رواية طفلة في ق.لب الفرعون(الفصل السادس إلى الأخير) بقلم رحمة سيد
هزت رأسها نافية، وخرجت حروفها مشتتة كحالتها الباكية وهي تخبره:
-محصلش، حاول يـ…..
ولم تستطع نطقها…الكلمة كانت ثقيلة على روحها ق.بل لسانها… وازدادت السعرة احتدادًا بعينـا يزيد حتى شعرت دنيا أن مصير ياسر كله متعلق بين ش.فتاها…!
اخذت نفسًا عميقًا تحاول تهدئة نفسها، ثم اردفت:
-بس ايمن ده جه وزقه وهو مشي
عاد ليض,مها لصد,,ره مرة اخرى بجنو,ن اكبر ولكن الارتياح صاحبه….ولكن ذلك النداء العاجل ل ياسر لم يخفت…. لم يختفي من عقله ولكنه يزداد علوًا وشحذًا……….
نظر يزيد نحو أيمن متابعًا بجدية:
-ايمن تعالى امن لنا طريق الخروج وهاتلي سلا.حي، واما نخرج من هنا انت خليك على تواصل مع ياسر على التليفون واوعى تخليه يجي هنا تاني، يمكن يهر.ب… هو مش هيلحق يهر.ب المرة دي بس ممكن!
اومأ ايمن مؤكدًا وهو يقدم له سلا.حه بسرعة، ليربت يزيد على كتفه كحركة معبرة عن امتنا.نه وشك.ره:
-ماخيبتش ظني فيك يا ايمن وماغلطناش لما زرعناك في ح.ضن ياسر من بدري وكنت عارف إننا هنحتاجك كتير…
ابتسم ايمن ابتسامة عملية مفتخ.ـرة… ثم تقدم امام يزيد وخلف يزيد دنيا التي لم تخف ارتجا.فتها .. ليخرجوا جميعهم وما إن خرجوا لم يعطهم يزيد الفرصة للتص.رف فانطلق الر.صاص منه ومن ايمن لينبطح الخم.س رجال ارضًا نازفين د.ماءهم…
ركض كلاً من يزيد ودنيـا فسمع يزيد صوت ايمن يهتف:
-انا اتصلت بيهم وزمانهم وصلوا يا باشا
اومأ يزيد برأسه واستمر في ركضه هو ودنيا حتى خرجـا فوجد بالفعل سيارة شر.طة تنتظرهم حينها صعدها هو ودنيا وهو يتنهد بارتيـاح… ولكن ذلك الارتياح مطع.ون بأشواك الحق.د والجنو.ن داخل يزيد تجاه ياسر…….!
****
في نفس الوقت…….
دلف ياسر منزله القديم بنفس الحالة الغريبة… عينـاه تبحث عن كنه تلك الحالة التي بعثرت مكنونات حياته الساكنة….!!!؟
كان يبحث عن عهد…. وقد كانت اسمًا على م.سمى…. هي عهد…. ولكن عهد بالق,سوة….. عهد بال !!…..
وجدها كما كانت متس,طحة على الأريكة وقدمها على حجر والدته فتقدم منهم بخطى سريعة لتسأله والدته بقلق:
-مالك يا ياسر؟
لم يجبها وهو يم.سك ذراع عهد يهزها بعن,ف صارخًا بغ,ضب متهو,ر شاحذ كان يلون ادراجه بالثبات امام والدته على الاقل:
-قومي، قومي يلا يا قذ,ره
إنتف,ضت عهد من نو,متها القصيرة تحدق به بعين قط مذ,عور، ولكن والدته لم تتم.سك كثيرًا برداء الصمت المذهول بل راحت تهدر فيه بعدم تصديق:
-انت اتج.ننت!! شكلك فعلًا اتج.ننت
وهو لم يكن بحالة اقل جنونًا من الوصف فكان يستطرد بصوت اج,ش عالي:
-ايوه اتج.ننت، اتج,ننت بسبب بنت اختك الفا,جرة العا,هرة
لم تتردد والدته وهي ترفـع يدها لتص,فعه بع,نف….. تصف,عه…..!!؟ ليت الصف,عات تمحي الخط,ايا… ليت الص.فعات تنتشل جذورنا من ماضي ملو,ث لتنبطح في ارض الواقع ولكن بصورة أنقى…..!
كان ساكنًا للحظات فقط… ثم سحب عهد فج,أة من ذراعها بع,نف نحو الغرفة…. دفعها نحو الغرفة ثم دلف واغلق الباب بالمفتاح متجاهلًا ص.راخ والدته المحتد عليه……..
كانت نظراته تتفحص عهد التي كانت شاحبة… مر,تعدة…. ولازال الخو,ف والعذ,اب ي فيها بريق الحياة الذي كان يلفت الانظار بأعج,اب لها……!!
بدأ يتقدم منها بخطى بطيئة…. بينما هي تهز رأسها نا,فية ترجوه بض,عف:
-ياسر انت هتعمل ايه.. ابعد والنبي ماتقربش يا ياسر خلاص بالله عليك
رفـع يده عاليًا ينوي صف,عها ليفر.غ تلك الطاقة المشحونة بالقس,وة…. فص.رخت وهي تخبئ وجهها بخو,ف….. ولكن بلحظة إنقلب كل شيء… فوجد ياسر نفسه يجذ,بها لأح.ضانه بقوة… يدفعها بج.سده نحو الحائط ويداه تشدد من عنا,قها لتنفج,ر هي باكية في طوق تلك العا,طفة التي اغد,قتهم فج,أة…..
تبكي .. تبكي ك,ره ياسر لها… تبكي خس,ارته…. تبكي خس,ارة نفس,,ها وذاتها…..!
غرز وجهه عند رقبتها يستن,شق رائحتها بش,غف غريب… الو,جع والدواء منها… كيف لها أن تكون بهذا التنا,قض في حياته ؟؟…..
قطع رنين بكاءها صوته الذي اتاها من وادي بعيد يسألها وكأنه ليس هو:
-عايز أعرف كل حاجة حصلت، ازاي وصلتي لكده؟؟!!
رفعت رأسها على استح,ياء له… ببطء كطفلة مر,تجفة تسأله بصوت متحشرج:
-هتصدقني؟
كان م.ستسلم لطوفان فطرته فهز رأسه يجيبها بما يريد أن يفعل:
-هصدقك
وكاد يبتعد عنها ولكنها تشبثت بأح.ضانه وكأنها تستمد الق,وة والجر,أة منه…. فهم.ست واخيرًا:
-ماتبعدش! خليني في ح.ضنك.. الموضوع بدأ من بدري اوي.. كنت قاعده معاكم عادي بس انت ماكنتش مهتم بيا اطلاقا، حتى ماكنتش تعرف انا بروح فين وباجي منين.. في مرة كنت راجعه من الكلية بس اتأخرت مع صحابي شوية، نزلت من الميكروباص وقررت اتمشى شوية وكنت مخنو.قة جدا…. بس حصل اللي ماكنتش اتوقعه، فج.أة لاقيت واحد شكله غريب قدامي، تقريبا كان شارب حاجة.. فضل يقرب مني… حاولت اهر,ب منه.. حاولت اجري…. حاولت اض.ربه… اعمل اي حاجة بس المهم ماسبهوش ياخد اغلى حاجة عندي.. ماكنتش قادرة امنعه.. حاولت بس كنت ضعيفة مقدرتش كنت عامله زي الفرخة اللي ، كنت شايفه كل حياتي بتد,,مر.. مكنتش حاسه بالال,م الج.سدي على قد ما كان ق,لبي وا,,جعني اوي.. وكأنه بيع,,يط معايا.. تخيل يا ياسر.. … ساعة كاملة بعيط وبص.رخ لحد ما حسيت إن صوتي راح !!!
وضع يده بسرعة على ف,مها…يريد إيقاف سيل تلك الكلمات التي تنطلق من بين ش.فتاها لتنغرز واحدة تلو الاخرى كالسكا,,كين في منتصف قل.به…يكفي… يا اللهي لم يعد يحتمل سماعها اكثر…. يشعر بروحه تنز,ف… تتو,سل الرحمة… سيخ,تنق حتمًا من تلك الرائحة بالعجز التي احاطت به من كل جانب وهو يستمع تفاصيل انتها,ك ح,قه…..!!
خرجت حروفه مختلطة بدموعه التي بدأت تسقط ر.غمًا عنه وهو يهم.س لها:
-اسكتي.. كفاية، مش عايز اسمع ارحميني
هزت رأسها نافية، ستخرج تلك الحكاية من بين ثنايا لتستطع التنفس حتى…. ثم اخبرته دون روح:
-لا، انا عايزه احكي… سنة وانا شايله في قل.بي ومحدش حاسس بيا !!!
لم تنظر لعيناه التي تقطر و.جعًا وند.مًا وراحت تكمل:
-اخدت تاكسي في نفس الليلة بعد ما الحيو.ان هر,ب، مش هنسى في حياتي نظرة الش.فقة اللي سواق التا.كسي كان بيبص لي بيها… مع انها كانت ش.فقة بس انا كنت حاسه ان نظرته بتعر,يني، في اليوم ده ماكنش في حد في البيت وخالتي كانت شغالة في الفندق فكانت بتخرج من ١٢ الضهر وترجع ١٢ بليل، بمجرد ما دخلت البيت انهر.ت… حتى اني فكرت انتح.ر.. بس حتى ده كنت عاج.زه فيه ومقدرتش اعملها.. فكرت فيك…. كان نفسي تبقى موجود في حياتي زي زمان، كان نفسي اجري استخ.بى في ح.ضنك، بس ماكنتش لاقياك.. انت كنت بعيد اووي، وانا كنت في حالة غريبة…. وفج.أة لاقتني قررت اروح اعيش في شقة بابا وماما الله يرحمهم، رجعت اخد معاش بابا و اخدتلي حوالي شهرين مش بخرج من البيت وصحبتي كانت بتجيلي احيانًا وبتجبلي المعاش كل شهر، وفي مرة افتكرت ان واحدة اعرفها بتشتغل في كبا,ريه! ومحدش كان يعرف بس انا عرفت منها في مرة صدفة، كلمتها…. قالتلي إنها بتشتغل كجرسونة مش اكتر! ومن غير اي مقدمات لاقتني بشتغل معاها.. كـ جرسونة برضو بس بطريقة غريبة، اللي هو اقعدي مع الزبون اشربي كاسين واض.حكي وهزري وممكن تر.قصي وخدي منه النقطه وامشي، بس انا كنت في حالة مش طبيعية.. زي اللي من غير عقل… خدت فترة بشتغل كده وبعد كده لاقتني بقول لنفسي طب ما انا اساسًا خلاص خس.رت الحاجة اللي مفروض ما اعملش كده ع.شانها، يعني لو طورت شغلي وزودت مر.تبي محدش هيعرف اصلا، واكيد انا مش هتجوز اساسًا فـ عادي بقا…. وفعلًا بقيت كده، بس مع اول ليلة واول زبون مقدرتش.. مقدرتش اسيبه يكمل كنت حاسه كأن نا.ر بتو.لع في ج.سمي والليلة اياها بتتعاد في ذاكرتي تلقائيًا، طبعا خر.بت الدنيا والزبون وطفش وساعتها صاحب الكبا.ريه بهد.لني ور.جعني مجرد جرسونه تاني…. لحد ما انت شوفتني في اليوم اياه… شوفت الموضوع سهل ازاي يا ياسر؟
وما إن انهت كلماتها كان هو يهز رأسه نف.يًا وهو يتراجع بسرعة نحو الخارج.. بدا وكأنه يحاول التمل.ص من بين مخالب الماضي القا.سية التي ركض لها بقدماه….!!!
خرج من الغرفة دون كلمة اخرى…. لا يحتمل اساسًا…. يشعر أن كلماتها تحر.ق جلده… تخت.رق روحه لتنشر به سم اصعب من الموت…. سم يشعره أن يموت وهو على قيد الحياه!!!
بمجرد أن رأته والدته ص.رخت فيه بجنو.ن:
-انت عملت فيها ايه؟؟ وايه اللي انا سمعته ده؟؟؟ ايه اللي انت بتقوله عن بنت خالتك ده انت اتج.ننت
تنعته بالجنو.ن بينما هي التي بدت في قوقعة الجنو.ن تمامًا…. بالر.غم من أنها سمعت كل اعترافات “عهد” ولكنها لا تريد الاستيعاب….!!؟
فتح ياسر باب المنزل وكاد يخرج ولكن هاتفه رن فأخرج بصمت يجيب:
-خير يا أيمن؟؟
-انت في البيت القديم يا ياسر صح؟
اومأ ياسر مؤكدًا:
-ايوه لية حصل حاجة؟؟؟
ولكن بمجرد أن أطلق سراح سؤاله… قرر القدر عدم اطلاق سراحه فكانت طرقات حادة على الباب تصدح… فتح ياسر الباب بوجود الشر.طة امامه…….
لم يتوقع قط أن يعلموا بمكان منزلهم القديم الذي لا يعلم مكانه سوى….. أيمن!!
صديقه الو.في الذي أعتقد أنه درعه الواقي… فوجده فج.أة الس.هم الذي يص.يبه بض.راوة!!!….
كان متخشب مكانه صامت….. لا يعلم كيف اتفقت دنيا مع الشر.طة…. ولا يريد أن يعلم….
خسر كل شيء…. عمله الفا.سد… رب عمله… صديقه…. وصغيرته عهد !!؟
رفع يداه امام الضا.بط بصمت فوضع الضا.بط “السلاسل” في يداه حينها انتبهوا على ص.رخة عهد باسم والدته التي سق.طت ارضًا مم.سكة بقلبها بأل.م…….
حينها ادرك أنه خس.ر والدته ايضًا……….!
****
في القص.ر الذي يقيم به يزيد……..
كانت دنيا جوار يزيد الذي كان يجلس على الفراش مم.سكًا برأسه المضمدة من الأل.م الذي لم يزول….
اقتربت منه دنيا حتى اصبحت ملتصقة به فابتعد هو بتلقائية بهدوء… ليجدها تقترب مرة اخرى.. فابتعد مرة اخرى… فاقترب اكثر وهي تحدق به متمتمة بنبرة مشا.كسة تخصه بها وحده:
-يا زانقني وجمبك فاضي.. ازنقني كمان وانا راضي!
فانفج,ر يزيد ضا,حكًا… وتلقائيًا تسللت الضح,كة لثغر دنيـا…. عندما تفعل شيء وتصدح ضحكاته كهذا كأعزوفة ايقاعها الشغف… تشعر أنها فعلت شيء….. فعلت شيءً كبيرًا….!
توقف عن الضحك وهو ينظر لذلك الضجيج العاطفي بعنيـاها.. فاقترب هو بخ.بث هذه المرة يهم.س بعبث واضح….
-من العين دي ق.بل العين دي!
اخذ يقترب ببطء منها فهتفت هي بنفس المرح الطفولي:
-يا جاروحني بلُقمه ناش.فة والعيش عندك طري، تقلان عليا لية ما تحن يا مفتري!!! إيه بقا هفضل م.ستنيه كده كتير؟
ظل يهز رأسه نافويًا من وسط ضحوكاته يخبرها مشاوكسًا:
-لا لا إنتِ مش معقولة، بتفكريني بـ دقدق القهوجي، نفس شقواوته!
حينها لم تتحمل فنهضت واقفة تتخص.ر وهي تهتز ببطء مزمجرة بغضوب لذيذ:
-نعممم ياخويا !! يعني انا بقالي ربع ساعة عماله اقولك حِكم واعاوكسك ع.شان افكرك بدقدق القهوجي؟؟؟
ثم إنق.ضت عليه تم.سكه من ياقة قم,يصه وتهز رأسها نا.فية بجدية مصطنعة:
-لا لا أنت ڤيروس عاطفي، أنت اللي زيك مش لازم يعيش!!
مال يزيد للخلف ليتمدد على الفراش متنهدًا ولم يكتم ضح.كاته الرجولية التي لم تكف عن التوغل لثنايا روحها فتجعلها أسيـرة… اسيرة له… لضحك.اته…. اسيرة لا تريد حريتها !………
فاقتربت هي منه حتى اصبحت تطل عليه.. خصلاتها الطويلة تحيط وجههما سويًا…. تفصلهما عن عالمنـا هذا…. لينغم.سـا في جذور عالم آخر…. عالم النظرة فيه بمثابة الكلمة…. والتنهيدة فيه بمثابة حرف….. حروف وكلمات منبعها الع.شق منسدلاً من خيط العا.طفة……
اقتربت اكثر وهي تهم.س له بما يشبه التو.سل الطفولي:
-يزيييد… انت بتح.بني ولا لا؟؟
لم يتخلى عن ابتسامته وهو يج.يبها بنفس الهم.س:
-لو ماحبتكيش احب مين غيرك؟!
رفعت كتفاها تصطنع التمنع متابعة:
-فيه بنات كتير
-كلهم بالنسبالي غفر!
ازدادت جرعة الحماس تدفقًا داخلها فاقتربت منه اكثر تسأله بابتسامة واسعة:
-وانا بالنسبالك ايه؟!
رد بنفس البساطة:
-شيخ الغفر..!
تجمدت تلك الابتسامة على فاهها لتنصهر شيءً فشيء تذو,ب بين ثورة الغضب التي اند,لعت داخلها وهي تندفع تكاد تبتعد وهي تص.رخ به بجنون:
-شيخ الغفر!!!! انا مهزقه اصلاً ع.شان بحب واحد بارد زيك مفكر نفسه الخليل كوميدي..
ولكن يزيد التقطها ق.بل أن تبتعد ضاحكًا، كبل خص.رها بيداه وهو يقربها منه عن,وة… ولكن عندما وجدها تبتعد بتمنع مصطنع نهض في حركة واحدة لينعكس الوضع……
****
