
بدت الدهشة في صوت نهى وهي تقول:
“ليه بس يا ريهام بتقولي كده!”
قالت ريهام ودموعها تصاحبها:
ـ أنا اللي ضيعته.. تصوري قالي إن أنا اللي ضيعته.. أنا السبب في اللي هو
فيه.. لانه ما كنش هيسافر.. سافر بس علشان يعرف إن كان هيفرق معايا ولا
لا. كان عايز يعرف أنا حبيبته ولا لا.. يوسف.. يوسف كره حبه ليا.
لم تتصور نهى أن تسمع تلك الكلمات وتعلم مدى قسوتها على ريهام، لكنها قالت:
“اهدي يا ريهام.. أنا متأكدة إنه ما يقصدش الكلام ده.. هو في حالة نفسية
سيئة.. إنسان عاش طول عمره حر.. ودلوقت محبوس في بلد أجنبي… أكيد مش
سهلة عليه.. و أكيد كمان بيفكر في أبوة وجدته.. يعني.. المفروض ماتقيميش
كلامه الا لما ظروفه ترجع طبيعية تاني.. وانا متأكدة لما المحنة دي تعدي..
كلامه كله هيتغير.. اصبري عليه يا ريهام.. أوعي تفكري تبعدي عنه لمجرد كلام
قاله في لحظة احباط وضعف.. يوسف محتاج لك دلوقت أكتر من أي وقت
تاني… فهماني.”
ـ لا يا نهى.. أنا مش هسيبه… أنا هعمل المستحيل علشان يخرج.. أنا بس
مرعوبة.. من اللي هيحصل بعد كده.. تفتكر ي ممكن يقولي نطلق؟.
لا.. مش ممكن… أنت ازاي تفكري كده!… يوسف بيحبك… مش ممكن
هيطلقك ما دام ما طلبتيهاش منه.. سيبك من الافكار السلبية دي.. وفكري بس
في مساعدته للخروج من محنته.”
ـ مش قادرة أبطل تفكير في كلامه.. بصحى على صوته وهو بيلومني.. بنام على
نظرة العتاب والاحباط اللي كانت في عينه.. خايفة.. خايفة من كل حاجة.
“ما تخافيش يا ريهام… إن شاء الله كل خير.. ونشوفكم كلكم هنا قريب.”
ـ يا رب يا نهى يا رب.
***************

الحلقه الثانى العشرون

جلس رامي بجانب نضال في انتظار حضور يوسف، الذي دخل عليهما وبدا
حزيناً كما هو حاله منذ دخل إلى هنا، عقد رامي حاجبيه بسبب هيئة يوسف
المزرية لكنه رسم الابتسامة على وجهه ووقف ليصافح يوسف لكن نضال أمسك
به وجاءه صوت الحارس..
“ممنوع اللمس”..
جلس ارمي قائلًا بتهكم:
ـ ممنوع اللمس!… ليه هو احنا في متحف؟!
أفلتت ضحكة من نضال لكنه أخفاها سريعا مراعاة لصديقه قائلا:
ـ هيك النظام هون.
ـ ازيك يا يوسف.. وحشني بجد.
اكتفى يوسف بالابتسام الباهت فنظر رامي لنضال قائلًا:
ـ صاحبك زعلان قوي.. هتقوله الاخبار الكويسة ولا أقولها له أنا؟.
نظر له يوسف بدون فهم فقال نضال:
ـ خبره أنت.
التفت رامي ليوسف قائلًا:
ـ كل البشاير بتقول أن مشكلتك هتتنتهي قريب..أخيرا عامل الغرف اقتنع وقالهم
الحقيقة النهارده الصبح..وقال كلام يوافق كلامك جدااااا… والتقارير الطبية ً
والجنائية هتكون هنا بكره إن شاء الله.. واحنا واثقين أنها هتكون في صالحك..
وهتخرج أكيد.
تعلق بصر يوسف بنضال وقد انتعش الامل داخله فقال نضال:
ـ صحيح.. يوسف.. كل اللي خبرك ياه صحيح… أنا ما راح اتركك هون لحظة
بعد وصول التقارير.
شعر يوسف ببعض النور يدخل إلى عقله الذي كان هائماً في الظلام لايام، فردد:
ـ الحمد لله.. الحمد لله.
رفع بصره لرامي وأراد سؤاله عن ريهام وكأن رامي شعر بذلك فقال قبل أن ينطق
يوسف:
ـ ريهام بتسلم عليك.
فقال يوسف بتردد:
ـ هي بخير؟.. ما جتش ليه؟
رسم رامي على ملامحه الجدية وهو يقول:
ـ بصراحة امبارح قالت لي أنها مش هتشوفك تاني.
انتفض قلب يوسف بين ضلوعه وهو يحدق برامي بذهول مرددا:ً
ـ إيه؟!!
عقد نضال حاجبيه قائلًا:
ـ رامي.. شو عم تقول؟!
هز رامي كتفيه قائلًا:
ـ هي اللي قالت كده.
نظر رامي ليوسف وهو يحاول بشدة أن يمسك نفسه عن الضحك بسبب ملامح
يوسف التي حملت الكثير من الالم والحزن، لكنه سرعان ما أشفق عليه فقال:
ـ إيه يا عم مالك أنا لسه ما كملتش كلامها.
نظر له يوسف مستفهماً فأردف رامي:
ـ هي بتقول أنها واثقه إنك هتخرج قريب جددددا… علشان كده قررت أنها ً
هتشوفك بره.. لانها واثقة أن ده هيكون قريب.. بس يا سيدي هي دي كل
الحكاية.
ـ يا الله عليك!.
قالها نضال بغير تصديق.
فانفجر رامي ضاحكاً:
ـ شوفت إتخض ازاي… هههههههههه.
ضم يوسف قبضة يديه واعتصرها اعتصارا ثم قال من بين أسنانه:
ـ لولا إني هنا.. أنا كنت كسرت لك وشك اللي عمال تضحك بيه ده… هو أنا
ناقصك.
وضع رامي كفيه على وجهه قائلًا:
ـ وشي لا. وشي لا… يا راجل ده أحلى حاجة فيا!.
لم يجد يوسف بدا من الابتسام من هذا الشاب، ليشاركهما نضال الضحك قائلًا: ً
ـ بس هاي المزحة ما كانت حلوة.. حرام عليك.. بالله يوسف.. مرتك بدها تسوي
المستحيل منشان تحررك من هون.
برقت عينا يوسف للحظة لكن بريقها اندثر سريعاً، بسبب تذكره صوت بكائها وهو
يغادر ويتركها، صوت بكائها الذي أخذ صداها يتردد قي قلبه وعقله طوال الوقت،
لقد كان قاسياً جداً معها يلوم نفسه كثيرا على ما قاله لها.. ما ذنبها هي فيما ً
أصابه؟… لقد كان قبل حدوث ما حدث يستعد ليعبر لها عن حبه الشديد لها،
كان سعيد بقرار سفره الذي أشعره بتغيرها… فلم ؟يلومها
.. هل هي التي ادخلت
تلك المرأة الى غرفته؟.. هل هي التي تسببت في مو…تها؟.. كم تمنى لو أخبرها
بحبه بطريقة أفضل وليس بهذا اللوم والعتاب الذي بالتأكيد جرحها وبشدة، يبدو
أنها خائفة من رؤيته هنا مرة أخرى.. تخشى أن تسمع منه المزيد.. ففضلت أن
تنتظر حتى يخرج لعله يكون أكثر رحمة بها.. أكثر رأفة بقلبها الذي ألمه بشدة…
لكنه لم يكن يقصد.. أنه حتى لا يصدق أنه قال ما قاله.. أين كان عقله؟.. بل
أين ذهب حبه لها؟.. أين ذهبت رغبته في أن يبقيها سعيدة طوال الوقت؟.. ألم
يطلب منها دوما الحفاظ على ابتسامتها فكيف يكون سبب بكاءها وحزنها؟. هل
تصور أن هجومه عليها سيصلح الامور؟.. إنه بهذا يعيد الهوة الشاسعة التي
كانت بينهما و التي فعل المستحيل لتقـ,ـليصها.. عليه أن يصلح الامور فور خروجه
من هنا.. كي لا تتصور أنه كان يعني كل كلماته السابقة سيعتـ,ـذر لها فور أن
يراها.. هكذا سيبدأ معها الكلام.
**************
كاد القلق يعصف بريهام وهي في انتظار أي أخبار من نضال، فاليوم ستصل
التقارير، وهو أخبرها عن ثقته في أنها لصالح يوسف وسيطالب بالافراج عنه في
الحال، على الاقل بكفالة حتى يثبتوا أنه تسبب في مقـ,ـتلها وهذا ما لن يحدث
طبعاً.
ـ طب نضال ما قلكش هيتكلم امتى.
أجابها رامي:
ـ لا.. يا ستي ما تقلقيش.. هيكلمنا لما يبقى في جديد.
هزت رأسها في ضيق، وعادت تطلع من نافذتها على سقوط ثلوج جديد، لا تعرف
مما هي قلقة تحديداً، من عدم مساعدة تلك التقارير ليوسف، أم أنها قلقة من
خروجه ليعلن لها رغبته في الانفصال.. ماذا ستفعل إذا قالها؟.. هل ستبكي؟..
هل ستتشبث به رافضة كلامه؟.. هل سترجوه أن يسامحها ويمنحها فرصة
جديدة؟!… هي حقا لا تعرف.. لكن.. لكن الذي تريده وبشدة… ألا تسمح
بحدوث ذلك.. نعم.. يجب ألا تسمح ليوسف بأن يتركها… ستمنعه!!
اندهشت من نفسها.. ستمنعه!!.. ماذا تعني بتلك الكلمة؟..كيف ستمنعه؟.لو أراد
الانفصال حقاً سيفعل.. لكنه يحبني هكذا تقول نهى… ليتها صدقت نهى من
البداية.. لا تكف عن لوم نفسها وترديد تلك العبارة.. كل ما يمكنها فعله الان هو
االنتظار.. وحسب.
************
رفعت المحققة جاكلين تقارير البحث الجنائي والطب الشرعي أمام المدعي العام
قائلة:
ـ ليس كما توقعت سيدي.. التقارير في صالح المتهم بشكل مباشر.. لا يوجد في
الجثة أي أثار لمقاومة أو عنف حدث بينهما فقط إصابة الرأس الناجمة عن
سقوطها، كذلك لا توجد أي أثار لعلاقة تمت بينهما قبل الحا….دث، هو لم يلمسها
كما قال.. وأخيراً كنت تريد أن تحاسبه بتهمة القتـ,ـل الخطأ.. ولكن الحظ وقف
بجانبه… فحسب تقرير البحث الجنائي.. بافتراض أنه دفعها للسـ,ـقوط وحسب
وضع الغرفة حين وصلت الشرطة.. فمن المفترض أن يكون واقفاً على طاولة
الطعام كي يتمكن من دفعها لتسقط في تلك الزاوية بالتحديد.. وهذا مستحيل
فطاولة الطعام كانت مغطاة بالطعام وكذلك لم يتبعثر عليها أي شيء… مما
يجعلنا نصدق روايته أكثر… المرأة سقطت وحدها نتيجة تعثرها في الملاءة التي
كانت ملفوفة حول قدميها بطريقة عشوائية وليست معقودة بفعل فاعل.
عقد المدعي العام حاجبيه قائلًا:
أنت ـ معنا أم معه
أجابت بضيق:
ـ ماذا تقصد بهذا الكلام؟.. أنا أؤدي عملي.. إذا أردت الذهاب للمحاكمة.. هذا
شأنك.. لكن إذا أردت رأيي ستخسر هذه القضية.
صمت الرجل مفكرا : ً وهو يطالع التقارير مرة أخرى ثم ألقاه جانباً قائلًا
ـ اتصلي بمحاميه.. دعينا ننهي هذه القضية السخفية.
بدا شبح ابتسامه على شفتيها سرعان ما اختفى وهي تطلب من مساعدها اتصال
بالمحامي نضال.
**************
قارب الوقت على المغيب، ورامي وريهام على حالهما في ترقب لاي اتصال من
نضال ، فركت ريهام كفيها بعصبية:
ـ هو اتأخر كده ليه؟… أنا مش متفائلة.
شاركها رامي قلقها لكنه أراد التخفيف عنها:
ـ يمكن في اجراءات لازم تتم وهو مشغول بيها.
ـ طب ما بيردش على تليفوناتنا ليه؟!
ـ مش عارف يا ريهام… مش عارف.. الغايب حجته معاه.. كفاية بقى تعبت لي
أعصابي.
دق بابهما فذهب رامي ليفتح بينما بقيت ريهام لتكون بعيدة عن الانظار فلم تكن
مرتدية لحجابها، لكنها كانت تنصت جيداً فجاءها صوت صياح رامي
ـ يووووووووسف!!.. مش ممكن!.. يوسف.. أنت خرجت!.. أوعى تكون هربت.
ارتجف قلبها وشعرت به ينشق نصفين…
“يوسف هنا”..
سمعت ضحكة يوسف وهو يقول:
هربت ايه يا بني!.. المالفظ سعد… أنت مش هتتغير أبدا.ً ـ
تسمرت مكانها ولم تتمكن من الحركة وكأن قدميها قد انفصلت عنها، أو هي التي
لم ترد أن تتحرك، سمعت أيضاً صوت نضال:
ـ بعتذر منكن.. يوسف كان بده يغير أواعيه.. ويسويلكم مفاجأة.. منشان هيك ما
رديت على اتصالاتكم.
احتضن رامي يوسف بشدة وهو يقول:
ـ و أحلى مفاجأة…
نظر ليوسف فوجده يمد بصره للداخل فابتعد عن طريقه و قال وهو يتجه لنضال:
ـ ماشي يا أستاذ نضال.. يلا بينا احنا.. ننزل تحت.. وتحكيلي بالظبط إيه اللي
حصل والتقرير كان في إيه.
ابتسم نضال وهو يخرج مع رامي الذي دفع يوسف للداخل قبل أن يخرج، خطى
يوسف بهدوء حتى تمكن أخيرا من رؤيتها.. أما هي فما أن ظهر أمامها بحق
حتى ارتعش جسدها وشعرت بغصة في حلقها ولم تستطع إلا أن تبكي وهي تنظر
له متألقاً كعادته ليس بنفس الحالة التي كان عليها في زيارتها الاخيرة.. بل رأت
يوسف الذي كانت تراه دوماً، صحيح فقد من وزنه القليل لكن بريق عينيه.. عاد..
هذا البريق الذي كان يخصها بها دون أن تدري، و ضعت كفيها على فمها لعلها
تخفف من صوت بكائها، كان ينظر لها بنظرة رأت فيها شيء من الحزن والندم.
الندم.. علما هو نادم… دعت من قلبها ألا تسمع منه ما تخافه.. أغلقت عينيها
وهي تتوقع الاسوء.. وما ازلت الدموع تنهمر منها فجاءها صوته هادئاً:
ـ ريهام.. أنا ما قصدتش اللي قلته… وحتى مش عارف قلته ازاي… أنا آسف.
فتحت عينيها لتنظر له ورأته يبتسم لها وفي عينيه رجاء خالص لها وهو يردد:
ـ أنا بجد آسف.. ممكن تنسي كل اللي أنا قلته.
لم تعرف ريهام ما هذه المشاعر الكثيرة التي تتصاعد داخلها وتتلاطم كأمواج
بحر في يوم عاصف، حتى صوت بكائها أختلط فجأة بصوت ضحكة فرح.. كيف
لا وقد نجت!.. نعم كل ما كانت تخشاه ما هو إلا سراب.. يوسف يحبها لن
يتركها أبدا.. و هي أيضاً لن تتركه أبداً.. أبدا.
رددت وهي تتأمله بكل حب:
ـ يوسف.
اتسعت ابتسامته أكثر ليقول:
ـ سامحتيني؟.
أراد فقط أن تقول نعم، أن تهز رأسها فحسب كل هذا كان سيكفيه.. لكنه فوجيء
بها تندفع بكل قوتها إليه وتلقي بنفسها بين ذراعيه حتى أنه تراجع خطوة للوراء
لعدم استعداده أو توقعه لشيء كهذا واستمع لها وهي تقول:
ـ يوسف.. يوسف.. الحمد لله.. الحمد لله.. إنك قدامي.. الحمد لله أنك معايا..
سامحني يا يوسف.. سامحني.
رفع ذراعيه ليضمها إليه، هي من تطلب أن يسامحها!، كيف وهو من جرحها؟..
أم إنها تعتذر بسبب ما قد قاله لها؟..
يريدها أن تنسى تلك الكلمات لا أن تعتذر له، لكنه لم يفكر في هذا كثيرا
فأخيرا ريهام بين ذراعيه برضاها… برغبتها..
ضمها إليه أكثر أراد أن يشعر بها بقربه استنشق عبيرها بعمق، رفع يده ليمسح
على شعرها برقة، فهذه المرة الاولى الذي يلمسه فيها، كم بدا ناعم الملمس، لكم
تسائل كيف سيشعر عندما يمرر أصابعه بين شعرها الكثيف الناعم، كان شعورا
ارئعاً ومريحاً جدا.. ابتسم… رغم أنها بين ذراعيه تبكي وتبكي.. لكنه سعيد أنها ً
أخيرا اعتبرته ملجأ لها، ًفربت على ظهرها هامساً:
ـ خالص يا ريهام… كل شيء انتهى على خير.. مش عايزك تعيطي تاني
رفعت أرسها إليه، كان وجهه قريباً جدا بدا ً منها على غير العادة، ظلت تتأمله
وسيماً جدا وهو ينظر لها مبتسماً، كم شعرت بالسعادة وهي ترى انعكاس صورتها ً
في عينيه، رفع كفه ليمسح الدموع عن وجنتيها ليشعر بنعومة بشرتها تحت
أصابعه، شعرت ريهام بأن الغرفة تزداد سخونه فجأة أو أن هذا من داخلها هي..
خاصة وقد رأت عينا يوسف تركز على شفتيها فوجدت نفسها تخفض بصرها
أرضاً وقد توردت وجنتيها بشدة وتملصت بهدوء من بين ذراعيه وهي تقول:
ـ حمد لله على السلامة.
ابتسم يوسف لخجلها البادي على وجهها فقال:
ـ الله يسلمك.
حررها رغماً عنه، فهو يعلم أن كل ما يريده لن يناله في لحظة، يكفيه أنها كانت
قريبة منه لهذه الدرجة، سمعها تقول:
ـ هي القضية كده خلاص خلصت؟.
ـ الحمد لله… اتسجلت كحادث عارض.. أنا ماليش علاقة بي… غير أني شوفته.
كان جسدها ما ازل مشتعالً وشعرت برغبتها في بعض الجو البارد:
ـ طيب… أنت أكيد تعبان.
هز أرسه قائلًا:
ـ يعني.. بصراحة حاسس أني ما نمتش بقالي كتييييييييييييييييير.
وجدتها فرصة مناسبة للهرب بكل ما تشعر به فقالت:
ـ طيب.. أنا هسيبك ترتاح.. نام وخد راحتك.. أنا هنزل علشان أقعد مع رامي
والاستاذ نضال.. أسمع منه اللي حصل.
هز كتفيه قائلًا:
زي ما أنت عايزة.. وخلي رامي يحجز لنا بكر ه.. لازم ارجع اشوف بابا وجدتي..
أنا كلمتهم و أنا عند نضال.. وقلتهم هنحجز بكر ه بالكتير.
ـ أحسن برضو.. أنا كمان عايزة أرجع مصر بسرعة.
تعلقت نظراتهما للحظات قبل أن تغادر ريهام الغرفة لتغلق بابها وتقف خلفه
للحظات تلوح بكفيها على وجهها لعله يخف من حرراته التي ازدت كثيرا
*************

الحلقه الثالثه والعشرون

انضمت ريهام لرامي ونضال، الذي كان يشرح ما حملته التقارير من توضيحات
أفادت يوسف كثيرا وكم أسعدها حين أخبرهما أن المحققة جاكلين ساعدت ولو
بشكل غير مباشر في انهاء الامر سريعاً، وكأن كلام ريهام معها قد أثمر حقاً،
شعرت بالسعادة تغمرها.. بأنه كان لها دور ولو بسيط في مساعدة يوسف قدر
استطاعتها… على الاقل وجودها كان مفيد بعض الشيء.
سادت أجواء الفرح والسعادة في حديثهم خاصة رامي التي كانت تعليقاته تجبرهما
على الضحك، وبينما هم كذلك اقترب منهم أحدهم ليقول:
ـ راااامي.. ريهام.. معقولة.. أنتوا في أمريكا؟!!
التفتوا لصاحب الصوت ليعلو صوت ارمي قائلًا وهو يقوم لمصافحته:
ـ ميييين؟.. عمي وليد!… ازي حضرتك… عامل إيه؟!
ـ تمام يا ولد.. تمام.
وقفت ريهام بدروها لتصافحه:
ـ إزيك عمي وليد… ازي صحتك؟
ـ الحمد لله يا ريهام بخير.. وازاي الوالد
؟.. أخباره إيه؟!!.. أنا سايب مصر بقالي
تمن شهور.. وما شوفتوش من ساعة اللي حصل.. الله يكون في عونه.. بس أنا
واثق إنه هيقدر يوقف على رجليه مرة تانية.. والدليل إني شايفكم هنا في امريكا..
واضح أن أموركم اتحسنت تاني.. ولا أنتوا جايين هنا لشغل؟.. على كل حال لازم
تتحملوا المسئولية برضو.. برافو عليكم.
عقد رامي حاجبيه بينما نظرت له ريهام بتساؤل، فأردف:
ـ مالكوا بتبصو ا لي كده ليه؟!
رددت ريهام بعدم فهم:
ـ معلش يا عمي.. احنا مش فاهمين حضرتك بتتكلم عن إيه؟!
انتقلت الدهشة له وهو يقول:
ـ إزاي!!… مش ممكن تكونوا مش عارفين؟؟.. أنتوا أكيد عارفين.
ـ عارفين إيه بالظبط يا عمي؟.. أنت عارف يعني أن الاحداث بتتغير بين يوم
وليلة.. أنت قصدك على إيه بالظبط؟
قالها رامي في محاولة لفهم ما يحدث دون أن يشعره بالخو…ف فيتوقف عن الكلام
فقال الرجل:
ـ بتكلم عن انهيار البورصة اللي حصل من قبل ما أسافر على طول.. ووالدكم
كان أكثر المتضررين من الموضوع ده.. ده تقريباً خسر كل فلوسه.
شهقت ريهام بفزع بينما هز رامي رأسه بغير تصديق فابتلع الرجل ريقه بصعوبة
مرددا:ً
ـ أنتو ا ما كنتوش عارفين أنتو ا بجد ما كنتوش عارفين!.. أنا آسف..بجد آسف..
بس ده خير.. ده معناه أن الكلام اللي سمعناه غلط ووالدكم ما خسرش كل
فلوسه.. والا كان وضعكم المالي اتغير.. مش كده برضو؟.
لم يتلق منهم سوى الصمت فآثر الانسحاب قائلًا:
ـ طيب.. ابقوا سلموا لي على بابا.. وياريت ما يعرفش أنكم عرفتوا عن طريقي..
أنا بجد ما كنتش أقصد.
جلس رامي وريهام وما زالا بحالة من عدم التصديق، فتنحنح نضال قائلًا:
ـ هدوا حالكم.. متل ما قال الزلمة.. أكيد الحكي اللي سمعوه ما كان صحيح..
و أنتوا فيكم تتأكدوا.
قال رامي:
ـ ازاي؟!
ـ راجعوا شو اللي صار بالبورصة تباعكم في هاديك الفترة.
قالت ريهام:
ـ يعني لسه هنستنى لما ننزل مصر وبعدين نسأل؟… طب ما احنا هنسأل بابا
على طول ونخلص!.
رفع جهازه اللوحي أمامه قائلًا:
ـ ممكن من الانترنت.
جلس رامي بجانبه وهو يقول:
ـ طب دور كده.
انتظرا حتى ظهرت نتيجة البحث ليقول نضال:
ـ إي صح… صار انهيار بالبورصة من فترة شو اسم والدكم.
قاال بصوت واحد:
ـ محمد أمين عبد الخالق.
أشار نضال قائلًا:
ـ هاي هو!!
اتسعت عينا رامي وهو يقرأ ما اقترن باسم أبيه، فقامت ريهام من مكانها لتطالع ما
يطالعا، لتتسع عيناها هي أيضاً، وهي تردد:
ـ إزاي!.. إزاي ما عرفناش!.. مستحيل!!.
ظل رامي يدور في غرفته التي جلس بها مع ريهام بعد مغادرة نضال، ثم وقف
قائلًا:
ـ أنا هتجنن…. إزاي ده يحصل واحنا ما نعرفش.. يعني ايه يخسر كل فلوسه وما
فيش حاجة في حياتنا بتتغير… ازاي؟!!
ـ أنت ما تعرفش أي حاجة عن شغل بابا؟
لا.. ما أنت عارفة أن موضوع البورصة ده ما استهوانيش.. وبابا أصلا ما
حاولش يقنعني بيه.
ـ طب ليه مصدر رزق تاني؟.
ـ ما اعرفش.. ما اعرفش.
قالت ريهام بعصبية:
ـ أنت كل حاجة ما اعرفش.. أنت مش ابنه الوحيد!.
لوح بكفيه قائلًا:.
ـ أنت هتطلعي عصبيتك عليا!…
حاولت ريهام أن تهدأ قائلة:
دلوق احنا لازم نعرف هنعمل إيه؟!.. هنرجع على طول ونواجه بابا ت ـ طيب..
باللي عرفناه وال إيه؟!
عقد ارمي حاجبيه قائلًا:
أكيد طبعاً.. ويا ريت يكون عنده سبب مقنع لسكوته عن وضعنا المالي ـ
الحقيقي.. أنا طلبت من االاستقبال يحجزو ا لنا على بكره… وأول ما نوصل
هنشوف الموضوع ده.
زفرت ريهام في حرارة، والحيرة تكاد تعصف بها وبأخيها، بالتأكيد هناك مصدر
دخل
آخر الأبيهما والا كيف أن الامور مستقرة حتى الان رغم حدوث ما حدث منذ فترة..
لم تشعر بشيء غريب حيال أبيها.. بدا كل شيء طبيعياً..
فجأة قفز إلى عقلها حديثه الغريب معها لاقناعها بالزواج من يوسف و اعتدلت
فجأة فانتبه لها ارامي قائلا:
ـ في إيه؟!
حدقت به قليلًا ثم قالت:
ـ فاكر… فاكر لما قلتلك ده بابا دمع وهو بيكلمني علشان يقنعني بجوازي من
يوسف وساعتها قولتلك هو بابا عيان وال حاجة؟.
ـ أيوة فاكر… بس ايه العلاقة؟!
عقدت حاجبيها قائلة:
ـ بابا ساعتها كان بيتكلم عن المستقبل وكأنه مش مضمون.. وكأنه مش هيقدر
يعملنا فيه حاجة… وكان كل همه يطمن عليا بجوازي من يوسف… يوسف.
رددت اسمه شاردة فقال رامي:
انت بتفكري في إيه؟!
ـ تفتكر يوسف يعرف؟.
هز أرسه نفياً:
ـ لا.. لا ما اعتقدش.
ـ بس عمي أكيد يعرف ..بابا ما بيخبيش عليه حاجة.
ـ جايز… بس أنا برضو مش فاهم أنت قصدك ايه؟!
دلوقت بس فهمت.. ليه كانوا مصريين
على اتمام الجوازة في أسرع وقت.. من
وجهة نظر بابا كان عايز يطمن عليا وخلاص، وشاف أن يوسف هو أحسن واحد
ممكن يشيل الشيلة عنه.
بدا الاستغراب على ملامح رامي:
ايه اللي أنت بتقوليه ده!.. ايه العلاقة؟!.. اللي حصل لبابا كان من أكتر من 8 شهور… و أنت ـ
جوازك كان من شهرين ونص.
أشارت له:
ـ لان يوسف ما جاش إلا من 3شهور.. ولو كان جه قبل كده.. كانوا اتصرفوا
بنفس الطريقة.
لم يقتنع رامي فهز رأسه قائلًا:
لا يا شيخة.. مش ممكن… ثم يوسف ما يعرفش حاجة.. أنا حاسس بكده.
ضيقت عينيها وهو تفكر مرددة:
ـ لكنه كان معاهم.. كان عايز الجوازه تتم.
ـ طب وفيها إيه… مش بيحبك!!
حدقت في وجهه للحظات ثم آثارت الصمت، لتسرح مع أفكارها وحسب، نعم..
هي لاخر لحظة تظن أنه يحبها.. ولكنه أبداً لم يقولها… حتى في اللحظات التي
قضتها بين ذراعيه تصورت أنها ستسمعها منه، لكنه لم يفعل.. فما الذي يمنعه
من قولها؟.. إن كان يحبها حقاً… إلا.. إلا إذا كان هذا محض وهم في رأسها…
وأنه كما كانت تقول سابقاً يجيد أداء دوره فحسب.
هزت رأسها بعنف راغبة بشدة طر.د تلك الافكار من رأسها، فقال رامي:
روحي نامي دلوقت يا ريهام… الصباح رباح. ت
قامت من مكانها لتغادر والافكار مازالت تحاصرها وبشدة، والخو؟ف صار يتملكها
ويتمكن منها أكثر وأكثر.. تخشى أن تكتشف في النهاية أن ما ظنته حقيقة هو
مجرد وهم.. ليس بعد أن أحبته.. ليس بعد أن أصبحت لا تقوى على فراقه..
وصلت غرفتها لتفتح بابها بحرص فهي تعلم أنه نائم، وبالفعل وجدته يغط في نوم
عميق، رفعت حجابها وحررت خصالت شعرها بأصابعها واقتربت منه بهدوء
شديد… جلست القرفصاء أمامه واسندت ذقنها على ركبتيها..
بدا مرهق ولم يشعر بها البته، ظلت تحدق بوجهه طويلا، محدثة نفسها:
“لو بتحبني بجد.. ليه مش بتقولها؟.. إيه اللي مانعك؟.. إيه إللي ماسك لسانك؟..
معقول تكون مستنيني؟.. عايزني أنا اللي أقولها الاول؟.. اوعى يا يوسف تكون
عارف حاجة عن الموضوع ده.. اوعى يكون ده هو السبب اللي أجبروك بي على
الجواز مني.. ياااه.. تعرف ده هيو.جعني أد إيه.. أنا خلاص صدقت إنك
بتحبني.. وحبيتك.. حبيتك قوي يا يوسف..بس ليه دلوقت شاكة في كل حاجة..
مش بعد ما حبيتك يا يوسف يطلع كل ده وهم.. أرجوك.. أرجوك. ”
وجدت الد.موع تنساب من عينيها بغير إرادة منها، الخو.ف يتملكها يكاد يمزقها…
تشعر أن غدا لن يكون يوماً عادياً، لم عليها أن تبقى خا.ئفة طوال الوقت…لم
منذ أن شعرت نحوه بالحب وتشعر أن كل شيء أصبح مر.عب ومخـ,ـيف، تخشى
فراقه… وتخشى أن تكون تحيا وهماً فحسب، نيران.. نيران تتأجج في ضلوعها
تحرق قلبها حرقاً لم الحب مؤلم لم .. ؟
اعتدلت في جلستها لتضع رأسها على الفراش.. أرادت أن تكون قريبة من وجهه
ولو لليلة واحدة.. خو.فها.. خو.فها يدفعها دوماً للتفكير في أسوأ الاحتمالات، وكأنها
أرادت أن تقول لنفسها.. على الاقل قضيتي ليلة واحدة ولو جالسة فقط بجواره!.
ظلت تتأمل ملامح وجهه وكأنها تخشى أن تحرم منها.. مرتعبة من فكرة ألا تكون
معه مجددا… أغلقت عينيها لتحلم… لتتمنى… ألا تكون تلك ليلتها الاولى ً
و الاخيرة بجواره.
فتح يوسف عينيه مع إشراقت الصباح كان يحلم بريهام طوال الليل.. فاتسعت
عيناه عندما اصطدمتا بوجهها النائم بجواره، فرك عينيه ليتأكد أنه أفاق من حلمه
فعلًا، اعتدل فانتبه لكونها جالسة على الارض ورأسها على الفراش بجواره عض
على شفتيه غيظاً، كيف لم يشعر بها؟.. هل كان متعب لهذه الدرجة؟.. لقد قضت
الليل بطوله بجواره وهو نائم، لكنه ابتسم.. ابتسم لفكرة أنها كانت بجواره طوال
الليل.. لقد كان تتأمله بالتأكيد.. لقد افتقدته بشدة.. ترى هل تحدثت معه؟! هل
باحت بمشاعرها تجاهه ولم يسمعها؟..رفع كفه ليمسح على شعرها.. أخيراً أصبح
مسموح له أن يلمسها.. لن ترفضه بعد الان.. مرر أصابعه على وجنتها الناعمة،
لكنها انتفضت من نومها فزعة فاعتدل قائلًا:
ـ اهدي.. ده أنا.
أخذت تلملم شعرها، متقهقر ة للخلف وهي تنظر له قائلة في ارتباك:
ـ أنا كنت.. بطمن عليك.. مش عارفة باين راحت عليا نومه.
ـ أنا مش عايز أعرف أي أسباب.
قالها مبتسماً ثم أضاف بلهجة رقيقة:
ـ ده أحلى صباح شوفته في حياتي.
تصور أن كلماته ستجعلها تبتسم… تستحي.. ليرى خجلها كما اره أمس… لكنها
ظلت تحدق به بشك… نعم هذا ما وصل له من تلك النظرة التي منحته إياها قبل
أن تقف قائلة:
ـ هطلب الفطار.
ظل يتبعها حتى اختفت داخل الحمام، وعقد حاجبيه قائلًا:
في إيه؟!.. ما أنت كنت كويسة… أرجع السجن تاني ولا إيه؟
تأكد يوسف بأن هناك شيئاً ما يجري.. فمع ظهور رامي أيضاً الذي طلبته أخته
ليشاركهما الافطار بدا هو الاخر شارد كأخته ً تماماً ، شعر يوسف بأن هناك شيء ما قد حدث أثناء نومه، فكالهما بدا غير طبيعياً.. لكن.. ريهام قضت الليل
بجانبه لم الان تتجنب النظر له طوال الوقت؟. تشغل نفسها بلاشيء…تحمل أشياء من الحقيبة وتعيدها من جديد فقط كي تبتعد عنه.. في البداية ظن أن
مكروهاً حدث لابيه أو جدته لذا أسرع بالاتصال بهما لكنه وجدهما بخير وعافية
فعادت الحيرة لتنهش عقله من جديد.. وحتى عندما سأل رامي عن شروده أجابه
بلا شيء فحسب.. وأن كل شيء على ما يرام.. وهذا لم يقنعه مطلقاً… فقرر
الصمت حتى يصلوا لمصر وهناك بالتأكيد سيعرف ما الذي يجري..
انتهوا من كل شيء واستعدوا للمغادرة وكان في انتظارهم نضال الذي أحضر
حقيبة يوسف، لينطلقوا إلى المطار… وكلًا منهم ينتظر بشغف لحظة الوصول
وان إختلفت الاسباب
**********

الحلقه الرابعه والعشرون

اصرت ريهام على الذهاب مع رامي لبيت أبيهما متحججة ليوسف بأنها تفتقدهما
كثيرا وكذلك بأنه بالتأكيد يريد أن يذهب أيضاً لرؤية أبيه وجدته، قبل يوسف رغم ً
عدم فهمه سبب ذلك… كان من الممكن تأجيل تلك الزيارات للغد.. فالرحلة كانت
طويلة.. لكنه لم يمانع فهو حقاً يريد أن يرى أبيه وجدته بشدة…
وصل عندهما فعلًا وما أن رآه أبوه حتى أسرع لضمه لصدره.. لقد كان يشعر
بالقلق الشديد عليه، حتى بعد أن كلمه بعد فترة انقطاعه تلك… شعر بشيء ما
في صوته.. وتأكد شعوره بعد أن رآه… لقد بدا هزيلًا نوعاً ما وهذا ما قالته جدته
فور رؤيته:
يوسف حبيبي.. أنت مالك خسيت كده ليه!.. ووشك تعبان كمان.
ابتسم لها قائلًا:
ـ يا سلام على ملاحظاتك يا ست الحبايب… أنا بخير ما تقلقيش.
ظل أبو ه يتأمل وجهه فضمه يوسف مرة أخرى هامساً:
ـ نتكلم بعدين مش وهي موجودة.
عادت جدته لتقول:
ـ أو مال ريهام فين؟!
هز يوسف كتفيه قائلًا:
ـ عمي ومرات عمي وحشوها قوي.. زي ما أنتو ا وحشتوني… فقالت نشوفكم الاول
وبعدين نروح… رامي هيجبها على البيت.
جلسوا معاً ليتحدثوا ثم تركتهما الجدة لتحضر لهما العشاء، فقال مصطفى:
ـ يوسف.. في إيه؟.. أنت كنت في أزمة مش كده؟.
حاول يوسف الابتسام لكنه تذكر كل الالم الذي كان يشعر به ومنه حاجته حقاً
لوجود أبيه بجانبه، فبدت ابتسامته حزينة وهو يقول:
ـ أيوة.. وأي أزمة.. الحمد لله… أنا تصورت أن خالص حياتي انتهت.
ـ يوسف مش عايز ألغاز إيه اللي حصل؟!
حكى له يوسف ما أصابه في الايام الماضية ليصاب أبو ه بالذهول والغضب في
نفس الوقت ليقول:
ـ أنت ازاي تكون في أزمة زي دي وما تقوليش؟!.
ـ بابا.. أرجوك و طي صوتك… أنا كنت خايف على جدتي وعليك.. وما كنتش
عارف إيه اللي هيحصل.. لو كان الموضوع بقى قضية كنتوا أكيد هتعرفوا.. بس
أنا كنت بدعي أن ربنا ينقذني من التهمة دي.. والحمد لله.. ربنا نجاني.
لم يلتفت مصطفى لتلك الكلمات لكنه قال بنفس الضيق والغضب:
ـ هو انا مش ابوك!.. مراتك وابن عمك هما اللي يعرفوا.. وانا لا!.. ليه يا بني؟..
ليه؟… ليه بتحرمني أني امارس دوري كأب واحميك واساعدك؟.. كده يا يوسف..
كده.
شعر يوسف بالحزن الشديد في صوت أبيه فقام ليضمه لصدره بقوة قائلًا:
ـ سامحني يا بابا.. بس أنا عارف أنت حنين أد إيه… مش هتستحمل عليا حاجة
زي كده.. سامحني.
ضمه أبو ه بدوره قائلًا:
ـ إياك تعمل حاجة زي دي تاني.
رفع أرسه إليه مبتسماً:
ـ ليه يا بابا هو أنا كل يوم هتهم في جر…..يمة قتـ,ـل ولا إيه؟!
ضحك أبو ه وهو يبعثر شعر ابنه يمنة ويسرة، ظل يوسف مبتسماً وان كان عقله
مشغولا بريهام… فهو واثق أن هناك شيء ما يجري ويبدو أنه له عالقة بوالديها.
اعتدل جالساً : ليقول
عمي ومرات عمي كويسين؟.
ـ الحمد لله بخير.. بس مالك بتسأل كده؟!..
ـ لا عادي.. بطمن.
لم يرد يوسف أن يطيل البقاء، ليعود للمنزل سريعاً.. عله يفهم ما الذي يجري عند
وصول ريهام.
**************
ما أن وصل كلا من ريهام ورامي لمنزلهما حتى أسرعا بالبحث عن والدهما
لتستقبلهما أمهما بسعادة بالغة، فلم يطيال البقاء معها واتجها لغرفة المكتب حيث
يجلس والدهما، الذي وقف باسماً لتحيتهما لكن ملامحه تغيرت بسبب النظرة التي
ينظران بها إليه فقال:
ـ ما لكم… في إيه؟!
اقترب رامي قائلًا:
ـ بابا.. أنت ازاي تخسر فلوسك كلها في البورصة وما تقولناش؟!
حدق به وقد ألجمته المفاجأة، وتجمد مكانه للحظة قبل أن يقرر العودة للجلوس
وقد سكن الحزن وجهه في لحظة وخفض بصره قائلًا:
ـ أنتو ا عرفتوا منين!!
قال رامي بضيق:
هو ده المهم دلوقت !.. عرفنا منين؟!!.. بابا أنت ازاي تعمل كده؟.. وممكن
أفهم.. احنا بنصرف منين؟… ازاي حياتنا ما اتغيرتش.
ـ يعني اللي قالكم . .ما قالكمش ده كمان!.
عقدت ريهام حاجبيها مرددةه:
ـ أنت بتتكلم عن مين؟!
عقد حاجبيه قائلًا:
ـ ما فيش غيره اللي قالكم… ما اعرفش عمل كده ليه؟..المفروض أن ما حدش
يعرف.
ثم رفع رأسه إليهما قائلًا:
ـ حساب يوسف معايا بعدين.
شعرت ريهام أن قلبها يهوي في هوة سحيقة لا قرار لها، وكادت قدماها أن
تخذالها وتلقي بها أرضاً.. أسوأ كوابيسها قد تحقق فقفزت العبرات من مقلتيها
قائلة:
ـ يوسف… يوسف كان عارف.
شعر رامي بالاسى على أخته، فقال لابيه بغضب وكأنه أخطأ بإيضاح ذلك
لريهام:
ـ يوسف ما قلناش حاجة.
دارت عينا أبيه في محجريها ليقول في حيرة:
ـ أو مال مين؟!
ـ مش هتفرق يا بابا… عمي كمان يعرف وأكيد طبعاً .. واحنا آخر من يعلم…
بس انت لسه ما جوبتش على سؤالي.. ازاي أحوالنا المادية زي ما هي؟
صمت الاب قليلًا ووجد أنه لا مفر من معرفتهما لكل شيء، وقص عليهما
بكلمات مقتضبة كيف تصرف مع عمهما كي لا يشعرا بأي شيء وأنه يعتبر
معيلهما حالياً.. على أمل أن يجد وسيلة أخرى لاستعادة مستواهما المادي.. وهذا
ما لم يحدث حتى الان.
ألقى رامي بنفسه على كرسيه أمام المكتب قائلًا:
ـ أنا مش مصدق!.. ليه يا بابا؟.. احنا ما بقناش صغيرين… يعني ممكن نتحمل
المسئولية… ليه عمي يتحملها عنا؟… أنا مش قادر أفهمك… كان ممكن نعمل
حاجات كتيرة قوي.. نبيع البيت الكبير ده… وممكن نعمل مشروع بفلوسه وما
نحتاجش لحد… علشان ما تحرمناش من بيت طويل عريض… تخلينا عاله على
عمي.
ـ يوسف عرف ليه؟!
قالتها ريهام وهي تحدق بأبيها وعينيها تحمل نظرة خاوية من أي شيء رغم تألقهما
بدموعها، تأملها أبوه والالم يعصر قلبه عصراً، ريهام لن تفهم… ستتصور أن
يوسف تزوجها فقط بسبب ذلك… ماذا يمكن أن يفعل؟!.. أوليس هذه هي
الحقيقة، لقد أقنعاه بالامر بتعريفه بحقيقة الوضع المالي لهم.
قالت ريهام مجددا
ـ يوسف عرف ليه يا بابا؟.. عمي بيصرف علينا.. يوسف عرف ليه؟…علشان
يتجوزني.. صح؟.. قلتله علشان يوافق يتجوزني.. صح؟!
صاحت بالكلمة الاخيرة وعادت دموعها للانهمار من جديد وبشدة، حاول رامي
تهدئتها:
ـ ريهام.. يوسف مالوش دعوة.
ـ بابا.. رد عليا.
تجنب أبو ها النظر إليها قائلًا:
ـ يوسف.. بيحبك.. وهيحافظ عليكي… وهيحمكي… أنا ما كنتش عايز أكثر من
كده ليكي.. ليه بتسألي في حاجة مش هتريحك؟.
هزت رأسها مرددة:
ـ يحافظ عليا ويحميني… من إيه؟!.. من الفقر… هو ده اللي أنت فكرت فيه
علشان تجوزني ليه؟!
اعتدل ابوها ليصيح:
كنت عايزاني أعمل إيه!.. أنا أبوك. ومن حقي احميك .. كان إيه اللي هيحصل
لو اتعلقت بحد وسابك لما يعرف وضعك المادي؟… كنت هتبقى سعيدة؟.. ولا
كنت هتكرهني؟.
انطلقت منها ضحكة ساخرة لتقول:
ـ ياااه.. أنت شايفني سطحية قوي كده؟!.. علشان اهتم بحد هيسبني علشان
الفلوس.. أو إني أكره أبويا اللي رباني علشان ما بقاش غني.. أول مرة أعرف أنك
ما تعرفنيش.. أول مرة أعرف إني مجهولة بالنسبة لك.. أنت فاكرني إيه؟… بنت
دلوعة.. تافهة.. ما بيهمهاش حاجة غير الفلوس وتحقيق طلبتها وبس؟.. اللي
وكلت يوسف بالنيابة عنك علشان يحققها لي.
لم تعرف على ماذا تتألم بالضبط على صدمتها في ظن أبيها بها، أم على حدوث
ما توقعت؛ زواجها بيوسف كان مجرد اتفاق بينهم كي يتحمل مسؤليتها بدالا من
أبيها..
الان فقط تفسر الكثير مما جهلت تفسيره، تحمل يوسف لمصاريف زواجهما
تقريباً، الشقة التي كانت اهداء من عمها.. كل هذا ما كان سيحدث لو ظروفهما
المادية طبيعة، كيف لم تلحظ كل هذا؟.. وأكثر ما يمزق نياط قلبها بحق أنها
أحبت يوسف فعلا.. ولكن.. ماذا عليها أن تفعل الان… يوسف لم يحبها.. إنه
حتى لم يقلها.. رغم أنه يؤدي دوره ببراعة.. لم تصدق ما يجري حولها.. تحول
كل ما بداخلها من ألم وحزن إلى غضب هادر.. تشعر بأن كرامتها قد أريقت
أمامها وتمزقت تمزيقاً، زاد تنفسها وأصبح قوياً ملتهباً رفعت عينيها ألبيها قائلة:
ـ أنت عارف أنت عملت فيا إيه؟… أنت بعتني.. بعتني!.
حدق رامي بها مذهولا من كلامها بينما شعر أبوها أنها قسمته نصفين ليحدق بها
مرددا:ً
انت ـ بتقولي إيه…
انت اتجننتي!!
صرخت بكل قوتها:
ـ أنتو ا اللي مجانين….
لتدور على عاقبيها تعدو بينما خلفها رامي صائحاً:
ـ ريهام.. استني أنت رايحة فين؟
اصطدمت بأمها التي أسرعت نحوهما لدى سماعها صياح ريهام العالي لتقول
وهي تمسكها:
ـ في ايه يا ريهام في ايه؟
رفعت ذراعيها لتبعد أمها عنها مرددة:
ـ ابعدوا عني.
فزعت أمها لرد فعلها المبالغ فيه والذي لا تعرف سببه فتشبثت برامي قائلة:
ـ هو في إيه؟… ما حد يفهمني…
ـ استني يا ماما لما أشوف دي رايحة فين.
دخلت لزوجها لتجد عينيه تسبح في بحر من الدموع، فقالت فزعة:
ـ محمد.. هو إيه اللي حصل؟!
اقعدي.. أنت كمان لازم تعرفي.. خلاص… أكيد كل حاجة هتتغير.
************

الحلقه الخامسه والعشرون

لحق رامي بها عند بوابة المنزل، فتعلق بها قائلًا:
ريهام اهدي شوية.. انت رايحة فين
هزت رأسها بعنف:
ـ قلت ابعدوا عني.. ما حدش ليه دعوة بيا.
شعر رامي أنها غير مدركة لما تفعل فقال:
ـ أسيبيك ازاي في الحالة دي؟!
حاولت أن تهدأ لتشعره بأنها ما زالت بوعيها مرددة:
ـ أنا لسه ما اتجننتش.. ابعد عني الساعة دي يا رامي.. ابعد عني الساعة دي.
.. استني أوصلك. ـ طيب أنت مرو حة يعني.. ولا إيه؟ !
أرادت أن ترفض بشدة لكنها تعلم إنه لن يتركها، فقالت:
ـ خلصني.
خرجت فتبعها لسيارته، لم يرغب في قول كلمة واحدة فالوضع لا يحتمل، لكنه
كان يخشى أن تفرغ شحنة غضبها هذه على يوسف.. يوسف يحب أخته هو
يشعر بذلك.. لكنها الان لا ترى غير اتفاقه مع والدهما، الامور تدهورت فجأة..
وكأن كل شيء ينهار حولهما… أراد أن يفعل أي شيء… لكنه هو أيضاً
مصدوم.. وغاضب من يوسف أيضاً كيف لا يخبره بحقيقة وضعهما المالي..
كيف يشارك أباه وعمه أفكار ليست منطقية من وجهة نظره..
وصال للمبنى السكني وبالنظر لشقتهما رأى الانوار مضاءة فعرف أن يوسف
وصل أيضاً، أ اردت ريهام الترجل فأمسك رامي بذراعها:
ـ يوسف مالوش ذنب؟!
رفعت إحدى حاجبيها قائلة:
ـ أكيد الذنب ذنبي أنا!.
أصر على أن يكمل:
ـ بغض النظر عن سبب جوازه بيكي من الاول.. بس أنا متاكد إنه بيحبك…
دلوقت بيحبك.
أفلتت ضحكة ساخرة مريرة وهي تقول:
ـ هو الحب عند الناس ماله بقى غريب كده.
عقد حاجبيه فلم يفهم قصدها… ولكن تأكد عنده شعوره بأنها قد تقدم على خطوة
مجنونة، جذبت ذراعها من يده لتدخل المبنى بينما يتابعها ببصره، لم يرغب
بالمغادرة.. شيئاً ما أخبره أن ريهام ستعاود النزول مجدداً.. إلا إذا نجح يوسف في
تهدئتها وهو ما يشك فيه بشدة.. لذا قرر الانتظار قليلًا.. حتى يطمئن على أخته.
تركته لتذهب فهي الان مشغولة بشيء واحد.. استعادة كرامتها، لقد خدعها
الجميع.. كل من أحبتهم بحق.. كلهم خدعوها تحت مسمى حمايتها.. وأولهم
يوسف.. هل يتصور نها طفلة غير قادرة على تقدير مصيرها؟.. ليقررا لها حياتها
دون حتى توضيح حقيقة الامور لها.. هي المخطئة من البداية لم يكن عليها أن
توافق على تلك الزيجة غير المبررة؟.. هي من سمحت لهم بخداعها وقبلت عرض
يوسف بمنتهى السذاجة…
شعرت بالالم يزداد.. يتصاعد لهيبه.. ليصل إلى أنفاسها ليحرقها ويزيد من
حرارتها.. ليتها ما أحبته لكان الالم أخف وطأة.. لامكنها أن تدير ظهرها له بكل
سهولة وتبتعد.. لكنها تشعر كمن يقدم على الانتحار بكامل إرادته.. كمن يدفع
نفسه دفعاً لسقوط في هوة عميقة لا يدري منتهاها..
وجدت أن عليها أن تتعلم معنى سمعته كثيراً.. معنى أن تضع قلبها تحت
قدميها.. وتقـ,ـتل حبها بيديها.. سترفع عن يوسف الحرج.. وتنهي تلك العلاقة التي
.. أجبر عليها لمجرد أنها ابنة عمه.. لن يضطر أن يكون مسئوالا عنها بعد الان
لن يضطر إلى تمثيل دور الزوج المثالي إلقناعها بالبقاء معه فحسب.. ستطلب
حريتها لتمنحه حريته.. رغم ال…..الم الذي ستعيشه بفراقه.. لكنه أهون عندها من
إجباره على تلك الحياة.
وقفت أمام باب الشقة بجسد ينتفض وعينين باكيتين وقلب محطم، كل ما تأمله أن
تجد القوة لفعل ما قررته فعلًا… عليها فقط أن تتذكر خداعهم.. وهذا كفيل بمنحها
القوة المطلوبة، أغلقت عينيها لتنهمر المزيد من الدموع، مسحتها بقوة عن وجهها..
لا تريد أن تبكي… لا تريد أن يرى مدى ضعفها.. أخرجت مفاتيح شقتها لتدلف كانت
أخيرا الشقة معطرة لكنه عطرا . شعرت وكأنه يخنقها ً،. معقول.. هل غضبها ً
وصل لهذه الدرجة؟… لم تعد تطيق المكان الذي شهد حبها ليوسف!
تسمرت مكانها حين جاءها صوته:
ـ ريهام…
رفعت نظرها إليه، كان يبدو متأنقاً ووسيماً جداً.. تباً ما هذا الذي يخطر ببالها!..
إنها هنا لتنهي علاقتهما، بدا الفزع على ملامح يوسف عندما انتبه لدموعها فأسرع
نحوها:
ـ ريهام.. في إيه!؟… في حاجة حصلت في البيت.
أراد أن يرفع يديه ليحيط كتفيها لكنه انتفض عندما صرخت في وجهه:
ـ ما تلمسنييش.
حدق بها مذهولا، وآلمه حقاً أن تكره أن يلمسها لهذه الدرجة.. ولكن لماذا؟!.. ما
الذي يجري؟.. ظل يحدق بها وقد لاجمته صرختها وما أدهشه فعلًا هو نظرة
الغضب الشديدة التي تمنحها إياه… مما جعله يتساءل؟… لم تنظر له هكذا؟..
ما الذي فعله أغضبها بهذا الشكل؟… الامور كانت على ما يرام… ما الذي
تغيير؟… هل ما حدث في بيت عمه متعلق به بشكل أو بآخر؟..
أضناه التفكير أراد أن يسألها ما الذي أصابها وبماذا أخطأ؟.. لكنها مرت من
أمامه لتدخل غرفتها دون أن تغلق بابها فتبعها بهدوء ليرى ما الذي تفعله؟!…
ورفع حاجبيه في دهشة عندما رآها تسحب حقيبة سفر ضخمة وبدأت بملاها بكل
ما يخصها في الغرفة من ملابس وغيره..
لم يفهم ما الذي يجري… قلبه بدأ بالدق بعنف… وكأنه يخشى القادم.. خاصة
مع نظرة الغضب التي تمنحهها إياه بينما تفعل ما تفعل، فخطا داخل الغرفة قائلًا:
انت بتعملي إيه؟!
منحته نظرت غضب سريعة وعادت تقذف بكل ما تقع يدها عليه في تلك الحقيبة.
فاقترب أكثر قائلًا وقد بدت العصبية والتوتر في صوته:
أنا بسألك أنت بتعملي إيه؟! ـ
توقفت عن الحركة و أخذت تحاول التنفس ببطء ثم وضعت عيناها بعينيه قائلة:
ـ زي ما أنت شايف.. بلم حاجتي.
ـ آه.. ليه بقى؟… في حاجة حصلت في بيت عمي؟.
عقدت ذراعيها أمامها قائلة:
ت ـ اللي حصل في بيت عمك حصل من زمان… مش دلوقت … و أنا مش رايحة
بيت عمك.. أنا رايحة عند نهى.
حاول أن يتماسك ولا يثور عليها وهو يقول:
ـ نهى!.. ليه؟… هي تعبت تاني؟.
فوجي بها تصيح فجأة:
ـ أنا اللي تعبت.. تعبت وعايزة آلاقي مكان أعرف أتنفس فيه… أتنفس فيه مع حد
مش بيكدب عليا… مع حد ما بيخدعنيش.
كلمات أصابت يوسف في مقتـ,ـل.. من الواضح إنها تقصده هو.. هو كذ….ب
عليها!.. هو خدعها!.. متى؟.. متى فعل ذلك؟..
رآها تغلق حقيبتها وبذلت مجهوداً لرفعها والخروج بها من الغرفة بينما يتابعها
والحيرة تملا جنبات روحه بينما عقله يردد كلماتها محاولا تفسيرها، ولكنه عجز
عن ذلك تماماً..
وضعت الحقيبة بمنتصف غرفة المعيشة، لتسمعه يقول:
ـ أنت قصدك إيه؟!… أنا خدعتك؟.. كدبت عليك؟!.
التفتت له وقد بلغ عضبها مداه لتقول:
ـ يا جبروتك يا أخي.. خالص.. خلص الفيلم… أنا عرفت كل حاجة.
ضغط على أسنانه ليتمالك نفسه وهو يمرر أصابعه بشدة بين خصالت شعره
ليقول:
أنا مش فاهم حاجة…عرفتى إيه؟!
لوحت بكفيها في الهواء قائلة:
ـ عرفت إني كنت غبية… لما صدقت.. لما صدقت إنك…
لم تستطع أن تكمل وعادت دموعها تواصل الهطول كالسيول، هز رأسه في يأس:
ريهام أرجوك.. مش عايز ألغاز… هو إيه اللي حصل؟! ـ
عادت تنظر له، وتمنت لو كان كل هذا كابوس، ستستيقظ منه لتجد نفسها بين
ذ ارعيه يقول لها أحبك، الكلمة التي لم تسمعها منه أبداً، لكنها عادت للواقع
المرير.. والحقيقة الواضحة أمامها.. لتقول:
ـ اللي حصل.. اللي حصل أنك طول عمرك شهم.. ومضحي… ممكن تضحي
بسعادتك علشان غيرك… ممكن تعمل أي حاجة علشان اللي حاوليك يكونوا
مبسوطين… بس المرة دي.. ما ظبطتش معاك… بابا لجأ لك علشان تشيل
الشيلة عنه لانه خسر كل حاجة، وما حبش بنته الدلوعة.. المترفة أنها تتبهدل،
فكر.. لاقى إن أنسب واحد يشيل همها وما يقولش لا.. هو أنت… وعمي يصرف
على البيت… ويلا زيتنا يبقى في دقيقنا… واهي البنت برضو مش هتتبهدل مع
ابن عمها… اللي مش مهم يكون بيحبها ولا لأ.. ومش مهم هي بتحبه ولا لا…
المهم أن الكبار يطمنوا… أكني عروسة خشب بتحركوها زي ما أنتوا عايزين…
والجوازة تتم وبجملة المصاريف، بس يا خسارة… ابن عمي الشهم… ما خدش
حقه كويس من الجوازة… طلعت فشنك.. طب كنت قلتلي… كنت على الاقل
إديتك حقوقك كلها.. ودفعت لك شوية من جمايلك وجمايل عمي على عيلتي.
لم يصدق يوسف ما يسمع، كان مذهولا… لكن جملتها الاخيرة أثارت داخله
براكين من الغضب فصرخ عليها:
ـ إيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه ده؟!!!
قالت بإصرار:
ـ ده مش كلام فارغ… دي الحقيقة.. أنت ازاي تضحك عليا؟.. ازاي تخدعني؟.
ضم قبضتيه بشدة حتى كاد يدميهما من كثرة الغضب، وبذل مجهوداً خرافياً
لخفض مستوى صوته:
ـ حقيقة… حقيقة إيه؟.. هو أنت
اتعلمت تحكمي وتتحكمي في الناس وبس.
اتعلم تسمعي نفسك وبس.. الاااا وكمان ما شاء الله. عندك قدرة عجيبة على
قراءة أفكار الاخرين وتفسريهأن حسب هواك … ياااه… انت ما فيش منك اتنين.
اتسعت عيناها وهي تسمع منه كيف يراها، فرددت:
ـ أنا.. أنا كده؟.
استعار كلماتها بأسلوب ساخر قائلًا:
يا جبروتك… يعني أنت مش عارفة!
أيسخر منها أيضاً؟.. هل يريد أن يجعل غضبها يصل عنان السماء؟.. كيف
يتحدث معها هكذا.. ألا يخجل من نفسه؟.. اكتشفت خداعه لها ومع ذلك يتحدث
وكأن هي المخطئة! زاد احمرار وجهها من الغضب وهي تقول:
ـ أنت.. أنت… بتكلمني أنا كده!.
هز رأسه وما زالت سخريته المريرة تقـ,ـتلها:
لا يا شيخة… يعني أنت المفروض تقوليلي كل الكلام ده… و أنا المفروض ما ت ـ
أردش وال أقول حاجة… أصقف لك مثلًا… ولا اعيط لك بالدموع.!!
ترك سخريته ليتحدث بجدية تملاها الغضب:
حرام عليك … أنا خلاص تعبت… حياتي كلها خلتها طوع أمرك.. استنى يا
يوسف.. اصبر على ريهام..مش دلوقت يا يوسف دي برضو ريهام.. وفي الاخر
جاية تتحفيني بأفكارك البراقة عني وعن والدي… تعرفي أد إيه أن
تعبتيني…تعرفي أد إيه.. كنت…
صرخت في وجهه مقاطعة:
ـ خلاص يا أستاذ يوسف.. بما أني تعباك قوي كده… وعايش معايا بالعافية
علشان أبويا وعمي… أنا بقى هريحك.. وهعفيك من أي مسئولية ناحيتي.
ً ابتلعت ريقها بينما يحدق بها ما بين ذهول وغضب، أنها لا تفهم أبدا ما يقول لا
تفهم إلا ما تريد أن تفهمه، عقدت حاجبيها بشدة لتقول:
ـ طلقني.
لن نعرف بالضبط من سقط قلبه بين قدميه.. فلنقل الاثنين؛ يوسف لم يصدق أنها
قالتها؛ فبعد كل ما عاناه من أجلها تطلب الطلا.ق!.. وهي كم تمنت لو لم تنطقها،
تشعر أنها ستصاب بالجنون.. تنطق بعكس ما تريد!… قالتها وهي تريده أى يلبي
طلبها أبدا
منذ قليل كانت وعدت نفسها ألا تفارقه وأن تمنعه عن مفارقتها فما الذي يجري
الان؟..
هي هي من تطلب أن يفارقها!… شعرت بأن الزمن قد توقف.. يوسف يحدق بها
وبدت نظر اته غير واضحة لها أو هي فقدت القدرة على الرؤية من كثرة دموعها
وكذلك من شدة خو.فها الشديد من صمته الذي استمر لا تعرف إلى متى لكنه
استمرة واستمر…
سينطق بما طلبت سيطـ,ـلقها حتماً هذا ما كانت تحدث نفسها به، وأخيرا تحركت
شفتاه، كادت أن تفقد وعيها وهي تنعي حظها وما فعلته بنفسها لتسمعه يقول في
هدوء:
ـ حاضر.
اغلقت عينيها رغماً عنها … لم تعرف كيف ما زالت عيناها تنضح بالدموع!.. من
أين لها بهذة القدرة؟..
ً حتى لو هي التي
تمنت أن يرفض… أن يخبرها بأنه يحبها.. ولن يفارقها أبدا
طلبت، انحنت لتحمل حقيبتها لكنه أوقفها قائلًا:
ـ لحظة..
تسمرت مكانها لترفع بصرها إليه، لتجده يتجه للاريكة ويجلس عليها قائلًا:
ـ طلب أخير… اسمعيني لاخر مرة… حاجة كان نفسي أقولها لك من زمان…
ممكن؟.
بقيت مكانها للحظات ثم تحركت لتجلس على الكرسي المقابل، دون النظر إليه
فأردف:
ـ اسمعيني للاخر… وما تقطعنيش.
لم تعلق فقط تمسح دموعها التي لا تكف عن الهطول، فأراح يوسف ظهره على
مسند الاريكة وكأنه يبحث عن راحة ولو بسيطة ليقول ما يقول:
ـ هحكي لك أهم حاجة حصلت في حياتي.. من أربع سنين بالظبط حبيت..
وكانت أول مرة أحب.
صمت لثواني ونظر لها ليرى ارتجاف كفيها، وهي تضغط عليهما بقوة، فأكمل:
ـ ما اعرفش حبيتها ازاي وليه!… بس حبيتها، كل ما كنت بشوفها ولو من بعيد أو
حتى أسمعهم بيتلكموا عنها كان قلبي بيدق قوي، وحرارة جسمي بتزيد.. وشغلت
كل تفكيري…
مع إني كنت أعرفها من زمان، ولما سافرت كنت هتجنن واعرف أخبارها.. لاني
خبيت مشاعري دي وما قلتلهاش حاجة، كنت خايف اسمع في أي وقت أنها
اتخطبت ولا اتجوزت… وكل سنة تعدي أعرف أنها لسه حرة، الامل بيتجدد
جوايا… وبحس أن حلمي هيتحقق.. رغم ثقتي فإني مش على بالها أصلًا.. لكن
كنت بقول لنفسي ما دام حرة يبقى فرصتي كبيرة..
وأخيرا رجعت علشان أستقر
هنا.. وقلت هبدأ اتقرب منها واحدة واحدة أخليها تعرفني أكثر.. علشان أما أتقدم
لها تكون عرفاني كويس.
عاد لصمته مرة أخرى، بينما ريهام تشعر أن قلبها ينصر صهراً، لهذه الدرجة لا
يهتم بمشاعرها يقص عليها قصة حبه التي فشلت طبعاً بسببها وبسبب زواجها
الاجباري منه.. هل يريد أن يخبرها أنه تعذب.. أكثر منها؟.. أنه لم يخطئ بل
كان ضحية مثلها وربما أكثر منها..
أرادت أن تصرخ في وجهه أن يصمت ألا… يقـ,ـتلها مرتين.. لكنها لم تستطع فقط
صمتت ليعود هو لحديثه قائلًا:
ـ ويا دوب عدا يوم على رجوعي، لافاجئ بوالدي بيكلمني في موضوع الجواز..
قلت مش مشكلة هقوله أني بحب و أني هتقدم للي بحبها في الوقت المناسب و أنا
متأكد إنه مش هيرفض لما يعرفها، لكن هو ما استنانيش… قالي أن العروسة
موجودة.. بنت عمي ريهام…
أغلقت ريهام عينيها واشمئزازها من نفسها يزداد ليكمل يوسف:
ـ ما صدقتش نفسي… ريهام!… عايزني أتجوز ريهام؟… اللي هي نفسها حب
عمري.
هل تعرفون شعور من يشعر بالحمى الشديدة ثم يأتي من يصب عليه ماءاً ليخفف
من درجة حرارته، هذا ما شعرت به ريهام وهي تسمع جملته الاخيرة، قشعريرة
سرت في جسدها كله.. لم ترد أن تصدق.. لعلها لم تسمع بالشكل الصحيح…
هل كان يتحدث عنها منذ البداية؟.. فأدارت رأسها نحوه وهي تنظر له بذهول،
فأكمل دون أن ينظر نحوها:
ـ وكانت سعادتي ملهاش مثيل… حلمي هيتحقق أسرع مما تخيلت… رغم خو…في
من رفضها لاني عارف أنها ما بتحبنيش… وقلت أني مش هجبرها على حاجة
هي مش عايزاها.. ورغم توقعي لرفضها إلا إني لما سمعتها بتقولي..”أنا مش
هتجوز إلا من حد أحس فعلا إني عايزة أكون مراته.. حد أحبه قوي”… جملة
حفظتها عن ظهر قلب.. لانها دخلت قلبي زي طعـ,ـنة سكـ,ـين وغرزت.. وما
خر؟جتش.. لاقيت حلمي بيتحطم في ثواني.. وعرفت أني بعيد عنها قوي.. قوي..
دي حتى ما اديتنيش فرصة أقول أي حاجة!.. حكمت عليا في لحظة من غير ما
تسمعني… وكان لازم أنفذ طلبها… أعملها اللي هيحزني… و يعذبني طول
عمري.. لاني ما تصورتش إني ممكن أحب حد زي ما حبيتها… وحاولت..
حاولت أوقف الجوازة… ولما فشلت أصريت على والدي يقولي سبب اصرارهم
على الموضوع، وساعتها عرفت.. ورغم اني لمت بابا على كده.. لان من حق
والد عمي يساعدوا أبوهم لكنه رفض حتى مناقشة الموضوع، فحسيت أني بقيت
مسئول معاهم عن حماية حبي الوحيد.. ولو رغم عنها، وأقنعتها بالجواز و فكرة
واحدة في دماغي.. أوصلها حبي على أد ما اقدر.. أخليها تحس بيا وتبادلني
نفس الشعور.. أعترف بغلطتي في أني اتأخرت في البوح بمشاعري بالكلام
وسيبتها تحاول تخمن بس.
أطلق زفرة حارة، ليقول بألم:
ـ ورغم كل اللي فات وعملته.. آلاقيها بتتهمني بأني كداب ومخادع، الاا.. وعايزة
تديني حقوقي تخليص حق!.. وأخيراً أكدت فشلي في كل حاجة وطلبت مني
الطلاق.
حنى أرسه قليلًا ناظرا للارض ثم اعتدل ناظراً لها وما ازلت عيناها متعلقة به
تحمل الكثير من المعاني… الذهول… الحزن… الاسى، وقف ليحمل حقيبتها
قائلًا:
ـ الوقت متأخر… هوصلك لبيت نهى.

لم يضف شيئاً فقد تحرك ليخرج من الشقة، ظلت ريهام مكانها لم تشعر بأي قدرة
على الحركة تحاول استيعاب هذا الكم الهائل من المشاعر التي تجتاحها.. تشعر
بأن كل ما يحدث فوق طاقتها…أنها على شفا الانهيار.. هل عذبته طوال هذة
الفترة؟.. ولكن لماذا؟!.. لماذا توجب عليهما أن يعانيا لهذه الدرجة
أخرجها صوته من أفكارها قائلًا:
ـ يلا
تحركت بصعوبة لتتبعه، لم لا يمكنها أن تطلب منه مسامحتها والبقاء معه؟.. هل
سيطلقها فعلًا كما طلبت؟.. ما الذي سيفعله معها؟!.. بل ما الذي ستفعله هي؟..
هذا هو السؤال الاكثر منطقية.. كما قالت لها نهى من قبل.. الكرة في ملعبك…
دوماً الكرة في ملعبها.
دخلت في السيارة التي جلس يوسف أمام مقودها لينطلق بها، الصمت يخيم
عليهما فلم يعد لدى يوسف ما يقوله.. لقد قال كل شيء.. عليها هي الان أن
تعرف ما الذي تريده ولاول مرة تكتشف ريهام هذا العيب المستحكم فيها دون دراية
منها… هل هي حقاً متسرعة ومندفعة في حكمها على الامور؟.. هل تقيم الناس
وتصرفاتهم بما يمليه عليها رأسها فحسب؟.
أوقف يوسف السيارة قائلًا:
ـ وصلنا.
ظلت مكانها لثواني فترجل يوسف لينزل الحقيبة التي ملاتها فجعلتها ثقيلة حتى
عليه، وحمل الحقيبة إلى المصعد تابعته وهي ترى حرصه عليها حتى في تلك
اللحظات..مر بجابنها ليغادر لكنه توقف قائلًا:
ـ ورقة طلاقك هتوصلك قريب.
تسمرت مكانها بينما أكمل طريقه عائداً للسيارة، جسدها بالفعل تصلب كلياً..
بذلت مجهودا مضتياً لتحرك قدميها لتخطو داخل المصعد.. بينما هو ركب سيارته ً
لكنه لم يتحرك بل وضع رأسه على المقود وأغلق عينيه، تدهورت الامور بشكل لا
يصدق، كان يعلم أنها حتماً ستعرف بأمر خسارة والدها… لكنه لم يتصور أن
تضعه في خانة المخادعين الكاذبين.. ما الذي فعله لينال منها كل تلك العبارات
التي جرحته ومزقته؟.. وأكثر ما مزقه قولها عن حقوقه التي كان يجب أن يأخذها
منها… بعد أن فعل كل هذا ليؤكد لها أن حبه لها أكبر من كل شيء حتى رغبته
فيها.. تقول تلك الكلمات.. وكأن شيئاً لم يكن.
“أنت هتنام هنا ولا إيه؟!”
رفع رأسه لينظر لمحدثه مندهشاً ليقول:
ـ رامي!.. أنت بتعمل إيه هنا؟…
ثم تذكر نهى فقال:
ـ أنت كنت عند نهى؟.
هز رامي رأسه:
ـ نهى إيه يا عم!… أنت هتجيبلها مصيبة… هزورها ازاي في وقت متأخر
كده!… دي تلاقيها في سابع نومة علشان بتروح شغلها بدري.. أنا وصلت ريهام
وفضلت تحت بيتكم ولما شوفتك نازل مع ريهام بصراحة افتكرتك هترجعها على
البيت كنت حاسس أنها مش هتبات معاك، المهم مشيت وراكم.. ووصلت مطرح
ما وصلتم.. يلا.. أنا هطلع بعربيتي و أنت تعالى ورايا.. عايزين نتكلم شوية.
جلس يوسف يحدق في لا شيء بينما يرمقه رامي بنظرة غيظ، ثم قال:
ـ أنت ازاي ما تقوليش يا بني أنت… سايبني كده على عمايا.. ولا أنت كمان
شايفني عيل وما اعرفش أتحمل المسئولية.
نظر له يوسف قليلًا : ليقول
ـ أعمل إيه يعني!… وعدت والدي أني ما اتكلمش مع حد وده قبل حتى ما أعرف
في ايه.. ولما عرفت ما كنش ينفع أرجع في كلامي واخلف وعدي.
ـ أيوة.. بس المفروض حاجة زي دي كان لازم نعرفها.. ليه عمي يتحمل
مسئوليتنا؟.
قال يوسف بضيق:
ـ هو أنتو ا مالكوا بتتكلموا عنا كده أكننا أغراب عنكم!… هو عمك ده مش زي
أبوك؟.
فهم رامي أنه يقصد ريهام أيضاً : لكنه قال
ـ أيوة يا سيدي زي بابا… بس.. بس ده لو كنا صغيرين ومش عارفين نعمل
حاجة.. كنت قلتلك ماشي… يصرف علينا… بس احنا مش عيال يا يوسف…
وفي ألف طريقة كان ممكن نعملها علشان نتجاوز الازمة دي.
هز يوسف أرسه قائلًا:
ـ عندك حق.. وأنا ما كنتش موافق بس أعمل إيه؟… ما كنتش أعرف أن التربيزة
هتتقلب فوق دماغي أنا في الاخر.
ظهرت شبح ابتسامة على شفاه رامي وهو يقول:
ـ قصدك ريهام؟.
أومأ براسه إيجاباً، فأردف ارمي:
ـ معلش.. هي مصدومة شوية.. حاسة أنه اضحك عليها… اديها شوية وقت
تهدى.. وكل حاجة هترجع لطبيعتها.
مط يوسف شفتيه قائلًا:
ـ ما أظنش.. ريهام جابت من الاخر… و أنا كمان.
عقد ارمي حاجبيه قائلًا:
ـ يوسف… اوعى تكون ناوي تطلقها؟.
أشاح بوجهه بعيدا : ً قائلًا
ـ أنا هنفذ اللي طلبته مني.. وهي طلبت الطلا…ق.
مال رامي للامام متعلقاً بكفه:
ـ يوسف… يوسف.. ريهام مش في وعيها.. أنا متأكد أنها بتحبك.. يا بني دي
كانت هتمو….ت في أمريكا من القلق والخو…ف عليك… و أنت كمان بتحبها.. مش
كده ولا إيه؟!.. أوعى تطلقها يا يوسف… دي تروح فيها.. اصبر بس شوية
طيب.. طيب أنت عرفتها أنك بتحبها.
لم يعلق يوسف فقال رامي:
ـ يعني ما قلتلهاش.. على أساس أنها هتشم على ضهر ايدها وتعرف أنك
بتحبها.. وفالح تنصح فيا.. قول لنهى.. قول لنهى.. و أنت!.. هتقول لريهام
امتى؟… بعد الطلاق ولا قبله؟!.
أنا عارف أني إتأخرت في الموضوع ده.. اتأخرت كتير..بس هي دلوقت عارفة
كويس أني بحبها… عارفة كويس قوي.
ـ طيب كويس.. اديها فرصة بقى تكون مع نفسها شوية.. و أنا متأكد أنها هترجع
لك.. ثم مش أنت اللي قلت أن معركة الحب دي أشرس معركة ممكن تقابلها في
حياتك.. مالك عايز تستسلم بسرعة كده؟.
ابتسم في سخرية ليقول:
ـ استسلم!… أنا خالص بعلن هزيمتي… أنا عملت كل اللي قدرت عليه…
قاطعه ارمي قائلًا:
ـ من وجهة نظرك… بس يمكن كان في حاجات تانية لازم تعملها قبل ما تعلن
هزيمتك.. يوسف صدقني… ريهام هيجر ى لها حاجه لو طلقتها… أرجوك أصبر.
قال يوسف بغيظ:
ـ طلقتها… طلقتها.. في ايه يا بني!… مالك محسسني أني هروح للمأذون بكره…
أنا بحبها…
وأكيد طبعا مش عايز أطلقها.
رفع رامي كفه أمام وجهه:
ـ طب ماتزؤقش.. أنا قلت غير كده… أنا واثق أنها مش هتطلبها منك تاني..
نعدي بس المرحلة اللي احنا فيها دي.. وكله هيبقى تمام إن شاء الله
تمتم يوسف متأملا:
ـ إن شاء الله

الحلقه السادس والعشرون

طرقت ريهام على نهى بابها لكنها لم تلق استجابة فعلمت أنها نائمة، فأخرجت
هاتفها الخلوي لتتصل بهاتف منزلها لانها تعلم أنها تغلق هاتفها الخلوي أثناء
نومها، سمعت من مكانها رنين الهاتف، أنصتت جيدا حتى تسمع أي حركة
وبالفعل سمعت صوت خطوات فأغلقت الهاتف لتطرق الباب من جديد، فاقتربت
الخطوات من الباب لتسمع صوت نهى القلق:
ـ مين.. مين؟!
أجابت ريهام بصوت مكتوم:
ـ أفتحي يا نهى أنا ريهام.
لم تكن نهى تعلم بوصولهم أصلًا من أمريكا ففتحت الباب سريعاً لتحدق بذهول
في وجه ريهام الباكي الشاحب لتفرك عينيها الناعستين قائلة:
ـ ريهام.. أنتو ا جيتوا امتى؟… ومالك عاملة كده ليه؟.
لم ترد ريهام أن تفزعها لكنها لم تجد إلا أن تلقي بنفسها على كتف رفيقتها لتبكي
مجددا، فقالت نهى وهي تربت عليها وقد أصابها القلق الشديد: ً
ـ يا ربي… في ايه يا ريهام؟… هو يوسف… هو يوسف ما طلعش؟.
رددت ريهام وهي على حالها:
ـ لا طلع.. ورجعنا كلنا.. بس خلاص.. كل حاجة انتهت.. كل ما أقول خلاص
هبدأ حياتي معاه.. آلاقي حاجة تيجي تدمر كل حاجة.
جذبتها نهى للداخل مرددة:
ـ اهدي… اهدي.. ادخلي.. تعالي أقعدي.
أجلستها على الاريكة، وقد لمحت الحقيبة على الباب فعادت لتسحبها للداخل، ثم
جلست بجانب رفيقتها قائلة:
ـ اهدي يا ريهام.. وفهميني بالراحة هو في إيه؟!
قصت لها من بين دموعها ما حدث، وكيف انتهى حوارها مع يوسف، ضر..بت
نهى كفاً بكف قائلة:
ـ هي حكايتك مع يوسف عاملة كده ليه؟.. كل ما نسلكها من ناحية تتعقد من
الناحية التانية!.
ثم نظرت لريهام قائلة:
بس لو عايزة الصراحة أنت كبرت الموضوع.
التفتت لها ريهام قائلة بدهشة:
ـ كبرت الموضوع!.
هزت نهى رأسها:
ـ ما كنش المفروض تتصرفي و أنت غضبـ,ـانة.. لان أكيد رد فعلك هيكون مبالغ
فيه.. ثم لو فكرت للحظة يوسف ماكذبش عليك في حاجة… أنت أصلًا سألتيه
هو والدك ماله!… حتى لما سألتيه عايز تتجوزني ليه أنت اللي جاوبت على نفسك…ليه دلوقت بتتهـ،ـ,ـميه بالكذ…ب؟.
ـ بس كلهم خدعوني… وهو معاهم.
ـ بفرض انهم خدعوك…هما يعني كانوا عايزين يقتـ,ـلو ك ولا يحرموك من حقك في
الحياة!.. يمكن الوسيلة من وجهة نظرك غلط.. بس الهدف… الهدف يستحق أنك
تسامحيهم عشانه…أبوك اللي عاش عمره يحقق لك كل أحلامك صعب عليه أن
نفسك تكون في حاجه و ما طوليهاش… فعمل اللي عمله… صحيح أنتو ا كبار
وممكن تتحملوا المسئولية.. لكن أنا والدتي كانت دايما تقولي.. مهما كبر ت يانهى.. هفضل فاكرة يوم ما شيلتك في ايدي .اول لما اتولد دايما هشوفك بنتي
الصغيرة.. ما تلوميهوش على مشاعر الابوة اللي شايلها لك.
زاد بكاء ريهام مع كلمات نهى التى وجدت صدى عندها، لقد جعلت يوسف يدفع
ثمن شيء لا ذنب له فيه…
فابتسمت نهى قائلة:
عارفة أنت بتعيـ,ـطي قوي ليه؟… مش علشان بس والدك خبى عليك ولا يوسف.. أنت
صعبان عليك أنك ظلمت يوسف في مسألة حبه ليكي اللي اعترف
لك به في الاخر.. بعد ما خلاص طلب الطلاق.. مش كده؟.
وجدت ريهام أن ما تقوله نهى صحيح، فليس ما يتردد في ذهنها كلام أبيها أو ما
حدث منه، وانما كل ما يدور بخلدها هو كلام يوسف عن حبه لها من البداية..
دون أن تشعر بذلك، عقدت حاجبيها قائلة:
ـ وهو كان مستني إيه علشان يقولي!… كان لازم أقوله طلقني علشان يقولي
بحبك.
زفرت نهى قائلة:
ـ خالص يا ريهام… سيبينا من كل اللي فات.. لانه فات.. عايزين نفكر في اللي
جاي… دلوقت أهلك محتاجينك… تعيدوا ترتيب أموركم مرة تانية… وأكيد يوسف
مش هينفذ طلبك الغريب ده ويطلقك.
ـ لا هينفذه.
وانت متأكده كده ليه؟؟
عادت تدفن وجهها بين كفها مرددة:
ـ قالي هبعتلك ورقتك قريب.. خلاص يا نهى.. يوسف هيطلقني.
ضمتها نهى لصدرها مربتة على ظهرها:
لا يا ريهام.. يوسف بيحبك… أكيد هيستناك … يا هتطلبيها منه تاني وساعتها
يمكن ينفذ.. يا ترجعي لعقلك وما تقتـ,ـليش حبك بإيدك.. يلا.. قومي نامي
دلوقت … و أنا هقعد معاك بكرة ومش هروح الشغل.. يلا
افترشت ريهام السرير وقد جفت عيناها من الد…..موع ولم يعد لديها المزيد لتقدمه لها،
كانت تحدق بالسقف شاردة… كلام يوسف يعاد ويعاد في عقلها…
“ورقة طالقك هتوصلك قريب”
فركت رأسها وقد تزايد الشعور بالصداع بسبب البكاء المستمر، والتفكير
المضني… كيف ستتصرف الان؟… ماذا ستفعل؟!… هل سينتظرها يوسف كما
قالت نهى؟؟؟ أم سينفذ ما قاله لها؟… كم تتمنى ذلك ألا يفعل.. تتمنى لو ينسى
ما قالته بخصوص الطلاق.. لكنها لم تفهم ماذا كان يقصد بكلماته عن أنها
دوماً أتعبته؟..تصورت أنه سئم من تحمل مسئوليتها وليس أنها أتعبته في كونها
تسيء الظن به وبحبه لها.. حتى رامي.. يثق في حبه لها.. لما هي فقط من لم
تتمكن من رؤية هذا بوضوح؟..لم عجزت عن رؤية ما يشعر به نحوها في عينيه؟..
هي بحاجه إلى هدنة… هدنة تعيد فيها التفكير بالشكل السليم… حتى يمكنها
استعادة ما فقدت… عليها أن تركز الان في أمر عائلتها… وبالتأكيد ستهدأ
الامور وحينها سيمكنها أن تعرف ماذا عليها أن تفعل كي تستعيد حبها وهذه المرة
بالشكل الصحيح.
*************
جلست سامية تحدق بزوجها والدموع تغادر عينيها بصمت قائلة:
ـ كنت فاكرة إني اقرب إنسانة ليك.. إن أهم أسرار حياتك معايا أنا.. معقولة يا
محمد!.. كل ده يجر ى لك و أنا ما اعرفش… سايبني على عمايا… طب ولادك
كنت عايز تحميهم.. و أنا كمان.. و أنا كمان عاملتيني زي والدك.. ما أنا عشت
معاك لما كان مستوانا معقول.. كنا عايشين في شقة صغيرة.. وكنا مبسوطين…
تفتكر هزعل يعني على أننا ممكن نرجع للمستوى ده تاني!.
قال محمد بحزن شديد:
ـ ما قدرتش.. افتكرت أول يوم دخلنا فيه البيت ده.. افتكرت ضحكتك وفرحتك بيه
و أنت ماسكة ريهام من ايدها وبتجروا في الجنينة.. ولما قولتلي أنك مش هتغيري
البيت ده أبدا حتى لو جبتلك أحسن منه.. و أن الفيلا دي بقيت جزء من كل ً
ذكرياتك الحلوة… فبتلموني على إيه… على حبي ليكم؟… على خو…في أنكم
تخسروا أي حاجة حبيتوها… بتلمو….ني علشان بحبكم أكثر من نفسي؟!
لا يا محمد.. احنا بنلومك علشان افتكرت أن أنت بس اللي بتحبنا.. نسيت أن
احنا
كمان بنحبك.. أننا عيلة واحدة ولازم نفضل كده.. نساعد بعض.. نكون سند
لبعض.. والذكريات اللي بتتكلم عنها دي في قلوبنا وعقولنا.. قادرين نفتكرها
ونحافظ عليها.
قامت من مقعدها لتقترب من زوجها الجالس مكانه وتضم رأسه إلى صدرها قائلة:
ـ لو شيلت كل الهم لوحدك… هتتكسر يا محمد.. تفتكر هنعمل إيه احنا ساعتها..
سيبنا نشيله معاك… علشان يكون خفيف علينا كلنا.. ومش مهم أي حاجة…
طول ما احنا مع بعض.
*************************
وبعد مرور شهر…….
جلس يوسف في شرفة بيت أبيه مكانه المفضل منذ صغره، لم يرد أن يبقى وحيدا
في شقته ففضل البقاء مع أبيه وجدته بحجة أن ريهام انضمت لعائلتها لتساعدهم
في تجاوز تلك المرحلة، وتقبل أبو ه الامر وقدر له تركه لريهام في تلك الظروف
لتكون مع عائلتها..
لم يرد يوسف أن يخبره بما حدث بينهما، فهو حتى الان لم يستطع تنفيذ ما قاله
لها… ذهب للمأذون مرتين بالفعل لكنه يظل اقفاً ومام مكتبه ثم يلتفت مغادرا غير
قادرا . ً على اصدار وثيقة مو….ت حبه الوحيد
لكن قلبه يتألم.. كرامته مجروحة.. لا يستطيع أن ينسى كلماتها الجارحة له، وفي
نفس الوقت لا يمكنه أن يحررها من ميثاقه لانها بذلك ستكون النهاية التي ستفوق
ألم قلبه أو جرح كبريائه..
هل ينتظر أن تتصل به وتطلب الغفران؟.. ولكنها إلى الان لم تفعل.. أخبرها
بحبه الشديد لها والذي بدأ منذ سنوات ومع ذلك لم تحاول الاتصال به ولو مرة..
وها قد مرت الايام.. فقط يطمئن عليها من رامي، الذي قام معه بالبحث عن
أفضل عروض البيع لممتلكاتهم العقارية والتي بالفعل منحتهم الكثير من السيولة
المالية التي استخدمها رامي في بدء مشروعه الخاص بمساعدة والده ومعارفه
وانتقلوا لشقة صغيرة استقروا بها وبقيت ريهام معهم… واستقرت امورهم كثيرا لكنه
ما زال لا يسمع شيء من ريهام..
كم ينتظر اتصالها الذي لا يعرف إذا كان سيأتيه أصلًا؟!.. كم يفتقد رؤيتها؟..
كم يفتقد ابتسامتها؟… كم يفتقدها؟.
أحيانا يندهش من مشاعره نحوها.. فبرغم كل ما يصيبه من ألم بسببها من سوء
ظن فيه إلا أن حبها لم ينقص داخله مثقال ذرة، ما زالت تعني له كل شيء… ولا
يمكنه تخيل الحياة دونها.. هو واثق أنها إن احبته ستكون حياتهما سعيدة حتماً…
بالتأكيد سيعاني من اندفاعها وتسرعها ولكن حبهما سيهون عليه كل شيء… فقط
لو تعود له!… لو تسعى مثلما يسعى دوماً ،لاتمام زواجهما لتحسن كل شيء..
وانتهت كل المشاكل.. لكنه يعلم أن كل خطواته انتهت.. لم يعد في وسعه فعل
المزيد…
شعر بمن يلامس كتفه برقه واستطاع تميز تلك اللمسة بسهولة، فالتفتت مبتسما:
هًلا ست الكل… أنت ايه اللي مسهرك؟ ـ
جلست على الكرسي المقابل له لتقول:
ـ أصل بالي مشغول شوية.
اعتدل في جلسته متسائلًا باهتمام:
ـ خير يا حبيبتي… إيه اللي شاغلك؟
نظرت له بحنان قائلة:
ـ أنت!!
عقد حاجبيه قائلا:
ـ أنا!.. ليه؟!
ـ ما بقيتش يوسف اللي أنا عارفاه.. دايما حزين… فين ضحكتك اللي كانت بتملى
البيت.. وشك اللي كان بينور و أنت بتتكلم.. مالك يا يوسف؟.. مش عايز تتكلم
معانا ليه؟.. بصراحة أنا كلمت ابوك..وهو قالي اسيبك براحتك.. بس أنا متأكدة
أن في حاجة بينك وبين ريهام… مش عارفة واصله لحد فين… بس أنا حاسة أن
أنت بس اللي بتتعذب.. ليه يا بني؟.. ليه؟!
تطلع لها للحظات ثم أشاح بوجهه بعيدا، كم يكره الكذب عليها، لكن ما الذي
يمكنه قوله انفرجت شفتاه للحظة ثم أطبقها مجددا، فقالت بإصرار:
ـ برضو مش هتتكلم معايا!… يا بني أنا عايزة أساعدك.. قولي بس إيه المشكلة؟
ًطال صمته مجددا حتى أصابها اليأس لكنه أخيراً قال:
ـ ريهام زعلت مني علشان ما قولتلهاش على موضوع حالتهم المادية.. وحاسة أن
جوازي منها كان اجباري بسبب الموضوع ده.
ـ وده حقيقي؟.
لا طبعا مش حقيقي.. أنا.. أنا بحبها.
ابتسمت له قائلة:
ـ و أنا متاكدة من ده.. يعني هي بعيدة عنك بسبب زعلها ده.
هز رأسه ايجاباً، فقالت له:
ـ اسمعني يوسف.. متهيألي أنها عاشت معاك كفاية قوي علشان تحكم صح على
مشاعرك ناحيتها.. فلو بعد كل ده عايزة تبعد.. يبقى أكيد هي اللي خسرانة.
هز يوسف رأسه ليقول بحزن:
ـ أنا مش عايز حد يخسر… أنا.. أنا عايز أعيش معها.
ارتسم الالم على ملامح الجدة، لم تتصور أن حبه لتلك الفتاة بهذه القوة، امتلا
قلبها بالحسرة عليه.. كيف لتلك الغبية ألا ترى مدى حبه لها؟.. كيف تؤذيه بتلك
الطريقة؟… ألا تعلم بالنعمة التي منحها الله اياها؟.. رجل كيوسف هو الزوج الذي
تتمناه أي فتاة؟… هذه الحمقاء يجب أن تعود لرشدها؟..
ضيقت عينيها وقد عزمت أمراً، وقفت لتقترب منه وتربت على أرسه قائلة:
ـ اطمن يا يوسف.. ريهام لو لفت العالم مش هتالقي زيك.. أكيد كل شيء
هيتصلح.. صدقني.
ربت على كفها بحنان قائلًا:
ـ ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي.. ادعي لي.
دايماً بدعي لك يا يوسف. دايما بدعي لك.
*****************

الحلقه السابعه والعشرون

وقف رامي يطالع ساعته كل ثانية تقريباً في لهفة حتى رآها تقترب منه، ابتسم لها
في سعادة وما أن أصبحت أمامه حتى قال:
ـ كنت خايف قوي… ما تلبيش طلبي وترفضي تقابليني.
حاولت نهى الحفاظ على الجدية في ملامحها لكنها فشلت في ذلك فشل ذريع
ليظهر مكانهما التوتر والاحراج الشديدين، قائلة:
ـ أنت قلت في رسالتك في حاجة مهمة.
فرك أرسه قائلًا:
آه أكيد… هي حاجة مهمة جدا .بالنسبة لي . بس مش هنا.. تعالي بس نوقف ً ـ
تاكسي… زي ما أنت عارفة بيعنا العربيات.. وبقيت من راكبي المواصلات
العامة.
ابتسمت قائلة:
أهًلا بك.. معنا. ـ
منحها ضحكة صافية أشعرتها بالسعادة، سعادة أصبحت تزداد داخلها دون سابق
إنذار، منذ قرر رامي اتباع سياسة جديدة معها، فلم يعد يمر يوم إلا وقد أرسل لها
عدة رسائل، إما بالسؤال على حالها أو بطمئنتها على حاله وحال مشروعه الجديد،
وكأنه قرر أن يجعلها جزء من حياته رغماً عنها..
ًفي البداية شعرت وكأنه يحاصرها، لكن رويدا رويداً.. أصبحت تنتظر تلك
الرسائل بشوق والذي أعجبها أكثر.. أن رسائله لم تكن رسائل غرامية مليئة
بمشاعر الحب والهيام كي لا يشعرها بأن حبه لها حب مراهقين فحسب، بل كانت
رسائل حقيقية يقص لها فيها كيف كان بحثه فيما يتعلق بمشروعه.. وما الذي
نجح فيه وما الذي لم يتمه بعد.. كانت تشعر أنه يريد أن يبرز لها جانب مختلف
في شخصيته.. جانب أكثر جدية وتحمل للمسئولية..
لقد أضحى رامي في ليلة وضحاه المسئول الاول عن عائلته حيث و كل له أبوه كل
شيء بعدما شعر بالثقة في كلام رامي وطموحاته فمنحه موافقته على انشاء شركة
للبرمجيات نفس تخصص رامي الدراسي، صحيح أنها لم تعد تراه.. لكن رسائله
كانت تشعرها بقربه منها طوال الوقت.. حتى وصلت لها رسالة اليوم والتي يطلب
فيها مقابلتها لامر هام جدا محددا المكان والموعد.. ترددت في الذهاب، لكنها لم
تستطع منع نفسها من رؤيته… وكانت تتساءل عن هذا الامر الهام، راودتها
الكثير من الاحتمالات…
هل قرر مفاتحتها في أمر الزواج؟.. لكن هذا مستبعد حالياً فأمورهم المادية لم
تستقر بعد، صحيح أن مشروعه قد وضع أقدامه في سوق العمل بالفعل لكنه ما
زال في البداية.
جلست تتطلع حولها بينما يتابعها رامي مبتسماً : ليقول
ما اعتقدش أن في حد يعرفنا هيكون هنا.. كفاية بص حواليك .. احنا ما بنعملش
حاجة غلط.
زفرت قائلة:
ـ ماشي… بس أنت من ساعة ما قعدتني… وما قلتش حاجة.
ـ كل ده وما قلتش حاجة، بقولك استلمنا تالت مشاريع لشركات كبرى.. هنعمل كل
البرمجيات الخاصة بيها.. وتقوليلي ما قلتش حاجة.
ـ بقى دي الحاجة المهمة يا رامي.. كان ممكن تقول كده في الرسالة وخلاص.
ابتسم وهو ينظر في نقطة ما خلفها قائلًا:
الحاجة المهمة هتكون قدامك حاااالا. ـ
عقدت حاجبيها، واتضح لها الامر حين ظهر النادل وهو يحمل كعكة كبيرة وفي
منتصفها شمعتين، فاتسعت عيناها وسمعت رامي يقول:
كل سنة و أنت طيبة.. حبيت أقولها لك بنفسي.
شعرت نهى بكثير من الحرج خاصة مع التفات الناس لهما بعد وصول الكعكة،
لكنها لم تجد بدا من الابتسام قائلة:
ـ مش عارفة أقولك إيه؟!!
مبدائياً . ـ ممكن أقبل كلمة.. مبسوطة
ضحكت قائلة:
ـ وحاطط شمعتين بس… ده معناه إيه؟!
ـ شمعه ليكي وشمعة ليا… مش هنحتاج أكثر من كده.

ظلت نهى تحدق بالشمعتين، لم ترغب في النظر لعيناي رامي.. ربما لم ترد أن
يقرأ ما تحمله عيناها من أفكار، فمن ناحية لا يمكنها أن تمنع نفسها من الشعور
بالفرح من اهتمامه وحرصه على إسعادها بكل الطرق الممكنة، ومن ناحية ما زال
الخو….ف يتملكها من الدخول في علاقة قد تحمل لها الكثير من المشاكل ولالالم.
ولهذا قررت الابتعاد عنه.. فكيف انتهى بها الحال تجلس أمامه!.. تبتسم..
تضحك.. تفرح.. وكأن تلك المشاعر ليست من حقها لمجرد أن رامي أصغر منها
سناً.
ـ نهى.
وصلها ندائه الرقيق فرفعت بصرها إليه ليقول:
ـ أنا مقدر قلقك وخو….فك من اللي جاي.. بس من امتى كان بكره مضمون.. احنا
علينا نسعى وربنا هو اللي بيدبر لنا حياتنا.
صمتت نهى قليلًا لتقول
ـ ما اعتقدش أني هستحمل يا رامي.. ما عنديش استعداد احلم أحالم سعيدة تنتهي
على كوابيس مزعجة، مش عايزة اسمع كلام يجرحني.. ويهني.. أنا…
قاطعها قائلًا:
ما حدش يقدر يهنيك و أنا موجود… أوعدك أني أحميك من أي كلام ممكن ـ
يضايقك.. ولا يمكن أسمح أنك تكوني في موقف ضعف.
ـ الكالم سهل.
ًقالتها بحزن سبب األلم ل ارمي كثيرا فقال بإصرار:
ـ والفعل كمان.. حتى لو كان صعب.. هعمله.. اسمعيني يا نهى.. أنا عارف أن
طريقي ليكي طويل.. وصعب… بس أنا هعمل المستحيل.. علشان أوصلك في
النهاية..من غير ما حد يأذيك أو يجرحك بكلمة.. أنا طلبي الوحيد إني آلاقيكي
مستنياني في آخره.. هتسنيني يا نهى؟.
لاح له بريق عينيها وهي تنظر له بينما تتألق عيناها بالدموع، لم تتوقع أن تشعر
بهذا الاصرار من رامي، هل يحبها لهذه الدرجة؟.. هل هو على استعداد لخوض
تلك المغامرة من أجلها فقط؟؟؟ لم تمنع قلبها من الرقص فرحاً بين ضلوعها؟…
هناك من يحبها وبصدق… وعلى استعداد لفعل المستحيل من أجلها.. كيف يمكن
أن يكون ردها على تلك الكلمات؟… هل يمكنها أن تكون بتلك القسوة وتحطم
قلبه؟.. وقلبها.. نعم تعلم أن قلبها أيضاً سيتألم لو طالبته بالتوقف.
ظلت أعينهما متالقية حتى قالت نهى:
ـ ممكن توصلني.. لازم أروح.
مط شفتيه فلم يكن هذا هو الرد الذي يريد سماعه لكنه تغضى عن هذا لانه
بالتأكيد سيحاول مجدداً، أشار للنادل ليرفع الكعكة ويعيدها لهما، وبالفعل أخذها
رامي لينصرفا، أوصلها لمنزلها وأعطاها الكعكة قائلًا:
ـ بالهنا والشفا.
ابتسمت نهى قائلة:
شكرا ـ
ـ العفو.
لوح لها واستدار ليغادر لكنها تسمر مكانه حين جائه صوتها:
ـ رامي.
أدار رأسه لها قائلًا:
ـ نعم.
نظرت له للحظات ثم خفضت بصرها وقد توردت وجنتيها بحمرة رقيقة لتقول:
ـ هستناك.
وكأنها ألقت قنبلة وأرادت الفرار قبل أن تنفجر، فاستدارت لتفر من أمامه و تختفي
داخل البناية، بينما ظل رامي مكانه وهو يحدق حيث كانت تقف منذ لحظات
وعقله يردد كلمتها البسيطة التي أسمعته إياها.. يرددها… ويرددها.. وكأنه يريد
أن يتأكد أنه ليس حلماً ثم التفت يمنة ويسرة وكأنه يتأكد من خلو المكان.. ليطلق
ضحكات متقطعة… ثم يقفز عالياً في الهواء مرددا
ـ أيوة بقى.
*************
خرجت نهى من المصعد والسعادة تملا كل جنبات روحها لا تصدق أنها قالتها
حقاً.. لكن ماذا يمكنها أن تفعل؟.. إلى متى عليها أن تقاوم؟.. قلبها قال كلمته
منذ مدة.. لكن عقلها كان يزيد داخلها القلق والخو….ف.. لكن.. رامي وعدها..
وعدها أن يحميها.. أن يحفظ كرامتها.. وهي تثق به.. وتعلم أنه سيفعل ذلك بكل
تأكيد…
كنت فين؟!
انتفضت حتى كادت تسقط ما بيديها لتنظر لريهام التي كانت جالسة على الدرج
فوضعت كفها على صدرها قائلة:
ـ بسم الله!… خضيـ,ـتيني.
وقفت ريهام لتقترب منها قائلة:
ـ معلش.. ما كنش قصدي..اتأخر ت كده ليه؟… ومش بتردي على تليفونك ليه؟.
ـ آخ.. تليفوني صامت من ساعة ما كنت في المدرسة.
مدت ريهام رقبتها لتتطلع للعلبة التي تمسكها نهى قائلة:
ـ ايه ده؟.. حاجة حلوة دي ولا إيه؟!
بدا التوتر على نهى وهي تقول:
ـ تعالي ادخلي.
فتحت باب الشقة وأفسحت لريهام لتدخال إلى غرفة المعيشة لتضع العلبة على
المنضدة، وجلست أمام ريهام لتقول:
ـ اتكلمنا الصبح يعني وما قولتيش أنك هتعدي عليا.
مطت شفتيها:
ـ ماما طلبت مني شوية حاجات.. خلصتها ولاقيت نفسي فاضية قلت أجيلك…
بس ما قولتليش إيه ده؟.
فتحت نهى العلبة لتخرج الكعكة التي فور أن رأتها ريهام أطلقت صفيرا قائلة:
واااو.. تورتة على شكل قلب.. ده أنت بتدلعي نفسك بمناسبة عيد ميالدك ولا حد
جبهالك؟.
ظلت عينا نهى على الكعكة، كانت حائرة… هل تخبر صديقتها الوحيدة بما
جرى؟.. هل ستتقبل هذا؟.. هي تعلم بمشاعر رامي تجاهها لكنها لا تعلم شيء
عن مشاعرها هي.. هل ستعتبرها خيانة؟.. إن وصلت الامور بينها وبين أخيها
هذا الحد دون علماً منها..
أم ستفرح لفرحها؟.
انت روحت فين؟…هي التورتة عجباك قوي كده!.
ابتسمت بتوتر واضح وهي تقول:
ـ لا أبدا.. أصل.. أصل.
عقدت ريهام حاجبيها قائلة:
ـ في ايه يا بنتي.. مالك؟!
نظرت لها نهى للحظات ثم أشاحت بوجهها بعيدا لتقول:
ما فيش حاجة.. دي هدية من حد عزيز عليا… هبقى أقولك بعدين.. المهم أنت
عاملة إيه.. ولسه يوسف مش بيكلمك؟.
ضيقت ريهام عينيها وهي تالحظ تهرب نهى من النظر لها ناهيك عن الكلام…
لكنها استطاعت استيعاب ما الذي يجري.. وربطته بأخيها رامي.. فارتسمت شبح
ابتسامة على شفتيها وسرعان ما اختفت.. يبدو أن أخاها يفعل كل ما بوسعه
وعلى ما يبدو أنه نجح في ذلك، فلم ترد أن تحرج رفيقتها وفضلت تركها حتى
تتحدث بنفسها وعادت لتفكر بهمها هي لتقول:
ـ لا .. ما بيكلمنيش.. ما بشوفوش خالص.
هزت نهى رأسها وهي ترى الحيرة الغارقة فيها رفيقتها لتقول:
ـ و آخرتها يعني!… أنتو ا بقى لكم شهر على الحال ده.
زفرت ريهام في حرارة قائلة:
ـ تخيلي شهر.. شهر يا نهى.. ما يحاولش يشوفني ولا يكلمني.. ده أنا عايشة في
رعب.. أما حد يخبط على الباب بيتهيألي حد حيسلمني ورقة الطلاق.
ـ أحسن خليه يربيكي شوية… تستاهلي!.
دفعت كتف رفيقتها:
انت معايا وال معاه؟.
أجابت بلا مبالاة:
معاه طبعاً.. ده سؤال؟!! ـ
زمت ريهام شفتيها وهمت بالمغادرة، فأمسكتها نهى ضاحكة:
طب خلاص معاك يا ستي.. معاكوا أنتو ا الاتنين.. أنا مش فاهمة أنت معذبة
نفسك ليه؟… ما ترجعي لجوزك يا بنتي وتريحينا وتريحي نفسك.. أنت مستنية
إيه؟.. لا وفالحة بس تاخدينا لحد مكان شغله علشان تشوفيه من بعيد وتقعدي
تعيطي.. ده جوزك يا هبلة.
ـ بلاش شتيمة.
لوحت نهى بكفها قائلة:
يا شيخة روحي كده… و أنت هتطيري البرج اللي فاضل في نافوخي!.. ثم مش
خالص.. الامور استقرت والشركة الجديدة بقى ليها عملاء.. وان شاء الله ربنا
يسهلكم أكثر وأكتر.. أنت
بقى لسه قاعدة في بيت أبوك ليه؟.. خلاص…
خلصينا ..ارجعي بقى.
عضت ريهام شفتيها لتقول:
ـ ارجع ازاي؟..
زي ما مشي … الحاجات اللي أنت لمتيها في الشنطة.. رجعيها تاني وزي
الشاطرة كده ارجعي بيتك.
ـ هو أصلا مش في البيت.. ما قولتلك أنه رجع بيت عمي.
ـ مش مشكلة… ارجعي وكلميه في التليفون.. وقوليله أنك في البيت… وادي دقني
اهيه… إما لاقتيه قدامك بعد دقايق.
ـ يا سلام بالبساطة دي.. يا بنتي أنا طلبت الطلاق وهو قالي حاضر.
حدقت نهى بها للحظات قبل ان تقول:
ـ بس بعدها قال أنه بيحبك.. واهو عدى شهر وما طلقكيش.. يبقى هو مش عايز
يطلقك.. ما تفهموها بقى.
وضعت ريهام رأسها بين كفيها وهي تردد:
ـ مش عارفة.. مش عارفة.. بس كونه ما يكلمنيش خالص الفترة اللي فاتت ولا
حتى يحاول يشوفني.. محسسني أنه عايز ينساني… عايز يستعد إنه يطلقني.
هزت نهى أرسها عجباً من رفيقتها قائلة:
ـ تاااني.. تاني الخصلة المهببة دي.. تخمني هو بيفكر في ايه وعايز ايه
بمزاجك.. كلميه.. مش هترتاحي إلا لما تكلميه.
لم تعرف بما تجب صديقتها.. تتمنى أن تحدثه… أن تسمع صوته.. لكنها
خائفة.. خائفة أن يقول لها آسف.. تأخرت.. تخشى أن يكون يحاول نسيانها
فعلًا.. ترى هل نساها حقاً.. هل؟!
***********

الحلقه الثامنه والعشرون

دق باب غرفة ريهام التي خصصت لها في شقتهما الجديدة المكونة من ثلاث
غرف تتوسطهم غرفة المعيشة، أذنت للطارق بالدخول، ليطل عليها رامي بابتسامة
واسعة قائلا :
عايز أتكلم معاك في موضوع مهم.
أشارت بكفها ليدخل، فأغلق الباب خلفه ليجلس أمامها، وهو يأخذ نفسا عميقاً
قائلًا:
ـ أنا عايز أفاتح بابا وماما في موضوعي أنا ونهى.
ابتسمت وهي تتذكر الكعكة التي هي واثقة إنها من رامي.. قائلة:
ـ امممم.. مش عارفة.. بس يعني تفتكر ده وقته؟.
لوح بكفيه قائلا:
ـ لا أنا مش هتكلم في اتمام جواز… أنا بس عايز موافقتهم على الموضوع…
علشان أقدر اطمن نهى من الناحية دي على الاقل.
ـ خلاص.. اللي تشوفه.
مال ناحيتها قائلًا:
ـ طب إيه!.. مش هتقعدي معايا وأنا بقولهم.. علشان تقنيعيهم.
مطت شفتيها قائلة:
ـ دي مهمة صعبة..خصوصاً ماما.. بس يمكن بابا يوافق.. يعني.. هو شايفك
ارجل يعتمد عليه دلوقت … وبيتهيألي قرر أنه يخليك تتحمل مسئولية كل قرارتك..
اللي حصلنا ده جه في مصلحتك.. بيبين حقيقتك بجد.. يا بختك.. ناس أمورها
بتتصلح وناس أمورها بتخرب.
فهم ارمي ما تقصده فوقف قائلًا:
ـ خالص هكلمهم بكرة على الفطار.. وربنا يسهل.. حاجة كمان.. ماكنش
المفروض أقولها لك.. بس أنا فرحان.. وعايز أفرح كل اللي حواليا.. طول الشهر
اللي فات يوسف كان بيسألني عليك كل يوم.. أما جنني.. أنا ما قلتش حاجة.
تركها ليغادر الغرفة بينما ظهرت ابتسامتها على شفتيها لتتسع رويداً رويدا وزادت
دقات قلبها فرحاً، يوسف لم ينسها.. يوسف ل ازال يهتم لامرها.. أمسكت هاتفها..
ونوت محادثته.. ستقول له كلمه واحدة.. سامحني… نعم.. حان وقت انهاء
عذابها وعذابه.. كانت يداها ترتعشان… لم تقوى على الاتصال ظلت تحدق
بهاتفها بيأس و غضب من ضعفها…
تعلق بصرها باسم يوسف على شاشة هاتفها، واصبعها يدور حول زر الاتصال…
لتحدث نفسها:
“مالك يا ريهام.. كلميه… اعترفي بغلطتك بقى”.
ً فقالت بنزق:
وقبل أن تضغط زر الاتصال دق أحدهم بابها مجددا
ـ في إيه تاني يا رامي؟
فتح الباب لتسمع من يقول:
ـ أنا مش رامي.
رفعت رأسها واتسعت عيناها وهي تحدق بالجدة – جدة يوسف – لم تتوقع مثل
تلك الزيارة أبدا ، هبت واقفة لاستقبالها وابتلعت ريقها بصعوبة وهي ترى نظرة الجدة ً
القوية لها والتي تحمل عدة معاني..
جلست أمامها وتعالى داخلها شعور التلميذ الذي ارتكب خطئاً فادحاً وينتظر
العقاب من مدرسته.. ترى ماذا أخبرها يوسف؟.. هي تعرف أن يوسف عزيز
عليها جدا مما جعلها تتساءل هل أرسلها لتصلح بينهما.. أم أرسلها لتخبرها بقرار ً
الانفصال؟.
ظلت الجدة تحدق بها وكأنها تتفحصها تتمنى لو تسبر أغوارها فتعرف ما الذي
يدور برأسها في تلك اللحظة، وأخيراً تكلمت.. وبدا صوتها رخيماً.. قوياً.. وثابتا :
ـ ريهام..
دايما كنت بقول إنك بنت ممتازة… مؤدبة وخلوقة.. وأنا لسه عند
رأيي.. بس عمري ما فكرت إنك ممكن تكوني غبية.
ارتجفت شفتيها وشعرت بالالم لتلك الكلمة التي اخترقت أذنيها وسرعان ما قفزت
العبرات لعيناها لكنها قاومت وبشدة أن تتحرر من بين جفنيها ولم تقوى أن ترفع
بصرها في وجه الجدة التي أردفت دون اهتمام بحالة ريهام وبلهجة بدت جافة:
انت عايزة ايه بالظبط؟!.. عاجبك إحساس إن في واحد بيتعذب عشانك؟!..
عاجبك إنه يسهر يفكر فيكي و أنت هنا ولا على بالك؟!.. بس أنا بقى مش هسمح
إن ده يستمر.. مش هسمحلك تستمري في تعذيبه بالطريقة دي!.
سقطت دموع ريهام على كفيها اللتين تفركهما ببعض حتى اشتد احمرارهما لتستمر
الجدة في الكلام:
ـ أنا عارفة ابني كويس.. يوسف مش حفيدي.. ده ابني.. أنا اللي ربيته بعد وفاة
بنتي.. هو اللي عوضني عنها.. وربيته كويس.. وعارفة ازاي بيعامل الغريب..
فأكيد مش هيغلط في القريب.. بالذات بقى لو مراته.. وبيحبها.. ممكن أعرف
ابني غلط في ايه؟… غلط في ايه علشان تنتقمي منه؟.
بدأ صوت بكاء ريهام يعلو حتى وصل لاذن الجدة التي أشفقت عليها.. لكنها
قررت عدم التوقف.. عليها أن توقظها من غفلتها..ودوما قول الحقيقة يكون
ًمؤلم.. لكنه يشفي من كل العلل، فأشاحت الجدة بوجهها بعيدا وهي تقول بنفس
اللهجة القاسية:
ـ أنا جاية هنا أقولك حاجة واحدة.. قدامك يومين.. يومين بس.. يا ترجعي بيتك
زي الستات العاقلة.. يا إما…
انتفض قلب ريهام في صدرها وهي تسمع وبوضو ح نبر ة التهديد في كلمات الجدة
التي أردفت:
ـ يا إما… هتوصلك ورقة طلاقك في أقرب فرصة.
رفعت عينيها الباكيتين تنظر للجدة وكأنها لا تصدق أنها تحدثها هكذا.. فرأتها لا
تنظر لها واستمرت في كلامها الذي كان يمزق روحها وبشدة:
ـ عارفة إن يوسف ممكن يتوجع.. بس هيتعلم ينسى.. بس أحب أقولك أنك لو لفيت
الدنيا دي على كعوب رجليك .. مش هتلاقي ضفره… لكن أنا بقى هعرف اجيب له الاحسن منك.. اللي تعرف تصونه وتحبه وتخليه يحبها بجد.. ابني ما عملش فيكي حاجة وحشة.. وعلشان كده ربنا هيعوضه عنك بالاحسن منك…
مازالت دموع ريهام تنهال باستفاضة، بينما صمتت الجدة للحظات ثم قالت:
ـ ريهام.. أنا بحبك.. بس أكيد بحب ابني أكتر.. ما تعذبيهوش أكتر من كده..
لاني ساعتها هكرهك… ولو كرهتك… هعرف ازاي اخلي ابني يكرهك.
قالت جملتها الاخيرة وهبت واقفة وهي تسحب حقيبة يدها وأرادت الاتبعاد لكنها
توقفت وهي تعطي لريهام ظهرها قائلة:
ـ خدي قرارك بسرعة… وزي ما قلتلك… مش هسمح لك تستمري في تعذيبه..
حتى لو كنت الانسانة الوحيدة اللي حبها.
خرجت الجدة من الغرفة لتغلق الباب خلفها، لتلتقيها سامية وتصحبها لباب الخروج
فهمست الجدة في أذنها:
ـ سامحيني.. كنت قاسية عليها.
ربتت سامية على ظهرها قائلة:
ـ المهم ربنا يصلح ما بينهم.
الباقي عليك بقى.
صافحتها وهي تغمز لها هامسة:
ـ اطمني.
اقتربت من باب غرفة ابنتها وأرهفت السمع ثم مطت شفتيها عندما وصل إليها
صوت بكاءها المكتوم، فهمست:.
“معلش يا ريهام.أنا هسيبك دلوقت..وبكره ليا معاك كلام تاني”.
تجهت للمطبخ لتجد رامي يقف عند بابه قائلًا:
ـ هي جدة يوسف كانت عند ريهام؟.
أجابت أمه قائلة:
ـ أيوة… وما تقولش ليوسف فاهم؟… وسيب أختك في حالها.
رفع إحدى حاجبيه متمتماً:
ـ ما أنا سايبها… هو أنا عملت حاجة.
اتجه لغرفته وقد تسرب القلق له، ترى ماذا قالت الجدة لريهام؟
ًًشيء ما يخبره أنه لم يكن حوار ا سعيدا أبداً، خاصة أن أخته لم تتبع الجدة
لترافقها للباب.. وهذا ليس من طبعها..
ترى هل يخبر يوسف أم يصمت كما طلبت أمه؟؟..
هز رأسه في ضيق، فغدا سيحدث أبو يه بخصوص نهى.. كان يريد لريهام أن
تكون مستعدة نفسياً .لتساعده. ولكنه لن يتراجع حتى لو ريهام لن تكون معه..
عليه أن يهتم بالمسأله بنفسه.. صحيح كان يتمنى لو مشكلة ريهام ويوسف قد
حلت.. لكن يبدو أن عنادها سيطيل المسألة.. وعليه أن يلتفت لحاله قليلًا..
قلبه يكاد يتمزق من القلق وكما يقولون انتظار المو….ت أصعب من مواجهته…
غريب أنه يشبه الامر هكذا.. لكنه يشعر أنه سيدخل معركة ليست سهلة.. خاصة
مع أمه… لكنه من الان يجب أن يجعلها تفهم أنه لن يستسلم.. ولن يقبل برفضها
للامر ويصمت.. سيعمل على اقناعها.. لانه وببساطة لا يمكنه أن يعيش مع فتاة
غير نهى.. ويجب أن تعي أمه أن سعادته مكفولة بزواجه بها.
**********************

الحلقه الثاسعه والعشرون

ظلت كلمات الجدة تخـ,ـترق قلبها لتنثره بين ضلوعها، لم تتصور أن تحدثها الجدة
بتلك الطريقة أو توجه لها تلك الكلمات..
من قال أنها تستهوي تعذيب يو سف؟.. أو أنها لا تلقي باًلا لما يعانيه؟.. وماذا
عن عذابها هي؟.. ألا يشعر به أحد؟..لم تلومها هي فقط؟.. إنها حتى لم
تسمعها.. لم تسمح لها بأن تدافع عن نفسها… ربما تكون أخطأت في رد فعلها
مع يوسف.. ولكن ماذا عن خطأه هو؟.. ما الذي منعه من قول الحقيقة لها من البداية؟..
لم تركها تخمن فقط؟..
لم تركها تتسائل عن شعوره ناحيتها؟…
كما قالت الجدة يوسف لا يخطيء مع أحد… ومن الصعب تفسير خلقه معها على أنه حب وليس إحسان فحسب..
لو كان أكثر وضوحا لم وصلوا لتلك الحالة
التي وصلوا لها؟.. ولكانت الان تعيش معه في سعادة… سعادة عاشتها للحظات
فقط عندما ضمها إليه واستنشقت عبيره… أو لما وضعت رأسها بجانب رأسه
تتأمل وجهه النائم.. وترجو ألا تفقده أبدا
كان صوت الجدة وهي تهدده بطلاقها وكره يوسف لها يمزقها.. لا يمكنها حتى
العيش مع هذا الاحتمال.. أن يكرهها يوسف هو نهاية كل شيء جميل في
حياتها.. هل من الممكن أن تقنعه بتطليقها بتلك السهولة؟…
هزت رأسها بعنف محدثة نفسها:
“لا.. مستحيل… يوسف أكيد مش عارف بكلامها معايا.. مش ممكن يكون قاسي
عليا كده”.
رفعت الهاتف الذي ما زال يحمل اسم يوسف على شاشته… وظلت تردد اسمه
وبكاءها يزداد… حتى ما استطاعت عيناها تميز حروف اسمه من كثرة البكاء..
لتلقي الهاتف من يديها وتدفن وجهه في وسادتها لتشاركها دموعها.
****************
على مائدة الافطار جلست العائلة، وبدت ريهام في حالة غير طبيعية.. فجفنيها
كانا متورمين، وتحججت بقلة النوم في ذلك…
أما رامي فكان الارتباك رفيقه..يريد أن يتكلم ثم يعود لصمته، نظر لريهام طالباً
المساعدة لكنها كانت تنظر في كوب لبنها الدافيء و كأنها في عالم آخر، علم
رامي أن كل ذلك بسبب ز يارة الجدة أمس.. وتمنى لو أنها أخرتها ولو ليوم
واحد… لكانت ريهام تعاونه الان، لكنه نفض رأسه عن كل ذلك واستجمع
شجاعته ليقول:
ـ كنت عايز آخد رأيكم في موضوع مهم.
علق محمد قائلًا:
ـ خير يا رامي؟!
تعلقت عيونهما به، أما ريهام فاكتفت بالنظر أمامها فهي تعرف عما يتحدث..
صمت رامي والحظت أمه ارتباكه فقالت:
ـ في إيه؟.. مالك؟.. عايز تقول إيه؟!
ابتلع ريقه قائلًا:
ـ أنا مرتبط بواحدة.. أقصد يعني بحب واحدة… وعارف أن الوقت مش مناسب
لموضوع الجواز… أنا بس عايز موافقتكم عليها.. علشان لما أفاتحها في
الارتباط… أكون عارف أنكم موافقين.
ابتسما له ليقول محمد:
ـ وماله يا بني.. أنت شاب ومن حقك ترتبط وتتجوز.. بس يعني.. أنت لسه بدري
على ما تقدر تتحمل مصاريف الجواز.. يعني محتاج شوية وقت.
أومأ براسه قائلا:
طبعا يا بابا عارف.. أنا بس عايز موافقتكم.
قالت الام بفضول:
ـ احنا نعرفها؟.
ابتسم رامي بتردد متمتاً:
آ.. آه.. تعرفوها.. وبتحبوها قوي كمان..وبتشكروا فيها دايماً. ـ
عقدت سامية حاجبيها وهي تعتصر رأسها.. أي فتاة تلك التي أحبها ابنها
وتعرفها؟.. وكيف لم تلحظ ذلك إذا كانت حقاً تعرفها كما يقول؟..
تدخل الاب قائلًا:
ـ مين؟!!
شعر رامي أن أسنانه تصطك، وشعر أن لسانه قد أصيب بالشلل ولم يعد قادرا
على النطق.. كم يخشى ردة فعلهما..
ـ” نهى”
التفت الجميع لريهام التي ألقت بالاسم عليهم ثم عادت لصمتها فعقد محمد
حاجبيه وهو ينقل بصره بين ابنته وابنه الذي ظل يحدق بريهام ثم عاد يلتفت لامه
التي قالت وهي ترمقه بنظرة غير مريحة:
ـ نهى مين؟!
أكملت ريهام مابدأت لتقول:
ـ هو احنا نعرف كام نهى ياماما!.. نهى صاحبتي.
أغلق رامي عينيه لاستقبال العاصفة التي انطلقت على لسان أمه وهي تصيح:
ـ ميييييييييييين!.. نهى!!.. أنت اتجننت؟!.. عايز تتجوز صاحبة أختك الكبيرة.؟.
عايز تتجوز واحدة داخلت بيتنا وهي في الجامعة وأنت في الثانوية العامة؟…
أنت أكيد جرى لمخك حاجة.. إيه.. خلاص البنات خلصوا من الدنيا… ما فيش
واحدة دخلت دماغك غير واحدة أكبر منك!… لا.. ومش أكبر منك بسنة ولا كام
شهر… دي أكبر منك بأربع سنين يا متخلف.
قاطعها لسبه قائلًا:
ـ ماما…
ـ بلا ماما بلا زفت.. ـنت أكيد مجنون.
هبت من مكانها ليقول محمد:
ـ اهدي يا سامية.
ـ اهدى ايه!… أنت موافق على اللي هو بيقوله ده؟… هتسيبه يتجوز واحدة أكبر
منه؟.. شيل الفكرة دي من دماغك يا رامي أحسن لك… لاني لا يمكن أوافق.
تركتهم لتدخل غرفة نومها وهي تصفق الباب خلفها بقوة رجت المكان، ظل كل
مكانه دون أي كلام، ريهام توقعت ذلك ولكن الامر كان عاصفاً أكثر من اللازم،
أما رامي فقد اعتصر قبضتيه بقوة حتى كاد يدميها، كان يشعر بالغضب
الشديد… لكنه لن يتوقف.. لن ينتهي الامر هنا.. لقد نلا موافقة نهى.. التي
كانت بالنسبة له كالحلم المستحيل فعليه الان أن ينال موافقة أهله بأي طريقة.. لن
يكون ضحية أفكار مجتمعية لا طائل منها… هو لا يطلب حراماً وهذا يكفيه…
سيتزوج نهى.. وبدون مشاكل.
اعتدل محمد قائلًا:
ـ قوم يا رامي.. خلينا نروح الشغل.. يلا.
قام معه لكنه توقف عندما أمسكت ريهام كفه قائلة:
ـ هكلم ماما.
ابتسم لها ابتسامة باهتة ليقول باقتضاب:
شكرا.ً ـ
جلس رامي بجانب والده يقود سيارة عمه التي منحهها لوالده كي لا يتعب في
استخدام المواصلات العامة، كان يبدو حزيناً غائباً عن العالم الذي يسير فيه تأمله
أباه قليلا محدثاً نفسه…
“كبرت يا رامي بجد.. ولولا اللي حصل كنت قلت ده لعب عيال و أنت اتعلقت بيها
بس علشان دايماً كانت معانا.. بس أنت اثبت لي أنك راجل وعاقل كمان..
وعارف أنت عايز ايه، فهل يا ترى الحب كفاية علشان تنجح مع نهى؟”
أوقف رامي السيارة أمام البناية التي بها مقر شركتهم الصغيرة وقبل أن يترجل من
السيارة قال والده:
ـ رامي.. أنا ما عنديش مانع.
حدق به رامي وقد تألقت عيناه ببعض الامل، ليردف محمد:
ـ نهى إنسانة هايلة.. و أنا بعتبرها زي ريهام.. وأكيد أحب إنها ترتبط بإنسان يحبها
ويحميها.. خاصة إنها بقيت وحيدة.. و أنت أثبت لي إنك ممكن تكون أد الموقف
وقت اللزوم.. وده المطلوب.. بس أحب أنبهك إن الحب مش كل حاجة.. وبيفرق
مع الراجل لما تكون مراته أكبر منه.. صحيح في ناس بتنجح بس في ناس
بتفشل.. بيقولوا علمياً الست بتكون أنضج عاطفيا وعقليا من الراجل اللي في نفس
سنها… فما بالك لما تكون أكبر منك.
ابتسم رامي قائلًا:
ـ قصدك إنها أعقل مني.. وماله.. مش وراء كل رجل امرأة… أنا بقى مش
عايز اها تكون واريا أنا عايزاها تكون جنبي.
ربت على كف ابنه قائلًا:
أ اقنع امك بقى يا حلو.. لانها لو فضلت رافضة.. نهى لا يمكن توافق.
ـ عارف.. عارف يا بابا.
**********
ظل رامي يحدق بشاشة جهازه.. يؤدي عمله تارة ويشرد تارة، كل ما يفكر فيه..
كيف يقنع أمه بالامر… وليس الاقناع فحسب… عليها أن تقتنع وتسعد للامر..
لانها لو قبلت على مضض ستشعر نهى بذلك حتماً… وستبدأ رحلة الجروح
ولالالم التي تخشاها نهى… سترفضه بكل تأكيد حتى لو أنها أحبته.. ألنها لن
تحتمل نظرة تقزز أو ضيق من عيناي أمه… كيف يتفادى كل ذلك كيف؟!
دق أحدهم على شاشته مرددا:ً
ـ أنت سرحان في إيه كده؟
رفع نظره ليقع على يوسف الذي ينظر له مبتسماً، فقال:
ـ يوسف.. ازيك؟
رفع يوسف إحدى حاجبيه:
ـ الحمد لله.. ومالك بتقولها كده؟!
صمت قليلًا ثم قال:
ـ ما تيجي نطلع بره شوية أنا مخنوق.
شعر يوسف بالقلق فقال:
ـ ماشي… يلا
ظل يوسف ينظر لرامي الذي بدا مهموماً جدا قائلًا: ً
ـ في ايه يا رامي؟!

هز أرسه قائلًا:
أبدا.. أصلي قلتلهم النهاردة على موضوع نهى. ً ـ
فعلًا… وايه رفضوا؟
ـ بابا قالي انه ما عندوش مانع.. بس ماما بقى.. قفلتها في وشي.
مال يوسف ليستند بمرفقيه على المنضدة قائلًا:
ـ معلش.. بس أكيد أنت كنت متوقع رد فعل مش في صالحك في الاول.. بس إن
شاء الله تقدر تقنعها… وكمان عمي ما دام وافق… يقدر هو كمان يقنعها.
ـ الموضوع مش موضوع إقناع بالموافقة بس يا يوسف… أنا مش عايز نهى تحس
إنها رفضتها.. مش عايزها تحس إنها شايفاها مش مناسبة ليا.. أو إنها كان
ممكن تلاقي لي الاحسن منها.. كل الحاجات دي هتتعب نهى.. وأنا وعدتها أن
ده ما يحصلش.
ابتسم يوسف قائلًا:
ـ إن شاء الله مش هيحصل… أنت بس ركز في إنك تقنعها.. وريهام هتتكفل
بالباقي.. ألا هي عاملة إيه؟
حك رأسه وهو يبتسم قائلًا:
ريهام!!… صدق من قال..كلًا يبكي على ليلاه. ـ
مط يوسف شفتيه قائلًا:
ـ ايه يا عم بطمن بس.
ـ عارف… بس بصراحة يعني ريهام حالتها حاله.. فمش عارف أقولك إيه؟
اعتدل يوسف ليقول بقلق:
ـ قصدك ايه… ريهام مالها؟
لوح بكفه قائلًا:
ـ اهدا.. هي كويسة.. بس يعني.. جدتك كانت عندنا امبارح.
ـ جدتي!.. غريبة!.. ما قلتليش.
مط رامي شفتيه:
ـ آه.. ما هو أنا كمان المفروض ما قولكش… بس بصراحة حسيت إني لازم
أقولك… خايف يكون الموضوع اتأزم أكتر.
ـ ليه بتقول كده؟.
ـ أصل جدتك.. دخلت على طول أوضة ريهام.. وقاعدت معاها شوية وبعدين
خرجت.. وريهام ما خرجتش بعدها إلا تاني يوم.. وكانت حالتها صعبة قوي..
وعينيها منفوخة على الاخر… شكلها قضيتها عياط… يظهر إن جدتك إديتها
كلمتين في جنابها.. وعلى ما يبدو إن ماما وبابا عارفين بس مطنشين.. مش
عارف.
فرك يوسف جبهته مرددا:ً
ـ هي عملت كده ليه؟.. أنا ما طلبتش منها كده على فكرة… بس تعرف.. أكيد
أختك افتكرت إن أنا اللي بعتها.. ما أنا عارف نيتها من ناحيتي.. ما اعرفش ليه
دايما داخلة شمال.
أفلتت ضحكة قصيرة من رامي ليقول:
ـ على رأيك… طب ما تقولها.
ـ أقول إيه يا عم!.. هو أنا بكلمها.
عقد رامي ذراعيه أمام صدره قائلًا:
ـ لحد امتى؟… يعني لحد امتى هتفضل ما تكلمهاش… أنت بجد هتقعد تستنى
اتصالها!.
عقد يوسف حاجبيه قائلًا:
ـ قلتك قبل كده أنا عملت كل اللي قدرت عليه.. وما بقاش عندي حاجة تانية
أعملها.. كفاية قوي أنها لسه على ذمتي.
ـ نعم يا خويا!… كفاية أنها على ذمتي!!… أنت هتخبط في الحلل ولا إيه؟!..
هي أختي رميه… ألف مين يتمناها يا خويا.
لوح يوسف بكفه محذرا:ً
ـ لا.. ده مش أنا اللي بخبط في الحلل… ده أنت اللي بتلعب في عداد عمرك…
إيه اللي ألف يتمناها دي كمان؟!!
ـ مش أنت اللي بدأت.
زفر يوسف ليفرك رأسه بقوة:
ـ ما أنت ما عيشتش عيشتي… أنا روحت للمأذون مرتين فعلًا.. بس ما اقدرتش..
ما اقدرتش أطلقها.. لاني مش عايز.
شهق لرامي قائلًا:
ـ روحت للمأذون يا يوسف!… هتطلق أختي يا يوسف!!.
خفض يوسف رأسه دون تعليق، فمط رامي شفتيه قائلًا:
ـ يعني بدل ما تقفوا أنتو ا الاتنين جنبي في موضوع نهى… عايزين تتطلقوا.
بسمة سخرية ارتسمت على شفاه يوسف:
ـ هو ده اللي همك.
ًلا طبعاً… أنتو ا كمان تهموني.. ـ
خصوصا لما أكون متأكد أنكم بتحبوا بعض
بس بتعاندوا.. يوسف.. علشان خاطري… أنت عارف البنات.. المواضيع
العاطفية عندهم بتكون مكلكعة شوية… يعني مش هما اللي بياخدوا الخطوة
الاولى
دايما بيستنوا الراجل هو اللي يعمل كده.
ضحك في سخرية ليقول:
ـ الخطوة الاولى.. يا بني أنا عامل يجي عشر خطوات.. مش من حقي ولو مرة
أحس إن هي كمان عايزاني!… ومستعدة تعمل أي مجهود علشان خاطري.
زفر رامي قائلًا:
.. ـ أنا مش عارف آخر عنادكم ده أيه..يظهر إن كان لازم فعًال جدتك تتدخل..
يلا بقى.. يا رجعتكم لبعض.. يا جابت آخرتكم!.
مرر رامي بكلماته تلك القلق والخو؟؟؟؟ف إلى قلب يوسف… هل يمكن فعلًا أن تسعى
الجدة لانهاء علاقته مع ريهام؟.. ولكنه أخبرها أنها تعني له الكثير.. وفهمت كم
يحبها..
بالتأكيد لن تسعى الفتراقهما.. لكن.. لكن ما الذي قالته لريهام جعلها تبكي
طويلا…
هو يعلم كيف جدته حين تغضب له؟.. يذكر حين حضرت لمدرسته في المرحلة
الثانوية وكادت تفتك بمدرس هناك لمجرد أنه ظلـ,ـمه في الصف واتهمه بسرقة شيء
ما… وكيف أصرت على نقله من تلك المدرسة وأنه لن يبقى فيها ليوم واحد…
كانت أمامه كالليث الغاضب الذي يهب للدفاع عن أولاده بكل قوة لمجرد جرح
كرامتهم… لعلها كانت قاسية على ريهام في كلماتها لكن من داخلها كانت تأن
لها.. هي قوية لكنها حنونة… لن تؤلمه بفارقه عنها.. لعلها فقط تريد أن تتحرك
ريهام ناحيته… ليته يخبر ريهام أنه لا يعلم بالامر فهو يتوقع وبسهولة أن تعتقد
أنه من أرسلها بكل ما قالت لها… لم لا يفعل كما يقول ارمي؟لم .. لا يذهب إليها
ويعيد عليها أمر رغبته في بقائه معها لعلها تجبه أخيراً بنعم.. وتنتهي مآساته
للابد.
*******************

الحلقه الثلاثون

دقت ريهام غرفة باب نوم أمها التي لم تخرج منها منذ ما حدث، صحيح أن ريهام
بها ما يكفيها من الحزن بعد كلمات الجدة لها، لكنها رأت أن عليها مساعدة أخيها
وصديقتها الوحيدة التي إلى الان
لم تسمعها رأيها في ذلك الامر..
فتحت الباب لتدخل لتجد أمها جالسة على الفراش تنظر لها، فاقتربت منها لتقول:
ـ ممكن نتكلم؟.
زفرت الام في غضب لتقول:
ـ أن ازاي تسمحي بحاجة زي كده تحصل؟
رفعت ريهام حاجبيها قائلة:
ـ أنا!.
ـ أيوه.طبعا أنت. عايزة تفهميني إن ما لكيش يد في الموضوع ده!… أخوك
الصغير وصاحبتك.. إزاي عمل كده؟.
جلست أمامها لتقول:
ـ ماما.. أنا ماليش أي دخل بالموضوع ده… أنا اتفاجئت زيي زيك.
يا سلام!… أنت فكراني عيلة هتضحكي عليا!.
ـ صدقيني يا ماما.. حتى نهى نفسها ما كنتش تعرف أنه بيحبها.
ضحكت بتهكم لتقول:
ـ نهى!… أنا اتصدمت فيها بجد.. ازاي تقبل حاجة زي كده؟!
يا ماما..أرجو ك ما تظلميهاش.. نهى لما عرفت حاولت تبعد.. لانها كانت ـ
متوقعة رد الفعل ده… لان مجتمعنا عودنا على كده.. بس رامي ما سبهاش..
لانه بيحبها بجد.
حب إيه وكلام فارغ إيه!.. ده لعب عيال.
ـ أنا برضو قلت كده في الاول.. بس اتضح لي إنه لأ… ولما فكرت بعقلي شوية
قلت.. طب ايه المانع
ايه اللي يضمن إنهم
وايه إنهم ينجحوا؟.. اللي يضمن
يفشلوا… الموضوع في إيديهم.. وهما أدر ى بمصلحتهم لانهم مش عيال… رامي ما بقاش عيل يا أمي…انهم
انت نفسك شوف ده… رامي حالياً هو المسئول الرسمي
عن مصاريف البيت.. ربنا يخلي لنا بابا.. ويديه الصحة… لكن واقعياً رامي هو
اللي مسؤول عنا مادياً.. وده دليل كافي علشان تعرفي إنه هو فاهم هو عايز
إيه… هو بيحبها بجد.. وعرف إزاي يخليها تحبه… أنا ساعات بحس إنها
مكسوفة مني أنا شخصيا… ولعلمك هي ما كلمتنيش في الموضوع خالص لانها
كانت بتحاول تبعده عنها.. لكن هو رفض… نهى وحيدة… ويمكن ده اللي ساعد
رامي في أنها تحبه في الاخر.. هي محتاجة له وهو محتاج لها… ليه نقول
لا؟…
ـ ليه نقول لا؟.. لان ده الطبيعي.. ليه يتجوز واحدة أكبر منه؟… ليه؟… هي
إنسانة هايلة وما حدش قال حاجة… وهتلاقي اللي يناسبها.. لكن هو لا… هو ما
يناسبهاش… الناس تقول علينا إيه… كل معارفنا عارفين أنها صحبتك و أنها اكبر
منه، ليه؟.. ليه؟!
مطت ريهام شفتيها لتقول:
ـ الناس!… ناس ايه بس يا أمي؟… هو هيتجوز واحدة أكبر منه بعشرين سنة
وطمعان في فلوسها زي ما بنشوف في الافلام!.. دي بنت شابة وجميلة ومؤدبة..
و أي إنسان يتمناها.. ليه ما يكونش رامي؟.. ما يمكن هي أنسب واحدة له في
المرحلة دي.. رامي مش محتاج بنت تكون صغيرة بأفكار مراهقة… رامي محتاج
واحدة عاقلة تساعده في المرحلة الجاية وفي شغله الجديد.. يمكن معاها يقدر
يحقق نجاحات أكبر.. ويرجع يعيش في المستوى اللي كان عايش فيه… أرجوك
يا ماما… قوليلي سبب مقنع لرفضك لنهى.. لكن حكاية الناس والمجتمع.. والكلام
اللي مش هيحقق سعادة لاخويا ده… ما حدش هيقبله وأولهم رامي… أنا متأكدة
.. أنك بتحبيه وعلشان كده رافضة الموضوع.. لكن فكري في قلبه هو.. أرجوك
فكري في السعادة اللي هتشوفيها في عينيه وملامحه لما تقوليله أنك موافقة…
وفكري في نهى.. وفي كونها إنسانة هايلة… ومش ذنبها إن اللي حبها أصغر
منها بشوية وقت من الزمن.
صمتت ريهام لتترك أمها تفكر، كانت أمها تنظر للاشيء وهي تستمع لابنتها،
كلامها كان مقنع بكل تأكيد.. ولكن.. ولكن ماذا عما تعود الناس عليه؟.. الامر
أشبه بسريان الماء في الجدول باتجاه واحد.. هل يمكن أن ينعكس لاي سبب؟…
هكذا تر ى الامر.. كيف لابنها أن يتزوج بمن هي أكبر منه؟.. صحيح نهى فتاة
رائعة ومحترمة وهي تقدرها كإنسانة.. ومع ذلك لا ترى أنها يمكن أن تكون زوجة
ابنها الذي كانت تراه يقف بجانبها يوماً كم ارهق صغير بينما هي شابة يانعة،
لطاما حلمت باليوم الذي ستزوجه فيه بشابة أصغر منه طبعاً… وتكون رائعة
كذلك.. عليها أن تقبل بنهى ؟.. يمكنها أن تجد لابنها من تناسبه.
لم تجد ريهام المزيد لتقوله فأرادت الانصراف لعل أمها تصل للقرار الصحيح لكن
توقفت فور أن نادت عليها أمها فالتفتت لها متسائلة فأشارت لها بالجلوس مرة
أخرى قائلة:
تعالي.. بعيد عن موضوع رامي.. أنا كمان كنت عايزة أتكلم معاك شوية.
جلست ريهام وهي تمنح أمها نظرة حذرة، شيء ما داخلها أعلمها بما ستتحدث فيه
، يبدو أن الجدة تحدثت لها هي أيضاً لكنها لم ترد أن تسبق الاحداث
اعتدلت أمها قائلة:
أنا كلمت أبوك.. وقالي أتصرف أنا.. عنده أحساس بالذنب في بعدك عن يوسف ـ
دلوقت .. حاسس إنه السبب… لكن الموضوع مش كده… أنت بعيدة عن يوسف
ًمن زمان.. وتحديدا من يوم ما اتجوزتوا.
اتسعت عينا ريهام وهي تحدق في أمها وهي تستوعب كلامها، منحتها أمها نظرة
سخرية وهي تقول:
إيه…اتفاجئ !.. أنا عارفة كويس قوي.. أنك لسه بنت بنوت.. ما هو مافيش
بنت بتتجوز وما يخطرش في عقلها تسأل أمها أي سؤال!… ولما كنت أحب
أطمن عليًك أول الجواز كانت اجابتك سخيفة جدا وبتوضح أنك ما تعرفيش
أنا بتكلم عن إيه أصلًا.. وده كان مضايقني وقلت يمكن علشان لسه في الاول…
أو لانك ما كنتيش موافقة وبكره تعقلي وتعرفي قيمة جوزك.. بس حسيت إن ما
فيش حاجة بتتغير… ومع ذلك كنت بشوف إن يوسف بيعاملك بطريقة ممتازة
وكنت بحس بحبه ليكي.. لما كنت أتابعه و أنت بعيدة عنه وأشوف عينيه بتدور
عليك … وكنت مستغربة ما دام بيحبك ليه سيبك بعيدة عنه!… إلا لو أنت اللي
مصرة على كده.. بس تعرفي إن يوسف ده راجل بجد… لانه سابك كده تعملي
اللي أنت عايزاه رغم أنك مراته ومن حقه.. أنت ازاي تعملي كده؟..
هو أنت مش
وافق بمزاجك… جيت وقلت موافقة… ليه تعملي فيه كده؟… ولا أنت ما تعرفيش
إن ده حرام شرعاً… وهتتحاسبي عليه قدام ربنا.
قالت ريهام من بين أسنانها:
ـ أنا ما عملتش حاجة غصب عنه… عايزة تحمليني ذنب وخلاص.
عقدت الام حاجبيها وشعرت بالغضب يتصاعد داخلها وهي تقول:
ـ أفهم من كده أنك عايزة تطلقي؟.
ارتجف جفناها وهي تتجنب النظر لعيناي أمها التي رددت بنبرة أعلى:
ـ ردي عليا.. عايزة تطلقي؟.
ـ لا.
صرخت بها وهي تنهار بين ذراعي أمها باكية، تنفست أمها الصعداء فهذا ما
كانت تريد سماعه فحسب.. لكن بكاء ابنتها رقق قلبها وأشعرها بالالم ناحيتها
فمسحت على رأسها لتمرر أصابعها بين خصلات شعرها قائلة بنرة مختلفة بنرة أم
تحب ابنتها:
ـ حبيبتي.. خلاص ما تعيطيش.. أنا مبسوطة أنك مش عايزة تطلقي… بس مش
قادرة أفهم ليه عايزة تعذبي نفسك ببعدك عنه ما دام بتحبيه؟… كبريائك مثلًا؟..
ولا مستنياه ياخد خطوة ما… فاهميني يا بنتي.
قالت ريهام وهي ما زالت تبكي على صدر أمها:
ـ أنا ما كنش قصدي إن كل ده يحصل.. أنا كنت شاكة في كل حاجة.. ما كنتش
عارفة إن كان بيحبني بجد ولا عايش معايا وخلاص.. ما خطرش في بالي أني
أجرحه أو أعذبه.. قلت لنفسي يا ريتني فهمته من الاول… يا ريتني كنت شوفت
الحب اللي أنتوا شوفتوه وأنا كنت عامية عنه… لكن هو عاش معايا طول الفترة
دي من غير ما أسمع منه أي حاجة عن حبه ده… ما قلهاليش إلا لما خلاص…
لما حسيت إن كل شيء هينتهي بينا… آه لو تعرفي جدته قال تلي إيه… هتخليه
يكرهني يا أمي… هتخليه يكرهني.
رفعت الام رأس ابنتها إليها وهي تنظر لها بابتسامة حنونة:
تفتكري هي عايزة كده فعلًا؟… وهي عارفة يوسف بيحبك أد إيه؟.. دي بس ـ
بتقول كده علشان تفوقي من الغيبوبة اللي أن عايشة فيها دي… وتريحي حفيدها
وترتاحي أنت كمان… ريهام يا حبيبتي.. الحب والكره مش بإيد حد.. يوسف مش
هيكرهك لان جدته عايزة كده… لانه ببساطة لما حبك ما حدش قاله يحبك.
أعادت ابنتها لحضنها الدافيء مردفة:
ـ أنت عارفة مشكلتك إيه مع يوسف؟.. هما مش بيقولوا الحب أعمى.. و ان اللي
بيحب ما بيشوفش عيوب حبيبه.. بس أنا بعتقد حاجة تانية خالص.. أنت بتشوفي
عيوبه.. بس ما بتفرقش معاك لانك بتحبيه.. وبتتعاملي مع عيوبه دي وبتتعايشي
معاها كمان… لكن بقى الحب بيكون أعمى لما تحاولي تفسري تصرفات حبيبك
غير المفهومة.. ساعات كتير بتكوني عامية وتفسريها غلط.. بالذات لو هو ما
فسرهاش أو خباها عنك..
لانك دايما بتكوني حاسة إنك محور حياته.. أي حاجة
يقولها، أي حاجة يعملها بتكون ليها علاقة بيكي بشكل أو بآخر…
اتسعت ابتسامة أمها لتقول:
على ما يبدو إنك ورثت مني الخصلة دي. كنت تاعبة أبوك بيها.. بس..
اتعلمت إني أسكت واستنى لحد أما أفهم منه من قبل ما ابني أحكام غلط على
حاجة ممكن تكون أبعد ما يكون عن خيالي… صحيح لسه ما اتخلصتش من
الخصلة دي… بس زي ما قلتلك اتعلمت أسكت… وأقربها الفترة اللي أبو ك فيها
اتعرض للازمة المادية وخبى علينا.. كنت حاسة إنه متغير ومخبي حاجة عليا..
لكن طبعا ما عرفتش ايه. .كان كتير قوي بيقعد شارد معايا.. وكلامه قل قوي…
لدرجة أني تخيلت أن.. أن في واحدة غير ي في حياته.
رفعت ريهام رأسها تنظر لها بدهشة، كيف خطر لامها تلك الخاطرة، هزت الام
كتفيها لتقول:
ـ آه.. تصدقي فكرت في كده!.. لانه عمره ما كان كده معايا… دايما كان
بيحكلي..
دايما كان بيكلمني… لما يسكت بالوقت الطويل ده.. أقول لنفسي يبقى
لقى حد غيري يسمعه… لكني فضلت ساكتة لاني ما كنتش واثقة من أي خاطر
في دماغي… وكان أملي أنه يكون غلط.. زي خواطر كانت مني وطلعت غلط..
ولما عرفنا كل حاجة… استغربت من نفسي… هو كان بيعاني علشان ما
يحرمناش من السعادة وأنا فكرت فيه بالطريقة السيئة دي… صحيح اتضايقت لانه
خبى عني.. وللحظة حسيت أني مش جزء من حياته… لكني رجعت وطردت أي
أفكار سلبية.. لاننا ماكناش مستحملين.. ومحتاجين نكون جنب بعض…
شوفت
الحب بيكون أعمى إزاي؟.
حاولت ريهام الابتسام من بين دموعها الغزيرة فأمسكت أمها كتفيها قائلة:
ـ كفاية تعذيب في نفسك وفيه يا ريهام… ارجعي بيتك وعيشي حياتك مع الانسان
اللي بيحبك… لانها حياة عمرك ما هتلاقي زيها مع أي حد تاني… يلا بقى..
فكري في طريقة ظريفة وسعيدة ترجعي بيها لجوزك… أو بمعنى أصح ترجعيه
ليكي… ومش عايزة أسمع كلمة “هستنى لما يكلمني”… فاهمة؟!!
ضمت أمها بقوة مرددة:
ماما..شكرا… أنا بحبك قوي. ً ـ
وأنا كمان يا حبيبتي بحبك جدااا. ً ـ
رفعت لها رأسها لتنظر لها بكل حب ثم قالت:
ـ ممكن طلب أخير.
ـ امممم.. قولي.
ـ رامي ونهى…
قاطعتها أمها قائلة:
سيبك من الموضوع ده دلوقت .. فكري في نفسك. ت
أمسكت بكفي أمها لتقول:
ماما علشان خاطري… أنت لسه مكلماني عن الحب… وعارفة أد إيه هو بيوجع..
يرضيك توجعي رامي قوي كده؟… هو ما يستهلش.. ونهى كمان ما
تستهلش العذاب… علشان خاطري… اسمعي رامي… أنا متأكدة إن كلامه
هيخش قلبك زي ما دخل قلبي وقلب نهى وصدقته… أوعديني أنك
تسمعيه…أوعديني.
زفرت أمها في ضيق قائلة:
خلاص.. خلاص.. هبقى أسمعه… أنت ريحي النهاردة وشك تعبان جداً مش
ممكن جوزك يشوفك بالشكل ده.. بس بكرة بقى، حضرتك مش هتباتي هنا..
هتنامي هناك.. في بيتك.. مع جوزك.
ضغطت على كلمتها الاخيرة فعضت ريهام شفتيها في حياء وهي تردد بصوت
خفيض:
ـ حاضر.
وغادرت الغرفة وقلبها مليء بالسعادة والراحة، كلام أمها أراحها كثيرا وكأنها كانت
تبحث عن عذر أمام نفسها لكل ما كانت تفعله، ولكنها الان عرفت كيف
تتوقف؟.. ستفعل مثل أمها ربما لن تستطيع التخلص من عادتها تلك لكنها
ستسكت.. أو ستسأله مباشرة بشكل هاديء منتظره تفسيره لاي تساؤل يدور في
خلدها… لن تترك الامر لعقلها وخيالها الذي دوماً يشطح لغير مصلحتها، دخلت
غرفتها لتقترب من نافذتها وهي تستنشق الهواء، شعرت به يجدد كل ما بصدرها
من مشاعر سلبية الى مشاعر أكثر إيجابية… وكأن الرؤية أمامها تتضح رويدا
رويدا.. ولاح لها وجه يوسف وهو يبتسم لها تلك الابتسامة المحببة إلى قلبها، ً
ولكن ابتسامته زالت ليحل مكانها نظرة حزن عميقه رأتها في وجهه آخر مرة قبل
فراقهما، هزت رأسها وهي تشعر بالالم يتسرب لقلبها من جديد، لكنها لن تسمح
بذلك مجددا… حدثت نفسها قائلة: ً
“سامحني يا يوسف… أوعدك إن ده مش هيتكرر تاني… مش هيكون في أي
حزن تاني… هعمل المستحيل علشان نعيش في سعادة على طول”…
وضعت كفها على قلبها الذي زادت نبضاته وهي تفكر في اللحظة التي ستجمعهما
معاً من جديد، كزوجين حقيقين بدون عقود ابتدائية.. ومع انتصاف النهار، قررت
ريهام زيارة نهى لتحدثها في قرار عودتها ليوسف، الجدة منحتها يومين فقط… وها هو اليوم الاول يمر.. إذا ً عليها العودة غدا
أو أن الجدة لن تكون في صفها
أبدا… ً
صفقت نهى بكفيها قائلة بسعادة واضحة:
أخيرا ً ـ
أخيرا عقلت وهترجعي لجوزك…. الحمد لله
ابتسمت ريهام وهي تحك رأسها:
ـ اممم… أيوة.
فركت نهى كفيها قائلة:
ـ وناوية امتى إن شاء الله
بدا الخجل على ملامح ريهام قائلة:
ـ بكره.. بس مش عايزة الموضوع يبقى تقليدي… عايزاه مبتكر.
ضحكت نهى قائلة:
مبتكر.. وماله يا ستي ما نخليه مبتكر.. ما تعملي الفكرة اللي كنت هتعمليها لما
يرجع من السفر!.
هزت رأسها بعنف وهي تتذكر تلك الايام:
ـ لا. لا.. الفكرة دي بتفكرني بأيام صعبة ربنا ما يرجعها… معلش يا نهى هتعبك
معايا.. شوفيلي فكر ة تانية.
ضيقت عينيها وهي تقول:
ـ مش مشكلة يا ستي.. نشوف فكرة تانية.. بس أنت شقتك أكيد اتربت من
القفلة… بصي في واحدة
اعرفها أمينة جدا هندخلها الشقة تنضفها عقبال احنا ما
ننزل نعمل شوبينج.
عقدت ريهام حاجبيها قائلة:
ـ شوبينج!!
طبعاً… لازم تشتري فستان جديد كده يكون من الااخر.. هههههه…. أو مال ايه ـ
دي ليلة العمر… ألا ليلة العمر بتاعتك اتأخرت قوي.
شاركت رفيقتها الضحك وهي تفكر في كونها بالفعل ليلة العمر بالنسبة لها،
وعليها أن تكون ليلة مميزة.. يمكنها فيه الاعتذار ليوسف عن كل ما بدر منها…
عليها استعادة السعادة من جديد… وهذه المرة ستكون المبادرة منها.
************

الحلقه الحادي والثلاثون

مر الوقت سريعا على ريهام ونهى وهما تتجولا لشراء مستلزمات أفكار نهى
الرومانسية، والتي أعجبت ريهام كثيرا ذهبتا بكل شيء للشقة التي تم الاهتمام بها ً
كما يجب، وافترقتا على أن تلتقيا غداً بعد انتهاء عمل نهى مباشرة العداد
اللمسات الاخيرة قبل اتصال ريهام بيوسف للمجيء لمنزل الزوجية.
انتهى العشاء الذي لم يشاركهم إياه رامي الذي منذ عاد وهو في غرفته، تولت
ريهام التنظيف لتدخل سامية غرفة نومها خلف زوجها الذي جلس يطالع الجريدة
فقالت:
ـ أنت هتسيب ابنك كده؟.
قال دون أن ينظر لها:
ـ ماله ابني!.. ما هو كويس.
ـ محمد.. ما تجننيش… أنت عارف أنا بتكلم عن إيه.. ده ما ورنيش وشه من
ساعة ما رجع.
طوى محمد الجريدة جانباً وهو يتطلع لزوجته قائلًا:
ـ بسيطة.. لو دي المشكلة افتحى باب أوضته وشوفي وشه!.
زفرت في ضيق وهي تجلس أمامه لتقول:
ـ محممممد… أنت موافق على اللي عايزه ابنك؟.
ـ والله ابني حر في اللي هو عايزه.. ما دام مش هيضر نفسه ولا هيضر حد.. إيه
المشكلة؟
ـ يعني موافق؟… موافق أنه يتجوز واحدة أكبر منه!.
لو أنت مش شايفة في نهى غير إنها أكبر منه.. أنا شايف حاجات تانية..
حاجات تسعدني آلاقيها في مرات ابني.
هزت سامية رأسها قائلة:
ـ أنا ما عنديش حاجة ضد نهى.. يا سيدي هي أحسن بنت في العالم.. بس مش
الوحيدة اللي في العالم… ليه تاخد واحد أصغر منها وهو ياخد واحدة أكبر منه؟..
ليه؟!
ـ دي حاجة هما اللي يجاوبوا عليها مش احنا… احنا ما فيش في ايدينا غير
النصيحة… وهما بقى يعلموا اللي شايفينه صح… دي هتكون حياتهم وهما اللي
هيعيشوها.
ضر…بت كف بكف قائلة:
ـ يا سلام!… يعني أنتو ا كلكم موافقين وأنا بقى الشريرة بتاعت الفيلم.
ضحك محمد وهي يربت على خدها قائلًا:
ـ خليكي الطيبة بتاعت الفيلم ووافقي.
عقدت حاجبيها لتقف وهي تتجه خارج الغرفة لكنه أوقفها قائلًا:
ـ ما فيش أخبار عن بنتك؟.
قالت قبل أن تخرج:
ـ هترجع بيتها بكره… ما تقولش لاخوك.. خليها هي اللي تقول ليوسف مش حد
تاني.
أغلقت الباب خلفها تاركة محمد وقد ارتسمت على ملامحه السعادة والراحة ، فأخيرا
سيهدأ باله على ابنته الوحيدة، كان يعلم أن قراره ليس خاطيء… يوسف هو
الشخص الانسب لابنته.. كان يعلم أن الحب سيجمعهما لا محالة… لا يمكنه أن
ينكر أن القلق والخـ,ـوف كانا يتملكاه من ألا تكتمل الزيجة.. أو ألا يستطيعا العيش
معاً… كم دعا ربه أن يجمع بين قلبيهما… وأسعده أن الله تقبل دعائه.. فتنفس
الصعداء وهو يردد:
ـ الحمد لله
***************
افترش ارمي سريره ممسكاً هاتفه.. يكتب كلمات ثم يعيد حذفها… لم ينجح في
إرسال رسالة واحدة لنهى اليوم، لا يعرف ماذا يكتب لها.. ماذا يخبرها؟
فكر ألا يبعث لها شيء اليوم.. لكنه يخشى إن لم يفعل أن تظن أنه تحدث لاهله
فرفضوها.. وهو لا يريد أن يصلها مثل هذا الاحساس قط، دق أحدهم باب غرفته
فوضع هاتفه واعتدل في ف ارشه قائلًا:
ـ مين؟
فتحت أمه الباب لتطل برأسها عليه، فلمحت الضيق على ملامحه للحظات لكنه
أخفاه قائلًا:
ـ خير يا ماما؟.
ـ عايزة أتكلم معاك شوية.
انزل قدميه عن الفراش جالساً : ليقول
ـ اتفضلي.
دخلت لتجلس بجانبه كان متكئاً على ركبتيه بمرفقيه وبصره على الارض، تنفست
أمه بعمق وهي تشعر بالحزن الذي يملا صدر ابنها فقالت:
ـ رامي.. أنت عندك أي شك في حبي ليك.. وخو….في عليك؟.
قال في اقتضاب:
ـ لا
مطت شفتيها بسب ما تشعر به في صوته من ضيق قائلة:
ـ يا ابني أنا مش هدفي أضايقك أو أزعلك… أنا شوفت كتير في دنيتي دي…
وبالذات في أمور الجواز و الطلاق وغيره… الفشل في الجواز مش حاجة سهلة
علشان تخوض تجر بة زي دي… أنا عارفة إن في ناس عملوا زيك ونجحوا.. لكن
في ناس تانية فشلت وتعبت قوي… وأنا مش عايزة ده يحص لك يا بني.
رفع أرسه لينظر لها قائلًا:
ـ وليه؟… مش شايفة أي حاجة غير الفشل في اللي أنا عايزه.
نظرة له بحب قائلة:
ـ يمكن لان ده اللي بيحصل عادة.. يمكن لان الطبيعة بتقول كده.
مط شفتيه قائلًا:
ـ الطبيعة مالهاش علاقة بالموضوع… اللي بيقول كده أفكار اجتماعية أنا ماليش
دخل بيها… ما دام اللي بطلبه مش حرام يبقى خلاص.
التفت لها بكل جسده وهو يمسك بكفها ارجياً:
ماما..ابوس ايديك وافقي… أنا لا يمكن أقدر أعيش مع حد غير نهى… أوعدك إن جوازنا ينجح.. أوعدك أني أعمل المستحيل علشان ينجح.
هزت رأسها قائلة:
ـ رامي.. رامي.. يعني فيها إيه لو تصبر وتلاقي واحدة من سنك.. وهي ربنا
يكرمها بالاحسن منك.
عقد حاجبيه قائلًا بغضب:
ـ ومين قالك إني عايزها تكون لحد غيري!.. ماما.. أنا بحبها.. عارفة يعني إيه
بحبها!.. ما بفكرش غير فيها وما بحلمش غير بيها.. يعني لو راحت لحد غيري
أنا اللي هتعذب أرجوك .أرجوك ما تحكميش عليا بالعذاب طول عمري.. نهى لا
يمكن توافق لو أنت
رفضت.. ما تحرمنيش من السعادة لمجرد إنك شايفها في
مكان تاني.. أنا اللي هعيش الحياة دي.. وأنا اللي عايزها.
أشاح بوجهه بعيدا : ً مردداً بلهجة تحمل مرارة بالغة
أنا كان نفسي إن انت اللي تكوني ضهري… و تحميني ونهى من أي كلام ممكن
يضايقنا.. و تدافعي عني وعنها.. مش تكوني في الجبهة اللي ضدي.
وضعت كفها على صدرها حيث أ ن قلبها لكلمته الاخيرة لتقول:
ـ أنا!.. أنا ضدك يا رامي!!.
أردف في حزن واضح:
ـ هو ده اللي أنا حاسه… ليه مش عايزاني أفرح؟… ليه مش عايزاني أحب
وأتحب؟.. وأعيش مع الانسانة اللي اختارتها واللي ما حدش يقدر يطلع فيها عيب
كإنسانة؟… ليه مشتاقة تشوفيني حزين؟!
اعتصرت قبضتها لتقول:
ـ أنا يا رامي!.
أغلق عينيه مرددا:ً
ـ تصبحي على خير.. أنا تعبان وعايز أنام.
هب واقفا لينهي الحوار ترمق أمه ظهره للحظات وقد اتسعت عيناها وقد أصابتها
صدمة من كلماته لها، لكنها وقفت لتغادر غرفته بصمت.
الا….لم تصاعد داخلها… يؤ…لمها أن ابنها نسى كل شيء فعلته من أجله منذ جاء
لهذه دنيا لتجعله سعيدا ولم يعد يرى منه الا رفضها لنهى متعبرا ذلك سعياً منها ً
لقتـ,ـل فرحته، وصلت غرفتها لتدخلها وتسبقها عبراتها على وجنتيها ليستقبلها محمد
قائلًا:
ـ سامية.. مالك؟.. رامي ضايقك ولا إيه؟!
جلست وشعرت بثقل على صدرها فحاولت أن تتنفس بعمق فلم تستطع الا أن
تسعل وبقوة ليأتيها زوجها بكوب ماء قائلًا:
ـ اهدي يا سامية.. خدي اشربي.
قالت من بين دمو…عها بعد رشفة واحدة من كوب الماء:
ـ ابني مش شايف فيا غير أني عايزة أهدم سعادته… أنا يا محمد!.. أنا بقيت
عايزاه يعيش تعيس.
ربت على كتفها قائلًا:
ـ سامحيه يا سامية هو ما يقصدش… هو بس مش شايف غيرك بينه و بين
سعادته.. حاسس زي اللي عايز ياخد النفس الاخير اللي هيرجعه للحياة وفي حد
حاطط ايده على وشه ومانعه منه.
رفعت رأسها إليه لتصيح:
ـ أنت بتهونها عليا ولا بتصعبها.
ـ لا ده ولا ده.. أنا بشرح لك ابنك حاسس بإيه… علشان تعذريه.
حبست الدموع في عينيها وهي تنظر لزوجها ليرى الحيرة في عينيها وهي تقول:
ـ بس ده مش قصدي… أنا مش عايزاه يرتبط في علاقة ممكن.. ممكن…
أكمل زوجها ما أ اردت قوله قائلًا:
ـ تفشل؟.. هو ده قصدك… رغم إن ده توقع سيء ومش ضروري يحصل.. بس
لو بفرض إنه حصل.. ابنك مش هيخسر حاجة… لانه راجل.. اللي هيتعب أكثر
بفشل التجربة دي نهى مش رامي.. فإذا كان هي عندها استعداد تخوض
التجربة.. رغم خو….فها الطبيعي من فشلها.. نوقف إحنا في وشهم ليه؟.. نهى مننا
برضو.. وأحب انبهك أنها هي اللي مخليه ارمي لحد دلوقت بيسعى لموافقتك..
لانها ببساطة مش هتتجوزه إلا برضانا كلنا.. تعرفي لو عندها استعداد للموضوع
ده بعيدا عن موافقتنا كان رامي جري واتجوزها على طول… بغض النظر عن ً
رأيك… لكن هي اللي مخلياه تحت طوعك لحد دلوقت.. فما تكونش مكافئتها
رفضك لمجرد الرفض… هي عاشت وسطنا كتير.. ايه المشكلة لما تفضل وسطنا
بصفة جديدة.. مرات ابنك.
ـ مرات ابني.
رددتها سامية وكأنها تتذوقها..لم تجدها مرة في حلقها كما تصورت، أغلقت
عينيها وهي تتخيل ابنها بجانب نهى يوم العرس، نهى فتاة جميلة وهادئة لا يمكن
ألحد أن ينكر ذلك لكن الصورة تشوشت سريعاً بكلمات تعلم أنها ستسمعها في
ذلك اليوم حتماً.
“يعني ما لقيتش لابنها غير واحدة أكبر منه!”.. “دي زميلة أخته أنا كنت بشوفها
معاها في الجامعة”… “دي اكبر منه بكتير على كده؟!”….
هزت رأسها وهي تردد:
ـ لو احنا وافقنا الناس مش هتوافق.
قال وهي يضع يده على كتفها:
ـ الناس مالهومش أنهم يحكموا على ابني أنه يعيش تعيس.. لمجرد أنهم شايفين
كده… وهيتقبلوا الوضع ما دام احنا متقبلينه… الكلام هيكتر لو حسوا إن احنا
مش موافقين… لكن احنا هنقف جنب ابننا… وهنساعده علشان جوازه ينجح…
ونهى ما تستحقش منا غير كل خير.
انخفض ليكون في مستوى نظرها قائلًا:
ـ عايزة تشوفي إنسان طاير من الفرحة زي ما بيقولوا… روحي قولي لرامي انك
موافقة… وشوفي هيطير ازاي.
ابتسمت لمقولته وهي تنظر له ليمنحهها نظرة مليئة بالحب والرجاء، فهزت رأسها
في استسلام لتقول:
ـ واضح ان كلكم عليا.
ظل على صمته فوقفت لتقول:
ـ ينام مبسوط أحسن ما ينام زعالن مش كده.
أشار لها بإبهامه مؤيدا، وعلى شفتيه ابتسامة واسعة، انتقلت لها تلقائياً وهي تتركه ً
متجه لرامي، الذي كان ملتفاً بغطائه والضيق والغضب ينال منه ما ينال، حلمه
ًيبتعد عنه رويدا رويداً… ولا يستطيع أن يفعل شيء لايقاف ذلك، وكأن السعادة
التي حلق بها حان وقت انتهاءها.. و الغريب أنها انتهت أسرع مما توقع… أمه
تحب نهى هو يعلم هذا جيدا لم يتصور أن فارق السن سيدفعها لمهاجمته لرغبته ً،
في الارتباط بها بتلك الصورة، لكن هذا ليس نهاية المطاف.. لم ينل موافقة نهى
ليصطدم برفض أمه… سينال موافقتها هي األخرى، والا
والا سيقنع نهى
بالزواج به بغض النظر عن موافقتها.. سيضعها أمام الامر الواقع… ستغضب
في البداية لكن عندما ترى سعادته تحققت بالفعل مع نهى ستقبل… ستقبل بهما
معاً وستعود الامور لطبيعتها وكأن شيئاً لم يكن… لكن المشكلة أن نهى سترفض
وبشدة مثل ذلك الاقتراح… لقد وعدها أن يتم الامر دون مشاكل فكيف الان
سيخبرها بأن يتم الامر دون موافقة أمه، اعتدل في فراشه وهو ينفض الغطاء بعيدا
عنه وهو يردد في ضجر:
وبعدين بقى… أعمل ايه أنا دلوقت ـ
وصلت لاذنه دقات رقيقة على الباب فالتفت قائلًا:
ـ مين؟!
دخلت أمه ، فعقد حاجبيه الندهاشه من قدومها إليه مجدداً، ترى ماذا تريد أن
تقول هل تريد أن تنهي أحلامه بكلمة واحدة أن يتوقف عن المحاولة أم ماذا؟..
ظلت أمه بجانب الباب وكلاهما ينظر للاخر بصمت حتى قطعته أمه قائلة:
ـ أنا مش هفضل شريرة الفيلم.
ضيق رامي عينيه موحياً لها بعدم فهمه لما تقول وهو يردد:
ـ فيلم!.. فيلم إيه؟!
عقدت ذراعيها أمام صدرها قائلة:
ـ أنا أكيد مش مصدقة نفسي إني بقول كده.. بس جايز أنتو ا معاكم حق وأنا لا
والناس دايما بتتكلم… هما بيحبوا يتكلموا عن أي حد وأي حاجة، بس أنا بقى لو
سمعت كلمة من حد… هوريه الامرين..
مد رامي رقبته وهي ينظر لامه بحيرة شديدة، أو بعدم تصديق، هل تعني ما يصل
لعقله الان أم تتكلم عن شيء آخر تماماً.. ماهذه الالغاز التي تتحدث بها؟!
حدقت به للحظات ثم قالت:
ـ مالك عامل كده ليه؟!… ما فيش أي رد فعل.
هز رأسه بحيرة وهو يقول:
ـ أنا مش فاهم حاجة.
زفرت بضيق:
ـ مش فاهم ولا عامل نفسك مش فاهم… خلاص يا سيدي أقولها لك على
بلاطة… تقدر تكلم نهى.. وتقولها ماما بتقولك مبروك… فهمت كده ولا لسه…
أنا شكلي هقولها تصرف نظر عنك… مخك أتخن مما تخيلت.
لا تدري ما حدث بالضبط لقد شعرت بمن يقفز في الهواء ليصبح أمامها في
غضو ن ثانية وهو يضمها إليه بقوة وفرح عارم، لكنه سعلت بقوة وهي تقول:
ـ يا ولد أنت بتحضني ولا بتخنقني… هوا.. هوا.
وصل لرامي استجداء أمه للهواء، فشعر بقوة ضمته لها ليحررها قائلًا:
ـ آسف.. آسف… أصل الفرحة… يعني… ماما أنا بجد مش عارف أقولك أيه..
أنا بحبك قوي.. بحبك قوي… أرجوك ماتزعليش من أي حاجة قلتها.
ابتسمت وهي ترى تغير ملامحه بدرجة كبيرة، كانت الفرحة تكاد تقفز من عينيه
التي تألقت ببريق دامع، وهو يردد كلمات الشكر والامتنان لموافقتها على طلبه.

الحلقه الثاني والثلاثون

بدا صباحاً مختلف للجميع، السعادة تغمر كل من في المنزل، حتى سامية التي
كانت رافضة للامر استطاعت أن تتفاعل مع أجواء السعادة والفرح التي يعيشها
أبناءها..ريهام التي تستعد اليوم للعودة أخيرا ليوسف، ورامي الذي سيحدث نهى ً
في أمر الخطبة كارتباط رسمي حتى تتحسن ظروفهم المادية ويتمما الزواج.
حملت ريهام حقيبتها بعد أن رتبت فيها كل ما يخصها لتلتقيها أمها قائلة:
خلاص..جهزت كل حاجة؟. ـ
ـ ايوة يا ماما.. رامي هيوصلني الشقة… وأنا هكلم يوسف من هناك.
غمزت لها أمها مرددة:
ـ وماله.. هناك هناك..
ضحكت ريهام وقد توردت وجنتيها واقتربت من أمها تضمها إليها قائلة:
شكرا ماما..
شكرا على كل حاجة… وشكرا على موافقتك على نهى كمان.
ربتت أمها على ظهرها قائلة:
ـ العفو.. المهم تكونوا مبسوطين.. أما نهى ورامي فربنا يوفقهم وينجحوا في
حياتهم.
رفعت ريهام رأسها ألمها قائلة:
ـ إن شاء الله هينجحوا يا ماما.. ما دام هنفضل معاهم وجنبهم.. مش كده.
ـ كده.
ابتسما لبعضهما ثم وضعت ريهام الحقيبة أرضاً لة: قائله
ـ هكلم بابا وبعدين ننزل.
كان أبوها في غرفته يستعد للذهاب للعمل طرقت الباب فسمح لها بالدخول لتجده
يقوم بربط ربطة العنق فاقتربت قائلة:
ـ عنك يا بابا.
تركها تقوم بالعقدة بدًلا منه وانتهت وهي تقول:
ـ بابا.. أنا آسفة… عارفة أنها متأخرة.. بس معلش.. سامحني.
أمسك محمد بكفها قائالً:
ـ أسامحك على أيه؟!.. أنا عايزك أنت اللي تسامحيني لاني بشكل أو بآخر خليت
حياتك أكثر صعوبة.
هزت رأسها لتقول:
أبدا يا بابا.. إن كانت بقيت صعبة فده بسببي أنا مش بسببك أنت.. بابا.. انت ً ـ
قدمت لي أحلى هدية في حياتي.. يوسف.. أنا بجد بشكرك من كل قلبي.
ابتسم وهو يمسح على أرسها قائلًا:
ـ ربنا يسعدك يا بنتي.. ويصلح مابينكم دايماً.. يوسف إنسان هايل وأنا سعيد أنك
قررت تكملي معاه حياتك.
سمعت ريهام صوت رامي يحثها على الاسراع ليوصلها فاستأذنت أباها سريعاً
وهي تطبع قبله على خده لتلحق برامي الذي قاد سيارة أبيه وانطلق بها.. كانا
كلاهما يشعر بالحماسة الشديدة، رامي ينتظر بفارغ الصبر وقت خروج نهى من
عملها ليلتقي بها ويخبرها أن حلمهما سيتحقق وسيجتمعا معاً أخيرا.. فلقد أرسل
لها رسالة بعد أن تركته أمه مباشرة، أخبرها فيها بأنه سينتظرها أمام المدرسة
ليحدثها بأمر هام
ابتسم وهو يفكر في الحيرة التي ستتملكها حتى يلتقي بها، الحظت ريهام ابتسامته
فقالت:
ـ هتقول لنهى النهاردة؟.
منحهها نظرة سريعة قائلًا:
ـ أيوة… بعت لها رساله امبارح.. هقابلها بعد المدرسة وأقولها.
ـ مبروك.
قالتها ريهام بسعادة، فابتسم رامي قائلًا:
ـ الله يبارك فيكي… صحيح يوسف لما كان بيتكلم معايا امبارح ما جبش سيرة إنك
راجعة… هو أنت لسه ما قلتلوش.
التفتت ريهام قائلة بتوتر:
ـ أوعى تكون قو لت له.
ـ لا… أنا خفت تغير ي رأيك… فما قلتش حاجة.
تنفست الصعداء وبدت ملامح الراحة على وجهها قائلة:
ـ كويس.
حدق بها رامي بمكر فكست خدودها باللون الاحمر وهي تقول:
ـ يعني… أًصلي عايزة أقولوا بنفسي.
كتم رامي ضحكة أ اردت الفرار من بين شفتيه وهو يهز أرسه متعجباً من حال
الفتيات كيف يتغير من حال إلى حال..
ما أن وصلا حتى قفزت ريهام من السيارة وتبعها رامي لينزل لها الحقيبة فأمسكت
بها قائلة:
ـ ما تتعبش نفسك أنا هطلعها.
ـ مش تقيلة؟
ـ لا.. مش تقيلة… وأنا هستخدم الاسانسير… المهم… بعد ما تقول لنهى جبهالي
هنا… وسيبها تطلع لوحدها… هي عارفة إني مستنياها.. ما تأخرهاش..
فاهمني.. ما تأخرهاش.
رفع رامي إحدى حاجبيه قائلًا:
ـ هو أنتو ا بتعملوا أيه؟!
ـ و أنت مالك أنت!.. يلا سلام… روح أعملك شغلتين قبل ما تقابل نهى.. سلام.
سحبت حقيبتها لتختفي داخل البناية، بينما ضر….ب رامي كفا بكف، وهو يعود
. للسيارة منطـ,ـلقاً بها
***************
انهمك يوسف في مراجعة عدة عقود وكانت الاوراق حوله في كل مكان بغرفته،
حتى مل منها فأ ازحها جانباً وغادر مكتبه وهو يحمل كوب قهوته الساخن ويرتشف
منه وهو يطالع السماء من النافذة كانت تبدو صافية جداً اليوم… زرقتها تتباهى
بنفسها وسط قطع السحاب الابيض، ابتسم لما يراه وامتلا صدره بشعور طيب،
برغم ما يشوبه من حزن وقلق لرد فعل ريهام على كلام جدته الذي لا يعرف شيء
عنه إلى الان، كما أنه لم يجرؤ على سؤالها عن سبب زيارتها لريهام.. المفترض
أنه لا يعلم بالامر..
كم تمنى لو حدثته هي عما دار بينهما لكنها لم تفعل، أراد أن يرسل لريهام
ليخبرها إنه لا يعلم بأمر تلك الزيارة، لكنه كان يتراجع… إلى متى عليه أن يدافع
عن نفسه أمامها؟..
دوماً عليه أن يفسر كل ما يجري حوله وحولها بتلك لم
الطريقة؟…
يجب أن تتعلم أن تكف عن الظن السيء به والا فإن حياتهما معاً لن تكون سهلة
أبدا؟.. ً
ابتسم في سخرية… وهو يفكر في تلك الحياة التي يحلم بها معها وال توجد أي
مؤشرات لها… فريهام إلى الان صامتة ولا تريد أن تحدثه وهو ما زال يرفض أن
يأخذ خطوة أخرى… هل ستفوز ريهام عليه وستدفعه لملاحقتها من جديد؟!.. أم
هي من سيستسلم لتدق بابه قريباً؟..
أنهى كوب قهوته ليعاود متابعة عمله الذي قرر أن يقوم به من المنزل اليوم…
وكل همه أن يقـ,ـتل الوقت الذي يمر عليه بعيدا عنها.. لانه عرف أن الايام التي ً
لا تشاركه فيها ريهام.. أيام لا حياة فيها.
*************
خرجت نهى من المدرسة وعيناها تحوم هنا وهناك بحثاً عن ارمي والقلق قد وصل
بها إلى مداه… تعلم أنه لن يتأخر في محادثة أهله بأمرهما… هل وافقوا أم…؟!
كم تخشى من ذلك الاحتمال الاخر، لكن.. لكن رفضهما كان سيوقف رامي على
الاقل لاقناعهما لكن أن يلتقي بها بهذه السرعة.. لا تتصور أنه جاء ليخبرها
برفض أهله لها.. انتبهت له يقف بجانب سيارة لم تكن رأتها من قبل، فاقتربت منه
وأول ما بدر لذهنها لتخف من توترها سؤالها عن السيارة فابتسم قائلًا:
ـ لا مش بتاعتي.. دي بتاعت بابا.. عمي ادهاله ..لان بابا مش حمل
مواصلات.. وهو سمح لي إنها تكون معايا النهاردة.. ممكن تركبي؟.
استقرت بالسيارة لينطلق بها قائلًا:
ـ ريهام هتقتـ,ـلني لو أخرتك… فاهوصلك وأقولك الخبر المهم.
ابتلعت ريقها بصعوبة لتقول:
ـ خير؟.
رسم الجدية على ملامحه وهو يقول:
ـ أنا كلمتهم امبارح عنا… كلمت بابا وماما.
ضمت قبضتيها لايقاف ارتجافهما الواضح ولم تستطع نطق حرف واحد واكتفت
بالصمت كتعليق فنظر لها رامي ثم عاد يتطلع للطريق ليقول بكلمات بطيئة:
ـ ماما… بتقولك..
لم يكمل ومط شفتيه وهي يشعر بتطلع نهى إليه وقلبها يدق بعنف، و هي تحثه
على الكلام فأوقف السيارة وهو يتطلع أمامه فقررت نهى الكلام بدًلا منه لتقول
بحزن واضح:
ـ ماوافقتش.. مش كده.
التفت لها ولا يعلم لما دق قلبه بسعادة وهو يرى الحزن يرتسم على ملامحها.. إنها
حزينة لانها قد تخسره.. هي تحبه.. إذاً تحبه مثلما يحبها وتريد أن تكون معه
بقدر ما يريد هو ذلك..
فابتسم وهو يتطلع لها فرأت ابتسامته فعقدت حاجبيها والحيرة تغزو عقلها بعنف
لتقول:
ـ أنت بتضحك على إيه؟!
اتسعت ابتسامته ليقول:
ـ ماما بتقولك… مبروووووووووك.
ظلت تحدق به للحظات لتضم شفتيها بغيظ ثم قذفته بحقيبتها لترتطم بوجهه بشكل
مفاجيء ليصيح متأوهاً:
ـ آآه… وشي.. وشي… هتبوظيلي وشي قبل الفرح… هقعد في الكوشة ازاي أنا
دلوقت
صاحت بوجهه وقد تملكها الغيظ:
رامي.. أنت سخيف…وبقولك من دلوقت أهو… بطل مقالبك السخيفة دي معايا.
قهقه في سعادة ضاعفت غيظها ثم قطع ضحكته فجأة ليميل ناحيتها فالتصقت
باب السيارة مبتعدة عنه وهي تقول:
ـ بقولك ما تهزرش.
توقف مكانه وهي يتحدث بمكر قائلًا:
ـ بجد عايزني أتغير؟.. يعني مش هتقولي بعد كده.. أنت اتغيرت.. ما بقتش رامي
اللي أنا حبيته.
قال جملته الاخيرة بلمحه تمثيلية، فهزت نهى رأسها قائلة:
ـ أيه الثقة دي… مين قال أني حبيتك!.
حدق بها بفزع للحظة لكنه سرعان ما عقد حاجبيه وهو يرى شبة ابتسامة على
شفتيها فاعتدل قائلًا:
ـ هاهاها… بايخة!.
هزت كتفيها قائلة:
ـ بتعلم منك يا أستاذ.
حك أرسه قائلًا:
ـ شكلي هفكر أتغير فعلًا.. يا فرحة ريهام فيا!.
ما أن نطق اسم ريهام حتى انتفـ,ـضت نهى قائلة:
ـ يا نهاري!!… هنتأخر على ريهام… أنت واقف ليه أمشي.. يلا.
ـ ريهام إيه بس… بقولك ماما وبابا وافقوا… يعني خلاص.. هنكون لبعض
تقوليلي ريهام!!.
رامي… اطلع دلوقت … يلا… ريهام هتقـ,ـتلني لو اتأخرت. ـ
ضر…ب كف بكف وهو يعيد تشغيل محرك السيارة وقد امتد الغيظ له لينطلق
بالسيارة ولاحت منه نظرة لوجه نهى ليجدها تبتسم في سعادة واضحة وهي تتابع
الطريق متجنبة النظر له، ليبتسم هو الاخر بدوره وشعر بقلبه يتمايل فرحاً…
وقرر أن يفعل المستحيل كي يعجل باتمام الزواج بحبه الوحيد نهى.
ما أن وصلا حتى قفزت نهى من السيارة وخرج رامي خلفها فالتفتت له قائلة:
ـ خالص.. أنا هطلع.
ضيق عينيه قائلًا:
ـ أنتوا مش عايزني أطلع ليه؟.
دارت عيناها قليلًا لتقول:
ـ يعني ليه.. يعني.. بنوضب الشقة يا سيدى.. مش كانت مقفولة شهر.. سؤال
غريب.. سلام.
ـ استني.
التفتت له لتقول بنفاذ صبر:
ـ رامي خلصني عايزة أطلع.
منحها نظرة مليئة بالحب… ليقول:
ـ مش نفسك تقوليلي حاجة… حاجة نفسي أسمعها منك.
توردت وجنتيها في الحال، وهي تخفي عينيها عنه فقال برجاء:
ـ علشان خاطري… مرة واحدة بس.
اتسعت ابتسامتها ثم قالت دون النظر له:
ـ طيب.. هو لازم أقولها كلها؟.. يعني ما ينفعش أقولك.. كلمة.. أولها باء..
وأخيرها كاف!.
تهللت أساريره وهو يقول:
ـ لا قوليها كلها.. علشان خاطري قوليها.
دارات عيناها للحظات ثم قالت:
ـ لو مصمم… حاضر.
ثم رفعت عيناها إليه وبدت كمن تمسك نفسها من الانفجار في الضحك لتقول:
ـ بوفتيك!!
ألقت الكلمة وفرت هاربة وهي تضحك من قلبها ، تاركه ارمي يشتعل غيظاً ليحك ذقنه قائلًا:
ـ اللي بنعمله في الناس هيطلع علينا ولا إيييييه.
************

الحلقه الثالث والثلاثون

فتحت ريهام لنهى سريعاً وهي تقول:
لو كنت اتأخر ت دقيقة كمان.. أنا كنت…
قاطعتها نهى وهي تسرع للداخل:
ـ يا ستي لسه قدامنا وقت….ثم أخوك اللي أخرني.
قالت جملتها لتصمت فجأة وهي تلتفت لريهام التي وقف معقودة الذراعين و على
شفتيها ابتسامة ما، فأطرقت نهى برأسها وقد تملكها الخجل لتقول:
ـ أنا كنت هقولك كل حاجة.. بس كنت.. كنت.
كنت إيه؟… يا ندلة… بقى أعرف من أخويا وصحبيتي لا!.
لم تستطع نهى التعليق بشيء لكنها وجدت رفيقتها تند…فع نحوها لتضمها اليها بقوة
قائلة:
ـ ألف مبروك يا نهى… أنا بجد مش قادرة أقولك أنا مبسوطة أد إيه….
ضمت نهى رفيقتها إليها والسعادة تحيطهما لتقول:
ـ بجد مبسوطة يا ريهام؟.
عادت ريهام للوراء وهي تضر….ب كتف رفيقتها قائلة:
طبعاً.. معقولة عندك شك في كده!.. أنا بصراحة مش عارفه أنت حبيت إيه في ـ
أخويا ده.. لكن مش مشكلة ما دام هتكوني مبسـ,ـوطة.. يبقى مش مهم أي حاجه
تانية.. و رامي فعلًا أثبت إنه ممكن يتحمل المسئولية.. بس تصدقي لو قالو ا لي
من كام سنة فاتت.. تتوقعي إيه اللي يحصل في مثل هذا اليوم تزوري المريخ ولا
نهى ورامي يتجوزوا.. كنت اختارت زيارة المريخ طبعاً.
قالتها وهي تضحك بقوة لتشاركها رفيقتها الضحك، فهذا بالتأكيد كان سيكون رأيها
هي الاخرى، ولكن من يمكنه توقع مستقبله!
كم من شخص فكر في مستقبله ووضع له الخطط لينتهي به الامر بما هو أكثر
غرابة مما قد يتخيل، ولكن كما قالت رفيقتها المهم أنها سعيدة… نعم هي
سعيدة… وتشعر أن قلبها لم يعد قادر على تحمل هذا القدر من السرور الذي
تشعر به في هذه اللحظة….
هي تحب رامي وبشدة ولم يعد هناك أي عقابات أمام حبها هذا… لقد قبل أهله
بها… وعليها الان أن تتأقلم على ما قد تراه في عيون الغرباء عندما تتم الزيجة
لكنها واثقة أنها ستتمكن من تجاوز كل شيء طالما ستصبح لها عائلة مجددا… ً
عائلة عاشت معها كثيراً وأحبتهم.. لن تكون وحيدة بعد اليوم ستجد من يدافع عنها
دوما ويمنحها الابتسامة التي تحتاجها وقت الحاجة.
لم تسمح لها ريهام بمزيد من الغرق في خيالها الخاص بمستقبلها لتعيدها لمستقبلها
هي مع يوسف، اسرعتا للانتهاء من تحضير كل يلزم… من عشاء مميز…
ديكور مناسب.. روائح فواحة من الياسمين واللافندر… وأخيرا
لم يتبق إلا إعداد
العروس.. كما قالت نهى وهي تجلس ريهام أمام المرآة لتتولى تزين وجهها
وتصفيف شعرها، كانت الفرحة تتملكهما وبشدة… نهى التي صار حبها حقيقة لم
يعد يمكنها أن تخجل منه بعد الان… ستسعد به إلى أقصى درجة ممكنه و لن
تسمح ألي نظرة ناقمة عليها أن تفسد فرحتها.. أما ريهام فقد كانت غارقة في
خيالها وهي تفكر في اللحظة التي ستهاتف فيها يوسف.. كيف سيكون رده؟.. هل
سيسرع لها فور أن يعرف أنها تنتظره أم سيتأخر عليها ربما ليرد لها بعض ما
فعلته به، عقدت حاجبيها وهي تلوم نفسها على االستمرار في التفكير السلبي..
فليس هذا و قته على الاطلاق.
وقفت نهى على الباب تتأمل رفيقتها للمرة الاخيرة وعلى شفتيها ابتسامة كبيرة وهي
تتمتم:
ـ الله يكون في عونك يا يوسف… خايفة يجرى له حاجه من الفرحة وهو شايف
الجمال ده.
لكمتها ريهام على كتفها قائلة:
ـ بس بقى يا نهى.
لوحت لها نهى لتغادر وهي تحثها على الاتصال بيوسف حاالا دون التأخر لحظة
واحدة.
ألقت ريهام نظرة سريعة على المكان وابتسمت وهي ترى مجهودها مع رفيقتها أتى
ثماره.. فالمكان يبدو مختلف تماماً.. سيفاجئ يوسف بكل تأكيد… جلست وهي
تمسك هاتفها ليظهر اسم يوسف أمامها وتضغط زر الاتصال، لكنها عقدت
حاجبيها عندما فوجئت برسالة مسجلة تخبرها بأن الهاتف غير متاح عضت على
شفتيها بضيق وهي تردد:
ـ ليه كده.. ما اتفقناش على كده…أعمل إيه أنا دلوقت … يكون روح من الشغل
ولا لسه؟… اتصل بالبيت وخلاص.
هزت رأسها في حيرة ثم اتجهت للهاتف الارضي لتتصل بمنزل عمها حيث قضى
يوسف الشهر الماضي وتمنت من كل قلبها أن يكون هو مجيبها لكنها وجدت
صوت الجدة الهاديء يأتيها عبر السماعة..
ارتبكت للحظة لكنها تماسكت لتعرفها من هي، ليجيبها صمت الجدة فابتلعت ريقها
بصعوبة وهي تسألها عن يوسف وأن هاتفه مغلق ولا تستطيع الوصول إليه،
ليأتيها رد الجدة:
ـ يوسف هنا.. ما رحش الشغل النهاردة.. وما اعرفش تليفونه مقفول ليه…
هندهولك.
ارتفعت دقات قلب ريهام بشدة ولكن عاودها صوت الجدة لتقول:
ـ ريهام.
ـ نعم.
ـ ما كنش قصدي أضايقك… ويارب يكون كلامك مع يوسف دلوقت يسعدك ويسعده.
..ابتسمت ريهام وهي تطمئنها:
ولا يهمك يا تيته وان شاء الله كلامي يسعده.
هندهولك حاالا ـ
أغلقت ريهام عينيها وهي تحاول أن تتمالك نفسها وتستعيد درجة حرارة جسدها
الطبيعية وتتحكم أكثر في دقات قلبها التي خرجت عن السيطرة.. وهي في انتظار
صوت يوسف الذي اشتاقت له كثيرا
طرقت الجدة باب غرفة يوسف لتدلف قائلة:
ـ قافل تليفونك ليه؟
التفت لها وقد عقد حاجبيه:
أبدا.. علشان ما حدش يزعجني في الشغل، بتسألي ليه؟.. ً ـ
انت اتصلت بيا ولا حاجة.
ابتسمت وهي تستند على الباب قائلة:
ـ مش أنا… حد اتصل بيك ولما لاقاه مقفول اتصل بالبيت.
بدا التساؤل على وجه يوسف وهو يقول:
ـ حد مين؟
رفعت الجدة إحدى حاجبيها وهي تقول:
ـ حد…حد مستني مكالمته بقى لك… شهر.
شعر يوسف بقلبه يهوي بين قدميه وهو يحدق بالجدة التي ابتسمت في خبث وهي
تردف:
ـ أيوة.. ريهام.. على التليفون.
قفز من مكانه كالملسوع وهو يسرع للهاتف بينما ضحكت الجدة على ردت فعله،
أمسك بالسماعة وحاول التنفس بعمق كي يبدو صوته عادياً وهو يقول:
ـ ألو.
لم تعرف ريهام كيف تصف شعورها عندما وصل لها صوته وكأن قلبها يكاد يخرج
من بين ضلوعها، فجاءها صوته مجدداً حيث لم ترد عليه :
ألو.. ريهام..أنت سمعاني؟
انتبهت لكونها صامتة فحسب فأسرعت تقول:
ـ أيوة.. أيوة سمعاك.
ابتسم لسماع صوتها كثيرا خاصة وقد وصلته نبرة توترها الزائد، لكنه صمت… ً
ليتركها تتكلم، وبعد لحظات صمت قالت:
ـ يوسف.. أ.. أنا.. أقصد.. أنت.. وحشتيني.
اتسعت ابتسامته أكثر ليلوح بقبضته في الهواء، لكنه قرر التماسك أكثر قائلًا:
ـ متشكر.
وضعت كفها على قلبها وكأنها تخشى عليه من التوقف، بدا حديثه باردا.. لكنها
ستكمل للنهاية:
ـ يوسف.. ممكن تيجي.
عقد يوسف حاجبيه قائلًا:
ـ آجي… بيت عمي!!
ـ لا.. بيتنا… أنا مستنياك في شقتنا… شقتنا يا يوسف… عندي حاجات كتير
عايزة أقولها لك.
ضيق يوسف عينيه قائلًا:
ـ طب ممكن تقوليلي حاجة واحدة منهم… علشان بس أعرف الباقي ممكن يكون
شكله إيه.
وضعت كفها على فمها لتمنع نفسها الضحك وهي تقول باصرار:
ـ لا.. مش هقولك أي حاجة إلا لما تيجي.. مستنياك… ما تتأخرش.. يال سلام.
أغلقت السماعة كي لا تمنحه فرصة للمزيد، ظل يوسف يحدق بالسماعة قليلًا ثم
وضعها ليسرع للباب فأوقفه صوت جدته:
ـ يوسف… أنت هتخرج كده؟.
فنظر لثيايه المنزليه ليقول:
ـ مش مشكلة يا حبيبتي.. ما أنا هركب العريبة.
عقدت ذراعيها أمام صدرها قائلة:
ـ يا ولد دي ما شفتكش بقى لها شهر… وضب نفسك شوية.
وضع يده على شعره المبعثر قائلًا:
ـ عندك حق.
ًمر بجوارها ليمنحهها قبله سريعة عائدا لغرفته بينما تتابعه الجدة بحنان وقلبها
يدعو له بالمزيد والمزيد من السعادة.
قاد سيارته والافكار تموج به موجاً، ترى ما الذي ستقوله له؟… هل ستخبره بحبها
وأنها تريد أن تكمل حياتها معه؟… هل سيتحقق حلمه أخيراً، ويقضي بقية عمره
مع حبه الوحيد؟… شعر وكأن عقله سيطيش من شعور الفرح الذي يغمره…
كلمات ريهام كان مليئة بالشوق والحب.. نعم هي تنتظره بشوق الان… وهو كذلك
يتمنى لقاءها بمزيد ومزيد من الشوق، سيخبرها هو أيضاً بكل ما في قلبه من
مشاعر ناحيتها… سيطلق للسانه العنان بعد أن أمسكه كثيراً… سيحول كل ما
بداخله لكلمات تخرج من بين شفتيه لتصل لقلبها مباشرة… لقد تأخر في الاعتراف
لها بحبه وهذا خطأه الذي لا ينكره وعليه ألا يصمت بعد الان.. فمن الان
وصاعدا سيقول كل ما بداخله فور أن يرغب بذلك.. سيتغافل عن كل ما كان ً
ولن يفكر إلا في مستقبله مع الفتاة الوحيدة التي أحب.
وصل للبناية ليهبط من السيارة ويقفز المسافات المتبقية ليستقل المصعد، وأخيرا
يقف أمام باب الشقة، لتصله في الحال رائحة الياسمين واللافندر التي تعبق
المكان، اتسعت ابتسامته وهو يفتح الباب ليدلف للداخل..
فغر فاه وهو يحدق فيما حوله وما أشعر ه أنه يرى شقته للمرة الاولى.
كانت الاضاءة خافته جدا.. وما ساعده ليرى ما في الداخل هي الشموع الفواحة
الصغيرة المنتشرة في الاركان، تقدم للداخل وهو يغلق الباب خلفه وابتسامته في
ً اتساع مستمر ليجد نفسه يقف بين صفين من بتالت الورود الحمراء يشكلا ممرا
يأخذانه لمكان محدد وبالفعل سار خلال هذا الممر وهو يتطلع لكل ما حوله إلى أن
وصل لمائدة عشاء بدت مميزة جدا والشموع تضيئ منتصفها ووجد المزيد من ً
الورود الحمراء التي كان يسير بينها قد وضعت على المائدة حول كارت على
شكل قلب، رفع الكارت وهو يهز أرسه شاعرا وكأنه في حلم ما.. وأنه أبعد ما
يكون عن الواقع.. وربما أراد أن يصفع نفسه ليتأكد أنه لا يحلم…
أدار الكارت ليقرأ ما كتب عليه ليرفع إحدى حاجبيه وهو يعيد القراءة مجددا
بصوت أعلى:
“انظر خلفك”
ليضحك قائلًا:
انظر خلفي…دلوقت يعني!.
وصل لمسامعه ضحكة مكتومة تأتيه من الخلف فدار على عقبيه لتسقط عيناه
عليها… لكنها لم تكن كما اعتاد أن يراها، فقد أحاطتها هاله من الجمال بفساتنها
الاحمر الذي حمل بالكامل على ما يشبه العقد الكبير المطرز الذي أحاط عنقها
ليترك كتفيها وذراعيها بلا أكمام، كان فستان طويلا يفترش الارض من حولها
مانحاً لمحة ملكية ارئعة، وقد تركت شعرها منسدلا بحرية على كتفيها. إياها
ظل يوسف يحدق بها بذهول لينتقل بعد ذلك لملامح تحمل الكثير من الحب
والسرور والشوق… وهو يتأملها من رأسها حتى أخمص قدميها بينما تفر ريهام
من نظرات عينيه وهي تداعب خصلات شعرها بحياء اقترب منها لتزداد ضر…بات
قلبها بشدة مد أنامله ليضعها أسفل ذقنها ليرفع وجهها إليه لتلتقي عيناهما لتبدأ
رسائل الحب المتبادلة فابتسم قائلًا:
ـ وااو.. إيه الجمال ده؟!
توردت وجنتيها في الحال وهي تخفض بصرها مجددا لكنه أوقفها ليرفع وجهها من
جديد قائلًا بحب:
ـ لا…أنا عايز أفضل شايف عينيك
ابتسمت وهي تتأمله فهي أيضاً تفتقده كثيرا شهر كامل لم يكن بهذا القرب منها كم
افتقدت لون عينيه ودقة ملامح وجهه وبالتأكيد عبيره الذي يفوح منه دوماً، وكما
توقعت بدا… وسيماً.. متألقاً… ومهندماً كعادته.
لم يمنحها المزيد من الوقت لتتأمله بل ضمها إليه في الحال.. شعرت بقوة ذراعيه
وهو يضغط عليها أكثر وكأنه يريدها أن تكون جزء منه لا يمكن تفريقه أبدا
أحست بدقات قلبه القوية وكأنها امتزجت مع ضـ,ـربات قلبها هي الخرى ليبدآ معاً
نجوى من نوع خاص.
أغلق عينيه وهو يشتم عبيرها مجدداً، ويشعر بنعومة بشرتها على وجهه، شعر
وكأنه يسبح في عالم من الخيال أو يقضي حلم آخر من أحلامه الكثيرة التي دوماً
رآها في منامه وهو يضمها إليه، لم يرد أن يتركها وكأنه يخشى أن يفيق ليجد
نفسه في فراشه وأن كل ما رآه إلى الان ليس إلا حلم جديد سينتهي بسرعة، ولكنه
فتح عينيه على صوتها وهي تهمس في أذنه باسمه ليهمم وكأنه يخبرها أنه
يسمعها لتكمل برقة بالغة:
ـ أنا بحبك.
اتسعت ابتسامته وهو يقول:
وايه كمان؟
ـ امممم.. ومشتاقة قوي ليك.. وخلاص عرفت إن الحياة من غيرك مالهاش أي
طعم.. خليك معايا.. خليك جنبي.
تراجع لسنتيمترات قليلة لينظر لوجهها قائلًا في سعادة بالغة:
أوعدك إني هفضل معاك … يا عشقي الوحيد.. ياااه.. لو تعرفي أد إيه كانت
صعبة الايام اللي حاولت أوصل فيها لقلبك… و اللي أصعب منها الليالي اللي
اشتقت لك ليها و أنت معايا.
ابتسمت بهيام و رفعت ذراعيها تحاوط رقبته لتضمه إليها مجددا.. لتجده قد ضم ً
خصرها وفي اللحظة التالية وجدت قدميها في الهواء وهو يدور بها وقد اتسعت
ابتسامته حتى أصبحت ضحكته مسموعة لتضحك هي الاخرى متشبثة به بقوة
وهي تكاد لا تصدق السرور والفرح اللذان تشعر بهما الان..
********

الحلقـــــــــــه الاخيــــــــــــــــره

رغم الارهاق التي تشعر به نهى لكن سعادتها تغلبت على كل هذا… فهي فرحة
لنفسها وفرحه لرفيقتها.. كلتاهما وجدتا طريقهما للحب والسعادة… ابتسمت وهي
ترسم أمام عينيها ملامح رامي التي أصبحت تعشقها بكل تأكيد… تسمرت مكانها
ً للحظة فلقد ظنت أنها تتوهم لكن إنه هو بالفعل رامي
يقف مستندا على سيارته
أمام منزلها وبدت ملامح الجدية على وجهه، طرق لذهنها ما فعلته به قبل أن
تتركه فأمسكت نفسها عن الضحك وحاولت رسم الدهشة على
وجهها وان فشلت
في ذلك تماماً، لتقترب منه قائلة:
ـ رامي.. خير.. أنت هنا من امتى؟
رفع إحدى حاجبيه قائلًا:
ـ من بعد بوفتيك بشوية!.
لم تتمالك نفسها فعاودت الضحك ليمط رامي شفتيه بضيق بينما تقول:
ـ معلش بقى… تلميذتك.
ـ سيبك من كل ده… أنا عايز أقولك حاجه مهمة.
تسرب لها بعض القلق فاختفت ابتسامتها لتقول:
ـ خير.. قلقتيني.
ـ عايزين نحدد ميعاد كتب الكتاب.
فغرت فاها وبدت كالبلهاء للحظة ثم هزت رأسها وكأنها تعيد ما قاله في عقلها
قائلة:
ـ كتب كتاب!.. ليه؟.. احنا مش قلنا هنأجل الجواز شوية ونعمل خطوبة بس.
اعتدل قائلًا:
ـ وماله.. نأجل الجواز.. بس مش الزم خطوبة.. أنا عايز كتب كتاااب.
ضغط على كلماته الاخيرة وهو ينظر لها نظرة جعلت الدماء تندفع بغزارة إلى
وجنتيها، ففرت بعينيها بعيداً وهي تقول تلعثم:
ـ آه.. طيب.. طيب.. سيبني أفكر.. يعني شوية وقت.
قالت جملتها وبدت منها محاولة للهرب من أمامه، لكنه تنبه لهذا سريعاً فاعترض
طريقها في الحال مقترباً منها فارتدت للوراء وهي تدور مبتعدة عنه حتى وجدت
نفسها ملتصقة بالسيارة وهو أمامها وعلى شفتيه ابتسامة غامضة سرعان ما
أختفت لترفع أصبعها أمامه محذرة:
ـ رامي.. أبعد لو سمحت.
عاد خطوتين للوراء لينمحها الحرية للاعتدال والوقوف بشكل طبيعي، ليقول:
ـ أنا مش عايز شوية وقت.. أنا عايزك تفكر ي في الميعاد المناسب ونحدده وياريت يكون قريب.
عدلت ملابسها المنضبطة باحثة عن أي سبب لتفادي النظر له وهي تقول:
ـ وليه الاستعجال؟!
رفع إصبعه مشيرا لها قائلًا:
ـ علشان ده؟!
رفعت رأسها له ولم تفهم قصده قائلة:
ـ مش فاهمة!!
عقد ذراعيه أمام صدره قائلًا:
ـ مش عايزك خايفة.. عايز لم أقرب منك ما تهربيش مني.. عايز أقولك كل اللي
نفسي فيه واسمع منك اللي أحب أسمعه.. وعارف إن ده مش هيحصل وقت
الخطوبة.. مش هيحصل إلا بعد كتب الكتاب.. مش كده برضو.ًوصل توترها إلى مداه وهي تفهم جيدا مغزى ما يتحدث عنه ولا يمكنها أن تنكر
أن هذا ما تتمناه هي الاخرى، ظلت تنظر للارض ولم تستطع أن ترفض ماترغب به هي أيضاً.. فقالت بحياء:
ـ طيب.. موافقة… ممكن أطلع بقى؟.
افسح لها الطريق قائلًا
ـ ماشي… وقريب.. قريب قوي.. حاجات كتيرة هتتغير.
أخذت كلماته معها وهي تصعد بخطوات بدت متعثرة بينما اتسعت ابتسامة رامي
وهو يراها على تلك الحالة، عاد للسيارة متمتماً:
ـ قريب يا نهى.
***************
تناهى لاذان ريهام أصوات زقزقة العصافير مع نسمات الصباح و خيوط أشعة
الشمس الذهبية تمر داخل الغرفة على استحياء، فتحت عينيها الناعستين لترتسم
السعادة على ملامحها فور وقوع نظرها على وجه يوسف النائم بعمق، كان يبدو
مبتسماً.. ظلت تتأمل وجهه بمشاعر تملاها الحب وهي تستعيد ذكريات أمس…
حقا لقد كانت ليلة لا تنسى.. تعتقد أن ليلة عمرها كانت أفضل من كثيرات تزوجن ً
بشكل طبيعي، تنهدت بهيام وهي تتذكر كلمات الحب والعشق التي أغرقها بها
يوسف، نعم تعلم أنه يحبها لكنه أشعرها أن حبه لها لا حدود له… لهذا ستفعل
المستحيل لتجعله دوما مبتسماً… ستسعده قدر استطاعتها فهو لا يستحق أقل من
ذلك، تململ يوسف مكانه لكنه ثبت ثانية…
فهمست باسمه فلم تتلقى منه رد فنادته ثانية بصوت خفيض، وصل لها صوت
همهمته وكأنه يجيبها لكن دون أن يفتح عينيه فقالت:
ـ أنا بحبك قوي…
رأت ابتسامته تزداد فعلمت أنه يسمعها جيداً لكنه ظل على حاله فأردفت:
ـ و آسفة على كل حاجة… أنا ما اقدرش أعيش من غيرك… وأوعدك أني هفضل
جنبك لاخر لحظة في عمري.. وهعمل المستحيل علشان أسعدك.
انفرجت شفتيها عن ابتسامة متألقة عندما فتح عينيه لينظر لها، قرأت في عينيه
الكثير من الحب وهو يقول:
ـ وأنا كمان آسف… آسف أني أتاخرت كتير علشان أقولك بحبك… كان لازم
أقولها لك من أول ما حسيتها.
ضحكت لتقول:
ـ معلش… كل تأخير ة وفيها خير ة… المهم اللي جاي.
فتح ذراعيه لها قائلًا وهو يغمز لها:
فعًلا المهم اللي جاي. ـ
اندست بين ذراعيه ضاحكة وهي تحسد نفسها على السعادة التي تغمرها لمجرد
قربه منها.
************
تعالت الاصوات السعيدة في المكان بينما جلس يوسف يتابع ريهام حيثما تذهب،
كانت تخطو هنا وهناك في سعادة بالغة وهي تستقبل المدعوين لعقد قران أخيها
وصديقتها، ولم تكن تتوقف عن الالتفات ناحيته كلما مرت بقربه لتمنحه ابتسامتها
الجميلة ونظرة مليئة بالحب.. لم يستطع أن يتوقف عن متابعتها حيث تذهب..
وتذكر.. تذكر نفس اللحظة التي وقع في حبها.. كانت كالليلة.. مشرقة.. جميلة..
فرحة.. تنقل سرورها لكل من حولها.. واستطاعت حينها أن تلفت انتباهه لها..
كان يعلم من هي جيدا.. لكنه تصور للحظة إنه لم يرها بهذا الشكل من قبل.. ً
وحين حاول الاقتراب منها ليلتها.. شعر وكأنها ال تراه.. فقد ابتسمت له وعادت
للتنقل في المكان.. وحينها صدر هذا الصوت من داخل قلبه.. إنها هي.. هي من
ستملك قلبه بكل تأكيد.. ووعد قلبه حينها أنها ستكون له.. صحيح أن وعده هذا
قد تأخر كثيرا.. لكنه حققه في النهاية.. وها هو قد مر شهران على عودتها له.. ً
شهران كانا الافضل في حياته على الاطلاق.. كان يعلم أن سعادته لن تكون
عادية إذا عاش مع حبيبته وبادلته الحب.. لكن ما هو فيه فاق كل تصوراته.. إنه
في سعادة يصعب وصفها.. لهذا يفتقدها كثيرا إذا ابتعد عنها.. حتى عندما يذهب
للعمل.. فهو لا يرى أجمل من المكان الذي يجمعهما معاً… ولا أروع من الوقت
الذي يقضيه معها.. ولا أفضل من الطعام الذي تصنعه له ويتناوله معها..
باختصار لا يوجد ما هو أحسن من الحياة بكل أشكالها معها.
قطع أفكاره صوت رامي وهو يصيح:
ـ يا جماعة… بيااان هاااام.
ضحك وهو يلتفت له ليجده يقف بجانب عروسه التي أمسكت بذراعه وكأنها تحثه
على الجلوس لكنه لم يطعها قائلًا للجميع:
أنا بشكركم جدا إنكم شرفتوني وشاركتوني أهم يوم في حياتي… ً ـ
اقتربت ريهام لتجلس بجانب يوسف قائلة:
ـ المجنون ده بيعمل إيه؟!
ابتسم يوسف قائلًا:
ـ بيعمل حاجه نهى مش هتنساها طول عمرها.
ـ أفهم من كده إن عندك خلفية؟.
لم يجبها فقط ابتسم ليستمعا لكلام رامي الذي قال وهو يمسك بكف نهى التي
ظلت جالسة والخجل يغطي كل جزء في وجهها:
اليوم اللي حلمت بيه كتيرا جدا والحمد لله أخيرا تحقق
أخيرا ارتبطت بأكبر
حب في حياتي.. اللي هكمل معاها بقيت عمري واللي أوعدها أني هعمل
المستحيل علشان أسعدها لاني ببساطة مش هلاقي السعادة في أي مكان هي ما
تكونش فيه.. وأحب أقولها.. نهى أنت رفعتيني لسااابع سما.. لمجرد أنك
قبلتيني.. وأوعدك أنك مش هتندمي أبدا
كانا يتبادلان النظرات وهو يقول جملته الاخيرة، ثم التفت للمدعوين قائلًا:
ـ وأحب أشكركم مرة تانية لان اليوم أكيد بيكون مميز بوجود كل الناس اللي
بنحبهم.. أدعوا لنا من قلوبكم.. شرفتونا.
لوح لهم ليجلس بجانب بنهى التي نظرت له بامتنان شديد بينما تعالى التصفيق
الحار في القاعة لتحية رامي على كلمته التي ألقاها لهم.
ابتسم لها قائلًا:
ـ حبيبتي.. مجرد إنك توافقي بيا كان حلم بالنسبة لي..بجد شكرا أنك حققتيهولي.
ـ رامي…
قاومت رغبة اجتاحتها للبكاء بين أمسك رامي كفها ليقبله قائلًا:
ـ نعم يا عمري.
ـ بحبك.
تألق وجهه بالسعادة وهو يردد:
ـ وأنا بحب كل حاجة فيكي… بقولك إيه ما تخليها زفاف وخلاص… لازم يعني
نستنى شوية!.
وضعت كفها على شفتيها لتخفي ضحكتها الخجولة وهي تدير وجهها بعيدا عنه
انتهت الامسية بشكل أكثر من رائع، ليصاحب الجميع العروسين للخارج وبينما
يودعان المدعوين قالت ريهام ليوسف الذي ظل بجانبها:
ـ في حاجة مهمة كنت عايزة أقولها لك.
سألها باهتمام:
ـ خير؟.
ـ سامحني أني اتأخرت في أني أقولك بس خو….فت تقعد تقولي اقعدي وما تتحركيش… وده هيكون صعب في يوم زي ده.. دي نهى ورامي.
ـ مش فاهم.
وضعت كفها على بطنها وهي تهمس في أذنه:
ـ أنا حامل.
حدق بها للحظات مذهولًا، فهزت أرسها تأكيداً لما سمع، فتناسى كل ما حوله
ليضمها إليه في سرور بالغ وهو يرفعها عن الارض لكنه أعادها ثانية ليقول في
عتاب:
إزاي ما تقوليليش… والنهاردة أنت عاملة مجهود كبير قوي.. كده برضو.
ـ علشان كده ما رضيتش أقولك… أنا بخير ما تقلقش.
التفتا على صوت رامي الذ قال:
شكرا.. شكرا يا جماعة شكرا.. أنا عازم عروستي على سهرة روعة بمناسبة كتب ً ـ
الكتاب طبعاً… فما عطلكومش بقى.
ودون أن يفهم الحضور ماذا يحدث وجدوه يحمل نهى بين ذراعيه كطفلة صغيرة
جعلها تصرخ وهي تتعلق برقبته خشية السقوط:
ـ رامي.. يا مجنون نزلني!.
انت مراتي دلوقت .. ما حدش لي عندي حاجة.
انهمك الجميع في الضحك عليهما بينما أسرع رامي للسيارة التي كانت بابها
مفتوحاً في انتظارهما ليجلس نهى برقة على مقعدها ويدور ليركب جانبها وهو
يلوح للجميع منطلقاً بالسيارة، فضر….بت ريهام كف بكف:
ـ إيه ده.. ما دانيش فرصة أسلم على نهى قبل ما تمشي.
أنهت جملتها لتجد فجأة من يرفعها عن الارض هي الاخرى لتجد نفسها بين
ذراعي يوسف فقالت بدهشة:
ـ يوسف.. بتعمل إيه؟!
تفتكري رامي بيحب نهى أكتر ما أنا بحبك!… ثم أنت
حامل دلوقت وعاملة
مجهود كبييير ولازم ترتاحي يلا نروح.
حدق بهما من تبقوا في المكان وهو يستأذن لينصرف هو الاخر حامًلا ريهام التي
دفنت وجهها في صدره إلى السيارة فهز محمد رأسه قائلًا:
ـ هما مالهم دول!… كله عايز يشيل!!.
وضع كفه على ظهره ناظرا : ً لزوجته مازحاً
ـ معلش يا سامية ضهري بيو…..جعني!.
ضحكت في سعادة لتستند على كتفه وتتابع بعينيها ابتعاد اولادها عنها.. لكنها لم
تكن حزينة لذلك.. بل يملأها الفرح والسرور بسبب ما تراه في عيونهما من
سعادة.. ودعت من قلبها أن تدوم سعادتهما تلك إلى الا

تــــــــــــمت بحمـــــــــــــد الــــــله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *