للقدر حكاية سهام صادق ج١

الفصل السادس
***********
دارت عيناها على ملامح زوجها الجامده بعدما ألقى كل ما يعتريه ويُخطط له..فؤاد الرجل الذي سقط في بئر الخيانه يوماً من حبيبته وزوجته الأولى مازال يُفكر ان الرجل لا يجب أن يتزوج على اهواء قلبه رغم انه عشق ناديه واحبها الا ان هناك جزء مظلم داخله لا يُريد ان يعيد ولده تجربته ولم يرى غير هناء ابنه شقيقه الا العروس المطلوبه
وضع خيوط لعبته بأتقان ولكن هل هناك شيئا يسير وفقاً لتدبير عقولنا واذا صار هل سينجح ام سيصحبه الفشل
وكعادة ناديه تعرف كيف تحتوي الأمر بهدوء معه
– فؤاد بلاش ديما تحط مراد في دايره محسوم فيها القرار ليك.. من وهو طفل بتتعامل معاه كده.. حرمته من دراسه الطب وخليته يدرس هندسه عشان انت عايز كده.. حبه لجاكي اللي ممكن ميكنش من الأساس حب رفضته.. من صغره وانت اعمل كده متعملش كده.. ده حتى طفولته كلها كانت انت راجل والرجاله مينفعش تعمل ده.. القيود الكتير بتصنع منا ناس تانيه ناس يوم ما هتتمرد هتتمرد على اللي وضعوا عليهم القيود وانت اول واحد مراد بقى يتمرد عليه يافؤاد
وتابعت وهي تُسلط انظارها عليه بعدما أعطاها ظهره مُعلناً انه لا يرغب بسماع المزيد
– قرار جوازه من هناء مش صح يافؤاد.. ما يمكن في يوم هو اللي يجيلك ويقولك عايز اتجوزها
أدار فؤاد الحديث بعقله قليلا ولكن بصلاده عقل لم يرى الا صوابه وألتف نحوها يحسم قراره
– القرار في الموضوع ده انتهى ياناديه… اخلص بس من سافريه الصين وهفتح الموضوع مع مهاب اخويا
ولم تكن سافريه الصين الا شهرا واحدا
لتُطالعه ناديه بهدوء ولكنها صمتت وداخلها تُفكر كيف ستجعل فؤاد ينسى ذلك الامر ويترك حق الاختيار لمراد
………………….
استيقظ حمزة فزعاً يرفع جزعه العلوي قليلا.. ينظر حوله يبحث عن سوسن والطفل الذي كانت تعطيه له.. ارتفع صوت أنفاسه الهادره وهو لا يفهم سبب ذلك الحلم العجيب سوسن تعطيه طفل
لمن هذا الطفل يكون
واعتدل في رقدته فوق الفراش واخذ يمسح على وجهه بقوه وعقله يقنعه بالاجابه المقنعه
الطفل ما هو إلا طفل ندي وشهاب فعرسهم هو المنتظر
……………………….
في الصباح وقفت سياره حمزة أمام مدرسه مريم لتهبط مريم بأبتسامه متسعه تحمل حقيبتها المدرسيه خلف ظهرها
حمزة ابيها مهما قالوا.. ودوما هي طفلته المدلله
وألتفت بجسدها تلوح له بيدها تودعه ليفعل لها بالمثل مع ابتسامه حنونه ارتسمت على شفتيه.. فقد انتبه لحاله مريم المنزويه بعدما بدء ينشغل عنها في وسط اعماله التي اتسعت خلال تلك السنه
لتقف مريم أمام احداهن ترمقها بتحدي ثم اكملت سيرها
فألتفت رؤى نحوها بغيظ هاتفه بوعيد
– عيشي الدور علينا يا مريم
ولم يكن حقدها علي مريم خصوصا ولكن الحقد كان منصب على حصول مريم علي الحب الذي تتمناه هي والحب لم يكن الا حب الاسره واين هذا الحب فوالديها يعملان بأحدي دول الخليج وهي تعيش مع جدتها
………………………..
ألتقطت أذنيه بعض الكلمات من تلك المحادثه الهاتفيه
” فتاه بحاجه لعمل.. من البلدة ”
لم يعيره الأمر اهتماماً وأشار ل ناديه التي مهما مرت السنون فهى والدته وليست زوجه ابيه ولكنه يُناديها ب اسمها كما اعتاد منذ الصغر
– سيبي طنط سلوى لحظه واسمعيني
فأنتبهت له ناديه وازاحت الهاتف عن اذنها
– ثواني بس ياحبيبي… هخلص مع سلوي
ثم عادت تُحادث سلوى.. فتنهد مراد بملل ونظر لساعه يده
وقبل ان يطلب منها ان تؤجل حديثها مع زوجه عمه وتسمع ما سيخبرها به
– اسمها ايه البنت ديه… اه عرفاها ياسلوي.. مش ديه صديقه هناء.. ياقوت
لتتعلق عين مراد بها وأخذ يربط كل شئ ببعضه العمل ويا ياقوت وكأن الفرصه قد أتته في اكتشاف سبب جذبه لتلك الفتاه دون عن غيرها
وفكرة لمعت بعيناه.. فالعمل لن يكون الا معه… فلقائتهم المعدوده وهروبها الدائم من نظراته ورؤياه جعله راغب بها رغبه ليست بالجسد فرغبه الجسد لم يشعر بها مع أي امرأه قط حتى جاكي حبه لها ما هو إلا عناداً مع والده
وهتف داخله بحماس
” الفرصه جاتلي معاكي يا ياقوت… لازم افهم سبب انجذابي ليكي”
واخذ يحرك كفه على لحيته المنمقه بعنايه ولم يشعر ب ناديه التي وقفت ترمقه ببطئ متسائله بغمزة ماكره
– ايه اللي شغال عقلك.. جاكي مش كده
فتعالت ضحكات مراد ومد كفيه يداعب وجنتيها
– شقيه أنتي يا ناديه
فلطمت ناديه كفيه
– ولد عيب.. كل يوم بكتشف اني معرفتش اربي
كانت الدراما تتخلل نبرة ناديه الحنونه.. فمراد طفلها.. طفلها الذي لم تنجبه
ورسمت العبوس على شفتيها وسارت مبتعده عنه بغنج… ليتعبها مُحيطاً كتفيها بداعبه
– لاا مسمحش ليكي تغلطي في تربيه ناديه جميله الجميلات
لتلتف اليه ناديه تكتم ضحكتها بصعوبه
– يا واكل بعقلي حلوه.. عنده حق فؤاد يقولي بيضحك عليكي بكلمتين حلوين
فصدحت ضحكات مراد ثم رفع كفها يلثمه
– ده انتي الغاليه
لتدفعه عنها ضاحكه
– عايز ايه يامراد قول… انا عارفه الاسطوانه الناعمه ديه.. اه ياقلبي الضعيف منك
وعندما وصل الأمر إلى ما يريده هتف مشاكساً
– ديما فهماني
ثم اردف بطلبه الذي يعلم أن والده سيقبله بمقت
– انا عزمت جاكي على العشا الليله في البيت
فأماءت ناديه رأسها بتفهم فمهما كان ف جاكي ضيفه وهي تراها فتاه لطيفه
فألتقط مراد كفها يلثمه مُجدداً بحب
– احلى ناديه في الدنيا
وكاد ان ينصرف الا انه عاد يلتف إليها
– بمناسبه موضوع الشغل… قولي لصاحبة هناك تبعت ورقها
وانصرف دون كلمه أخرى.. لتُحدق به بذهول ولكن سريعاً تلاشي ذهولها… فألتقطت هاتفها كي تُحادث سلوى وتُخبرها ان امر العمل قد وجد
………………………..
حملت حصتها بعد معاناه من السلع الغذائيه التي تمنحها الدوله للمواطنين.. لتجد هاتفها يعلن رنينه..فوقفت على جانب الطريق واخرجته بحرص وهي تظن ان عمتها من تُهاتفها كي تجعلها تتعجل في عودتها… لتقع عيناها على اسم هناء فتمنت لو اتاها ما أرادت
– ايوه ياهناء… بجد هشتغل… طب ومكان اقامتي
وجاءها رد هناء الفرح من أجل صديقتها
– كل حاجه اتدبرت يا ياقوت.. السكن لقيناه الحمدلله… أصدقاء ماما القدام طلعوا جامدين اووي
قالتها هناء مازحه ولكن تلك هي الحقيقه… ناديه وجدت لها وظيفه وأخرى لديها بنايه تحتوي على طابقان اعدته للمغتربين
– انا مش مصدقه نفسي يا هناء.. الحمدلله
وتصاعدت أصوات الماره لتهتف هناء متسائله
– أنتي في شارع يا ياقوت
فأجابتها ياقوت بأبتسامه مشرقه
– بجيب السلع لعمتي.. هروح واكلمك
وسارت بخطوات فرحه حالمه وتُفكر كيف ستقنع عمتها وتجعلها تقنع والدها
………………………..
وقف بسيارته يُحادث صديقه بالهاتف منتظراً ان تُفتح اشاره المرور
– ازاي طلب نقلي متوفقش عليه
ليأتيه صوت صديقه وهو يحاول تهدئته
– اهدي ياشريف.. انا مش عارف ليه انت عاوز تتنقل.. عايز تخدم في العريش في حد عاقل يطلب كده
فتنهد شريف بسأم يعلم أن حمزة لديه دخل بذلك الأمر وكل شئ يصله عنه بسهوله فالكثير بالدخليه يخدمه فمنذ زمن كان هو أيضا ضابطاً
– اقفل دلوقتي يا سيف
وأغلق الهاتف بحنق وانفتحت الاشاره وكاد ان يسوق سيارته ليجد احداهن تمر الشارع ببطئ وتخفي عيناها بنظاره سوداء بل وتقف ثواني ثم تُكمل السير ولا تستمع لبوق السيارات والسباب التي تخرج من الألسنه
واندفع من سيارته حانقاً ليجذب ذراعها بغضب
– أنتي طرشه ولا عاميه.. الطريق كان فاضي قدامك
فدفعت يده بعنف عنها بعدما شعرت بالآلم من قبضته
– لا انا مش طرشه بس عاميه
وتركته مذهولا وأكملت سيرها بخطوات سريعه تمسح عيناها بعنف من دموعها التي اخذت تتساقط.. لا تعلم لما اليوم حظها هكذا فكل يوم تمر الطريق دون أن تسمع سباب أحدا فيشعرها بعجزها
وأكملت سيرها تحت نظراته ولكن تصاعد بوق السيارات جعله يعود لسيارته يقودها لجانب الطريق وألتف بجسده داخل السياره ليجدها بعدما مرت الطريق سارت لخطوات معدوده ويبدو انها حفظت خطواتها ثم جلست على مقعد خشبي تعلم موضعه وكأنها تنتظر أحداً
وزفرة طويله خرجت من بين شفتيه وقد شعر بالذنب.. فهو اخرج غضبه بها وليته لم يخرجه
…………………………….
سقط ما تحمله أرضاً وهي تجد الكثير يقفون أمام منزل عمتها ووالدها بينهم ويبكون… لتركض نحوهم وكل ما تتذكره ان عمتها كانت ذاهبه لتقديم واجب العزاء مع بعض النسوة لقريه مجاوره
– هو في ايه.. فين عمتي
ووجدت والدتها تأخذها بين احضانها تُخبرها بأخر شئ تمنت سماعه
– عمتك ماتت يا ياقوت
……………………………
ارتشف قهوته بملل ينظر من حين لآخر لساعه يده.. ف ناديه أخبرته انها تُريد لقائه في احد المطاعم.. بدء الشك يمتلكه ليتأكد بالفعل من خطه شقيقته
– اسفه على التأخير ياحمزة بيه.. معلش عربيتي اتعطلت
قالتها برقه
وجلست بغنج ليرمقها حمزة بنظرات متفحصه وزمجر بحنق من فعله شقيقته به
– مافيش مشكله
اخذت المرأه التي تبدو في الثلاثون من عمره تصفف شعرها بيديها وتتفحصه بوقحه
– من زمان نفسي اقابلك… اخر مره اقبلتك فيها كانت في حفله جواز حازم الأسيوطي اصل انا ابقى بنت خاله العروسه
فأماء برأسه بصمت وداخله يلعن شقيقته متوعداً لها حين رؤياها
ومال نحو الطاوله يرمق الجالسه امامه ببطئ.. فأقتربت منه مبتسمه تظن انه سيهمس لها بكلمات غزل
– حلال عليكي سهره النهارده واعتبري العشا حسابه مدفوع
واعتدل في جلسته لينهض بعدها
– معلش انا راجل بحب انام بدري
وغادر بحضوره الطاغي لتتسع عين الجالسه
– ده مشي وسابني
…………………………
مرت ايام العزاء ببطئ لم تتركها فيهم هناء ولا السيده سلوى
وقفت هناء جانبها تعد معها حقيبتها فالان سوف تنتقل لبيت والدها فلا داعي للجلوس هنا فالبيت به ورثه والكل سيُطالب بحقه فيه فعمتها لم يكن لديها اولاد… الي الان لا تُصدق انها توفت.. ف الوفاه جاءت صادمه للجميع
الحادث لم يصيب عمتها وحدها انما امراتان اخريات بالقريه فبجانب الطريق الذي كانوا ينتظرون عليه وسيله مواصلات انصدمت إحدى عربات النقل بعمود الاناره ليسقط عليهم وانتهى كل شئ في ثواني معدوده
ودمعت عين ياقوت وهي تودع كل أنش بذلك المنزل الذي احتواها ويد هناء تربت على كتفها
– امر الله يا ياقوت… ادعيلها بالرحمه
لترمي ياقوت نفسها بين ذراعي صديقتها
– مش قادره أصدق ياناس
وبكت بحرقة ليدلف والدها غرفتها بوجه حزين على شقيقته
– يلا يا ياقوت يا بنتي.. معدش ينفع اسيبك في البيت
وازداد انهمار دموعها واليوم شعرت انها بلا مأوى…فهى تعلم الحقيقه لن تُرحب بها زوجه ابيها ولا زوج امها وخاصه بعد أن رفضت ابن شقيقه
………………………….
وقف شريف بسيارته بجانب الطريق وهو لا يعلم لما يأتي لهنا… كانت جالسه نفس جلستها تطأطأ عيناها أرضاً ولم تعد ترتدي تلك النظاره السوداء… وبعد وقت تأتي سيده تأخذها وترحل
وخرج السؤال الذي اراقه لأيام
– ياترى انتي مين وحكاياتك ايه.. وليه بقيت اجي كل يوم اشوفك
………………………….
اسبوعا مر علي مكوثها في بيت والدها ولم تعرف كيف تُفاتحه بأمر عملها رغم ان كل يوم هناء تصر عليها ان تُبلغ والدها ولكن ردها لا يكون الا
” ازاي عايزانى اقوله عايزه انزل مصر اشتغل وعمتي مبقاش ليها اسبوع ميته يا هناء”
شعرت بيد سناء تدفعها وهي بين الغفوة واليقظه.. لتنتفض فزعاً من رقدتها ولكن كما اعتادت ميعاد استيقاظها المعتاد الثامنه صباحا فور ان يرحل والدها لفتح محل الفاكهه خاصته
تأتي زوجه ابيها تُيقظها لتبدء مهام اليوم من مسح وتنضيف وطبخ وركض وراء التوأم ذو العشر سنوات والمذاكرة لهم
– اصحى يلا… مش عارفه انتي مدلعه كده ليه.. شكل خديجه كانت مدلعاكي
لتمسح عيناها من نعاسها… ف ياسمين ظلت طوال الليل تُحاكيها وقد غفوا في وقت مُتأخز..
وانصرفت سناء خارج الغرفه لتلتف نحو شقيقتها تحكم عليها الغطاء بحنان .. ف الخدمه لها وحدها وحين تسأل ياسمين عن سبب استيقاظها المبُكر يكون رد زوجه ابيها
” اصل ياقوت اتعودت على كده.. ماشاء الله نشيطه من ساعه ما جت مريحاني..اتعلمي بقى منها ياحببتي ولا اقولك بلاش تتعبي نفسك كلها شهور وتتجوزي وتشيلي المسئوليه… ادلعي في بيت ابوكي شويه ده انتي الدلوعه بتاعتي”
وتنطلي الكذبه الماكره على ياسمين التي تُخبرها بحب ان لا تستيقظ في وقت مُبكر وتستيقظ معها في الظهيره وستُساعدها
وخرجت من الغرفه لنجد سناء أمامها
– الست سلوى قالتلي على موضوع الشغل اللي جبته ليكي
تعجبت ياقوت من أخبار والده صديقتها لزوجه ابيها بأمر عملها لترمقها سناء بنظرة طويله
– هقولك لابوكي وهساعدك تمشي من هنا لكن بشرط…
ولم يكن الشرط الا…..
الفصل السابع
**********
اغمضت عيناها بروح مفقوده خائفة من المجهول ورغم كل ذلك الا انها كانت سعيده تشعر بالحريه من قيود حاوطتها طيله سنوات عمرها وما كان عليها الا الصمت والرضى بما يُمنح لها
اقل القليل كان في عينيها كثيراً دوماً مدام لا تسمع إهانه من زوج ام او زوجه اب لا يروها الا كعبئ على مال أولادهم
دمعه انحدرت على وجنتها اليسرى ازالتها سريعا
وصوت ناديه يفيقها من شرودها
– وصلنا بالسلامه… نورتي القاهره يا ياقوت
قالتها ناديه وهي تقود السياره وبجانبها كانت ابنتها تقي تضع السماعات في اذنيها غير منتبها لشئ .. فقد كانوا في زياره سريعه للبلده وجاءوا بها معهم
– احنا وصلنا
هتفت ياقوت وعي تدور بعيناها في الشوارع فلم تشعر بمرور الوقت الذي لم يتجاوز الساعتان
– اه ياحببتي… ورايحين على سكن المغتربات
ضمت ياقوت يداها برهبه من الحياه الجديده التي ستعول فيها نفسها بمفردها دون الحاجه لاحد
خاطبتها ناديه بلطف وهي تُحرك يدها على عجلة القياده ببراعه
– انا اديتك عنوان الشركه اللي هتقدمي فيها ومتقلقيش…شهاب اخويا هو المدير قولي بس انك تبعي
ابتسمت ياقوت وهي لا تعرف كيف تشكرها على مساعدتها هي والسيده سلوى
– انا مش عارفه اشكر حضرتك ازاي
ابتسامه حانيه رسُمت على شفتي ناديه وعاد الصمت مجددا الي ان وقفت السيارة أمام السكن
لتتعلق عين ياقوت بالسكن الجديد الذي ستعيش فيه… وكانت هذه البدايه لحياه جديده
وبعد مرور الدقائق وقفت ياقوت خلف ناديه التي اندفعت نحو امرأة تُماثلها بالعمر تحتضنها بحنو
– اخيرا اتقابلنا ياناديه… سلوى وبتسأل عليا في التليفون اما انتي الدنيا خدتك
فضحكت ناديه بقوة وهي تنظر لصديقتها
– ما انتي عارفه يا سميره كنت مسافره بره.. واه رجعت وهنرجع ايام زمان تاني
فأماءت لها سميره برأسها وانتقلت بعيناها نحو ياقوت التي وقفت تُسلط عيناها نحو حقيبة ملابسها بحرج واقتربت منها مبتسمه
– نورتي السكن يا ياقوت
فرفعت ياقوت رأسها لتشعر بطيبه سميره التي اخبرتها عنها سلوى والتي لم تكف عن مهاتفتها يومياً لتطلب منها الأهتمام بها
……………………………………
عادت ناديه لسيارتها وأستقلتها على الفور فقد انتهى دورها ولم يتبقى عليها الا مُهاتفة شقيقها والتأكيد عليه بمُراعتها
وشردت في فعلتها التي لم يعرفها مراد.. فقد اخبرته ان الفتاه في فترة حداد على عمتها ولم تعد تُفكر حالياً بأمر العمل وأتت الصفقة الجديده وقرار فؤاد ان يسافر هو بدلا عنه الصين لاتمام الصفقه في صالحها
لا تعلم لما احست ان اهتمام مراد ب ياقوت وسؤاله الدائم عنها تلك الفتره ورائه شئ تخشي حدوثه.. والشئ الذي تخشاه ان يكون بدايه حب سيظن فؤاد انها السبب بل وسيحملها حدوثه.. فأسلم طريق وجدته ان توظف ياقوت لدي شقيقها وتنتهي مخاوفها
……………………………………….
بين جدران زنزانة قد مُلئت جدرانها بكتابات عبرت عن اوجاع من اخذتهم الحياه بذنب اما لم يقترفوه او اقترفوه مجبرين .. دلفت أحدي السيدات بزي السجن الخاص بالمسجونات بعد أن أنهت عملها في المشغل الخاص بالسجن..
لتجلس على فراشها تمسح وجهها بأنهاك تُطالع الباب الذي غلق بعد ان خطت للداخل…ثمانيه أعوام مرت وهي تتمنى الحريه.. تتمنى ان تفتح جميع الابواب والنوافذ تتمنى ان تركض في الشوارع تصرخ انها حره
وشعرت بيد احداهن على كتفها
– هانت ياصفا كلها اربع شهور وتخرجي من هنا
فطالعتها صفا ومازالت جميله كما هي بعيناها الزرقاء وبشرتها شديده البياض ولكن جمالها هذا كان في يوم من الايام هو لعنتها
– نفسي اخرج من هنا ياورده عشان اقوله بس يسامحني..تفتكري هيسامحني
فجاورتها وردة على الفراش وربتت على خدها بحنان
– لما هيعرف الحقيقه اكيد هيسامحك
ثم عاتبتها مؤنبه
– ماقولتلك اخر مره كنت بره السجن قبل ما ألبس في قضيه تانيه اروحله واقوله على الحقيقه
واردفت تلوي شفتيها بأمتعاض
– قولتيلي لاا لازم يسمع الحقيقه مني انا
لتُطالعها صفا بآلم وألتقطت من أسفل وسادتها صورته تضمها لصدرها
– ياترى ممكن تسامحني ياحمزة
…………………………………
طالعت الغرفه الصغيره التي قادتها إليها سميرة صاحبة المسكن.. رغم صغر الغرفه الا انها شعرت وكأنها قصر مدام ابتعدت عن قسوة كلمات زوجه ابيها
وشردت في الاسبوعان الماضين بعد وفاة عمتها واقامتها مع زوجة والدها والتي كانت سعيده حين اقتنع والدها بذهابها للعمل واقناعه كان يتقطر من كلامها المسموم
” خليها يا زيدان تروح تشتغل اه يمكن حد يشوفها وتتجوز.. واه تجهز نفسها وتساعد في مصاريف جهاز ياسمين ما انت شايف حال السوق واقف ازاي ويوم في ويوم مافيش..”
وألقت بجسدها على الفراش بحسرة تُطالع سقف الغرفه
– لازم تبقى قويه يا ياقوت
……………………………………
نهض حمزة بغضب من فوق مقعده وهو لا يرى أمامه وصدي كلمات شريف تتردد في أذنيه
– ايوه انا اللي بوقف قرار ناقلك وبستخدم اسمي في كده… اتأكدت من إجابة سؤالك ياشريف
ليُطالعه شريف بتحديق وهو لا يجد سبب مقنع لذلك ثم صاح
– ليه بتعمل كده
ونهض هو الآخر واردف دون شعوراً منه
– مش معنى اني شايفك اخ كبير ده يديك الحق… الست اللي كنت بتحبنا عشانها ماتت
ألجمت الكلمات حمزة وهو لا يُصدق ان شريف الذي كان يعتبره ك ابن له حتى لو لم يكن فارق العمر بينهم الا ثلاثه عشر عاما ً
– مش هعاتبك على كلامك ده ياشريف.. عشان انا اكتر واحد عارف شريف
واقترب منه ببطئ يربت على كتفه الأيسر
– شريف اللي ربيته وشوفته ابن وأخ وصديق
فتعلقت عين شريف به بآلم فلم يكن يقصد ما قاله ولم يستعب معنى كلماته الا عندما خرجت من بين شفتيه وتعالا صوت أنفاسه ثم ألقى نفسه بين ذراعيه
– انا تعبان اوي ياحمزه.. موت امي كسرني … مش قادر اعيش هنا… عايز اهرب بعيد… خدمتي في مكان بعيد عن هنا هيريحني
كان يشعر بوجعه وسبب رغبته في الإبتعاد ولكن لن يجعله يبتعد.. فالبعد لا يشفي الآلم وإنما الحياه تمضي
– الهروب مش حل ياشريف… سوسن عمرها ما هتكون فرحانه ببعدك ولا مريم.. اوعي تنسى مريم ياشريف اوعي تنسى واجبك ناحيتها… مريم بقت محتاجه ليك انت اكتر واحد..
وعن الحديث عنها كانت تندفع من باب الغرفه بعدما فتحتها ومسحت دموعها فقد كانت تقف بجانب الباب تسمع حديثهم
ومن دون حديث كانت تتعلق بعنق شقيقها كطفله صغيره
– اوعي تسبني وتمشي ياشريف
………………………………………………..
جلسوا يتمازحون وقد مر وقتً طويلاً على جلوسهم هكذا.. دوماً حمزة كان يأخذ ركناً بعيداً عنهم مع احد كتب الفلسفه ويحتسي من فنجان قهوته ومن حيناً لآخر يُطالعهم مبتسماً
– انت بتخم ياشهاب
لتتسع عين شهاب وهو يرمق الصغيره مريم
– شهاب حاف كده
فمازحته بلطافه وهي تتوسط خصرها بذراعيها
– لا شهاب بالجبنه
كان شريف جالسا بجانب ندي يضحكون على مشاكسة مريم وشهاب وانتهى الأمر كالمعتاد..مريم تركض نحو حمزة فور ان يرفع شهاب يداه
– الحقني يا بابا.. شهاب عايز يضربني
فوقف شهاب أمام شقيقه يرمقها بتوعد
– محدش مدلع البت ديه غيرك..محرومه من فسحه الملاهي يامريم وهاخد ندي حببتي بس
وقبل ان يلتف نحو ندي غامزاً لها… كانت تتعلق بعنقه
– عمو شهاب حبيبي
وتتعالا ضحكاتهم مع دلال الصغيره
ودلفت نادية نحوهم بعد أن رحبت بها الخادمه.. لتتعلق عيناها بحمزة الذي رمقها بمقت على فعلتها التي لم يُحاسبها عليها بعد
…………………………………………
نظر إليها بغضب بعدما اصبحوا بمفردهما
– بتلعبي بيا ياناديه
فأشاحت عيناها عنه تكتم صوت ضحكاتها
– ما انا هجوزك يعني هجوزك ياحمزة… لا تتجوز بمزاجك او غصب عنك
ليرمقها بحنق جليّ
– ده على اساس اني عيل صغير هتغصب على حاجه
فضحكت بدلال وطالعته مُفكره
– ايه رأيك تتجوز سيلين السكرتيره عينها منك على فكره
ثواني وقف يطالعها يزفر أنفاسه بقوه حانقاً
– ناديه الموضوع ده محسوم بالنسبالي ومش هعيد كلامي.. تاني وبطلي الاعيبك السخيفه ديه
…………………………………………..
اغمض عيناه بقوة وهو ينظر لجاكي النائمه على صدره العاري.. لم يشعر بأستيقاظها ولا بيدها التي أخذت تتحرك بعبث على وجهه
– مراد.. مابك
فأنتبه مراد اليه واخذ يتأملها بصمت… كان الأول بحياتها رغم انه ظن عكس ذلك
– لم أصدق الي الان اننا تزوجنا… وأننا هنا معاً بالصين
ولثمت خده بقب.له خاطفه وتسألت
– متى سنخبر عائلتك
كان ضائعاً في أفكاره لا يعرف كيف فعل ذلك ولكنه الان غاضب من نفسه ومن والده
ومازالت كلمات فؤاد تتردد في عقله
” اعمل حسابك بعد رجوعك من الصين هتجوز هناء بنت عمك”
عناد اطاح عقله ليتزوج جاكي ضارباً قرار والده عرض الحائط
ولم يخلق ذلك العند داخله الا هو
– مراد سرحت في ايه
يداها اخذت تتحرك ببطئ على عنقه لينظر لها مبتسما
– مكنتش فاكر انك عذراء
فتوردت وجنتاها بخجل وتعلقت عيناهم معاً لتسأله ببتسامه انارت وجهها الجميل اكثر
– يعني انت مبسوط مراد
وكانت اجابته على سؤالها ما هي الا اجابه جعلتها تُحلق عاليا بسعاده وهي بين ذراعيه
…………………………
وقفت أمام المرآه التي تحتويها خزانتها الصغيره.. لتنظر الي فستانها البسيط وحجابها برضى كامل.. لتلتقط أوراقها من فوق الفراش وحقيبتها وقبل ان تخرج من غرفتها صدح صوت هاتفها برساله نصيه من صديقتها الشقيه هناء
” ابقى طمنيني بعد ما تخلصي المُقابله”
واتبعت الرساله أخرى
” ايوه ياعم هتشتغلي في شركة الزهدي”
لتبتسم ياقوت على أفعال صديقتها المُحبه وانصرفت من غرفتها.. متجها الي مكتب السيدة سميره
– ابله سميره
كانت سميره تتناول فطورها وترتشف من كأس الشاي خاصتها
– تعالي يا ياقوت افطري معايا
خجلت ياقوت وطأطأت رأسها أرضاً ورغم جوعها الا انها اجابت
– شكراً… كنت عايزه اعرف بس اروح عنوان الشركه ازاي
وقبل ان تُجيبها سميره
كانت تدلف إحدى المقيمات في السكن وتمسك مالاً بيدها
– ادي الشهرين المتأخرين عليا يا سوسو
فضحكت سميره وهي تنظر للمال
– متخلي ياحضرة الصحافيه
فألتقطت سماح احد السندوتشات من أمامها وأخذت تقضمه.. فتعجبت ياقوت من الأمر ولكن ابتسمت وهي تستمع لحديثهم
– لازم تفضحينا قدام الغرب كده وتعرفيهم اني صحافيه وعليا اجار متأخر
ومدّت سماح كفها نحو ياقوت
– صحافيه شهر بتقبض وشهر بتترفد وشهر على ما تفرج
لم تتمالك ياقوت حالها وابتسمت ثم صافحتها
– وانا ياقوت
– سماح خدي ياقوت معاكي في طريقك ووريها مكان شغلها فين لأنها مش من هنا ولسا ياحببتي بتتعلم تروح وتيجي ازاي
وجهت سميرة حديثها لسماح التي وقفت تُدقق النظر ب ياقوت قليلا ثم هتفت مازحه
– طب يلا بينا بقى.. عشان لسا هاكل من علي عربيه الفول بتاعت عم سيد… يااا عليه طبق فول بيسد المعده لحد الليل
وألتفت نحو ياقوت التي اتبعتها تكتم صوت ضحكتها
– أنتي هتشتغلي فين
لتخرج ياقوت الكارت الشخصي الذي أعطته لها ناديه.. فطالعت سماح اسم الشركه ثم اخذت تُصفر بعلو
– شركه الزهدي.. يابنت الايه عملتيها ازاي ديه
…………………………….
أشارت سماح اليها على مقر الشركه التي يبدو أنها فرع جديد لمجموعه الزهدي
– اطير انا على الجرنال بتاعي لأحسن يتخصم مني
وألقت لها ق.بلة في الهواء واسرعت بخطاها.. فضحكت ياقوت على لطافتها وعادت تنظر للشركه بتوتر والموظفين يدلفون اليها بملابس راقيه
لتسقط عيناها على ملابسها السوداء وحذائها فضمت ساقيها ببعضهم واخيرا تحركت وهي تتمنى ان يقب.لوها رغم توصية ناديه الا انها تخشي ان لا يروها مناسبه للمكان
…………………………….
سمعت صوت تهامسهم عليها
– يا عيني الراجل اللي طالعه بي السما و بابا بابا مطلعش ابوها.. مش عارفه ازاي قاعده في بيته ما خلاص مامتها ماتت.. وقريب هيتجوز
واخذوا يضحكوا بعلو.. ف رؤي لا يحطيها الا أمثالها
ضاقت أنفاسها وانحدرت دموعها.. لتجد تلك الفتاه التي لم تكف يوماً عن نبذها ومعايرتها بفقرها فهى لم تكن الا ابنه إحدى عاملات النظافه بمدرستهم ودراستها بتلك المدرسه حصلت عليها كعمل خيري لتفوقها
– فين مريم القديمه البنت القويه اللي كنت بحسدها على قوتها وأنها عامله زي الفراشه الكل بيحب يقرب منها
لترفع مريم عيناها بصمت نحوها وهي لا تعلم الاجابه..ف مريم القديمه انكسرت برحيل والدتها
………………………………
حدق بالفتاه التي أمامه ببطئ متذكراً طلب شقيقته في تعينها في الفرع الجديد الذي تم افتتاحه في الأيام الماضيه ضمن شركتهم الأم وتولى هو إدارتها .. كان بحاجه ل سكرتيره لمكتبه بهذا الفرع وعلى حظها قد اعتذرت السكرتيره التي وقع عليها الاختيار لحدوث ظرف ما لها
– أنتي ياقوت
قالها شهاب بهدوء وهو ينظر للملف الخاص بها.. هو رأها من قبل ويعلم سبب مساعده شقيقته والسيده سلوى.. عيناها الذابله وملابسها السوداء التي ترتديه تعبر عما تمر به
وحركت ياقوت رأسها بتوتر تخشي رفضها… فهى لا تمتلك الخبره المطلوبه
فأماء شهاب رأسه بعمليه وهو يُطالع ملفها
– خريجه كليه ادب قسم لغه انجليزيه
ورفع عيناه نحوها
– اشتغلتي كام سنه كمتطوعه في الملجأ الخيري
فأسبلت جفنيها بحرج لتُجيبه
– سنه ونص
وبعد صمت دام للحظات ابتسم ليُعبر لها عن موافقته
– تقدري تبدأي شغلك من بكره يا انسه ياقوت
………………………………
تجمدت عيناه وهو لا يُصدق اليافته المُعلقة على باب المبنى.. مدرسه خاصه تعمل بها كما اخبره حارسها.. لذلك تمر من ذلك الطريق كل يوم.. ليجد إحدى العاملات تخرج بها من المدرسه وتسير بها نحو الطريق العمومي واخبرتها ان تسير فالسيارات واقفه..
وكالعاده تخطو بخطوات معدوده نحو المقعد الخشبي الذي اعتادت الجلوس عليه
احتار في امرها وقبل ان تأخذه قدماه إليها… اعلن هاتفه عن رنينه لينظر للرقم وأجاب بأحترام ثم ألقى نظرة خاطفه على تلك الجالسه التي تتحسس المقعد جانبها
– نص ساعه واكون عندك يافندم
………………………………….
كان هذا هو اليوم الثالث لها بالعمل… كل شئ جديد عليها ولكنها ستسعي جاهده ان تستمر في وظيفتها مهما حل بها من متاعب ف الراتب يستحق التعب والتحمل وتستطيع بعث المال منه لوالدها ودفع اجار الغرفه واحتياجاتها ولو استطاعت ان تجد عملا اخر ستعمل حتى يصبح لها منزل مستقل تعيش به
خطط كثيره رسمتها في عقلها وهي تحلم بالغد
ولم تشعر بدلوف حمزة بعنجهته ونظراته الجامده… شخصيه يتقن رسمها أمام العالم فقديما كان شخصاً شفافاً مرحاً محباً ولكن الآلم علمه ان يكون ما هو عليه الآن
تقدم بخطواته نحو مكتب شقيقه وألقى بنظره عابره نحو تلك المُنهمكه بين الملفات وكأنها في سا.حه ..وسق.ط الملف منها فأنحنت لاسفل تلتقطه
فسلط حمزة عيناه عليها بعدم رضي وصدح صوته بخشونه
– شهاب في مكتبه
وبمجرد ان اجابته اكمل خطواته نحو غرفه شقيقه
فأنتفضت من فوق مقعدها راكضه نحوه
– لازم أبلغه الأول بوجودك يافندم واشوف لو كان في ميعاد سابق
أخبرته بعمليه كما حفظت… ليرمقها حمزه ببطئ واضعاً احدي يداه في جيب سرواله.. وابتعد مُشيراً لها
– اتفضلي
لتشعر ياقوت بالتوتر من نظراته الحاده
– أبلغه مين
فرفع حمزه حاجبه الأيسر وأخذ يُطالعها من علو ثم هتف ساخراً
– حمزة الزهدي
فأتسعت عيناها وهي لا تُصدق هي امام من فهتفت دون وعي مكرره سؤالها
– مين؟

