رواية ظنها د.مـ,ـية بين أصابعه (الفصل الواحد والتسعون إلى الرابع والتسعون) بقلم سهام صادق
…
توقف “عزيز” بسيارته في حي السيدة زينب ثم أرخى رأسه إلى الوراء مستندًا على مقعد السيارة.
بدء صوت أذان العشاء يملأ المكان ،فنفض رأسه مُستغفرًا ثم ترجل من سيارته.
دخل إلى المسجد الذي يأتي للصلاة فيه من وقت لآخر ثم أتجه إلى دورة المياة الخاصة به حتى يتوضأ.
ألتمعت عينين الحاج “عبدالرحمن” عندما أشار أحد العاملين لديه – في محل العطارة – نحو سيارة “عزيز”.
_ “عزيز” بيه شكله هنا يا حاج.
…
لقد ورطتها “سما” وأنتهى الأمر وها هي زوجة عمها تلتقطها من ذراعها حتى تريهم مهاراتها مثلما تفعل بقية فتيات العائلة.
خجلت بالبداية أن ترقص أمام أولاد أعمامها لكن مع فرحة عائلتها أندمجت معهم.
_ إن غاب القط ألعب يا فار.
هذا ما تمتم به “شاكر” بأستنكار عند دلوفه إلى منزل “نائل”.
…
جلس “عزيز” على أحد المقاعد وأمامه سحب الحاج “عبدالرحمن” المقعد الأخر.
_ كوبايتين شاي يظبطوا الدماغ مش كده يا حاج.
ضحك الحاج عبدالرحمن وتبسم “عزيز”.
_ ما أنت عارف طلبنا يا “وفيق”
أسرع “وفيق” عائدًا إلى داخل المَقْهى حتى يُجهز لهم طلبهم كما يفعل دائمًا.
_ شكلك مهموم يا “عزيز” وجاي تاخد مشورتي.
تنهد” عزيز” بنفس ثقيل وأخفض رأسه.
_ مصدوم على زعلان ومهموم يا حاج “عبدالرحمن” وجاي ليك عشان تقولي أعمل إيه.
ربت الحاج “عبدالرحمن” على يده.
_ همك شكله كبير يا “عزيز” ، أحكيلي.
أستند “عزيز” بذراعيه على الطاولة وزفر أنفاسه.
أستمع إليه الحاج “عبدالرحمن” بأنصات ثم أخذ يُردد.
_ أستغفر الله العظيم وأتوب إليه.
أنتهى “عزيز” من سرد ما صار يعرفه عن أبن شقيقه ومخاوفه ،فتساءل الحاج” عبدالرحمن”.
_ هتسمع نصيحتي يا “عزيز”؟
أسرع “عزيز” بالرد وهو ينظر إليه.
_ أكيد يا حاج.
بدأت حدقتيّ “عزيز” تضيق في ترقب ليتحول ترقبه سريعًا إلى حيرة ثم برقت نظرة عيناه بالدهشة والذهول معًا، هو ألقى بكل ما يجيش بصدره وأنتظر مَشُورة الحاج “عبدالرحمن” لأنه يثق برأيه وحكمته لكن ما يخبره به من نصيحة لا يستوعبها ولا يفهم ما ورائها.
_ مالك يا “عزيز” مستغرب من نصيحتي ليه ، صدقني “سيف” مش هتعرف تقومه غير كده ، أنت أديته كل حاجه لكن نسيت تعرفه أصله من البداية كان منين وإزاي أنت و “سالم” والحاج “رياض” الله يرحمهم تعبتوا عشان توصلوا لكل ده ، هاتوا يا “عزيز” هنا تحت عيني وجانبي… هاتوا يشرف على المعرض ويقرب مننا.
زفر “عزيز” نفسًا طويلًا ثم نظر حوله حيث المَقْهى البسيط الذي يجلس فيه مع الحاج “عبدالرحمن”.
_ ده مهندس ومعيد في الجامعة يا حاج “عبدالرحمن” ، أقوله إزاي يجي يمسك شغلي في حي السيدة زينب، أعقلها يا حاج.
أنشرحت ملامح الحاج “عبدالرحمن” ثم أبتسم وهو ينظر إليه بنظرة واثقة.
_فكر فيها يا “عزيز” وأنت هتستوعب كلامي وهتعرف إزاي تجيبه هنا يشتغل في الحارة وفي الأول والأخر ده مالكم وديه فترة مؤقتة يتحمل فيها شوية عنك..
الفصل الثالث والتسعون
🌻ظنها دمية بين أصابعه🌻
أتجهت أنظار والديه عليه فور وقوفه فجأة بعدما غادروا المصعد وفي عينيهم بريق صار يلمع كُلما أبصروا تلك الحياة التي تنبض في عينيه.
تأبط “صفوان” ذراع “حورية” مجددًا رابتًا على كف يدها ومبتسمًا.
رفع “صالح” عينيه عن حذاء صغيره بعدما أعاد ربط الرباط وتلميعه له بالمنديل ثم أنتصب واقفًا مُتسائلًا.
_ أناقة “يزيد” باشا كده تمام.
أخفض الصغير رأسه مُتأملًا حذائه ثم هز رأسه.
أبتسم “صالح” حينما تقابلت عيناه بعينين صغيره ثم مدَّ يده إليه.
_ هات أيدك يا حبيبي ، وزي ما أتفقنا نكون مؤدبين ولو زعلان من “زوزو” نقولها في بيتنا.
أسرع “يزيد” بالرد وهو ينظر إلى شقة الجد “نائل” المفتوح بابها ويخرج منها صوت الغناء.
_ أتفقنا يا بابي.
تحرك “صالح” وجواره سار الصغير الذي يرتدي نفس لون بذلته وتصميم الحذاء المُصمم للصغار.
أستدار الجد برأسه بوجه ممتقع حتى يرى نظرة حفيده إلى زوجته التي تناست مكانتها كزوجة لكنه لم يجد ورائه غير “صفوان” و “حورية”.
_ شايفين مرات أبنكم العاقلة ، ما هو حضرته مبقاش عامل راجل غير عليا.
بهتت ملامح “حورية” وألتفت إلى الوراء سريعًا لتجد “صالح” واقفًا ورائها.
أنفرج ثغر “شاكر” بأبتسامة ساخرة ثم بدء يهز رأسه مُستنكرًا ولم تخفى ملامح جده عنه.
_ بابا من فضلك ، سيادة اللواء عينه جات علينا.. أتحرك معايا وبعدين نبقى نتكلم.
أمتقعت ملامح “شاكر” وتحرك معه مُغمغمًا بكلام لم يسمعها إلا “صفوان” ، أخفض رأسه للحظة متنهدًا ثم رفعها و أبتسم.
توقفت “زينب” عن الرقص وأخذت تلتقط أنفاسها وعلى شفتيها أبتسامة عريضة وقد رأت في عينين “أشرقت” نظرة سعادة لتسرع “لبنى” إليها حتى تواصل.
_ وقفتي ليه يا “زينب” ولا عشان عيلة جوزك وصلت.
لم تحتاج “لبنى” لتلفت نظرها لوجودهم ،فها هو جدها و عمها “هشام” و “مصطفى” يتجهون إليهم مُرحبين.
_ بابي، سيب أيدي، أنت ماسكها جامد وأنا عايز أروح عند “زوزو” وجدو “نائل” و طنط “سما” وعمو “قصي”.
حاول الصغير إفلات يده عنه إلى أن أستطاع تخليص نفسه وهرول من أمامه.
أزدردت “زينب” لعابها وأحتضنت “يزيد” لكن نظرة “صالح” إليها جعلتها لا تنتبه على كلام “يزيد” لها وقد تشبث بحضنها.
لم تغفل عيناي “نائل” ولا “حورية” على حركة أهدابها ونظرتها المُحدقة نحو “صالح”.
نظرته إليها قبل أن يتحرك ويقترب من مكان وقوف عائلته و عائلتها،جعلتها تتأكد إنه يحمل داخله الآن غضبًا يرغب بصبه عليها وفي نفسها تمنت ألا يظهر ذلك أمام عائلتها و يكسرها أمامهم وهي التي رفعت رأسها لأول مرة بينهم.
_ زوجة حفيدي الغالية ، عايزين المرة الجاية نحتفل في القصر عندي بقدوم حفيد لينا جديد ولا أنت مش نفسك يا “نائل” تشيل أحفاد أحفادك.
قالها “شاكر” عن قصد عندما أقتربت “زينب” منه حتى تُصافحه ثم أتجه بأنظاره نحو “نائل”.
_ أكيد نفسي يا “شاكر” لكن برضو القرار قرارهم هما ،هي وجوزها أحرار…
شعرت “زينب” بالأختناق وهي تستمع إلى ما يرمي إليه “شاكر” وقد رأت في عينيه نظرة فهمتها سريعًا ، هذا الرجل يُحرجها أمام عائلتها ، ليجعلهم يلحون عليها بالذهاب إلى الطبيب ومعرفة سبب تأخر الحمل وربما يحمل داخله نية أخرى ويدفعها إلى السعي وراء إنجاب طفل ويتحقق ما يتوق إليه حتى تتخلص من إلحاحه.
توقَّدت عيناها بنظرة خاوية وتمنت لو صاحت بأعلى صوتها لتُخبر جدها بالوجه الأخر لصديقه لكن كل شئ تلاشى في اللحظة التي سحبها إلى حضنه.
_ فعلا يا سيادة اللواء القرار قرارنا إحنا وأنا و “زينب” شايفين إننا لسا مش مستعدين إننا نتحمل مسئولية طفل تاني وأكيد الباقي أنت فاهمه بقى.
أنقلب وجه “شاكر” للعبوس وأنخرس لسانه عن الكلام بعد نظرة “صالح” إليه وبهمس خافت تمتم “صفوان”.
_ بابا بلاش كلامك ده، “صالح” هيعند معاك أكتر وأنت عارف ومتأكد من كده.
أستشاط وجه “شاكر” وألقى بنظرة ساخطة نحو “زينب” التي أسترخت في حضن حفيده وأبتسمت.
إنه بدء يشعر بالضيق منها ، فهل أدخل بحياتهم حرباء صغيرة تسعى لتستولي على حفيده بالكامل وتجعله خاتم بأصبعه وهو من رأى فيها الفتاة المُطيعة المُضطهدة من قبل عائلتها.
أشاحت “أشرقت” عينيها عن المشهد ومثلها فعلت كل من والدتها و “يسرا” حانقين.
تمتمت ” لبنى” بوجه ممتعض وبصوت لفت أنتباه “يسرا”.
_ “مراد” كان عايز يحتفل معانا لكن أنا قولتله لأ، تقاليدنا العريس ميشوفش العروسه ليلة الحناء.
ألتوت شفتيَّ “يسرا” تهكمًا ورمقت “لبنى” بنظرة مُستنكرة.
_ ومن أمتى و أنتِ بتهتمي بتقاليد العيلة يا “لبنى”.
وأبتعدت عنها “يسرا” ثم نظرت نحو “سما” التي وقفت ترقص مع “يزيد”.
_ صبرك عليا يا “سما”، وقال إيه يا ماما حرام عليكي “زينب” مش عايشة سعيدة مع جوزها.. فبلاش تفضلوا تتكلموا عنها.
…
وضع “عزيز” كوب الشاي الذي أرتشف منه القليل بعد أن أصر عليه الحاج “عبدالرحمن” أن يطلب له مشروب أخر غيره.
_ أدعيلي يا حاج “عبدالرحمن”.
أبتسم الحاج “عبدالرحمن” بوجهه البشوش ورفع عيناه إليه بعدما نهض “عزيز”.
_ من غير ما تطلب يا “عزيز” بدعيلك وأسمع كلامي وأعمل بنصيحتي.
زفر “عزيز” أنفاسه ومازالت الحيرة تلمع بعينيه ثم أوْمأ برأسه ، فهو حتى هذه اللحظة ليس مقتنعًا بكلامه.
_ خليني أتمشى معاك لحد العربية.
قالها الحاج “عبدالرحمن” وهو ينهض مُستطردًا.
_ القاعده معاك ميتشبعش منها يا “عزيز”.
ضحك “عزيز” بخفة مُتمتمًا وهو يسير جواره.
_ قعدتي ديما بيكون فيها هموم يا حاج.
توقف الحاج “عبدالرحمن” عن سيره ونظر إليه مُتنهدًا.
_ و لا هموم ولا حاجة، أنت بس مشيل نفسك فوق طاقتك لو كنت سمعت كلامي من زمان وكنت أتجوزت مش كان زمانك دلوقتي بقى معاك عيل وأتنين.
أطلق “عزيز” زفيرًا طويلًا وأسبل جفنيه ، فواصل الحاج “عبدالرحمن” كلامه وهو يربت على كتفه.
_ أستغفر الله العظيم ، كله أمر الله وكله بمواعيد، الكون كونه وإحنا عباده وكل بتدبيره.
هذه المرة أطلق “عزيز” زفرته براحة.
_ أيوة كده يا حاج “عبدالرحمن” قويني بكلامك والحمدلله أنا راضي.
رمقه الحاج “عبدالرحمن” بنظرة تلمع فيها المحبة والودَّ.
_ ربنا يراضيك يا “عزيز” ويرزقك بالذرية الصالحة.
برقت عينين “عزيز” بلهفة صار يُصرح بها.
_ دعواتك يا حاج.
والزمن كفيل أن يُغيرنا ويُغير نظرتنا للأمور ويجعلنا مُتلهفين لأشياء لم تتحرك داخلنا إلا عندما يأتي وقتها…، ها هو تزوج عن حب وأنجذب نحو امرأة فتنته في البداية بجمالها وبات يتوق إلى اليوم الذي تخبره فيه بحملها لنُطْفة منه.
وَدَعْ “عزيز” الحاج “عبدالرحمن” وأنطلق بسيارته راضيًا لكن ليس مرتاح البال، فأمر أبن شقيقه مازال يدور برأسه.
_ أرشدني يا رب.
صاح بها بصوت عالي راجيًا الله أن يُرشده، فهو لا يُصدق ولا يستطيع تصديق ما عرفه وصدقه حَدَسَه.
_ ليه يا “سيف” ، ليه تكسـ,ـرني قدام نفسي كده وليه تخليني أسأل نفسي مليون سؤال، أنا قصرت في إيه يا أبن أخويا، ده أنا سيبتك تشتغل معاها عشان تعرفها على حقيقتها، أمك حية بتتلون.
وبغضب ضـ,ـرب عجلة القيادة بيديه.
_ لعبتيها صح يا “سمية” وأنتهزتي وقت أنشغالي بحياتي الخاصة ،عمري ما هخليكي تضيعيهم مني … دول ولادي أنا… “نيرة” و “سيف” أمانة اخويا ليا وعمري اللي ضاع وأنا بربيهم وبنحت في الصخر عشان أخليهم يعيشوا زي ما “سالم” أتمنى يعيشهم.
…
أشاح “قصي” عينيه عنها ثم أبتعد عن أجواء الحفل العائلي البسيط الذي صار هادئًا دون صخب.
_ قولتلك يا أبن “هشام” أتحدى أمك وأبوك وأسمع كلامي وأتجوزها،فضلت تقولي يا جدي “زينب” زي “أشرقت” عندي، أصل ماما مش بتحبها و بابا وأنت عارف.
أستدار” قصي” نحو جده الذي أتبعه بعد أن فهم سبب إنسحابه من بينهم.
_ بس عارف أنت صح، “زينب” عمرها ما كانت تنفع معاك ولا تنفع مع “هشام” و” لبنى”، جدك دلوقتي لو مات هيمـ,ـوت مرتاح.
أسرع “قصي” بأحتضان جده.
_ ربنا يباركلنا في عمرك يا جدو وتشوف ولادنا وتجوزهم كمان.
قَهْقَهَ “نائل” بضعف.
_ ليه يا سيادة الرائد هخلل في الدنيا ، أتجوز بس وفرحني بيك.
وبخفوت همس.
_ ما تفكر في “سما” ، وأنتوا صغيرين كنتوا مرتبطين أوي ببعض.
أبتعد “قصي” عن جده مصدومًا.
_ أنت بتقول إيه يا جدي.
_ بقولك بص كويس و فكر ولا عجبك أقتراحات “لبنى” ، ديه عايزه تجوزك بـ بنت “عدنان الهتيمي” ،أنا لحد النهاردة مش قادر أبلع العيلة ديه ومش عارف ليه قلبي مش مطمن بس اقول إيه أختك مصممه على الجوازه بعد ما كنت خليت “هشام” يقتنع برأي ويفكر من تاني إن النسب ده مش لينا.
زفر “قصي” أنفاسه دفعة واحده بعدما عاد غيظه من شقيقته ووالدته وأيضًا والده يندلع مرة أخرى داخله.
_ للأسف “أشرقت” متمسكة بالجواز منه ولو كانت قالت لأ كانت الجوازة وقفت.
_ ربنا يخيب ظننا.
وأستطرد “نائل” قائلًا بعدما التقط يد “قصي” وأتجه به نحو الجهة التي تسمح له برؤية “سما”.
_ عايزك تفكر كويس يا “قصي” في موضوع “سما” ، أنا جدك وعارف كويس دماغك … وصدقني يا بني الراجل بعد الجواز بيدور على الست اللي تريحه وتهون عليه أعباء الدنيا وتخففها عنه بكلمة حلوة و متقوليش إن أنا و “سما” عمرنا من عمر بعض وأنا وهي شايفين بعض أخوات وكلام ملهوش لازمة من وجهة نظري.
أراد مقاطعة جده والأعتراض ، فأردف “نائل” دون أن يعطيها فرصة للكلام.
_ نظرتك لـ “زينب” مش نظرة راجل حب ست وندمان إنه مطلهاش ، نظرتك نظرة تمنيّ إنك تلاقي واحدة زيها وفي الأول والآخر القرار ليك، أنا بوجهك مش أكتر وشوف قلبك هيقولك إيه.
أبتعد “نائل” عنه ونظر نحو “أشرقت” مغمغمًا.
_ قلبي مش مرتاح مش عارف ليه؟
…
توقف “عزيز” مكانه قاطبًا جبينه وهو يدور بعينيه بين “ليلى” التي تجلس قُرب “كارولين” ويتحدثن وقد تبدَّى عليها التأثر بكلام “كارولين”.
تجهمت ملامح وجهه عندما وجد “كارولين” تحتضنها وصاح بضيق حتى يلفت أنتباه” ليلى” .
_ “ليلى”..
أَجْفَلَ صراخه “ليلى” وأرجف جسدها ، فأبتعدت “كارولين” عنها بعدما تمالكت رعشة جسدها هي الأخرى.
_ أشكرك ” ليلى” ، سأفعل بنصيحتك مع “سيف”.
أبتسمت “ليلى” لها و ظهر على ملامحها التوتر عندما تقابلت عيناها بعينين “عزيز”.
نهضت “كارولين” من جوارها وهمست بصوت خافت ثم أطرقت رأسها أمامه.
_ مساء الخير.
أشاح” عزيز” وجهه عنها بعدما ألقى عليها نظرة ماقته، نظرة تزيدها رغبة في الحصول عليه.
تنهد ثم أقترب من “ليلى” التي أنتصبت واقفة.
_ حرام عليك يا “عزيز” خضتني وخضتها مش كفايه” سيف” واللي بيعمله فيها ، ده لسا خارج من الفيلا بعد ما أتخانق معاها.
أمتعضت ملامح “عزيز” وتساءل بنبرة ساخرة.
_ كانت بتشتكي ليكي من إيه وكمان أنتِ مش قولتيلي هتقعدي مع “عايدة” و “شهد” ولما أوصل أرن عليكي عشان تطلعيلي.
عقدت “ليلى” حاجبيها ببعضهما ثم زفرت أنفاسها.
_ “كارولين” جاتلي هناك عشان تطمن على “شهد” وبعدين قالتلي محتاجه تتكلم معايا شوية، أنت مش عارف يا “عزيز” “سيف” بقى بيعمل فيها إيه، ده غير إنها بتشك يعني….
وألتفت حولها ،فأمتقعت ملامح “عزيز”.
_ أنتِ بتبصي حواليكي كده ليه.
فركت “ليلى” يديها ببعضهما وتمتمت بخفوت.
_ الموضوع صعب أوي يا “عزيز”.
زفرة “عزيز” القوية جعلتها تُلقي ما بجبعتها سريعًا بعد أن ألتفت حولها مرة أخرى.
_ بتقولي إنها بتشك إنه بيخونها مع “بيسان”.
أوْمأ “عزيز” برأسه ، فأنفرجت شفتيَّ “ليلى” ذهولًا من ردة فعله.
_ هو أنت ليه عادي كده يا “عزيز” ، بقولك بيخونها.
_شافته بعينها.
تساؤل “عزيز” جائها حازمًا مما زادها دهشة.
_ بتبصيلي كده ليه ؟
ردت وهي لا تستوعب ردوده نحو أمر كهذا.
_ مستغربة ردة فعلك يا “عزيز”.
التقط يدها وتحرك بها متمتمًا.
_ أنا راجع تعبان يا “ليلى”، خلينا نطلع أوضتنا.
تراجعت “كارولين” وأختبأت خلف أحد الأعمدة التي تحجب رؤية أحد لها بعدما وجدتهم يصعدون الدرج مُتشابكين الأيد.
…
ضر..ب “شاكر” الأرض بعصاه الأبنوسية بوجه ممتقع عند دلوفه إلى الفيلا، فتوقف كلا من “صفوان” و “حورية” مكانهم.
_ مرات أبنك تاخديها المستشفى بتاعتنا وتشوفي دكتور مُتخصص في النسا شاطر وتقوليلي بعدها عندها عيب يمنع الخلفه ولا دلع ستات ماسخ ملهوش لازمه.
أحتقن وجه “حورية” ونظرت إلى “صفوان” الذي أشار لها بعينيه أن تسبقه إلى أعلى ثم أستدار إلى والده.
_ الدكتورة مش عجبها الكلام ولا هي فرحانه بأبنها سيادة الطيار اللي بقى خيخة في أيد مراته.
لم تشعر “حورية” بنفسها وتخلت عن صمتها بعدما أزدادت ملامح وجهها أحتقانًا.
_ عمي مسمحش ليك.
_ والله عال العال يا دكتورة، شكلك هتتعلمي من مرات أبنك ، هي غلطتي من الأول لو كنت أختارت له بنت المستشار ولا بنت الدكتور الجامعي، رايح أختار لحفيدي واحده جدتها خطافة رجاله.
_ كفايه بقى، أنت فاكر أبني إيه…
صرخت حورية بعد أن فاض بها ، فأتت “رغد” ركضًا من الأعلى وقد أذهلها ما تراه و تسمعه.
_ أتصرف يا “صفوان” مع أبوك بدل ما أسيب ليك البيت وأروح أعيش مع أبني.
أسرعت “حورية” إلى أعلى عازمة على إتخاذ قرار يمحي ضعفها أمامه.
_ عجبك كده ،أنت بتعمل كده ليه فينا، قولي سبب واحد…حبك لـ “صالح” حب مرض… عايزه ليه يكون نسخه منك.
أطرق “شاكر” بعصاه لعدة مرات بوجه قاتم.
_ لو مرات أبنك مخلفتش تخرج من حياتنا،والدكتورة لو خرجت من باب الفيلا قولها تنسى تمويل الجمعية الخيرية بتاعتها.
تحرك “شاكر” من أمامه مشيرًا إليه ألا يتحدث ونظر نحو “رغد” التي وقفت عند منتصف الدرج تتابع ما يحدث.
_ إظاهر إني فشلت في أختياري ، قول لمراتك يا دكتور تسمع الكلام وتفضل تحت طوعي بدل ما أنتوا عارفين أقدر أعمل إيه كويس.
…
ضمت “ليلى” كفوف يديها ببعضهما وأتبعته بحيرة ، نظر إليها “عزيز” ثم ألتقط ملابس نظيفة له.
_ تقدري تلبسي اللي يريحك يا “ليلى”.
تركت ثوب النوم القصير الذي ألتقطته ونظرت إليه ،فأقترب منها ووضع قبلة أعلى رأسها متمتمًا بصوت رخيم.
_ أنا هنام يا حببتي لأني مُرهق.
ضاقت حدقتاها وأنعقد لسانها عن الكلام وشعرت بأشتعال خديها خجلًا.
غادرت بعد دقائق غرفة الملابس بعدما أرتدت ثوب نوم مُحتشمًا ومُريحًا.
ألقت بنظرة خاطفة نحوه ،فوجدته مُستلقيًا على الفراش.
وضعت العطر المفضل الذي يحب شم رائحته عليها ثم مشطت شعرها وهي تختلس النظر إليه.
_ “عزيز” ،أنت زعلان من حاجة…
فتح عينيه وأشار إليها أن تأتي إلى جواره، تركت المشط من يدها وأتجهت إلى الفراش تتساءل.
_ هو إحنا مش سر بعض يا “عزيز”، قولي مالك؟
أغلق “عزيز “عينيه لوهلة ثم تنهد وألتقط أحد أيديها.
_ “ليلى” عايزك تسمعي كلامي كويس، اِحْتَرَسي من” كارولين” ومتسأليش ليه وأياكي تخبي عني حاجة يا “ليلى” مهما حصل… أنا أكتر حد هيخاف عليكي حتى من نفسي.
خفق قلبها فزعًا وحدقت به.
_ أنت بتخوفني ليه يا “عزيز”.
ذعرها الطفولي جعله رغمًا عنه يضحك.
_ ما ديه الطريقة اللي بتجيب معاكي نتيجة يا “ليلى” وممكن تعترفي بعدها بكل حاجة بتعمليها من ورايا.
هربت بعينيها بعيدًا ،فهى بالفعل كانت ستخبره بمشروعها هي و زوجة عمها ومساعدتها لها بالمال الذي كان بحوزتها لكن بعد مزاحه هذا… دفعته على صدره بضيق وأشاحت وجهها عنه.
_ حرام عليك بجد يا “عزيز” ،كلامك خوفني وحسيت إن في حاجة وحشة ممكن تحصل.
ضحك وأجتذبها إلى حضنه رابتًا على ظهرها.
_ طول ما حبنا قوي يا “ليلى” هنعدي حاجات كتير سوا، أهم حاجه متخبيش عني حاجة مفهوم.
طال انتظاره لسماع الكلمة منها ثم قطب ما بين حاجبيه وأبعدها عن حضنه ونظر إليها بنظرة ثاقبة.
أرتبكت و أسرعت بتحريك رأسها ، أفتر ثغره عن أبتسامة خفيفة.
_ لأ أنا مش عايز مراتي تكون جبانة ، أنتِ زوجة
“عزيز الزهار” …
لقد توقف منذ فترة أن يجعلها تُردد له تلك العبارة التي تعيد إليها ثقتها ومكانتها بحياته.
_ أنا زوجة “عزيز الزهار” التاجر الشاطر وأحن راجل في الدنيا كلها
حضنها بقوة قائلًا بلهفة.
_ عايز طفل يا “ليلى”، نفسي في طفل من صلبي ومنك..
….
لقد عادت إلى المنزل أخيرًا بعد ساعات طويلة قضتها في منزل جدها ، عادت إلى المكان الذي تعود فيه إلى “زينب” الحُرَّة التي لا تتجمل ولا تتصنع حتى تُبهر من حولها.
_ حاسة إن جسمي كله وجعني.
قالتها بتلقائية وقد ظنت إنه لم يعد يتذكر أمر تلك الرقصة.
_ ما لازم جسمك يوجعك بعد فقرة الرقص العظيمة.
سخريته كانت واضحة وكادت أن تتحدث إلا أن “يزيد” بادر بالكلام بعدما فتح عينيه ورفع رأسه عن كتف والده.
_ “زوزو” رقاصة حلوة يا بابي، خليها ترقص ليك أشمعنا هما وأنت لأ.
أحتدت عيناه ونظر إليها بعدما أنفلتت منها شهقة قوية.
_ مبسوطة برأي الولد ، شكرًا لتقديرك يا “زينب” هانم.
هتف بها بوجه جامد وتحرك نحو غرفة صغيره.
_ بابي أنا عايز انام معاك، أنت وحشتني أوي.
وقفت” زينب” مصدومة تُحدق بظهره ولم تنتبه على طلب “يزيد” إلا عندما رد عليه.
_ تعالا يا حبيبي.
تحرك هذه المرة جهة غرفته صائحًا بصوت خشن.
_ أحترامك ليا كان فوق الوصف حقيقي ، راجعي نفسك كويس أوي.
تثاءب “يزيد” و أستدار برأسه نحوها.
_ “زوزو” كانت في فرح طنط “ليلى” بترقص أحلى.
جحظت عيناها على وسعهما عندما أرتفع صوته هذه المرة على “يزيد”.
_ “يزيد” غمض عينك ونام.
نفذ الصغير أوامر والده سريعًا ،فتحركت “زينب” ورائهم.
_ “يزيد” ملهوش ذنب عشان تشخط فيه.
_ “زينب”
صرخ بها بعدما سطح صغيره منتصف الفراش.
_ أيوه أنا غلطانه بس نتكلم براحه…
_ “زوزو”، بابي أنا عايز أنام…
عقدت ذراعيها أمامها حينما خرجت زفرة طويلة من بين شفتيه.
_ أنا كنت عايزه أفرح وسط عيلتي وأنت شوفت بنفسك كلنا كنا فرحانين إزاي.
وأقتربت منه ووقفت قبالته.
_ “زينب” خلينا ننام ، لو قولت أي كلمة دلوقتي هتزعلي مني لأن لا أنا ولا أنتُ مُستعدين نتناقش.
تدخل الصغير في حديثهم رغم ثُقل أجفانه لشدة نُعاسه.
_ أسمعي كلام بابي يا “زوزو” عشان تكوني شطورة زي “يزيد” وتنامي في حضنه.
وهل بعد كلام “يزيد” تستطيع إلا التبسم وهمست بصوت خافت لم يسمعه “صالح” الذي أتجه إلى الحمام.
_ بابي مهما عمل وقال الليلادي ولمدة أسبوع هسامحه…
وأطبقت جفنيها متنهدًا وشاردة في تفاصيل اليوم بأكمله.
أنقضت هذه الليلة وقد نام كل منهم على طرف الفراش وتوسطهم الصغير الذي غفا و على شفتيه أبتسامة مُطمئنة وسعيدة لوجوده بينهم.
…
أعتلت الدهشة ملامح “سمية” عندما وجدت “كارولين” تدلف ورائها غرفة مكتبها ثم أغلقت الباب.
رمقتها “سمية” بنظرة اِستعلاء ثم سارت نحو طاولة مكتبها.
أستجمعت “كارولين” شجاعتها ثم أسدلت أهدابها.
كادت أن تُخبرها “سمية” أنها مشغولة ولا بال لها أن تسمع شَكْوَى منها.
خرج الكلام دفعة واحدة من شفتيَّ “كارولين” ، فأستدارت “سمية” جهتها.
_ “سيف” لن يُنفذ خطتك من أجل الأيقاع بـ “ليلى”، أنا سأخبرك بمن سيفعل هذا الأمر.
أقتربت منها “سمية” بحذر وتفحصتها بنظرة طويلة تحمل تساؤلها.
_ أبنة عمها!!
….
في الساعة الرابعة عصرًا، توقفت سيارة “مراد” أمام أحد الفنادق الكبرى.
فتح له سائقه الباب وتحرك ورائه أحد رجاله.
بخطوات واثقة غادر المِصْعد وقبل دلوفه تم إخلاء الجناح المحجوز لعروسه ولم يبقى به سوى هي و والدتها.
أندهشت “لبنى” عندما وجدته أمامها وقد غادرت أيضًا تلك الفتاة التي تقوم بتَقْلِيم أظافرها.
_ ده مش ميعاد جلسة التصوير يا “مراد”.
ثم نظرت حولها.
_ البنات راحوا فين فجأة؟
أبتسم وأشار إلى الرجل الذي أتبعه أن يُغادر الغرفة.
_ فين “أشرقت”؟
ألتوت شفتيَّ “لبنى” ورمقته بنظرة مُستاءة.
_ في الحمام والمفروض لما تطلع تكمل خبيرة التجميل تَزَيَّنَها.
أرادت “لبنى” مواصله كلامها الذي لا يزيده إلا بغضًا لعجرفتها.
_ تحبي نبدء كلام ولا نستنا “أشرقت” عشان تكون حاضرة في الصورة.
زفرت “لبنى” أنفاسها بحنق منه.
_ هنتكلم في إيه يا “مراد” ، أنت واخد بالك فاضل أد إيه على جلسة التصوير.
قَهْقَهَ عاليًا.
_ لا متقلقيش واخد بالي أوي يا “لبنى” هانم.
أستنكرت “لبنى” كلامه ودفعته من أمامها.
_ لأ أنا هكلم سيادة المستشار يجي بنفسه يشوف مالك.
توقف عن الضحك وألتقط منها الهاتف.
_ ما بلاش سيادة المستشار يكون موجود، مش هيستحمل يشوف تربية بنته سيادة المستشارة وصلت لحد فين.
أشتعلت نظرات “لبنى” غضبًا ودفعت بيده التي يقبض بها على الهاتف.
_ هات التليفون.
وفي اللحظة التي ترك فيها الهاتف لها ، وضع أمامها ذلك التقرير الطبي الذي ظهر به اسم أبنتها واضحًا.
ألتقطت منه “لبنى” التقرير حتى ترىٰ ما به بعدما أحتل القلق قلبها وخشيت أن تكون أبنتها مريضة وتخفي عنها مرضها.
أنتبهت “أشرقت” على صوت “مراد” ورددت اسمه بصوت مُرتجف.
_ “مراد ”
تسارعت دقات قلبها وأسترقت السمع.
_ أنت اللي عملت فيها كده، ضحكت على بنتي.
صرخت به “لبنى” بصوت مرتعش ، فأرتعشت يد “أشرقت” التي ترفع بها طرف ثوب زفافها وتيبَّست في وقفتها وقد بدء الهلع يتسلل إلى قلبها.
_ لا، لا أنت جاي أكيد تهزر.. بنتي أنا كانت حامل وأجهـ.ـضت.
تجلجلت ضحكة “لبنى” بصوت عالي بعد أن ألقت ما بيدها على وجهه.
تقبل ردة فعلها بأبتسامة ، فدفعته بعيدًا عنها حتى تتجه إلى الغرفة التي يتم تَزَيَّنَ أبنتها بها كـ عروس.
شَحَب وجه “لبنى” وتحولت ملامحها السعيدة إلى أخرى واجمة وأقتربت منها بعد أن وجدتها واقفة وتُكمم فمها بيدها حتى لا يخرج صوت بكائها.
_ تعالي أسمعي البيه بيقول ليا إيه، أنا بنتي سيادة المستشاره يتقال عليها كانت حامل وأجهـ.ـضت.
عادت ضحكات “لبنى” تصدح بأرجاء الجناح الواسع الذي صارت لا تشعر بوسعه، إنها تحتاج الآن إلى الهواء حتى تستطيع التنفس.
_ ردي عليه وأرمي له دبلته في وشه.
أنسابت دموع “أشرقت” وخرج صوت بكائها بتقطع ليزداد وجه “لبنى” شحوبًا.
_ ساكته ليه، ردي…
رواية ظنها دمية بين أصابعه.
بقلم سهام صادق.
الفصل الرابع والتسعون
🌻ظنها دمية بين أصابعه🌻
أين هو ذلك الشعور الذي غلف فؤاده بلذة الزَّهْو وبرقت معه عينيه بنظرة لا يطلقها نحو ضحيته إلا وهو منتصرًا وخصمه يقف أمامه مذلولًا يتوسل إليه بأن يرحمه؟ أين أختفى ما كان يشعر به منذ البداية، منذ أن قرر أن يتلاعب بها ويجعلها طَوْعَ بنَانِهِ؟ أين هي تلك المشاعر التي دفعته ليستمر حتى ينال ما أراد؟
_ ردي عليا، قوليلي إنه كداب، بنتي عمرها ما تعمل كده.
هزتها “لبنى” بكل قوتها وصاحت بحرقة و رجاء.
_ قولي إنه كداب وأنا هخلي بابا يدفعه هو وعيلته تمن كلامه.
لم تتحمل “أشرقت” رؤية والدتها أمامها بهذا الأنهيار وخرج صوت بكائها المكتوم.
تقهقرت “لبنى” إلى الوراء حتى يتسنَّى لها رؤية ملامح أبنتها بوضوح وتتأكد من حقيقة صارت واضحة ثم أطرقت رأسها تسأل نفسها بصوت مسموع.
_ عملتي فينا وفيكي كده ليه؟ بنتي أنا كانت حامل.. بنتي العروسة والنهاردة فرحها كانت حامل، لأ أكيد بيضحك عليا.
وأقتربت “لبنى” هذه المرة بهدوء من “مراد” الذي وقف مُعطيًا لها ظهره وأجتذبته من ذراعه برفق عكس ما حدث قبل قليل وتساءلت بلطف.
_ “مراد” حبيبي، قولي إنك بتهزر معانا يا حبيبي.
أغلق جفنيه وأطبق شفتيه، فالكلام أنعقد على طرف لسانه.
_ بصيلي يا “مراد” يا حبيبي.
أستندت “أشرقت” بجسدها إلى أقرب جدار ثم وضعت يدها على شفتيها حتى تكتم صوت بكائها وبالكاد خرج صوتها.
_ كفاية يا ماما، كفاية أرجوكي.
تجمدت ملامح “لبنى” بعد سماع رجائها وألتفت إليها قائلة بحدة :
_ مش عايزه أسمع صوتك، سبيني اتكلم مع “مراد” حبيبي.
وبأبتسامة مهزوزة أردفت وهي تهز جسده برفق حتى ينظر إليها.
_ كده برضو يا “مراد” تعكنن علينا في يوم زي ده، لأ أنا زعلانه منك.
أرتعشت أجفانه وتهدجت أنفاسه مُقاومًا صوت الضجيج الذي أقتحم رأسه فجأة وتلاشى كل شئ من حوله.
_ رد عليا يا “مراد” يا حبيبي، ده أنا قولت إن بقى عندي تلت ولاد مش ولدين.
تحركت “أشرقت” بصعوبة نحوها وقد أعتصر الخزى والألم روحها المُهشمة.
_ ماما خلاص، عشان خاطري بصيلي.
باغَتَتها “لبنى” بدفعتها القوية ثم صاحت بها.
_ أسكتي خالص مش عايزه أسمع صوتك.
توقفت “أشرقت” عن البكاء وحدقت بثوب زفافها الذي أفترش الأرض مع سقوطها.
_ أنا عارفه إني ديما كنت سخيفة معاك ، أوعدك من النهاردة يا حبيبي مش هزعلك تاني.
تداخلت الأصوات مع بعضها وألتمعت نظرة الخواء بعينيه مع صوت توسل “لبنى” إليه وتكرّرها لكلمة بُني.
« أنا بعلمك قساوة القلب لأنها هتنفعك في شغلنا وبكره هتشكرني، أبن “عدنان الهتيمي” لازم يكون قلبه ميت.»
_ إيه ده التليفون بيرن، ده بابا يا “أشرقت”…سيادة المستشار ،هخرج أكلمه بره وراجعه ليكم.. عايزه ارجع ألاقيكم نهيتوا المهزله ديه.
أسرعت “لبنى” بالتحرك وأنسابت دموعها وهي تغلق باب الغرفة ورائها وها هي أخيرًا تستوعب الصدمة التي يرفضها عقلها.
_ لا لا بنتي متعملش كده، بنتي سيادة المستشارة أستحالة تعمل كده هو بس بيهزر هزار سخيف معايا عشان ينتقم مني، ما أنا كل مرة يزورنا فيها أقوله إحنا عيلة مش بتناسب أي حد والتشتت العائلي اللي انتوا فيه ده مينسبش عيلتنا لكن نعمل إيه بنتي عايزاك.
تحدثت بها “لبنى” وهي تستند إلى باب الغرفة بوهن دون أن تتوقف دموعها ثم أبتسمت.
_ أنتِ بتعيطي ليه يا “لبنى”، آه أكيد بتعيطي من فرحتك.. لأ أبتسمي كده.. النهاردة فرح بنتك سيادة المستشارة.
ثم تمايلت بخطوات متعثرة تحت نظرات الواقف من رجال “مراد”.
ساد الصمت أرجاء الغرفة بعدما غادرت “لبنى” وتركتهم دون أن تستوعب الصدمة.
أرتفع صوت “أشرقت” بالبكاء قهرًا وأخذت تتمتم.
_ كنت عارف، كنت قاصد تكسرني، كنت مخطط لكل حاجة لكن أنا كنت غبية و حبيتك.
أستدار “مراد” جهتها في تلك اللحظة، فكتمت صوت شهقاتها بكلتا يديها عندما وجدته يصرخ بعلو صوته.
_ كدابين، كلكم كدابين محدش فيكم حبيني، أنتوا محبتوش غير نفسكم…
أرتجف جسد “أشرقت” خوفًا من رؤيتها له وهو يقترب منها بنظرة يندلع منها الظلام الكامِن داخله. زحفت وهي جالسة أرضًا ثم أسرعت بأحتضان جسدها.
_ أبعد عني، أنا هنتقم منك،هخلي بابي يدفعك التمن الغالي.
أبتسم “مراد” أبتسامة واسعة وأنفجر ضاحكًا وقد أطربه تهديدها.
_ وهيدفعني التمن غالي إزاي بعد ما فضيحة بنته هتكون على كل لسان، و يا حرام مش بعيد يروح فيها هو و “لبنى” هانم بعد ما الخبر يكون حديث الموسم.
لقد أيقظت شيطانه الذي أخمدته “لبنى” بكسرتها أمامه كأم ولا يعلم لِما لحظتها تذكر والدته وتوسلاتها أمام والده.
حجظت عيناي “أشرقت” بنظرة مذعورة وتشبثت بثوب زفافها وأشاحت بوجهها عنه.
_ أنت مش معقول تكون إنسان طبيعي.
أوْمأ برأسه مُبتسمًا بأنتشاء ووضع يده على خدها حتى تنظر إليه.
_ حظك يا “شوشو” وقعك مع الأشرار والغلطة عندنا بفوره، يلا بقى قوليلي عايزه عقابك يكون إزاي، نكمل الفرح وبعدين أسيبك ولا منكملهوش ونسيب القيل والقال للناس وأنتِ وحظك.
هي بالتأكيد تعيش كابوس وليست حقيقة، كيف لم ترى صورته الحقيقية من قبل وتستشعر بنواياه الدنيئة.
_ متفكريش كتير يا حببتي في شخصيتي لأنك عمرك ما هتفهميها بس أقولك أنا خلاص قررت، كفايه فضحتك قدام “لبنى” هانم وكسرت نفسها، أمك بصراحه كانت معايا لا تُطاق بتفكرني بواحدة كده بتحب تظهر قدام الناس إنها هانم وهي في الأصل…
وفي لحظة أختفى كل شئ أمام عينيه وتحركت يده نحو خده الذي سقطت عليه صفعتها.
أرتعدت أوصالها وهي ترى نظرة الشر التي أشتعلت بحدقتيه وبصوت حاولت إخراجه قويًا لكنها فشلت.
_ مش هتقدر تعملي حاجه….
_ “مراد” بيه أفتح الباب من فضلك، والِدة الهانم وقعت من طولها.
أنقطع الكلام وأنتفضت من ثوب العروس المكلومة وخرجت صرخة قوية من شفتيها ثم دفعته عنها وأتجهت نحو الباب ومن حسن حظهم أن الطابق كان فارغًا بأكمله، فكل شئ مخطط له بدقة.
…
وضعت “زينب” طبق الطعام أمام “يزيد” الذي خرج صراخه في ذعر عندما رأي القناع الأخضر على وجهها، صرخت معه رغمًا عنها إلى أن توقفوا عن الصراخ.
اخْتبأ “يزيد” أسفل الطاولة محاولًا إلتقاط أنفاسه ثم تمتم بصوت متقطع.
_ أنتِ مش “زوزو” أنتِ المقنع الأخضر.
عقدت “زينب” حاجبيها لتشبيه لها بالرجل المُقنع ثم أسرعت بوضع يديها على خديها.
مررت أصابعها على ما وضعته ولم يجف بعد على وجهها وتساءلت.
_ هو أنا شكلي يخوف أوي كده؟
هز “يزيد” رأسه وهتف بخوف.
_ أنا خايف منك يا “زوزو”، بابي لو كان هنا هيخاف منك هو كمان.
زمَّت شفتيها بعبوس، فالصغير أستطاع جرح كرامتها العزيزة وأنوثتها الغالية.
_ طب أطلع يا حبيبي متخافش وأنا شوية كده همسح الماسك من على وشي.
أسرع “يزيد” بالرد بعدما أخرج رأسه من أسفل الطاولة.
_ لأ أمسحي الأول يا “زوزو”.
أقتربت “زينب” من تلك الجهة التي أخرج منها رأسه، فزحف على ركبتيه هربًا منها.
_ متقربيش مني يا “زوزو”.
أنفلتت تنهيدة من صدرها ثم جلست أرضًا.
_ لأ أنا كده زعلت يا “زيدو” وأنا النهاردة حساسه أوي، هعيط خلاص.
تظاهرت بالبكاء، فتحرك “يزيد” نحوها وجلس جوارها.
_ متزعليش يا “زوزو”، لو بطلتي عياط هخلي بابي يجيبلك شيكولاته…
أكملت “زينب” تظاهرها بالبكاء وهتفت.
_ بابي مش هيجيبلي شيكولاته عشان زعلان مني..
رمقها “يزيد” بنظرة جعلتها ترغب بالضحك وأقترب منها حتى تلاصقت ركبتيهم معًا ونظر إليها.
_ ليه بابي زعلان منك، أنتِ مش بتعملي حاجة تزعله يا “زوزو” وهو كان مبسوط منك وأخدك معاه رحلة طويلة وسيبتوا “يزيد”.
ثم رفع يديه وبدء يعد على أصابعه عدد الأيام التي قضوها في رحلتهم وتناسوا أمره.
شعرت “زينب” بالضيق من رؤيته لتأثر الصغير لغيابهم.
_ خلاص بقى يا “زيدو” متزعلش، أخر مره نسافر وأنت مش معانا.
صدح صوت “يزيد” فجأة بتهليل.
_ بجد يا “زوزو”، أنا بحبك أوي.
دمعت عيناها وأحتضنت وجهه وبتحشرج خرج صوتها.
_ و “زوزو” بتحبك أوي أوي…
أرتمى “يزيد” بين ذراعيها ولم يشعروا بمجئ “صالح” لأرتفاع صوت التلفاز.
_ “زوزو” أنا هتخنق كده، سيبيني بقى… ياريت بابي يجي عشان تحضني هو.
أبعدته عن حضنها حتى تستطيع دغدغته.
_ لأ أسيبك إيه ده في طار قديم بينا من أمبارح، بقى أنا رقاصة يا “يزيد ” والنهاردة بتقولي شبه المقنع الأخضر وكمان بقولك بابي زعلان مني وقالي مش هيحضن غير يزيد بعد كده.
قوس “صالح” شفتيه بأستنكار ، فهل هي تخْتلق حديث لم يتفوه به؟
قهقه “يزيد” بضحكات متقطعه وقد ألمته معدته من شدة الضحك والدغدغة.
_ خلاص يا “زوزو” سامحيني… هقول لـ بابي إنك مش رقاصه، طنط “سما” هي الرقاصة بتاعت الفرح.
_ لأ ما خلاص بعد إيه، لازم أخد حقي.
أخفى “صالح” تلك المشاعر التى برقت بعينيه وتنحنح بصوت عالي حتى ينتبهوا على وجوده.
توقفت “زينب” عن دغدغته ورفعت رأسها مُزدردة لعابها ببطء.
_ بابي، ألحقني من أيدين الرجل المقنع.
وأنفلت من يديها ضاحكًا وقد لفت أنتباهه نحو ما تضعه على وجهها ومظهرها بأكمله.
_ أنتِ عامله في نفسك كده ليه؟
أشاحت وجهها عنه بحرج ونهضت من الأرض وهرولت مُبتعدة عنهم.
_ هروح أغسل وشي.
كَبَل “يزيد” ساقين والده ، فمسح “صالح” على رأسه مُتسائلًا.
_ أنت زعلتها في حاجه يا “يزيد”.
رفع “يزيد” رأسه إليه قائلًا بعد أن فكر قليلًا.
_ قولتلها إنك بتخوفي وشبه الرجل المقنع، “زوزو” بتخوف يا بابي صح.
داعب رأس صغيره بلطف.
_ الأكل بتاعك هيبرد، روح كمله يا حبيبي عشان بعد كده نجهز.
أبتسم “يزيد” مُتذكرًا أمر حفل الزفاف ورؤيته لـ “عُدي” صديقه.
_ هخلص طبقي كله يا بابي وأنت شوف “زوزو” عشان قالتلي إنها عايزه تعيط لأن أنت زعلان منها..
وأستطرد بحديثه قبل أن يبدء بتناول طعامه.
_ متزعلش من “زوزو” يا بابي وأنا هخليها ترقصلك زي ما رقصت حلو في فرح طنط “ليلى” أصلها في فرح طنط “أشرقت” رقصها كان عادي وطنط “سما” كانت أحسن منها حتى أسأل نانا.
تحرك من أمام صغيره الذي حرك داخله شعور الغيرة مرة أخرى بل وأشعلها بعد أن حاول عقله تجاوز الأمر.
_ طب أعمل إيه دلوقتي أفضل على زعلي منها ولا أدخل أشوفها، لأ خلاص هدخلها وأمري لله وهخليها لوحدها تعترف بالغلط بس كله بالعقل…
_ “زينب”…
أرتفع صوت ندائه لها قبل أن يدلف إلى الغرفة ليجدها تخرج من الحمام وهي تُجفف وجهها بالمنشفة.
_ المفروض نكون جاهزين على الساعه الكام؟
سألها وهو يقترب منها ثم أجتدب المنشفة عن وجهها.
_ حلو الماسك تصدقي تأثيره واضح.
توهجت ملامحها وكأنها طفلة صغيرة وأبتعدت عنه حتى ترى وجهها بالمرآة، فقاوم رغبته بالضحك.
_ مقولتليش هنكون جاهزين على الساعة كام؟
حركت وجهها يمينًا ويسارًا حتى ترى تأثير ما وضعته على بشرتها.
_ يعني على الساعه السابعة نكون جاهزين، أنا حضرتلك لبسك أنت و “يزيد” ، “يزيد” هياكل وبعدين ياخد شاور، أحضرلك الغدا ولا هتدخل ترتاح شوية.
أغلق عينيه للحظة مستمتعًا بحديثها المنصب عليه هو وصغيره ثم فتحهما وأقترب منها، فــ توترت من وقوفه ورائها.
تقابلت عيناهم بالمرآة حينما أخذ يُحرر خصلات شعرها من البكرات التي تلفهم بها.
_ حضرتي فستانك، كل حاجة خاصة بيكي.
خفق قلبها وهزت رأسها إليه وهي لا تُصدق إنه تناسى أمر ليلة أمس.
_ تمام…
كلمة واحدة قالها وأنسحب من الغرفة دون أن يُعقب على أي شئ أخر منتظرًا إنتهاء العُرس بسلام.
قطبت جبينها بحيرة وهي تنظر نحو بكرات الشعر التي وضعها في يديها.
_ هو زعلان مني ولا مش زعلان.
……
ترك “عزيز” ما بيده من أوراق زافرًا أنفاسه بثقل وحيرة.
أغلق عينيه مستندًا برأسه إلى ظهر مقعده مغمغمًا بخفوت ومرارة.
_ كتافك تقلت يا “عزيز” وياريتك طلعت قدها.
وَشدَّدَ من غلق عينيه قابضًا بيديه على ذراع المقعد وقد عاد عقله يستعيد أمورًا من الماضي، يستعيد حقيقة أخبرته بها قبل أبتعادها عن حياتهم.
« مهما حاولت تبعدهم عني، هيجي يوم وأخدهم منك يا “عزيز” وخصوصا “سيف” مش هسيبه ليك، هكسرك في يوم فيه.. هخليك تتأكد إن عمرك ضاع هدر وزرعت في أرض مش ليك.»
أنتفض جسد “عزيز” وفتح عينيه بعدما أتى طيف “سمية” أمامه.
_ لا يا “سمية” مش هتضيعي زي ما ضيعتي أخويا ووصلتي إنه يشرب عشان يهرب من خنقته وحيرته.
أطلق “عزيز” تنهيدة طويلة من صدره ثم أستند بساعديه على طاولة مكتبه مُحتضنًا رأسه بين كفوف يديه.
« بشرب حشـ.ـيش عشان أنسى يا “عزيز” .»
« تنسى إيه يا “سالم” ، شاركيني همومك يا أخويا.»
ونظرة شقيقه إليه تلك الليلة لم ينساها بعدما أتضحت له جميع الأمور بعد وفاته.
« بلاش أشيلك الهموم بدري يا “عزيز”، عيش شبابك يا أخويا، بكره تشيلها لوحدك.»
« عشان خاطري يا “سالم” بطلها، أنت حتى مكنتش بتشرب ســجـ.ـاير.»
واليد التي كانت تربت على كتفيه رحل صاحبها وترك خلفه شقيقً يبحث عن شقيقه في كل لحظة ومكان جمعهما.
« حاضر يا “عزيز” هحاول، تعرف يا “عزيز” ساعت بحس إن أنت أخويا الكبير مش الصغير، أنت ضهري يا “عزيز” أتمنى أشوف ولادنا مع بعض كده في يوم.»
أنفلتت دمعة من عينين “عزيز” مسحها سريعًا بعدما فتح العم “سعيد” باب الغرفة فجأة.
_ أنت هتفضل حياتك كده شغل في الشغل حتى يوم الأجازة اللي أنت واخده، قاعد في أوضة المكتب بتشتغل.
تمتم بها العم “سعيد” حانقًا وفي يديه صينية عليها كوب من الحليب الذي لا يفضل “عزيز” شربه كثيرًا.
وبأعين ثاقبة تفرس العم “سعيد” بالنظر إليه وهو يضع أمامه كوب الحليب مقررًا إجباره على تناوله.
_ أنت أفتكرت “سالم” بيه الله يرحمه، ما أصل أنا مش بشوفك بالشكل ده غير لما بتفتكره أو حاجه شغلاك وديما بيكون همك هما، “نيرة” و “سيف” و “نيرة” الحمدلله حياتها مستقرة، يبقى أكيد “سيف”.
والعم” سعيد” لا يتوقف عن ثرثرته إلا وأخرج كل ما يشغل باله ويستنكره.
_ حاله مبقاش عجبني، مش ده “سيف” يا بني.. مش ده ابن “سالم الزهار”.
حرك “عزيز” رأسه مُتنهدًا ثم نهض من وراء طاولة مكتبه.
_ ولا بقى عجبني أنا كمان يا عم “سعيد”.
_ سامحني يا بني في تغليطي ليك لكن أنت غلط لما سيبته يشتغل معاها ولما وافقت على جوازه من واحده جبهالنا في أيده وهو راجع.
أطرق عزيز “رأسه”، فهذا بالفعل خطأه من البداية لأنه لم يرغب في إجباره على شئ حتى يرى نتيجة أخطائه بعينيه بعد أن ينال ما أراد لكن الأمر وصل بهم لطريق أخر لم يحسب له حسابًا.
_ كنت فاكر إن تربيتي ليه على الحلال والحرام هتتغلب على كل حاجة.
أمتدت يد “سعيد” إليه رابتًا على كتفه.
_ هفضل ديما أقولها ليك يا بني متشيلش نفسك فوق طاقتك، أنت عملت كل حاجة عليك ورسالتك وأدتها معاهم وحفظت على فلوسهم.
استدار “عزيز” إليه وسأله وهو يتمنى أن يُعطيه ردًا يريح عقله.
_ يعني أسيبه يضيع يا عم “سعيد” ، قولي يا راجل يا طيب لو أنت مكاني تعمل إيه؟
حدق به العم “سعيد” بنظرة يفهمها “عزيز” ، فأحثه على الكلام.
_ قول يا راجل يا طيب عايز تقول إيه.
قطب العم “سعيد” جبينه ثم أبتعد عنه.
_ خلي يشيل شويه عنك وبلاش يا بيه كلامك عن إنه بقى مهندس ومش بيفضل شغل الخشب وأنت مش هتقدر تجبره على حاجه زي ديه ، ما الشغل ده هو اللي كبره وعلمه وخلاه يعيش عيشه محترمه… وده ماله ولازم يحافظ عليه.
فرك “عزيز” جبينه حائرًا ووقف أمام نافذة غرفة مكتبه ليهتف العم “سعيد” .
_ أنا عندي فكرة يا بيه، أسمعها مني ونفذها…
…
أبتعدت عن طريقه وأشاحت وجهها عنه بنظرة مستنكرة، فأسرع “سيف” ورائها.
_ “بيسان” من فضلك أستني.
زفرت أنفاسها بضيق و ألتفت إليه.
_ قولتلك تبعد عني، أنا فصلت خلاص شغلي عن شغلك.
أخفض “سيف” رأسه بخزي من فعلته معها تلك الليلة.
_ مهما أعتذرت ليكي عندك حق لكن عايز اقولك أني…
أنحشر الكلام الذي رتبه بصعوبه في حلقه مع رنين هاتفه، فتحركت من أمامه نحو سيارتها.
تنهد بقوة ثم نظر إلى الهاتف عاقدًا حاجبيه وأسرع بالرد.
_ أيوة يا عم “سعيد”، بتقول إيه… عمي ماله رد عليا أرجوك.
أحتلى الهلع ملامح “سيف” وأتجه إلى سيارته، فهتفت به “بيسان” بقلق بعدما أتجهت إليه.
_ حصل إيه، “عزيز” بيه حصله حاجه…
وجلست جواره بالسيارة التي يقودها بسرعة.
_ أطلب له الدكتور “رضوان” صديق بـ بابا.
رمقها “سيف” بنظرة خاطفة ثم زفر أنفاسه بقوة دون قدرة على الكلام، فالعم “سعيد” أخبره أنه وجده مُغشيًا عليه بغرفة مكتبه.
…
ألتمعت عيناي العم “سعيد” الذي وقف بعيدًا عن “عزيز” حتى يُنفذ خطتهم بنجاح دون توتر كما أخبره.
زفر “عزيز” أنفاسه غير مُصدقًا إنه نفذ ما وجدها العم “سعيد” صائبًا وقرر إدعاء المرض.
_ قولتله إيه يا عم “سعيد”.
أتجه إليه العم “سعيد” ثم دفعه نحو غرفة المكتب.
_ أنت تروح تقعد في أوضة المكتب مهموم وحزين وتعمل زي ما أتفقنا وأنا هكلم “ليلى” تيجي على الفيلا لينا.
أسرع “عزيز” بمقاطعته.
_ لا بلاش تقلق “ليلى”، أنت عارف إنها بتتفزع بسرعه ولما بتقلق بتتعب.
_ قلبك حنين يا بيه، ما هو ده بقى هينفع معانا اليومين الجايين، لازم نمشيها صح و “ليلى” هتخدمنا أوي في الموضوع.
ألتقط “عزيز” ذراعه مُحذرًا.
_ عم “سعيد” متتصلش بيها تيجي الفيلا دلوقتي وأنا بعدين هفهمها كل حاجه الأول.
لطم العم “سعيد” كفوف ببعضهما وتحرك من أمامه مُستاءً.
_ خوفك عليهم بيزيدهم جفا عليك… حاضر مش هكلمها خليها قاعده جانب” عايدة”، أنت روح أعمل نفسك تعبان ومش قادر تاخد نفسك.
أخذ “عزيز” نفسًا طويلًا ثم زفره.
_ أياك يا عم “سعيد” تكون واخدني على قد عقلي.
أستدار العم “سعيد” نحوه ثم أستكمل خطواته نحو المطبخ منتظرًا أن تمر الدقائق ثم يُهاتف “ليلى”.
_ ده أنا هخدمك يا بيه وأخليهم واقفين حواليك عشان تشوف حبهم القوي ليك.
…
نظرت “ليلى” جهة الغرفة التي تجلس بها “شهد” مع صديقتها” لميس” التي فور أن أتت من رحلتها بالخارج جائت لزيارتهم وتعزيتهم.
_ أدخلي يا “ليلى” قوليلهم يجوا يقعدوا معانا…
وسريعًا ما أنتبهت “عايدة” على توترها، فضاقت حدقتاها مُتسائلة.
_ في حاجة عايزه تقوليها ليا يا” ليلى” ؟
أخفضت “ليلى” رأسها، فهي تشعر بالحرج من تلك الأسئلة التي ترغب بسؤالها لها حتى تتأكد إذا كان ما يحدث معها أعراض حمل ورغم شكوكها الضعيفة إلا أن رغبة “عزيز” المتكررة بدأت تجعلها ترغب في حدوث هذا حتى تُفرح قلبه.
_ قولي يا “ليلى” من غير ما تترددي.
خطفت ليلى” نظرة سريعة نحو” عايدة” ثم تمتمت بصوت خافت.
_ أنا يعني عايز أتأكد….
صدح رنين هاتفها الموجود أمامها، فأعتلت الدهشة ملامحها.
_ عم” سعيد” بيتصل بيا..
…
وقفت” إلهام” وراء” زينة” بأعين تلألأت بها السعادة بعدما رأت مظهرها الأنيق في الثوب الذي أشترته لها خصيصًا من باريس وكان مُتحررًا للغاية حتى تلفت الأنظار لها ولجمالها.
_ زي القمر يا حببتي.
ألتفت “زينة” إليها وتسارعت دقات قلبها.
_ خالتو أنا مسافره الغردقة بعد الفرح مع “نيفين” وباقي الشيلة زي ما أتفقنا.
ابتسمت “إلهام” ومررت كفيها على خديها.
_ رغم إني شايفه إن مافيش سبب مُقنع إنك تسافري بعد فرح “مراد” علطول لكن هقول إيه مادام متفقة مع صحابك خلاص يا حببتي، أهم حاجة تنبسطي.
حاولت “زينة” إظاهر سعادتها وأرتمت بحضنها.
_ بحبك يا خالتو.
ضمتها “إلهام” بقوة.
_ وانا بحبك فوق ما تتصوري ونفسي يجي اليوم اللي أشوفك فيه عروسه.
جف حلق “زينة” وأبتعدت عنها، فأبتسمت” إلهام” وربتت على خدها حتى تُطمئنها.
_ بترتجفي ليه لما بتيجي السيرة ديه، متخافيش يا حببتي العملية هتعمليها قبل فرحك علطول ومحدش هيعرف إنك مكنتيش بنت…
رواية ظنها دمية بين أصابعه.
بقلم / سهام صادق.