رواية القطة المدللة(الفصل الثاني عشر إلى الأخير) بقلم إكرام يوسف

الفصل الخامس عشر
**********************

جلست منكمشة فى الفراش تبكى , وهى تتذكر قسوته معها , لا لم يكن هو , قد كان أخر لا تعرفه , تبدل الحنان فيه إلى قسوة
وقعت عينها على تلك الصور , صرخت وهى تزيحها من جانبه لتسقط على الأرض , وتدخل هى فى نوبة من البكاء
لتأتى المربية فى هلع , ثم تفزع من رؤيتها بتلك الصورة وهى تنتحب وترتعش بثيابها الممزقة
ضمتها لصدرها بحنان وهى تشعر بالأسى لها , ولما حدث لها وقد بانت أثاره عليها
حاولت أن تهدأها ونزعت عنها تلك الملابس وأبدلتها بغيرها ودثرتها فى فراشها وجلست بجانبها تتلو بعض أيات القرآن الكريم
نامت وسكنت جميع خلجاتها , نظرت لها المربية بحزن وقلب يدعو أن يخفف عنها ما تشعر به
وقع نظرها على تلك الصور الملقاه على الأرض , صدمت عندما رأتها , لكن قلبها أخبرها بأن هناك خطب ما ويستحيل أن تفعل بوسى إبنتها مثل تلك التصرفات
*********************************
كانت لا تزال تجلس بإنتظاره بوجهها الجامد , رغم ظهور أشعة الشمس لتغمر المكان , لكن لم يغمض لها جفن منذ البارحة
جاء أخيراً , دلف إلى الفيلا بوجهه العابث وقد ظهر عليه أثر الحزن والهم , ما إن رأها حتى سألها بلهفة :
– بوسى عاملة اية يادادة ؟
ردت بإقتضاب وحزن أم على إبنتها التى تركتها تنتفض فى فراشها :
– نايمة , بس محدش عالم باللى فيها
جلس على المقعد المقابل لها وهو فى قمة حزنه , فاستطردت قائلة :
– بص يابنى انا صحيح الدادة بتاعتها , لكن عمرى ما اعتبرت نفسى غريبة عنها , انا اللى ربتها , وعشت معاها كل لحظات عمرها , بوسى دى بنتى قبل كل شئ
رد ووجهه فى الأرض خجلاً مما فعله :
– انا عارف طبعاً يا دادة من غير ما تقولى
قالت بنبرة حزن :
– سامحنى يابنى فى اللى هقوله , بس انت زى ابنى برده
أماء برأسه فى صمت , فتابعت بألم :
– انا عارفة ان بوسى تربيتها كانت غلط من والدها الله يرحمه , ومش هنكر ان تصرفتها كانت غلط فى حاجات كتير , لكن بنتى عمرها ما تعمل اللى شفته فى الصور دة ابداً , انا متأكدة من دة كويس اوى
رد بحزن دفين :
– وانا كمان متأكد انها معملتش كدة
نظرت له ببعض الدهشة , فاستطرد قائلاً :
– الشيطان عمانى , وخلانى اتنرفز عليها
أسند رأسه على يده وهو يتابع فى ألم :
– عارف انى اتسرعت وغلطت , ومش عارف هترضى تسامحنى ولا لا ؟
قالت ببعض الراحة لما سمعته منه :
– متقلقش يابنى بوسى طيبة وقلبها أبيض , وبتحبك واكيد هتسامحك على طول
– يارب يا دادة يارب
– توكل على الله وهو القادر على كل شئ
تركها وقام ليصعد الدرج وصل إلى غرفتها تردد قليلاً قبل أن يفتح الباب , ولكنه فتحه أخيراً
ليقف أمامها وهى نائمة فى فراشها , تذكر شكلها وهى تبكى بين يديه ليلة أمس , أغمض عينيه فى ألم
شعرت بوجود أحد , فتحت عينها فرأته يقف أمامها , شعرت بالخوف , تدثرت جيداً بالغطاء الذى كان عليها وقالت وهى ممسكة به وبأعين محدقة فزعة :
– انت هتعمل اية ؟
رأى بعينها نظرة , تمنى الموت قبل أن يراها , نظرة مزقت قلبه إرباً
غادر الغرفة وهو يحاول أن يجمع شتاته , بعد أن ألقى على مسامعها كلمة واحدة , ظلت تتردد فى عقلها وهى تزرف الدموع
– اسف
********************************
مرت بضعة أيام لم يرها فيها , ولم يحاول أن يرها , الحقيقة كان يهرب منها , من عيناها , من نفسه التى تلموه على ما فعله , كيف له أن يشك بها , بمن سكنت فؤاده ؟ لما سمح لشيطانه بأن يحركه ؟
كان يكره مواجهة نفسه قبل مواجهتها , كيف يكون أمانها وهو بهذا الضعف ينجرف نحو تلك المهاترات ويتركها لتحركه ؟

أما هى فقد كانت تحاول أن تنسى ما حدث بشتى الطرق , كانت تحمد ربها أنه خلصها من ذلك الوغد تامر وأنها لم تتزوجه , لكن أكثر ما كان يؤلمها هو حسام , هل حقاً لا يثق بها ؟ هى تعلم بأن تصرفاتها السابقة هى التى دفعته لأن يشك بها , فكم ندمت على ما فرطت من مشاعر محرمة لشخص خائن مثل تامر
نظرت إلى زهورها بإبتسامة باهتة وهى تتذكر عندما كان يحتضنها فى هذا المكان , فهى رغم كل ما حدث وما تحمله من عتاب له فهى تشتاق له , تشتاق لحضنه الذى أبى أن يحرمها من أمانه
دلف إلى المنزل فرأها وسط أزهارها , كم كان يشتاق إليها , كان يود لو يهرع إليها ويغرسها بصدره ويضمها بين ذراعيه
وجهه قلبه إليها قبل أن يعطى الفرصة لعقله أن يدبر الأمر
إنتبهت لوجوده نظرت إليه بعتاب , فقال بشوق :
– ازيك ؟
ردت وهى تحاول ألا تنظر له حتى لا تفضحها عيناها ككل مرة :
– الحمد لله
فقال ببعض الألم الذى تحمله كلماته :
– انا اسف , مكنتش قادر أواجهك , ولا حتى كنت قادر أواجه نفسى
نظرت له بأسى , فتابع وهو يمسك ذراعيها بيديه :
– انا مش عارف ازاى استسلمت للشيطان بالشكل دة , نفسى تسامحينى
أشاحت بوجهها عنه , فقال :
– انا مبقيتش قادر على بعدك اكتر من كدة
أدار وجهها إليه بأنامله , ثم قال وهو يبحر فى عينيها :
– كفايا بُعد بقى
كانت تشتاق إليه , رغم كل ما تشعر به من مشاعر قاسية ومختلفة , لكن ما كان يطفو على السطح هو الإشتياق لمرساه
تركت نفسها تستقر عليها بعد أن أنهكتها السباحة بعيداً عنها , تركت كل أسلحتها وهدمت كل قلاعها وحصونها وتركت نفسها لتنعم بطعم الإستقرار بعد أن قذفها التيار إليه
*****************************
– انا بصراحة واقع من زمان , من أول يوم شفتك فيه
إتسعت إبتسامتها وهى تسمع كلمات الغزل التى يغرقها بها , وقالت :
– ربنا يخليك ليا يا ياسر , مش عارفة حياتى من غيرك كان شكلها ازاى ؟
ليبتسم بدوره وهو يحتضن كفيها بيده وهو يقول بنبرة أجاد إصطناعها جيداً :
– انا اللى مش عارف من غيرك كنت عملت اية يا سحورة
فإتسعت إبتسامتها وهى تقول :
– على فكرة انا كلمت ماما امبارح وقلتلها ان انت هتيجى تتقدملى
– اه طبعا اكيد يا حبيبتى , اول ما اخلص العملية بتاعت الشركة عندكم هتقدملك على طول
لتبتسم بفرحة عارمة وهى ترسم أمامها أحلاماً وردية لا تعلم أنها سراب
********************************
لم تكن تشعر بشئ سوى السعادة فى حضن رجل أحبته , رجل كان بعيداً عنها , لم تتخيل أن تهنئ بكل هذا فى كَنَفُه
لم تكن تعلم أن الله كان يخبئ لها كل تلك السعادة , لتهنئ بطعم الحب الحلال
قضت أيام سعيدة ترتشف نفحات الحب المباركة برضا رب العباد

كانت تنظر إليه وهو نائم بجانبها بوجه باسم , وهى تحمد ربها على تلك السعادة التى تحياها معه
كادت أن تغادر الفراش لولا أنه شعر بها , فقال بصوت ناعس وهو يحاول أن يمنعها من المغادرة :
– رايحة فين ؟
إبتسمت لتعلقه بها , إقترب أكثر منها وحاول أن يقبلها , لولا أنها شعرت بتوعك فى معدتها جعلها تهرع إلى الحمام فى ظل ذهوله
هرع إليها قائلاً :
– فيه حاجة يا حبيبتى ؟
قالت وهى تمسك ببطنها :
– لا مفيش حاجة متقلقش , انا شكلى خدت برد فى معدتى
ساعدها فى توسد الفراش وهو يقول :
– طيب اجبلك الدكتورة
– لا مفيش داعى يا حسام خلى دادة تعملى حاجة دافية أشربها
– حاضر يا حبيبتى
****************************
– انتى كدة خلاص مهمتك انتهت
– يعنى خلاص مش محتاجة اروح لبوسى تانى ؟
قال وهو يهم بمغادرة المكان :
– ولا انا كمان محتاج اجى هنا تانى
قالت وهى تمسك ذراعه بلهفة :
– يعنى اية ؟ مش هشوفك تانى يا ياسر
إستدار وأخذ يربت على وجنتها , وهو يقول بسخرية :
– شيرى يا حبيبتى , متخليش عقلك يصورلك حاجة مش موجودة , انتى عارفة من الاول ومتأكدة ان علاقتنا مولودة عشان تموت , فياريت متحاوليش تمثلى عليا دور العاشقة الولهانة
قالت ودموعها تغرق وجهها :
– انا مبمثلش يا ياسر , والله انا بحبك
نزع ذراعه من يدها كأنه ينزع روحها من جسدها , وتركها كورقة كتب فيها ما لا يرضيه فمزقها وذهب يبحث عن غيرها ليسطر بها ما يريد
جلست تفترش الأرض تحاول أن تلملم ما مزقه بعنفوانه وأنانيته , ليسحقها بقدمه كما يسحق لفافة تبغه بعد أن أخذ ما يبغاه منها بلا مقابل
****************************
– مبروك يا حبيبتى , انتى اكيد حامل
نظرت لها بدهشة وقد هزتها الصدمة :
– اية ؟ حامل , انتى متأكدة يا دادة ؟
– ايوة طبعا يا حبيبتى
قالت ببعض التوتر :
– دادة ارجوكى متقوليش لحسام , خلينى اقوله انا
فقبلتها المربية وقالت بحنان :
– ماشى يا حبيبتى ربنا يهنيكو
لتحتضنها بوسى وهى تنظر أمامها فى وجوم
*****************************
حاولت أن تقف من على الأرض وهى تمسح دموعها المنهمرة وهى تنظر بتحدى لصورته التى تتوسط ببروازها الأنيق المنضدة وهى تقول :
– ماشى يا ياسر انا بقى هوريك شيرى اللى انت رمتها ممكن تعمل إية
ثم صرخت وهى تزيح ذلك البرواز الذى يحمل صورته ليقع على الأرض محطماً , ليحطم معه تلك القشرة الضعيفة التى تحيطها لتخرج إلى الحياة بوجهها المنتقم
*************************************
وقفت تنظر لنفسها بالمرأة والأفكار تكاد أن تطيح بها , هل هذه هى بوسى تلك القطة المدللة ؟ هل حقاً سوف تتبدل حياتها لتنقلب رأساً على عقب ؟
وقفت تنظر لجسدها ورشاقتها , وهى تتخيل ما سوف يحدث لذلك الجسد الرشيق بسبب ذلك الضيف الذى طرق على بابها فجأة دون سابق إنذار
أخرجها من تفكيرها ذراعيه اللاتى إحتضنتها ليحتويها هو بأنفاسه قائلاً :
– قمر يا حبيبتى
لتبتسم رغم ما بها من هواجس وهى تقول :
– ربنا يخليك ليا يا حبيبى
فجعلها تستدير لتصبح فى مواجهته , وهو يهمس بأذنها قائلاً :
– ويخليكى ليا ياعمرى
حاولت أن تهرب بعينيها من حصار نظراته خوفاً من أن يعرف ما بها , فقال بقلق :
– فيه حاجة ؟
أماءت برأسها نافية :
– لا يا حبيبى مفيش اى حاجة
فإبتسم وهو يلتمس خصلات شعرها قائلاً :
– ربنا يباركلى فيكى يا أغلى ما عندى
وإحتضنها بحب , لتشعر بغصة فى حلقها , فهى تعشقه لكنها تخشى تلك الحياة التى تقدم عليها وهى تجهلها
*************************************
كان قد كره الحياة بعد أن فشلت أخر محاولاته فى إرجاع من عشقها إلى حضنه مرة أخرى , فقد أخفق فى خطته فى أن يقع بينهما
فهو الأن لم يعد يشعر بطعم الحياة فقد خسرها وخسر نفسه معها , خسر إحترامه لنفسه
سمع رنين هاتفه نظر إليه بتململ , فرأى رقمها , هى تلك الأفعى التى دمرته وقلبت حياته رأساً على عقب
ضغط على زر الرد قائلاً بحدة :
– عايزة اية تانى ؟
– اسمعنى كويس انا كمان خسرت كل حاجة زيك
– انتى السبب فى اللى انا فيه
– مش مهم مين السبب , المهم نلحق اللى فاضل لنا لازم نرجع حقنا فيهم
– ناوية على اية ؟
– خايف من اية ؟ ما انت خسرت كل حاجة ومفيش حاجة تبقى عليها
نظر أمامه يتفكر فى حديثها , ثم قال :
– عندك حق , وانا معاكى يا شيرى

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *