رواية القطة المدللة(الفصل الثاني عشر إلى الأخير) بقلم إكرام يوسف

الفصل العشرون
***********************

كانت ترتعش فى فراشها , فضمتها المربية إليها بحنان وهى تقول:
– متخافيش يا بنتى ان شاء الله ربنا هينجيه
ردت من بين دموعها :
– انتى مسمعتيش يا دادة منصور المحامى قال اية , دة قال انه ممسوك فى قضية إتجار مخدرات
لتمسح المربية على شعرها , وهى تقول :
– ادعى ربنا ينجيه يا بنتى , ربنا عالم انه مظلوم ومستحيل يضره أبداً
***********************************
كان يقرع كأسه المملوء بالخمر مع تلك الفاتنة التى تجلس بجانبه ليتجرعه بعدها دفعة واحدة وقد تعالت ضحكاتها الخليعة , فتتعالى ضحكاته هو الأخر ويميل رأسه تجاهها ليهمس بأذنها , فيتركا بعدها هذا الملهى الليلى متوجهين إلى سيارته بخطوات مترنحة قليلاً , وقادها متجه إلى منزله فهذه ليلة مميزة بالنسبة له , فقد تخلص أخيراً من غريمه , وقد فُتح الباب أمامه ولم يبقى سوى أن يخطو بخطوات واسعة تجاه معشوقته ومن حفرت إسمها داخل صدره
لحظات من المجون والغفلة قضاها فى أحضان تلك المرأة التى لم يكن يراها هى , بل يراها بوسى , ضحكة بوسى , نظرة بوسى , لمسة بوسى , بئر بوسى الذى غرق به
**************************************
كانت قد تحسنت حالتها كثيراً وعادت إلى المنزل مرة أخرى , لتطوى تلك الصفحة من ذكرياتها الأليمة , وتنسى ما بها من أحزان
نست كل ما كانت عليه وقررت فتح صفحة جديدة نقية بلا حقد وضغائن , ولا فسق أوإستهتار
نست كل من كانوا بصفحتها السابقة , كل من أذوها حتى والداها قررت أن تنساهم وتخرجهم من نطاق حياتها بعد أن هاتفتهم أثناء مرضها , ولم يعيروا أى إهتمام ولا حتى جاءوا لإطمئنان عليها وتحججوا بإنشغالهم فى أعمالهم , وإكتفوا بالإطمئنان عليها عبر المحادثات الهاتفية
رن هاتفها فردت بوجه باسم قائلة :
– ازيك يا عمو وحشتنى
ليأتيها صوته من الطرف الأخر :
– الحمد لله يا شيرى يا بنتى , انتى عاملة اية دلوقتى ؟
– الحمد لله , احسن كتير
– عال اوى , خدى بقى نهلة مراتى عايزة تكلمك
لترد نهلة بسعادة :
– حمد الله على سلامتك يا حبيبتى
لتقول شيرى :
– الله يسلمك يا طنط
– مش ناوية تيجى تزورينى بقى , نفسى اشوفك اوى , من كتر كلام صلاح عنك حبيتك اوى
– وانا كمان نفسى اشوفك اوى
– خلاص هستناكى
– قريب اوى هجيلك
وأنهت محادثتها الهاتفية وهى فى غاية السعادة لتلك المشاعر الجياشة التى تغمرها , والتى كانت تفتقدها كثيراً

ليرن هاتفها مرة أخرى , فترد قائلة :
– الو
– ازيك ياشيرى عاملة اية ؟
– الحمد لله كويسة يا تامر
– كويس انى اطمت عليكى
– متشكرة اوى يا تامر ليك , انا عارفة انك تعبت معايا الفترة اللى فاتت
– يا بنتى بس انتى بتقولى اية , خلى بالك من نفسك , ولو احتجتى اى حاجة كلمينى
– اوكى تمام يا تامر
أغلقت الهاتف وهى تشعر بالراحة بعد أن إقتنع تامر بحديثها المسبق معه , بأن يتركا بوسى تعيش بحضن من أحبت , دون أن يحاولوا التفريق بينهم
إستندت بظهرها على الأريكة بأريحية تخرج من داخلها وتغمرها براحة بال لم تعهدها , فى ظل الرضا التى باتت تشعر به , وتلك الإبتسامة الخلابة التى إرتسمت على ثغرها لتنير وجهها كأنها تخرج من داخلها
**********************************
حيرة وتخبط هو كل ما يشعر به , لا يعلم متى سوف ينتهى هذا الكابوس ؟ وأين المفر منه ؟
أفزعه صوت ذلك الشرطى وهو يصيح بصوته الجهورى بعد أن تعلقت به أنظار الجميع :
– المتهم حسام مجدى نور الدين
فنظر له حسام بترقب , يحثه على الإسترسال , فتابع قائلاً :
– قوم معايا على مكتب حضرة الظابط
ليستقيم ويذهب بصحبته إلى تلك الغرفة التى يجلس بها الضابط خلف مكتبه , وأمامه يجلس منصور المحامى , قيقول حسام بلهفة موجهاً حديثه إلى منصور :
– منصور انا مش عارف اية اللى حصل ؟
ليقول الضابط وهو يهم بمغادرة المكان :
– انا هسبكم تتكلموا براحتكم
فينصرف , ليكمل حسام وأنظاره معلقة بمنصور :
– فى واحد معايا فى الزنزانة اعترفلى ان هو اللى حط المخدرات فى العربية , وطلب منى انى اسامحه , وقالى ان فى حد اداله فلوس عشان يعمل كدة
رد منصور وقد إنفرجت أساريره :
– عظيم جدا , الراجل دة اكيد بيشتغل عندك
– للأسف ايوة
– يعنى ممكن نخليه يشهد لصالحك
– ودة هيحصل ازاى يا منصور ؟
إستند بإحدى يديه على فخذه وهو يقول بتفكر :
– حاول تعرف منه مين اللى سلطه يعمل كدة ؟
– تمام
ثم اقترب برأسه من منصور وهو يستطرد بقلق :
– بوسى عاملة اية ؟
– كانت عايزة تيجى , وانا قلتلها هعملها اذن بالزيارة
فرد بسرعة :
– لا , اوعى تخليها تيجى , مفهوم ؟
– تمام يا استاذ حسام , كل اللى حضرتك عايزه هيتنفذ
***********************************
بوسى بعصبية :
– يعنى اية مش عايزنى اروحله ؟ انا هتجنن وأشوفه
قالت كلمتها الأخيرة وعبراتها تنهال على وجنتيها
رد منصور قائلاً :
– والله يا مدام بوسى هو قالى انه ومش عايزك تدخلى المكان دة
قالت بوسى من بين شهقاتها :
– يعنى هو عايزنى ابقى بعيدة عنه ؟
لتربت المربية على كتفها وهى تقول :
– هو مش عايزك تتبهدلى يا بوسى , خايف عليكى يا حبيبتى
نظرت لها من بين دموعها قائلة بتأثر :
– نفسى أشوفه يا دادة
*************************************
– ياسر الشامى ؟
– معرفش اسمه اية بالكامل , كل اللى اعرفه ان اسمه ياسر باشا وبس
ربت حسام على كتف متولى وهو يقول :
– تمام يا متولى , كدة انا عرفت هجيبه منين
*************************************
إنتفضت واقفة مكانها حينما دخل عليها منصور المكتب بوجه مقتضب وهو يقول بحزم :
– انسة سحر , عايز العقد اللى بين شركتنا وشركة الشامى يكون على مكتبى حالاً
لترد بحروف متلعثمة :
– شركة الشامى ؟
– ايوة يا انسة , بسرعة يكون العقد عندى
وتركها وغادر الغرفة وهى تشعر بأن أرضها تدور بها فى دوامة لا تستطيع الخروج منها
************************************
– اهدى يا بوسى , متقلقيش اكيد هيخرج ومش هتتثبت عليه التهمة
لترد وهى تمسح دموعها :
– يارب يا شيرى , انا حاسة انى هموت من غيره , يارب يرجعلى بالسلامة
– طيب مش المحامى قالك ان الراجل السواق اعترف لحسام بالحقيقة ومستعد يشهد معاه
– هو قاله ان فيه واحد هو اللى سلطه يعمل كدة
ردت شيرى بإستغراب :
– والواحد دة مين ؟ وليه عايز يأذى حسام ؟
– واحد اسمه ياسر الشامى , انا حتى معرفهوش
نزل إسمه كالصاعقة على مسامع شيرى , وقالت وهى تنظر أمامها , ولازالت على صدمتها :
– انا بقى اعرفه
لتحدق بوسى بعينيها بشيرى وهى تقول بدهشة :
– تعرفيه ؟
– انتى اكيد شوفته قبل كدة
فضيقت بوسى ما بين عينيها وهى تنظر لها , تحثها على المتابعة , فقالت شيرى موضحة :
– كان بيسهر معانا فى الديسكو ساعات
ردت بوسى بإستغراب :
– طيب وهو هيعمل فى حسام كدة ليه ؟
– عشانك
ردت بوسى بصدمة :
– عشانى ؟
تابعت شيرى وهى تحاول ألا تتأثر لتذكرها تلك الأيام التى محتها من ذاكرتها , لكنها تعود إليها رغم عنها :
– عشان بيحبك , واتجنن لما عرف انك اتجوزتى
نظرت لها بوسى بصدمة ممزوجة بألم , ثم قالت وكأنها أفاقت لتوها إلى شئ ما :
– انا لازم أقابله
شهقت شيرى ثم قالت :
– تقابليه ازاى ؟ انتى ناوية تعملى اية بالظبط ؟
– مش هو بيحبنى انا , تبقى معركته معايا انا مش مع حسام
إستغرب شيرى ما تراه أمامها على وجه بوسى وفى كلماتها , هل هذه هى صديقتها الرقيقة ؟ أم هو الحب الذى جعلها تودى بحياتها فى مقابل من أحبت ؟
أمسكتها بكلتا يديها من ذراعيها , وبدأت تهزها قائلة :
– فوقى يا بوسى , اوعى تفتكرى نفسك جامدة وأده , انتى متعرفيش ياسر دة شرانى اد اية ؟
نزعت نفسها من بين يدها , وقالت بصرامة :
– عارفة كويس وإلا مكنش عمل كدة فى حسام
نظرت أمامها بنظرة تحدى لم تختبرها شيرى من قبل , وهى تتابع :
– انا هعمل كل اللى هقدر عليه عشان انقذ حسام , ولو مش ناوية تساعدينى خلاص خليكى انتى
رأت شيرى أمامها بقايا إمرأة تبحث عن وليفها الذى سوف يعيدها مرة أخرى إلى الحياة , رأت بعينيها نظرة إصرار وتصميم , وإستشعرت من خلالهما أنها لن تقدر على إرجاعها عن ما تنوى على فعله , فقالت ببعض القلق :
– طيب سبينى انا ارتب للموضوع دة , وهخليكى تقابليه
أماءت بوسى برأسها وهى تشعر ببعض الراحة
**************************************
توجهت إلى مكتبه بقلب ينتفض رعباً , وخطوات متعثرة , وأعين زائغة
طرقت على الباب بيد مرتعشة , شعرت أن هواء الغرفة كاد أن يسحقها حينما حمل صوته إلى أذنيها وهو يقول :
– ادخل
دلفت وهى تنظر إليه وقد كان غارق فى أوراقه , فقالت بصوت خرج من جوفها بصعوبة :
– انا ملقتش العقود بتاعت شركة الشامى
نظر لها بوجه ثائر وهو يقول بإستهجان :
– يعنى اية مش لاقياهم يا انسة ؟ اية عفريت جه واخدهم ؟
إبتلعت غصتها , ثم قالت وهى فى قمة توترها وقد إغرورقت عيناعها بالعبرات :
– مش عارفة بجد راحوا فين ؟ ممكن يكون الاستاذ حسام اخدهم من الشركة
قام من مكانه , وقال وهو يخبط بيده على المكتب مستنكراً لما تقوله :
– ممكن ؟
أشار بأصبعه أمامها وهو يقول محذراً :
– قودامك ربع ساعة وتكون العقود على مكتبى , وإلا هتتحولى للتحقيق يا انسة , الاستاذ حسام أكدلى انهم معاكى , يا إما بقى تكونى بعتيهم لحد , واكيد فى التحقيق هنعرف كل حاجة
إنهارت مع تلك الكلمات , ودخلت فى نوبة من البكاء لم تتمالك فيها نفسها , شعرت بحجم الخطأ الذى إقترفته بسذاجتها , ندمت على ما فرطت من مشاعر جعلتها تنجرف خلفها دون تفكير حتى خانت صاحب عملها الذى لا ذنب له غير أنه منحها تلك الوظيفة
إقترب منصور منها وأمسكها بقبضة حديدية من يده لذراعها , وقادها إلى المقعد حتى أجلسها عليه , وجلس بالمقعد المقابل لها , أسند مرفقيه على فخذيه وإنحنى تجاهها لينظر لها بتمعن كى يسبر أغوارها وهو يقول بحدة :
– عايز أعرف اية اللى حصل بالظبط ؟
***********************************
هذا اليوم يشبة سابقه من أيام كثيرة مضت , لا جديد يحدث , ولا شئ يشعر به سوى العجز فهو لا يقوى على فعل أى شئ , لا يقوى حتى على حماية زوجته أو حتى رؤيتها , تلك الحوائط الأربع تخنقه , تضيق عليه , ترقد كالصخر على صدره , تمنعه من التنفس , فهواءه فى رؤياها , ونعيمه فى نظرة عينها الحنونة

بدأ يدعو من بيده ملكوت كل شئ , الذى له القدرة وحده على أن يخلصه من هذا الكرب , كان يناجيه فى كل صلاة بعيون باكية وقلب خاضع ضعيف , كان يوقن أن الله لن يضيعه أبداً وسوف ينجيه من هذا الفخ الذى وقع فيه
***********************************
– ازاى عايزة تقابله ؟ دى اكيد اتجننت
ردت شيرى موضحة :
– احنا مش هنسبها , لازم نساعدها , زى ما كنا السبب فى اللى حصلها لازم نصلح غلطنا يا تامر
– ايوة بس انا مش موافق , انتى قلتى ان ياسر دة عايزها , يعنى أكيد هتكون فى خطر
– ما انا قلتلك مش هنسبها لوحدها قصاده , هنكون معاها من غير ما نظهر فى الصورة
قال ببعض القلق :
– خايف عليها
– ربنا يستر

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *