قدر ووصال بقلم هدير محمود

“الفصل الأول”

يقولون كل شيء مسموح بالحب والحرب، وفي هذه المرة الحب تخطى كل حدود المنطق، فهو أقسم بأنها ستكون قدره، بينما هي كانت تتلاشى رويداً رويداً بسبب هذا لأنه كان هوس بالنسبة لها ، وتحاول الهرب بكل الطرق، فهل يتيسر طريقها وتنحج أم ستسقط في بئر الحياة الغادرة وتصبح أسيرة هذا الحب وتكون جسد بلا روح………

كانت بحجرتها، نائمة في سباتٍ عميق، غافلةٌ عن تلك الأعيُن التي تكاد تلتهمها، أعيُن مفعمة بالرغبة والجراءة، أقترب منها في تمهل وبطئ شديد، و وقف يتأملها بأعيُن مفترسة، بدأ يميل عليها ويديه راحت تتلمس جسدها، برغبة، وهمس من بين شفتيه أنتِ قدري ومش هتكوني لحد غيري، ففتحت الفتاة عينيها في فزع مستشعرة تلك اللمسات القذرة وما كادت أن تصرخ حتى كمم فمها بكفه الضخم، محاصرًا جسدها بجسده وهمس بنبرة غليظة بجانب أذنها أصابتها بالأشمئزاز :
-أشش.
و أغمض عينيه مستشعراً لحظاته معها، بينما سالت هي دموعها بقلة حيلة.
فأنفتح باب الغرفة على عاقبيه،لينتفض هو واقفاً
فتحدثت المرأة التي فتحت الباب قائله بإستغراب:- في إيه، سيد أنت بتعمل إيه في أوضة قدر.
المدعو “سيد” بتوتر شديد، والغرق بدأ يغزو جبينه :
-ولا حاجه، أنا بس سمعت صوت قدر بتصـ,ـرخ فجيت أشوفها وقالت أنها شافت كابوس فخافت بس، دي كل الحكاية

وتابع وهو ينقل بصره للفتاة بنظرة تحذير :
-مش كده ياقدر؟

اومأت قدر برأسها وهي تنظر له بخوف ومازالت دموعها على وجنتيها، فأقتربت منها والدتها و أزاحت دموعها وعانقتها وهي تربت على ظهرها، وتقول بنبرة تقطر حنانًا :
-قومي يلا يابنتي عشان تفطري وتنزلي الجامعة، “وقالت مازحة” ودقيقتين ونلاقي البنت وصال جات يلا بقا.

قالتها وهي تشدها من يدها فأزاحت قدر الغطاء وتوجهت إلي التواليت الملحق لغرفتها وملامحها يبدو عليها الذعر.

تنهدت الأم بضيق على حال أبنتها فتابعت حديثها قبل ان تغادر الغرفة: هشوف رهف جهزت ولا لأ عشان تخدوها في طريقكم للمدرسة.

آتاها صوت قدر المنخفض من خلف الباب: تمام يا ماما.

خرجت والدتها متوجهة إلى غرفة أخرى بجانبها، دلفت للداخل لترى أبنتها التي بعمر العاشرة أمام المرآه تمشط شعرها فأبتسمت وهي تتقدم منها و أبتسمت الطفلة في حين إنعكاس صورة والدتها بالمرآه فأخذت والدتها منها فرشاة الشعر وقالت: تسلملي بنتي اللي كبرت وجهزت نفسها من غير ما اقولها.

أبتسمت رهف قائلة بمزاح : طبعاً يا مُنمن أنا كبرت.

قالت منى “والدتها ” باسمة: روح مُنمن أنتي.

وضعت الفرشاه جانباً ولفت خصلات شعرها على هيئة كعكة قائلة: يلا روحي أفطري، وقدر هتيجي دلوقتي.

أجتمعوا جميعهم على طاولة الطعام وجلس سيد على رأسها ورهف ومنى من ناحية وقدر بالمقابل لهم.
قاطعت منى هذا الصمت قائلة: عمكم سيد الله يخليه، ويطولنا في عمره عطاني مصاريفكم وحطيتها فشنطة كل واحدة فيكم دلوقتي.

رهف: شكراً ياماما، شكراً ياعمو.

ابتسمت والدتها لها ووجهت نظرها إلي قدر قائلة: إيه ياقدر مفيش شكراً للراجل اللي بيصرف علينا وبيعاملكم زي بناته.

جاءهم صوت طرقات على الباب لتقف قدر من مكانها قائلة: وصال وصلت هقوم أنا، يلا يارهف.

حملت حقيبتها على كتفها وغادرت من أمامهم فأنتفضت والدتها واقفة وذهبت خلفها وهي تنادي عليها بصوت منخفض: قدر، انتي يابنت.

وقفت قدر مكانها قائلة : أيوة ياماما نعم.

غمغمت منى بضيق من أبنتها: في إيه يابنتي بتعاملي الراجل كده ليه هو أيوة جوز أمك بس عمره ما نقص عليكم حاجة عيب كده يابنتي.

تنهدت قدر بعمق قائلة: وصال بتخبط نبقا نتكلم بعدين.

وتوجهت إلى باب المنزل وفتحته بإبتسامة
لتفاجائها صديقتها بعناق ودود لتعبر لها عن مدى أشتياقها لها،وهي تقول بشوق : وحشتيني جداً جداً يا أجمل قدر

بدالتها قدر العناق بمحبة وإبتسامة قائلة:
أنتي اللي وحشتيني جداً ياحبيبتي.
انفصالا عن بعض لتنظر كل منهما للأخرى وإلى ثياب بعضهم، كانت قدر ترتدى دريس أزرق به بعض النقوش وخمار باللون الابيض بينما وصال كانت ثيابها عبارة عن بنطال وتيشرت قصير من نفس اللون .

وصال بضحكة مرحة : كما تخيلت تبدين جميلة بالأزرق.

تمتمت قدر بضيق : أنتي قولتيلي ألبس أزرق زيك ما توقعتش أنك تلبسي كده.

كادت وصال ان تتحدث لتقاطعها والدة قدر قائلة: وصال يابنتي أتفضلي أدخلي جوة.

قاطعتهم قدر قائلة بإمتعاض : لأ أحنا هنمشي عشان منتأخرش، وتابعت بصوتٍ عال قائلة
“يلا يارهف”
جاءت شقيقتها الصغيرة ركضاً من الداخل لتقول: وصال حبيبة قلبي عاملة ايه.

احتضنتها وصال قائلة: يابكاشة لما بكلم قدر مش بترضي تكلميني دلوقتي بقيت حبيبة قلبك.
رهف في أسف : لا هكلمك المرة الجاية، أنا هروح اقعد جمب الشباك من قدام.
أومأت وصال بإبتسامة: طب يلا يا قمري، وبدلت نظرها لقدر قائلة “وانتي ياقدر يلا”

صعدوا بالخلف و السيارة انطلقت بهم
تحدثت وصال بصوت منخفض إلي قدر قائلة: أول ما نوصل الجامعة أكيد هتحكيلي إيه اللي حصل.
أومأت قدر برأسها قائلة بضيق : تمام.
بعد قليل هبطت رهف من السيارة وتوجهت إلي مدرستها بعدما لوحت للفتيات بيدها ، ولم يمر الكثير أيضًا حتى هبطوا الفتيات ودلفوا إلي جامعتهم.

كانت نظرات الشباب تلاحق وصال وهم ينظرون إلي جسدها بسبب ضيق ملابسها، لاحظت هذا قدر ولم تتفوه بشيء.

لتقول وصال وهي تؤشر على باب الكافتيريا : قدر تعالي نروح الكافتيريا لسة فاضل نص ساعة وتبدأ المحاضرة وكمان هتحكيلي إيه اللي مدايقك.

قدر بأختصار: تمام.

توجهوا إلي كافتيريا الجامعة وجلسوا بمقابل بعضهم ووضعوا حقائبهم أمامهم أعلى الطاولة وتحدثت وصال بإنفعال:
-اكيد طبعاً سيد عمل حاجه صح.

غمغمت قدر بحنق : هحكيلك يا وصال بس الأول نحل مشكلتك.

وصال بإستغراب: مشكلتي، بس أنا معنديش مشاكل
نفت قدر قائلة : لا عندك، ومشكلتك أكبر من مشكلتي.
أمسكت قدر يد وصال قائلة: إن لم أرشدك وأحذرك فأنا لا أستحق ان أكون صديقة أحد، مش هقدر أشوف نظرات الشباب القذرة دي وهي بتبص على جسمك.
هزت وصال رأسها بتعجب : أنا بجد مش فاهمة!
أجابتها قدر في هدوء : الدنيا فانية ياغالية، وأصبح مو….ت الفجأة هو مرض العصر الذي ليس له دواء، ألا تخافي ربما تنامين فلا تستيقظين، وربما لا نعود للمنزل مرة أخرى، ربما ملك المو…..ت قريب منا بشدة ونحن بغفلة، لا أحد منا يعرف متى موعد رحيله فعلينا ان نكون مستعدين.

وصال بإبتسامة هادئة : فهمت انتي تقصدين لبسي الضيق صح.

قدر بإبتسامة : قال تعالى (يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ قُل لِّأَزۡوَٰجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَآءِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ يُدۡنِينَ عَلَيۡهِنَّ مِن جَلَٰبِيبِهِنَّۚ ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يُعۡرَفۡنَ فَلَا يُؤۡذَيۡنَۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا)«الأحزاب 59».
وقال تعالى: وَلَا يُبۡدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنۡهَاۖ وَلۡيَضۡرِبۡنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَىٰ جُيُوبِهِنَّۖ «النور 31»

نكست وصال رأسها بخجل قائلة: فهمتك

قدر بإبتسامة: أرفعي راسك ياوصال إن لم يكن لديكِ صديقة ترشدك إلي الصواب فأنتي ما زالتِ تائهة وحيدة في هذه الحياة، فلا خير في ان لم أكن أنا تلك الصديقة.

وصال بإبتسامة وصدق: وأنا أوعدك أني هعمل بكلام ربنا ومن النهاردة هكون وصال تانية خالص
وأبتسمت قائلة بمحبة:
الحمدلله على نعمة أنك صديقتي
وتابعت بمزاح: بحبك لما تتكلمي فصحى كده.

أبتسمت قدر قائلة: مش عارفة بجد باجي فنص الكلام و اقلب كده بس بحب لغتنا جداً وبعتز بيها.

وصال في مودة: ودلوقتي نيجي لمشكلتك سيد ده عاملك حاجة.
أمتلأت أعين قدر بالدموع وهي تتذكر ماحدث معها في الصباح وهزت رأسها بنعم.

وصال بضيق: يابنتي حرام عليكي بقا قولتلك ميت مرة اشتكي عليه أو قولي لمامتك ليه ساكتة.
قدر بإنفعال: أقول لماما إيه بس، وحتى لو قولتلها تعرفي انه بيهددني ودايما يقولي لو جبتي سيرة لـ منى أنا هقـ,ــ,ـتلها وهعمل في رهف نفس اللي بعمله فيكي ياوصال أنا خايفة أفهمي.
وصال وهي تزفر في ضيق : أنتي اللي لازم تفهمي مش هيقدر يعمل حاجة أشتكي عليه في قسم الشرطة، وإلا اللي هيحصل أنه هيجي يوم وتلاقي نفسك ضعتي ياقدر، مش كل مرة هتفلتي من تحت أيده.
فرت دمعة من أعين قدر فهو أصبح كابوسها المخيف البيت الذي يعيش فيه الجميع بأمان أصبح سجنها وهي تريد الفرار منه.

أمسكت وصال بيد صديقتها قائلة: أوعدك أني مش هسيبك ياقدر وهفضل معاكي بس أنتي اللي لازم تاخدي الخطوة الأولي.

أزاحت قدر دموعها بيدها الأخرى، و افلتت يدها من يد وصال و أستقامت و اقفة وهي تحمل حقيبتها قائلة: يلا خلينا ندخل المحاضرة.

وقفت وصال هي الأخرى وقررت الصمت كي لا تزعج قدر.
سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم 🌼

*بمنزل قدر*
كان زوج والدتها يتحدث بالهاتف في غرفته
سيد: أسمعني كويس أنا عاوزك تلاقيلي شاري في أسرع وقت للهايبر والبيت
فرد الطرف الآخر : ولما أنت هتبيعهم هتعيش فين
سيد بغضب: وأنت مالك ياعمنا نفذ شغلك واستلم فلوسك وكل واحد يروح لحاله.

الجهة الأخرى: أهدى ياعم أنا بس بستفسر هتروح فين أنت ومراتك وعيالك مش قصدى يعني.
سيد بإبتسامة: لا، أنا ههرب أنا وحبيبتي، اما مراتي دي فمش فاضلها كتير على وش الدنيا أعمل أنت بس اللي قولتلك عليه، ومش عايز حد يحس أنت فاهم.

الجهة الأخرى: فاهم ياعم كام يوم كده وهتلاقي اللي يشتري متقلقش
سيد: تمام

واغلق المكالمة وفتح معرض الصور بهاتفه وجاء بصورة قدر وهو يقول: وأخيراً ياحبيبتي هنهرب وهتكوني ليا وبس.

الفصل الثاني
قدر ووصال
بقلم/ هدير ممدوح

إن تمكن مِنك الخوف وأصبحت أسيره، ستكون كـالعُبة يحركك الجميع كيفما يشاء.

أنتهت المحاضرات وكانوا بطريقهم للعودة إلى المنزل
كان كل مايدور في رأسها هو كيف ستخبر والدتها بذلك الشئ، هل ستصدقها، كيف للمرأة ان تصدق بأن زوجها من الممكن ان يفعل ذلك بفتاة أخرى، بالطبع ستثور وتغضب كثيراً ولكن بالتأكيد ستقف بجانب أبنتها عزمت على أخبار والدتها بكل ما حدث معها طيلة السنة الفائتة، أزدادت ضـ,ـربات قلبها هي خائفة كثيراً شعور غريب يغزو قلبها لا تعلم كيف تصفه.
أخرجتها وصال من شرودها الذي كاد يعصف بها وهي تقول:
-قدر أنا عارفة أنك بتفكري أزاي هتقولي لوالدتك، انا معاكي متقلقيش.

أومأت لها قدر بإبتسامة قائلة بتوتر : كل اللي مطمني أنِك معايا يا وصال.

في منزل أخر مظهره و أثاثه يدل على الثراء لممتلكيه كان ذلك الرجل على الأريكة واضعًا رأسه بين كفيه يستمع لزوجته التي كانت تجادله وكأنها والدته وهو مجبر على سماعها
وعلا صوتها وهي تتحدث في غضبٍ : أنت عاوز تفهمني ان فلوسك خسرتها كلها في المشروع اللي دخلته وكمان كنت مستلف مبلغ كبير من واحد وعشان تسدله الدين نقلت الأسهم اللي في الشِّركة ليه؟

تحدث الرجل بصوت متحشرج وهو مازال على وضعه : أفتكرت بكده إني هرتفع وهعلى أكتر، والراجل بعدها هددني لا روحي لا الأسهم لو فلوسه ما رجعتش !

فردت عليهِ بغضب وهي تشوح بكفها في عصبية: أنت فلست يا أيمن أحنا خلاص ضعنا بسببك، هنعمل إيه هنتصرف أزاي ؟

رفع المدعو أيمن رأسه قائلاً بتحذير : نجلاء أبعدي عن وشي دلوقتي مش عاوز أسمعلك صوت.

أجابته نجلاء بأقتضاب وأسلوب مستفز : لا وأنت دلوقتي بقالك صوت وبتتكلم، تقدر تقولي إيه اللي خلاك تعمل كده؟

أستقام هو واقفٍا وهتف فيها : عشان الطمع، طمعت أرتحتي كده، وبعدين أنتي اللي كنتي بتشجعيني على كده دول ناس ثقة أحمد أبن خالتي يعرفهم متقلقش حط فلوسك وأنت مرتاح وهتكسب، ولا نسيتي ياهانم.

زاغ بصرها وهي تحاول تبرير موقفها وقالت وهي تزدرد لُعابها : أيوة قولتلك شارك معاهم بس مش بكل فلوسك.

جلس أيمن بثقل مغمغمًا: أهو ده اللي حصل.
عم الصمت قليلاً ولم يلبثا إن صاحت نجلاء قائلة: وصال

رد عليها أيمن مضيقاً عنيه قائلاً بذهول: مالها وصال؟

جلست نجلاء بجانبه في تودد وقالت : الحل عند أختك وصال، خليها تنقلك الأسهم اللي ليها في الشركة ولما تزيد الأرباح بمجهودك تقدر ترد للراجل فلوسه ولأختك الأسهم بتاعتها.

نفي أيمن بجدية: وصال مش هتوافق أنتي عارفة أنها مستنية تخلص كلية وتستلم الشغل في شركة بابا ده حلمها مش هتقبل بكده أكيد.

تبسمت نجلاء بخبث وقالت : ومين قال ان أحنا هنقول لوصال أنت هتخليها توقع على الأوراق مين غير ما اتحس.

اتسعت عينا أيمن في دهشة مما قالت زوجته وسألها في صرامة: انتي عاوزاني أسرق أختي؟

أقتربت نجلاء منه في تمهل ووضعت يدها على كتفه وقالت بمودة: ياحبيبي أنت جهز الأوراق بس وسيب الباقي عليا وكلها سنة وكل حاجة ترجع زي ما كانت.

نزع أيمن يدها واستقام من مكانه قائلاً: لحد هنا وكفاية وصال أختي وأنا مستحيل أعمل فيها حاجة زي كده .

غادر المكان بعدما ألقي جملته تلك، و وقفت نجلاء وهي تشيعه بنظراتها في غيظ قائلة:
-وأنا مش هسيبك غير لما توافق يا أيمن.

سبحان الله وبحمده🌼سبحان الله العظيم

نزلت وصال وقدر من السيارة وهم ينظرون إلى ذلك الحشد الهائل من النسوة اللاتي تجمعن أمام منزل قدر أحدهن تضـ,ـرب كفٍ بكف وتحوقل، وأستمعوا إلى صوت واحدة أخرى تقول في حسرة:
– ربنا يصبر بناتك ياحبيبتي.
تراخت قدم قدر وهي تشعر بتخدر بهما وتقدمت بقلبٍ خائف مترقب ووصال بجانبها نظروا النسوة لها وقالت إحداهن : الله يصبرك يابنتي البقية في حياتك.

وقعت الجملة على سمعها كالصاعقة فَشلت حركتها ايُّ بقاء هذا، هل هي تحلم الآن ؟ ظلت واقفة مكانها لا تقو على الحراك تودُ تفسيرًا لما يحدث.

خرج سيد من الداخل وعلى حين غفلة عانقها بقوة وقال:
-خسرنا الحاجة الحلوة اللي في حياتنا ياقدر.

أزاحته وصال بكل قوة كي يفلت صديقتها الصامتة ونجحت في ذلك قائلة: أبعد عنها أنت مجنون.
وجه لها سيد نظرات حارقة وهو يتوعد لها بداخله .

فخرجت رهف راكضة من الداخل وهي تعانق أختها قائلة ببكاء: ماما ماتت يا وصال، ومش هنشوفها تاني زي بابا.

وقع الخبر كالصاعقة عليهم فأزاحت قدر يد شقيقتها ودلفت للداخل ركضًا وخلفها وصال
توجهت لغرفة والدتها، المستلقية على الفراش ملامحها باهتة خالية من الحياة تقدمت منها وأمسكت قدر بيدها تقبلها انزلتها برفق بجانبها لتنادي بأسمها وحاولت إيقاظها هزت كتفها ولكن بلا جدوى علا صوت بكاء رهف من خلفها واحتضنتها وصال تشبثت هي بها كالغريق، فصدر من قدر صرخة قوية تصم الاذان والدموع أخذت طريقها لوجنتيها كالشلال ، وقالت وهي تتمسك بيدها:
– قومي ياماما أرجوكي أنا ولا حاجه من غيرك، معقول هتسبيني خلاص هُنت عليكي قومي عشان خاطري أنا ورهف، قومي يا أمي نظرت خلفها عند أخر كلمة وتابعت وهي تنظر لوصال:
-أعملي حاجه ياوصال، أتصلي بالدكتور هي عايشة صح.

كانت بحاجة ولو لأملٍ كاذب، كم أشتهت المو….ت هي أيضا بتلك اللحظة مرارة الفقد تظل عالقة بالعقول ولا يمكن نسيانها أبداً .

أما عن وصال فالدمع من عينيها لا يتوقف كأن أحدهم قام بسكب نهر بداخلهم وهو الان لا يتوقف عن السريان،لا تعلم كيف تضمد جراح صديقتها هذه المرة فهذا الجرح لا يلتئم إلا بفراق الروح الجسد.

ولج سيد للداخل ملامحه خالية من الحزن صامد لا يأبه لشيء تقدم من قدر ووقف أمامها وهي جالسة على طرف الفراش متشبثة بيد والدتها وضع يده الاثنتان على كتفها يحاول ان يجذبها إليه ويعانقها بحجة المواساة.

فأزاحت وصال عنها رهف برفق وتقدمت منهم بغضب وهي تزيح يد سيد عن صديقتها التي تبدو بعالم أخر قائلة:
-قولتلك أبعد عنها يا قذر.

نظر سيد لها بغيظ وهو يصك على أسنانه قائلاً بتهديد : هيكون ليا حساب معاكي بعد ما أخلص من ده كله الأول.

حدجته بأشمئزاز لتقاطعهم أحد النسوة قائلة: أكرام الميت دفنه يا جماعة وأنت ياسيد روح خلص المطلوب وأنا هكلم المُغسلة.

نظر لها سيد قائلاً: ماشي يا ست محاسن، تقدم خطوتين للأمام حتى انه أقترب من وصال مال على أُذنها قائلاً:
-ألحقي أشبعي من صحبتك الكام يوم دول علشان هتوحشك الأيام الجاية.
ألقى تلك الكلمات المسمومة على مسامعها مغادرا الغرفة تاركاً وصال في صدمتها.

الفصل الثالث

ألم الفقد لا يشفى أبداً يظل هناك شرخ بالقلب لا يمكن شفاءه ولا يستطيع أحد رؤيته.

مر يومان دون أي أحداث جديدة واليوم هو الثالث تأتي الجيران وكل من سمع بخبر العزاء، تجلس قدر بينهن بملامح باهتة ومقلتين محمرتين من أثر الدموع، متشحة بالسوداء، تجلس على يمينها وصال التي لم تتركها طيلة هذه الأيام ومع آخر امرأة خرجت من المنزل احنت قدر رأسها على كتف وصال قائلة:
– الأيام دي تقيلة على قلبي أوي ياوصال
وراح دمعها يهوى في صمتٍ ثقيل على النفس، ثم أتبعت تقول:
-حاسة روحي بتنسحب مني بالبطيئ تلت أيام مرت وصوت أمي غايب حركتها واستقبالها لينا ضحكتها ومواقفنا الجميلة مابين يوم وليلة كل حاجة اتسرقت أحنا فعلاً مش بنعرف قيمة الحاجة دي غير لما تضيع من إيدنا.

أجابتها وصال وهي تضمها إليها، تؤزرها في محنتها العسيرة : مش هقولك أنسي.. لأنك مش هتقدري أهلي أتو…..فوا من سنين وقتها حسيت نفس الإحساس ده خسارتهم صعبة ووجع عمره ما بينتهي الكل بيشوفني سعيدة وبضحك بس محدش بيشوفني فنص الليل وانا ببكي كل يوم على خسارتهم.
ألقت عبارتها الأخيرة تلك وأجهشت بالبكـ,ـاء فأعـ,ـتدلت قدر بجلستها وعانقتها لعل يخف ألا؟؟؟؟؟لام الاثنان ونطقت بأيمان نابع من قلبها:
لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، والله وحده قادر على ترميم هذا الأ؟؟؟لم.

قاطع عانقهم رنين هاتف وصال فأبتعدت عنها قدر قائلة:
-ردي يا وصال تلاقي أخوكي، أنا هطلع أشوف رهف.

قالت وصال برفق:
-متقلقيش على رهف هي نامت دلوقتي وأنتي خليكي.
أومأت قدر دون النطق ببنت شفة بينما ردت وصال على هاتفها قائلة:
-ألو يا أيمن
جاءها صوت شقيقها الحاد : وصال النهاردة اليوم التالت أظن كفاية كده أنتي عملتي الواجب وزيادة عاوزك النهاردة تكوني في البيت.

تحدثت وصال بصوت منخفض وهي تقف من مكانها مبتعدة عن صديقتها حتى لا تستمع لحديثها وقالت:
_ أيمن أنا مستحيل أسيب قدر ورهف غير أما أطمن عليهم عشان كده هفضل كام يوم تاني هنا.

أجابها أيمن في حنق مصحوب بالإمتعاض : يعني إيه كام يوم كمان، أنتي ناوية تفضلي هناك العمر كله.. أسمعي النهاردة تكوني في البيت.
أنهى أيمن المكالمة لتزفر وصال بغيظ من شقيقها، فكل ما يشغل بالها الآن هو حديث سيد
“الحقي أشبعي من صحبتك الكام يوم دول علشان هتوحشك الأيام الجاية”

لا تعلم ما المغزي مما قاله هي فقط خائفة أن يصيب صديقتها أي مكروه فكيف تتركها بمفردها بهذا المنزل.. ومع ذاك الرجل الذي لا ينوي خيرًا.

أحست بيد توضع على كتفها فأستدارت لتتفاجئ بقدر تهمس وهي تمسك بيدها واضعة إياها بين كفيها :
_وصال حبيبتي وأختي الغالية التي ولدت من رحم الحياة لتكن لي سند وملجأ، شكراً ليكي على وقفتك معايا،ودلوقتي أنتي لازم ترجعي بيتك.

ردت وصال بإبتسامة قائلة:
_ هو في بين الاخوات شكر ياقدر انا متأكدة لو الأدوار أتبدلت كنتي أنتي هتكوني بدالي، بخصوص رجوعي لأهلي لأ مش هرجع غير اما أطمن عليك…….
كادت ان تكمل كلمتها الأخيرة ليستمعوا لذلك الصوت المشمئز “سيد”:
-أنا بقول أن كفياكي كده يا حلوة شوفي طريقك بقا خلينا نعيش حياتنا.

هتفت وصال بتهديد:
_أوعى تفكر أننا ضُعاف أنا في ثواني من أتصال واحد مني أوديك في داهية.

تقدم سيد منها مبتسم بسخرية قائلاً في تهكم يثير الإشمئزاز: عال عال ياست وصال
أمسك ذراعها وثناه خلف ظهرها لتصرخ هي بألم فقال مزمجرًا :
_وداهية إيه بقا اللي هتوديني فيها؟ ها يا ست وصال عايز أعرف.

تحدثت قدر وهي تحاول إبعاده عن صديقتها هاتفة بغضب:
أبعد أيدك عنها أحسنلك وإلا قسماً بالله فوراً أروح على أقرب قسم وأبلغ عنك.

بدل سيد نظره إلى قدر تاركاً يد وصال وهو يقهقه بصوتٍ عال كأنما ألقى إليه احدهم نكتة قائلاً في سخرية: آنسة قدر بقا ليها صوت وتبدلت نبرة صوته متابعاً بشر:
– أحسنلك ترجعي القطة الهادية اللطيفة من تاني متنسيش أختك الجميلة اللي نايمة فوق، حطي عقلك في راسك

ولوح بسبابته أمام وجه وصال ومازال نظره معلقاً بقدر وهو يصيح: وأنتي عاوز أرجع ألاقيكي مشيتي.
تركهم وانصرف، لتلتفت وصال لقدر قائلة:
-قدر خلينا نروح نقدم بلاغ فيه وهما أكيد هيتصرفوا.

تراخى جسد قدر وأرتمت على أقرب أريكة منهم وقالت في إعياء: أنا تعبت يا وصال تعبت، دلوقتي المتحكم فيا هو الخوف وبس.

أقتربت وصال منها قائلة وهي تقف امامها:
_أنا معاكي وهوكل محامي كبير وهيتحبس

نظرت لها قدر قائلة بإحباط:
_ مش بالسهولة دي يا وصال انا مش معايا دليل يدينه حتى، هو هيكدب كل حاجه أنا هقولها مفيش حاجه هتحصل غير أني هتفضح وبس.

جثت وصال على ركبتيها أرضا وهمست بنبرة ودودة وهي تضم كف قدر بين راحتيها، علها تبث في قلبها الأمان، وتغير من رأيها :
_على الأقل نخوفه ويعمل حساب لأي حركة هيعملها.

أبتسمت قدر ساخرة، وقالت في مرارة :
_ أنا عارفة الشخص ده كويس هو عايزني ولو عملت زي كده هيأذي أقرب حد ليا.
وصال وهي تشد على يدها: أوعك تخلي الخوف يسيطر عليكِ

أبتعلت قدر لعابها وهي تغمغم :
-الأحسن أنك تمشي من هنا ياوصال ده أفضل لينا كلنا
فنفت وصال بإصرار: أنا مستحيل أسيبك مع الراجل ده
نظرت لها قدر بأعين تفيض بالدمع وبنبرة متوسلة، وأردفت تقول:
_أرجوكِ ياوصال أمشي من هنا أنا مش عاوزة غير كده.
كادت وصال ان تعترض، لتقول قدر بنبرة توسل:
_ أرجوكي أمشي ياوصال.

هزت وصال رأسها بأستسلام وأستقامت من مكانها عازمة على ترك المنزل.

سبحان الله وبحمده 🌼سبحان الله العظيم

صعدت قدر إلى غرفة رهف وجلست على طرف الفراش ببطئ كي لا تيقظ شقيقتها و نظرت إلي الطاولة الصغيرة التي كانت بجانبها ومدت يدها تلتقط برواز به صورة يجمعها مع والدتها ورهف وأمتلئت أعينها بالدموع وهي تلامس وجه والدتها في الصورة بشوقٍ عظيم ملأ ثناياها، و ذرفت عينيها دموع الحنين إليها، فأستدارت رهف على جانبها ونظرت إلى قدر بحزن، ثم استوت جالسة على طرف الفراش بجوارها، و وضعت كفها على كتفها في هدوء، وانبعث صوتها الطفولي الحزين يهمس :
_ قدر، هو ممكن عمو سيد يتجوز ويسبنا في الشارع؟
فربتت قدر على ظهرها في رقة، وغمغمت بنحيب :
_ لو سابنا فـ ربنا ( سبحانه وتعالى) معانا يا رهف.
وأستطردت وهي تعتدل :
_ يلا تعالي كملي نومك يا رهف.

” في منزل وصال ”
صعدت للأعلى، وبينما هي في طريقها لغرفتها، أوقفها صوت زوجة أخيها وهي تلفظ أسمها فوقفت خلف الباب تسترق السمع،
وتناهى لمسامعها نجلاء تقول:
_قولتلك الحل في وصال ، وأهو شوفت بعينك أخدوا مكانك في الشركة وأنت بقيت ولا حاجة،إيه هتروح تلف على الشركات عشان حد يشغلك، والفرصة دي تضيع من أيدك.

كانت واقفة هي أمامه وهو جالسا على طرف الفراش و رد قائلاً:
قوليلي هنعمل إيه، أزاي هنخليها تمضي وأحنا عارفين كويس أنها ممكن تحس بكده وتقلب الدنيا علينا.

أبتسمت نجلاء بخبث وانتصار، فقد فكانت تحاول طيلة اليومين ان تجعله ينصت لها وها قد وصلت إلى مبتغاها فقالت بنبرة يغزوها الأرتياح:
_هرن بـ أحمد يجيب معاه شابين يكتفوها ونمضيها على تنازل الأسهم بتاعتها ليك وبكده خلصنا، ومتقلقش هتاخد كمان قرصة ودن عشان لو فكرت تحكي لحد.

شهقت وصال بذعر وفرت دمعة من عينيها بكل حزن، وصدمة.. هل ما أستمعته كان حقيقة، هل حقاً أخيها يحاول سر.قة ميراثها وبأبشع الطرق، ركضت سريعاً إلي غرفتها تحتمي بداخلها، وأغلقت بابها و أستندت بظهرها عليه وأذنت لدموعها بالنزول ثم جلست بأنهيار تبكي على حالها.

بغرفة أخيها أتسعت عينيه بصدمة على ما قالته زوجته،و نظر لها بأشمئزاز قائلاً:
_ اللي أنتي بتتكلمي عنها دي أختي شباب إيه اللي هتجبيها وبعدين أنا هاخد الأسهم لفترة مؤقتة وهرجعهم ليها.

لوت نجلاء فمها وقالت بحدة:
_عندك حل تاني
أعتدل أيمن واقفاً وقال:
_أطلعي أنتي من الموضوع وأنا هتصرف، هروح أغير هدومي وأخد شاور تكون وصال رجعت وقولي لـ سهر “العاملة ” تجهز الأكل.
ذهب هو من أمامها فنظرت هي لأثره بغيظ وهي تحاول السيطرة على غضبها.

عند وصال لم تدع أنهيارها يدوم كثيراً فأخرجت حقيبة كانت بجانب خزانة ملابسها وضعتها على فراشها وفتحت ضلفتي الخزانة وأخرجت بعد الملابس وضعتها بعشوائية داخلها وأغلقت الحقيبة، واخذت حقيبة يد صغيرة بعدما وضعت بها بعض النقود وخرجت من الغرفة وهي تنظر بحذر على يمينها وشمالها حتى هبطت للأسفل وفتحت الباب الرئيسي وغادرت من المنزل بأكمله وهي حذرة من ألا يرآها أحد.

خرجت نجلاء من غرفتها متوجهة لغرفة وصال وهمت بفتح الباب،عندما أوقفتها صوت العاملة وهي تقول:
_ست وصال طلعت من البيت يانجلاء هانم.

نجلاء بدهشة:
_وهي جات أمتى وخرجت أمتى.

سهر “العاملة “:
_أنا شوفتها وهي بتفتح الباب الرئيسي وكان في أيدها شنطة سفر وخرجت.

غمغمت نجلاء :
_شنطة سفر.
ردت سهر:
_أيوة وكمان أول ماجات، شوفتها واقفة قدام أوضة حضرتك وغالبا سمعت حاجة وجريت لأوضتها وهي بتبكي.

نجلاء بصدمة:
_يانهار أسود، لتكون سمعت حاجة.
ألقت جملتها تلك وهرولت إلى غرفتها.

” بمنزل قدر”
حاولت النوم لتهرب من واقعها المؤلم تشعر بأنقباض قلبها كأن شيء سيء سيحدث هذا ما يخبرها به حدسها اللعين، أستمعت إلى صوت باب المنزل يفتح فهي تعلم كل العلم من القادم أزدادت ضـ,ـربات قلبها وكأنها طبول تقرع الخوف يسيطر عليها، أعتدلت واقفة و قامت بفتح ادراج التسريحة تبحث عن مفتاح لتقفل الغرفة ولكن دون جدوى فهي لا تعلم أين يتواجد أستمعت إلي صوت خطوات تقترب منها، فنظرت بين أختها النائمة والطاولة الصغيرة فأخذت تسحب الطاولة بكل قوتها لتضعها خلف الباب نجحت بذلك ووضعت يدها أعلى صدرها وتنفست الصعداء وقد شعرت بالراحة قليلا فظنت أن الطاولة هي خلاصها، ولكن لم يدوم طويلا هذا الشعور لتستمع إلى صوت طرقات على الباب قوية أخذت ترجع إلى الوراء بخوف الذعر يظهر على ملامح وجهها الشاحب وحبيبات العرق أخذت تتجمع، فاقت رهف وهي تنظر لها قائلة:
_قدر هو في إيه من بيخبط كده

كانت قدر بعالم آخر تتنفس بصوت عالي كغريق بنهر أمواجه هائجة تلقيها إلى منتصف المحيط لا تعلم كيف النجاة .
وبمن تستغيث..
ومن ذا ينجدها!

نزعت رهف الغطاء من عليها و أقتربت من قدر وأمسكت بيدها وهي تنظر لها قائلة:
_قدر مالك أنتي كده بتخوفيني.

سارع سيد من الخارج بدفع الباب لينجح بذلك و ولج للداخل وهو ينظر لهم بإبتسامة مشمئزة تقدم منهم بخطوات بطيئة كا الأسد الجائع الذي يستعد للهجوم على فريسته بدلت رهف نظرها بينه وبين أختها المذعورة وقالت:
_عمو سيد أنت بتعمل إيه هنا أنت كده بتخوفنا.

تحدث سيد الذي تفوج منه رائحة كريهة فعلموا إنه ليس بوعيه وأنه شارب الآن، تحدث وهو يخطو مترانحًا:
_أطلعي أنتي برة ياحلوة أنا وأختك ليلتنا صباحي.
كاد ان يتعثر بطريقه ليجذب يد رهف التي تعلقت يدها الأخرى بيد شقيقتها فسارعت قدر بإمساك يدها بقوة قائلة:
_أبعد عن أختي يا سيد أحسنلك،لحسن والله أصوت وألم عليك كل أهل الحارة.

قهقه سيد بسخرية وسحب رهف بقوة حتى وقعت أرضا ليقول لها:
_أطلعي برة الأوضة ياحلوة.

سارعت قدر قائلة:
_أطلعي أطلبي مساعدة يارهف من أي حد بسرعة.

آتاهم صوت سيد مقهقهاً وهو يخرج المفتاح من جيب بنطاله قائلاً:
_أنا قفلت الباب ياحلوة، من النهاردة أنتي ملكي أنا ولوحدي، وحتى لو صرختي الساعة دلوقتي 12 والجيران في سابع نومة.

وعلى حين غفلة منه مدت قدر يدها وسحبت منه المفتاح وألقته لشقيقتها قائلة بلهفة :
_بسرعة يارهف بسرعة
اخذت شقيقتها المفتاح والدمع ايضاً اخذ طريقًا على وجنتيها ركضت للأسفل وهي تستمع لصراخ شقيقتها… ودموعها راحت تسيل ببطء مميت، وهي لا تدري ما يحدث، لكن ثمة شيء يحثها على مساعدة أختها.
قلبها يُنبئها إن شقيقتها تواجه خطرًا…..

الفصل الرابع

في بعض الأحيان يكون الهروب حلًا لجميع مشاكلك وان لم تكن تعلم ماذا سيكون مصيرك وما القادم.. فالهروب نجاة لكل شيء.

صراخ شقيقتها ملأ أرجاء المنزل هي لا تعلم ما الذي يحدث ولكن حدسها يخبرها بأن شقيقتها في مأزق وعليها إنقاذها فوضعت المفتاح بالقفل تحاول فتحه ، جاءها صوت طرقات على الباب لينبعث الأمان بقلبها وأستمعت إلى صوت وصال من الخارج وهي تقول بصوتٍ عال عندما تثرب صوت صراخ قدر إلى أُذنها:
_ أفتح يا سيد الباب وإلا قسماً بالله أبلغ عنك.

لترد رهف بصوت ممزوج بالبكاء:
_ياوصال أنا بحاول أفتح الباب ومش عارفة

غمغمت وِصال بلهفة:
_ركزي يارهف وهو هيفتح بسرعة عشان نلحق أختك.
أخذت تحرك المفتاح يمينًا ويساراً وهي تضغط بقوة لتنجح أخيراً بفتحه،فتبسمت من خلف الباب و أزاحت دموعها بيدها وقالت:
فتح يا وصال.

تركت وصال أغراضها أمام المنزل ودلفت للداخل وصعدت فوراً للأعلى ورهف خلفها.

توجهت إلي حيث مصدر صوت قدر ووجدت سيد يجثو فوقها وهي تحاول التخلص منه بكل الطرق نظرت وصال يمينًا ويسارًا لتجد عصاه خشبية بجانب باب الغرفة فأخذتها ودون تفكير ضـ,ـربت سيد على رأسه بها ليسكن جسده،وتخمد حركته فأزاحته قدر من عليها وهي تنظر له فوجدت عينيه لم يغلقها بعد و يتمتم بكلمات غير مفهومة، مدت وصال يدها تجذب قدر قائلة:
_يلا ياقدر خلينا نمشي من هنا.
كان نظر قدر معلقًا على سيد وعينيها تذرف الدموع صامتة لا تقو على شيء، ولا على الحراك.

سحبتها وصال من يدها وهي تجرها خلفها فكانت تخطو معها كالمتغيبة.
آتاهم صوت رهف الخائف قائلة:
_قدر أنتي كويسة

فتحدثت وصال على عجلٍ: رهف روحي قدامنا على أوضة قدر هاتي خمارها والشنطة اللي بتروح بيها الجامعة بسرعة.

أومأت رهف وركضت سريعاً ناحية غرفة قدر لتأتي بخمار أسود اللون وحقيبة من نفس اللون وهبطت خلفهم وجدتهم واقفون أمام المنزل.

مدت رهف يدها بالخمار لتعطيه لوصال قائلة:
_الخمار أهو يا وصال.

أخذته وصال من يدها برفق لتضعه بعشوائية على رأس قدر بعدما أرجعت خصلات شعرها المنعكش للوراء، وقالت وهي تضم وجهها بكفيها:
_قدر أنتي بخير مفيش حاجة حصلت فوقي خلينا نمشي من هنا بسرعة.

فرت دمعة هاربة من أُعين قدر لتعانق وصال بقوة وتشكر ربها بداخلها على النجاة فاليوم كادت ان تخسر ذاتها،أبعدتها وصال عنها قائلة بلهفة:
_خلينا نمشي من هنا.

أومأت قدر برأسها قائلة:
_تمام بس هو أكيد عارف بيتكم وهيجي.

وصال وهي تمسك بحقيبتها الملاقاه ارضًا، وتردد:
_ما أحنا مش هنروح علي بيتنا.

وهمت قدر بقول شيءٍ ما، لتقاطعها وصال قائلة:
_هحكيلك كل اللي حصل بعدين خلينا نبعد عن هنا دلوقتي
غمغمت قدر قائلة:
_تمام، وأمسكت بيد شقيقتها وغادروا من أمام المنزل.

“بمنزل وصال”
قصت نجلاء حديثها هي والخادمة على زوجها
ليقف غاضبًا وهو يقول:
_كل اللي حصل ده بسببك لو أختي جرالها حاجة فأنتي السبب فاهمة!

فهتفت نجلاء بعصبية وهي تشوح بكفيها:
_ بقولك إيه يا أيمن مش كل حاجه تحصل مع أختك ابقا انا السبب فيها.

أخذ نفسًا عميقاً وخطا للأمام لتصبح هي خلفه وهو يوليها ظهره وقال في تريث:
_نجلاء أطلعي من الأوضه بسرعة مش عاوز أشوف وشك.

فغمغمت نجلاء بإعتراض:
_مش هطلع يا أيمن هقعد، وكمان دلوقتي هرن على أحمد أخليه يقلب الدنيا على أختك ويجيبها.

أستدار أيمن ونظر لها بحدة وقال ببرود وإزدراء:
_خلصتي كلامك، يلا أطلعي برة، ولو عملتي أي حركة أو كلمتي حد هطلقك يا نجلاء فاهمة؟

أحتقن وجه نجلاء بالغضب ومن داخلها لعنت وصال ألف مرة، خرجت من الغرفة وصفعت الباب خلفها بكل قوة لتتكأ عليه قائلة:
_الحمدلله أنها مشيت، ليها سنين قعدة على قلبي مش عارفة اقعد في بيتي على راحتي وياريت ما ترجع تاني.

“سبحان الله، الحمدلله، لا إله إلا الله، الله اكبر”

لا يعلموا كم مر من الوقت وهم يسيرون على أقدامهم،هائمون على وجوههم،نبذتهن الدنيا وأعز الناس، فقاطع الصمت السائد صوت رهف الطفولي وهي تقول:
_أنا تعبت من المشي، مش هنقعد بقا؟

نظرت لها وصال فربتت على شعرها الأسود وتابعت وهي تؤشر إلي مكانا ما:
_شايفين في سوبر ماركت فاتح هناك تعالوا نشتري أي حاجة ناكلها ونستريح شوية وكمان نفكر هنروح فين يلا.

أسرعت خطواتهم للأمام،ليجدوا أَنُفسهم واقفون أمام رجل بعمر الستون فألقت وصال السلام عليه فنظر إلي هيئتهم ليرد هو بإبتسامة ووجه بشوش قائلاً:
_وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يابناتي محتاجين أي مساعدة؟

ردت وصال بإبتسامة قائلة:
_هنشتري بس شوية حاجات ولو ممكن بس البنت الصغيرة تقعد تستريح شوية من المشي.

أجابها الرجل ببشاشة مرحبًا:
_يا مرحب بيكم من عيني يابنتي
أستدار الرجل خلفه وجاء بثلاث كراسي مشتبكون ببعضهم فوضعهم بجانب بعض ونظر لهم وهو يؤشر على المقاعد قائلاً:
“اتفضلوا” جلسوا الفتيات فتابع هو متسائلاً:
_أنتو شكلكم أغراب عن هنا.

ردت قدر قائلة:
_لا أحنا ساكنين قريب من هنا.

تحدث الرجل خوفاً عليهم:
_أنتو زي بناتي وأحنا دلوقتي فنص الليل، إيه اللي يخليكم تطلعوا من البيت.

ردت رهف سريعاً:
_عمو سيد كان بيضرـ,ـب قدر وجات وصال انقذتها وهربنا منه.

وكزتها وصال بكتفها فقال الرجل بدهشة مما سمعه:
_شكلكم واقعين في مشكلة لو حابين تحكوا فأنا هسمعكم.
صمت الجميع فتحدثت وصال بالأخير:
_مامت قدر أتوفت من تلت أيام والحقيقة أنه جوزها طردها و احنا مش عارفين نروح فين حضرتك تعرف أوتيل قريب من هنا.

أخذ الرجل يضـ,ـرب كفا بكف وهو يحوقل قائلاً:
_لا حول ولاقوة الا بالله، أنا والله يابنتي راجل على باب الله ومش عارف حاجه مات ابني ومراته من ست شهور وسابوا طفلين بنربيهم أنا والحجة وربنا يعينا ويعينكم.

ردت قدر بإشفاق عليه: ربنا يعينك ويقويك ياحج.

فرد مبتسما:
_يارب يابنتي طيب انا عندي حل، باتوا هنا النهاردة إيه رأيكم؟

نظرت وصال حولها إلي المكان فهو محل صغير كيف و أين سيناموا؟ وهل تأمن؟
وكأن الرجل فهم ما يدور برأسها فهتف قائلاً:

_أنا هجيبلكم فرشة تناموا عليها مكانكم هنا، أنا عارف المكان ضيق بس ده اللي في أيدي والله يابنتي لو بيتي كان يسع الكل كنت هخدكم أكيد.

هذه المرة تركت قدر صمتها جانبًا فتحدثت بنبرة هادئة تبعث الأمان بالقلوب:
_ده تدبير ربنا لينا كنا بنفكر هنروح فين و هنعمل إيه والحمدلله أننا مشينا فالطريق ده ولاقينا حضرتك ياعمي.

أبتسم الرجل وأجاب:
_أسمي عبدالله يابنتي، هروح أجيبلكم حاجة تناموا عليها و اجي البيت قريب هنا.

ردت عليه قدر بشبه إبتسامة:
_تسلم ياعم عبدالله
خرج الرجل وتركهم فتحدثت رهف قائلة:
_قدر أنا جعانة.

نظرت لها وقالت:
_حاضر ياحبيبتي الراجل يجي ونشتري منه كام حاجة وناكلها.

هزت الصغيرة برأسها دلالةً على موافقتها، بعد قليل عاد الرجل وهو يحمل غطاء ووسادة استقامت قدر واقفة وهي تمد يدها تأخذهم منه قائلة:
_تسلم ايدك ياعم عبدالله.
بينما وصال وضعت الكراسي جانباً

وقال الحج عبد الله لها:
_أفرشي يابنتي وانا هقفل عليكم من برة وهفتح الصبح الساعة 7 وفي هنا عصاير وبسكوت خدوا اللي انتو عاوزينه يابنتي ومش هاخد حقه منكم.

ردت قدر قائلة:
_حقك محفوظ ياعمي عندنا وعند ربنا، جزاك الله خيراً وبارك في عمرك.

رد عبد الله ببسمة وهو يهم بالمغادرة:
_وإياكم يابنتي، تصبحوا على خير
ردت قدر عليه فخرج هو وأغلق الباب خلفه من الخارج.

امسكت قدر بالفراش قائلة:
_امسكي ياوصال معايا خلينا نفرش وانام شوية
امسكت وصال معها ووضعوا الغطاء أرضا والوسادة فوقه جلسوا ثلاثتهم وقالت رهف مرة أخرى: إيه مش هناكل حاجه بقا؟

فضحكت وصال واردفت: روحي هاتي وهاتيلنا معاكِ.

🌺سبحان الله وبحمده،سبحان الله العظيم 🌺

بمنزل شقيق وصال كان يغط في سبات عميق وزوجته بجانبه مستيقظة أعتدلت بجلستها قليلاً وهي تنظر له تتأكد ان كان قد نام فأزاحت الغطاء من عليها واستقامت واقفة ألتقطت هاتفها الذي كان أعلى الطاولة الصغيرة بجانب الفراش وخطت ببطء على أطراف أصابعها حتى خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها دلفت إلى إحدى الغرف المجاورة وضغطت على شاشة هاتفها لتضيئ وأخرجت أسم أحمد من سجل مكالماتها وضغطت أتصال و أنتظرت قليلاً حتى آتاها صوت شاب قائلاً:
_خير يانجلاء حد يرن في الوقت ده.

لوت نجلاء فمها وردت قائلة:
_مش وقت كلامك البايخ دلوقتي، البنت وصال سمعتني أنا وأيمن واحنا بنحكي أننا هنمضيها على تنازل بالأسهم بتوعها وهربت من البيت وانا عاوزاك تقلب الدنيا عليها وتلاقيها.

أحمد بلامبالاة:
_وانا مالي بالموضوع ده ما تهرب ولا تروح في داهيه البنت مش طايقة تشوفني أصلاً، وبعدين تلاقيها عرفت أني أتقدمتلها قبل كده عشان فلوسها.

نجلاء بصوت منخفض:
_أنا بقا عاوزاك تدور عليها عشان فلوسها هنمضيها غصبًا عنها عن ومتقلقش هراضيك.

تبسم أحمد بمكر وتمتم بخبث:
_اه الحكاية فيها مصلحة يعني، ان كان كده موافق من بكرة هقلب عليها الدنيا.

ابتسمت نجلاء برضا ورددت قائلة بملامح شيطانية:
_أكيد راحت بيت قدر، وكده تبقا أنت عرفت هتلاقيها فين.

أجابها أحمد بظفر:
_تمام يا بنت خالتي محلولة ، وأنهى المكالمة دون إضافة شئ.

بينما نظرت نجلاء للهاتف بغيظ قائلة:
_الغبي قفل السكة فـ وشي، وتراخت ملامحها وهي تبتسم وتمتمت قائلة:
_المهم انه وافق، لازم أرجع دلوقتي لـ أيمن يصحى.

“بمنزل سيد”
واقفًا شاب بمنتصف العمر وهو ينظر لباب المنزل بأستغراب وقال متحدثاً مع نفسه :
_الباب ده مفتوح كده ليه معقول يكون في حاجه حاصلة معاه غريبة، بنات مراته كمان عايشين معاه، الأفضل أدخل أشوف في إيه.

ولج الرجل للداخل وهو ينادي بأسم سيد ولكن لم يأتيه رد فتوقف أمام درجات السلم حائراً يفكر هل يصعد للأعلى ام يذهب ويعود في الصباح فقال بصوت مسموع:
_خليني أطلع اشوف في إيه يمكن محتاجين مساعدة.
صعد درجات السلم ووقف عند أول غرفة نظر بداخلها فلم يجد أحد، فتقدم باحثًا في الثانية لتقع عينيه على سيد الملقي أرضاً فقال وهو يخطوا للداخل:
_إيه اللي قلب الأوضة دي كده معقول كان في حرامي؟!

ومال بجزعه وهو يضـ,ـرب سيد على وجهه برفق وينادي بأسمه قائلاً:
_سيد،سيد،أنت إيه اللي عمل فيك كده ؟

حرك سيد عينه وفتحها ببطئ الرؤية مشوشة أمامه، أسند يده أرضًا يحاول الأعتدال فساعده الرجل وجلس وظهره متكأ على الحائط خلفه وتحدث الشاب:
_أنت شكلك مزود فالشرب حبتين، هما فين بنات مراتك؟

هنا و أسترجع سيد كل ما حدث منذ قليل فقال وهو يحاول الوقوف ساعدني يا إسلام بس عاوز اقوم، أمسك إسلام يده فوقف سيد وهو يضع يده خلف رأسه يتحسس موضع الضـ,ـربة فوجدها متورمة وسب وصال بداخله فقال الشاب متعجباً:
_أنت حد ضـ,ـربك على راسك ولا إيه

نفى سيد بكذب: لا أنا وقعت ده كل اللي حصل، أنت كنت جاي ليه في حاجة.

إسلام وهو يجذبه من يده:
_تعالَ كده ياعم أغسل وشك وفوق ونبقا نحكي.
دلف سيد إلي المرحاض دون التفوه بشيء وأنتظره إسلام جالسا على طرف الفراش ،وبعد قليل خرج مترنحاً، فقال إسلام عندما رآه:
_شكلك دايخ أخدك على المستشفى؟

تقدم سيد منه وجلس بجانبه وقال:
_لا هبقا كويس مقولتش انت كنت جاي ليه.

تنهد إسلام وقال:
_رنيت عليك كتير و مردتش، لاقيتلك مشتري للبيت والسوبر ماركت وهو عاوز يخلص كل حاجه بكرة وهيدفع كاش إيه رأيك.

أرتسمت إبتسامة على وجه سيد قائلاً:
_كويس أوي بكرة نخلص الموضوع ده.

وثب أسلام قائماً وهو يقول:
_طيب هقوم أمشي أنا دلوقتي.
هز سيد رأسه ولم ينبس ببنت شفة وانصرف إسلام.

“سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ”

قصت وصال ما أستمعت إليه من أخيها وزوجته
حتى جائها صوت قدر وهي تقول:
_معقول حاسة إن في حاجة ناقصة، أخوكي أيمن باين عليه أنه شخص كويس مش ممكن تكوني فهمتي غلط.

ردت وصال بحنق:
_غلط إزاي بس ياقدر انا سمعتهم بنفسي محدش قالي، الأكيد أنهم هيقلبوا عليا الدنيا دلوقتي.

ربتت قدر على فخذها وهي تقول:
_مش عارفة أقولك إيه بس ربنا ليه حكمة فكده.

أبتسمت وصال لها قائلة:
_ من النهاردة طريقنا واحد، أحنا بنكمل مع بعض ياقدر الحمد لله أننا أتقابلنا وأننا مع بعض دلوقتي.

همست قدر بصوتٍ خفيض:
_الحمدلله، خلينا دلوقتي نلحق ننام ساعتين يلا، والصبح نمشي عاوزين نبعد عن هنا.

أومأت وصال برأسها ولم يمضي الكثير من الوقت ليحلق شبح النوم فوقهم.

الحياة الغريبة، والأكثر منها غرابة هؤلاء من نظنهم أحبتنا فيغدروا بنا مع أول غضت بصر…

الفصل الخامس
رواية قدر ووصال
بقلم هدير ممدوح

أتى الصباح بنوره والشمس تتوسط عِنان السماء تبعث الدفء لما أسفلها، ها هو يومًا جديد بداخله العديد من الأحداث التي لا نعلم عنها شئ.
دقت الساعة السابعة صباحاً وقف عبدالله أمام محله وطرق أولاً على الباب قبل أن يفتح، حتى يستعدوا الفتيات، ففاقت رهف على إثر الصوت، وأعتدلت في جلستها، وتلفتت حولها حتى استدركت أين تكون، وما حدث بالأمس، وضعت يدها على كتف شقيقتها وهزتها ببطء وهي تُردد اسمها، فأنتفضت قدر برعبٍ دب في أوصالها وهي تعتقد إنه سيد، فأتاها صوت رهف الطفولي، وهي تسألها في خوفٍ:
_ دي أنا ياقدر خوفتي ليه؟!

تسلل الأمان إلى قلبها و أومأت بصمت، بينما فاقت وصال على سماع صوتهم وقالت وهي تضع يدها على فمها وتتثأب:
صباح الخير يا بنات.
كادت قدر ان ترد فقاطعها صوت طرقات العم عبدالله فمدت قدر يدها وألتقطت خمارها واستقامت واقفة وهي تقول:
_صحينا أهو يا عم عبدالله.

فرد عبدالله من خلف الباب:
_على مهلكم يابنتي انا قلت أخبط الأول اشوفكم صاحيين ولا لأ بدل ما افتح عليكم كده.
هزت قدر رأسها من خلف الباب قائلة:
_جزاك الله خيراً يا عمي أستأذنك دقيقتين وافتح.

فاجابها عبدالله بصوتٍ رخيم :
_حاضر يا بنتي.

نظرت قدر إلي وصال ورهف وقالت بغضب طفيف:

_يلا قوموا أنتو لسة قعدين خلينا نلم الفرشة دي عشان الراجل يشوف رزقة.

وقفت رهف ووصال وقاموا بتطبيق الفرش ووضعهم جانباً.

فنادت قدر من الداخل:
_ أفتح ياعم عبدالله.
فمال عبد الله واضعًا صينية الطعام جانبًا، ومال معالجًا مزلاج الباب، ثم سحبه لأعلى فقد كان الباب من المعدن الذي ينفتح من أسفل إلى الأعلى والعكس إذا أُغلق.
ومال مرة أخرى يلتقط الصينية، ودلف للداخل وقال بوجهٍ بشوش:
_الحجة أرزاق لما عرفت أن عندنا ضيوف حلفت أنكم مش هتمشوا من غير فطار .

كادت قدر ان تتحدث لتسبقها وصال قائلة:
_كده كتير ياعم عبدالله وكفاية أستقبالك لينا مش عاوزين نتقل عليك أكتر من كده.

مال عبدالله بجزعه ووضع الصينية أمامهم وقال:
_دي أقل حاجة يابنتي ومش عاوز أسمع أعتراض من حد فيكم.

فتبسمت قدر لهذا الرجل الطيب، قائلة :
_تسلم ياعم عبدلله، بس الأول هناخد قزازة مية نغسل وشنا منها.

أومأ عبدالله برأسه قائلاً:
_أنا ومكاني البسيط تحت امركم.

غمغت قدر قائلة:
_الأمر لله ياعم عبدالله، ومرت من أمامه وخلفها وصال ورهف .

وألتقطت زجاجة مياه من الثلاجة المليئة بالعصائر والمشروبات الباردة، ووقفوا خارجاً فصبت وصال المياه بيد قدر التي نثرتها على وجهها وتكررت الحركة مع ثلاثتهم ومن ثم دلفوا للداخل وتناولوا بعض اللقمات وبعد الأنتهاء وضعوا الأطباق جانباً، فقالت قدر بود:
_ربنا يبارك في عمرك أنت والحجة أرزاق وربنا يجعل عملك الصالح ده في ميزان حسناتك جعلك الله من أهل الجنة.

رد عبدالله بوجه بشوش مبتسم:
_والله يابنتي بعد دعواتك الجميلة دي مش عاوز حاجه من الدنيا تاني، ربنا يسعدكم ويحفظكم، وكمان انتو ممكن تقعدوا هنا لحد ما أموركم تدبر.

ابتمست قدر قائلة:
_لا أحنا هنمشي تسلم ياعمي.

أخذت كلاً منهم حقيبتها، وابتعدت قدر ووقفت جانباً وهي تنظر داخل حقيبتها فأخرجت فئة من المئتان ولفتها، أقتربت منها وصال وقالت بصوت منخفض كي لا يصل للعم عبدالله:
_أنا عاملة حسابي لكده ومدت يدها بورقات المال لقدر وتابعت:
_خلي اللي طلعتيه معاكي.

فهمست قدر بنفي :
_لا يا وصال حتى لو مش معايا كتير فأنا لازم أطلع كفاية وقفته معانا.

أومأت وصال تؤكد قولها، وغمغمت بتريث:
_تمام وخدي دول برضه أديهم ليه.

أخذتهم قدر وأمسكت وصال بحقيبتها ليقفوا أمام عبدالله الذي كان واقفا خلف طاولة صغيرة ممسك بدفتر وقلم فنطقت قدر اسمه جاذبة انتباهه :
عم عبدالله
رفع الرجل وجهه ناظراً لها.
فأسترسلت قائلة وهي تمد يدها بالمال له:
_دي حاجة بسيطة مننا.
تحدث الرجل بنظرات معاتبة قائلاً:
_برضه كده يابنتي، أنا مش هقبل بكده.

فقالت قدر بإصرار :
_ربنا جعلنا أسباب لبعض ياعم عبدالله ودول بعتهم ليك ربنا فأرجوك مترفضش.

عبدالله بإعتراض :
_بس يابنتي…..

قاطعته وصال قائلة بمرح:
_متحاولش ياعم عبدالله قدر أعند شخص فالدنيا ومش هتمشي ولا تتنازل غير لما حضرتك تاخد المبلغ البسيط ده.

نظر الرجل ليد قدر الممدودة ورفع نظره لها، فأماءت هي برأسها تحثه على أخذهم، فألتقطهم الرجل من يدها بإحراج تبسمت له قدر وألقت السلام وخرجن الفتيات بعدما رد عبدالله السلام عليهن، أبتعدوا الفتيات عن أنظاره فأخذ يعد المال الذي بيده بأعين دامعه وقال وهو رافعا نظره للأعلى:
_سبحانك ربي أنا كل اللي طلبته منك ٥٠٠ عشان أدفع إيجار الدكان وأنت أكرمتني بألف و مائتين ورفع يده بالمال يقبله ويحمد الله على ما أعطى.

“لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين”

هبط سيد من سيارة الأجرة امام منزل وصال واعطى السائق اجره وتقدم بأتجاه الفيلا وهو يغمغم بهوس:
_هاخدك يقدر ونبعد عن هنا، أنا بعت البيت والهايبر والفلوس اللي معايا ياحبيبتي كلها ليكي وأنتي ليا.

أمام فيلا وصال كان يجلس رجل بجلباب صعيدي على كرسي بجانب الباب و رأى سيد وهو يتقدم نحوه وشفتاه تتحرك يحدث نفسه.

فضـ,ـرب كفٍ بكف وهو يقول:
_ده شكله مجنون ولا إيه، لا وكمان جاي عليا ربنا يستر.

أصبح سيد أمامه وقال بصوت اجش:
_عاوز أشوف وصال هانم روح قولها.

أعتدل الرجل واقفًا أمامه، وهو يقول بتحفز:
_الانسه وصال مفيش، أقولها مين.

سيد بأسلوب فظ:
_هي اللي قالتلك تقول كده، أدخل قول لها سيد مش هيسكت على عملتك وهاخد قدر يعني هاخدها.

غمغم الرجل بحنق:
_لا اله الا الله، ياعم قولنا مفيش الست وصال ولا قدر صحبتها جات هنا ليها فترة.

فدفعه سيد من أمامه وهو يهتف:
_أنا هدخل بنفسي أتأكد ان كانت هنا أو لأ.
قال عبارته وانطلق للداخل، فلحق به الرجل مناديًا:
يا أستاذ أنت ميصحش كده.

وخرجت نجلاء على سماع صوتهم فقالت وهي تتفحصه من قمة راسه لأخمص قدمه:
_إيه اللي بيحصل هنا، إيه الشوشرة دي يا إسماعيل.

هتف إسماعيل:
_ياست هانم الراجل ده عاوز يشوف الست وصال وقولتله مش هنا، قال هدخل أتأكد بنفسي.

فصرفته نجلاء وهي تؤشر بيدها، قائلة: خلاص روح أنت.

غادر إسماعيل إلي الخارج بينما وقفت نجلاء تحدج سيد بنظرات نارية وقالت:
_وياترى أنت تعرف وصال منين.

أجابها سيد بإمتعاض:
_بقولك إيه ياست أنتي أنا جاي اخد قدر وماليش دعوة بوصال ولا غيرها روحي هاتيها من جوة بدل ما ادخل أنا.

ضيقت نجلاء حاجباها وقالت:
_عاوز تفهمني أن وصال مش عند قدر دلوقتي.

هتف سيد بحدة :
_لأ وصال جات امبارح وخدتها.

صمتت نجلاء، تفكر اين قد تكون ذهبت تلك الفتاه، فقطع سيد شرودها وقال بصوتٍ عال:
_انتي ياست أنا الحد دلوقتي واقف وبتكلم بحترام غير كده هغلط فيكي.

نظرت له نجلاء بإشمئزاز قائلة:
_تغلط في مين أنت أتجننت، لا وصال ولا قدر هنا وأمشي من هنا بدل ما ابلغ عنك واقولهم إنك خاطفهم.

رفع سيد سبابته أمام وجهها وقال بتهديد:
_همشي بس لو عرفت ان قدر جوة لا هرحمك ولا هرحم وصال سلام ياقطة.

ألقي جملتع تلك وغادر تحت أنظارها، فتقدم منها إسماعيل وهو يقول:
_ست نجلاء الراجل ده جوز والدة الانسة قدر وصلها فمرة لهنا والحقيقة شكله كان بيدايقها و….
نجلاء بضيق:
_خلاص،خلاص انت هتحكيلي قصة حياتها.
قالت جملتها تلك وأولته ظهرها وولجت للداخل.

سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم ♥

عند قدر ووصال مازالوا يسيرون هائيمين دون وجهه في الطرقات فقالت قدر بصوتٍ ضعيف :
_هنروح فين يا وصال و هنعمل إيه أحنا بنات و الوحدنا
إجابت وصال قائلة:
_هنروح عند خالتي سامية في اسكندرية.

ابطئت قدر في سيرها ونظرت لها وأردفت:
_بس أنتي قولتي ان والدتك كانت وحيدة أمها وأبوها

أومات وصال:
_أيوة فعلاً، خالتي سامية هي اللي كانت بتهتم بيا بعد وفا…ة ماما وبابا وهنروحلها وهي عايشة لوحدها.

هزت قدر رأسها :
_فهمت بس أنتي عندك عنوانها وكلمتيها الأول.

اردفت وصال :
_ايوة أنا عارفة عنوانها بس الحقيقة رقمها ضاع من عندى ومش هنعرف نتواصل معاها بس أطمني ومتقلقيش تمام.

بزفير التوتر وقلة الحيرة أردفت قدر :
_ماهو للأسف مفيش حل تاني فتمام خلينا نروح على المحطة.

فتلك اللحظة كانت ستمر أمامهم سيارة أجرة فأوقتها وصال بإشارة من يدها وصعدوا بها بعدما املت السائق العنوان.

صلِّ على محمد🌼🤍

عند أحمد كان واقفا أمام منزل قدر عازمًا على العودة بعدما أخبره أحد الجيران بأن المنزل قد تم بيعه، علا صوت رنين هاتفه فأخرجه من جيب بنطاله وهو ينظر لشاشته ليجد اسم “نجلاء ” أستقبل المكالمة واجاب قائلاً:
_أنتي بتشتغليني يانجلاء وصال مفيش هنا وبيت صاحبتها ده اتباع بعد وفا؟؟؟ة والدتها.

نجلاء بنبرة حادة:
_عشان كده انا رنيت عليك جوز والدة قدر كان هنا من شوية جه يدور عليها عند وصال.

أحمد بحدة:
_يعني إيه الكلام ده

نجلاء وقد هدئ صوتها:
_يعني قدر ووصال هربوا مع بعض.

هتف احمد قائلاً:
_وايه العمل دلوقتي.

أجابت نجلاء بتريث وتفكير :
_قعدت شوية افكر ممكن يكونوا راحو فين و….

قاطعها أحمد ساخرًا:
_ها وعرفتي.

جزت نجلاء على أسنانها وقالت بغيظ:
_اه عرفت مفيش غير سامية دي كانت دادة وصال ومشيت بعد ما اتجوزنا أنا وايمن متأكده انها هناك.

لوى أحمد فمه قائلاً:
_وإيه الثقة دي العصفورة جات قالتلك .

نجلاء بحدة:
_أحمد انا متأكدة من كلامي وصال ما تعرفش حد وصاحبتها دي كمان تعتبر مقطوعة من شجرة دلوقتي.

أستطرد أحمد حديثه قائلاً:
_وإيه الحل دلوقتي.

اردفت نجلاء قائلة:
_تنزل أسكندرية والنهاردة ومترجعش غير وأنت فأيدك ست وصال فاهم،وهبعتلك العنوان بالتفصيل على الواتس .

أحمد بإمتعاض:
_هعمل كده، بس كل مليم هصرفه هاخده منك الضعف.

زفرت نجلاء بعمق قائلة:
_تمام يا أحمد تمام.

أغلق أحمد الهاتف بوجهها دون ان يتفوه بحرف أخر.

أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه 🌼

كان سيد عند صديقه إسلام ماسكًا كأس من الخمر جالسون مقابل بعضهم على إحدى الطاولات فقال وهو يحاول فتح عينه من شدة أثر المشروب: أصبلك كاس .

إسلام بإشمئزاز:
_لا يعم مش بشرب أنا، بس اتفجأت لما لاقيتك رجعت قلت جاي يرجعلي الفلوس ويقول مش عاوز أبيع بعد ما خلاص مضينا العقود.

رد سيد مترنحًا:
_معرفتش أروح فين فرجعت.

إسلام بشك:
_أنت مش على وضعك ياسيد انت خبط بابي على ستة عشان تمضي وتاخد فلوسك، هما بنات مراتك فين.

سيد بدون وعي:
_هربوا بس هلاقيهم، انا كل ده عملته عشانها، بس برضه مش هتكون لحد غيري.

حدجه إسلام بنظرات مليئة بالشك ووثب واقفًا وهو يقول :
_طيب همشي أنا يا سيد ورايا شغل البيت بيتك.

هز سيد رأسه وهو يحتسي الكأس الذي بيده على دفعة واحدة، بينما غادر إسلام منزله.

وضع سيد الكأس الذي بيده أعلى الطاولة وألتقط الزجاجة واعتدل في جلسته ليلقي بجسده كاملاً على الأريكة وقال وهو يتحدث إلي الزجاجة كأنها كائن حي:
_كالخمر أنتي تجعلينني مسطولًا أن نظرت لكِ فكيف حالي إذا أرتشفت منك القليل ياقدري.

اللهم أغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب🤍

أمام محطة القطار واقفة قدر تشتري بعض المأكولات لرحلتهم وبجانبها رهف، فتقدمت منهم وصال قائلة وبيدها ثلاث تذاكر:
_عشر دقايق والقطر هيطلع.

هزت قدر رأسها:
_وأنا أشتريت شوية حاجات ومية عشان الطريق هيبقا طويل علينا.

في نفس الوقت وصل أحمد أيضاً وكان واقفا بالقرب منهم فتقدم منه شاب بنفس عمره قائلاً:
_مفيش تذاكر والقطر هيطلع على تسعة، بس في قطر تاني هيطلع على 12 حجزت فيه

لوى أحمد فمه قائلاً:
_تمام تعالى يا بهاء نستنى في الكافتيريا لحد ما يجي.
غمغم بهاء:
_تمام يلا بينا.

عند وصال هتفت قائلة: تعالوا نقعد على جنب لحد مايجي.
وكادوا ان يخطو حتى أحست قدر بيد أحد على كتفها…
فتوسعت أعين وصال قائلة وقد دب الرعب بقلبها:
أحمد…….
لايك وكومنت وانت معدي، لو فيه تفاعل هنزل كل يوم فصل بدل تلاتة فالأسبوع.

واية قدر ووصال
الفصل السادس
بقلم: هدير ممدوح

كنت أخشى الغد، وتلك الحياة، التي في غمضة عين تغدر بنا وتقلب موازينها، فنحيا نُحن في دوامة الخوف منتظرين المجهول…..

كادوا أن يخطو حتى شعرت قدر بيد أحد على كتفها توقفها، وفي نفس اللحظة توسعت أعين وصال بعدما دب الرعب بقلبها وهي ترى أحمد على مسافة قريبة منهن يقف يتحدث مع شاب فأستدارت هي وقدر في نفس اللحظة إلى الوراء فرأت قدر إمرأة تبتسم بوجهها وقالت:
_الادناء بتاعك في قطع على كتفك، عدلي خمارك يابنتي وغطي الجزء ده.

هزت قدر رأسها بتفهم، وهي تجيبها ببسمة ممتنة:
_شكراً لحضرت…….

لم تستطع ان تكمل جملتها حتى أمسكت وصال بيدها ساحبة إياها بعيدة تحت أنظارها المستغربة .
جاءهم صوت رهف الطفولي وهي تتمسك بيد شقيقتها قائلة:
_براحة بقا أنا كنت هقع.

بينما وصال وضعت يدها على قلبها وأخذت نفسًا عميقا وتحدثت:
_الحمدلله مالحقش يشوفنا.

تسائلت قدر بدهشة:
_ هو مين ده؟
ردت وصال بأنفاس متلاحقة من شدة الأنفعال :
_أحمد كان هنا، أكيد هما اللي باعتينه يدور عليا.

ربتت قدر على كتفها قائلة:
طيب الحمدلله،وأخرجت دبوسًا من حقيبتها واسترسلت قائلة:
_عاوزاكي تداري القطع ده لحد ما نتصرف.

أخذته منها وصال ووقفت خلفها تعدل من ثيابها وقالت:
_ القطر خلاص هيطلع، اظبطه ونطلع.
هزت قدر رأسها دون أن تنبس ببنت شفة.

في مكان اخر كان هناك رجالان يتحدثان بالهاتف
وأحدهما يقول:
_أيوة يباشا متقلقش أنا على المحطة دلوقتي وهما تحت عيني، نظري مش هيغيب عنهم.

آتاه الرد من الجهة الأخرى قائلاً:
_خليك وراهم وقولي أول بأول كل اللي هيحصل معاهم أنت فاهم.

أجاب الرجل قائلاً:
_عاوزك تطمن يباشا ، وهبلغك بكل خطوة .

جاءه الرد مرة أخرى:
_انت لوحدك ولا معاك حد.

الرجل:
_مش لوحدي يباشا معايا اتنين كمان.

غمغم الأخر قائلاً:
_تمام.
ونهى المكالمة دون إضافة أي شيء.

في منزل وصال جالسة نجلاء زوجة أخيها بصالون المنزل واضعة ساقٍ فوق الأخرى متكئة بظهرها على الأريكة وتتحدث بالهاتف بأريحية وقالت بإبتسامة عاشقة:
_أيوة ياحبيبي، ايمن دلوقتي فالشركة مستلم الشغل بدل وصال، هو كده دايمًا في دراستها بيستلم الشغل بدالها.

أتاها رد الطرف الآخر، قائلًا:
_طيب إيه ياحبيبتي مش هنعمل مشروع عمرنا بقا خلينا نبدأ لحد ما نحط أيدنا على فلوس وصال.

علا صوت نجلاء وقالت بحدة:
_وائل، أوعك تنسى أن الفلوس دي أنا اللي تعبت لحد ما بقت تحت أيدنا ، ولعبت في راس ايمن لحد ما فهمته أنه لو استثمرهم هيكسب الضعف والناس اللي بعتها من ضمن لعبتي وأن احنا اللي نصبنا عليه تمام.

أجابها وائل بصوتٍ مهزوز:
_طبعاً ياحبيبتي أنا بس قلت نبدأ نشغل جزء منهم ونجرب حظنا.

همهمت نجلاء بإمتعاض:
_وقتها بقا هتشوف وشي التاني وهنسى فيوم اني حبيتك وهبلغ ايمن ان صديق عمرك بيخونك وبيحبني ومش بس كده انا هقلب، الترابيزة كلها عليك وهفهمه إنك أنت اللي، نصبت عليه.

هتف فيها وائل بحدة:
_جرا إيه يانجلاء ما أحنا دفنينه سوا ولا نسيتي لو انا ضعت فأنتي كمان معايا، انجزي أنتي في موضوع وصال ده وبعدها نهرب من هنا ونبدأ حياتنا.

غمغمت نجلاء بمكر:
_انا بس حبيت أفكرك ومن ناحية موضوع وصال ده كمان هيتحل فأسرع وقت يلا بقا سلام ياحبيبي.

غمغم وائل قائلاً:
سلام.

🌼سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم 🌼

توقف القطار بمحطة الإسكندرية،و هبط الفتيات منه فتحدثت قدر قائلة:
_دلوقتي هنروح فين
أجابتها وصال:
_هناخد تاكسي وهنروح على عنوان خالتي سامية.

مضى لما يقارب الساعة وهما ينتظرون سيارة أجرة، فكلما مرت واحدة يعطون سائقها العنوان فينظر لهم بوجهاً مقتضب ويرحل.

فقالت وصال بتذمر:
_أوف أنا تعبت من الواقفة دي ولا تاكسي راضي يوصلنا.

هزت قدر رأسها وقالت وهي تنظر ليمينها:
_ في تاكسي جاي أهو خلينا نوقفه.

اومأت وصال وأشارت بيدها لسيارة الأجرة فوقفت أمامهم،و مالت بحزعها وأملت العنوان للسائق فأجابها قائلا:
_ماشي يا أبلة أطلعي.
صاعدن الفتيات بجانب بعضهم وحملت وصال حقيبتها على قدمها، ساد الصمت بينهم فمضى حوالي نصف ساعة، حتى توقف السائق بشارع أمام عمارة تبدو قديمة بعض الشيء، وتحدث السائق:
-دي العمارة المكتوبة فالعنوان يا أبلة ومع أخر كلمة غمز بعينه.
نظروا له الفتيات بإشمئزاز، وأخرجت وصال المال من حقيبتها التي تعلو كتفها وألقته بوجهه فسقط على قدمه.
فأردف هو قائلاً:
_براحة يا أبلة، عامةً انا بيتي في أخر الشارع كده على أيدك اليمين لو عوزته حاجة أنا موجود وقهقه بصوتًا عال وغادر من أمامهم.

فتحدثت قدر بنبرة متوترة:
_وصال أنا قلبي مش مرتاح للمشوار ده.

ردت وصال بتريث:
_متخافيش ياقدر، مش هيحصل حاجة خلينا نطلع يلا.

دلفوا داخل العمارة تحت أنظار سيارة بها ثلاث شباب تقف بالقرب منهم تحدث أحدهم:
_إيه هنلحقهم ولا هنستنى هنا.

رد الجالس أمام المقود:
_هنستنى شوية وبعدين نطلع نشوفهم عملوا إيه.
أتاهم صوت الاخر:
_العمارة مفيش جمبها بيوت كتير حاسس إنه وراها حاجة.

هتف الشخص الثاني بحدة:
_هيكون في إيه يعني نصبر شوية ونشوف.

***************

وقفوا الفتيات أمام باب شقة العمارة فحصوا المكان بإعينهم فوجدوا هناك باب أخر مقابل الذي يقفون أمامه.
فتحدثت قدر:
ساكنة فالدور الكام هي.
ردت وصال:
_مش عارفة بس هنخبط أهو وهنشوف.
طرقت وصال عدت مرة ولكن دون جدوى لما يأتيها صوت فقالت قدر:
_أظهر أن مفيش حد ساكن فالشقة دي ياوصال.

وصال مؤيدة حديثها:
_عندك حق،طيب نطلع فوق نشوف الشقة اللي بعدها.

كادت قدر ان ترد حتى أستمعوا إلى صوت فتح الشقة المقابلة أستدروا للخلف ليجدوا أمرأة سمينة الجسد ذات بشرة بيضاء واضعة حجاب على رأسها بعشوائية فتمرد منه بعض الخصل الشقراء التي تظهر عليها اثار الصبغة وكانت تلوك بفمها لبانة تحدثت قائلة:
_عاوزين مين يا حلوين.

ردت وصال:
_الحجة سامية كانت ساكنة هنا ه……

قاطعتها المرأة قائلة:
_وفري ياحلوة باقي الكلام، الست سامية سافرت مع عيالها، والشقة اشتريتها وفتحاهم على بعض، وصمتت قليلاً وهي تنظر لهم من رأسهم للكاحل وأسترسلت حديثها:
_شكلكم كنتو جايين ليها زياردة و ناويين على قُعاد.

نظروا الفتيات إلى بعضهم فردت وصال عليها:
_أه فعلاً، وطالما هي مش موجودة يبقا مفيش داعي لوجودنا عن أذنك.

وكادوا ان يخطوا حتى تحدثت المرأة :
_لا على فين كده أنتو بنات لوحدكم وأنا أخاف عليكم تعالوا قضوا الليلة عندى والصباح رباح.

همست قدر بأذن وصال قائلة:
_وصال انا مش مرتاحة للست دي خلينا نمشي من هنا بسرعة.

رأتهم المرأة يتهامسون فقالت:
_تعالوا متقلقوش مفيش حد عندي تقدروا تتأكدوا بنفسكم، وعلى راحتكم طبعاً أنا مش هغصب عليكم بس الليل خلاص داخل وانا شايلة همكم وولاد الحرام كتير.

مالت وصال قليلا على قدر وقالت بصوت خفيض:
_هي عندها حق هنروح فين يعني خلينا نبات عندها النهاردة ونمشي الصبح.

أخذت قدر نفسًا عميق وهزت رأسها عدة مرات دلالة على موافقتها.

فقالت وصال:
_تمام ياخالتي هنبات عندك النهاردة.

ابتسمت وداد وقالت:
_لا كده أزعل منكم خالتي إيه، انا اسمي وداد قالولي يادود آه مبحبش حد يكبرني.

همست قدر بغيظ قائلة:_دودو بقا عاوزانا نبات عند واحدة أسمها دودو.
صدرت ضحكة طفولية من رهف
فتقدمت وداد منهم و أمسكت بحقيبة قدر وقالت:
_انتو لسة بتتهماسوا يلا أدخلوا.
دلفوا الفتيات خلفها بصمت وتوقفوا بمنتصف الشقة ينظرون إلي أثاثها فكانت هناك ركنة دائرية ملفوفة بدقة وأمامها أكثر من طاولة صغيرة غمغت وداد قائلة وهي تلاحظ تفحصهم للشقة:
_اتفضلوا اقعدوا، وانا هنزل اقفل باب العمارة تحت، أصل العمارة دي مفهاش حد ساكن غيري وانا بخاف على نفسي.

جالسوا الفتيات وسألتها وصال في حيرة:
_حضرتك متجوزة ولا عايشة لوحدك.

إجابت وداد وهي تمضغ العلكة بفمها قائلة:
_لا مش متجوزة، بيني وبينكم الجواز ده غم، وانا ست فرفوشة ماليش في جو النكد ده، يلا هسيبكم انا بقا.

أختفت المرأة عن أنظارهم فتحدثت قدر بنبرة تسودها القلق وهي تنظر لطاولة أمامها: أنا قلبي مش مطمن بصي لشقة كويسة وكل مكان قدامه ترابيزة ده غير ان العمارة كلها مفيهاش حد.

صمتت وصال ولم تدر بما تجيب، وبين جوانحها خافق ينبض بالقلق هي الأخرى ولكن ما باليد حيلة ومن ثم أردفت:
_وصال أهو سقف يحمينا أحسن من بلاش العشا خلاص هيأذن واحنا مكناش هنعرف نروح وأول ما الشمس تطلع نمشي على طول تمام.

اومأت قدر برأسها وغمغت:
_تيجي الست اللي تحت دي وانا أقوم أصلي كل الفروض اللي فاتتني دي.

قاطعهم صوت وداد وهي تؤشر، على شمالها الحمام: هناك أتوضي وخدوا راحتكم كأنه بيتكم، وانا هحضر العشا ناكل سوا.

اعترضت وصال قائلة:
_لا شكرا، احنا أكلنا فالقطر.

تابعت وداد بإصرار:
_لا مفيش إعتراض انا ما صدقت ما لقيت ونس اصل الوحدة قاتلة يابنات.

دب الامان قلوبهم قليلاً بعد حديثها فأومأت وصال:
_تمام،بس هنصلي الاول.

هزت وداد رأسها وتمتمت:
_خدوا راحتكم.

با لأسفل وصل أحمد وصديقه بهاء أمام العمارة أخذ يدفع الباب الحديدي بيده فتحدث صديقه قائلاً:
_أظهر أن مفيش حد ساكن هنا.

تحدث احمد بحدة:
_اكيد فيه الباب مقفول من جوة.

وعلى القرب منهم مازالت السيارة واقفة فتحدث احد منهم:
_هنتصرف ازاي دلوقتي.

تحدث الاخر وهو يهبط من السيارة:
_انا هتصرف.
وتقدم منهم حتى أصبح أمامهم وقال:
_ايوة يا كابتن عايز مين هنا.

استدار أحمد ليصبح أمامه مباشرةً:
_كنا بنسأل عن ست هنا اسمها سامية ياريس.

رد الشاب وقال:
_الست سامية أتنقلت ومفيش حد ساكن فالعمارة.

هز أحمد رأسه متفهمًا وهو يقول:
_تمام ياريس تشكر أنت.

وقف الشاب بضع ثواني حائراً فهو ظن انه سيغادر فور ما يخبره ولكنه ظل واقفًا، فلم يجد حل غير مغادرته.

نظر أحمد حتى اختفاء الشخص عن أنظاره ودفع الباب بيده فقال إيهاب:
_يابني ماهو قال مفيش حد،يعني ده يعرفنا عشان يكدب عليك.

أجاب أحمد بضيق:
_تعالى ندور على اوتيل نبات فيه ونكلم نجلاء نقولها، أحنا كده منعرفش هنعمل إيه.

مضت الساعات حتى جاءت الثانية منتصف الليل، غادرت وداد من غرفتها وأتجهت إلى غرفة الفتيات، مالت بأُذنها لتسترق السمع من وراء الباب فلم تجد صوتاً، لتبتعد متجهة إلى المطبخ كي لا يحس أحد عليها حملت هاتفها بيدها وضغطت عليه لتضيئ شاشة الهاتف واخرجت احد الأرقام تهاتفه انتظرت قليلاً لتجيب الجهة الأخرى،فأجاب شخصاً بصوت رخيم:
_أهلا ياوداد، أنا سمعت أنه أتقبض عليكي أنتي والبنات اللي معاكي.

أجابته هي:
_أيوة ياخويا واتبهدلت بهدلة، بس الباشا الكبير خرجني منها زي الشعرة من العجينة.

غمغم الشاب بحنق:
_وعايزة إيه فالوقت ده.
قالت بخبث:
_عاوزة ارد للباشا جِميله.
قال الشاب مبتسمًا:
_شكلك لاقيتي قطة جديدة.
ردت هي:
_قطتين ياخويا وواحدة تالتة صغيرة.

هتف الشاب:
_وإيه حلوين.
قالت وداد :
_حلوين وبس دول فلقة قمر، واحدة اسمها قدر ودي عينها عسلي وبيضة، والتانية مش أقل منها عين بني واسعة وبياض إيه.

رد بتهكم:
_فرحيني وقولي التالتة ليا.

قالت بإمتعاض:
_ياخويا بقولك صغيرة دي يدوب عشر سنين.

لوى فمه قائلاً:
_طيب، بكرة هقول لسامح بيه ومن الصبح نكون عندكم.

_ماشي، هستناكم، بس ابقا بلغ الباشا سعرهم غالي شوية.

قال بحدة:
_مش لما يشوفهم الأول يا وداد، روحي عشان بكرة تبقي فايقة للي هيحصل، ولم ينتظر منها رد لينهي المكالمة.

نظرت هي للهاتف و ألقت السباب عليه.

الفصل السابع

يظل الإنسان ضائع على أرض الواقع، لا يعلم متى ينتهي من هذا العذاب، فعند سؤاله متى الراحة أخبروه عند أول قدم تُوضع بالجنة فعاش الحياة برضا، وبأنتظاره للجنة.

“صباحًا”

أسفل العمارة التي تقطن بها وداد مازالت السيارة التي بها الشباب واقفة، وكانوا نائمون بداخلها، أستقيظ شاب منهم كان ينام على الأريكة من الخلف على أثر سماع صوت سيـ,ـارة أخرى؛ توقفت أمام باب العمارة مباشرةً فأعتدل بجلسته ووكز أصدقائه ليستيقظوا تحدث أحدٍ منهم بحدة وقال:
_إيه ياعم في إيه.

أشر له قائلاً:
_بص هناك كده.
دعك عينيه بيده اولًا كي يزل أثر النعاس ونظروا جميعا لتلك السيارة التي هبط سائقها واتجه ليفتح بابها، فتدلى رجل من السيارة ببدلة سوداء رسمية وبيده تبغ ينفث دخانه، وولج للعمارة بهيبة ووقار، انتفض الشاب الذي كان بالسيارة وهو يقول:
_ انا لازم أبلغ أيمن باشا بسرعة يمكن أخته في خطر.
وأخرج هاتفه من جيب بنطاله وجاء برقم ايمن ليهاتفه، وقال وهو ينتظر الرد:
_شهاب روح العمارة شوف إيه اللي هيحصل بسرعة.
و ترجل الذي كان بجانبه متوجهًا إلي العمارة.

🌼🌼
“بمنزل وصال ”
كان جالس شقيقها ايمن بملابسه الرسمية، وبيده يحمل فنجان من القهوة يرتشف منه، أستمع لرنين هاتفه الذي كان أمامه أعلى الطاولة فألتقطه واستقبل المكالمة قائلاً :
_أيوة يا محمد في جديد.

رد الشاب “محمد”:
_أيوة يا أيمن باشا في واحد دخل العمارة وشكله راجل غني، أنا قلبي بيقولي ان العمارة دي مشبوهة يابيه.

تحدث ايمن بصوتًا حاد قائلاً:
_اتصرف يا محمد ، خرج وصال و صاحبتها من العمارة دي بأي طريقة.

أجاب محمد:
_ماشي يباشا أنا هتصرف، أطمن أنت.

زفر ايمن بعمق وهو يقول:
_وصال أمانة عندك يا محمد، إي حاجة تحصل معاك تقولي فوراً.

محمد بتريث:
_تمام يباشا.

أنهى ايمن المكالمة وتنهد بضيق، فأقتربت منه نجلاء بخطوات بطيئة وقالت:
_أنت عرفت مكان وصال ولا إيه يا ايمن.

حدجها ايمن ببصره وقال بإمتعاض:
_نجلاء أنا بحذرك أنسي وصال خالص أنتي فاهمة، واستقام من مكانه وغادر منزله.

فألقت نجلاء السباب عليه بعدما أختفى من تحت أنظارها .

” في شقة وداد”

ولج الرجل للداخل ، وجلس واضعًا ساق على الأخرى وتابع وهو ينفث دخانه:
_فين البنات دول يا وداد.

أجابت وداد قائلة:
_في الأوضه جوة يا ياسامح بيه، أصل أنا عطيتهم الأمان خفت ليهربوا مني، هروح اخبط عليهم.

هز الرجل رأسه دون أن ينبس ببنت شفة، وكان يقف على مقربة منه إحدى رجاله.

“بغرفة الفتيات”
واقفة قدر أمام المرآه تلف خمارها، بينما جالسة وصال على طرف الفراش تمشط شعر رهف فتحدثت قدر:
-الحمدلله لاقيت خيط أخيط بيه الادناء ده.

ردت وصال قائلة:
_ الحمدلله، ان شاء الله نخلص من ده كله ونشتري كام طقم ليكي أنا عارفة أن هدومي مش هتناسبك.

كادت قدر أن ترد عليها حتى قاطعها صوت الطرق على الباب وقول وداد:
أصحوا يابنات يلا عاوزاكم برة.

غمغت قدر قائلة:
-تمام هنخرج دلوقتي.

عادت وداد مرة أخرى إلى صالون شقتها وخرجوا الفتيات الثلاث بعد دقائق معدودة، وقفوا في دهشة ينظرون إلى ذلك الرجل والذي بجانبه، ونظر لهم الرجل يتفحصهم بدقة آثارت رُعبهم وكأنهم عراه أمامه، وأحست قدر بنظراته فمالت على أُذن وصال قائلة:
_تعالي نرجع الأوضة ناخد الشنط ونمشي من هنا يلا بسرعة.

ردت وصال بتردد:
_مش مفروض نسلم عليها الأول وبعدين نمشي.
كانت قدر تسترق نظرها إلى ذاك الجالس بأرتياح حتى وثب قائمًا يقترب بأتجاهن، فأزدادت ضرـ,ـبات قلبها خوفاً من القادم وأستدارت لتعود وقالت هامسة لوصال:
_يلا تعالي ألحقيني.
أسرع الرجل بخطواته وأمسك معصمها وتحدث قائلاً:
-انا عجباني البت دي ياوداد جهزوها.

نظرت قدر بذعر خلفها لتجد رجل يبدو ببداية قرنه الأربعين ذو ملامح جذابة مختلطة مع تجاعيد وجهه القليلة وقد خط شعره الشيب فقالت قدر منتفضة وهي تنظر بعينه الذي قرأت بها سوء النية:
_أنت أزاي تتجرأ وتمسك أيدي بالطريقة دي.

“عند نجلاء ”

أنتظرت مغادرة زوجها وجاءت برقم أحمد على هاتفها لتتصل به انتظرت قليلا حتي جاءها صوته:
_ايوة يا نجلاء
فقالت له بحدة:
_انت فين دلوقتي
رد أحمد بحنق:
_أنا خلاص اهو داخل على العمارة اللي فيها شقتي، همـ,ـوت وانـ,ـام .

أجابت نجلاء بنبرة غاضبة:
_يعني إيه، أنت نزلت من اسكندرية.

احمد بلامبالاه:
_ايوة يانجلاء.

هتفت نجلاء بإمتعاض:
_بس ده مكنش اتفاقنا ووصال لسة فـ اسكندرية.
أحمد بتريث عكسها :
_وأنا كنت هعمل إيه يعني ما انا قولتلك على كل اللي حصل.

زفرت نجلاء بقوة وقالت:
_أحنا لازم نبعد قدر عن وصال أنا عاوزاك توصلني لجوز أمها فأسرع وقت.

“أسفل العمارة”
واقف محمد مع صديقه ينتظرون اي خبر منه، وقاطعهم مجيئه المهرولاً إليهم وأخرج الكلام من جوفه دفعة واحدة وقال:
_الشقة دي مشبوهة يا محمد والبنات في خطر.
زفر بعمق فقد تأكد من شكوكه ولكنه ألقى على مسامعه تلك الكلمة:
_انت متأكد
رد شهاب بضيق قائلاً:
_أيوة ياعم انا سمعته بيقول جهزوا البنت دي ياوداد.
جائهم صوت صديقهم الأخر قائلاً:
_طيب هنتصرف ازاي دلوقتي، وهنعمل إيه.

“في الأعلى ”
تحدثت وصال وهي تحاول إبعاد ذاك الرجل عن صديقتها فقبضت على يده تحاول نزعها، وهي تصيح بحده:
_أبعد عنها وإلا……

فقالت وداد ساخرة:
_وإلا إيه ياحلوة، الشارع كله مفهوش حد ساكن فيه والعمارة مفيش غيري ساكن فيها حتى خالتك سامية نقلت، فاسمعي الكلام وخلي اليوم يعدي لأن كده كده الباشا هياخد صاحبتك.

“مستحيل ” خرجت من جوف قدر الذي ظهر على ملامحها الثبات والقوة عكس داخلها تمامًا وقلبها الذي يكاد ان يتوقف من شدة الخوف فاسترسلت قائلة:
_على جثتي أني أخلي حد يقربلي أنتِ فاهمة.

أقتربت منها رهف والدمع اخذ يتسابق على وجنتيها وقالت بخفوت:
_ماتسبنيش ياقدر زي ماما.

أقتربت منهم وداد قائلة بفظاظة :
_لا بقولك إيه منك ليها، احنا مش هنفضل فالفيلم الهندي ده كتير، وأستدارت ناظرة للشاب الذي جاء مع سامح واسترسلت حديثها، بنبرة خالية من أي رحمة :
قرب ياعماد أمسك الكبيرة وأنا الصغيرة خلي الباشا ياخد البنت دي ونخلص.

وبالفعل اقترب المدعو عماد وقبض على رسغها بقوة ومال على أُذنها قائلاً بخفوت:
_الباشا ياخد صاحبتك وافضالك انا ياجميل.

صرخت وصال قائلة:
_بتقول إيه انت كمان ياحيوان انت والباشا بتاعك ده هتندموا صدقني.

تحدث سامح ببرود يناسب شخصيته:
_سامح المدكور مش بيتهدد ياحلوة، ولسة دورك جاي.

ووجه نظره إلى قدر واسترسل قائلًا:
_يلا ياجميل عشان يومنا طويل وشد على عضدها ليسحبها خلفه فعلى صراخ وصال وبكاء رهف.

صوت صفعة تردد صداها بالمكان وألجم ألسنتهم وهم يرون ذلك السامح متسع العينين ينظر لقدر بأعين أطل منها الغضب ولو كانت تخرج نيران لأحرقتها، بينما لا تعلم هي من أين أتتها تلك القوة فنفضت يدها من بين قبضته ورفعتها وهبطت به على وجهه، طال الصمت ثواني معدودة، حتى آتاهم صوت طرقات قوية على باب الشقة التي كانت النجاة للفتيات.

تحدث سامح ومازالت أعينه على فريسته قائلاً:
_أنتي مستنية حد ياوداد.

انتفضت وداد قائلة:
_لا ياخويا، وانا هستنى مين يعني.

“أفتحي ” هكذا استمعت إلى صوته الخالي من أي مشاعر.
تركت وداد يد وصال وهي تخطو للأمام وقالت:
_أتخبى في اي مكان ياسامح بيه، ونظرت للفتيات قائلة بتهديد:
_لو سمعت صوت واحدة فيكم هشوهلها وشها الحلو ده.

بالفعل امتثل سامح لأمرها وتوجه هو وعماد إلى المطبخ للأختباء وتقدمت وصال أمسكت بيد رهف ووقفوا بجانب قدر الساكنة بمكانها.

قامت وداد بفتح الباب لتجد شاباً واقفًا ولم يكن غير محمد الذي هتف قائلاً:
ست وداد، ست وداد في مباحث واقفة تحت قدام العمارة أنا سمعتهم بيتكلموا فالتليفون.

انقبض قلب وداد وقالت:
_كلام اي ده ياواد، انا حتى أول مرة أشوفك هنا.

ابتلع محمد ريقه خوفاً من فشل خطته وقال:
_انا ساكن فالشارع اللي ورا ومتابعك وعارف كل حاجه عنك،استرسل حديثه بغمزة واتمنى اكون ايدك اليمين وتبلي ريقي بحاجة من اللي عندك.

نظرت له بشك، فتابع قائلاً:
_لو مش مصدقاني بصي وشوفي بعينك انا نبهتك.
ألقى جملته وغادر من امامها منتظرا نتائج خطته التي يتمنى نجاحها.

توجهت هي سريعاً للشرفة فوجدت شابان ينظرون للأعلى فهرولت للخارج وهي تدب على صدرها قائلة:
_يامصيبتي ياسامح بيه في مباحث واقفة تحت قدام العمارة.

خرج سامح ومعه عماد وقال بوجه مقتضب وملامح لا تبشر بالخير:
_انا مش هتحرك غير والبنت دي معايا، لازم أدفعها تمن القلم ده غالي.

علا صوت وصال وهي تقول:
_دلوقتي ياست وداد هيبقا في ناس هتسمعنا لو صرخنا احسنل……
قاطعتهم وداد قائلة بتهديد :
_اخرسي لقطعلك لسانك ده يابت.
وتوجهت انظارها إلى سامح وادرفت بترجي:
_أبوس أيدك ياسامح بيه امشي من هنا، انا مش حمل مصايب تانية.

تحدث عماد لرب عمله قائلاً بتأييد:
_وداد عندها حق يباشا احنا لازم نمشي من هنا، كده انت بتوقع نفسك في مصايب أنت في غنى عنها.

كان يعلم انهم معهم كامل الحق فإن قُبض عليه سيتلوث أسمه وسيتضرر عمله خاصةً وانه رجل أعمال.

فغمغم قائلاً ومازال نظره معلقاً على قدر:
_هنمشي ياوداد هنمشي.
وبالفعل مر من أمامهم وخرج هو وعماد صافعًا
الباب خلفه بحدة انتفض على أثرها جسد قدر.

توجهت وصال للداخل جاذبة حقائبهم تحت انظار وداد التي تحدثت ما أن رأتها:
_على فين العزم هو دخول الحمام زي خروجه.

رفعت وصال سبابتها بوجهها وقالت بتهديد:
_والله العظيم لو سمعت صوتك لكون مصوتة، وان مجاش حد على صوتي هخنقك بأيدي دي واريح العالم منك.

صرخت وداد بهم قائلة:
_أطلعوا برة بيتي يلا برة.

غادروا الفتيات العمارة تحت انظار الشباب الذين كانوا بسيارتهم فأسعدهم نجاح خطتهم.

وللمرة الثانية يتلقون ضـ,ـربة من الحياة، فالطريق صعب المسير، وخاصةً أن لم تكن تعرف أين وجهتك.. فتهيمُ هائمًا على وجهك في الطرقات دون سبيل.
✍🏻هدير ممدوح

لا يعلمون كم من الوقت مر، ولكن الصمت كان رفيقهم.
حتى قاطعه صوت وصال التي قالت بخفوت وندم:
_انا أسفة ياقدر، بسببي عشتي يوم من أسوأ أيام حياتك.

وقفت قدر مكانها وناظرتها بأعين إرتسم بها الغضب والقهر وتحدثت بحدة قائلة:
_قولتلك الست دي مش مظبوطة بلاش نقعد هنا، شوفتي إيه اللي حصل.

وصال بندم:
_انا أسفة ياقدر حقك عليا،أنا بس قلت اهو مكان يحمينا….

لا تعرف كيف خرج صوتها بكل هذه القوة حين قالت بصوت ممزوج بالوجع:
_انا محدش حاسس بيا ياوصال أفهمي انا وصلت بيا ان الحل الأنسب هو الانتحار، وبعدها أرجع استغفر واقول سامحني يارب، الحكاية دايما غير الكل ما شايفها في جزء خفي جوة كل شخص فينا عن الكل.
انسابت دموعها على وجنتيها واسترسلت قائلة:
بنبقا عايشين في ضغط، خوف، قلق، بس بنبين الجزء القوي منا، بنحاول بكل قوتنا.

احتضنتها وصال اثر كلماتها التي مزقت قلبها ولم تستطع قول شيء سوى البكاء، ورهف تنظر إليهم باعين تتلألأ بها الدموع هي لاتفهم الكثير من حديثهم ولكنها تبكي لبكاء شقيقتها.

ألقت وصال بالصمت جانبًا واردفت قائلة ببكاء وهي مازالت تعانقها :
_متقوليش كده ياقدر أنا اتعودت عليكي قوية انتي الحيط اللي بتكي عليه وقت ضعفي وببقا واثقة انه عمره ما هيميل، أو هيجي يوم ويقع.

ابتسمت قدر ساخرة من وسط دموعها:
_وانا اتعمدت أظهر كده ياوصال بس أنا اضعف من ما تتخيلي.

أجابت وصال:
_والله دموعك بتنزل سكاكين على قلبي.

ألقت رهف بجسدها عليهم تحوطهم بيدها الصغيرة أسفل ظهرهم قائلة:
_خلاص بقا، انتو هتزعلوا من بعض؟

تركوا بعضهم وسحبت قدر شقيقتها تعانقها وبيدها الأخرى مسحت دموع وصال قائلة:
-بس أنا مش ببين ضعفي غير ليك زي ما انا سندك أنتي كمان سندي ياوصال قدر مش بتكون كاملة من غير وصال.

ابتسمت وصال قائلة بصوت متحشرج من اثر البكاء:
_ووصال كمان مش بتكون كاملة من غير قدر.

تحدثت رهف بطفولة عفوية:
_طب إيه رايكم تتجوزوا وكده نعيش كلنا مع بعض.
صدرت ضحكة من الفتيات فتذمرت رهف وقالت:
_من شوية كنتو قالبينها نكد ولما أنا اتكلمت بتضحكوا عليا.

تحدثت وصال بوجه فرح مبتسم:
_وكده تبقا رهف ضحكت وصال و قدر.

ابتسمت رهف برضا.

وقالت قدر بِحيرة وقلق غزا ملامحها:
_دلوقتي هنروح فين؟

الفصل الثامن

الغد، كل الخوف من الغد، الذى لا نعلم ما يحويه لنا، فبثواني معدودة تقلب الحياة موازينها وتأتي الرياح بما لا تشتهي السفن وتجد نفسك كالغريق فهذه الحياة تنتظر النجاة.

جالس أيمن بمكتبه بإرتياحية بعدما أخبره محمد بما حدث فطمئن قلبه على شقيقته وأوصاه بحمايتها زفر بعمق وهو يتذكر كيف أكتشف حقيقة زوجته..
أنتظرت الخادمة خروج أيمن من منزله وعندما رأته يغادر خرجت خلفه تنادي بأسمه فتوقف يستمع لها قائلاً:
_أيوة يا ثناء، في حاجة.
فغمغمت ثناء بتردد:
_يعلم ربنا انا بحب قد إيه آنسة وصال عشان كده هقولك باللي سمعته.
تنبه أيمن لحديثها وقال باهتمام:
_سامعك قولي
فأفصحت ثناء بارتباك:
الخادمة:
– امبارح بليل سمعت الست نجلاء بتكلم واحد أسمه أحمد بعتاه يدور على ست وصال عشان يمضيها غصبًا عنها تنازل بأسهمها فالشركة.
غلت الدماء في عروقه قهراً من أعمال زوجته وقال بوجه مقتضب:
_ثناء بعد كده عاوزك تراقبي نجلاء طول ماهي داخل البيت تمام.

كانت تنقل له أخبارها ومحادثتها مع أحمد حتى جاءت له بتلك الحقيقة الساحقة فتذكر حديثها عندما أتته بوجه مكفهر قائلة:
_أيمن بيه في حاجه سمعتها ومقدرتش اقولك على التليفون زي كل مرة وانت فشغلك.

انتفض ايمن من مجلسه وقال:
_سمعتي إيه يا ثناء، قولي حالاً، في حاجة حصلت لـ وصال.
هتفت ثناء سريعاً تطمئنه:
_لا، لا ست وصال بخير.
اطمئن قلبه وجلس مرة أخرى على الأريكة وهو يقول بصوت متعب:
_اومال في ايه بس يا ثناء.
تحدثت ثناء وأخرجت ما بجوفها دفعة واحدة:
_بصراحة كده الست نجلاء بتخونك مع واحد اسمه وائل سمعتها بتقوله ياحبيبي، وكمان زعقت معاه وقالت متنساش اني انا لعبت فراس ايمن عشان يستثمر فلوسه والناس اللي بعتها من ضمن لعبتي وأن احنا اللي نصبنا عليه تمام.

كان لحديثها ذلك وقع مرير على قلبه فأزدرد لعابه وهو يقول:
_روحي ياثناء على شغلك.
اشفقت العاملة على حالته وغادرت من أمامه.

خرج أيمن بعد هنيهة من شروده على صوت طرق على باب مكتبه فغمغم قائلاً:
_أدخل.
دلف شاب طويل نحيف الجسد ذات بشرة بيضاء معلقا برقبته id مكتوب عليه اسمه “وائل عبد المجيد”
تقدم وائل من ايمن وجلس أمامه فلم تكن تفصل بينهم غير طاولة المكتب، كان يود أيمن لو يقف ليهشم عظامه ولكنه أراد الانتقام منهم على طريقته ولأول مرة يحمد الله على عدم انجابه منها بأطفال.
للمرة الثانيه يخرجه وائل من شروده قائلاً:
_إيه يابرنس اللي شاغل بالك كده.

مال أيمن بجزعه على الطاولة وهو ينظر له بتحدي ظهر بعينه:
_مين طلب منك تقعد.
تعجب وائل من لهجته تلك وقال:
_مالك ياعمنا اظاهر ان في حد معكنن على مزاجك النهاردة، بس روق بالك كده، ده انا جايلك بحتة عرض إنما إيه هيكسبك ملايين.

عاد أيمن بجسده للوراء مستندا بظهره على كرسيه وقال بحده جعل الاخر ينتفض من مجلسه:
_أطلع برة.

وثب وائل واقفا وقال:
_في إيه يا أيمن انت مش على بعضك النهاردة ليه؟

زمجر أيمن بحدة قائلاً:
_أطلع برة يا وائل مش عاوز أشوف وشك.

جز وائل على أسنانه بغيظ وخرج من المكتب متوعدًا له بالأنتقام لأهانته تلك.

🌺🌺

يقفون أمام ذلك المنزل الذي تستطيع رؤية مساحته الكبيرة ، فكان يتميز بسور قصير من الخارج وبابٍ حديدي في منتصفه وأمامه تقف قدر ووصال وشاب بجانبهم وبيده حقيبة وصال، خطا للأمام وفتح الباب فدلفوا جميعهم للداخل ينظرون حولهم بإعجاب لتصميم هذا المنزل الذي محفوف من كلا جانبيه بحديقة تسلب الألباب من روعتها، تقدموا للأمام وصعدوا ثلاث درجات ليقابلهم باب أخر فطرق الشاب عدة مرات حتى أطلت عليهم أمرأة فالثلاثون من عمرها وقالت بأحترام:
_نورت ياعلاء بيه.
فأجابها وهو يمد له يده بالحقيبة:
_تسلمي يا ام نور، خدي الشنطة دي طلعيها على أوضة الضيوف.

حملت الحقيبة وغادرت من أمامهم فتحدث هو قائلاً:
_أتفضلوا
خطت أقدامهم للداخل وهو أمامهم حتى توقف جميعهم بمنتصف المنزل الذي كان يتميز بأثاث راقي، أستمعوا إلى صوت خطوات أحدهم فتقدمت منهم أمرأة واتجهت إلى الشاب تعانقه بشوق وتحدثت قائلة:
_نورت بيتك ياعلاء يابني.

فبدالها هو العناق قائلاً:
_بنورك ياست الكل.

ابتعدت عنه ونظرت إلى قدر ووصال تتفحصهم بنظرها وقالت بدهشة:
_مين دول ياعلاء.

_دول ضيوفي يا أمي هينورونا كام يوم.

أمتعض وجهها وقالت:
_أنت متعلمتش من الدرس الأول ولا إيه، جايب البنات دي ليه هنا.

علا صوت علاء الحاد قائلاً:
_قدر ووصال ورهف هيفضلوا معانا فترة، ومش عاوز مناقشة فالموضوع ده.

ردت امه بحنق وهي تناظرهم:
_ويا ترى جايين بأي مصيبة، ومصيرك معاهم يكون إيه.

كتم غضبه بداخله وقال :
_أمي ياريت نتناقش فالمكتب، وأستدار للفتيات قبل مغادرته وقال:
_أستريحوا لحد ما نيجي.

غادر من أمامهم الشاب والمرأة ولم يغفو عن نظراتها المشمئزة لهم، ارتمت وصال بجسدها على الأريكة وجلست رهف بجانبها وتحدثت قائلة:
_وادي أهو شخص كمان مش مرحب بوجودنا، مش عارفين أمتى هنرتاح من ده كله.

جلست قدر بجانبهم وقالت:
_لو رجعنا حياتنا هتدمر، بس على الأقل هنا أمان لينا.

تحدثت وصال:
_الحمدلله ان قدرنا نوصل لـ ملك وإلا مكناش هنعرف نعمل إيه، وشردت فيما حدث معهم.

“عودة إلي الوراء ”
هتفت وصال صائحة بملامح مبتهجة :
_الحمدلله ملك هتساعدنا، وقالت هتبعتلنا شاب اسمه علاء، هو اللي كان مسئول عن قضيتها.

ردت قدر تحمد ربنا وزينت ابتسامة ثغرها وقالت:
_وحشاني ملك جداً، اخر مرة شوفتها مع امتحان اخر العام فالكلية وبعدين نقلت على أسكندرية، حقيقي من الناس القريبة على قلبي.
ردت وصال قائلة:
_انا قلت لازم ألاقي شخص نكون واثقين فيه انا وأنتي، ولو ماكنتش مسافرة أكيد كُنا روحنا عندها، بس كويس خلينا وافقين منتظرين الشاب، انا وصفتلها المكان وقالت انه هيجي.

انتظروا لما يقارب النصف ساعة.
حتى اتت سيارة ووقفت بالقرب منهم فترجل منها شاب طويل، عريض المنكبين، ذات بشرة خمريه عينان بنية ضيقتين ذات انف غليظ بعض الشيء.
تحدثت وصال الذي أطل من أعينها الاعجاب:
_ينهار أبيض لو ده طلع علاء، طول بعرض إيه، استرسلت مازحة، ووقعت صريعة بهواه.

نكزتها قدر وقالت بنبرة حادة:
_غضي بصرك.
تقدم منهم الشاب قائلاً:
_أنسة قدر ووصال؟
اجابت قدر بخفوت:
_أيوة أحنا.
مد الشاب يده لها قائلاً:
_مع حضرتك المقدم علاء رفعت، أستاذة ملك كلمتني عن حضراتكم.
ارتبكت نبرة قدر قائلة:
_عُذراً مش بسلم على رجالة.
تحمحم بخجل وارجع يده بجانبه وقال وهو يأشر على سيارته:
_اتفضلوا، اركبوا هنروح على بيتي.

“بمكتب علاء ”

تعالت أصواتهم داخله فتحدثت والدته بحدة:
_مصيبة تانية يابني ليه بتعمل كده.

زفر بعمق محاولاً كظم غيظه قائلاً:
_يا أمي البنات دول وضعهم مختلف عن اللي كانت قبل، وبعدين تخيلي اخواتي البنات مكانهم ترضي ترميهم فا لشارع كده.

هتفت صائحة:
_وفين أهاليهم ها، وبعدين أنا بناتي مفيش مقارنة بينهم وبين اللي برة دول؛ انا بناتي متربين أحسن تربية، ومش هسمحلهم يباتوا في بيت حد غريب.

جذب علاء كفوف والدته ضاغطاً عليها برفق وتحدث:
_أمي، اوثقي فيا المرة دي، اوعدك أن مفيش حاجه هتتكرر، دول غير اللي قبلهم.

نفضت يداه مبتعدة عنه وقالت:
_على راحتك بس خليك فاكر، جملتي انت اللي هتتعب فالأخر.

رد بتريث:
_حاضر يا أمي، أتمنى تعامليهم كويس الفترة اللي هيقعدوا فيها.

حدجته بنظرات غاضبة متوجهة إلى الخارج
فأردف قائلاً قبل خروجها:
_بلغي أم نور تعملي فنجان قهوة، وتبعتلي البنات على هنا.
لم ترد على حديثه بل ذهبت دون أن تنبس ببنت شفة.

بعد قليل دلفت العاملة وبيدها كوب القهوة ومن خلفها الفتيات، وكان يجلس هو خلف طاولة مكتبه العريضة وأمامه كرسيان، وضعت العاملة الكوب اعلى الطاولة وقالت:
_تأمر بحاجة تانية يا علاء بيه

_لا روحي انتي يا أم نور، بس خدي الأمورة الصغيرة دي معاكي هاتيلها شكولاتة.
تحدثت قدر لشقيقتها:
_روحي يارهف مع طنط.
فذهبت الصغيرة مع العاملة دون التفوه بشيء
تحدث علاء مؤشراً لهم:
_اتفضلوا أرتاحوا.
جلست قدر وامامها ووصال.

فمال بجزعه للأمام سانداً مرفقيه على الطاولة وقال بصوتٍ رخيم:
_مين فيكم قدر.
“أنا ” هكذا خرجت الكلمة من جوفها، فقال وهو يحدجها بنظراتٍ غامضة:
_مفهمتش من ملك كتير، بس قالت ان زوج والدتك بيتحرش بيكي.

شعرت قدر بالإحراج، فتحدثت وصال بدلاً عنها فهي تعلم مدى حساسية صديقتها من هذا الموضوع:
_ايوة فعلاً يا استاذ علاء.
حدجها بنظرات باردة وقال:
_أظن الحديث مكنش متوجه ليكي يا انسة وصال.
إغتاظت الفتيات من ردهوالفظ.. فقالت قدر:
_هو احنا فتحقيق.

أجابها وهو ينقل بصره إليها:
_لو حابة تعتبريه كده أعتبريه.

هتفت وصال صائحة:
_حضرتك بتتكلم ليه كده معانا، وبعدين أنا رديت عشان عارفة حالة قدر.

انفعل علاء قائلاً بغضب وتحدث بنظرات ثاقبة على قدر:
_انتي مش محامي الدفاع عنها يا انسة، وهي مش طفلة صغيرة، هي هنا ضحية لراجل قذر بيحاول يرضي رغباته القذرة ، نظرة الخوف والضعف وقلة الثقة اللي قادر أشوفها في عيونها وحركتها؛ عايزها تتمحي، هي مش مجرمة تمام.
تفهمت وصال فعلته ولكن هتفت قدر بصوتاً حاد:
_انا مش ضعيفة ولا خايفة من حاجة واقدر اعتمد على نفسي.

_لو قادرة تعتمدي على نفسك مكنتيش هربتي. هكذا خرجت الكلمات من جوفه.

فوثبت قدر قائمة وقالت بتحدي :
_لو وجودنا هنا مش مرحب بيه فأحنا نمشي فوراً وكادت ان تخطو ومعها وصال فأفزعهم صوته الذي علا فجأة:
_أستني عندك
أوقفها هادرًا بمجرد ان تحركت أقدامهم واسترسل قائلاً:
_غلطك ان كل مشكله بتقابليها بالهروب وده مش حل.

استدارت له قائلة:
_انت عاوز ايه بالظبط، هو المفروض كنت اقعد هناك واستنى اما أخسر شرفي.

قال علاء برفق:
_لا يا انسة قدر، كله اللي انا عاوزه أنك تكوني قوية أنتي مش مذنبة عشان تتوتري فوراً وتخافي، ودلوقتي اتمني تقعدوا ونتكلم بهدوء… تبادلوا الفتيات النظر قليلاً وجلسوا مرةً أخرى.

……………..

ترجلت نجلاء من سيارتها أمام منزل بسيط في إحدى الاحياء وكان برفقتها أحمد الذي قال:
أهو ياستي ده بيت إسلام، اللي قاعد معاه سيد، المهم بعد التعب ده كله أنا هاخد فلوسي أمتى.
نجلاء بأمتعاض:
_جرا إيه يا احمد مش قادر تصبر نخلص الحوار ده وبعدين نشوف موضوعك.
قالت جملتها وهي تخطو أمامه وطرقت عدة مرات على المنزل، فتحدث هو:
_متعودتش حد يتجاهلني كده بس هعديها.

أجابته بفظاظة وهي تطرق الباب:
_من هنا ورايح اتعود على كده.

انفتح باب المنزل وطل منه سيد الذي نظر لها يتفحصها وسرعان ما قال:
_إيه اللي جايبك ياست أنتي.

إجابته هي بلامبالاه:
_مش هتقولنا أتفضلوا ولا إيه

سيد: عاوزة إيه أخلصي معنديش وقت.

تحدثت هي ببرود:
_جاية اقولك ابعد قدر عن وصال.

قهقه هو ساخراً وقال:
_أنتي فاكرة لعبتك دي هتمشي عليا، انا عارف كويس ان قدر هي اللي بعتاكي.

امتعض وجهها وقالت بحدة:
_قدر مين دي اللي تبعتني انت اتجننت ياراجل أنت.

احتدت نبرت سيد قائلاً:
_أمشي من قدامي البيت أحسنلك.

هدئت نبرتها قليلاً واردفت:
_مش همشي من هنا قبل ما اتفق معاك، ابعد قدر عن طريق وصال.

هدر قائلاً:
_مش لما أبقا عارف مكانها الأول.

غمغمت قائلة:
_أنا هعرف مكانها وهبلغك بيه وانت فوراً هتروح تخدها ونخلص، المهم تبعدها من طريقي.

عقد حاجبيه وقال:
_وانتي إيه اللي بينك وبين قدر .

اجابت بنبرة باردة:
_ولا حاجة، انا ووصال في بينا حساب، ومش هيتصفى غير لما قدر تبعد عنها.

صمت سيد قليلاً يفكر بحديثها وكل هذا حدث تحت أنظار أحمد الغير مبالي بشيء فأردف سيد:
_موافق.
أبتسمت بمكر وتابعت وهي تمد يدها له بهاتفها وقالت:
_أكتب رقمك هنا،وانا هبلغك بمكانها في أسرع وقت.

“في مكتب علاء”

علا زفيره غاضباً وألقى ما على الطاولة أثر نوبة غضبه، وهو يتذكر كيف كانت تسرد له مضايقات المدعو سيد لها، وكيف تنجي من براثنه كل مرة، ولما يغفى عن ملامح وجهها التي كانت تتغير من الخوف إلى الخجل، والحزن والتوتر.

تحدث صائحا بغضب وهو يسند بكفيه على الطاولة:
_حيوان، حيوان، وديني ما سايبك.
هدئت أنفاسه قليلاً:
_فأخرج هاتفه من جيب بنطاله وضغط عدة مرات ليضعه على أذنه منتظراً ردًا من الجهة الأخرى..
_الو علاء باشا، عاش من سمع صوتك يا أخي.

هتف علاء سريعاً:
_انت فالقاهرة ياهشام.
رد هشام:
_أيوة ياعم قلقتني في حاجة معاك ولا إيه.

أجاب علاء بغموض:
_ عاوزك في خدمة.

🥀🥀

كانت جالسة على الفراش بغرفة الضيوف وبجانبها شقيقتها نائمة…بعد سردها ما حدث معها لعلاء تذكرت تلك الذكرى المؤلمة، بالأصل هي لم تنساها أبداً، حين خرجت والدتها ذات يوم من المنزل وظنت بأنها بأمان لانه كان بعمله ولكنها تفاجئت بمجيئه باكراً.. كانت جالسة أعلى الاريكة تشاهد إحدى الأفلام المفضلة لديها ولكنها استشعرت انفاس حارقة تضـ,ـرب عنقها فأنتفضت تنظر خلفها لتجد كابوسها المرعب، وثبت واقفة عازمة على المغادرة فتفاجئت به يجذبها من معصمها وكانت تحول بينهم الأريكة خرج صوتها المرتجف قائلة:
_سيب ايدي يا عمو سيد مينفعش كده.
ابتسم ساخراً وهو يقول:
_عمو إيه بقا، قوليلي ياحبيبي، نفسي أسمعها منك.
حاولت نزع يدها من قبضته المحكمة عليها ولم تستطع بينما مر هو ليقف أمامها مباشرة لايفصل بينهم شيء فتفاجئت بسحبه لها ودفعها على الحائط وكمم فمها بكفه الضخم وقال:
_لو سمعت صوتك الحلو ده طلع هزعلك.
حاولت مقاومته بكل قوتها لتفك حصاره، وهبطت دموعها وما كاد ان يقترب منها حتى استمع إلى صوت باب المنزل يفتح.

تساقطت دموعها دون ان تشعر، فأنتزعتها وصال من شرودها وهي تربت على كتفها، وقالت:
-قومي ياقدر ياحبيبتي خديلك شاور كده ينعش جسمك واتوضي عشان تصلي، وامسحي دموعك دي، واهو الضابط علاء معانا ووعدك هيجبلك حقك.
هزت قدر رأسها دون ان تنطق ببنت شفة، متوجهة إلى المرحاض الملحق بالغرفة.

سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم 🌼

عاد أيمن من عمله وصعد إلى غرفته دون إعطاء اي انتباه لزوجته التي تنادي بأسمه وتلاحقه.
دلف لغرفة نومه وهي خلفه فاستمع إلى صوتها الغاضب:
_أنا مش بنده يا ايمن مالك كده من يوم ما وصال ما مشيت وانت متغير عليا هو في إيه بالظبط.
ألقى بجاكت بدلته على الفراش واخرج مفاتيحه وهاتفه من جيبه ووضعهم أعلى الطاولة التي كانت تتوسط الغرفة وتوجه إلى خزانه الملابس يخرج ثياب بيتية مريحة، ولم يعبئ لها على الإطلاق.
فجزت هي على اسنانها بغيظ منه وقالت:
_هو أنا كلبة يا ايمن عشان بكلمك ومش معبرني

اجابها ساخراً وهو يجلس على فراشه نازعًا حذائه وقال:
_لا، بس الكلبة أحسن وأوفى منك.
صدمت من حديثه لتقول:
_أنت تقصد إيه
للمرة الثانية لم يعيرها اي انتباه بل أخذ ملابسه متوجهاً للمرحاض ناظراً لها بإبتسامة استفزتها.. فسبته بعدما غادر من أمامها وقالت بحنق:
_داهية تاخدك.

واتجهت للطاولة وجذبت هاتفه وقامت بفتحه لتبحث عن شخص يدعو محمد فهذا الاسم الذي استمعت له، اخذت تبحث بالأرقام لتقوم بإرسال رسالة لها كان مضمونها “محمد ابعتلي عنوان وصال”، ولم يخب ظنها عندما استجاب لها المدعو محمد وقام بإرسال العنوان فحفظته وقامت بحذف الرسائل ووضعت الهاتف مكانه.

خرجت قدر من المرحاض لتتفاجي بـشهقات وصال العالية ودموعها المنهمرة، فهرولت إليها سريعاً قائلة:
_وصال فيه إيه مالك.

تحدثت وصال بصوت ممزوج بالبكـ,ـاء ومدت يدها لها بالهاتف الذي كان بين كفها وقالت بخفوت:
_خطب.
عقدت قدر حاجبيها بتعجب ونظرت للهاتف لتجده يضيئ على مقطع فيديو يجمع شخصان يتبادلان الخواتم فتنهدت قدر قائلة:
_تاني ياوصال، تاني، قولتلك من الأول متعلقيش قلبك بالشخص ده انتي طالبة وهو دكتورك فالجامعة .

زادت شهقات وصال قائلة:
_انتي مش قادرة تحسي بيا، انا قلبي واجعني أوي.
هتفت وصال قائلة وهي تزيح دموعها :
_صدقيني ده مجرد إعجاب من ناحيتك لشخص منبهرة بشخصيته وده خير ليكي كل الخير صدقيني ياحبيبتي.

ابتلعت وصال غصة بصدرها قائلة:
_سيبيني ياقدر، عاوزة اقعد لوحدي.
جلست قدر بجانبها على الأريكة وحاوطتها بيدها قائلة:
_أنا عمري ماهسيبك وانتي فالحالة دي.

ظلت وصال بضع ثواني بحـ,ـضن صديقتها ورفعت رأسها قائلة:
_هو ممكن الخطوبة متكملش ويبقا من نصيبي أنا صح.

كادت قدر ان ترد عليها، فتفاجئت بفتح الباب عليهم ودلوف فتاة بيضاء البشرة، بأعين خضراء ولكن يبدو انها بعقدها الثلاثون
أردفت الفتاة قائلة:
_أسفة لدخولي بالطريقة دي، انا أميرة أخت علاء، لما عرفت ان عندنا ضيوف قلت أجي اتعرف عليكم، وسمعت حديثكم بالصدفة.

أجابت قدر وقد أرتسمت ابتسامة على ثغرها:
_أهلًا بحضرتك.
جلست بجانبهم قائلة:
_حبيت زميلي فالجامعة، ودايماً كنت بحس بشعور متبادل، فضلت أدعي واقول يارب يطلع بيحبني ونتجوز وربنا استجاب.

انشرح صدر وصال قليلاً وشعاع أمل تسلل لقلبها ولكن لم يدم كثيراً حتى استرسلت اميرة حديثها قائلة:
_واتجوزنا فعلاً ورُزقت بأجمل حاجة فالدنيا بنتي جوري، وبعد كده معاملته اتغيرت جداً وابتدا يواجهني، ويقولي انه بيحب بنت خالته وعاوز يطلقني وعشت أسوأ أيام حياتي ما بين ضـ,ـرب وإهـ,ـانة، مقدرتش استحمل وبلغت علاء فرت دمعة دون إرادة منها فأزاحتها سريعاً وتابعت.. واطلقت وانا عمري 25سنة ودلوقتي انا30 وجوري 5سنوات هعرفكم عليها بكرة لأنها نامت دلوقتي.

تأثروا الفتيات بحديثها، فحين أستطردت هي قائلة:
_مش كل اللي بنتمناه خير ياوصال، انا كنت مفكرة لو متجوزتش من ياسر حياتي هتقف ومش هقدر اكمل، بس أهو قدامكم انا بخير وبقيت أقوى.

أزاحت وصال دموعها التي لم تجف بعد وقد فهمت الرسالة ونظرت لها مبتسمة وقالت:
_شكرا يا أميرة.

بدالتها أميرة الإبتسامة وقالت:
_انا ما صدقت ان عندنا ضيوف يلا نتعرف واحكولي كل حاجة عنكم .

وظل الفتيات يتسامرون عن حياتهم على أمل ان يأتي الغد محملاً بـ الأفراح.

دقت الساعة التاسعة صباحاً والفتيات بغرفتهم مستيقظون، جالسون في حيرةً من أمرهم لا يعلموا هل يهبطوا للأسفل، ام يظلوا بالغرفة، قاطع شرودهم صوت طرقات على الباب، لتتقدم وصاله منه تفتحه فتجد أميرة فنظرت لها باسمة.
فتحدثت الأخرى قائلة وهي تنظر لهيئتهم:
_صباح الخير يا بنات بما انكم جاهزين تعالوا يلا ننزل نفطر.
ناظروها الفتيات بحرج فتفهمت هي قائلة:
_يلا بقا حتى عشان الأمورة الصغيرة دي.

لحقوا بها الفتيات بعد إصرارها فوقفوا أمام طاولة كبيرة عليها بعض من الأطعمة وتترأسها والدة علاء فقط، التي امتعض وجهها عند رؤيتهم وقالت بتهكم:
_إيه يا أميرة من أمتى وأجنا بنجيب الغريب يقعد معانا على الفطور، لو عاوزين يفطروا دخليهم جوة المطبخ مع الخدم.

أبتلعوا الفتيات تلك الإهانة ومالت قدر على أذن وصال وقالت:
_انا مش هقعد فالبيت ده ثانيه واحدة بعد الإهانة دي.
أيدت وصال رأيها عازمين على العودة لأخذ أغراضهم والمغادرة.

حتى آتاهم صوت علاء من الخلف يتقدم نحوهم:
_إيه يا أمي من أمتى واحنا بنهين ضيوفنا ونعاملهم بالطريقة دي.

ردت قدر عليه قائلة:
_بعد إذن حضرتك يا علاء بيه احنا هنا مش عشان نعمل مشاكل بينك وبين الست الوالدة فوراً هنمشي من هنا.

حدجها علاء بنظراته وقال:
_أنتي أمي
“نعم” هكذا خرجت الأحرف من جوفها متعجبة… فقال هو:
_موجهتش كلامي ليكي.
وعاد بنظره إلى والدته وهتف بحدة:
_اللي يهين ضيوفي يبقا بيهني أنا كمان، ولو قدر ووصال مشيوا من البيت ده، يبقا أنا كمان ماليش قعاد فيه، وياريت منخليش اي ماضي يأثر علينا مفهوم.
أجابت أميرة:
_مفهوم يا علاء، وبعدين انت عارف ان ماما متقصد…..
كادت ان تكمل حديثها ليهتف هو:
_من غير مبررات، اتمنى يكون كلامي اتوضح للجميع.

وثبت والدته قائمة بعدما حدجته بنظرات عاتبة، فلم يبالي لها.
فقالت أميرة للفتيات:
_يلا يابنات أنتو لسة واقفين ليه اقعدوا، ناكل سوا.
تبدلت نبرة علاء وقال بلين:
_يلا يابنات اقعدوا افطروا.
مالت قدر مرة أخرى على أذن وصال وقالت:
_ده ملبوس ولا ايه.

فأجابتها وصال قائلة بمرح :
_اسكتي بس، ياخراشي عليه وهو بيزعق قمر ياولاد.
فوكزتها قدر قائلة:
_اللي يشوفك دلوقتي، ما يشوفكيش امباح وانتي فالقة نفسك من العياط على دكر بط .

قاطع همسهم صوت أميرة قائله:
_إيه يا علاء مش هتفطر معانا.

فأجابها هو:
لا، ورايا شغل ضروري لازم امشي.
وبالفعل غادر علاء من أمامهم، وجلسوا الفتيات يتناولوا بعض اللقمات فقالت أميرة:
_اتمنى متزعلوش من ماما،أصل خايفة على علاء ليتكرر معاه نفس اللي حصل قبل كده.

قالت وصال بفضول:
_وإيه اللي حصل معاه قبل كده؟!

نفت اميرة قائلة:
_حاجة مش مهمة يعني، المهم إيه رأيكم بعد الفطار نروح المول نجيب شوية حاجات وكمان قدر تشتري لبس ليها ولأختها لأن ملاحظة انه مالحقتش تجيب هدوم.

ردت وصال قائلة:
_تمام معاكي.
وهزت قدر رأسها بنعم.

بعد قليل من الوقت كانوا الفتيات يختارون ملابس لهم بعناية فأخذت قدر دريس بلون الأبيض به بعض النقوش الملونة ودلفت لـ لبروڤا لقياسه،والفتيات بقسم ملابس الاطفال ينتقون إحدى البلوزات لرهف .

مر اكثر من خمسة عشر دقيقة ومازالت قدر بالداخل فتحدثت أميرة :
_هي قدر طولت كده ليه.

فقالت وصال٠:
_ مش عارفه انا قلقت عليها، خليكي أنتي مع رهف وأنا هروح أشوفها.
هزت أميرة رأسها بنعم، وتوجهت وصال لقسم الملابس التي به قدر، وجدت العاملة أمامها فقالت:
_لو سمحتي هي الانسة اللي جات معانا لسة مطلعتش من البروڤا.

أجابتها الأخرى:
_معرفش الحقيقة انا انشغلت مع الزباين،بس المتأكدة منه أنها مفيش جوة لأن فيه زبونة يلا داخلة.

انقبض قلب وصال خوفاً على صديقتها وغادرت تبحث بالأقسام الجانبية فلم تجدها رجعت للقسم الذي به أميرة ورهف وقالت وهي تلتقط انفاسها:
_دورت على قدر فكل مكان مفيش ليها أي أثر.

صدمت اميرة من حديثها وأردفت:
_هيكون راحت فين يعني، أكيد هتكون هنا.

تلألأ الدمع بأعين وصال قائلة:
_انا خايفة، معقول يكون سيد وصلنّا، وقدر يخطـ,ـفها…..

الفصل التاسع

والندوب بقلوبهم لا تشفي أبدًا بل تشاطرهم، وتظلُ الأحزان حية معهم.

واقفون يشاهدون تسجيلات الكاميرا بذلك المول وعلاء معهم الذي جاء فور معرفته بالأمر

يصبون كامل نظراتهم على ذاك المقطع الذي جاء بقدر تتحدث معهم، فرمقهم علاء قائلاً:
_بتقولكم ايه هنا.

ردت شقيقته قائلة:
_قالت أدخل هقيس دي وانتي ياوصال روحي مع رهف لقسم الأطفال نقيلها حاجة عشان نكسب وقت، وانا قولت اني هروح مع وصال بس.

صب نظره مرة أخرى أمامه فشاهد مغادرة الفتيات ودخول قدر لقياس قطعة الملابس.
ولم يدم بضع دقائق حتى خرجت أمرأتين يرتدين النقاب الساتر لوجههن و إحدهن تسند الأخرى اللي تبدو كالمتغيبة.

هتفت وصال قائلة:
_إيه اللي بيحصل ده، مش قدر هي اللي كانت جوة مين دول.

بسط علاء كفه أمام وجهها وصاح قائلاً:
_اسكتي، نفهم الباقي.

لم تعِر وصال لحديثه أدنى إنتباه بل نظرت مرة أخرى تشاهد القادم، فوجدوا العاملة منشغلة مع إحدى الزبائن، وخرجت المرأتين من الباب الزجاجي ليجدوا شاب أخر منتظرهم بكرسي متحرك ، ووضعوا عليه المرأة المتغيبة عن الوعي.

هدر علاء قائلاً:
_أنا كده فهمت كل حاجه..
وتابع بغضب تفاقم بين جوانحه
: بس اللي مش قادر أفهمه ازاي تسبوها لوحدها.
ردت أميرة قائلة:
_احنا مكناش نعرف ان ده اللي هيحصل.
غمغم هو بحنق:
_واهو حصل.

امتعض وجه وصال وهتفت :
_اللي حصل، حصل هنعمل ايه دلوقتي.

أجابها علاء:
_لا انتو مش هتعملوا حاجة أنا اللي هعمل.

صوت بكاء طفولي صدر بجانبهم ولم يكن غير لرهف التي تمتمت بخوف على شقيقتها قائلة:
_هو كده قدر مش هترجع تاني ومش هشوفها زي بابا وماما؟
مال علاء بجزعه واضعًا كفيه على كتفيها وقال بنبرة لينة:
_امسحي دموعك، مش عاوزك تخافي من حاجه، واوعدك قدر هترجع تاني.

نظرت له رهف قائلة:
_طيب رجعهالي بسرعة عشان أنا خايفة من غيرها.
هز علاء رأسه ونزع يده من عليها وقال مغادرًا:
_السواق برة أرجعوا على البيت فوراً.
وغادر دون أن يستمع لردهن.

……………..

خوفٍ عظيم دب في بدن قدر، هي لا تعلم أين هي، كل ما تراه هو ظلاماً حالك، يلفها من كل جانب؛ أثر القماش المغطي عيناها، أستمعت لصوت خطوات تتقدم منها و شعرت بيد احدهم ينزع القماش من أعينها فأرتجفت وارتعدت أطرافها وخفق قلبها بقوةٍ وعنف وترقرقت الدموع بعينيها، انقشعت الغشاوة من أعينها ، ورفعت نظرها بوجه الرجل وقالت بجزع بعدما تعرفت عليه:
_انت؟!

“أطلع أنت ياعماد دلوقتي”
أتاها هذا الصوت البغيض، وانتظرت ان يتنحى عماد جانباً، فكان واقفًا أمامها يمنع عنها رؤية من خلفه، فأتسعت عينيها بصدمة وتأكدت من ظنونها وتفوهت بأعين متسعة:
أنت عاوز مني إيه،وازاي قدرت توصلي؟

وثب قائمًا من أعلى كرسيه وتقدم بخطاه نحوها ووضع كفه يفك الحبال التي ألتفت على يداها وقال وهو يأخذ نفس عميق:
_انتي هنا عشان أنا عاوز كده.

فصاحت هي غاضبة:
_يعني إيه كلامك ده؟!
فك وثاق يدها ولم يتفوه بشيء، فاستقامت هي واقفة وقالت:
_انا بعمل إيه هنا، وأنت عاوز مني إيه.

عقد ساعديه أمام صدره قائلاً:
_دخلتي مزاجي، وسامح مدكور مفيش حاجه بيعوزها إلا ما بياخدها.

حاولت ان تخرج صوتها هادئٍ لتقول:
_لو سمحت سيبني أمشي من هنا أنا مفيش بيني وبينك حاجة، ووجودنا عند اللي اسمها وداد دي كان صدفة، انا مش زي البنات اللي بتجيبهم.

_ عارف، واقعدي مكانك.

انصاعت لكلماته وجلست ليأتي هو بكرسيه ويجلس أمامها مباشرةً.

تحدثت هي مرة أخرى قائلة :
-أنت عايز إيه.

رد هو بوقاحة:
-عايزك.

أحتل الذعر ملامح وجهها وقالت:
_لو حاولت تقرب مني، صدقني مش هتردد ثانية اقتـ,ــ,ـل نفسي.

لتنصدم من جملته عندما قال:
-انتي هنا هتكوني مراتي، مرات سامح المدكور.

فهتفت قائلة:
_بتقول إيه ياجدع أنت، مرات إيه دي.

وثب سامح فجأة ومال بجزعه عليها مستندًا بيده على أيدي الكرسي الخشبية، فعادت هي للوارء كرد فعل منها.. ضيق عينيه وتبسم بمكر قائلاً:
_اللي مش هاخده منك بالحلال، هاخده في الحرام، والقرار ليكي.

أغمضت قدر عينيها بقوة وتساقطت دموعها تلهب وجنتيها، لقد عاد القدر ليلطمها بشدة بطامة أخرى ستقتص من روحها، وخوفٍ عظيم دب ثنايا قلبها، عاد هو جالساً على كرسيه وقال بنبرة باردة:
_الورق جاهز، ناقص بس أمضتك ياعروسة.

خرجت الأحرف من جوفها مرتجفة قائلة:
_سيبلي وقت أفكر.

قهقه هو ساخراً ليقول:
_وماله يا عروسة هسيبلك وقت، بس أعرفي أنك مش هتقدري تهربي من هنا الأفضل ليكي توافقي.
ألقى كلماته تلك وغادر صافعًا الباب خلفه، فانتفضت هي باكية.

“عند علاء ”

جالساً على مكتبه في قسم الشرطة يشاهد باقي تسجيلات الكاميرا الذي استطاع الحصول عليها من المول، ليشاهدهم، وهم يضعوها بداخل السيارة وما ان تحركت حتى استطاع رؤية أرقامها من الخلف ليسجلها هو،
وصوت طرقات على الباب قاطعت ما يفعله، فهتف :
-أدخل
دلف شاب بزي رسمي وأدى التحية العسكرية وقال بأحترام:
-تحت أمرك ياعلاء بيه.

فقال علاء برسمية:
_خد يابني رقم العربيه ده عاوزك تتابع كل تحركاتها وتعرفلي هي فين.

أخذ الشاب منه الورقة وغادر المكتب، فجلس هو متكأً بظهره على كرسيه، علا رنين هاتفه فجذبه من أعلى الطاولة، وتلقى المكالمة.
تحدث بصوتٍ أجش:
_ألو ياهشام
هشام:
_ايوة ياعلاء، الراجل اللي أنت كلفتني بمراقبته هو دلوقتي نزل اسكندرية.

أغمض علاء عينيه وأخذ نفسٍ عميق وقال:
_تمام يا هشام، تمام، هو كده جه لقضاه.

تحدث هشام:
_اول ما عرف قعد فين بالظبط هبلغك، أنا عينت واحد يكون وراه، ويعرف كل تحركاته.

علاء:
_تسلم ياهشام معروفك ده مش هنساه.

هشام بمرح:
_لا معروف ولا حاجة، ولو عاوز ترده يبقا اول ما انزل أسكندريه تعزمني على الغدا ياسيدي واتردت اهي.

ابتسم علاء قائلاً:
_طبعاً ده أنت تنور
هشام:
_طيب يا حبيبي السلام عليكم ، معطلكش أنا.
رد علاء السلام وانهى المكالمه و ألقى هاتفه على الطاولة بعشوائية.

عند قدر، كفكفت دموعها ووثبت قائمة ليجذب نظرها تلك الغرفة الراقية وألوانها المتناسقة الجميلة وأثاثها الفاخر ، أقتربت من الفراش وتمددت عليه، حتى آتاها صوت طرقات على الباب، فسمحت للطارق بالدخول، فدلفت أمرأة في ريعان شبابها تحمل صينية عليها بعض من أصناف الطعام فأقتربت تضعها أعلى الطاولة الصغيرة التي كانت تتواجد أمام الأريكة وقالت:
_سامح بيه بيقولك كلي كويس، ياهانم.

احتدت نبرة قدر قائلة:
_مش عاوزة حاجة تقدري تاخدي الأكل ده وتمشي.

اجابت العاملة:
_كل الأوامر اللي عندي أني أسيبلك الأكل وامشي، عن إذنك ياهانم.. ألقت جملتها تلك وغادرت.
فزفرت قدر برفق وتمددت مرة أخرى على الفراش.

وعلى القرب من غرفة قدر دلفت العاملة لغرفةٍ أخرى، بعدما أستاذنت للدخول فقالت بتريث:
_سامح بيه، الأكل وصل للهانم.

كان واقفًا ينظر للأسفل من نافذة غرفته ويوليها ظهره وتحدث قائلاً:
_قالت حاجة.

ردت العاملة:
_اتعصبت وقالت أنها مش عاوزة حاجة

استدار هو وقال:
_تمام، روحي أنتي دلوقتي وشوية وابقي اطلعي شوفيها، كلت ولا لأ.
_تحت أمرك ياسامح بيه.

غادرت العاملة الغرفة ليتذكر هو ما حدث حتى جاء بها إلي هنا.

“عودة إلى الوراء”
بعد مغادرته من عند وداد كان في طريقه ليعوده لمنزله فتحدث قائلاً:
_عماد، اقف على جمب عاوزك تعرفيلي البنات اللي عند وداد هيرحوا فين خليك وراهم.

انصاع المدعو عماد لأوامره، فهبط من السيارة عائدًا إلى حيث أمره رب عمله، كان معه على اتصال دائم، فأخبره انهم تحدثوا مع صديقة لهم يطلبون منها المساعدة، فبعثت لهم بشاب أقلهم، وظل هو خلفهم حتى جاء اليوم الثاني.

فقام بالاتصال به وهو يراهم مغادرين المنزل مع إحدى الفتيات.

عماد:
_الو ياسامح بيه، البنات دلوقتي خارجين مع واحدة تانية، وحاليا وقفوا قدام المول.

فأتاه الرد من سامح قائلاً:
_دي فرصتك ياعماد، عاوزك تخطـ,ـف قدر وتجيبها لحد البيت.
_تحت أمرك يا سامح بيه.
انهى معه المكالمة، ليقوم بمهاتفة صديقه لمـ,ـساعدته ، فلم يمضي كثيراً حتى جاء شاب وقاموا بتنفيذ خطتهم لأخـ,ـتطاف قدر.

سبحان الله وبحمده 🌼 سبحان الله العظيم

تائهة وحيدة هي دون صديقتها ولو فتحت صدرها لو جدت قلبها يصر؟؟؟خ ألـ,ـماً، على فراقها؛ فالصديق للصديق وطن، ان غاب الأخر، تلفك الغربة من كل جانب.

جالسة وصال وعينيها غرقتان بنهر من الدمع وبجانبها أميرة تربت على كتفها برفق، وقالت:
_مفيش داعي للخو…….ف ده كله ياوصال ان شاء الله هترجع.

حدجتها وصال بنظرات عاتبة واردفت بصوت متحشرج أثر البكاء:
_يعني إيه مفيش داعي للخوف يا أميرة قدر، مش صحبتي وبس لا هي كمان أختي ،وأظن لو كان عندي أخت كنت هحب قدر أكتر.
وارتفعت شهقاتها واسترسلت وهي تضع وجهها بين كفيها:
_قدر بالنسبالي كل حاجة هي جنتي على الدنيا.

تلألأ الدمع بأعين أميرة وقالت بنبرة نادمة:
_أنا أسفة يا وصال، حقيقي مش قصدي، أنا بس كنت عاوزة أهديكي، احنا يمكن منعرفش بعض غير من يوم، بس يعلم ربنا اني حبيتكم.

هزت وصال رأسها عدت مرات واستقامت قائلة:
_أنا مش هفضل قاعدة كده كتير، أنا هروح ادور عليها بنفسي.

أمسكت أميرة رسغها وقالت:
_تروحي فين بس يا وصال استهدي بالله هنلاقيها أكيد ، قعدي أنا هرن على علاء أشوفه وصل لأيه.

“في الأعلى ”
كانت رهف جالسة أعلى الفراش تضم ركبتيها إلى صدرها وتحاوطهم بيدها الصغيرة وصوت شهقاتها مرتفعة،وفي تلك اللحظة كانت والدة علاء تمر من أمام العرفة فطلت من الباب برأسها ورق قلبها للصغيرة فدلفت للداخل وجلست أمامها،أحست رهف بها فرفعت رأسها تناظرها وكان عندها علم بما حدث مع قدر ،فتحدثت “أُلفت” والدة علاء، قائلة برفق:
-بتبكي ليه ياحلوة.

زمت رهف شفتيها وقالت:
_ماما ماتت، ودلوقتي قدر مش عارفين هي فين.

أقتربت منها أُلفت وضمتها لصدرها وقالت بحنان:
_متقلقيش ياحبيبتي أختك هترجع، أبني علاء ظابط شاطر وهيعرف يرجعها.

_طيب ولو معرفش يرجعها؟
هكذا تفوهت الصغيرة بتساؤل حائر… فردت أُلفت:
_واحنا ليه نحط الاحتمال ده، في دماغنا، وأزاحت دموعها بأبهامها وتابعت:
_بدال ما نقعد نبكي، خلينا ندعي لـ قدر، أنتي مش عارفه ان ربنا قادر على كل شيء.

هزت الصغيرة رأسها وقالت:
_أيوة قدر علمتني لو وقعت في مشكلة أفضل ادعي ربنا يحلهالي، وأنا دلوقتي هروح اتوضا وأصلي وادعي لقدر ترجع بسرعة.

شقت ابتسامة بسيطة ثغر أُلفت وقبلت الصغيرة من جبهتها قائلة:
_برافو عليكي يلا، روحي أعملي كده.

“عند نجلاء ”

كانت بغرفتها جالسة تتحدث بالهاتف، والعاملة تسترق السمع من الخارج.
نجلاء:_أيوة يا سيد عملت إيه.
أتاها صوت سيد غاضباً :
_انتي ياست انتي، شكلك عاوزة توديني فداهية.
صاحت نجلاء قائلة:
_ما تتكلم عدل ياراجل أنت، إيه اللي حصل لده كله؟!
صاح سيد قائلًا:
_اللي حصل إني وصلت قدام البيت اللي عطيتني عنوانه لا حد دخل ولا خرج سألت شخص كان ما عدي ده بيت مين قالي بيت المقدم علاء.

أجابته بمكر قائلة:
_وانت خايف من إيه.

هتف هو بغضب:
_ده حكومة، يعني فيها سجن، مش بعيد يكون فيها إعدام أصلًا.
أجابته ساخرة:
_ليه قاتل قتيل، متخفش اوي كده، أنت كل اللي عليك تاخد قدر وتختفي وخلصنا.

غمغم سيد بغموض قائلاً:
_تمام، كله يهون فدا الحب.
قهقت نجلاء وقالت:
_حب! طاب اقفل طيب.
وبالفعل لم يطيل سيد الحديث معها ونهى المكالمة.

مازال علاء بمكتبه، وطرق بابه، فسمح للطارق بالدخول، فدلف العسكري وهو يقول:
_قدرنا يفندم نحدد أخر مكانين للعربية.

هتف علاء، بلهفة:
_قول بسرعة فين.[
العسكري:
_بعد خروجها من المول، وقفت عند فيلا رجل الأعمال سامح المدكور، وبعدها اتحركت للجراج.
غمغم علاء بتعجب وخفوت:
سامح المدكور!
العسكري:
_أيوة يفندم.

_تمام روح أنت دلوقتي.
خرج العسكري، ثم علا رنين هاتف علاء، فألتقطه واجاب بصوتٍ غلـ,ـيظ:
_الو يا أميرة.
أميرة:
أيوة يا علاء موصلتش لحاجة، عاوزين نطمن.

علاء بتريث:
_متخفيش بلغي وصال ورهف قدر هتكون فالبيت قبل بكرة الصبح…..

يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *